Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وكذا من كان قبله من آبائه الخلفاء وقد قال النبي ﷺ : «لا
стр. 72
تطروني «٢٤١» كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنّما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله. «فقال لي: فكيف يجوز أن يخطب لي؟ قلت: باسمك واسم أبيك. قال:
إن أبي كان كافرا ولا أحبّ أن أذكر اسمه على المنبر وأنا أيضا فما أحب أن يذكر اسمي إذ كان الذي سمّاني به كافرا، ولكن ما اسم مولاي أمير المؤمنين؟ فقلت:
جعفر. قال: فيجوز أن أتسمّى باسمه؟ قلت: نعم قال: قد جعلت اسمي جعفرا واسم أبي عبد الله، فتقدّم إلى الخطيب بذلك. ففعلت.
فكان يخطب له: اللهم وأصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين.
ولمّا كان بعد قراءة الكتاب وإيصال الهدايا بثلاثة أيام بعث إليّ، وقد كان بلغه أمر الأربعة آلاف دينار وما كان من حيلة النصرانيّ في تأخيرها، وكان خبرها في الكتاب. فلمّا دخلت إليه أمرني بالجلوس، فجلست ورمى إليّ كتاب أمير المؤمنين، فقال: من جاء بهذا الكتاب؟ قلت: أنا. ثم رمى إليّ كتاب الوزير، فقال: وهذا أيضا؟ قلت: أنا. قال: فالمال الذي ذكر فيهما ما فعل به؟ قلت: تعذّر جمعه وضاق الوقت وخشينا فوت الدّخول فتركناه ليلحق بنا. فقال: إنّما جئتم بأجمعكم وأنفق عليكم مولاي ما أنفق لحمل هذا المال إليّ حتّى أبني به حصنا يمنعني من اليهود الذين قد استعبدوني، فأمّا الهدية فغلامي قد كان يحسن أن يجيء بها. قلت: هو
стр. 73
كذلك، إلا أنّا قد اجتهدنا. فقال للتّرجمان: قل له أنا لا أعرف هؤلاء إنّما أعرفك أنت، وذلك أنّ هؤلاء قوم عجم ولو علم الأستاذ «٢٤٢» - أيّده الله- أنّهم يبلغون ما تبلغ ما بعث بك حتّى تحفظ عليّ وتقرأ كتابي وتسمع جوابي ولست أطالب غيرك بدرهم، فاخرج من المال «٢٤٣» فهو أصلح لك. فانصرفت من بين يديه مذعورا مغموما، وكان رجلا له منظر وهيبة، بدين، عريض كأنّما يتكلّم من خابية «٢٤٤» . فخرجت من عنده، وجمعت أصحابي، وعرّفتهم ما جرى بيني وبينه، وقلت لهم: من هذا حذّرت.
وكان مؤذنه يثني الإقامة «٢٤٥» إذا أذّن فقلت له: إن مولاك أمير المؤمنين يفرد في داره الإقامة. فقال للمؤذن: اقبل ما يقوله لك ولا تخالفه. فأقام المؤذّن على ذلك أياما، وهو يسألني عن المال ويناظرني فيه، وأنا أويسه «٢٤٦» منه، وأحتجّ فيه. فلما يئس منه تقدّم إلى المؤذّن أن يثني الإقامة، ففعل. وأراد بذلك أن يجعله طريقا إلى مناظرتي «٢٤٧» . فلما سمعت تثنيته للإقامة، نهيته وصحت عليه. فعرف الملك فأحضرني وأحضر أصحابي فلمّا اجتمعنا قال التّرجمان: قل له (يعنيني..) ما يقول في مؤذّنين أفرد أحدهما وثنّى الآخر، ثم صلّى كلّ واحد منهما بقوم أتجوز الصلاة أم لا؟ قلت: الصلاة جائزة فقال: باختلاف أم بإجماع قلت: بإجماع قال: قل له فما يقول في رجل دفع إلى قوم مالا لأقوام ضعفى محاصرين مستعبدين فخانوه؟ فقلت:
هذا لا يجوز وهؤلاء قوم سوء. قال: باختلاف أم بإجماع؟ قلت: بإجماع. فقال للتّرجمان: قل له: تعلم أنّ الخليفة- أطال الله بقاءه- لو بعث إليّ جيشا كان يقدر عليّ؟ قلت: لا. قال: فأمير خراسان؟ قلت: لا. قال: أليس لبعد المسافة وكثرة من
стр. 74
بيننا من قبائل الكفّار؟ قلت: بلى. قال: قل له فو الله إنّي لبمكاني البعيد الذي تراني فيه وإنّي لخائف من مولاي أمير المؤمنين، وذلك أنّي أخاف أن يبلغه عني شيء يكرهه، فيدعو عليّ فأهلك بمكاني وهو في مملكته وبيني وبينه البلدان الشاسعة، وأنتم تأكلون خبزه وتلبسون ثيابه وترونه في كلّ وقت خنتموه في مقدار رسالة بعثكم بها إليّ، إلى قوم ضعفى، وخنتم المسلمين، لا أقبل منكم أمر ديني حتى يجيئني من ينصح لي فيما يقول فإذا جاءني إنسان بهذه الصورة قبلت منه.
فألجمنا «٢٤٨» وما أحرنا جوابا وانصرفنا من عنده.
قال ٢٤»
:
فكان بعد هذا القول يؤثرني ويقرّبني ويباعد أصحابي، ويسمّيني أبا بكر الصديق.
ورأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة، من ذلك: أنّ أوّل ليلة بتناها في بلده، رأيت قبل مغيب الشّمس بساعة قياسية «٢٥٠» أفق السماء، وقد احمرّت احمرارا شديدا، وسمعت في الجو أصواتا شديدة وهمهمة «٢٥١» عالية، فرفعت رأسي، فإذا غيم أحمر مثل النّار قريب مني، وإذا تلك الهمهمة والأصوات منه، وإذا فيه أمثال النّاس والدّوابّ، وإذا في أيدي الأشباح التي فيه تشبه النّاس رماح وسيوف أتبيّنها وأتخيّلها، وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها أيضا رجالا ودواب وسلاحا، فأقبلت هذه القطعة تحمل على هذه كما تحمل الكتيبة «٢٥٢» على الكتيبة، ففرعنا من ذلك، وأقبلنا على التضرّع والدعاء، وهم يضحكون منا ويتعجّبون من فعلنا.
قال: وكنّا ننظر إلى القطعة تحمل على القطعة، فتختلطان جميعا ساعة ثم تفترقان، فما زال الأمر كذلك ساعة من اللّيل ثمّ غابتا، فسألنا الملك عن ذلك فزعم
стр. 75
أنّ أجداده كانوا يقولون: إنّ هؤلاء من مؤمني الجنّ وكفارهم وهم يقتتلون في كل عشيّة وإنّهم ما عدموا «٢٥٣» هذا مذ كانوا في كلّ ليلة «٢٥٤» .
