← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11769

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية

ابن بطوطة

Полный текст (1 410 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

السلطان إلى داره ليلا وحضر عقد النكاح كأنه نائب عن الوزير، ووقف حتى قرأ قاضي القضاة الصداق، والقضاة والأمراء والمشايخ قعود، وأخذ السلطان بيده الأثواب والبدر فجعلها بين يدي القاضي وولدى خذاوند زاده، وقام الأمراء وأبوه أن يجعل السلطان ذلك بين أيديهم بنفسه فأمرهم بالجلوس وأمر بعض كبار الأمراء أن يقوم مقامه وانصرف حكاية في تواضع السلطان وإنصافه ادعى عليه رجل من كبار الهنود أنه قتل أخاه من غير موجب ودعاه إلى القاضي فسلّم وخدم، وكان قد أمر القاضي قبل ذلك أنه إذا جاءه إلى مجلسه فلا يقوم ولا يتحرك، فصعد إلى المجلس ووقف بين يدي القاضي فحكم عليه أن يرضى خصمه عن دم أخيه فأرضاه. حكاية مثلها وادعى على السلطان مرة رجل من المسلمين أنّ له قبله حقا ماليا فتخاصما في ذلك عند القاضي، فتوجه الحكم على السلطان بإعطاء المال فأعطاه. حكاية مثلها وادعى عليه صبي من أبناء الملوك أنه قد ضربه من غير موجب ورفعه إلى القاضي فتوجه الحكم عليه بأن يرضيه بالمال إن قبل ذلك وإلا أمكنه من القصاص، فشاهدته يومئذ وقد عاد لمجلسه واستحضر الصبي وأعطاه عصا، وقال له، وحقّ رأسي لتضربنني كما ضربتك! فأخذ الصبي العصا وضربه بها إحدى وعشرين ضربة حتى رأيت الكلا قد طارت عن رأسه!! ذكر اشتداده في إقامة الصلاة وكان السلطان شديدا في إقامة الصلوات آمرا بملازمتها في الجماعات يعاقب على تركها أشد العقاب، ولقد قتل في يوم واحد تسعة نفر على تركها كان أحدهم مغنيا. وكان يبعث الرجال الموكلين بذلك إلى الأسواق فمن وجد بها عند إقامة الصلاة عوقب، حتى انتهى إلى عقاب الستائريين «٧٥» الذين يمسكون دواب الخدام على باب المشور، إذا ضيعوا

стр. 772

الصلاة، وأمر أن يطلب الناس بعلم فرائض الوضوء والصلاة وشروط الإسلام، فكانوا يسألون عن ذلك، فمن لم يحسنه عوقب، وصار الناس يتدارسون ذلك بالمشور والأسواق ويكتبونه! ذكر اشتداده في إقامة أحكام الشرع وكان شديدا في إقامة الشرع، ومما فعل في ذلك أن أمر أخاه مبارك خان «٧٦» أن يكون قعوده بالمشور مع قاضي القضاة كمال الدين في قبة مرتفعة هنالك مفروشة بالبسط وللقاضي بها مرتبة تحف بها المخاد كمرتبة السلطان ويقعد أخو السلطان عن يمينه فمن كان عليه حق من كبار الأمراء وامتنع من أدائه لصاحبه يحضره رجال أخي السلطان عند القاضي لينصف منه. ذكر رفعه للمغارم والمظالم وقعوده لإنصاف المظلومين ولما كان في سنة إحدى وأربعين «٧٧» أمر السلطان برفع المكوس عن بلاده وأن لا يؤخذ من الناس إلا الزكاة والعشر خاصة وصار يجلس بنفسه للنظر في المظالم في كل يوم اثنين وخميس برحبة أمام المشور «٧٨» . ولا يقف بين يديه في ذلك اليوم إلا أمير حاجب «٧٩» وخاص حاجب «٨٠» وسيد الحجاب وشرف الحجاب «٨١» لا غير، ولا يمنع أحد ممن أراد الشكوى من الوقوف بين يديه. وعين أربعة من كبار الأمراء يجلسون في الأبواب الأربعة من المشور لأخذ القصص من المشتكين، والرابع منهم هو ابن عمه ملك فيروز، فإن أخذ صاحب الباب الأول الرفع من

стр. 773

الشاكي فحسن، وإلا أخذه الثاني أو الثالث أو الرابع، وإن لم ياخذوه منه مضى به إلى صدر الجهان قاضي المماليك «٨٢» ، فإن أخذه منه وإلا شكا إلى السلطان، فإن صح عنده أنه مضى به إلى أحد منهم فلم ياخذه منه أدبه، وكلما يجتمع من القصص في سائر الأيام يطالع به السلطان بعد العشاء الآخرة. ذكر إطعامه في الغلاء ولما استولى القحط على بلاد الهند والسّند «٨٣» واشتد الغلاء حتى بلغ من القمح إلى ستة دنانير «٨٤» ، أمر السلطان أن يعطي لجميع أهل دهلى نفقة ستة أشهر من المخزن بحساب رطل ونصف من أرطال المغرب «٨٥» لكل إنسان في اليوم صغيرا أو كبيرا حرا أو عبدا وخرج الفقهاء والقضاء يكتبون الأزمّة بأهل الحارات، ويحضرون الناس ويعطى لكل واحد عولة ستة أشهر يقتات بها. ذكر فتكات هذا السلطان وما نقم من أفعاله وكان على ما قدمنا من تواضعه وإنصافه ورفقه بالمساكين وكرمه الخارق للعادة كثير التجاسر على إراقة الدماء لا يخلو بابه عن مقتول إلا في النادر، وكنت كثيرا ما أرى الناس يقتلون على بابه ويطرحون هنالك، ولقد جئت يوما فنفر بي الفرس، ونظرت إلى قطعة بيضاء في الأرض فقلت ما هذه؟ فقال بعض أصحابي: هي صدر رجل قطع ثلاث قطع! وكان يعاقب على الصغيرة والكبيرة ولا يحترم أحدا من أهل العلم والصلاح والشرف، وفي كل يوم يرد على المشور من المسلسلين والمغلولين والمقيدين مئون، فمن كان للقتل أو للعذاب عذب أو للضرب ضرب، وعادته أن يؤتى كلّ يوم بجميع من في سجنه من الناس إلى المشور ما عدا يوم الجمعة فإنهم لا يخرجون فيه وهو يوم راحتهم يتنظفون فيه ويستريحون أعاذنا الله من البلاء.

стр. 774

ذكر قتله لأخيه وكان له أخ اسمه مسعود خان وأمه بنت السلطان علاء الدين، وكان من أجمل صورة رأيتها في الدنيا، فاتّهمه بالقيام عليه «٨٦» ، وسأله عن ذلك فأقر خوفا من العذاب فإنه من أنكر ما يدعيه عليه السلطان من مثل ذلك يعذب! فيرى الناس أن القتل أهون عليهم من العذاب فأمر به فضربت عنقه، في وسط السوق وبقى مطروحا هنالك ثلاثة أيام على عادتهم، وكانت أم هذا المقتول قد رجمت في ذلك الموضع قبل ذلك بسنتين لاعترافها بالزّنا فرجمها القاضي كمال الدين. ذكر قتله لثلاثماية وخمسين رجلا في ساعة واحدة ! وكان مرة عيّن حصّة من العسكر تتوجه مع الملك يوسف بغرة «٨٧» إلى قتال الكفار ببعض الجبال المتصلة بحوز دهلى فخرج يوسف وخرج معه معظم العسكر وتخلف قوم منهم، فكتب يوسف إلى السلطان يعلمه بذلك، فأمر أن يطاف بالمدينة ويقبض على من وجد من أولئك المتخلفين ففعل ذلك وقبض على ثلاثماية وخمسين منهم فأمر بقتلهم أجمعين فقتلوا! ذكر تعذيبه للشيخ شهاب الدين وقتله وكان الشيخ شهاب الدين ابن شيخ الجام الخراساني الذي تنسب مدينة الجام بخراسان إلى جده حسبما قصصنا ذلك، من كبار المشايخ الصلحاء الفضلاء «٨٨» ، وكان يواصل أربعة عشر يوما، وكان السلطانان قطب الدين وتغلق يعظمانه ويزورانه ويتبركان به، فلما ولى السلطان محمد أراد أن يخدم الشيخ في بعض خدمته، فإن عادته أن يخدم الفقهاء والصلحاء محتجا أن الصدر الأول، ﵃، لم يكونوا يستعملون إلا أهل العلم والصلاح، فامتنع الشيخ شهاب الدين من الخدمة، وشافهه السلطان بذلك في مجلسه العامّ

стр. 775

فأظهر الإباءة والامتناع! «٨٩» فغضب السلطان من ذلك، وأمر الشيخ الفقيه المعظم ضياء الدين السمناني أن ينتف لحيته! فأبى ضياء الدين من ذلك، وقال: لا أفعل هذا، فأمر السلطان بنتف لحية كل واحد منهما! فنتفت! ونفي ضياء الدين إلى بلاد التّلنك، ثم ولاه بعد مدة قضاء ورنكل «٩٠» فمات بها. ونفى شهاب الدين إلى دولة آباد، فأقام بها سبعة أعوام ثم بعث عنه فأكرمه وعظّمه وجعله على ديوان المستخرج «٩١» ، وهو ديوان بقايا العمّال يستخرجها منهم بالضرب والتنكيل، ثم زاد في تعظيمه وأمر الأمراء أن يأتوا للسلام عليه ويمتثلوا أقواله، ولم يكن أحد في دار السلطان فوقه، ولما انتقل السلطان إلى السكنى على نهر الكنك، وبنى هنالك القصر المعروف بسرك دوار، معناه شبيه الجنة «٩٢» ، وأمر الناس بالبناء هنالك، طلب منه الشيخ شهاب الدين أن يأذن له في الإقامة بالحضرة، فأذن له إلى أرض موات مسافة ستة أميال من دهلى فحفر بها كهفا كبيرا صنع في جوفه البيوت والمخازن والفرن والحمّام وجلب الماء من نهرجون، وعمر تلك الأرض وجمع مالا كثيرا من مستغلها لأنها كانت السنون قاحطة، وأقام هنالك عامين ونصف عام مدة مغيب السلطان. وكان عبيده يخدمون تلك الأرض نهارا ويدخلون الغار ليلا ويسدّونه على أنفسهم وأنعامهم خوف سرّاق الكفار لأنهم في جبل منيع هنالك، ولما عاد السلطان إلى حضرته استقبله الشيخ ولقيه على سبعة أميال منها فعظّمه السلطان وعانقه عند لقائه، وعاد إلى غاره، ثم بعث عنه بعد أيام فامتنع من إتيانه، فبعث إليه مخلص الملك النّذرباري «٩٣» ، وكان من كبراء الملوك فتلطف له في القول وحذره بطش السلطان فقال له: لا أخدم ظالما أبدا! فعاد مخلص الملك إلى السلطان فأخبره بذلك فأمر أن ياتي به، فأتى به فقال له: أنت القائل: إني ظالم؟ فقال: نعم أنت ظالم، ومن ظلمك كذا وكذا، وعدّد أمورا، منها تخريبه لمدينة

стр. 776

دهلى وإخراجه أهلها، فأخذ السلطان سيفه ودفعه لصدر الجهان، وقال: يثبت هذا أني ظالم واقطع عنقي بهذا السيف! فقال له شهاب الدين: ومن يريد أن يشهد بذلك فيقتل، ولكن أنت تعرف ظلم نفسك! وأمر بتسليمه للملك نكبية راس الدويداريّة، فقيّده بأربعة قيود وغلّ يديه وأقام كذلك أربعة عشر يوما مواصلا لا ياكل ولا يشرب! وفي كل يوم منها يؤتى به إلى المشور ويجمع الفقهاء والمشايخ، ويقولون له ارجع عن قولك، فيقول: لا أرجع عنه وأريد أن أكون في زمرة الشهداء! فلما كان اليوم الرابع عشر بعث إليه السلطان بطعام مع مخلص الملك، فأبى أن يأكل، وقال: قد رفع رزقي من الأرض! ارجع بطعامك إليه! فلما أخبر بذلك السلطان أمر عند ذلك أن يطعم الشيخ خمسة إستار «٩٤» من العذرة! وهي رطلان ونصف من أرطال المغرب، فأخذ ذلك الموكلون بمثل هذه الأمور، وهم طائفة من كفار الهنود، فمدّوه على ظهره وفتحوا فمه بالكلبتين وحلّوا العذرة بالماء، وسقوه ذلك، وفي اليوم بعده أتي به إلى دار القاضي صدر الجهان وجمع الفقهاء والمشايخ ووجوه الأعزة فوعظوه وطلبوا منه أن يرجع عن قوله فأبى ذلك فضربت عنقه، رحمه الله تعالى ذكر قتله للفقيه المدرس عفيف الدين الكاساني «٩٥» وفقيهين معه وكان السّلطان في سنين القحط قد أمر بحفر آبار خارج دار الملك، وأن يزرع هنالك «٩٦» زرع وأعطى الناس البذر وما يلزم على الزراعة من النفقة وكلفهم زرع ذلك للمخرن، فبلغ ذلك الفقيه عفيف الدين، فقال: هذا الزرع لا يحصل المراد منه! فوشى به إلى السلطان فسجنه وقال: له لأي شيء تدخل نفسك في أمور الملك؟ ثم إنه سرّحه بعد مدة فذهب إلى داره. ولقيه في طريقه إليها صاحبان له من الفقهاء، فقالا له: الحمد لله على خلاصك، فقال الفقيه: الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين «٩٧» ، وتفرقوا فلم يصلوا إلى دورهم حتى بلغ ذلك السلطان، فأمر بهم فأحضر ثلاثتهم بين يديه، فقال: اذهبوا بهذا، يعني عفيف

