Полный текст (516 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
محمد بن حوقل
أبو القاسم محمد بن حوقل أو محمد بن علي النصيبي أو النصيبيني. تاجر، رحالة وجغرافي معروف في القرن الرابع الهجري. بدأت رحلاته في البلدان الإسلامية منذ عام ٣٣١ هـ واستمرت حتى سنة ٣٥٩ هـ (٩٤٣ ج ٩٧٠ م) وعلى هذا الأساس ألف كتابه صورة الأرض أو المسالك والممالك.
لا توجد معلومات وافية عن حياته. ولد في نصيبين الواقعة بين النهرين العليا ولكن لا يُعلم تاريخ ولادته سوى أنه يحتمل أنها كانت قبل سنة ٣٢٠ هـ بكثير. كما أن تاريخ وفاته أيضاً غير معلوم والظاهر أنها كانت بعد سنة ٣٦٧ هـ.
بدأت رحلته التاريخية من بغداد للبحث في البلدان الإسلامية والأمم المختلفة وللتجارة أيضاً. ولكن الظاهر أنه كان في الواقع مبلغاً دينياً وداعياً سياسياً للدولة الفاطمية لأن برنامجه هو الرحلة إلى أفريقيا الشمالية (منطقة نفوذ الحكم الفاطمي) والأندلس (منطقة نفوذ الحكم الأموي) ، كما سافر إلى نابلي وبالرمو أيضاً، ولذا يظهر أنه كانت لابن حوقل ميول سياسية وعلى حد قول كراتشكوفسكي, اعتبره دوزي جاسوساً للفاطميين.
آثاره
لابن حوقل كتابان معروفان: أحدهما كتاب حول الصقلية وهو مفقود والآخر المسالك والممالك أو صورة الأرض.
ابن حوقل بين علماء الجغرافيا
يعتبر ابن حوقل بين علماء الجغرافيا من نوادر عصره. فقد استمرت رحلته ثلث قرن زار خلالها البلدان الإسلامية- من الهند إلى أسبانيا- وبلدان أخرى حتى وصل إلى نهر ولغا. فكثرت مطالعاته ومشاهداته وجمع كل ما حصل عليه من تجارب في كتابه صورة الأرض.
стр. 2
[الجزء الاول]
مقدّمة القسم الأوّل
قد رأينا أن نضع مقدّمة كاملة فى القسم الثالث من طبعة كتاب ابن حوقل الحاضرة تحتوى أيضا على فهرس الأسماء وعلى بعض الإشارات اللغويّة فنكتفى هنا بما لا بدّ منه من التنبيهات، اعتمدنا فى هذه الطبعة على نسخة واحدة وهى النسخة المرقومة ٣٣٤٦ بخزانة السراى العتيق فى استنبول وقد نسخت فى سنة ٤٧٩ الهجريّة المقابلة لسنة ١٠٨٦ الميلاديّة، وما يوجد فيها من نصّ كتاب ابن حوقل هو يخالف نسختى خزانتى (ليدن) و (اوكسفورد) اللتين اعتمد الأستاذ (ده غويه (de goeje عليهما فى الطبعة الأولى فى الجزء الثانى من (نشريّات جغرافيّى العرب (bibliotheca geographorum arabicorum المطبوعة فى (ليدن) سنة ١٨٧٣، كما استعمل (ده غويه) أيضا فى طبعته النسخة العربيّة المرقومة ٢٢١٤ فى المكتبة الأهليّة (باريس) وأطلق عليها فى طبعته اسم الموجز الباريسىّ (epitome parisiensis) وهو مختصر نصّ النسخة الاستنبوليّة المذكورة إلّا أنّه توجد فيها عدّة إضافات عن الفترة الواقعة بين سنة ٥٣٤ هـ. وسنة ٥٨٠ هـ. (١١٣٩ م. - ١١٨٤ م.) ،
فيكون إذا تحت تصرّفنا ثلاث نصوص متباينة هى (١) النصّ الموجود فى النسخة الاستنبوليّة التى اعتبرناها مصدرا لهذه الطبعة الثانية و (٢) النصّ الموجود فى الطبعة الأولى التى نشرها (ده غويه) و (٣) النصّ المختصر المذكور آنفا، وسنذكر فى المقدّمة الكاملة بعض النسخ الأخرى المحتوية على النصّين الأوّل والثالث مع مقارنة جميع تلك النسخ وسرد ما بينها من الاتّفاق والاختلاف، وأمّا النصّ الثانى فمعرفتنا به كافية من طبعة ابن حوقل الأولى حيث يتيسّر للباحث مقارنة الاختلافات الصغرى بها دون إعادة نقلها هنا،
€
стр. 3