قال:
ودخلت أنا وخيّاط كان للملك من أهل بغداد- قد وقع إلى تلك الناحية- قبّتي لنتحدّث، فتحدّثنا بمقدار ما يقرأ إنسان أقلّ من نصف سبع ونحن ننتظر أذان العتمة.
فإذا بالأذان فخرجنا من القبّة وقد طلع الفجر فقلت للمؤذّن: أي شيء أذّنت؟ قال:
أذان الفجر قلت: فالعشاء الآخرة؟ قال: نصلّيها مع المغرب قلت: فاللّيل؟ قال: كما ترى وقد كان أقصر من هذا إلا أنّه قد أخذ في الطول، وذكر أنه منذ شهر ما نام خوفا أن تفوته صلاة الغداة، وذلك أنّ الإنسان يجعل القدر على النّار وقت المغرب ثم
стр. 76
يصلّي الغداة وما آن لها أن تنضج.
قال:
ورأيت النّهار عندهم طويلا جدا، وإذا أنّه يطول عندهم مدة من السّنة ويقصر اللّيل ثم يطول الليل ويقصر النهار، فلمّا كانت اللّيلة الثانية جلست خارج القبّة، وراقبت السّماء، فلم أر من الكواكب إلا عددا يسيرا ظننت أنّه نحو الخمسة عشر كوكبا متفرّقة، وإذا الشفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب بتة، وإذا اللّيل قليل الظّلمة يعرف الرّجل الرّجل فيه من أكثر من غلوة سهم «٢٥٥» .
قال:
ورأيت القمر لا يتوسّط السّماء بل يطلع في أرجائها ساعة ثمّ يطلع الفجر فيغيب القمر. وحدّثني الملك أنّ وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوم يقال لهم ويسو «٢٥٦» ، اللّيل عندهم أقلّ من ساعة.
قال:
ورأيت البلد عند طلوع الشّمس يحمرّ كلّ شيء فيه من الأرض والجبال وكلّ شيء ينظر الإنسان إليه حين تطلع الشّمس كأنّها غمامة كبرى، فلا تزال الحمرة كذلك حتّى تتكبّد السماء. وعرّفني أهل البلد أنّه إذا كان الشتاء عاد اللّيل في طول النّهار وعاد النّهار في قصر اللّيل حتّى إنّ الرجل منّا ليخرج إلى موضع يقال له إتل «٢٥٧» - بيننا وبينه أقلّ من مسيرة فرسخ- وقت طلوع الفجر فلا يبلغه إلى العتمة إلى
стр. 77
وقت طلوع الكواكب كلّها حتّى تطبق السماء «٢٥٨» . فما برحنا من البلد حتّى امتدّ اللّيل وقصر النهار.
ورأيتهم يتبرّكون بعواء الكلاب جدا ويفرحون به ويقولون: سنة خصب وبركة وسلامة.
ورأيت الحيّات عندهم كثيرة حتّى إنّ الغصن من الشجرة لتلتفّ عليه العشرة منها والأكثر ولا يقتلونها ولا تؤذيهم، حتى لقد رأيت في بعض المواضع شجرة طويلة يكون طولها أكثر من مئة ذراع، وقد سقطت وإذا بدنها عظيم جدا فوقفت أنظر إليه إذ تحرّك فراعني ذلك وتأمّلته فإذا عليه حيّة قريبة منه في الغلظ والطول فلمّا رأتني سقطت عنه وغابت بين الشجر فجئت فزعا فحدّثت الملك ومن كان في مجلسه فلم يكترثوا لذلك وقال: لا تجزع فليس تؤذيك. ونزلنا مع الملك منزلا، فدخلت أنا وأصحابي تكين وسوسن وبارس ومعنا رجل من أصحاب الملك بين الشجر، فرأينا عودا صغيرا أخضر كرقّة المغزل وأطول، فيه عرق أخضر، على رأس العرق ورقة عريضة مبسوطة على الأرض مفروش عليها مثل النّابت فيها حب، ولا يشكّ من يأكله أنّه رمّان أمليسي «٢٥٩» فأكلنا منه فإذا به من اللّذّة أمر عظيم فما زلنا نتبعه ونأكله.
ورأيت لهم تفاحا أخضر شديد الخضرة وأشدّ حموضة من خلّ الخمر وتأكله
стр. 78
الجواري فيسمنّ عليه. ولم أر في بلدهم أكثر من شجر البندق «٢٦٠» لقد رأيت منه غياضا تكون الغيضة «٢٦١» أربعين فرسخا في مثلها، ورأيت لهم شجرا لا أدري ما هو، مفرط الطّول وساقه أجرد من الورق، ورؤوسه كرؤوس النخل له خوص «٢٦٢» دقاق إلا أنّه مجتمع يجيئون إلى موضع يعرفونه من ساقه فيثقبونه ويجعلون تحته إناء فتجري إليه من ذلك الثّقب ماء أطيب من العسل إن أكثر الإنسان منه أسكره كما يسكر الخمر «٢٦٣» .
وأكثر أكلهم الجاورس ولحم الدّابة على أنّ الحنطة والشعير كثير وكلّ من زرع شيئا أخذه لنفسه ليس للملك فيه حق غير أنهم يؤدون إليه في كلّ سنة من كلّ بيت جلد سمّور «٢٦٤» . وإذا أمر سرّية بالغارة على بعض البلدان فغنمت كان له معهم حصة. ولا بدّ لكلّ من يعترس «٢٦٥» أو يدعو دعوة من زلة «٢٦٦» للملك على قدر الوليمة و (ساخرخ) «٢٦٧» من نبيذ العسل وحنطة ردية «٢٦٨» ، لأنّ أرضهم سوداء منتنة.
وليس لهم مواضع يجمعون فيها طعامهم، ولكنّهم يحفرون في الأرض آبارا
стр. 79
ويجعلون الطّعام فيها، فليس يمضي عليه إلا أيام يسيرة حتى يتغيّر ويريح «٢٦٩» ، فلا ينتفع به، وليس لهم زيت ولا شيرج «٢٧٠» ولا دهن بتة وإنّما يقيمون مقام هذه الأدهان دهن السّمك، فكلّ شيء يستعملونه فيه يكون زفرا، ويعملون من الشعير حساء يحسونه الجواري والغلمان وربّما طبخوا الشعير باللّحم، فأكل الموالي اللّحم، وأطعموا الجواري الشعير، إلا أن يكون رأس تيس «٢٧١» فيطعم من اللّحم.
وكلّهم يلبسون القلانس «٢٧٢» ، فإذا ركب الملك ركب وحده بغير غلام ولا أحد يكون معه، فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلا قام وأخذ قلنسوته عن رأسه فجعلها تحت إبطه، فإذا جاوزهم ردّوا قلانسهم إلى رؤوسهم، وكذلك كلّ من يدخل إلى الملك من صغير وكبير حتّى أولاده وإخوته ساعة ينظرون إليه قد أخذوا قلانسهم فجعلوها تحت آباطهم ثم أوموا إليه برءوسهم وجلسوا، ثم قاموا حتى يأمرهم بالجلوس وكلّ من يجلس بين يديه فإنّما يجلس باركا ولا يخرج قلنسوته ولا يظهرها حتى يخرج من بين يديه فيلبسها عند ذلك.