стр. 777

الدين، فاضربوا عنقه حمائل، وهو أن يقطع الرأس مع الذراع وبعض الصدر، واضربوا أعناق الآخرين، فقالا له: أما هو فيستحق العقاب بقوله، وأما نحن فبأي جريمة تقتلنا؟ فقال لهما: إنكما سمعتما كلامه فلم تنكراه فكأنكما وافقتما عليه! فقتلوا جميعا رحمهم الله تعالى!. ذكر قتله أيضا للفقيهين من أهل السند كانا في خدمته وأمر السلطان هذين الفقيهين السنديّين أن يمضيا مع أمير عيّنه إلى بعض البلاد وقال لهما انّما سلّمت احوال البلاد والرعيّة لكما ويكون هذا الأمير معكما يتصرّف بما تأمرانه به فقالا له: إنّما نكون كالشاهدين عليه ونبين له وجه الحقّ ليتبعه، فقال لهما: إنّما قصدكما أن تاكلا أموالي وتضيّعاها وتنسبا ذلك إلى هذا التركيّ الذي لا معرفة له، فقالا له، حاشا لله ياخوند عالم! ما قصدنا هذا، فقال لهما: لم تقصدا غير هذا! اذهبوا بهما إلى الشيخ زاده النّهاونديّ، وهو الموكّل بالعذاب، فذهب بهما إليه فقال لهما: السلطان يريد قتلكما، فأقرّا بما قوّلكما ايّاه ولا تعذّبا انفسكما! فقالا: والله ما قصدنا الّا ما ذكرنا، فقال لزبانيّته: ذوّقوهما بعض شيء، يعني من العذاب، فبطحا على أقفائهما وجعل على صدر كلّ واحد منهما صفيحة حديد محماة، ثمّ قلعت بعد هنيهة، فذهبت بلحم صدورهما، ثمّ أخذ البول والرماد فجعل على تلك الجراحات، فأقرّا على أنفسهما انّهما لم يقصدا الّا ما قاله السلطان وانّهما مجرمان مستحقّان للقتل! فلا حقّ لهما ولا دعوى في دمائهما دنيا ولا أخرى، وكتبا خطّهما بذلك واعترفا به عند القاضي! فسجّل على العقد وكتب فيه أن اعترافهما كان عن غير اكراه ولا إجبار، ولو قالا: أكرهنا لعذّبا أشدّ العذاب! ورأيا أن تعجيل ضرب العنق خير لهما من الموت بالعذاب الأليم فقتلا رحمهما الله تعالى! ذكر قتله للشيخ هود وكان الشيخ زاده المسمى بهود حفيد الشيخ الصالح الوليّ ركن الدين بن بهاء الدين بن أبي زكرياء الملتاني للبنت «٩٨» ، وجدّه الشيخ ركن الدين معظم عند السلطان، وكذلك أخوه عماد الدين الذي كان شبيها بالسلطان، وقتل يوم وقيعة كشلوخان وسنذكره «٩٩» ، ولما قتل عماد الدين أعطى السلطان لأخيه ركن الدين مائة قرية ليأكل منها ويطعم الصادر

стр. 778

والوارد بزاويته، فتوفى الشيخ ركن الدين وأوصى بمكانه من الزاوية لحفيده الشيخ هود، ونازعه في ذلك ابن أخي الشيخ ركن الدين، وقال: أنا أحق بميراث عمي، فقدما على السلطان وهو بدولة آباد، وبينها وبين ملتان ثمانون يوما فأعطى السلطان المشيخة لهود حسبما أوصى له الشيخ، وكان كهلا وكان ابن أخي الشيخ فتى، وأكرمه السلطان وأمر بتضييفه في كل منزل يحله وأن يخرج إلى لقائه أهل كل بلد يمر به إلى ملتان وتصنع له فيه دعوة. فلما وصل الأمر للحضرة خرج الفقهاء والقضاة والمشايخ والأعيان للقائه، وكنت فيمن خرج إليه، فلقيناه وهو راكب في دولة يحملها الرجال وخيله مجنوبة، فسلمنا عليه وأنكرت أنا ما كان من فعله في ركوبه الدولة، وقلت: إنما كان ينبغي له أن يركب الفرس ويساير من خرج للقائه من القضاة والمشايخ، فبلغه كلامي، فركب الفرس واعتذر بأن فعله أولا كان بسبب ألم منعه عن ركوب الفرس، ودخل الحضرة وصنعت له بها دعوة أنفق فيها من مال السلطان عدد كثير وحضر القضاة والمشايخ والفقهاء والأعزة ومدّ السماط وأتوا بالطعام على العادة. ثم أعطيت الدراهم لكل من حضر على قدر استحقاقه فأعطى قاضي القضاة خمسمائة دينار، وأعطيت أنا مائتين وخمسين دينارا، وهذه عادة لهم في الدعوة لسلطانية ثم انصرف الشيخ هود إلى بلده ومعه الشيخ نور الدين الشيرازي بعثه السلطان ليجلسه على سجادة جده بزاويته، ويصنع له الدعوة من مال السلطان هنالك، واستقر بزاويته وأقام بها أعواما ثم إن عماد الملك أمير بلاد السند كتب إلى السلطان يذكر أن الشيخ وقرابته يشتغلون بجمع الأموال وإنفاقها في الشهوات ولا يطعمون أحدا بالزاوية، فنفذ الأمر بمطالبتهم بالأموال، فطلبهم عماد الملك بها، وسجن بعضهم وضرب بعضا وصار يأخذ منهم كل يوم عشرين ألف دينار مدة أيام حتى استخلص ما كان عندهم ووجد لهم كثير من الأموال والذخائر من جملتها نعلان مرصعان بالجوهر والياقوت بيعا بسبعة الاف دينار قيل: إنهما كانا لبنت الشيخ هود، وقيل لسرّيّة له، فلما اشتدت الحال على الشيخ هرب يريد بلاد الأتراك، فقبض عليه، وكتب عماد الملك بذلك إلى السلطان فأمره أن يبعثه مبعث الذي قبض عليه كلاهما في حكم الثقاف، فلما وصلا إليه سرح الذي قبض عليه، وقال الشيخ هود: أين أردت أن تفر؟ فاعتذر بعذر، فقال له السلطان إنما أردت أن تذهب إلى الاتراك فتقول: أنا ابن الشيخ بهاء الدين زكرياء. وقد فعل السلطان معي كذا وتأتي لقتالنا، اضربوا عنقه، فضربت عنقه رحمه الله تعالى!

стр. 779

ذكر سجنه لابن تاج العارفين وقتله لأولاده وكان الشيخ الصالح شمس الدين ابن تاج العارفين ساكنا بمدينة كول «١٠٠» منقطعا للعبادة، كبير القدر، ودخل السلطان إلى مدينة كول، فبعث عنه فلم يأته، فذهب السلطان إليه، ثم لما قارب منزله انصرف، ولم يره. واتفق بعد ذلك أن أميرا من الأمراء خالف على السلطان ببعض الجهات وبايعه الناس فنقل للسلطان أنه وقع ذكر هذا الأمير بمجلس الشيخ شمس الدين فأثنى عليه وقال: إنه يصلح للملك، فبعث السلطان بعض الأمراء إلي الشيخ فقيّده وقيد أولاده وقيد قاضي كول ومحتسبها «١٠١» لأنه ذكر انّهما كانا حاضرين للمجلس الذي وقع فيه ثناء الشيخ على الأمير المخالف، وأمر بهم فسجنوا جميعا بعد أن سمل عيني القاضي وعيني المحتسب! ومات الشيخ بالسجن! وكان القاضي والمحتسب يخرجان مع بعض السجانين، فيسألان الناس، ثم يردان إلى السجن، وكان قد بلغ السلطان أن أولاد الشيخ كانوا يخالطون كفار الهنود وعصاتهم ويصحبونهم، فلما مات أبوهم أخرجهم من السجن، وقال لهم: لا تعود إلى ما كنتم تفعلون! فقالوا له: وما فعلنا؟ فاغتاظ من ذلك، وأمر بقتلهم جميعا! فقتلوا ثم استحضر القاضي المذكور، فقال: أخبرني بمن كان يرى رأى هؤلاء الذين قتلوا ويفعل مثل أفعالهم! فأملى أسماء رجال كثيرين من كبار البلد، فلما عرض ما أملاه على السلطان، قال: هذا يحب أن يخرّب البلد! اضربوا عنقه! فضربت عنقه، رحمه الله تعالى «١٠٢» . ذكر قتله للشيخ الحيدري وكان الشيخ علي الحيدري ساكنا بمدينة كنباية من ساحل الهند، وهو عظيم القدر شهير الذكر، بعيد الصيت، ينذر له التجار بالبحر النذور الكثيرة، وإذا قدموا بدءوا بالسلام عليه، وكان يكاشف بأحوالهم، وربما نذر أحدهم النذر وندم عليه، فإذا أتى الشيخ للسلام عليه أعلمه بما نذر له وأمر بالوفاء به، واتفق له ذلك مرات واشتهر به.

стр. 780

فلما خالف القاضي جلال الأفغاني وقبيلته بتلك الجهات «١٠٣» بلغ السلطان أن الشيخ الحيدري دعا للقاضي جلال وأعطاه شاشيته من رأسه «١٠٤» وذكر أيضا أنه بايعه، فلما خرج السلطان إليهم بنفسه وانهزم القاضي جلال خلّف السلطان شرف الملك أمير بخت أحد الوافدين معنا عليه، بكنباية، وأمره بالبحث عن أهل الخلاف، وجعل معه فقهاء يحكم بقولهم، فأحضر الشيخ علي الحيدري بين يديه وثبت أنه أعطى للقائم شاشيته، ودعا له فحكموا بقتله، فلما ضربه السياف لم يفعل شيئا وعجب الناس لذلك، وظنوا أنه يعفى عنه بسبب ذلك فأمر سيافا آخر بضرب عنقه فضربها، رحمه الله تعالى! ذكر قتله لطوغان وأخيه وكان طوغان الفرغاني وأخوه من كبار أهل مدينة فرغانة «١٠٥» فوفدا على السلطان فأحسن إليهما وأعطاهما عطاءا جزيلا، وأقاما عنده مدة، فلما طال مقامهما أراد الرجوع إلى بلادهما وحاولا الفرار، فوشى بهما أحد أصحابهما إلى السلطان فأمر بتوسيطهما فوسّطا! وأعطى للذي وشى بهما جميع مالهما، وكذلك عادتهم بتلك البلاد إذا وشى أحد بأحد وثبت ما وشى به فقتل أعطى ماله ذكر قلته لابن ملك التجار وكان ابن التجار شابا صغيرا لانبات بعارضيه، فلما وقع خلاف عين الملك وقيامه وقتاله للسلطان، كما سنذكره «١٠٦» ، غلب على ابن ملك التجار هذا، فكان في جملته مقهورا فلما هزم عين الملك وقبض عليه وعلى أصحابه كان من جملتهم ابن ملك التجار وصهره ابن قطب الملك فأمر بهما فعلّقا من أيديهما في خشب، وأمر أبناء الملوك فرموهما بالنّشاب حتى ماتا! ولما ماتا قال الحاجب خواجة أمير علي التّبريزيّ لقاضي القضاة كمال الدين: ذلك الشابّ لم يجب عليه القتل، فبلغ ذلك السلطان، فقال: هلا قلت هذا قبل موته؟ وأمر به فضرب مائتي مقرعة أو نحوها! وسجن وأعطى جميع ماله لأمير السيافين، فرأيته في ثاني ذلك اليوم قد لبس ثيابه وجعل قلنسوته على رأسه وركب فرسه فظننت أنه هو! وأقام بالسجن شهورا ثم سرحه ورده إلى ما كان عليه ثم غضب عليه ثانية ونفاه إلى خراسان فاستقر بهراة، وكتب إليه يستعطفه فوقّع له على ظهر كتابه: أكرباز امدي باز (آى) : معناه إن كنت تبت فارجع، فرجع إليه.

