Полный текст (1 410 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ذكر توجهنا إلى الغزو وفتح سندابور
وكان السلطان جمال الدين قد جهز اثنين وخمسين مركبا سفرية برسم غزو سندابور، وكان وقع بين سلطانها وولده خلاف، فكتب ولده إلى السلطان جمال الدين أن يتوجه لفتح سندابور ويسلم الولد المذكور، ويزوجه السلطان أخته «١٤٣» ، فلمّا تجهزت المراكب ظهر لي أن أتوجه فيها إلى الجهاد ففتحت المصحف أنظر فيه فكان في أول الصفحة: يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره، فاستبشرت بذلك، وأتى السلطان إلى صلاة العصر، فقلت له: أريد السفر فقال: إذا تكون أميرهم، فأخبرته بما خرج لي في أول المصحف فأعجبه ذلك، وعزم على السفر بنفسه ولم يكن ظهر له ذلك قبل، فركب مركبا منها وأنا معه، وذلك في يوم السبت فوصلنا عشيّ الاثنين إلى سندابور، ودخلنا خورها فوجدنا أهلها مستعدّين للحرب وقد نصبوا المجانيق، فبتنا عليها تلك الليلة.
فلما أصبح ضربت الطبول والانفار والأبواق وزحفت المراكب، ورموا عليها بالمجانيق، فلقد رأيت حجرا أصاب بعض الواقفين بمقربة من السلطان، ورمى اهل المراكب أنفسهم في الماء وبأيديهم الترسة والسيوف، ونزل السلطان إلى العكيرى، وهو شبه الشلّير «١٤٤» ، ورميت بنفسي في الماء في جملة الناس، وكان عندنا طريدتان مفتوحتي المواخر، فيها الخيل، وهي بحيث يركب الفارس فرسه في جوفها ويتدرّع ويخرج ففعلوا ذلك، وأذن الله في فتحها وأنزل النصر على المسلمين، فدخلنا بالسيف ودخل معظم الكفار في قصر سلطانهم، فرمينا النار فيه فخرجوا وقبضنا عليهم، ثم إن السلطان أمّنهم ورد لهم نساءهم وأولادهم وكانوا نحو عشرة آلاف وأسكنهم بربض المدينة وسكن السلطان القصر وأعطى الديار بمقربة منه لأهل دولته، وأعطاني جارية منهن تسمى لمكي فسميتها مباركة «١٤٥» ، وأراد زوجها فداءها فأبيت! وكساني فرجية مصرية وجدت في خزائن الكافر، وأقمت عنده بسندابور من يوم فتحها وهو الثالث عشر لجمادى الأولى إلى منتصف شعبان «١٤٦» ، وطلبت منه الإذن في السفر، فأخذ عليّ العهد في العودة إليه!
стр. 877
وسافرت في البحر إلى هنور ثم إلى فاكنور، ثم إلى منجرور ثم إلى هيلي ثم إلى جرفتّن وده فتّن، وبدفتّن وفندرينا وقالقوط، وقد تقدم ذكر جميعها ثم إلى مدينة الشاليات، وهي بالشين المعجم والف ولام وياء آخر الحروف والف وتاء معلوة، مدينة من حسان المدن تصنع بها الثياب المنسوبة لها «١٤٧» ، وأقمت بها فطال مقامي فعدت إلى قالقوط، ووصل اليها غلامان كانا لي بالككم فأخبراني أن الجارية التي كانت حاملا وبسببها كان تغيّر خاطري توفيت، وأخذ صاحب الجاوة سائر الجواري واستولت الأيدي على المتاع وتفرّق أصحابي إلى الصين والجاوة وبنجالة، فعدت لما تعرّفت هذا إلى هنّور، ثم إلى سندابور فوصلتها في آخر المحرم وأقمت بها إلى ثاني من شهر ربيع الآخر.
وقدم «١٤٨» سلطانها الكافر الذي دخلناها عليه برسم أخذها وهرب إليه الكفار كلّهم، وكانت عساكر السلطان متفرقة في قرى فانقطعوا عنا، وحصرنا الكفار وضيّقوا علينا، ولما اشتد الحال خرجت عنها وتركتها محصورة «١٤٩» ، وعدت إلى فالقوط.
وعزمت على السفر إلى ذيبة المهل وكنت أسمع بأخبارها فبعد عشرة أيام من ركوبنا البحر بقالقوط وصلنا جزائر ذيبة المهل، وذيبة على لفظ مؤنث الذيب «١٥٠» ، والمهل بفتح الميم والهاء، وهذه الجزائر إحدى عجائب الدنيا، وهي نحو ألفى جزيرة «١٥١» ويكون منها مائة فما
стр. 878
دونها مجتمعات مستديرة كالحلقة لها مدخل كالباب لا تدخل المراكب إلّا منه، وإذا وصل المركب إلى إحداها فلا بدّ له من دليل من أهلها يسير به إلى سائر الجزائر، وهي من التقارب بحيث تظهر رؤوس النخل التي باحداها عند الخروج من الأخرى، فان أخطأ المركب سمتها لم يمكنه دخولها وحملته الريح إلى المعبر أو سيلان «١٥٢» .
وهذه الجزائر أهلها كلّهم مسلمون، ذووا ديانة وصلاح، وهي منقسمة إلى اقاليم، على كلّ إقليم وال يسمونه الكردوبي «١٥٣» ، ومن أقاليمها إقليم بالبور «١٥٤» ، وهو بباءين معقودتين وكسر اللام وآخره راء ومنها كنّلوس «١٥٥» بفتح الكاف والنون مع تشديدها وضم اللام وآخره راء، ومنها كنّلوس (١٥٥) ، بفتح الكاف والنون مع تشديدها وضم اللام وواو وسين مهمل، ومنها إقليم المهل «١٥٦» ، وبه تعرف الجزائر كلّها، وبها يسكن سلاطينها، ومنها إقليم تلاديب «١٥٧» ، بفتح التاء المعلوة واللام والف ودال مهملة وياء مد وباء موحدة، ومنها إقليم كرايدو «١٥٨» ، بفتح الكاف والراء وسكون الياء المسفولة وضم الدال المهمل وواو، ومنها إقليم التّيم «١٥٩» ، بفتح التاء المعلوة وسكون الياء المسفولة، ومنها اقليم تلدمّتي «١٦٠» ، بفتح التاء المعلوة الأولى واللام وضم الدال المهمل وفتح الميم وتشديدها وكسر التاء الأخرى وياء
стр. 879
ومنها إقليم هلدمّتي «١٦١» ، وهو مثل لفظ الذي قبله الا أن الهاء أوله، ومنها إقليم بريدو «١٦٢» ، بفتح الباء الموحدة والراء وسكون الياء وضم الدال المهمل وواو، ومنها اقليم كندكل «١٦٣» ، بفتح الكافين والدال المهمل وسكون النون، ومنها إقليم ملوك «١٦٤» ، بضم الميم، ومنها اقليم السّويد «١٦٥» بالسين المهمل وهو أقصاها.
وهذه الجزائر كلها لا زرع بها إلا أن في اقليم السّويد منها زرعا يشبه أنلي «١٦٦» ويجلب منه إلى المهل، وإنما أكل أهلها سمك يشبه البيرون «١٦٧» ، يسمونه قلب الماس، بضم القاف، ولحمه أحمر، ولا زفر له، إنما ريحه كريح لحم الانعام، وإذا اصطادوه قطعوا السمكة منه أربع قطع وطبخوها يسيرا ثم جعلوه في مكاتيل من سعف النخل وعلّقوه للدخان فإذا استحكم يبسه أكلوه «١٦٨» ويحمل منها إلى الهند والصين واليمن ويسمونه قلب الماس بضم القاف.
ذكر أشجارها
ومعظم أشجار هذه الجزائر النّارجيل «١٦٩» ، وهو من أقواتهم مع السّمك، وقد تقدم ذكره، وأشجار النارجيل شأنها عجيب وتثمر النخل منها اثنى عشر عذقا في السنة، يخرج في كل شهر عذق، فيكون بعضها صغيرا وبعضها كبيرا وبعضها يابسا وبعضها أخضر، هكذا أبدا ويصنعون منه الحليب والزيت والعسل حسبما ذكرنا في السفر الأول «١٧٠» ويصنعون من عسله الحلواء فيأكلونها مع الجوز اليابس منه، وكذلك أكله.
стр. 880
يظهر أن هذا النوع من الأسماك الذي شبهه ابن بطوطة بما يعرف في المغرب بأبيرون (ABRAIROUN) هو الذي يحمل في منطقة الخليج اسم قباب الذي عرف في الانجليزية تحت اسم Yellow fin Tuna عن أسماك الخليج اعداد بوهارون للمعدات البحرية- أبو ظبي/ مع شكرنا للسيد أحمد ثاني الدوسري
стр. 881
وللسّمك الذي يغتذون به قوة عجيبة في الباءة لا نظير لها، ولأهل هذه الجزائر عجب في ذلك، ولقد كان لي بها أربع نسوة وجوار سواهن فكنت أطوف على جميعهن كلّ يوم، وأبيت عند من تكون ليلتها، وأقمت بها سنة ونصف أخرى على ذلك! «١٧١» .
ومن أشجارها الجمّون «١٧٢» والأترج والليمون والقلقاص «١٧٣» ، وهم يصنعون من أصوله دقيقا يعملون منه شبه الإطرية، ويطبخونها بحليب النارجيل وهي من أطيب الطعام كنت أستحسنها كثيرا وآكلها.
ذكر أهل هذه الجزائر، وبعض عوائدهم وذكر مساكنهم
وأهل هذه الجزائر أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة، أكلهم حلال ودعاءهم مجاب، وإذا رأى الانسان أحدهم قال له: الله ربي، ومحمد نبيّ وأنا أمي مسكين، وأبدانهم ضعيفة ولا عهد لهم بالقتال والمحاربة وسلاحهم الدعاء، ولقد أمرت مرة بقطع يد سارق بها فغشى على جماعة منهم كانوا بالمجلس، ولا تطرقهم لصوص الهند ولا تذعرهم لانهم جربوا أنّ من أخذ لهم شيئا أصابته مصيبة عاجلة، واذا أتت أجفان العدو إلى ناحيتهم أخذوا من وجدوا، من غيرهم، ولم يعرضوا لأحد منهم بسوء، وإن أخذ أحد الكفار ولو ليمونة عاقبة أمير الكفار وضربه الضرب المبرح خوفا من عاقبة ذلك ولولا هذا لكانوا أهون الناس على قاصدهم بالقتال لضعف بنيتهم.