وكلّهم في قباب إلا أنّ قبّة الملك كبيرة جدا تسع ألف نفس وأكثر مفروشة بالفرش الأرمني «٢٧٣» وله في وسطها سرير مغشّى بالديباج الرومي.
ومن رسومهم أنّه إذا ولد لابن الرجل مولود، أخذه جدّه دون أبيه وقال: أنا أحقّ به من أبيه في حضنه حتّى يصير رجلا. وإذا مات منهم الرجل ورثه أخوه دون ولده.
فعرّفت الملك أنّ هذا غير جائز وعرّفته كيف المواريث حتى فهمها.
стр. 80
وما رأيت أكثر من الصواعق في بلدهم وإذا وقعت الصاعقة على بيت لم يقربوه ويتركونه على حالته وجميع من فيه من رجل ومال وغير ذلك حتى يتلفه الزّمان ويقولون: هذا بيت مغضوب عليهم.
وإذا قتل الرّجل منهم الرجل عمدا أقادوه «٢٧٤» به وإذا قتله خطأ صنعوا له صندوقا من خشب الخدنك «٢٧٥» وجعلوه في جوفه وسمّروه عليه وجعلوا معه ثلاثة أرغفة وكوز ماء، ونصبوا له ثلاث خشبات مثل الشبائح «٢٧٦» وعلّقوه بينها وقالوا:
نجعله بين السماء والأرض يصيبه المطر والشّمس لعلّ الله أن يرحمه. فلا يزال معلّقا حتى يبليه الزمان وتهبّ به الرّياح.
وإذا رأوا إنسانا له حركة ومعرفة بالأشياء قالوا: هذا حقّه أن يخدم ربّنا فأخذوه وجعلوا في عنقه حبلا وعلّقوه في شجرة حتى يتقطّع.
ولقد حدّثني ترجمان الملك أن سنديا «٢٧٧» سقط «٢٧٨» إلى ذلك البلد، فأقام عند الملك برهة من الزمان يخدمه وكان خفيفا فهما، فأراد جماعة منهم الخروج في تجارة لهم، فاستأذن السنديّ الملك في الخروج معهم فنهاه عن ذلك، وألحّ عليه حتّى أذن له، فخرج معهم في سفينة فرأوه حركا «٢٧٩» كيّسا «٢٨٠» ، فتآمروا بينهم وقالوا: هذا يصلح لخدمة ربّنا فنوجّه به إليه. واجتازوا في طريقهم بغيضة، فأخرجوه إليها وجعلوا في عنقه حبلا وشدّوه في رأس شجرة عالية وتركوه ومضوا.
وإذا كانوا يسيرون في طريق فأراد أحدهم البول فبال وعليه سلاحه، انتهبوه
стр. 81
وأخذوا سلاحه وثيابه وجميع ما معه. وهذا رسم لهم، ومن حطّ «٢٨١» عنه سلاحه وجعله ناحية وبال، لم يعرضوا له.
وينزل الرجال والنساء إلى النهر فيغتسلون جميعا عراة لا يستتر بعضهم من بعض، ولا يزنون بوجه ولاسبب. ومن زنى منهم كائنا من كان ضربوا له أربع سكك وشدّوا يديه ورجليه إليها وقطعوا بالفأس من رقبته إلى فخذيه وكذلك يفعلون بالمرأة أيضا، ثم يعلّق كل قطعة منه ومنها على شجرة وما زلت اجتهد أن يستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك «٢٨٢» ويقتلون السارق كما يقتلون الزاني «٢٨٣» وفي غياضهم عسل كثير في مساكن النحل يعرفونها فيخرجون لطلب
стр. 82
ذلك فربّما وقع عليهم قوم من أعدائهم فقتلوهم، وفيهم تجار كثير يخرجون إلى أرض الترك فيجلبون الغنم، وإلى «٢٨٤» بلد يقال له ويسو فيجلبون السمّور والثعلب الأسود.
стр. 83
ورأينا فيهم أهل بيت «٢٨٥» يكونون خمسة آلاف نفس من امرأة ورجل قد أسلموا كلّهم يعرفون بالبرنجار «٢٨٦» وقد بنوا لهم مسجدا من خشب يصون فيه ولا يعرفون القراءة، فعلّمت جماعة ما يصلون به.
ولقد أسلم على يدي رجل يقال له طالوت فأسميته عبد الله فقال: أريد أن تسمّيني باسمك محمدا، ففعلت وأسلمت امرأته وأمّه وأولاده، فسموا كلهم محمدا، وعلمته «الحمد لله» و «قل هو الله أحد» ، فكان فرحه بهاتين السورتين أكثر من فرحه إن صار ملك الصقالبة «٢٨٧» .
وكنّا لما وافينا الملك، وجدناه نازلا على ماء يقال له خلجة «٢٨٨» وهي ثلاث بحيرات منها اثنتان كبيرتان وواحدة صغيرة إلا أنّه ليس في جميعها شيء يلحق غوره «٢٨٩» . وبين هذا الموضع وبين نهر لهم عظيم يصبّ إلى بلاد الخزر يقال له نهر إتل «٢٩٠» نحو الفرسخ، وعلى هذا النهر موضع سوق تقوم في كل مديدة «٢٩١» ، ويباع فيها المتاع الكثير النفيس.
стр. 84
وكان تكين حدّثني «٢٩٢» أنّ في بلد الملك رجلا عظيم الخلق جدا، فلمّا صرت
стр. 85
إلى البلد، سألت الملك عنه، فقال: نعم قد كان في بلدنا ومات ولم يكن من أهل البلد ولا من الناس أيضا، وكان من خبره أن قوما من التّجار خرجوا إلى نهر إتل، وهو نهر بيننا وبينه يوم واحد كما يخرجون، وهذا النهر قد مد وطغى ماؤه فلم أشعر يوما إلا وقد وافاني جماعة من التجار فقالوا: أيها الملك، قد قفا «٢٩٣» على الماء رجل إن كان من أمة تقرب منّا فلا مقام لنا في هذه الديار، وليس لنا غير التحويل «٢٩٤» .