стр. 781

ذكر ضربه لخطيب الخطباء حتى مات وكان قد ولّي خطيب الخطباء بدهلى النظر في خزانة الجواهر في السفر فاتفق أن جاء سراق الكفار ليلا فضربوا على تلك الخزانة وذهبوا بشيء منها فأمر بضرب الخطيب حتى مات رحمه الله تعالى!. ذكر تخريبه لدهلى ونفي أهلها وقتل الأعمى والمقعد ومن أعظم ما كان ينقم على السلطان إجلاؤه لأهل دهلى «١٠٧» عنها، وسبب ذلك أنهم كانوا يكتبون بطائق فيها شتمه وسبّه ويختمون عليها ويكتبون عليه: وحق رأس خوند عالم ما يقرأها غيره! ويرمونها بالمشور ليلا فإذا فضها وجد فيها شتمه وسبه، فعزم على تخريب دهلى، واشترى من أهلها جميعا دورهم ومنازلهم ودفع لهم ثمنها، وأمرهم بالانتقال عنها إلى دولة آباد، فأبوا ذلك فنادى مناديه أن لا يبقى بها أحد بعد ثلاث، فانتقل معظمهم واختفى بعضهم في الدور، فأمر بالبحث عمن بقي بها فوجد عبيده بأزقتها رجلين أحدهما مقعد والآخر أعمى، فأتى بهما، فأمر بالمقعد فرمى به في المنجنيق، وأمر أن يجر الأعمى من دهلي إلى دولة آباد مسيرة أربعين يوما، فتمزق في الطريق ووصل منه رجله! ولما فعل ذلك خرج أهلها جميعا وتركوا أثقالهم وأمتعتهم وبقيت المدينة خاوية على عروشها «١٠٨» ، فحدثني من أثق به، قال: صعد السلطان ليلة إلى سطح قصره فنظر إلى دهلي، وليس بها نار ولا دخان ولا سراج، فقال: الآن طاب قلبي، وتهدّن خاطري! ثم كتب إلى أهل البلاد أن ينتقلوا إلى دهلي ليعمروها فخربت بلادهم ولم تعمر دهلي لاتساعها وضخامتها، وهي من أعظم مدن الدنيا وكذلك وجدناها لما دخلنا إليها خالية ليس بها إلّا قليل عمارة. وقد ذكرنا كثيرا من مآثر هذا السلطان، ومما نقم عليه أيضا فلنذكر جملا من الوقائع والحوادث الكائنة في أيامه.

стр. 782

الفصل الثالث عشر تاريخ مملكة محمد ابن تغلق

стр. 783

تاريخ مملكة محمد ابن تغلق استضافة السلطان محمد شاه ووالدته لابن بطوطة وفاة بنت ابن بطوطة احسان السلطان في غيابه لابن بطوطة عطاءات السلطان لابن بطوطة خروج السلطان إلى الصيد وهدايا ابن بطوطة له خروج السلطان وأمره لابن بطوطة بالبقاء في دهلي خروج ابن بطوطة إلى هزار وأمروها رجوع السلطان وإرسال ابن بطوطة للصين.

стр. 784

ذكر ما افتتح به أمره أوّل ولايته من منّه على بهادور بوره ولمّا ولي السّلطان الملك بعد أبيه وبايعه الناس أحضر السلطان غياث الدين بهادور بوره «١» الذي كان أسره السلطان تغلق، فمنّ عليه وفكّ قيوده وأجزل له العطاء من الأموال والخيل والفيلة وصرفه إلى مملكته «٢» ، وبعث معه ابن أخيه بهرام «٣» خان، وعاهده على أن تكون تلك المملكة مشاطرة بينهما، وتكتب أسماؤهما معا في السكّة، ويخطب لهما، وعلى أن يصرف غياث الدّين ابنه محمّدا المعروف ببرباط يكون رهينة عند السلطان «٤» فانصرف غياث الدين إلى مملكته والتزم ما شرط عليه الّا أنّه لم يبعث ابنه وادّعى انّه امتنع وأساء الأدب في كلامه فبعث السلطان العساكر إلى ابن أخيه ابراهيم خان، وأميرهم دلجي التتريّ «٥» ، فقاتلوا غياث الدين فقتلوه وسلخوا جلده وحشى بالتبن وطيف به على البلاد. ذكر ثورة ابن عمّته وما اتّصل بذلك وكان للسلطان تغلق ابن اخت يسمّى بهاء الدين كشت اسب، بضمّ الكاف وسكون الشين المعجم وتاء معلوّة واسب بالسين المهمل والباء الموحدة مسكّنين، فجعله أميرا ببعض النواحي «٦» ، فلمّا مات خاله امتنع من بيعة ابنه وكان شجاعا بطلا فبعث السلطان إليه العساكر فيهم الأمراء الكبار مثل الملك مجير والوزير خواجة جهان «٧» أمير على الجميع، فالتقى الفرسان واشتدّ القتال، وصبر كلا العسكرين، ثمّ كانت الكرّة لعسكر السلطان، ففرّ

стр. 785

بهاء الدين إلى ملك من ملوك الكفار يعرف بالراي «٨» كنبيلة، والراي عندهم كمثل ما هو بلسان الروم: عبارة عن السلطان، وكنبيلة اسم الاقليم الذي هو به، بفتح الكاف وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء ولام مفتوح «٩» . وهذا الراي له بلاد في جبال منيعة، وهو من أكابر سلاطين الكفار، فلمّا هرب إليه بهاء الدين اتّبعه عساكر السلطان وحصروا تلك البلاد، واشتدّ الأمر على الكافر، ونفد ما عنده من الزرع، وخاف أن يوخذ باليد، فقال لبهاء الدين: إن الحال قد بلغت لما تراه وأنا عازم على هلاك نفسي وعيالي ومن تبعني، فاذهب أنت إلى السلطان فلان، لسلطان من الكفار سمّاه له، فأقم عنده فإنّه سيمنعك وبعث معه من أوصله إليه. وأمر راي كنبيلة بنار عظيمة فأججت «١٠» وأحرق فيها أمتعته وقال لنسائه وبناته: إنّي أريد قتل نفسي، فمن أرادت موافقتي فلتفعل، فكانت المرأة منهنّ تغتسل وتدّهن بالصندل المقاصريّ «١١» وتقبّل الأرض بين يديه وترمي بنفسها في النار حتّى هلكن جميعا، وفعل مثل ذلك نساء امرائه ووزرائه وأرباب دولته، ومن أراد من سائر النساء، ثمّ اغتسل الرآى وادّهن بالصندل ولبس السلاح ما عدا الدرع، وفعل كفعله من أراد الموت معه من ناسه، وخرجوا إلى عسكر السلطان فقاتلوا حتّى قتلوا جميعا، ودخلت المدينة فأسر أهلها وأسر من أولاد رآى كنبيلة أحد عشر ولدا، فأتي بهم السلطان فاسلموا جميعا وجعلهم السلطان أمراء وعظّمهم لأصالتهم ولفعل أبيهم، فرأيت عنده منهم نصرا وبختيار والمهردار «١٢» ، وهو صاحب الخاتم الذي يختم به على الماء الذي يشرب السلطان منه، وكنيته أبو مسلم، وكانت بيني وبينه صحبة ومودّة. ولمّا قتل رآى كنبيلة توجّهت عساكر السلطان إلى بلد الكافر الذي لجأ اليه بهاء الدين وأحاطوا به «١٣» ، فقال ذلك السلطان: أنا لا أقدر على أن أفعل ما فعله راى كنبيلة فقبض

стр. 786

على بهاء الدّين وأسلمه إلى عسكر السلطان، فقيّدوه وغلّوه وأتوا به اليه، فلمّا أتي به إليه أمر بادخاله إلى قرابته من النساء فشتمنه وبصقن في وجهه، وأمر بسلخه وهو بقيد الحياة، فسلخ وطبخ لحمه مع الأرز، وبعث لأولاده وأهله وجعل باقيه في صحفة وطرح للفيلة لتأكله، فأبت أكله! وأمر بجلده فحشى بالتبن وقرن بجلد بهادور بوره «١٤» وطيف بهما على البلاد. فلمّا وصلا إلى بلاد السّند وأمير أمرائها يومئذ كشلو خان «١٥» صاحب السلطان تغلق ومعينه على أخذ الملك، وكان السلطان يعظّمه ويخاطبه بالعمّ ويخرج لاستقباله إذا وفد من بلاده أمر كشلوخان بدفن الجلدين، فبلغ ذلك السلطان فشقّ عليه فعله واراد الفتك به. ذكر ثورة كشلوخان وقتله ولمّا اتّصل بالسلطان ما كان من فعله في دفن الجلدين بعث عنه وعلم كشلوخان أنّه يريد عقابه فامتنع وخالف وأعطى الأموال وجمع العساكر وبعث إلى الترك والأفغان وأهل خراسان، فأتاه منهم العدد الجمّ حتّى كافأ عسكره عسكر السلطان أو أربى عليه كثرة وخرج السلطان بنفسه لقتاله، فكان اللقاء على مسيرة يومين من ملتان بصحراء أبو هر «١٦» ، وأخذ السلطان بالحزم عند لقائه فجعل تحت الشطر عوضا منه الشيخ عماد الدين شقيق الشيخ ركن الدين الملتانيّ «١٧» ، وهو حدّثني هذا وكان شبيها به، فلمّا حمى القتال انفرد السلطان في أربعة آلاف من عسكره، وقصد عسكر كشلوخان قصد الشطر معتقدين أن السلطان تحته فقتلوا عماد الدين، وشاع في العسكر أنّ السلطان قتل فاشتغلت عساكر كشلوخان بالنهب وتفرّقوا عنه ولم يبق معه إلّا القليل، فقصده السلطان بمن معه فقتله وجزّ راسه، وعلم بذلك جيشه ففرّوا، ودخل السلطان مدينة ملتان وقبض على قاضيها كريم الدين وأمر بسلخه فسلخ، وأمر برأس كشلوخان فعلّق على بابه، وقد رأيته معلّقا لمّا وصلت إلى ملتان، وأعطى السلطان للشيخ ركن الدين أخى عماد الدين ولابنه وصدر الدين مائه قرية إنعاما عليهم ليأكلوا منها ويطعموا بزاويتهم المنسوبة لجدّهم بهاء الدين زكرياء «١٨» وأمر

стр. 787

السلطان وزيره خواجة جهان أن يذهب إلى مدينة كمال بور «١٩» وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر، وكان أهلها قد خالفوا فأخبرني بعض الفقهاء انّه حضر دخول الوزير إيّاها قال: وأحضر بين يديه القاضي بها والخطيب فأمر بسلخ جلودهما، فقالا له: اقتلنا بغير ذلك، فقال لهما: بما استوجبتما القتل؟ فقالا: بمخالفتنا أمر السلطان، فقال لهما: فكيف أخالف أنا أمره وقد أمرني أن اقتلكما بهذه القتلة، وقال للمتولّين لسلخهما: احفروا لهما حفرا تحت وجوههما يتنفّسان فيها فانّهم اذا سلخوا، والعياذ بالله، يطرحون على وجوههم، ولمّا فعل ذلك تمهّدت بلاد السند وعاد السلطان إلى حضرته. ذكر الوقيعة بجبل قراجيل «٢٠» على جيش السلطان وأول اسمه قاف وجيم معقودة، وجبل قراجيل هذا جبل كبير يتّصل مسيرة ثلاثة أشهر، وبينه وبين دهلي مسيرة عشر، وسلطانه من أكبر سلاطين الكفار، وكان السلطان بعث ملك نكبية «٢١» رأس الدويداريّة إلى حرب هذا الجبل، ومعه مائة الف فارس، ورجّاله سواهم كثيرا فملك مدينة جدية «٢٢» ، وضبطها بكسر الجيم وسكون الدال المهمل وفتح الياء آخر الحروف، وهي أسفل الجبل، وملك ما يليها وسبى وخرّب وأحرق وفرّ الكفار إلى أعلى الجبل وتركوا بلادهم واموالهم وخزائن ملكهم. وللجبل طريق واحد، وعن أسفل منه واد وفوقه الجبل فلا يجوز فيه الّا فارس منفرد خلفه آخر، فصعدت عساكر المسلمين على ذلك الطريق وتملّكوا مدينة ورنكل ٢» التي بأعلى الجبل، وضبطها بفتح الواو والراء وسكون النون وفتح الكاف، واحتووا على ما فيها وكتبوا إلى السلطان بالفتح فبعث اليهم قاضيا وخطيبا، وأمرهم بالإقامة. فلمّا كان وقت نزول المطر غلب المرض على العسكر وضعفوا وماتت الخيل وانحلّت القسّي، فكتب الأمراء إلى السلطان واستأذنوه في الخروج عن الجبل والنزول إلى أسفله بخلال ما ينصرم فصل نزول المطر فيعودون فأذن لهم في ذلك، فأخذ الأمير نكبية الأموال