وفي كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة وأكثر عمارتهم بالخشب وهم أهل نظافة وتنزه عن الأقذار وأكثرهم يغتسلون مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق، ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية ويتلطّخون بالغالية المجلوبة من مقدشو.
ومن عادتهم أنهم إذا صلوا الصبح أتت كل امرأة إلى زوجها أو ابنها بالمكحلة وبماء الورد ودهن الغالية «١٧٤» فيكحّل عينيه ويدهن بماء الورد ودهن الغالية، فتصقل بشرته وتزيل الشحوب عن وجهه.
ولباسهم فوط يشدون الفوطة منها على أوساطهم عوض السراويل، ويجعلون على
стр. 882
ظهرهم ثياب الوليان «١٧٥» ، بكسر الواو وسكون اللام وياء آخر الحروف، وهي شبه الأحاريم، وبعضهم يجعل عمامة، وبعضهم منديلا صغيرا عوضا منها، وإذا لقى أحدهم القاضي أو الخطيب وضع ثوبه عن كتفيه وكشف ظهره ومضى معه كذلك حتى يصل إلى منزلة ومن عوائدهم أنه إذا تزوج الرجل منهم ومضى إلى دار زوجته بسطت له ثياب القطن من باب دارها إلى باب البيت، وجعل عليها غرفات من الودع عن يمين طريقه إلى البيت وشماله، وتكون المرأة واقفة عند باب البيت تنتظره فإذا وصل إليها رمت على رجليه «١٧٦» ثوبا يأخذه خدامه، وان كانت المرأة هي التي تاتي إلى منزل الرجل بسطت داره وجعل فيها الودع ورمت المرأة عند الوصول اليه الثوب على رجليه، وكذلك عادتهم في السلام على السلطان عندهم، لا بد من ثوب يرمى عند ذلك، وسنذكره.
وبنياتهم بالخشب ويجعلون سطوح البيوت مرتفعة عن الأرض توقيا من الرطوبات لأن أرضهم ندية، وكيفية ذلك أن ينحتوا حجارة يكون طول الحجر منها ذراعين أو ثلاثة ويجعلونها صفوفا ويعرضون عليها خشب النارجيل، ثم يضعون الحيطان من الخشب «١٧٧» ولهم صناعة عجيبة في ذلك، ويبنون في أسطوان الدار بيتا يسمونه المالم «١٧٨» بفتح اللام، يجلس الرجل به مع أصحابه ويكون له بابان أحدهما إلى جهة الاسطوان يدخل منه الناس والآخر إلى جهة الدار يدخل منه صاحبها، ويكون عند هذا البيت خابية مملوءة ماء، ولها مستقى يسمونه الولنج «١٧٩» ، بفتح الواو واللام وسكون النون وجيم، هو من قشر جوز النّارجيل وله نصاب طوله ذراعان، وبه يسقون الماء من الآبار لقربها.
وجميعهم حفاة الأقدام من رفيع ووضيع، وأزقتهم مكنوسة نقية تظللها الأشجار
стр. 883
فالماشي بها كأنه في بستان، ومع ذلك لا بد لكل داخل إلى الدار أن يغسل رجليه بالماء الذي في الخابية، بالمالم ويمسحها بحصير غليظ من اللّيف «١٨٠» يكون هنالك، ثم يدخل بيته، وكذلك يفعل كل داخل إلى المسجد.
ومن عوائدهم إذا قدم عليهم مركب أن تخرج إليه الكنادر «١٨١» ، وهي القوارب الصّغار، واحدها كندرة، بضم الكاف والدال، وفيها أهل الجزيرة معهم التنبول، والكرنبة «١٨٢»
وهي جوز النّارجيل الأخضر فيعطي الإنسان منهم ذلك لمن شاء من اهل المركب ويكون نزيله ويحمل أمتعته إلى داره كأنه بعض أقربائه، ومن أراد التزوج من القادمين عليهم تزوج، فإذا حان سفره طلق المرأة لانهن لا يخرجن عن بلادهن! ومن لم يتزوج فالمرأة التي ينزل بدارها تطبخ له وتخدمه وتزوّده اذا سافر وترضى منه في مقابلته بأيسر شيء من الإحسان.
وفائدة المخزن ويسمونه البندر «١٨٣» ، أن يشتري من كل سلعة بالمركب حظا بسوم معلوم سواء كانت السلعة تساوي ذلك أو أكثر منه ويسمونه: شرع البندر «١٨٤» ، ويكون للبندر بيت في كل جزيرة من الخشب يسمونه البجنصار «١٨٥» ، بفتح الباء الموحدة والجيم وسكون النون وفتح الصاد المهمل وآخره راء يجمع به الوالي وهو الكردوري «١٨٦» جميع سلعه ويبيع بها ويشتري، وهم يشترون الفخّار إذا جلب اليهم بالدّجاج فتباع عندهم القدر بخمس دجاجات وست.
وتحمل المراكب من هذه الجزائر السمك الذي ذكرناه، وجوز النارجيل والفوط والوليان
стр. 884
«١٨٧» والعمائم، وهي من القطن ويحملون منها أواني النّحاس فانها عندهم كثيرة «١٨٨» ويحملون الودع ويحملون القنبر، بفتح القاف وسكون النون وفتح الباء الموحدة والرّاء، وهو ليف جوز النّارجيل، وهم يدبغونه في حفر على الساحل ثم يضربونه بالمرازب ثم يغزله النساء وتصنع منه الحبال لخياطة المراكب، وتحمل إلى الصين والهند واليمن، وهو خير من القنب وبهذه الحبال تخاط مراكب الهند واليمن، لأن ذلك البحر كثير الحجارة فإن كان المركب مسمّرا بمسامير الحديد صدم الحجارة فانكسر، وإذا كان مخيطا بالحبال أعطى الرطوبة فلم ينكسر.
وصرف أهل هذه الجزائر الودع وهو حيوان يلتقطونه في البحر، ويضعونه في حفر هنالك فيذهب لحمه ويبقى عظمه أبيض ويسمون المائة منه: سياه، بسين مهمل وياء آخر الحروف، ويسمّون السبعمائة منه: الفال، بالفاء، ويسمون الاثنى عشر الفا منه: الكتّى، بضم الكاف وتشديد التاء المعلوة، ويسمون المائة الف منه بستوا «١٨٩» بضم الباء الموحدة والتاء المعلوة وبينهما سين مهمل، ويباع بها بقيمة أربعة بساتي بدينار من الذهب وربما رخص حتى يباع عشر بساتي منه بدينار ويبيعونه من أهل بنجالة بالأرز، وهو أيضا صرف أهل بلاد بنجالة، ويبيعونه من أهل اليمن فيجعلونه عوض الرمل في مراكبهم، وهذا الودع أيضا هو صرف السودان في بلادهم «١٩٠» ، رأيته يباع بمالي وجوجو «١٩١» بحساب الف ومائة وخمسين للدينار الذّهبي.
ذكر نسائها
ونساؤها لا يغطين رؤوسهن ولا سلطانتهم تغطي رأسها ويمشطن شعورهن ويجمعنها إلى جهة واحدة «١٩٢» ، ولا يلبسن أكثرهن إلا فوطة واحدة تسترها من السرة إلى أسفل وسائر أجسادهن مكشوف، وكذلك يمشين في الأسواق وغيرها.
стр. 885
ولقد جهدت لمّا وليت القضاء بها، أن أقطع تلك العادة وآمرهن باللباس، فلم أستطع ذلك فكنت لا تدخل إليّ منهن امرأة في خصومة الا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليه قدرة، ولباس بعضهن قمص زائدة على الفوطة، وقمصهن قصار الأكمام عراضها، وكان لي جوار كسوتهن لباس أهل دهلي وغطّين رؤوسهن، فعابهن ذلك أكثر مما زانهن إذ لم يتعودنه!! وحليهنّ الأساور تجعل المرأة منها جملة في ذراعيها بحيث تملأ ما بين الكوع والمرفق وهي من الفضة ولا يجعل أساور الذهب إلا نساء السلطان وأقاربه، ولهن الخلاخيل ويسمّونها البايل، بباء موحدة والف وياء آخر الحروف مكسورة وقلائد ذهب يجعلنها على صدورهن ويسمونها البسدرد، بالباء الموحدة وسكون السين المهمل وفتح الدال المهمل والراء.
ومن عجيب أفعالهن أنهن يستاجرن أنفسهن للخدمة بالديار على عدد معلوم من خمسة دنانير فما دونها «١٩٣» وعلى مستأجرهن نفقتهن، ولا يرين ذلك عيبا، ويفعله أكثر بناتهم فتجد في دار الإنسان الغنيّ منهن العشرة والعشرين، وكل ما تكسره من الأواني يحسب عليها قيمته، وإذا أرادت الخروج من دار إلى دار أعطاها أهل الدار التي تخرج اليها العدد الذي هي مرتهنة فيه فتدفعه لاهل الدار التي خرجت منها ويبقى عليها للآخرين وأكثر شغل هؤلاء المستأجرات غزل القنبر «١٩٤» .
والتزوج بهذه الجزائر سهل لنزارة الصداق وحسن معاشرة النساء، وأكثر الناس لا يسمي صداقا إنما تقع الشهادة ويعطي صداقا، مثلها، واذا قدمت المراكب تزوج أهلها النساء فإذا أرادوا السفر طلقوهن وذلك نوع من نكاح المتعة «١٩٥» ، وهن لا يخرجن عن بلادهن أبدا. ولم أر في الدنيا أحسن معاشرة منهن ولا تكل المرأة عندهم خدمة زوجها إلى سواها بل هي تأتيه بالطعام وترفعه من بين يديه وتغسل يده وتأتيه بالماء للوضوء وتغم رجليه عند النوم، ومن عوائدهن الا تأكل المرأة مع زوجها، ولا يعلم الرجل ما تأكله المرأة، ولقد تزوجت بها نسوة فأكل معي بعضهن بعد محاولة وبعضهن لم تأكل معي ولا استطعت أن أراها تأكل ولا نفعتني حيلة في ذلك!!