فركبت معهم حتّى صرت إلى النهر فإذا أنا بالرجل وإذا هو بذراعي اثنا عشر ذراعا وإذا له رأس كأكبر ما يكون من القدور وأنف أكثر من شبر وعينان عظيمتان وأصابع تكون أكثر من شبر شبر، فراعني أمره وداخلني ما داخل القوم من الفزع وأقبلنا نكلّمه ولا يكلّمنا بل ينظر إلينا «٢٩٥» ، فحملته إلى مكاني وكتبت إلى أهل ويسو وهم منا على ثلاثة أشهر أسألهم عنه فكتبوا إليّ يعرّفونني أنّ هذا الرجل من يأجوج
стр. 86
ومأجوج «٢٩٦» وهم منا على ثلاثة أشهر عراة، يحول «٢٩٧» بيننا وبينهم البحر لأنّهم على شطّه، وهم مثل البهائم ينكح بعضهم بعضا يخرج الله لهم كلّ يوم سمكة من البحر فيجيء الواحد منهم ومعه المدية «٢٩٨» فيجزّ منها قدر ما يكفيه ويكفي عياله، فإن أخذ فوق ما يقنعه اشتكى بطنه وكذلك عياله يشتكون بطونهم وربّما مات وماتوا بأسرهم، فإذا أخذوا منها حاجتهم انقلبت ووقعت في البحر، فهم في كلّ يوم على ذلك.
وبيننا وبينهم البحر من جانب والجبال محيطة بهم من جوانب أخر والسدّ أيضا قد حال بينهم وبين الباب الذي كانوا يخرجون منه فإذا أراد الله أن يخرجهم إلى العمارات سبّب لهم فتح السدّ ونضب البحر وانقطع عنهم السّمك.
قال: فسألته عن الرجل فقال: أقام عندي مدة فلم يكن ينظر إليه صبيّ إلا مات ولا حامل إلا طرحت حملها، وكان إن تمكّن من إنسان عصره بيديه حتى يقتله.
فلمّا رأيت ذلك علّقته في شجرة عالية حتى مات، إن أردت أن تنظر إلى عظامه ورأسه مضيت معك حتى تنظر إليها. فقلت: أنا والله أحبّ ذاك. فركب معي إلى غيضة كبيرة فيها شجر عظام فتقدّمني إلى شجرة سقطت عظامه ورأسه تحتها فرأيت رأسه مثل القفير «٢٩٩» الكبير وإذا أضلاعه أكبر من عراجين النخل «٣٠٠» وكذلك عظام ساقيه وذراعيه فتعجّبت منه، وانصرفت.
قال:
стр. 87
وارتحل الملك من الماء الذي يسمى خلجة إلى نهر يقال له جاوشيز «٣٠١» فأقام به شهرين، ثمّ أراد الرحيل فبعث إلى قوم يقال لهم «سواز» «٣٠٢» يأمرهم بالرحيل معه فأبوا عليه وافترقوا فرقتين: فرقة مع ختنه وكان قد تملّك عليهم واسمه «ويرغ» «٣٠٣» فبعث إليهم الملك وقال: إن الله قد منّ عليّ بالإسلام وبدولة أمير المؤمنين، فأنا عبده وهذه الأمة قد قلدتني فمن خالفني لقيته بالسيف وكانت الفرقة الأخرى مع ملك من قبيلة يعرف بملك اسكل «٣٠٤» وكان في طاعته إلا أنه لم يكن داخلا في الإسلام. فلما وجّه إليهم هذه الرسالة خافوا ناحيته فرحلوا بأجمعهم معه إلى نهر جاوشيز، وهو نهر قليل العرض يكون عرضه خمسة أذرع وماؤه إلى السرة وفيه مواضع إلى الترقوة «٣٠٥» وأكثره قامة وحوله شجر كثير من الشجر الخدنك «٣٠٦» وغيره، وبالقرب منه صحراء واسعة يذكرون أن بها حيوانا دون الجمل في الكبر وفوق الثور رأسه رأس جمل وذنبه ذنب ثور وبدنه بدن بغل وحوافره مثل أظلاف الثور، له في وسط رأسه قرن واحد غليظ مستدير كلما ارتفع دق حتى يصير مثل سنان الرمح، فمنه ما يكون طوله خمسة أذرع إلى ثلاثة أذرع إلى أكثر وأقل يرتعي «٣٠٧» ورق الشجر جيد الخضرة إذا رأى الفارس قصده، فإن كان تحته جواد أمن منه بجهد وإن لحقه أخذه من ظهر دابته بقرنه ثم زجّ «٣٠٨» به في الهواء واستقبله بقرنه فلا يزال كذلك حتى يقتله.
стр. 88
ولا يعرض للدابة بوجه ولا سبب وهم يطلبونه في الصحراء والغياض حتى يقتلوه، وذلك أنهم يصعدون الشجر العالية التي يكون بينها، ويجتمع لذلك عدة من الرماة بالسهام المسمومة فإذا توسطهم رموه حتى يثخنوه ويقتلوه.
ولقد رأيت عند الملك ثلاث طيفوريات «٣٠٩» كبار تشبه الجزع اليماني «٣١٠» عرفني أنها معمولة من أصل قرن هذا الحيوان، وذكر بعض أهل البلد أنه الكركدن «٣١١» .
قال: وما رأيت منهم إنسانا يحمر بل أكثرهم معلول وربما يموت أكثرهم بالقولنج «٣١٢» حتى إنه ليكون بالطفل الرضيع منهم، وإذا مات المسلم عندهم أو زوج المرأة الخوارزمية غسلوه غسل المسلمين، ثم حملوه على عجلة تجرّه وبين يديه مطرد «٣١٣» حتى يصيروا به إلى المكان الذي يدفنونه فيه، فإذا صار إليه أخذوه عن العجلة وجعلوه على الأرض، ثم خطوا حوله خطا ونحوه ثم حفروا داخل ذلك الخط قبره وجعلوا له لحدا ودفنوه، وكذلك يفعلون بموتاهم.
ولا تبكي النساء على الميت، بل الرجال منهم يبكون عليه يجيئون في اليوم الذي مات فيقفون على باب قبته فيضجون بأقبح بكاء يكون وأوحشه.
هؤلاء للأحرار فإذا انقضى بكاؤهم وافى العبيد ومعهم جلود مضفورة «٣١٤» فلا يزالون يبكون ويضربون جنوبهم وما ظهر من أبدانهم بتلك السيور حتى تصير في أجسادهم مثل ضرب السوط، ولا بد من أن ينصبوا بباب قبته مطردا ويحضروا سلاحه فيجعلونها حول قبره، ولا يقطعون البكاء سنتين.
فإذا انقضت السنتان حطّوا المطرد وأخذوا من شعورهم، ودعا أقرباء الميت دعوة
стр. 89
يعرف بها خرجهم من الحزن، وإن كانت له زوجة تزوجت هذا إذا كان من الرؤساء فأما العامة فيفعلون بعض هذا بموتاهم.
وعلى ملك الصقالبة ضريبة يؤديها إلى ملك الخزر من كل بيت في مملكته جلد سمور، وإذا قدمت السفينة من بلد الخزر إلى بلد الصقالبة ركب الملك فأحصى ما فيها، وأخذ من جميع العشر «٣١٥» وإذا قدم الروس أو غيرهم من سائر الأجناس برقيق «٣١٦» فللملك أن يختار من كل عشرة أرؤس رأسا.