стр. 788

التي استولى عليها من الخزائن والمعادن وفرّقها على الناس ليرفعوها ويوصّلوها إلى أسفل الجبل، فعندما علم الكفار بخروجهم قعدوا لهم بتلك المهاوي وأخذوا عليهم المضيق وصاروا يقطعون الأشجار العاديّة قطعا ويطرحونها من أعلى الجبل فلا تمرّ بأحد الّا اهلكته فهلك الكثير من الناس وأسر الباقون منهم وأخذ الكفار الأموال والأمتعة والخيل والسلاح، ولم يفلت من العسكر الّا ثلاثة من الأمراء: كبيرهم نكبية، وبدر الدين الملك دولة شاه، وثالث لهما لا اذكره، وهذه الوقيعة أثّرت في جيش الهند أثرا كبيرا وأضعفته ضعفا بيّنا، وصالح السلطان بعدها أهل الجبل على مال يؤدونه إليه لأن لهم البلاد أسفل الجبل ولا قدرة لهم على عمارتها إلّا باذنه. ذكر ثورة الشريف جلال الدين ببلاد المعبر وما اتّصل بذلك من قتل ابن اخت الوزير وكان السلطان قد امّر على بلاد المعبر، وبينها وبين دهلي مسيرة ستّة أشهر، الشريف جلال الدين أحسن شاه «٢٤» ، فخالف وادّعى الملك لنفسه، وقتل نوّاب السلطان وعمّاله وضرب الدنانير والدراهم باسمه، وكان يكتب في إحدى صفحتي الدينار: (سلالة طه ويس أبو الفقراء والمساكين، جلال الدنيا والدين) وفي الصفحة الأخرى الواثق (بتأييد الرحمن أحسن شاه السلطان) . وخرج السلطان لمّا سمع بثورته يريد قتاله، فنزل بموضع يقال له كشك زر «٢٥» ، معناه قصر الذهب، وأقام به ثمانية أيّام لقضاء حوائج الناس، وفي تلك الأيّام أتي بابن اخت الوزير خواجة جهان وأربعة من الأمراء أو ثلاثة وهم مقيّدون مغلولون وكان السلطان قد بعث وزيره المذكور في مقدّمته فوصل إلى مدينة ظهار «٢٦» ، وهي على مسيرة أربع وعشرين

стр. 789

من دهلي، وأقام بها أيّاما، وكان ابن اخته شجاعا بطلا فاتّفق مع الأمراء الذين أتي بهم على قتل خاله والهروب بما عنده من الخزائن والأموال إلى الشريف القائم ببلاد المعبر، وعزموا على الفتك بالوزير عند خروجه إلى صلاة الجمعة فوشى بهم أحد من ادخلوه في أمرهم إلى الوزير، وكان يسمّى الملك نصرة الحاجب وأخبر الوزير أن آية ما يرومونه لبسهم الدروع تحت ثيابهم، فبعث الوزير عنهم فوجدهم كذلك فبعث بهم إلى السلطان. وكنت بين يدي السلطان حين وصولهم «٢٧» فرأيت أحدهم وكان طوالا ألحى، وهو يرعد ويتلو سورة يس «٢٨» ، فأمر بهم فطرحوا للفيلة المعلّمة لقتل الناس، وأمر بابن اخت الوزير فردّ إلى خاله ليقتله، وسنذكر ذلك. وتلك الفيلة التي تقتل الناس تكسى أنيابها حدائد مسنونة شبه سكك الحرث، لها أطراف كالسّكاكين، ويركب الفيّال على الفيل، فإذا رمى بالرجل بين يديه لفّ عليه خرطومه ورمى به إلى الهواء، ثمّ يتلقّفه بنابيه ويطرحه بعد ذلك بين يديه، ويجعل يده على صدره ويفعل به ما يأمره الفيّال على حسب ما أمره السلطان، فإن أمره بتقطيعه قطّعه الفيل قطعا بتلك الحدائد وان امره بتركه تركه مطروحا فسلخ، وكذلك فعل بهؤلاء! وخرجت من دار السلطان بعد المغرب فرأيت الكلاب تأكل لحومهم وقد ملئت جلودهم بالتبن، والعياذ بالله، ولمّا تجهّز السلطان لهذه الحركة أمرني بالإقامة بالحضرة، كما سنذكره ومضى في سفره إلى أن بلغ دولة آباد فثار الأمير هلاجون ببلاده «٢٩» ... ذلك وكان الوزير خواجة جهان قد بقى أيضا بالحضرة لحشد الحشود وجمع العساكر. ذكر ثورة هلاجون ولمّا بلغ السلطان إلى دولة آباد وبعد عن بلاده ثار الأمير هلاجون بمدينة لّاهور وادّعى الملك وساعده الأمير قلجند «٣٠» على ذلك وصيّره وزيرا له، واتّصل ذلك بالوزير خواجة جهان

стр. 790

وهو بدهلي، فحشد الناس وجمع العساكر وجمع الخراسانيّين وكلّ من كان مقيما من الخدّام بدهلي أخذ أصحابه وأخذ في الجملة أصحابي لأنّي كنت بها مقيما، وأعانه السلطان بأميرين كبيرين أحدهما قيران ملك صفّدار، ومعناه مرتّب العساكر، والثاني الملك تمور الشّربدار، وهو الساقي، وخرج هلاجون بعساكر فكان اللقاء على ضفّة أحد الأودية الكبار (٣٠) ، فانهزم هلاجون، وهرب وغرق كثير من عسكره في النهر، ودخل الوزير المدينة فسلخ بعض أهلها وقتل آخرين بغير ذلك من أنواع القتل، وكان الذي تولّى قتلهم محمّد بن النّجيب نائب الوزير، وهو المعروف بأجدر ملك، ويسمّى أيضا صكّ السلطان، والصك عندهم الكلب وكان ظالما قاسي القلب ويسمّيه السلطان أسد الأسواق، وكان ربّما عضّ أرباب الجنايات بأسنانه شرها وعدوانا، وبعث الوزير من نساء المخالفين نحو ثلاثماية إلى حصن كاليور «٣١» فسجنّ به ورأيت بعضهن هنالك، وكان أحد الفقهاء له فيهنّ زوجة فكان يدخل اليها حتّى ولدت منه في السجن! ذكر وقوع الوباء في عسكر السلطان ولمّا وصل السلطان إلى بلاد التّلنك وهو قاصد إلى قتال الشريف ببلاد المعبر نزل مدينة بدركوت، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وسكون الدال وفتح الراء وضمّ الكاف وواو وتاء معلوّة، وهي قاعدة بلاد التّلنك، وضبطها بكسر التاء المعلوّة واللام وسكون النون وكاف معقودة، وبينها وبين بلاد المعبر مسيرة ثلاثة أشهر، ووقع الوباء «٣٢» اذ ذاك في عسكره فهلك معظمهم ومات العبيد، والمماليك وكبار الأمراء مثل ملك دولة شاه الذي كان السلطان يخاطبه بالعمّ ومثل أمير عبد الله الهرويّ، وقد تقدّمت حكايته في السفر الأول «٣٣» ، وهو الذي أمره السلطان أن يرفع من الخزانة ما استطاع من المال فربط ثلاث عشرة خريطة باعضاده ورفعها، ولمّا رأى السلطان ما حلّ بالعسكر عاد إلى دولة آباد وخالفت البلاد وانتقضت الأطراف، وكاد الملك يخرج عن يده لولا ما سبق به القدر من استحكام سعادته. ذكر الإرجاف بموته وفرار الملك هوشنج ولمّا عاد السلطان إلى دولة آباد مرض في طريقه فأرجف الناس بموته وشاع ذلك

стр. 791

فنشأت عنه فتن عريضة، وكان الملك هوشنج ابن الملك كمال الدين كرك «٣٤» بدولة آباد، وكان بينه وبين السلطان عهد أن لا يبايع غيره أبدا لا في حياته ولا بعد موته، فلمّا أرجف بموت السلطان هرب إلى سلطان كافر يسمّى بربرة يسكن بجبال مانعة بين دولة آباد وكوكن تانه «٣٥» ، فعلم السلطان بفراره وخاف وقوع الفتنة فجدّ السير إلى دولة آباد واقتفى أثر هوشنج وحصره بالخيل، وراسل الكافر أنّ يسلّمه إليه فأبى، وقال: لا أسلّم دخيلى ولو آل بي الأمر لما آل برآي كنبيلة «٣٦» . وخاف هوشنج على نفسه فراسل السلطان وعاهده على أن يرحل السلطان إلى دولة آباد، ويبقى هنالك قطلو خان معلّم السلطان ليستوثق منه هو شنج وينزل إليه على الأمان، فرحل السلطان ونزل هوشنج إلى قطلو خان وعاهده أن لا يقتله السلطان ولا يحطّ منزلته، وخرج بماله وعياله وأصحابه وقدم على السلطان فسرّ بقدومه وأرضاه وخلع عليه. وكان قطلوخان صاحب عهد يستنيم الناس إليه ويعوّلون في الوفاء عليه، ومنزلته عند السلطان عليّة، وتعظيمه له شديد، ومتى دخل عليه قام له إجلالا فكان بسبب ذلك لا يدخل عليه حتّى يكون هو الذي يدعوه لئلا يتعبه بالقيام له وهو محب في الصّدقات كثير الإيثار مولع بالإحسان للفقراء والمساكين. ذكر ما همّ به الشريف إبراهيم من الثورة ومآل حاله . وكان الشريف إبراهيم المعروف بالخريطة دار، هو صاحب الكاغد والأقلام بدار السلطان واليا على بلاد حانسي وسرستي لمّا تحرّك السلطان إلى بلاد المعبر «٣٧» ، وأبوه هو القائم ببلاد المعبر الشريف أحسن شاه، فلمّا أرجف بموت السلطان طمع ابراهيم في السلطنة وكان شجاعا كريما حسن الصورة، وكنت متزوّجا باخته حورنسب، وكانت صالحة تتهجّد بالليل ولها أوراد من ذكر الله ، وولدت منّي بنتا، ولا أدري ما فعل الله فيهما، وكانت تقرأ لا كنها لا تكتب، فلمّا همّ ابراهيم بالثورة اجتاز به أمير من امراء السند

стр. 792

معه الأموال يحملها إلى دهلي، فقال له ابراهيم: إن الطريق مخوف، وفيه القطع، فأقم عندي حتّى يصلح الطريق وأوصلك إلى المأمن، وكان قصده أن يتحقّق موت السلطان فيستولي على تلك الأموال، فلمّا تحقّق حياته سرّح ذلك الأمير، وكان يسمّى ضياء الملك بن شمس الملك. ولمّا وصل السلطان إلى الحضرة بعد غيبته سنتين ونصفا وصل الشريف ابراهيم إليه فوشى به بعض غلمانه وأعلم السلطان بما كان همّ به، فأراد السلطان أن يعجل بقتله، ثمّ تانّى لمحبّته فيه، فاتّفق أن أتى يوما إلى السلطان بغزال مذبوح فنظر إلى ذبحته فقال ليس بجيد الذكاة، أطرحوه فرآه إبراهيم فقال: إن ذكاته جيّدة وأنا أكله، فأخبر السلطان بقوله، فأنكر ذلك وجعله ذريعة إلى أخذه فأمر به فقيّد وغلّل ثمّ قرّره على ما رمى به من أنّه أراد أخذ الاموال التي مرّ بها ضياء الملك. وعلم إبراهيم أنّه إنّما يريد قتله بسبب أبيه، وأنّه لا تنفعه معذرة، وخاف أن يعذّب فرأى الموت خيرا له، فأقرّ بذلك فأمر به فوسّط، وترك هنالك، وعادتهم أنه متى قتل السلطان أحدا أقام مطروحا بموضع قتله ثلاثا فإذا كان بعد الثلاث أخذه طائفة من الكفّار موكّلون بذلك فحملوه إلى خندق خارج المدينة يطرحونه به، وهم يسكنون حول الخندق لئلا ياتي أهل المقتول فيرفعونه، وربّما أعطى بعضهم لهؤلاء الكفار مالا فتجافوا له عن قتيله حتّى يدفنه، وكذلك فعل بالشريف ابراهيم، رحمه الله تعالى. ذكر خلاف نائب السلطان ببلاد التّلنك ولمّا عاد السلطان من التّلنگ وشاع خبر موته، وكان ترك تاج الملك نصرة خان «٣٨» نائبا عنه ببلاد التّلنك، وهو من قدماء خواصّه بلغه ذلك فعمل عزاء السلطان ودعا لنفسه وبايعه الناس بحضرة بدركوت، فبلغ خبره إلى السلطان فبعث معلّمه قطلوخان في عساكر عظيمة فحصره بعد قتال شديد هلك فيه أمم من الناس واشتدّ الحصار على أهل بدركوت وهي منيعة، وأخذ قطلوخان في نقبها فخرج إليه نصرة خان على الأمان في نفسه فأمّنه وبعث به إلى السلطان وامّن أهل المدينة والعسكر.