стр. 886
ذكر السبب في إسلام أهل هذه الجزائر وذكر العفاريت من الجن التي تضربها في كل شهر .
حدثني الثقات من أهلها كالفقيه عيسى اليمني، والفقيه المعلم على، والقاضي عبد الله وجماعة سواهم أن هذه الجزائر كانوا كفارا، وكان يظهر لهم في كل شهر عفريت من الجن يأتي من ناحية البحر كأنه مركب مملوء بالقناديل، وكانت عادتهم إذ رأوه أخذوا جارية بكرا فزينوها وأدخلوها إلى بدخانة «١٩٦» ، وهي بيت الأصنام، وكان مبنيا على ضفة البحر، وله طاق ينظر إليه منها ويتركونها هنالك ليلة، ثم يأتون عند الصباح فيجدونها مفتضّة ميّتة! ولا يزالون في كل شهر يقترعون بينهم، فمن أصابته القرعة أعطى بنته! ثم إنه قدم عليهم مغربي يسمى بأبي البركات البربري وكان حافظا للقرآن العظيم فنزل بدار عجوز منهم بجزيرة المهل فدخل عليها يوما وقد جمعت أهلها وهن يبكين كأنهن في مأتم، فاستفهمهن عن شأنهن، فلم يفهمن فأتى ترجمان فأخبره أن العجوز كانت القرعة عليها، وليس لها إلا بنت واحدة يقتلها العفريت، فقال لها أبو البركات: أنا أتوجه عوضا من بنتك بالليل، وكان سناطا: لا لحية له، فأحتملوه تلك الليلة وأدخلوه إلى بدخانة وهو متوضئ وأقام يتلو القرآن ثم ظهر له العفريت من الطاق فداوم التلاوة فلمّا كان منه بحيث يسمع القراءة غاص في البحر، وأصبح المغربي وهو يتلو على حاله فجاءت العجوز وأهلها وأهل الجزيرة ليستخرجوا البنت على عادتهم فيحرقوها، فوجدوا المغربي يتلوا فمضوا به إلى ملكهم وكان يسمى شنورازة «١٩٧» ، بفتح الشين المعجم وضم النون وواو وراء وألف وزاي وهاء، وأعلموه بخبره، فعجب منه وعرض المغربي عليه الإسلام ورغّبه فيه، فقال له: أقم عندنا إلى الشهر الآخر، فإن فعلت كفعلك ونجوت من العفريت أسلمت! فأقام عندهم وشرح الله صدر الملك للاسلام فأسلم قبل تمام الشهر وأسلم أهله وأولاده وأهل دولته، ثم حمل المغربي لما دخل الشهر إلى بدخانة ولم يات العفريت فجعل يتلو حتى الصبّاح، وجاء السلطان والناس معه فوجدوه على حاله من التلاوة فكسروا الأصنام وهدموا بدخانة وأسلم أهل الجزيرة،
стр. 887
وبعثوا إلى سائر الجزائر فأسلم أهلها وأقام المغربي عندهم معظما وتمذهبوا بمذهبه مذهب الامام مالك ﵁، وهم إلى هذا العهد يعظمون المغاربة بسببه، وبنى مسجدا هو معروف باسمه وقرأت على مقصورة الجامع منقوشا في الخشب: أسلم السلطان أحمد شنورازة على يد أبي البركات البربري المغربي.
وجعل ذلك السلطان ثلث مجابي الجزائر صدقة على أبناء السبيل إذ كان اسلامه بسببهم، فسمى على ذلك حتى الآن «١٩٨» ، وبسبب هذا العفريت خرب من هذه الجزائر كثير قبل الإسلام. ولما دخلناها لم يكن لي علم بشأنه، فبينا أنا ليلة في بعض شأني إذ سمعت الناس يجهرون بالتهليل والتكبير ورأيت الأولاد وعلى رؤوسهم المصاحف والنساء في الطسوت، وأواني النحاس فعجبت من فعلهم وقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: ألا تنظر إلى البحر؟
فنظرت فإذا مثل المركب الكبير، وكأنه مملوء سرجا ومشاعل فقالوا: ذلك العفريت، وعادته أن يظهر مرة في الشهر فإذا فعلنا ما رأيت انصرف عنا ولم يضرنا!
стр. 888
ضريح أبي البركات البربري في عاصمة مالديف: مالي
стр. 889
ذكر سلطانة هذه الجزائر
ومن عجائبها أن سلطانتها امرأة، وهي خديجة «١٩٩» بنت السلطان جلال الدين عمر بن السلطان صلاح الدين صالح البنجالي «٢٠٠» ، وكان الملك لجدّها ثم لأبيها، فلما مات أبوها ولي أخوها شهاب الدين «٢٠١» وهو صغير السن فتزوج الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي أمّه وغلب عليه، وهو الذي تزوج أيضا هذه السلطانة خديجة بعد وفاة زوجها الوزير جمال الدين، كما سنذكره «٢٠٢» ، فلما بلغ شهاب الدين مبلغ الرجال أخرج ربيبه الوزير عبد الله ونفاه إلى جزائر السويد، واستقل بالملك واستوزر أحد مواليه ويسمى علي كلكي «٢٠٣» ثم عزله بعد ثلاثة أعوام ونفاه إلى السّويد «٢٠٤» ، وكان يذكر عن السلطان شهاب الدين المذكور أنه يختلف إلى حرم أهل دولته وخواصه بالليل! فخلعوه لذلك ونفوه إلى اقليم هلدتني «٢٠٥» وبعثوا من قتله بها، ولم يكن بقى في بيت الملك إلا أخواته خديجة الكبرى
стр. 890
ومريم وفاطمة «٢٠٦» ، فقدموا خديجة سلطانة وكانت متزوجة لخطيبهم جمال الدين «٢٠٧» ، فصار وزيرا وغالبا على الامر، وقدم ولده محمد «٢٠٨» للخطابة عوضا منه، ولكن الاوامر إنما تنفذ باسم خديجة، وهم يكتبون الأوامر في سعف النخل بحديدة معوجة شبه السكين ولا يكتبون في الكاغد إلا المصاحف وكتب العلم، ويذكرها الخطيب يوم الجمعة وغيرها فيقول:
اللهم انصر أمتك التي اخترتها، على علم، على العالمين وجعلتها رحمة لكافة المسلمين ألا وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين ابن السلطان صلاح الدين.
ومن عادتهم إذا قدم الغريب عليهم ومضى إلى المشور وهم يسمونه الدار، فلا بدّ له أن يستصحب ثوبين فيخدم لجهة هذه السلطانة ويرمي بأحدهما ثم يخدم لوزيرها وهو زوجها جمال الدين ويرمي بالثاني، وعسكرها نحو ألف إنسان من الغرباء، وبعضهم بلديون وياتون كلّ يوم إلى الدار فيخدمون وينصرفون، ومرتّبهم الأرز يعطاهم من البندر «٢٠٩» في كل شهر، فإذا تم الشهر أتوا الدار وخدموا، وقالوا للوزير: بلّغ عنا الخدمة، وأعلم بأنا أتينا نطلب مرتّبنا، فيؤمر لهم بها عند ذلك. وياتي أيضا إلى الدار كلّ يوم القاضي وأرباب الخطط وهم الوزراء عندهم فيخدمون، ويبلغ خدمتهم الفتيان وينصرفون.
ذكر أرباب الخطط وسيرهم
وهم يسمون الوزير الأكبر النائب عن السلطانة كلكي بفتح الكاف الأولى واللام، ويسمون القاضي فنديارقالوا «٢١٠» ، وضبط ذلك بفاء مفتوح ونون مسكن ودال مهمل مفتوح وياء آخر الحروف وألف وراء وقاف والف ولام مضموم، وأحكامهم كلها راجعة إلى القاضي، وهو أعظمهم من الناس أجمعين، وأمره ممتثل كأمر السلطان وأشد، ويجلس على بساط في الدار، وله ثلاث جزائر يأخذ مجباها لنفسه عادة قديمة أجراها السلطان أحمد شنورازة، ويسمون الخطيب هنديجري «٢١١» ، وضبط ذلك بفتح الهاء وسكون النون وكسر الدال وياء مد
стр. 891
مجموعة صور من مالديف عندما زرتها ١٩٩٠
стр. 892
وجيم مفتوح وراء وياء، ويسمون صاحب الديوان الفاملداري، بفتح الفاء والميم والدال المهمل، ويسمون صاحب الاشغال مافاكلوا، بفتح الميم والكاف وضم اللام، ويسمون الحاكم فتنايك، بكسر الفاء وسكون التاء المعلوة وفتح النون والف وياء آخر الحروف مفتوحة أيضا وكاف ويسمون قائد البحر مانايك «٢١٢» ، بفتح الميم والنون والياء، وكل هؤلاء يسمى وزيرا، ولا سجن عندهم بتلك الجزائر، وإنما يحبس أرباب الجرائم في بيوت خشب هي معدة لا متعة التجار، ويجعل أحدهم في خشبة كما يفعل عندنا بأساري الروم «٢١٣» .
ذكر وصولي إلى هذه الجزائر وتنقّل حالي بها .