وابن ملك الصقالبة رهينة عند ملك الخزر، وقد كان اتصل بملك الخزر عن ابنة ملك الصقالبة جمال، فوجّه يخطبها فاحتجّ عليه وردّه فبعث وأخذها غصبا وهو يهودي وهي مسلمة فماتت عنده، فوجه يطلب بنتا له أخرى فساعة اتصل ذلك بملك الصقالبة بادر فزوجها لملك اسكل وهو من تحت يده خيفة أن يغتصبه إياها كما فعل بأختها، وإنما دعا ملك الصقالبة أن يكاتب السلطان ويسأله أن يبني له حصنا خوفا من ملك الخزر.
قال: وسألته يوما فقلت له: مملكتك واسعة وأموالك جمّة وخراجك كثير فلم سألت السلطان أن يبني حصنا بمال من عنده لا مقدار له؟ فقال: رأيت دولة الإسلام مقبلة وأموالهم يؤخذ من حلها فالتمست ذلك لهذه العلّة، ولو أني أردت أن أبني حصنا من أموالي من فضة أو ذهب لما تعذر ذلك عليّ، وإنما تبرّكت بمال أمير المؤمنين فسألته ذلك.
стр. 90
الروسية «٣١٧»
قال: ورأيت الروسيّة وقد وافوا في تجارتهم ونزلوا على نهر
стр. 91
إتل، فلم أر أتمّ أبدانا منهم كأنّهم النّخل شقر حمر لا يلبسون
стр. 92
القراطق «٣١٨» ولا الخفاتين «٣١٩» ولكن يلبس الرجل منهم كساء يشتمل به على أحد شقّيه ويخرج إحدى يديه منه ومع كلّ واحد منهم فأس وسيف وسكّين لا يفارقه جميع ما ذكرنا.
وسيوفهم صفائح «٣٢٠» مشطّبة «٣٢١» أفرنجية «٣٢٢» ومن حدّ ظفر الواحد منهم إلى عنقه مخضر شجر وصور «٣٢٣» وغير ذلك.
وكلّ امرأة منهم فعلى ثديها حقّة «٣٢٤» مشدودة إمّا من حديد وإمّا من فضّة وإمّا من نحاس وإمّا من ذهب على قدر مال زوجها ومقداره، وفي كلّ حقّة حلقة فيها سكين مشدودة على الثديّ أيضا وفي أعناقهن أطواق من ذهب وفضة لأنّ الرجل إذا ملك عشرة آلاف درهم صاغ لامرأته طوقا وإن ملك عشرين ألفا صاغ لها طوقين وكذلك كل عشرة آلاف يزداد طوقا لامرأته فربّما كان في عنق الواحدة منهن الأطواق الكثيرة.
стр. 93
وأجلّ الحليّ عندهم الخزر الأخضر «٣٢٥» من الخزف «٣٢٦» الذي يكون على السفن يبالغون فيه ويشترون الخرزة بدرهم وينظمونه عقودا لنسائهم.
وهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من الطّعام، بل هم كالحمير الضّالة يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بإتل وهو نهر كبير ويبنون على شطّة بيوتا كبارا من الخشب.
ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون والأقلّ والأكثر ولكلّ واحد سرير «٣٢٧» يجلس عليه ومعهم الجواري الروقة «٣٢٨» للتّجار فينكح الواحد جاريته ورفيقه ينظر إليه، وربّما اجتمعت الجماعة منهم على هذه الحال بعضهم بحذاء بعض، وربّما يدخل التاجر عليهم ليشتري من بعضهم جارية فيصادفه ينكحها فلا يزول عنها حتى يقضي أربه «٣٢٩» .
ولا بدّ لهم في كل يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماء يكون وأطفسه «٣٣٠» ، وذلك أنّ الجارية توافي كلّ يوم بالغداة ومعها قصعة «٣٣١» كبيرة فيها ماء فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيها يديه ووجهه وشعر رأسه فيغسله ويسرّحه بالمشط في القصعة، ثم يمتخط ويبصق فيها ولا يدع شيئا من القذر إلا فعله في ذلك الماء فإذا فرغ مما يحتاج إليه حملت الجارية القصعة إلى الذي إلى جانبه ففعل مثل فعل صاحبه، ولا تزال ترفعها من واحد إلى واحد حتّى تديرها على جميع من في البيت، وكلّ واحد منهم يمتخط ويبصق فيها ويغسل وجهه وشعره فيها.
وساعة توافي سفنهم إلى هذا المرسى يخرج كلّ واحد منهم ومعه خبز ولحم
стр. 94
وبصل ولبن ونبيذ حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الإنسان وحولها صور صغار «٣٣٢» وخلف تلك الصور خشب طوال قد نصبت في الأرض فيوافي إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها ثم يقول لها: يا رب قد جئت من بلد بعيد ومعي من الجواري كذا وكذا رأسا، ومن السمور كذا وكذا جلدا، حتى يذكر جميع ما قدم معه من تجارته. ثم يقول: وجئتك بهذه الهدية، ثم يترك الذي معه بين يدي الخشبة ويقول: أريد أن ترزقني تاجرا معه دنانير ودراهم كثيرة فيشتري مني كلّ ما أريد ولا يخالفني فيما أقول، ثم ينصرف.
فإن تعسّر عليه بيعه وطالت أيامه عاد بهدية ثانية وثالثة، فإن تعذّر ما يريد حمل إلى كلّ صورة من تلك الصور الصغار هدية وسألها الشفاعة وقال: هؤلاء نساء ربّنا وبناته وبنوه فلا يزال يطلب إلى صورة صورة يسألها ويستشفع بها ويتضرّع بين يديها فربّما تسهّل له البيع فباع فيقول: قد قضى ربّي حاجتي وأحتاج أن أكافيه فيعمد ما أريد ولا يخالفني فيما أقول، ثم ينصرف إلى عدّة من الغنم أو البقر فيقتلها ويتصدّق ببعض اللّحم ويحمل الباقي فيطرحه بين يدي تلك الخشبة الكبيرة والصغار التي حولها، ويعلّق رؤوس البقر أو الغنم على ذلك الخشب المنصوب في الأرض، فإذا كان اللّيل وافت الكلاب فأكلت جميع ذلك فيقول: الذي فعله قد رضي ربّي عنّي وأكل هديّتي.
وإذا مرض منهم الواحد ضربوا له خيمة ناحية عنهم وطرحوه فيها وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء، ولا يقربونه ولا يكلّمونه بل لا يتعاهدونه في كل أيام مرضه لا
стр. 95
سيّما إن كان ضعيفا أو مملوكا، فإن برىء وقام رجع إليهم وإن مات أحرقوه «٣٣٣» فإن كان مملوكا تركوه على حاله تأكله الكلاب وجوارح الطير.
وإذا أصابوا سارقا أو لصا جاءوا به إلى شجرة غليظة وشدّوا في عنقه حبلا وثيقا وعلّقوه فيها ويبقى معلقا حتى يتقطّع من المكث «٣٣٤» بالرياح والأمطار «٣٣٥» .