стр. 793

ذكر انتقال السلطان لنهر الكنك وقيام عين الملك ولمّا استولى القحط «٣٩» على البلاد انتقل السلطان بعساكره إلى نهر الكنك الذي تحجّ اليه الهنود، على مسيرة عشر من دهلي، وأمر الناس بالبناء، وكانوا قبل ذلك صنعوا خياما من حشيش الارض، فكانت النار كثيرا ما تقع فيها وتؤذي الناس حتّى كانوا يصنعون كهوفا تحت الارض فإذا وقعت النار رموا أمتعتهم بها وسدّوا عليها بالتراب. ووصلت أنا في تلك الأيّام لمحلّة السلطان وكانت البلاد التي بغربيّ النهر، حيث السلطان، شديدة القحط والبلاد التي بشرقيّة خصبة، وأميرها عين الملك بن ماهر «٤٠» ومنها مدينة عوض «٤١» ومدينة ظفر آباد «٤٢» ومدينة اللّكنو «٤٣» وغيرها، وكان الأمير عين الملك يحضر كلّ يوم خمسين ألف منّ، منها قمح وأرز وحمّص لعلف الدوابّ فأمر السلطان أن تحمل الفيلة ومعظم الخيل والبغال إلى الجهة الشرقيّة المخصبة لترعى هنالك، وأوصى عين الملك بحفظها. وكان لعين الملك أربعة إخوة وهم شهر الله ونصر الله وفضل الله ولا أذكر اسم الآخر، فاتفقوا مع أخيهم عين الملك على أنّ يأخذوا فيلة السلطان ودوابّه ويبايعوا عين الملك، ويقوموا على السلطان وهرب إليهم عين الملك باللّيل وكاد الأمر يتمّ لهم «٤٤» . ومن عادة ملك الهند انّه يجعل مع كلّ أمير كبير أو صغير مملوكا له يكون عينا عليه ويعرّفه بجميع حاله، ويجعل أيضا جواري في الدّوريكنّ عيونا على أمرائه، ونسوة يسميهنّ الكنّاسات يدخلى الدّور بدون استئذان ويخبرهنّ الجواري بما عندهنّ فيخبر الكنّاسات بذلك لملك المخبرين، فيخبر بذلك السلطان! ويذكرون أنّ بعض الامراء كان في فراشه مع زوجته

стр. 794

فأراد مماسّتها فحلّفته برأس السلطان أن لا يفعل، فلم يسمع منها فبعث عنه السلطان صباحا وأخبره بذلك وكان سبب هلاكه. وكان للسلطان مملوك يعرف بابن ملك شاه هو عين على عين الملك المذكور فأخبر السلطان بفراره وجوازه النهر فسقط في يده وظنّ أنّها القاضية عليه لأن الخيل والفيلة والزرع كلّ ذلك عند عين الملك وعساكر السلطان مفترقة، فأراد أن يقصد حضرته ويجمع العساكر، وحينئذ يأتي لقتاله، وشاور أرباب الدولة في ذلك وكان امراء خراسان والغرباء أشدّ الناس خوفا من هذا القائم لأنّه هندي، وأهل الهند مبغضون في الغرباء لاظهار السلطان لهم فكرهوا ما ظهر له، وقالوا: ياخوند عالم! إن فعلت ذلك بلغه الخبر، فاشتدّ أمره ورتّب العساكر، وانثال عليه طلاب الشّر ودعاة الفتن والأولى معالجته قبل استحكام قوّته. وكان أوّل من تكلّم بهذا ناصر الدين مطهّر الأوهريّ ووافقه جميعهم فعمل السلطان بإشارتهم وكتب تلك الليلة إلى من قرب منه من الأمراء والعساكر فأتوا من حينهم وأدار في ذلك حيلة حسنة، فكان إذا قدم على محلّته مثلا مائة فارس بعث الآلاف من عنده للقائهم ليلا، ودخلوا معهم إلى المحلّة كأن جميعهم مدد له. وتحرّك السلطان مع ساحل النهر ليجعل مدينة قنّوج «٤٥» وراء ظهره، ويتحصّن بها لمنعتها وحصانتها وبينها وبين الموضع الذي كان به ثلاثة أيّام فرحل أوّل مرحلة وقد عبّأ جيشه للحرب وجعلهم صفّا واحدا عند نزولهم كلّ واحد منهم بين يديه سلاحه وفرسه إلى جانبه، ومعه خباء صغير يأكل به ويتوضّأ ويعود إلى مجلسه، والمحلّة الكبرى على بعد منهم ولم يدخل السلطان في تلك الأيّام الثلاثة خباء، ولا استظلّ بظلّ. وكنت في يوم منها بخبائي فصاح بي فتى من فتياني اسمه سنبل واستعجلني وكان معي الجواري، فخرجت إليه، فقال: إن السلطان امر الساعة أن يقتل كلّ من معه امرأته أو جاريته، فشفع عنده الامراء، فأمر أن لا تبقى الساعة بالمحلّة امرأة وان يحملن إلى حصن هنالك على ثلاثة أميال يقال له كنبيل «٤٦» ، فلم تبق امرأة بالمحلّة ولا مع السلطان. وبتنا تلك الليلة على تعبئة فلمّا كان في اليوم الثاني رتّب السلطان عسكره أفواجا وجعل مع كلّ فوج الفيلة المدرّعة، عليها الأبراج فوقها المقاتلة وتدرّع العسكر وتهيّئوا للحرب،

стр. 795

وباتوا تلك الليلة على أهبة ولمّا كان اليوم الثالث بلغ الخبر بأن عين الملك الثائر أجاز النهر فخاف السلطان من ذلك وتوقّع انّه لم يفعله الّا بعد مراسلة الامراء الباقين مع السلطان، فأمر في الحين بقسم الخيل العتاق على خواصّه وبعث لي حظّا منها، وكان لي صاحب يسمّى أمير أميران الكرمانيّ من الشجعان، فأعطيته فرسا منها أشهب اللون فلمّا حرّكه جمح به، فلم يستطع إمساكه ورماه عن ظهره فمات رحمه الله تعالى. وجدّ السلطان ذلك اليوم في مسيره، فوصل بعد العصر إلى مدينة قنّوج وكان يخاف أن يسبقه القائم اليها وبات ليلته تلك يرتّب الناس بنفسه ووقف علينا ونحن في المقدمة مع ابن عمّه ملك فيروز ومعنا الامير غدا ابن مهنّى «٤٧» والسيّد ناصر الدين مطهّر وامراء خراسان، فأضافنا إلى خواصّه وقال: أنتم أعزّة عليّ ما ينبغي أن تفارقوني، وكان في عاقبة ذلك الخير فإن القائم ضرب في آخر الليل على المقدمة، وفيها الوزير خواجة فقامت ضجّة في الناس كبيرة فحينئذ أمر السلطان أن لا يبرح أحد عن مكانه ولا يقاتل الناس الّا بالسيوف فاستلّ العسكر سيوفهم ونهضوا إلى اصحابهم وحمى القتال، وأمر السلطان أن يكون شعار جيشه دهلي وغزنة، فإذا لقى أحدهم فارسا قال له: دهلي، فإن أجابه بغزنة علم أنّه من أصحابه والّا قاتله. وكان القائم إنّما قصد أن يضرب على موضع السلطان فاخطأ به الدليل فقصد موضع الوزير فضرب عنق الدّليل. وكان في عسكر الوزير الأعاجم والترك والخراسانيّون، وهم أعداء الهنود فصدقوا القتال وكان جيش القائم نحو الخمسين الفا فانهزموا عند طلوع الفجر وكان الملك إبراهيم المعروف بالبنجيّ، بفتح الباء الموحدة وسكون النون وجيم، التتريّ قد اقطعه السلطان بلاد سنديلة وهي قرية من بلاد عين الملك فاتّفق معه على الخلاف وجعله نائبه وكان داود بن قطب الملك وابن ملك التجار على فيلة السلطان وخيله فوافقاه أيضا وجعل داود حاجبه. وكان داود هذا لمّا ضربوا على محلّة الوزير يجهر بسبّ السلطان ويشتمه أقبح شتم، والسلطان يسمع ذلك ويعرف كلامه، فلمّا وقعت الهزيمة قال عين الملك لنائبه ابراهيم التتريّ: ماذا ترى يا ملك ابراهيم؟ قد فرّ اكثر العسكر وذو النجدة منهم، فهل لك أن ننجو بأنفسنا؟ فقال إبراهيم لأصحابه بلسانهم، إذا أراد عين الملك ان يفرّ فانّي سأقبض على دبّوقته، فإذا فعلت ذلك فاضربوا انتم فرسه ليسقط إلى الأرض فنقبض عليه وناتي به السلطان ليكون ذلك كفارة لذنبي في الخلاف معه وسببا لخلاصي، فلمّا أراد عين الملك الفرار قال له ابراهيم: إلى أين يا سلطان علاء الدين؟ وكان يسمّى بذلك، وامسك بدبّوقته وضرب

стр. 796

اصحابه فرسه فسقط إلى الأرض ورمى إبراهيم بنفسه عليه فقبضه وجاء أصحاب الوزير ليأخذوه فمنعهم وقال: لا أتركه حتّى أوصله للوزير أو أموت دون ذلك، فتركوه فأوصله إلى الوزير. وكنت أنظر عند الصبح إلى الفيلة والأعلام يؤتى بها إلى السلطان ثمّ جاءني بعض العراقيّين فقال: قد قبض على عين الملك، وأوتي به الوزير، فلم أصدقه فلم يمرّ الّا يسير وجاءني الملك تمور الشربدار فأخذ بيدي وقال: أبشر فقد قبض على عين الملك وهو عند الوزير فتحرّك السلطان عند ذلك ونحن معه إلى محلّة عين الملك على نهر الكنك فنهبت العساكر ما فيها، واقتحم كثير من عسكر عين الملك النهر فغرقوا، وأخذ داود بن قطب الملك وابن ملك التجار وخلق كثير معهم، ونهبت الأموال والخيل والأمتعة. ونزل السلطان على المجاز وجاء الوزير بعين الملك، وقد أركب على ثور وهو عريان «٤٨» مستور العورة بخرقة مربوطة بحبل وباقيه في عنقه، فوقف على باب السراجة، ودخل الوزير إلى السلطان فأعطاه الشّربة عناية به، وجاء ابناء الملوك إلى عين الملك فجعلوا يسبّونه ويبصقون في وجهه ويصفعون أصحابه، وبعث إليه السلطان الملك الكبير فقال له: ما هذا الذي فعلت؟ فلم يجد جوابا، فأمر به السلطان أن يكسى ثوبا من ثياب الزّمّالة! وقيّد بأربعة كبول، وغلّت يداه إلى عنقه وسلّم للوزير ليحفظه، وجاز إخوته النهر هاربين ووصلوا مدينة عوض، فأخذوا أهلهم وأولادهم وما قدروا عليه من المال وقالوا لزوجة أخيهم عين الملك: اخلصي بنفسك وبنيك معنا! فقالت: أفلا أكون كنساء الكفّار اللّائي يحرقن أنفسهنّ مع أزواجهنّ؟ فأنا أيضا أموت لموت زوجي وأعيش لعيشه! فتركوها. وبلغ ذلك السلطان فكان سبب خيرها وأدركته لها رقّة، وأدرك الفتى سهيل نصر الله من أولئك الاخوة فقتله، وأتى السلطان برأسه وأتى بام عين الملك واخته وامرأته فسلّمن إلى الوزير وجعلن في خباء بقرب خباء عين الملك، فكان يدخل إليهنّ ويجلس معهنّ ويعود إلى محبسه! ولمّا كان بعد العصر من يوم الهزيمة أمر السلطان بسراح لفيف الناس الذين مع عين الملك من الزّمالة والسوقة والعبيد ومن لا يعبأ به، وأتي بملك ابراهيم البنجيّ الذي ذكرناه فقال ملك العسكر الملك نوا: ياخوندا عالم اقتل هذا، فانّه من المخالفين، فقال الوزير إنّه قد فدا نفسه بالقائم فعفى عنه السلطان وسرّحه إلى بلاده.