ولما وصلت إليها نزلت منها بجزيرة كنّلوس «٢١٤» ، وهي جزيرة حسنة فيها المساجد الكثيرة، ونزلت بدار رجل من صلحائها، وأضافني بها الفقيه عليّ، وكان فاضلا له أولاد من طلبة العلم، ولقيت بها رجلا اسمه محمد، من أهل ظفار الحموض «٢١٥» ، فأضافني، وقال لي: إن دخلت جزيرة المهل أمسكك الوزير بها فإنهم لا قاضي عندهم، وكان غرضي أن أسافر منها إلى المعبر وسرنديب «٢١٦» وبنجالة، ثم إلى الصين، وكان قدومي عليها في مركب الناخودة عمر الهنّوري، وهو من الحجاج الفضلاء، ولما وصلنا كنّلوس أقام بها عشرا ثم اكترى كندرة يسافر فيها إلى المهل بهدية للسلطانة وزوجها، فأردت السفر معه، فقال: لا تسعك الكندرة أنت وأصحابك، فإن شئت السفر منفردا عنهم فدونك، فأبيت ذلك! وسافر فلعبت به الريح وعاد إلينا بعد أربعة أيام وقد لقى شدائد! فاعتذر لي وعزم عليّ في السفر معه بأصحابي، فكنّا نرحل غدوة فننزل في وسط النهار لبعض الجزائر، ونرحل فنبيت بأخرى، ووصلنا بعد أربعة أيام إلى إقليم التّيم «٢١٧» ، وكان الكردوي يسمى
стр. 893
بها هلالا، فسلم عليّ وأضافني، وجاء إليّ ومعه أربعة رجال، وقد جعل اثنان منهم عودا على أكتافهما وعلقا منه أربع دجاجات «٢١٨» ، وجعل الآخران عودا مثله وعلقا منه نحو عشر من جوز النّارجيل، فعجبت من تعظيمهم لهذا الشيء الحقير فأخبرت أنهم صنعوه على جهة الكرامة والاجلال! ورحلنا عنهم فنزلنا في اليوم السادس بجزيرة عثمان، وهو رجل فاضل من خيار النّاس فأكرمنا وأضافنا، وفي اليوم الثامن نزلنا بجزيرة لوزير يقال له التّلمدي، وفي اليوم العاشر وصلنا إلى جزيرة المهل حيث السلطانة وزوجها، وأرسينا بمرساها، وعادتهم أن لا ينزل أحد عن المرسى إلا بإذنهم، فأذنوا لنا في النزول، وأردت التوجه إلى بعض المساجد فمنعني الخدام الذين بالساحل، وقالوا: لا بد من الدخول إلى الوزير، وكنت أوصيت الناخودة أن يقول إذا سئل عني: لا أعرفه، خوفا من إمساكهم إياي. ولم أعلم أن بعض أهل الفضول قد كتب إليهم معرّفا بخبري واني كنت قاضيا بدهلي.
فلما وصلنا إلى الدار وهو المشور نزلنا في سقائف على الباب الثالث منه، وجاء القاضي عيسى اليمني فسلّم علي وسلمت على الوزير، وجاء الناخوذة ابراهيم «٢١٩» بعشرة أثواب فخدم لجهة السلطانة ورمى بثوب منها، ثم خدم للوزير ورمى بثوب آخر كذلك ورمى بجميعها، وسئل عني فقال: لا أعرفه. ثم أخرجوا إلينا التنبول وماء الورد وذلك هو الكرامة عندهم، وأنزلنا بالدار وبعث إلينا الطعام وهو قصعة كبيرة فيها الأرز وتدور بها صحاف فيها اللحم الخليع والدجاج والسمن والسمك.
ولما كان بالغد مضيت مع الناخودة وقاضي عيسى اليمني لزيارة زاوية في طرف الجزيرة عمرها الشيخ الصالح نجيب «٢٢٠» وعدنا ليلا، وبعث الوزير إليّ صبيحة تلك الليلة كسوة وضيافة فيها الأرز والسمن والخليع، وجوز النارجيل والعسل المصنوع منها وهم يسمونه القرباني، بضم القاف وسكون الراء وفتح الباء الموحدة والف ونون وياء، ومعنى ذلك ماء السكر، وأتو بمائة الف ودعة للنفقة.
стр. 894
وبعد عشرة أيام قدم مركب من سيلان فيه فقراء من العرب والعجم يعرفونني، فعرّفوا خدّام الوزير بأمري، فزاد اغتباطا بي وبعث عني عند استهلال رمضان، «٢٢١» فوجدت الأمراء والوزراء وأحضر الطعام في موائد، يجتمع على المائدة طائفة، فأجلسني الوزير إلى جانبه ومعه القاضي عيسى والوزير الفاملداري والوزير عمر دهرد ومعناه مقدم العسكر «٢٢٢» ، وطعامهم الأرز والدجاج والسمن والسمك والخليع والموز المطبوخ، ويشربون بعده عسل النّارجيل مخلوطا بالأفاويه، وهو يهضم الطعام.
وفي التاسع من رمضان مات صهر الوزير زوج بنته، وكانت قبله عند السلطان شهاب الدين ولم يدخل بها أحد منهما لصغرها، فردّها أبوها لداره، وأعطاني دارها وهي من أجمل الدور، واستأذنته في ضيافة الفقراء القادمين من زيارة القدم «٢٢٣» ، فأذن لي في ذلك، وبعث إليّ خمسا من الغنم، وهي عزيزة عندهم لأنها مجلوبة من المعبر والمليبار ومقدشو، وبعث الأرز والدجاج والسمن والابازير، فبعثت ذلك كلّه إلى دار الوزير سليمان مانايك «٢٢٤» ، فطبخ لي بها فأحسن في طبخه وزاد فيه، وبعث الفرش وأواني النحاس، وأفطرنا على العادة بدار السلطانة مع الوزير، واستأذنته في حضور بعض الوزراء بتلك الضيافة، فقال لي: وأنا أحضر أيضا فشكرته وانصرفت إلى داري، فإذا به قد جاء ومعه الوزراء وأرباب الدولة، فجلس في قبة خشب مرتفعة، وكان كل من ياتي من الأمراء والوزراء يسلم على الوزير ويرمي بثوب غير مخيط حتى اجتمع مائة ثوب أو نحوها فأخذها الفقراء.
وقدّم الطعام فأكلوا ثم قرأ القراء بالأصوات الحسان ثم أخذوا في السماع والرّقص وأعددت النار فكان الفقراء يدخلونها ويطأونها بالأقدام ومنهم من يأكلها كما تؤكل الحلواء إلى أن خمدت!
ذكر بعض إحسان الوزير إلي
ولما تمت الليلة انصرف الوزير ومضيت معه فمررنا ببستان للمخزن، فقال لي: هذا البستان لك، وسأعمر لك فيه دارا لسكناك فشكرت فعله، ودعوت له ثم بعث لي من الغد بجارية وقال لي خديمه: يقول لك الوزير إن أعجبتك هي لك وإلّا بعث لك جارية مرهتية،
стр. 895
وكانت الجواري المرهتيات تعجبني، فقلت له: إنما أريد المرهتية! فبعثها لي وكان اسمها قل استان، ومعناه زهر البستان، وكانت تعرف اللسان الفارسي فأعجبتني، وأهل تلك الجزائر لهم لسان لم أكن أعرفه «٢٢٥» ، ثم بعث إلي في غد ذلك بجارية معبرية تسمى عنبري «٢٢٦» .
ولمّا كانت الليلة بعدها جاء الوزير إليّ، بعد العشاء الأخيرة، في نفر من أصحابه فدخل الدار ومعه غلامان صغيران، فسلمت عليه، وسألني عن حالي فدعوت له وشكرته، فألقى أحد الغلامين بين يديه لقشة وهي شبه السّبنيّة «٢٢٧» ، وأخرج منها ثياب حرير وحقّا فيه جوهر وحلي، فأعطاني ذلك وقال لي: لو بعثته لك مع الجارية، لقالت: هو مالي جئت به من دار مولاي والآن هو مالك فأعطه إياها! فدعوت له وشكرته وكان أهلا للشكر ﵀.
ذكر تغيره وما أردته من الخروج ومقامي بعد ذلك
وكان الوزير سليمان مانايك قد بعث إلي أن أتزوج بنته، فبعثت إلى الوزير جمال الدين مستأذنا في ذلك فعاد إلي الرسول وقال: لم يعجبه ذلك، وهو يحب أن يزوجك بنته إذا انقضت عدتها، فأبيت أنا ذلك وخفت من شؤمها لأنه مات تحتها زوجان قبل الدخول! وأصابتني أثناء ذلك حمّى مرضت بها، ولا بد لكل من يدخل تلك الجزيرة أن يحمّ «٢٢٨» ، فقوى عزمي على الرحلة عنها، فبعث بعض الحلي بالودع، واكتريت مركبا أسافر فيه لبنجالة.
فلما ذهبت لوداع الوزير خرج إليّ القاضي، فقال: الوزير يقول لك: إن شئت السّفر فأعطنا ما أعطيناك وسافر! فقلت له: إن بعض الحلي اشتريت به الودع، فشأنكم وإياه، فعاد إلي فقال: يقول إنما أعطيناك الذهب ولم نعطك الودع! فقلت له: أنا أبيعه وأتيكم بالذهب، فبعثت إلى التجار ليشتروه مني فأمرهم الوزير أن لا يفعلوا، وقصده بذلك كله أن لا أسافر عنه!! ثم بعث إلي أحد خواصه، وقال: الوزير يقول لك: أقم عندنا ولك كل ما أحببت، فقلت في نفسي: أنا تحت حكمهم، وإن لم أقم مختارا أقمت مضطرا فالإقامة باختياري أولى!
стр. 896
وقالت لرسوله: نعم: أنا أقيم معه فعاد إليه ففرح بذلك واستدعاني، فلما دخلت إليه، قام إليّ وعانقني، وقال: نحن نريد قربك وأنت تريد البعد عنّا! فاعتذرت له، فقبل عذري، وقلت له: إن أردتم مقامي فأنا أشترط عليكم شروطا، فقال: نقبلها فاشترط، فقلت له: أنا لا أستطيع المشي على قدمي، ومن عادتهم أن لا يركب أحد هنالك إلا الوزير، ولقد كنت لما أعطوني الفرس فركبته يتبعني الناس رجالا وصبيانا يعجبون مني حتى شكوت له، فضربت الدّنقرة، وبرّح في الناس أن لا يتبعني أحد، والدّنقرة بضم الدال المهمل وسكون النون وضم القاف وفتح الراء شبه الطست من النحاس، تضرب بحديدة فيسمع لها صوت على البعد، فإذا ضربوها حينئذ يبرّح في الناس بما يراد، فقال لي الوزير: إن أردت أن تركب الدولة وإلا فعندنا حصان ورمكة، فاختر أيهما شئت، فاخترت الرمكة، فأتوني بها في تلك الساعة وأتوني بكسوة فقلت له: وكيف أصنع بالودع الذي اشتريته؟ فقال: ابعث أحد أصحابك ليبيعه لك ببنجالة، فقلت له: على أن تبعث أنت من يعينه على ذلك، فقال: نعم، فبعثت حينئذ رفيقي أبا محمد بن فرحان، وبعثوا معه رجلا يسمى الحاج عليّا، فاتفق أن هال البحر فرموا بكل ما عندهم حتى الزاد والماء والصاري والقريّة «٢٢٩» ! وأقاموا ست عشرة ليلة لا قلع لهم ولا سكان ولا غيره ثم خرجوا إلى جزيرة سيلان بعد جوع وعطش وشدائد وقدم على صاحبي أبو محمد بعد سنة وقد زار القدم وزارها مرة ثانية معي.