وكان يقال لي إنّهم يفعلون برؤسائهم عند الموت أمورا أقلّها الحرق فكنت أحب أن أقف على ذلك حتى بلغني موت رجل منهم جليل فجعلوه في قبره وسقفوا عليه
стр. 96
عشرة أيام حتى فرغوا من قطع ثيابه وخياطتها.
وذلك أنّ الرجل الفقير منهم يعملون له سفنة صغيرة ويجعلونه فيها ويحرقونها، والغنيّ يجمعون ماله ويجعلونه ثلاثة أثلاث: فثلث لأهله وثلث يقطعون له به ثيابا وثلث ينبذون به نبيذا يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتحرق مع مولاها.
وهم مستهترون «٣٣٦» بالنبيذ يشربونه ليلا ونهارا، وربّما مات الواحد منهم والقدح في يده. وإذا مات الرئيس منهم قال أهله لجواريه وغلمانه: من منكم يموت معه فيقول بعضهم: أنا. فإذا قال ذلك فقد وجب عليه لا يستوي له أن يرجع أبدا، ولو أراد ذلك ما ترك وأكثر من يفعل هذا الجواري.
فلمّا مات ذلك الرجل الذي قدّمت ذكره قالوا لجواريه: من يموت معه فقالت إحداهن: أنا، فوكلوا بها جاريتين تحفظانها وتكونان معها حيث سلكت حتى إنّها ربما غسلتا رجليها بأيديهما، وأخذوا في شأنه وقطع الثياب له وإصلاح ما يحتاج إليه والجارية في كل يوم تشرب وتغني فرحة مستبشرة.
فلمّا كان اليوم الذي يحرق فيه هو والجارية حضرت إلى النهر الذي فيه سفينته فإذا هي قد أخرجت، وجعل لها أربعة أركان من خشب الخدنك وغيره، وجعل أيضا حولها مثل الأنابير «٣٣٧» الكبار من الخشب ثم مدّت حتى جعلت على ذلك الخشب، وأقبلوا يذهبون ويجيئون ويتكلمون بكلام لا أفهم وهو بعد في قبره لم يخرجوه، ثم جاءوا بسرير فجعلوه على السفينة وغشوه بالمضربات «٣٣٨» الديباج الرومي «٣٣٩» والمساند الديباج الرومي، ثم جاءت امرأة عجوز يقولون لها ملك الموت ففرشت على السرير الفرش التي ذكرنا وهي وليت خياطته وإصلاحه وهي تقتل
стр. 97
الجواري ورأيتها جوان بيرة٣٤»
ضخمة مكفهرة.
فلمّا وافوا قبره نحّوا التراب عن الخشب ونحّوا الخشب واستخرجوه في الإزار الذي مات فيه فرأيته قد اسودّ لبرد البلد، وقد كانوا جعلوا معه في قبره نبيذا وفاكهة وطنبورا «٣٤١» فأخرجوا جميع ذلك فإذا هو لم ينتن ولم يتغير منه شيء غير لونه.
فألبسوه سراويل «٣٤٢» ورانا «٣٤٣» وخفا «٣٤٤» وقرطقا وخفتان ديباج له أزرار ذهب وجعلوا على رأسه قلنسوة ديباج سمورية «٣٤٥» وحملوه حتى أدخلوه القبّة التي على السفينة، وأجلسوه على المضربة وأسندوه بالمساند وجاءوا بالنبيذ والفاكهة والريحان فجعلوه معه.
وجاءوا بخبز ولحم وبصل فطرحوه بين يديه، وجاءوا بكلب فقطعوه نصفين وألقوه في السفينة، ثم جاءوا بجميع سلاحه فجعلوه إلى جانبه، ثم أخذوا دابتين فأجروهما حتى عرقتا، ثم قطعوهما بالسيف وألقوا لحمهما في السفينة.
ثم جاءوا ببقرتين فقطعوهما أيضا وألقوهما فيها، ثم أحضروا ديكا ودجاجة فقتلوهما وطرحوهما فيها.
والجارية التي تريد أن تقتل ذاهبة وجائية تدخل قبة قبة من قبابهم فيجامعها
стр. 98
صاحب القبة «٣٤٦» ويقول لها: قولي لمولاك إنما فعلت هذا من محبتك.
فلمّا كان وقت العصر من يوم الجمعة جاءوا بالجارية إلى شيء قد عملوه مثل ملبن الباب «٣٤٧» فوضعت رجليها على أكف الرجال وأشرفت على ذلك الملبن، وتكلمت بكلام لها فأنزلوها، ثم أصعدوها ثانية، ففعلت كفعلها في المرة الأولى، ثم أنزلوها وأصعدوها ثالثة، ففعلت فعلها في المرتين، ثم دفعوا إليها دجاجة فقطعت رأسها ورمت به وأخذوا الدجاجة فألقوها في السفينة.
فسألت الترجمان عن فعلها فقال: قالت في أول مرة أصعدوها: هو ذا أرى أبي وأمي، وقالت في الثانية: هو ذا أرى جميع قرابتي الموتى قعودا، وقالت في المرة الثالثة: هو ذا أرى مولاي قاعدا في الجنة والجنة حسنة خضراء ومعه الرجال والغلمان وهو يدعوني فاذهبوا بي إليه.
فمروا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا عليها ودفعتهما إلى المرأة التي تسمّى ملك الموت وهي التي تقتلها، ونزعت خلخالين كانا عليها ودفعتهما إلى الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها وهما ابنتا المرأة المعروفة بملك الموت.
ثم أصعدوها إلى السفينة ولم يدخلوها إلى القبة، وجاء الرجال ومعهم التراس «٣٤٨» والخشب ودفعوا إليها قدحا نبيذا فغنّت عليه وشربته فقال لي الترجمان:
إنها تودّع صواحباتها بذلك، ثم دفع إليها قدح آخر فأخذته وطوّلت الغناء والعجوز تستحثّها على شربه والدخول إلى القبة التي فيها مولاها فرأيتها وقد تبلدت «٣٤٩» وأرادت دخول القبة فأدخلت رأسها بينها وبين السفينة فأخذت العجوز رأسها
стр. 99
وأدخلتها القبة ودخلت معها.
وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئلا يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجواري ولا يطلبن الموت مع مواليهن، ثم دخل إلى القبة ستة رجال فجامعوا بأسرهم الجارية ثم أضجعوها إلى جانب مولاها وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها، وجعلت العجوز التي تسمى ملك الموت في عنقها حبلا مخالفا ودفعته إلى اثنين ليجذباه وأقبلت ومعها خنجر عريض النّصل فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعا موضعا وتخرجه والرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت.
ثم وافى أقرب الناس إلى ذلك الميت فأخذ خشبة وأشعلها بالنار، ثم مشى القهقرى نحو قفاه إلى السفينة ووجهه إلى الناس والخشبة المشعلة في يده الواحدة، ويده الأخرى على باب استه وهو عريان حتى أحرق الخشب المعبأ الذي تحت السفينة من بعدما وضعوا الجارية التي قتلوها في جنب مولاها.