стр. 797

ولمّا كان بعد المغرب جلس السلطان ببرج الخشب وأتى باثنين وستّين رجلا من كبار أصحاب القائم وأتى بالفيلة فطرحوا بين ايديها فجعلت تقطعهم بالحدائد الموضوعة على أنيابها وترمى ببعضهم إلى الهواء وتتلقفه، والأبواق والأنفار والطبول تضرب عند ذلك، وعين الملك واقف يعاين مقتلهم ويطرح منهم عليه، ثمّ أعيد إلى محبسه وأقام السلطان على جواز النهر أياما لكثرة الناس وقلّة القوارب، وأجاز امتعته وخزائنه على الفيلة، وفرّق الفيلة على خواصه ليجيزوا أمتعتهم وبعث إليّ بفيل منها أجزت عليه رحلي. وقصد السلطان ونحن معه، إلى مدينة بهرايج «٤٩» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وهاء مسكّن وراء والف وياء آخر الحروف مكسورة وجيم، وهي مدينة حسنة في عدوة نهر السّرو، وهو واد كبير شديد الانحدار وأجازه السلطان برسم زيارة قبر الشيخ الصالح البطل سالار عود «٥٠» الذي فتح أكثر تلك البلاد، وله أخبار عجيبة وغزوات شهيرة وتكاثر الناس للجواز وتزاحموا حتّى غرق مركب كبير كان فيه نحو ثلاثماية نفس لم ينج منهم الّا عربيّ من أصحاب الامير عذا، وكنّا ركبنا نحن في مركب صغير فسلّمنا لله تعالى. وكان العربي الذي سلم من الغرق يسمّى بسالم، وذلك اتّفاق عجيب، وكان أراد أن يصعد معنا في مركبنا فوجدنا قد ركبنا النهر، فركب في المركب الذي غرق فلمّا خرج ظنّ الناس أنّه كان معنا فقامت ضجّة في أصحابنا وفي سائر الناس وتوهّموا أنّا غرقنا، ثمّ لمّا رأونا بعد استبشروا بسلامتنا. وزرنا قبر الصالح المذكور وهو في قبّة لم نجد سبيلا إلى دخولها لكثرة الزحام وفي تلك الوجهة دخلنا غيضة قصب فخرج علينا منها الكركدّن، فقتل، وأتى الناس برأسه، وهو دون الفيل، ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف وقد ذكرناه. ذكر عودة السلطان لحضرته ومخالفة عليّ شاه كر . ولما ظفر السلطان بعين الملك كما ذكرنا عاد إلى حضرته بعد مغيب عامين

стр. 798

ونصف «٥١» ، وعفى عن عين الملك وعفى أيضا عن نصرة خان القائم ببلاد التّلنك وجعلهما معا على عمل واحد، وهو النظر على بساتين السلطان وكساهما وأركبهما، وعيّن لهما نفقة من الدقيق واللحم في كلّ يوم! وبلغ الخبر بعد ذلك أن أحد أصحاب قطلوخان وهو عليّ شاه كر «٥٢» ، ومعنى كر الأطرش خالف على السلطان وكان شجاعا حسن الصورة والسيرة فغلب على بدركوت وجعلها مدينة ملكه وخرجت العساكر إليه وأمر السلطان معلّمه أن يخرج إلى قتاله فخرج في عساكر عظيمة وحصره ببدركوت ونقبت أبراجها واشتدّت به الحال فطلب الأمان فأمّنه قطلوخان، وبعث به إلى السلطان مقيّدا فعفا عنه ونفاه إلى مدينة غزنة من طرف خرسان، فأقام بها مدّة ثمّ اشتاق إلى وطنه فأراد العودة اليه لما قضاه الله من حينه، فقبض عليه ببلاد السند وأوتى به السلطان، فقال له: إنّما جئت لتثير الفساد ثانية وأمر به فضربت عنقه. ذكر فرار أمير بخت وأخذه وكان السلطان قد وجد على أمير بخت «٥٣» الملقّب بشرف الملك أحد الذين وفدوا معنا على السلطان فحطّ مرتّبه من أربعين ألفا إلى ألف واحد، وبعثه في خدمة الوزير إلى دهلي، واتّفق أن مات أمير عبد الله الهرويّ في الوباء بالتّلنك، وكان ماله عند أصحابه بدهلي، فاتّفقوا مع أمير بخت على الهروب فلمّا خرج الوزير من دهلي إلى لقاء السلطان هربوا مع أمير بخت وأصحابه ووصلوا إلى أرض السّند في سبعة أيّام، وهي مسيرة أربعين يوما. وكانت معهم الخيل مجنوبة وعزموا على أن يقطعوا نهر السند عوما، ويركب أمير بخت وولده ومن لا يحسن العوم في معدّية قصب يصنعونها، وكانوا قد اعدّوا حبالا من الحرير برسم ذلك فلمّا وصلوا إلى النهر خافوا من عبوره بالعوم فبعثوا رجلين منهم إلى جلال الدّين صاحب مدينة أوجة «٥٤» ، فقالا له: إنّ هاهنا تجارا أرادوا أن يعبروا النهر، وقد

стр. 799

بعثوا اليك بهذا السرج لتبيح لهم الجواز فأنكر الأمير أن يعطى التجار مثل ذلك السرج وأمر بالقبض على الرجلين، ففرّ أحدهما ولحق بشرف الملك واصحابه وهم نيام لما لحقهم من الإعياء ومواصلة السهر، فاخبرهم الخبر فركبوا مذعورين وفرّوا. وأمر جلال الدّين بضرب الرجل الذي قبض عليه، فاعترف بقضيّة شرف الملك، فأمر جلال الدين نائبه فركب في العسكر وقصدوا نحوهم فوجدوهم قد ركبوا فاقتفوا أثرهم فأدركوهم فرموا العسكر بالنّشاب، ورمى طاهر بن شرف الملك نائب الأمير جلال الدين بسهم فأثبته في ذراعه وغلب عليهم فأتى بهم إلى جلال الدين فقيّدهم وغلّ أيديهم وكتب إلى الوزير في شأنهم فأمره الوزير أن يبعثهم إلى الحضرة فبعثهم إليها، وسجنوا بها فمات طاهر في السجن، وامر السلطان أن يضرب شرف الملك مائة مقرعة في كلّ يوم فبقى على ذلك مدّة، ثمّ عفا عنه وبعثه مع الأمير نظام الدين أمير نجلة إلى بلاد جنديري «٥٥» ، فانتهت حاله إلى أن كان يركب البقر، ولم يكن له فرس يركبه! وأقام على ذلك مدّة، ثمّ وفد ذلك الأمير على السلطان وهو معه فجعله السلطان شاشنكير وهو الذي يقطّع اللحم بين يدي السلطان ويمشي مع الطعام، ثمّ إنّه بعد ذلك نوّه به ورفع مقداره وانتهت حاله إلى أن مرض فزاره السلطان وأمر بوزنه بالذهب واعطاه ذلك، وقد قدّمنا هذه الحكاية في السفر الأوّل «٥٦» ، وبعد ذلك زوّجه بأخته وأعطاه بلاد جنديرى التي كان يركب بها البقر في خدمة الأمير نظام الدّين، فسبحان مقلّب القلوب ومحيّل الأحوال. ذكر خلاف شاه أفغان «٥٧» بأرض السند وكان شاه أفغان خالف على السلطان بأرض ملتان من بلاد السند وقتل الأمير بها، وكان يسمّى به زاد، وادّعى السلطنة لنفسه وتجهّز السلطان لقتاله فعلم انّه لا يقاومه فهرب ولحق بقومه الأفغان، وهم ساكنون بجبال منيعة لا يقدر عليها، فاغتاظ السلطان ممّا فعله وكتب إلى عمّاله أن يقبضوا على من وجدوه من الأفغان ببلاده فكان ذلك سببا لخلاف القاضي جلال.

стр. 800

ذكر خلاف القاضي جلال وكان القاضي جلال وجماعة من الأفغانيّين قاطنين بمقربة من مدينة كنباية ومدينة بلوذرة «٥٨» ، فلمّا كتب السلطان إلى عمّاله بالقبض على الأفغانيّين كتب إلى ملك مقبل «٥٩» نائب الوزير ببلاد الجزرات، ونهروالة «٦٠» أن يحتال في القبض على القاضي جلال ومن معه، وكانت بلاد بلوذرة إقطاعا لملك الحكماء، وكان ملك الحكماء متزوّجا بربيبة السلطان زوجة أبيه تغلق، ولها بنت من تغلق هي التي تزوّجها الأمير غدا، وملك الحكماء اذ ذاك في صحبة مقبل، لان بلاده تحت نظرة فلمّا وصلوا إلى بلاد الجزرات أمر مقبل ملك الحكماء أن ياتي بالقاضي جلال وأصحابه، فلمّا وصل ملك الحكماء إلى بلاده حذّرهم في خفيّة لأنّهم كانوا من أهل بلاده، وقال: إنّ مقبلا طلبكم ليقبض عليكم، فلا تدخلوا عليه إلّا بالسلاح فركبوا في نحو ثلاثماية مدرّع وأتوه، وقالوا: لا ندخل الّا جملة فظهر له انّه لا يمكن القبض عليهم، وهم مجتمعون وخاف منهم فأمرهم بالرجوع وأظهر تأمينهم فخالفوا عليه، ودخلوا مدينة كنباية ونهبوا خزانة السلطان بها وأموال الناس ونهبوا مال ابن الكولمي التاجر وهو الذي عمّر المدرسة الحسنة باسكندريّة، وسنذكره إثر هذا. وجاء ملك مقبل لقتالهم فهزموه هزيمة شنيعة، وجاء الملك عزيز الخمّار «٦١» والملك جهان بنبل؟ لقتالهم في سبعة آلاف من الفرسان فهزموهم أيضا «٦٢» وتسامع بهم أهل

стр. 801

الفساد والجرائم فانثالوا عليهم، وادّعى القاضي جلال السلطنة، وبايعه اصحابه وبعث السلطان اليه العساكر فهزمها وكان بدولة آباد جماعة من الأفغان فخالفوا ايضا. ذكر خلاف ابن الملك ملّ . وكان ابن الملك ملّ ساكنا بدولة آباد في جماعة من الأفغان فكتب السلطان إلى نائبه بها وهو نظام الدين «٦٣» أخو معلّمه قطلوخان أن يقبض عليهم، وبعث اليه باحمال كثيرة من القيود والسلاسل، وبعث بخلع الشتاء. وعادة ملك الهند أن يبعث لكلّ أمير على مدينة، ولوجوه عسكره خلعتين في السّنة: خلعة الشتاء وخلعة الصيف، وإذا جاءت الخلع يخرج الأمير والعسكر للقائها فإذا وصلوا إلى الآتي بها نزلوا عن دوابّهم وأخذ كلّ واحد خلعته وحملها على كتفه وخدم لجهة السلطان، وكتب السلطان لنظام الدين: إذا خرج الأفغان ونزلوا عن دوابهم لأخذ الخلع فاقبض عليهم عند ذلك. وأتى أحد الفرسان الذين اوصلوا الخلع إلى الافغان فأخبرهم بما يراد بهم فكان نظام الدين ممّن احتال فانعكست عليه فركب وركب الأفغان معه حتّى اذا لقوا الخلع، ونزل نظام الدين عن فرسه حملوا عليه وعلى أصحابه فقبضوا عليه وقتلوا كثيرا من أصحابه ودخلوا المدينة فأخذو الخزائن وقدّموا على أنفسهم ناصر الدين «٦٤» بن ملك ملّ وانثال عليهم المفسدون فقويت شوكتهم. ذكر خروج السلطان بنفسه إلى كنباية ولمّا بلغ السلطان ما فعله الأفغان بكنباية ودولة آباد خرج بنفسه «٦٥» وعزم على أن يبدأ بكنباية ثمّ يعود إلى دولة آباد، وبعث أعظم ملك البايزيديّ صهره في أربعة آلاف مقدّمة فاستقبلته عساكر القاضي جلال فهزموه وحصروه ببلوذرة وقاتلوه بها، وكان في