ذكر العيد الذي شاهدته معهم .
ولما تم شهر رمضان بعث الوزير إلي بكسوة وخرجنا إلى المصلى، وقد زينت الطريق التي يمر الوزير عليها من داره إلى المصلى وفرشت الثياب فيها وجعلت كتاتي الودع يمنة ويسرة، وكل من له على طريقه دار من الامراء والكبار قد غرس عندها النخل الصّغار من النارجيل وأشجار الفوفل والموز، ومدّ من شجرة إلى أخرى شرائط، وعلّق منها الجوز الأخضر، ويقف صاحب الدار عند بابها فإذا مر الوزير رمى على رجليه ثوبا من الحرير أو القطن فيأخذها عبيده مع الودع الذي يجعل على طريقه أيضا، والوزير ماش على قدميه وعليه فرجية مصرية من المرعز، وعمامة كبيرة وهو متقلد فوطة حرير وفوق رأسه أربعة شطور، وفي رجليه النّعل وجميع الناس سواه حفاة والأبواق والأنفار والأطبال بين يديه، والعساكر أمامه وخلفه، وجميعهم يكبّرون حتى أتوا المصلّى فخطب ولده بعد الصلاة ثم أتى بمحفة فركب فيها الوزير وخدم له الأمراء والوزراء ورموا بالثياب على العادة، ولم يكن ركب في المحفة قبل ذلك لان ذلك لا يفعله إلا الملوك.
стр. 897
ثم رفعه الرجال وركبت فرسي ودخلنا القصر فجلس بموضع مرتفع وعنده الوزراء والأمراء ووقف العبيد بالتّرسة والسيوف والعصى، ثم أتى بالطعام ثمّ الفوفل والتنبول ثم أتى بصفحة صغيرة فيها الصندل المقاصرى «٢٣٠» ، فإذا أكلت جماعة من الناس تلطّخوا بالصندل.
ورأيت على بعض طعامهم يومئذ حوتا من السردين مملوحا غير مطبوخ، أهدي لهم من كولم، وهو ببلاد المليبار كثير، فأخذ الوزير بسردينة وجعل يأكلها، وقال لي: كل منه فإنه ليس ببلادنا! فقلت: كيف أكله وهو غير مطبوخ؟ فقال: إنه مطبوخ، فقلت: أنا أعرف به فإنه ببلادي كثير!!
ذكر تزوجي وولايتي القضاء
وفي الثاني من شوال «٢٣١» اتفقت مع الوزير سليمان مانايك على تزوج بنته، فبعث إلى الوزير جمال الدين أن يكون عقد النكاح بين يديه بالقصر فأجاب إلى ذلك، وأحضر التّنبول على العادة والصندل، وحضر الناس وأبطأ الوزير سليمان، فاستدعي فلم يات، ثم استدعي ثانية فاعتذر بمرض البنت، فقال لي الوزير سرّا: إن بنته امتنعت وهي مالكة أمر نفسها، والناس قد اجتمعوا فهل لك أن تتزوج بربيبة السلطانة زوجة أبيها وهي التي ولده متزوج بنتها؟ فقلت له: نعم، فاستدعى القاضي والشهود ووقعت الشهادة، ودفع الوزير الصداق، ورفعت إليّ بعد أيام، فكانت من خيار النساء، وبلغ حسن معاشرتها أنها كانت إذا تزوجت عليها تطيّبني وتبخر أثوابي وهي ضاحكة لا يظهر عليها تغيّر «٢٣٢» .
ولما تزوجتها أكرهني الوزير على القضاء وسبب ذلك اعتراضي على القاضي لكونه يأخذ العشر من التركات إذا قسمها على أربابها، فقلت له: إنما لك أجرة تتفق بها مع الورثة، ولم يكن يحسن شيئا، فلما ولّيت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع، وليست هنالك خصومات كما هي ببلادنا! فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلّقين، وكانت إحداهن لا تزال في دار المطلّق حتى تتزوج غيره، فحسمت علة ذلك، وأوتى إليّ بنحو خمسة وعشرين رجلا ممن فعل ذلك فضربتهم وشهّرتهم بالأسواق وأخرجت النساء عنهن ثم اشتددت في إقامة الصلوات وأمرت الرجال بالمبادرة إلى الأزقة والأسواق إثر
стр. 898
صلاة الجمعة فمن وجدوه لم يصل ضربته وشهّرته، وألزمت الأئمة والمؤذنين أصحاب المرتبات المواظبة على ما هم بسبيله، وكتبت إلى جميع الجزائر بنحو ذلك وجهدت أن أكسو النساء فلم أقدر على ذلك!
ذكر قدوم الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي الذي نفاه السلطان شهاب الدين إلى السويد وما وقع بيني وبينه .
وكنت قد تزوجت ربيبته: بنت زوجته، وأحببتها حبّا شديدا، ولما بعث الوزير عنه وردّه إلى جزيرة المهل، بعثت له التّحف وتلقيته ومضيت معه إلى القصر فسلّم على الوزير، وأنزله في دار جيدة فكنت أزوره بها، واتّفق أن اعتكفت في رمضان فزارني جميع الناس إلا وهو، وزارني جمال الدين فدخل هو معه، بحكم الموافقة، فوقعت بيننا الوحشة فلما خرجت من الاعتكاف شكا إليّ أخوال زوجتي: ربيبته، أولاد الوزير جمال الدين السنجري، فإن أباهم أوصى عليهم الوزير عبد الله وأن مالهم باق بيده وقد خرجوا عن حجره بحكم الشرع وطلبوا إحضاره بمجلس الحكم.
وكانت عادتي إذا بعثت عن خصم من الخصوم أبعث له قطعة كاغد مكتوبة أو غير مكتوبة، فعندما يقف عليها يبادر إلى مجلس الحكم الشرعي، وإلّا عاقبته، فبعثت إليه على العادة، فأغضبه ذلك وحقدها لي، وأضمر عداوتي، ووكّل من يتكلّم عنه، وبلغني عنه كلام قبيح! وكانت عادة الناس من صغير وكبير أن يخدموا له كما يخدمون للوزير جمال الدين.
وخدمتهم أن يوصلوا السبابة إلى الارض ثم يقبلونها ويضعونها على رؤوسهم، فأمرت المنادي فنادى بدار السلطان على رؤوس الأشهاد أنه من خدم للوزير عبد الله كما يخدم للوزير الكبير لزمه العقاب الشديد، وأخذت عليه أن لا يترك الناس لذلك، فزادت عداوته.
وتزوجت أيضا زوجة أخرى بنت وزير معظم عندهم كان جده السلطان داود «٢٣٣» حفيد السلطان أحمد شنورازة، ثم تزوجت زوجة كانت تحت السلطان شهاب الدين وعمرت ثلاث ديار بالبستان الذي أعطانيه الوزير وكانت الرابعة وهي ربيبة الوزير عبد الله تسكن في دارها. وهي أحبهن إليّ فلما صاهرت من ذكرته هابني الوزير وأهل الجزيرة وتخوفوا مني لأجل ضعفهم وسعوا بيني وبين الوزير بالنمائم وتولّى الوزير عبد الله كبر ذلك حتى تمكنت الوحشة.
стр. 899
ذكر انفصالي عنهم وسبب ذلك .
واتفق في بعض الأيام أن عبدا من عبيد السلطان جلال الدين شكته زوجته إلى الوزير واعلمته أن عنده سرّية من سراري السلطان يزني بها، فبعت الوزير الشهود ودخلوا دار السّرية فوجدوا الغلام نائما معها في فراش واحد وحبسوهما، فلما أصبحت وعلمت بالخبر توجهت إلى المشور وجلست في موضع جلوسي ولم أتكلم في شيء من أمرها، فخرج إليّ بعض الخواص، فقال، يقول لك الوزير ألك حاجة فقلت: لا! وكان قصده أن أتكلم في شأن السّرّية والغلام إذ كانت عادتي أن لا تقع قضية إلا حكمت فيها، فلما وقع التغير والوحشة قصّرت في ذلك، فانصرفت إلى داري بعد ذلك. وجلست بموضع الأحكام، فإذا ببعض الوزراء، فقال لي: الوزير يقول لك: إنه وقع البارحة كيت وكيت لقضية السّرية والغلام فاحكم فيهما بالشرع، فقلت له: هذه قضية لا ينبغي أن يكون الحكم فيها الا بدار السلطان، فعدت إليها، واجتمع الناس وأحضرت السرية والغلام فأمرت بضربهما للخلوة، وأطلقت سراح المرأة وحبست الغلام وانصرفت إلى داري، فبعث الوزير إليّ جماعة من كبراء ناسه في شأن تسريح الغلام، فقلت لهم: أتشفعون في غلام زنجيّ يهتك حرمة مولاه وأنتم بالأمس خلعتم السلطان شهاب الدين وقتلتموه بسبب دخوله لدار غلام له؟ وأمرت بالغلام عند ذلك فضرب بقضبان الخيزران وهي أشد وقعا من السياط وشهّرته بالجزيرة وفي عنقه حبل.