ثم وافى الناس بالخشب والحطب ومع كل واحد خشبة قد ألهب رأسها فيلقيها في ذلك الخشب، فتأخذ النار في الحطب ثمّ في السفينة ثمّ في القبة والرجل والجارية وجميع ما فيها، ثم هبّت ريح عظيمة هائلة فاشتدّ لهب النار واضطرم تسعّرها «٣٥٠» ، وكان إلى جانبي رجل من الروسية فسمعته يكلّم الترجمان الذي معي فسألته عمّا قال له فقال: إنه يقول: أنتم يا معاشر العرب حمقى.
فقلت: لم ذلك. قال: إنكم تعمدون إلى أحبّ الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب وتأكله التراب والهوام والدود، ونحن نحرقه بالنار في لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته.
ثم ضحك ضحكا مفرطا فسألت عن ذلك فقال: من محبة ربّه له قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعة، فما مضت على الحقيقة ساعة حتى صارت السفينة والحطب والجارية والمولى رمادا مددا.
ثم بنوا على موضع السفينة وكانوا قد أخرجوها من النهر شبيها بالتل المدور،
стр. 100
ونصبوا في وسطه خشبة كبيرة خدنك «٣٥١» وكتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس وانصرفوا «٣٥٢» .
قال: ومن رسم ملك الروس أن يكون معه في قصره أربعمائة رجل من صناديد
стр. 101
أصحابه وأهل الثقة عنده، فهم يموتون بموته ويقتلون دونه، ومع كلّ واحد منهم جارية تخدمه وتغسل رأسه وتصنع له ما يأكل ويشرب، وجارية أخرى يطؤها وهؤلاء الأربعمائة يجلسون تحت سريره وسريره عظيم مرصّع بنفيس الجوهر ويجلس معه على السرير أربعون جارية لفراشه وربّما وطئ الواحدة منهن بحضرة أصحابه الذين ذكرنا.
ولا ينزل عن سريره فإذا أراد قضاء حاجة قضاها في طشت، وإذا أراد الركوب قدّموا دابّته إلى السرير فركبها منه، وإذا أراد النزول قدم دابته حتى يكون نزوله عليه، وله خليفة يسوس الجيوش ويواقع الأعداء ويخلفه في رعيّته.
الخزر «٣٥٣»
فأمّا ملك الخزر واسمه خاقان فإنه لا يظهر إلا في كل أربعة أشهر متنزها ويقال له
стр. 102
خاقان «٣٥٤» الكبير، ويقال لخليفته خاقان به وهو الذي يقود الجيوش ويسوسها ويدبّر أمر المملكة ويقوم بها ويظهر ويغزو وله تذعن الملوك الذين يصاقبونه «٣٥٥» ويدخل في كلّ يوم إلى خاقان الأكبر متواضعا يظهر الأخبات «٣٥٦» والسكينة ولا يدخل عليه إلا حافيا وبيده حطب فإذا سلم عليه أوقد بين يديه ذلك الحطب، فإذا فرغ من الوقود جلس مع الملك على سريره عن يمينه، ويخلفه رجل يقال له كندر خاقان، ويخلف
стр. 103
هذا أيضا رجل يقال له جاوشيغر «٣٥٧» .
ورسم الملك الأكبر أن لا يجلس للناس ولا يكلمهم ولا يدخل عليه أحد غير من ذكرنا.
الولايات في الحلّ والعقد والعقوبات وتدبير المملكة على خليفته خاقان به.
ورسم الملك الأكبر إذا مات أن يبنى له دار كبيرة فيها عشرون بيتا ويحفر له في كلّ بيت منها قبر وتكسر الحجارة حتى تصير مثل الكحل وتفرش فيه وتطرح النورة «٣٥٨» فوق ذلك وتحت الدار نهر والنهر نهر كبير يجري، ويجعلون القبر فوق ذلك النهر ويقولون: حتّى لا يصل إليه شيطان ولا إنسان ولا دود ولا هوام.
وإذا دفن ضربت أعناق الذين يدفنونه حتى لا يدرى أين قبره من تلك البيوت، ويسمى قبره الجنة ويقولون: قد دخل الجنة وتفرش البيوت كلّها بالديباج المنسوج بالذهب.
ورسم ملك الخزر أن يكون له خمس وعشرون امرأة كلّ امرأة منهنّ ابنة ملك من الملوك الذين يحاذونه يأخذها طوعا أو كرها، وله من الجواري السراري «٣٥٩» لفراشه ستون ما منهن إلا فائقة الجمال وكلّ واحدة من الحرائر «٣٦٠» والسراري في قصر مفرد لها قبة مغشاة بالساج «٣٦١» وحول كل قبة مضرب «٣٦٢» ولكل واحدة منهم خادم يحجبها، فإذا أراد أن يطأ بعضهن بعث إلى الخادم الذي يحجبها فيوافي بها في
стр. 104
أسرع من لمح البصر حتى يجعلها في فراشه. ويقف الخادم على باب قبة الملك فإذا وطئها أخذ بيدها وانصرف ولم يتركها بعد ذلك لحظة واحدة.
وإذا ركب هذا الملك الكبير ركب سائر الجيوش لركوبه، ويكون بينه وبين المواكب ميل فلا يراه أحد من رعيته إلا خرّ لوجهه ساجدا له لا يرفع رأسه حتى يجوزه.
ومدة ملكهم أربعون سنة إذا جاوزها يوما واحدا قتلته الرعية وخاصته وقالوا: هذا قد نقص عقله واضطرب رأيه.
وإذا بعث سرية لم تول الدبر «٣٦٣» بوجه ولا سبب فإن انهزمت قتل كل من ينصرف إليه منها، فأمّا القواد وخليفته فمتى انهزموا أحضرهم وأحضر نساءهم وأولادهم فوهبهم بحضرتهم لغيرهم وهم ينظرون، وكذلك دوابّهم ومتاعهم وسلاحهم ودورهم، وربّما قطع كلّ واحد منهم قطعتين وصلبهم، وربّما علّقهم بأعناقهم في الشجر وربما جعلهم إذا أحسن إليهم ساسة.
ولملك الخزر مدينة عظيمة على النهر إتل، وهي جانبان في أحد الجانبين المسلمون وفي الجانب الآخر الملك وأصحابه، وعلى المسلمين رجل من غلمان الملك يقال له خز وهو مسلم، وأحكام المسلمين المقيمين في بلد الخزر والمختلفين إليهم في التجارات
стр. 105
مردودة إلى ذلك الغلام المسلم لا ينظر في أمورهم ولا يقضي بينهم غيره «٣٦٤» .