стр. 802

عسكر القاضي جلال شيخ يسمّى جلّول «٦٦» ، وهو أحد الشجعان فلا يزال يفتك في العساكر ويقتل ويطلب المبارزة فلا يتجاسر أحد على مبارزته، واتّفق يوما أنّه دفع فرسه فكبا به في حفرة فسقط عنه وقتل ووجدوا عليه درعين فبعثوا برأسه إلى السلطان وصلبوا جسده بسور بلوذرة وبعثوا يديه ورجليه إلى البلاد. ثمّ وصل السلطان بعساكره فلم يكن للقاضي جلال من ثبات ففرّ في أصحابه وتركوا أموالهم وأولادهم فنهب ذلك كلّه، ودخلت المدينة «٦٧» واقام بها السلطان أيّاما ثمّ رحل عنها وترك بها صهره شرف الملك امير بخت الذي قدّمنا ذكره وقضيّة فراره، وأخذه بالسند وسجنه وما جرى عليه من الذلّ، ثمّ من العزّ، وأمر بالبحث عمّن كان في طاعة جلال الدين، وترك معه الفقهاء ليحكم باقوالهم فأدّى ذلك إلى قتل الشيخ عليّ الحيدريّ «٦٨» حسبما قدّمناه. ولمّا هرب القاضي جلال لحق بناصر الدّين بن ملك ملّ بدولة آباد ودخل في جملته «٦٩» فأتى السلطان بنفسه إليهم واجتمعوا في نحو أربعين الفا من الأفغان والترك والهنود والعبيد وتحالفوا على أن لا يفرّوا وأن يقاتلوا السلطان، وأتى السلطان لقتالهم، ولم يرفع الشطر الذي هو علامة عليه، فلمّا استحرّ القتال رفع الشطر فلمّا عاينوه دهشوا وانهزموا أقبح هزيمة ولجأ ابن ملك ملّ والقاضي جلال في نحو أربعمائة من خواصهما إلى قلعة الدّويقير، وسنذكرها «٧٠» ، وهي من أمنع قلعة في الدنيا، واستقرّ السلطان بمدينة دولة آباد، والدّويقير هي قلعتها، وبعث لهم أن ينزلوا على حكمه فأبوا أن ينزلوا إلّا على الأمان فأبى السلطان أن يؤمنهم وبعث لهم الأطعمة تهاونا بهم وأقام هنالك، وعلى ذلك آخر عهدي بهم «٧١» .

стр. 803

ذكر قتال مقبل وابن الكولمي وكان ذلك قبل خروج القاضي جلال وخلافه، وكان تاج الدين بن الكولميّ «٧٢» من كبار التجار فوفد على السلطان من أرض التّرك بهدايا جليلة منها المماليك والجمال والمتاع والسلاح والثياب، فأعجب السلطان فعله وأعطاه اثنى عشر لكّا، ويذكر أنّه لم تكن قيمة هديّته الّا لكّا واحدا، وولّاه مدينة كنباية، وكانت لنظر الملك مقبل نائب الوزير، فوصل إليها وبعث المراكب إلى بلاد المليبار وجزيرة سيلان وغيرها، وجاءته التحف والهدايا في المراكب وضخمت حاله، ولما عزم على أن يبعث أموال تلك الجهات إلى الحضرة بعث الملك مقبل إلى ابن الكولميّ أن يبعث ما عنده من الهدايا والأموال مع هدايا تلك الجهات على العادة، فامتنع ابن الكولمي من ذلك، وقال: أنا أحملها بنفسي أو أبعثها مع خدّامي ولا حكم لنائب الوزير عليّ ولا للوزير، واغترّ بما أولاه السلطان من الكرامة والعطيّة فكتب مقبل إلى الوزير بذلك فوقّع له الوزير على ظهر كتابه: إن كنت عاجزا عن بلادنا فاتركها وارجع الينا، فلمّا بلغه الجواب تجهّز في عسكره ومماليكه والتقيا بظاهر كنباية فانهزم ابن الكولميّ، وقتل جماعة من الفريقين واستخفى ابن الكولميّ في دار الناخوذة إلياس أحد كبراء التجار. ودخل مقبل المدينة فضرب رقاب أمراء عسكر ابن الكولميّ وبعث له الأمان على أن ياخذ ماله المختصّ به ويترك مال السلطان وهديّته ومجبي البلد، وبعث مقبل بذلك كلّه مع خدّامه إلى السلطان وكتب شاكيا من ابن الكولميّ، وكتب ابن الكولميّ شاكيا منه، فبعث السلطان ملك الحكماء ليتنصّف بينهما، وبإثر ذلك كان خروج القاضي جلال الدين فنهب مال ابن الكولميّ، وفرّ ابن الكولميّ في بعض مماليكه ولحق بالسلطان. ذكر الغلاء الواقع بأرض الهند وفي مدّة مغيب السلطان عن حضرته إذ خرج بقصد بلاد المعبر، وقع الغلاء واشتدّ الأمر «٧٣» وانتهى المنّ إلى ستّين درهما، ثمّ زاد على ذلك، وضاقت الأحوال وعظم الخطب ولقد خرجت مرّة إلى لقاء الوزير فرأيت ثلاث نسوة يقطعن قطعا من جلد فرس مات منذ أشهر ويأكلنه وكانت الجلود تطبخ وتباع في الأسواق، وكان الناس إذا ذبحت البقر أخذوا دماءها فأكلوها!

стр. 804

وحدّثني بعض طلبة خراسان انّهم دخلوا بلدة تسمّى أكروهة «٧٤» بين حانسي وسرستي فوجدوها خالية فقصدوا بعض المنازل ليبيتوا به فوجدوا في بعض بيوته رجلا قد أضرم نارا وبيده رجل آدميّ وهو يشويها في النار ويأكل منها والعياذ بالله! ولمّا اشتدّت الحال أمر السلطان أن يعطى لجميع أهل دهلي نفقة ستّة أشهر فكانت القضاة والكتاب والأمراء يطوفون بالأزقّة والحارات، ويكتبون الناس ويعطون لكلّ أحد نفقة ستّة أشهر بحساب رطل ونصف من أرطال المغرب في اليوم لكلّ واحد، وكنت في تلك المدّة أطعم الناس من الطعام الذي أصنعه بمقبرة السلطان قطب الدين «٧٥» ، حسبما يذكر، فكان الناس ينتعشون بذلك، والله تعالى ينفع بالقصد فيه. واذ قد ذكرنا من أخبار السلطان وما كان في أيّامه من الحوادث ما فيه الكفاية فلنعد إلى ما يخصّنا من ذلك ونذكر كيفيّة وصولنا أوّلا إلى حضرته «٧٦» وتنقّل الحال إلى خروجنا عن الخدمة، ثمّ خروجنا عن السلطان في الرسالة إلى الصين وعودنا منها إلى بلادنا ان شاء الله تعالى. ذكر وصولنا إلى دار السلطان عند قدومنا وهو غائب ولمّا دخلنا حضرة دهلي قصدنا باب السلطان ودخلنا الباب الأوّل ثمّ الثاني ثمّ الثالث ووجدنا عليه النقباء وقد تقدّم ذكرهم فلمّا وصلنا إليهم تقدّم بنا نقيبهم إلى مشور عظيم متّسع فوجدنا به الوزير خواجة جهان ينتظرنا، فتقدّم ضياء الدين خذاوند زاده، ثمّ تلاه أخوه قوام الدين ثمّ أخوهما عماد الدين «٧٧» ثمّ تلوتهم ثمّ تلاني أخوهم برهان الدين، ثمّ

стр. 805

الأمير مبارك السمرقنديّ، ثمّ أرن بغا التركيّ «٧٨» ثمّ ملك زادة، ابن اخت خذاوند زادة «٧٩» ، ثمّ بدر الدين الفصّال. ولمّا دخلنا من الباب الثالث ظهر لنا المشور الكبير المسمّى هزار أسطون ومعنى ذلك ألف سارية «٨٠» ، وبه يجلس السلطان الجلوس العامّ، فخدم الوزير عند ذلك حتّى قرب رأسه من الأرض وخدمنا نحن بالركوع، وأوصلنا أصابعنا إلى الأرض وخدمتنا لناحية سرير السلطان، وخدم جميع من معنا، فلمّا فرغنا من الخدمة صاح النقباء باصوات عالية: بسم الله، وخرجنا. ذكر وصولنا لدار أمّ السلطان وذكر فضائلها وامّ السلطان تدعى المخدومة جهان، وهي من أفضل النساء، كثيرة الصدقات عمّرت زوايا كثيرة، وجعلت فيها الطّعام للوارد والصادر وهي مكفوفة البصر، وسبب ذلك انّه لمّا ملك ابنها جاء اليها جميع الخواتين وبنات الملوك والأمراء في أحسن زيّ وهي على سرير الذهب المرصّع بالجوهر فخدمن بين يديها جميعا، فذهب بصرها للحين، وعولجت بأنواع العلاج فلم ينفع. وولدها أشدّ الناس برورا بها، ومن بروره أنّها سافرت معه مرّة، فقدم السلطان قبلها بمدّة فلمّا قدمت خرج لاستقبالها وترجّل عن فرسه وقبّل رجلها وهي في المحفّة بمرأى من الناس أجمعين. ولنعد لما قصدناه فنقول: ولمّا انصرفنا عن دار السلطان خرج الوزير ونحن معه إلى باب الصّرف وهم يسمّونه باب الحرم، وهنالك سكنى المخدومة جهان، فلمّا وصلنا بابها نزلنا عن الدوّاب وكلّ واحد منّا قد أتى بهديّة على قدر حاله، ودخل معنا قاضي قضاة المماليك كمال الدّين بن البرهان، فخدم الوزير والقاضي عند بابها، وخدمنا كخدمتهم، وكتب كاتب بابها هدايانا، ثمّ خرج من الفتيان جماعة وتقدّم كبارهم إلى الوزير فكلّموه سرّا ثم

стр. 806

عادوا إلى القصر ثمّ رجعوا إلى الوزير ثمّ عادوا إلى القصر ونحن وقوف ثمّ أمرنا بالجلوس في سقيف هنالك، ثمّ أتوا بالطعام واتو بقلال من الذهب يسمّونها السّين، بضمّ السين والياء آخر الحروف، وهي مثل القدور، ولها مرافع من الذهب تجلس عليها، يسمّونها السّبك، بضمّ السين وبضم الباء الموحدة، وأتوا بأقداح وطسوت وأباريق كلّها ذهب، وجعلوا الطعام سماطين، وعلى كلّ سماط صفّان، ويكون في رأس الصفّ كبير القوم الواردين. ولمّا تقدّمنا للطعام خدم الحجّاب والنقباء، وخدمنا لخدمتهم، ثمّ أتوا بالشربة فشربنا، وقال الحجّاب: بسم الله، ثمّ أكلنا واتوا بالفقّاع ثمّ بالتنبول، ثمّ قال الحجّاب: بسم الله، فخدمنا جميعا، ثمّ دعينا إلى موضع هنالك فخلع علينا خلع الحرير المذهّبة، ثمّ أتوا بنا إلى باب القصر فخدمنا عنده، وقال الحجّاب: بسم الله، ووقف الوزير ووقفنا معه، ثمّ أخرج من داخل القصر تخت ثياب غير مخيطة من حرير وكتّان وقطن، فأعطى كلّ واحد منّا نصيبه منها، ثمّ أتوا بطيفور ذهب فيه الفاكهة اليابسة، وبطيفور مثله فيه الجلّاب وطيفور ثالث فيه التنبول. ومن عادتهم انّ الذي يخرج له ذلك يأخذ الطيفور بيده ويجعله على كاهله ثمّ يخدم بيده الأخرى إلى الأرض، فأخذ الوزير الطيفور بيده قصد أن يعلمني كيف أفعل إيناسا منه وتواضعا ومبرّة، جزاه الله خيرا، ففعلت كفعله، ثمّ انصرفنا إلى الدار المعدّة لنزولنا بمدينة دهلي، وبمقربة من دروازة بالم منها «٨١» ، وبعثت لنا الضيافة. ذكر الضيافة ولمّا وصلت إلى الدار التي أعدّت لنزولي وجدت فيها ما يحتلج إليه من فرش وبسط وحصر واوان وسرير الرّقاد، وأسرّتهم بالهند خفيفة الحمل، يحمل السرير منها الرجل الواحد، ولا بدّ لكلّ احد أن يستصحب السرير في السفر يحمله غلامه على رأسه وهو أربع قوائم مخروطة، يعرض عليها أربعة أعواد، وتنسج عليها ضفائر من الحرير أو القطن، فإذا نام الانسان عليه لم يحتج إلى ما يرطّبه به لأنّه يعطي الرطوبة من ذاته. وجاءوا مع السرير بمضرّبتين ومخدّتين ولحاف، كلّ ذلك من الحرير وعادتهم أن يجعلوا للمضرّبات واللّحوف وجوها تغشيها من كتّان أو قطن بيضا، فمتى توسّخت غسلوا الوجوه المذكورة وبقى ما في داخلها مصونا.