فذهبوا إلى الوزير فأعلموه، فقام وقعد واستشاط غضبا وجمع الوزراء ووجوه العسكر وبعث عني فجئته وكانت عادتي أن أخدم له فلم أخدم. وقلت: سلام عليكم ثم قلت للحاضرين: اشهدوا عليّ أني قد عزلت نفسي عن القضاء لعجزي عنه! فكلمني الوزير فصعدت وجلست بموضع أقابله فيه وجاوبته أغلظ جواب، وأذّن مؤذن المغرب، فدخل إلى داره وهو يقول: ويقولون إنّي سلطان وها أنا ذا طلبته لأغضب عليه فغضب علي! وإنما كان اعتزازي عليهم بسبب سلطان الهند لأنهم تحققوا مكانتي عنده وإن كانوا على بعد منه، فخوفه في قلوبهم متمكّن، فلما دخل إلى داره بعث إليّ القاضي المعزول وكان جرّيء اللسان، فقال لي: إن مولانا يقول لك: كيف هتكت حرمته على رؤوس الأشهاد ولم تخدم له؟ فقلت له: إنما كنت أخدم له حين كان قلبي طيّبا عليه، فلما وقع التغيّر تركت ذلك، وتحية المسلمين إنما هي السلام «٢٣٤» ، وقد سلّمت! فبعثه إلي ثانية فقال: إنما غرضك السفر عنّا فأعط صدقات النساء وديون الناس وانصرف إذا شئت، فخدمت له على هذا
стр. 900
القول، وذهبت إلى داري فخلّصت ممّا علي من الدّين، وكان قد أعطاني في تلك الايام فرش دار وجهازها من أواني نحاس وسواها وكان يعطيني كلّ ما أطلبه ويحبني ويكرمني، ولكنه غيّر خاطره وخوّف مني! فلما عرف أني قد خلصت الدين وعزمت على السفر ندم على ما قاله وتلكأ في الإذن لي في السفر، فحلفت بالأيمان المغلظة أن لا بدّ من سفري ونقلت ما عندي إلى مسجد على البحر وطلّقت إحدى الزوجات وكانت إحداهن حاملا فجعلت لها أجلا تسعة أشهر إن عدت فيها، وإلا فأمرها بيدها، وحملت معي زوجتي التي كانت امرأة السلطان شهاب الدين لأسلمها لأبيها بجزيرة ملوك «٢٣٥» ، وزوجتي الأولى التي بنتها أخت السلطانة، وتوافقت مع الوزير عمر دهرد والوزير حسن، قائد البحر على أن أمضي إلى بلاد المعبر، وكان ملكها سلفي «٢٣٦» ، فاتى منها بالعساكر لترجع الجزائر إلى حكمه وأنوب عنه فيها وجعلت بيني وبينهم علامة رفع أعلام بيض في المراكب، فإذا رأوها ثاروا في البر!! ولم أكن حدثت نفسي بهذا قط حتى وقع ما وقع من التغيّر، وكان الوزير خائفا مني، يقول للناس: لا بدّ لهذا أن يأخذ الوزارة، إما في حياتي أو بعد موتي، ويكثر السؤال عن حالي، ويقول: سمعت أن ملك الهند بعث إليه الأموال ليثور بها عليّ، وكان يخاف من سفري لئلا أتي بالجيوش من بلاد المعبر، فبعث إليّ أن أقيم حتى يجهز لي مركبا فأبيت، وشكت أخت السلطانة إليها بسفر أمها معي، فأرادت منعها فلم تقدر على ذلك! فلما رأت عزمها على السفر قالت لها: إن جميع ما عندك من الحلي هو من مال البندر، فإن كان لك شهود بأن جلال الدين وهبه لك وإلّا فردّيه! وكان حليا له خطر، فردّته إليهم، وأتاني الوزراء والوجوه وأنا بالمسجد وطلبوا مني الرجوع، فقلت لهم: لولا أني حلفت لعدت، فقالوا: تذهب إلى بعض الجزائر ليبرّ قسمك وتعود، فقلت لهم: نعم، إرضاء لهم.
فلما كانت اللّيلة التي سافرت فيها أتيت لوداع الوزير فعانقني وبكى حتى قطرت دموعه على قدمي، وبات تلك اللّيلة يحترس الجزيرة بنفسه خوفا أن يثور عليه أصهاري وأصحابي! ثم سافرت ووصلت إلى جزيرة الوزير عليّ، فأصابت زوجتي أوجاع عظيمة وأحبت الرجوع، فطلّقتها وتركتها هنالك، وكتبت للوزير بذلك لانها أمّ زوجة ولده، وطلقت التي كنت ضربت لها الأجل، وبعثت عن جارية كنت أحبها، وسرنا في تلك الجزائر من إقليم إلى إقليم!!
стр. 901
ذكر النساء ذوات الثدي الواحد
وفي بعض تلك الجزائر رأيت امرأة لها ثدي واحد في صدرها، ولها بنتان: إحداهما كمثلها ذات ثدي واحد والأخرى ذات ثديين إلا أن أحدهما كبير فيه اللبن والآخر صغير لا لبن فيه، فعجبت من شأنهن! ووصلنا إلى جزيرة من تلك الجزائر صغيرة ليس بها إلا دار واحدة فيها رجل جائك له زوجة وأولاد ونخيلات نارجيل، وقارب صغير يصطاد فيه السمك، ويسير به إلى حيث أراد من الجزائر، وفي جزيرته أيضا شجيرات موز. ولم نر فيها من طيور البر غير غرابين خرجا إلينا لما وصلنا الجزيرة وطافا بمركبنا فغبطت- والله- ذلك الرجل ووددت أنّ لو كانت تلك الجزيرة لي فانقطعت فيها إلى أن ياتيني اليقين! ثم وصلت إلى جزيرة ملّوك حيث المركب الذي للناخوذة إبراهيم وهو الذي عزمت على السفر فيه إلى المعبر فجاء اليّ ومعه أصحابه وأضافوني ضيافة حسنة، وكان الوزير قد كتب لي أن أعطى بهذه الجزيرة مائة وعشرين بستورا «٢٣٧» من الكودة وهي الودع، وعشرين قدحا من الأطوان وهو عسل النارجيل وعددا معلوما من التنبول والفوفل والسمك في كلّ يوم.
وأقمت بهذه الجزيرة سبعين يوما وتزوجت بها امرأتين، وهي من أحسن الجزائر، خضرة نضرة، رأيت من عجائبها أن الغصن يقتطع من شجرها ويركز في الأرض أو الحائط فيورق ويصير شجرة، ورأيت الرمان بها لا ينقطع، له ثمر بطول السنة.
وخاف أهل هذه الجزيرة من الناخودة إبراهيم أن ينهبهم عند سفره فأرادوا امساك ما في مركبه من السلاح حتى يوم سفره، فوقعت المشاجرة بسبب ذلك وعدنا إلى المهل ولم ندخلها، وكتبت إلى الوزير معلما بذلك، فكتب أن لا سبيل لأخذ السلاح، وعدنا إلى ملوك وسافرنا منها في نصف ربيع الثاني عام خمسة وأربعين «٢٣٨» وفي شعبان من هذه السنة «٢٣٩» توفي الوزير جمال الدين ﵀، وكانت السلطانة حاملا منه فولدت أثر وفاته، وتزوجها الوزير عبد الله.
وسافرنا، ولم يكن معنا رايس عارف، ومسافة ما بين الجزائر والمعبر ثلاثة أيام، فسرنا نحن تسعة أيام وفي التاسع منها خرجنا إلى جزيرة سيلان، ورأينا جبل سرنديب
стр. 902
فيها ذاهبا في السماء، كأنه عمود دخان «٢٤٠» ، ولما وصلناها قال البحرية: إن هذا المرسى ليس في بلاد السلطان الذي يدخل التّجار إلى بلاده آمنين، إنما هذا مرسى في بلاد السلطان أيري شكروتي، وهو من العتاة المفسدين، وله مراكب تقطع في البحر فخفنا أن ننزل بمرساه، ثم اشتدت الريح فخفنا الغرق، فقلت للناخودة: أنزلني إلى الساحل وأنا آخذ لك الأمان من هذا السلطان! ففعل ذلك وأنزلني بالساحل، فأتانا الكفار، فقالوا: ما أنتم؟ فأخبرتهم أني سلف سلطان المعبر وصاحبه، جئت لزيارته، وان الذي في المركب هدية له فذهبوا إلى سلطانهم فاعلموه بذلك فاستدعاني فذهبت له إلى مدينة بطّالة «٢٤١» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة والطاء المهمل وتشديدها، وهي حضرته مدينة صغيرة حسنة عليها سور خشب وأبراج خشب وجميع سواحلها مملوءة بأعواد القرفة تاتي بها السيول فتجتمع بالساحل كأنها الرّوابي ويحملها أهل المعبر والمليبار دون ثمن إلا أنهم يهدون للسلطان في مقابلة ذلك الثوب ونحوه «٢٤٢» ، وبين بلاد المعبر وهذه الجزيرة مسيرة يوم وليلة، وبها أيضا
стр. 903
من خشب البقّم كثير، ومن العود الهندي المعروف بالكلخي إلا أنه ليس كالقماري والقاقلي «٢٤٣» وسنذكره.
ذكر سلطان سيلان
واسمه أيري شكروتي، بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الراء ثم ياء وشين معجم مفتوح فكاف مثله وراء مسكنة وواو مفتوح وتاء معلوة مكسورة وياء، وهو سلطان قوي في البحر، رأيت مرة وأنا بالمعبر مائة مركب من مراكبه بين صغار وكبار، وصلت إلى هنالك، وكانت بالمرسى ثمانية مراكب للسلطان برسم السفر إلى اليمن فأمر السلطان بالاستعداد وحشد الناس لحماية أجفانه، فلما يئسوا من انتهاز الفرصة فيها قالوا: إنما جئنا في حماية مراكب لنا تسير أيضا إلى اليمن! ولما دخلت على هذا السلطان الكافر قام إلي وأجلسني إلى جانبه وكلّمني بأحسن كلام، وقال: ينزل أصحابك على الأمان ويكونون في ضيافتي إلى أن يسافروا، فإن سلطان المعبر بيني وبينه الصحبة، ثم أمر بإنزالي، فأقمت عنده ثلاثة أيام في إكرام عظيم متزيّد في كل يوم، وكان يفهم اللّسان الفارسي، ويعجبه ما أحدثه به عن الملوك والبلاد.