стр. 106
ملحق ابن فضلان أغناطيوس كراتشكوفسكي
... وعلى العكس من هذا برز في عصره عدد من الرحالين ممن زاروا الأصقاع القريبة من الاتحاد السوفيتي ونالوا شهرة واسعة بفضل أوصاف الرحلات التي خلفوها، رغما من أن أحدهم تمتع ببعض الصيت كشاعر أيضا.
ويحتل ابن فضلان المكانة الأولى بينهم سواء من الناحية الزمنية أو الأهميّة الذاتيّة، وذلك بسبب رسالته المشهورة التي تجدّد الاهتمام بها في الأعوام الأخيرة بنفس الدرجة التي تمتّعت بها لأول مرّة منذ مائة وعشرين عاما. وهذا الأثر بلا شكّ جدير بهذا الاهتمام خاصّة في الآونة الحاضرة بعد أن أصبح لأوّل مرّة في متناول أيدي الجميع في طبعة كاملة تقريبا.
وفيه نجد أثرا طريفا بالنسبة لعصره، فهو يقدّم لنا صورة حيّة للظروف السياسيّة في العالم الإسلاميّ والعلاقات بين بلاد الإسلام والبلاد المتاخمة لها في آسيا الوسطى أو الأصقاع النائية التي كانت تمثّل أطراف العالم المتمدّن آنذاك مثل حوض الفولجا.
وتحفل الرسالة بمادة إثنوغرافيّة قيّمة جدا ومتنوّعة بصورة فريدة، وهي تمسّ عددا من القبائل التركيّة البدويّة القاطنة آسيا الوسطى، وعددا من الشعوب التي كانت تلعب آنذاك دورا أساسيا في تاريخ أوروبا الشرقيّة كالبلغار والروس والخزر. كما لا يمكن إنكار قيمتها الأدبيّة وأسلوبها القصصيّ السلس ولغتها الحيّة المصوّرة التي لا تخلو بين آونة وأخرى من بعض الدّعابة التي ربّما لم تكن مقصودة.
وقد تمّ إعداد هذه السفارة كطلب بلغار الفولجا الذين أرسلوا رسولا إلى عاصمة الخلافة يرجون العون ضد ضغط الخزر عليهم من الجنوب، وأن ينفذ إليهم من يفقّههم في الدين ويعرّفهم بشعائر الإسلام الذي اعتنقوه منذ عهد غير طويل، وقد أرسلت إليهم سفارة تحت رئاسة سوسن الرسى كان من أفرادها أحمد بن فضلان كفقيه ذي خبرة؛ وعلى الرغم من عدم وجود أيّة معلومات عنه إلا أنّه يحاول دائما
стр. 107
في «الرسالة» أن ينسب إلى نفسه الدور الرئيسيّ. هذا وقد غادرت السفارة بغداد في الحادي عشر من صفر عام ٣٠٩ هـ ٢١ يونيو ٩٢١ ووصلت إلى بلغار في الثامن عشر من المحرّم عام ٣١٠ هـ ١٢ مايو ٩٢٢؛ وقد مرّت في طريقها بهمدان والريّ ونيسابور ومرو وبخارى، حيث التقى ابن فضلان في سبتمبر من عام ٩٢١ بوزير السامانيين والعالم الجغرافيّ الشهير الجيهانيّ، ثمّ ساروا مع نهر جيحون إلى خوارزم عند بحر آرال وعبروا صحراء أوست أورت ثم نهر يايق فوصلوا إلى حوض الفولجا.
أمّا تاريخ وخطّ سير الرّجعة فليس معروفا لدينا إذ أنّ خاتمة «الرسالة» قد امتدّت إليها يد الضياع.
ومن الطبيعيّ أن يكون علماء الشمال هم أوّل من سبق إلى لفت أنظار الدوائر العلميّة في أوروبا إلى ابن فضلان؛ وقد حدث ذلك في الدنمارك وروسيا. وظلت رحلته معروفة لمدّة طويلة عن ياقوت وحده الذي حفظ لنا جزءا كبيرا منها في معجمه الجغرافيّ؛ ثم أفرد لها المستشرق الروسيّ فرين Frahn بحثا رائعا كان أشبه ببراعة الاستهلال في تاريخ الاستعراب الروسيّ، واستمر ثمانين عاما تقريبا لا يبزه شيء بل وحفّز على ظهور عدد من الأبحاث بأقلام ممثلي مختلف الاتجاهات العلميّة؛ احتلّت من بينها مكانة مرموقة أبحاث روزن وبارتولد. وقد أدى الكشف عن مخطوطة مشهد في سنوات العشرينيات من هذا القرن إلى اتّساع المادة عن ابن فضلان بشكل ملحوظ، وإذا صرفنا النظر عن خاتمتها المفقودة فإنّ هذه المخطوطة الأخيرة تمكّننا لأوّل مرّة من الحكم على الرسالة في صورتها الكاملة. ولم تلبث دراسة ابن فضلان أن دخلت في طور جديد بفضل البحث الذي قام كوفاليفسكي؛A.P.Kovalevski (١٩٣٩) ومن المستحيل بالطّبع الجزم بأنّ جميع المسائل المتعلّقة بمتن الرسالة قد حلّت نهائيا، بيد أنّ وجود مخطوطة مشهد سيمنع على أيّة حال من تكرار مثل تلك الأخطاء التي تسرّبت إلى مؤلفات هنغ Hennig الذي ينسب دائما إلى ابن فضلان روايات المؤلّف الفارسيّ عوفي الذي عاش في أوائل القرن الثالث عشر.
وعلى الرّغم من ندرة المعلومات عن شخص ابن فضلان إلا أنّه لم يقم هنالك أدنى ريب حول صحّة نسبة الرسالة إليه. وإذا كان البعض قد أبدى ارتيابه من وقت
стр. 108
لآخر بشأنها، كما فعل عالم الآثار اسبتزن،Spitzin فإنّ ذلك يمسّ في العادة بعض التفاصيل ولا يثبت على محكّ النقد الدقيق.
من كتاب «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» الجزء الأول ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم، طبع القاهرة ١٩٦١
стр. 109
كشاف حضاري وفهارس
стр. 110
الأعلام
(أ) ابن الفرات ٤١، ٤٦، ٤٧
ابن قارن ٤٤
أترك بن القطغان ٦٧، ٦٨
أحمد بن علي أخا صعلوك ٤٤
أحمد بن موسى الخوارزمي ٤٦، ٤٧
ألمش بن شلكي ٦٩
ألمش بن يلطوار: ملك الصقالبة ٣٧
إيلغز ٦٩
(ب) بارس الصقلابي ٤٢، ٦٠، ٨٥
(ت) تكين التركي ٤٢، ٤٨، ٦٠، ٦١، ٨٥، ٩٤
(ج) جعفر (المقتدر) ٣٨، ٧٨، ٨٠
جعفر بن عبد الله أمير بلغار ٨٠
الجيهاني ٤٦
(ح) حامد بن العباس، الوزير ٧٦
حمويه كوسا صاحب جيش خراسان ٤٥
следующие страницы →