стр. 807

وأتوا تلك الليلة برجلين أحدهما الطاحوني وسمونه الخرّاص والآخر الجزّار ويسمّونه القصّاب، فقالوا لنا: خذوا من هذا كذا وكذا من الدقيق، ومن هذا كذا وكذا من اللحم، لأوزان لا أذكرها الآن. وعادتهم أن يكون اللحم الذي يعطون بقدر وزن الدقيق، وهذا الذي ذكرناه ضيافة أمّ السلطان، وبعد ذلك وصلتنا ضيافة السلطان، وسنذكرها، ولمّا كان من غد ذلك اليوم ركبنا إلى دار السلطان وسلّمنا على الوزير فأعطاني بدرتين: كلّ بدرة من ألف دينار دراهم، وقال لي هذه سرششتي «٨٢» ومعناه لغسل رأسك وأعطاني خلعة من المرعزّ، وكتب جميع أصحابي وخدّامي وغلماني فجعلوا أربعة أصناف، فالصنف الأول منها أعطى كلّ واحد منهم مائتي دينار، والصنف الثاني أعطى كلّ واحد منهم مائة وخمسين دينارا، والصنف الثالث اعطى كلّ واحد مائة دينار، والصنف الرابع اعطى كلّ واحد خمسة وسبعين دينارا، وكانوا نحو أربعين، وكان جملة ما أعطوه اربعة آلاف دينار ونيفا. وبعد ذلك عيّنت ضيافة السلطان، وهي ألف رطل هنديّة من الدقيق، ثلثها من الميرا، وهو الدّرمك، وثلثاها من الخشكار وهو المدهون، وألف رطل من اللحم، ومن السكّر والسمن والسليف «٨٣» والفوفل أرطال كثيرة لا أذكر عددها، والألف من ورق التنبول، والرطل الهنديّ عشرون رطلا من أرطال المغرب، وخمسة وعشرون من أرطال مصر، وكانت ضيافة خذا وندزادة أربعة آلاف رطل من الدقيق ومثلها من اللحم مع ما يناسبها مما ذكرناه. ذكر وفاة بنتي وما فعلوا في ذلك . ولمّا كان بعد شهر ونصف من مقدمنا توفّيت بنت لي سنّها دون السنة «٨٤» ، فاتّصل خبر وفاتها بالوزير فأمر أن تدفن في زاوية بناها خارج دروازة بالم بقرب مقبرة هنالك لشيخنا ابراهيم القونويّ، فدفنّاها بها، وكتب بخبرها إلى السلطان فأتاه الجواب في عشّى اليوم الثاني، وكان بين متصيّد السلطان وبين الحضرة مسيرة عشرة ايّام. وعادتهم أن يخرجوا إلى قبر الميت صبيحة الثالث من دفنه ويفرشون جوانب القبر بالبسط وثياب الحرير ويجعلون على القبر الأزاهير، وهي لا تنقطع هنالك في فصل من

стр. 808

الفصول كالياسمين وقل شبه «٨٥» ، وهي زهر أصفر، وريبول وهو ابيض، والنسرين وهو على صنفين أبيض واصفر، ويجعلون أغصان النارنج والليمون بثمارها، وان لم يكن فيها ثمار علّقوا منها حبّات بالخيوط، ويصبّون على القبر الفواكه اليابسة، وجوز النارجيل، ويجتمع الناس ويؤتى بالمصاحف فيقرءون القرآن فإذا ختموه أتوا بماء الجلّاب فسقوه الناس، ثمّ يصبّ عليهم ماء الورد صبّا ويعطون التنبول وينصرفون. ولمّا كان صبيحة الثالث من دفن البنت خرجت عند الصبح على العادة وأعددت ما تيسّر من ذلك كلّه، فوجدت الوزير قد أمر بترتيب ذلك، وأمر بسراجة فضربت على القبر، وجاء الحاجب شمس الدين الفوشنجيّ الذي تلقّانا بالسند، والقاضي نظام الدين الكرواني، وجملة من كبار اهل المدينة ولم آت إلّا والقوم المذكورون قد اخذوا مجالسهم والحاجب بين أيديهم وهم يقرءون القرآن، فقعدت مع أصحابي بمقربة من القبر فلمّا فرغوا من القراءة، قرأ القراء بأصوات حسان ثمّ قام القاضي فقرأ رثاء في البنت المتوفّاة وثناء على السلطان، وعند ذكر اسمه قام الناس جميعا قياما فخدموا ثمّ جلسوا ودعا القاضي دعاء حسنا. ثمّ اخذ الحاجب واصحابه براميل ماء الورد فصبّوه على الناس ثمّ داروا عليهم بأقداح شربة النّبات ثمّ فرقوا عليهم التنبول، ثمّ أتي بإحدى عشرة خلعة لي ولأصحابي، ثمّ ركب الحاجب وركبنا معه إلى دار السلطان فخدمنا للسّرير على العادة وانصرفت إلى منزلي، فما وصلت الّا وقد جاء الطعام من دار المخدومة جهان ما ملأ الدار ودور أصحابي وأكلوا جميعا وأكل المساكين وفضلت الأقراص والحلواء والنبات فأقامت بقاياها إيّاما، وكان فعل ذلك كلّه بامر السلطان. وبعد ايّام جاء الفتيان من دار المخدومة جهان بالدولة «٨٦» وهي المحفّة التي يحمل فيها النساء ويركبها الرجال أيضا وهي شبه السرير سطحها من ضفائر الحرير أو القطن وعليها عود شبه الذي على البوجات عندنا معوّج من القصب الهندي المغلوق، ويحملها ثمانية رجال في نوبتين: يستريح أربعة ويحمل أربعة، وهذه الدّول بالهند كالحمير بديار مصر، عليها يتصرّف أكثر الناس، فمن كان له عبيد حملوه ومن لم يكن له عبيد اكترى رجالا يحملونه، وبالبلد منهم جماعة يسيرة يقفون في الأسواق، وعند باب السلطان وعند ابواب الناس للكراء وتكون دول النساء مغشاة بغشاء حرير، وكذلك كانت هذه الدولة التي اتى الفتيان بها من دار امّ السلطان فحملوا فيها جاريتي التي هي امّ البنت المتوفّاة، وبعثت أنا معها عن هديّة جارية تركيّة، فأقامت الجارية امّ البنت عندهم ليلة وجاءت في اليوم الثاني وقد

стр. 809

اعطوها الف دينار دراهم وأساور ذهب مرصّعة وتهليلا «٨٧» من الذهب مرصّعا أيضا وقميص كتّان مزركشا بالذهب وخلعة حرير مذهّبة وتختا بأثواب، ولمّا جاءت بذلك كلّه أعطيته لأصحابي، وللتجار الذين لهم عليّ الدّين محافظة على نفسي وصونا لعرضي لأنّ المخبرين يكتبون إلى السلطان بجميع أحوالي. ذكر إحسان السلطان والوزير إلىّ في ايّام غيبة السلطان عن الحضرة وفي أثناء مقامي أمر السلطان أن يعيّن لي من القرى ما يكون فائدة خمسة آلاف دينار في السنة، فعيّنها لي الوزير وأهل الديوان وخرجت إليها فمنها قرية تسمّى بدلي، بفتح الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسر اللام، وقرية تسمّى بسهي، بفتح الباء الموحدة والسين المهمل وكسر الهاء، ونصف قرية تسمّى بلرة «٨٨» ، بفتح الباء الموحدة واللام والراء، وهذه القرى على مسافة ستّة عشر كروها وهو الميل بصدي، يعرف بصدي هندبت، والصّدي عندهم مجموع مائة قرية، وأحواز المدينة مقسومة أصداء، كلّ صدي له جوطري «٨٩» وهو شيخ من كفار تلك البلاد، ومتصرف، وهو الذي يضمّ مجابيها. وكان قد وصل في ذلك الوقت سبى من الكفار فبعث الوزير اليّ عشر جوار منه فأعطيت للذي جاء بهنّ واحدة منهنّ، فما رضي بذلك! وأخذ أصحابي ثلاثا صغارا منهن، وباقيهنّ لا أعرف ما اتّفق لهنّ، والسبى هنالك رخيص الثمن لانّهن قذرات لا يعرفن مصالح الحضر والمعلّمات رخيصات الأثمان، فلا يفتقر أحد إلى شراء السبى. والكفار ببلاد الهند في برّ متّصل وبلاد متّصلة مع المسلمين، والمسلمون غالبون عليهم، وانّما يمتنع الكفار بالجبال والأوعار، ولهم غيضات من القصب، وقصبهم غير مجوف، ويعظم، والتفّ بعضه على بعضه على بعض ولا تؤثر فيه النّار، وله قوّة عظيمة فيسكنون تلك الغياض، وهي لهم مثل السور وبداخلها تكون مواشيهم وزروعهم، ولهم فيها المياه مما يجتمع من ماء المطر فلا يقدر عليهم إلّا بالعساكر القوية من الرجال الذين يدخلون تلك الغياض ويقطعون تلك القصب بالات معدّة لذلك.

стр. 810

ذكر العيد الذي شهدته أيام غيبة السلطان وأظلّ عيد الفطر «٩٠» والسلطان لم يعد بعد إلى الحضرة فلمّا كان يوم العيد ركب الخطيب على الفيل وقد مهّد له على ظهره شبه السرير وركزت أربعة أعلام في أركانه الأربعة ولبس الخطيب ثياب السّواد وركب المؤذنون على الفيلة يكبّرون أمامه وركب فقهاء المدينة وقضاتها وكلّ واحد منهم يستصحب صدقة يتصدّق بها حين الخروج إلى المصلّى، ونصب على المصلّى صيوان قطن وفرش ببسط، واجتمع الناس ذاكرين لله، تعالى، ثمّ صلّى بهم الخطيب وخطب وانصرف الناس إلى منازلهم وانصرفنا إلى دار السلطان، وجعل الطعام، فحضره الملوك والأمراء والأعزّة وهم الغرباء وأكلوا وانصرفوا. ذكر قدوم السلطان ولقائنا له ولما كان في رابع شوّال نزل السلطان «٩١» بقصر يسمّى تلبت «٩٢» ، بكسر التاء المعلوّة الأولى وسكون اللام وفتح الباء الموحدة ثمّ تاء كالأولى، وهي على مسافة سبعة أميال من الحضرة، فأمرنا الوزير بالخروج إليه فخرجنا، ومع كلّ إنسان هديّة من الخيل والجمال والفواكه الخراسانيّة والسيوف المصريّة والمماليك، والغنم المجلوبة من بلاد الأتراك، فوصلنا إلى باب القصر وقد اجتمع جميع القادمين فكانوا يدخلون إلى السلطان على قدر مراتبهم ويخلع عليهم ثياب الكتّان المزركشة بالذهب. ولمّا وصلت النوبة إليّ دخلت فوجدت السلطان قاعدا على كرسيّ فظننته أحد الحجّاب حتّى رأيت معه ملك النّدماء ناصر الدين الكافيّ الهرويّ، وكنت عرفته ايّام غيبة السلطان، فخدم الحاجب فخدمت، واستقبلني أمير حاجب وهو ابن عمّ السلطان المسمّى بفيروز، وخدمت ثانية لخدمته، ثمّ قال لي ملك النّدماء: بسم الله، مولانا بدر الدين، وكانوا يدعونني بأرض الهند بدر الدين وكلّ من كان من أهل الطلب إنّما يقال له مولانا، فقربت من السلطان حتّى أخذ بيدي وصافحني وامسك يدي وجعل يخاطبني بأحسن خطاب، ويقول لي باللسان
следующие страницы →