ودخلت عليه يوما وعنده جواهر كثيرة أتى بها من مغاص الجوهر الذي ببلاده، وأصحابه يميزون النفيس منها من غيره، فقال لي: هل رأيت مغاص الجوهر في البلاد التي جئت منها؟ فقلت له: نعم، رأيته بجزيرة قيس، وجزيرة كشم التي لابن السّواملي ٢٤»
، فقال: سمعت بها، ثم أخذ حبات منه فقال: أيكون في تلك الجزيرة مثل هذه؟ فقلت له:
رأيت ما هو دونها، فأعجبه ذلك! وقال: هي لك، وقال لي: لا تستحي واطلب مني ما شئت، فقلت له: ليس مرادي منذ وصلت هذه الجزيرة إلا زيارة القدم الكريمة: قدم أدم عليه
стр. 904
السلام يسمّونه: بابا، ويسمون حواء ماما «٢٤٥» ، فقال: هذا هيّن! نبعث معك من يوصلك، فقلت: ذلك أريد، ثم قلت له: وهذا المركب الذي جئت فيه يسافر آمنا إلى المعبر وإذا عدت أنا بعثتني في مراكبك، فقال: نعم.
فلما ذكرت ذلك لصاحب المركب قال لي: لا أسافر حتى تعود ولو أقمت سنة بسببك، فأخبرت السلطان بذلك، فقال: يقيم في ضيافتي حتى تعود، فأعطاني دولة يحملها عبيده على أعناقهم، وبعث معي أربعة من الجوكية الذين عادتهم السفر كلّ عام إلى زيارة القدم، وثلاثة من البراهمة، وعشرة من سائر أصحابه وخمسة عشر رجلا يحملون الزاد، وأما الماء فهو بتلك الطريق كثير.
ونزلنا ذلك اليوم على واد جزناه في معدية مصنوعة من قصب الخيزران، ثم رحلنا من هنالك إلى منار مندلي، وضبط ذلك بفتح الميم والنون وألف وراء مسكّنة وميم مفتوح ونون مسكن ودال مفتوح ولام مكسور وياء، مدينة حسنة هي آخر عمالة السلطان «٢٤٦» ، أضافنا أهلها ضيافة حسنة، وضيافتهم عجول الجواميس يصطادونها بغابة هنالك يأتون بها أحياء ويأتون بالارز والسمن والحوت والدجاج واللبن.
ولم نر بهذه المدينة مسلما غير رجل خراساني انقطع بسبب مرضه فسافر معنا، ورحلنا إلى بندر سلاوات «٢٤٧» ، وضبطه بفتح الباء الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهمل وسكون الراء وفتح السين المهمل واللام والواو، والف وتاء معلوة، بلدة صغيرة، وسافرنا منها في أوعار كثيرة المياه، وبها الفيلة الكثيرة إلا أنها لا تؤذي الزوار والغرباء وذلك ببركة الشيخ أبي عبد الله بن خفيف، ﵀، وهو أول من فتح هذا الطريق إلى زيارة القدم، وكان هؤلاء الكفار يمنعون المسلمين من ذلك ويؤذونهم ولا يؤاكلونهم ولا يبايعونهم، فلما اتفق للشيخ أبي عبد الله ما ذكرناه في السّفر الأول «٢٤٨» من قتل الفيلة لأصحابه وسلامته من بينهم وحمل الفيل له على ظهره، صار الكفار من ذلك العهد يعظمون المسلمين ويدخلونهم دورهم ويطعمون معهم، ويطمئنون لهم بأهلهم وأولادهم، وهم إلى الآن يعظمون الشيخ المذكور أشدّ تعظيم ويسمونه الشيخ الكبير.
стр. 905
ثم وصلنا بهد ذلك إلى مدينة كنكار «٢٤٩» ، وضبط اسمها بضم الكاف الأولى وفتح النون والكاف الثانية وآخره راء وهي حضرة السلطان الكبير بتلك البلاد، وبناؤها بين جبلين على خور كبير يسمّى خور الياقوت، لأن الياقوت يوجد به، وبخارج هذه المدينة مسجد الشيخ عثمان الشيرازي المعروف بشاوش «٢٥٠» بشينين بينهما واو مضموم. وسلطان هذه المدينة وأهلها يزورونه ويعظمونه وهو كان الدليل إلى القدم فلما قطعت يده ورجله صار الأدلاء أولاده وغلمانه، وسبب قطعه أنه ذبح بقرة! وحكم كفار الهنود أنه من ذبح بقرة ذبح كمثلها أو جعل في جلدها وحرق، وكان الشيخ عثمان معظما عندهم فقطعوا يده ورجله وأعطوه مجبى بعض الأسواق.
ذكر سلطان [كنكار]
وهو يعرف بالكنار «٢٥١» بضم الكاف وفتح النون وألف وراء، وعنده الفيل الأبيض، لم أر في الدنيا فيلا أبيض سواه، يركبه في الأعياد ويجعل على جبهته أحجار الياقوت العظيمة، واتفق له أن قام عليه أهل دولته وكحلوا عينيه وولّوا ولده وهو هنالك أعمى.
ذكر الياقوت
والياقوت العجيب البهرمان «٢٥٢» انما يكون بهذه البلدة، فمنه ما يخرج من الخور، وهو عزيز عندهم، ومنه ما يحفر عنه. وجزيرة سيلان يوجد الياقوت في جميع مواضعها، وهي متملّكة فيشتري الانسان القطعة منها، ويحفر عن الياقوت فيجد أحجارا بيضاء مشعّبة، وهي التي يتكون الياقوت في أجوافها فيعطيها الحكّاكين فيحكّونها حتى تنفلق عن أحجار
стр. 906
الفيل الأبيض نقلا عن القزويني في كتابه عجائب المخلوقات- الجمعية الملكية الأسيوية-
стр. 907
الياقوت، فمنه الأحمر ومنه الأصفر ومنه الأزرق ويسمونه النّيلم «٢٥٣» ، بفتح النون واللام وسكون الياء آخر الحروف.
وعادتهم أن ما بلغ ثمنه من أحجار الياقوت إلى مائة فنم، بفتح الفاء والنون، فهو للسلطان يعطي ثمنه وياخذه وما نقص عن تلك القيمة فهو لأصحابه، وصرف مائة فنم ستة دنانير من الذهب.
وجميع النساء بجزيرة سيلان لهن القلائد من الياقوت الملون ويجعلنه في أيديهن وأرجلهن عوضا من الأسورة والخلاخيل «٢٥٤» ، وجواري السلطان يصنعن منه شبكة يجعلنها على رؤوسهن، ولقد رأيت على جبهة الفيل الأبيض «٢٥٥» سبعة أحجار منه، كل حجر أعظم من بيضة الدجاجة، ورأيت عند السلطان أيري شكروتي سكرجة على مقدار الكف من الياقوت، فيها دهن العود فجعلت أعجب منها فقال إن عندنا ما هو أضخم من ذلك.
ثم سافرنا من كنكار «٢٥٦» فنزلنا بمغارة تعرف باسم أسطا محمود اللّوري، بضم اللام، وكان من الصالحين، واحتفر تلك المغارة في سفح جبل عند خور صغير هنالك، ثم رحلنا عنها ونزلنا بالخور المعروف بخور بوزنة «٢٥٧» ، بالباء الموحدة وواو ونون وهاء، وبوزنة:
هي القرود.
ذكر القرود
والقرود بتلك الجبال كثيرة جدّا وهي سود الألوان لها أذناب طوال ولذكورها لحى كما هي للآداميين «٢٥٨» ، وأخبرني الشيخ عثمان وولده وسواهما أنّ هذه القرود لها مقدم تتبعه
стр. 908
أنواع من القرود
стр. 909
كأنه سلطان يشد على رأسه عصابة من أوراق الأشجار ويتوكأ على عصا ويكون عن يمينه ويساره أربعة من القرود لها عصى بأيديها وأنه إذا جلس القرد المقدم تقف القرود الأربعة على رأسه وتأتي أنثاه وأولاده فتقعد بين يديه كلّ يوم، وتاتي القرود فتقعد على بعد منه ثم يكلمها أحد القرود الأربعة فتنصرف القرود كلها، ثم ياتي كل قرد منها بموزة أو ليمونة أو شبه ذلك فيأكل القرد المقدم وأولاده والقرود الأربعة.
وأخبرني بعض الجوكية أنه رأى القرود الأربعة بين يدي مقدمها وهي تضرب بعض القرود بالعصى ثم نتفت وبره بعد ضربه، وذكر لي الثقات أنه إذا ظفر قرد من هذه القرود بصبيّة لا تستطيع الدفاع عن نفسها جامعها! وأخبرني بعض أهل هذه الجزيرة أنه كان بداره قرد منها فدخلت بنت له بعض البيوت فدخل عليها فصاحت به فغلبها، قال: ودخلنا عليها وهو بين رجليها فقتلناه! ثم كان رحيلنا إلى خور الخيزران، ومن هذا الخور أخرج أبو عبد الله بن خفيف الياقوتتين اللّتين أعطاهما لسلطان هذه الجزيرة حسبما ذكرناه في السفر الأول «٢٥٩» .
ثم رحلنا إلى موضع يعرف ببيت العجوز وهو آخر العمارة، ثم رحلنا إلى مغارة بابا طاهر، وكان من الصالحين، ثم رحلنا إلى مغارة السّبيك، بفتح السين المهمل وكسر الباء الموحدة وياء مد وكاف، وكان السّبيك من سلاطين الكفار وانقطع للعبادة هنالك.
ذكر العلق الطيار
وبهذا الموضع رأينا العلق الطيار ويسمونه الزّولو «٢٦٠» ، بضم الزاي واللام، ويكون بالأشجار والحشائش التي تقرب من الماء فإذا قرب الإنسان منه وثب عليه، فحيثما وقع من جسده خرج منه الدم الكثير! والناس يستعدّون له الليمون، ويعصرونه عليه فيسقط عنهم ويجردون الموضع الذي يقع عليه بسكين خشب معد لذلك.
ويذكر أن بعض الزوار مرّ بذلك الموضع فتعلقت به العلق فاظهر الجلد ولم يعصر
стр. 910
عليها الليمون فنزف دمه ومات، وكان اسمه بابا خوزي بالخاء المعجم المضموم والزاي، وهنالك مغارة تنسب اليه.
ثم رحلنا إلى السبع مغارات ثم إلى عقبة إسكندر، ثم مغارة الاصفهاني وعين ماء وقلعة غير عامرة، تحتها خور يعرف بغوطة كاه عارفان، وهنالك مغارة النارنج، ومغارة السلطان وعندها دروازة الجبل أي بابه.
ذكر جبل سرنديب «٢٦١» .
وهو من أعلى جبال الدنيا رأيناه من البحر، وبيننا وبينه مسيرة تسع، ولما صعدناه كنا نرى السحاب أسفل منا، قد حال بيننا رؤية أسفله وفيه كثير من الأشجار التي لا يسقط لها ورق، والأزاهير الملونة، والورد الأحمر على قدر الكف، ويزعمون أن في ذلك الورد كتابة يقرأ منها اسم الله تعالى واسم رسوله ﵊، وفي الجبل طريقان إلى القدم:
احدهما يعرف بطريق بابا والآخر بطريق ماما يعنون آدم وحواء ﵉، فاما طريق ماما فطريق سهل، عليه يرجع الزوار اذا رجعوا ومن مضى عليه فهو عندهم كمن لم يزر وأما طريق بابا فصعب وعر المرتقى. وفي أسفل الجبل، حيث دروازته، مغارة تنسب أيضا لاسكندر وعين ماء.
ونحت الأولون في الجبل شبه درج يصعد عليها وغرزوا فيها أوتاد الحديد وعلقوا منها السلاسل ليتمسّك بها من يصعده «٢٦٢» ، وهي عشر سلاسل: ثنتان في أسفل الجبل حيث الدوروازة، وسبع متوالية بعدها، والعاشرة هي سلسلة الشهادة لان الانسان إذا وصل اليها ونظر إلى أسفل الجبل أدركه الوهم فيتشهد خوف السقوط، ثم إذا جاوزت هذه السلسلة وجدت طريقا مهملا، ومن السلسلة العاشرة إلى مغارة الخضر «٢٦٣» سبعة أميال، وهي في
стр. 911
« ... ولما صعدناه كنا نرى السحاب أسفل منا قد حال بيننا رؤية أسفله»
стр. 912
موضع فسيح، عندها عين ماء تنسب اليه، ملأى بالحوت ولا يصطاده أحد، وبالقرب منها حوضان منحوتان في الحجارة عن جنبتي الطريق، وبمغارة الخضر يترك الزوار ما عندهم ويصعدون منها ميلين إلى أعلى الجبل حيث القدم.
ذكر القدم
وأثر القدم الكريمة قدم أبينا أدم ﷺ في صخرة سوداء مرتفعة بموضع فسيح وقد غاصت القدم الكريمة في الصخرة حتى عاد موضعها منخفضا، وطولها أحد عشر شبرا، وأتى إليها أهل الصين قديما فقطعوا من الصخرة موضع الإبهام وما يليه «٢٦٤» وجعلوه في كنيسة بمدينة الزيتون يقصدونها من أقصى البلاد.
وفي الصخرة حيث القدم، تسع حفر منحوتة يجعل الزوار من الكفار فيها الذهب واليواقيت والجواهر، فترى الفقراء إذا وصلوا مغارة الخضر يتسابقون منها لأخذ ما بالحفر! ولم نجد بها إلا يسير حجيرات وذهب أعطيناها الدليل.
والعادة أن يقيم الزوار بمغارة الخضر ثلاثة أيام ياتون فيها إلى القدم غدوة وعشيا، وكذلك فعلنا.
ولما تمت الايام الثلاثة عدنا على طريق ماما، فنزلنا بمغارة شيم، وهو شيت بن أدم ﵉، ثم إلى خور السمك، ثم إلى قرية كرملة، بضم لكاف وسكون الراء وضم الميم، ثم إلى قرية جبركاوان، بفتح الجيم والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف والواو وآخره نون ثم إلى قرية دل دينوه، بدالين مهملين مكسورين بينهما لام مسكن وياء مد ونون مفتوح وواو مفتوح وتاء تأنيث، ثم إلى قرية أت قلنجة «٢٦٥» ، بهمزة مفتوحة وتاء مثناة مسكنة وقاف ولام مفتوحين ونون مسكن وجيم مفتوح، وهنالك يشتي الشيخ أبو عبد الله بن خفيف.
стр. 913
المكان المقصود من سائر الديّانات
стр. 914
وكل هذه القرى والمنازل هي بالجبل وعند أصل الجبل في هذا الطريق درخت روان، ودرخت هي بفتح الدال المهمل والراء وسكون الخاء المعجم وتاء معلوة، وروان بفتح الراء والواو وألف ونون، وهي شجرة عادية لا يسقط لها ورق، ولم أر من رأى ورقها، ويعرفونها أيضا بالماشية «٢٦٦» لان الناظر اليها من أعلى الجبل يراها بعيدة منه قريبة من أسفل الجبل، والناظر اليها من أسفل الجبل يراها بعكس ذلك! ورأيت هنالك جملة من الجوكيين ملازمين أسفل الجبل ينتظرون سقوط ورقها وهي بحيث لا يمكن التوصل اليها البتّة ولهم أكاذيب في شأنها من جملتها أن من أكل من أوراقها عاد له الشباب إن كان شيخا وذلك باطل! وتحت هذا الجبل الخور العظيم الذي يخرج منه الياقوت، وماؤه في رأى العين شديد الزرقة.
ورحلنا من هنالك يومين إلى مدينة دينور، وضبط اسمها بدال مهمل مكسور وياء مد ونون وواو مفتوحين وراء، مدينة عظيمة على البحر يسكنها التجار «٢٦٧» ، وبها الصنم المعروف بدينور في كنيسة عظيمة فيها نحو الآلف من البراهمة والجوكية ونحو خمسمائة من النساء بنات الهنود، ويغنين كلّ ليلة عند الصنم ويرقصن، والمدينة ومجابيها وقف على الصنم وكل من بالكنيسة، ومن يرد عليها، ياكلون من ذلك، والصنم من ذهب على قدر الأدمي، وفي موضع العينين منه ياقوتتان عظيمتان أخبرت أنهما تضيئان بالليل كالقنديلين.
ثم رحلنا إلى مدينة قالي «٢٦٨» ، بالقاف وكسر اللام، وهي صغيرة على ستة فراسخ من دينور، وبها رجل من المسلمين يعرف بالناخودة ابراهيم أضافنا بموضع، ورحلنا إلى مدينة كلنبو «٢٦٩» وضبط اسمها بفتح الكاف واللام وسكون النون وضم الباء الموحدة وواو، وهي من أحسن بلاد سرنديب واكبرها، وبها يسكن الوزير حاكم البحر جالستي «٢٧٠» ومعه نحو خمسمائة من الحبشة.
стр. 915
ثم رحلنا فوصلنا بعد ثلاثة أيام إلى بطالة، وقد تقدم ذكرها، ودخلنا إلى سلطانها الذي تقدم ذكره، ووجدت الناخودة ابراهيم في انتظاري، فسافرنا بقصد بلاد المعبر، وقويت الريح وكاد الماء يدخل في المراكب ولم يكن لنا رايس عارف.
ثم وصلنا إلى حجارة كاد المركب ينكسر فيها، ثم دخلنا بحرا قصيرا فتجلّس المركب، ورأينا الموت عيانا، ورمى الناس بما معهم وتوادعوا وقطّعنا صاري المركب فرمينا به وصنع البحرية معدية من الخشب، وكان بيننا وبين البر فرسخان، فأردت أن أنزل في المعدية، وكان لي جاريتان وصاحبان من أصحابي فقالا: أتنزل وتتركنا؟ فآثرتهما على نفسي وقلت: انزلا انتما والجارية التي أحبها، فقالت الجارية: إني أحسن السباحة، فأتعلق بحبل من حبال المعدية وأعوم معهم، فنزل رفيقاي وأحدهما محمد بن فرحان التوزري، والآخر رجل مصري، والجارية معهم والأخرى تسبح، وربط البحرية في المعدية حبالا وسبحوا بها، وجعلت معهم ما عزّ علي من المتاع والجواهر والعنبر، فوصلوا إلى البر سالمين لأن الريح كانت تساعدهم.
وأقمت بالمركب ونزل صاحبه إلى البر على الدّفة وشرع البحرية في عمل أربع من المعادي فجاء الليل قبل تمامها ودخل معنا الماء فصعدت إلى المؤخر وأقمت به حتى الصباح، وحينئذ جاء إلينا نفر من الكفار في قارب لهم، ونزلنا معهم إلى ساحل ببلاد المعبر، فأعلمناهم أنّا من أصحاب سلطانهم وهم تحت ذمته، فكتبوا اليه بذلك، وهو على مسيرة يومين في الغزو، وكتبت أنا إليه أعلمه بما اتفق علي، وأدخلنا أولئك الكفار إلى غيضة فأتونا بفاكهة تشبه البطيخ يثمرها شجر المقل «٢٧١» ، وفي داخلها شبه قطن فيه عسيلة يستخرجونها ويصنعون منها حلواء يسمونها التّل «٢٧٢» وهي تشبه السكر وأتوا بسمك طيب.
وأقمنا ثلاثة أيام ثم وصل من جهة السلطان أمير يعرف بقمر الدين معه جماعة فرسان ورجال وجاءوا بالدولة وبعشرة أفراس فركبت وركب أصحابي وصاحب المركب وإحدى الجاريتين، وحملت الأخرى في الدولة، ووصلنا إلى حصن هركاتو «٢٧٣» ، وضبط اسمه بفتح الهاء وسكون الراء وفتح الكاف وألف وتاء معلوة مضمومة وواو.
следующие страницы →