وممّا يدلّ على عظم شأن النصّ الأوّل أنّه يوجد فيه بعض قطع غير معلومة الى الآن من قلم ابن حوقل وهى تتعلّق خاصّة بوصف القسم الغربىّ من مملكة الإسلام كما ورد فى بلاد البجة وتأريخهم وفى تعداد أكثر من مائتى قبيلة من قبائل البربر وفى الوصف المطوّل فى أحوال صقلّية وفى صفة الواحات إذا استثنينا عدّة إضافات قصيرة وأمّا القسم الشرقىّ فقد جاءت به فقرة غير معلومة الى الآن فى وصف مدينة اصبهان، ويوجد بالعكس فى النصّ الثانى بعض الفقرات التى لا أثر لها فى النصّ الأوّل من أهمّها الخبر عن ابتداء أسفار المؤلّف فى مقدّمة الكتاب والفقرات المختصّة ببعض الخلفاء الفاطميّين والخبر الوارد فى آخر صفة السند عن ملاقاة المؤلّف لأبى إسحاق الفارسىّ ومحاورتهما فيما كانا قد رسماها من الصور، وقد أدخلنا الفقرات الزائدة المختصّة بالنصّ الثانى فى متن النصّ الأوّل بين قوسين مربّعين [] ، فإذا تحتوى هذه الطبعة الثانية على كلّ ما هو معلوم الآن من مادّة كتاب ابن حوقل فتصبح الطبعة الحاضرة متكافئة مع الطبعة الأولى التى نقدت منذ زمن طويل، وقد وضعنا بالهامش أرقام صفحات الطبعة الأولى وأضفنا أيضا بعض الفقرات المنسوبة الى ابن حوقل فى مؤلّفات أخرى أورد فيها نصّ هو على ما يظهر أكمل من النصّ الموجود فى النسخ المعروفة، وقد قابلنا عند الحاجة أحيانا نصّ الإصطخرىّ كما فعله أيضا ناشر الطبعة الأولى، وأدرجنا كذلك فى هذه الطبعة ما يوجد من الإضافات فى النصّ الثالث المختصّ بالقرن السادس الهجرىّ، وهى التى كان الأستاذ (ده غويه) قد أدرجها فى الحواشى التى بأسفل الصفحات من طبعته وما يختصّ منها بالمائة صفحة الأولى فى الحواشى الباقية التى جاءت بص. ٤٣٢- ٤٣٥
من الجزء الرابع لنشريّات جغرافيّى العرب (ليدن ١٨٧٩) ، إلّا أنّه يظهر الآن أنّ كثيرا من هذه الإضافات تتعلّق أصلا بالنصّ الأوّل الموجود فى النسخة الاستنبوليّة،
€
стр. 4
وأمّا باقى هذه الإضافات فينسب أكثرها الى زمان المختصر على ما قرّره ناقله فى أكثر الأحوال تقريرا صريحا مع ضبط التواريخ، ولا يبقى إلّا فقرات قليلة يرتاب فيما إذا كان من الممكن نسبتها الى النصّ الأوّل أو الثالث، وقد أدرجنا إضافات النصّ الثالث فى متننا بحروف صغرى بين قوسين مربّعين [] أيضا، وفصّلنا الأبواب المحتوى كلّ واحد منها على صفة إقليم واحد فى عدد من القطع وهذا التفصيل غير راجع الى متن الأصل الذي من أضعف خاصّيّاته ضبط علامات الوقف (،) ، وقد رتّبت هذه القطع على أساس محتويات النصّ المادّيّة وأيضا بمقابلة نصّ الاصطخرىّ حتّى يمكننا بذلك الترتيب فهم العلاقات الموجودة بين نصوص تأليف ابن حوقل المختلفة وكذلك بين هذه النصوص وبين نصّ الاصطخرىّ، ومع ذلك نرجو أن يسهّل ذلك التفصيل استعمال الطبعة الحاضرة، إنّه يوجد فى معظم نسخ الاصطخرىّ وابن حوقل من الصور التى لا بدّ منها فى إدراك معنى المتن كما لا بدّ من المتن فى إدراك الصور، وبناء على ذلك أدخلنا فى هذه الطبعة كلّ الصور الموجودة فى النسخة الاستنبوليّة فى شكل رسوم تخطيطيّة وأدخلنا كذلك فى المتن بعد كلّ واحد من التنبيهات المشيرة الى صورة إقليم فصلا يوضح فيه ما يوجد فى تلك الصورة من الأسماء والنصوص وكثير من تلك الأسماء لا يوجد فى المتن نفسه، فأمكننا بهذه الطريقة إدراج تلك الأسماء فى فهرس الأسماء فى آخر الكتاب بالإشارة الى الصفحات التى فيها إيضاح الصورة، ولا توجد صور خصوصيّة للأندلس ولصقلّية إذ كانت هذه الأقاليم داخلة أوّلا فى صفة بلاد المغرب، وقد ضبطنا الأسماء الموجودة فى الصور وكذلك الأسماء الواردة فى المتن على قواعد متشابهة وهى أنّا اعتنينا فى كلّ موضع بضبط الهجاء وتصحيح الأخطاء الظاهرة، وقد أشرنا فى كلّ موضع فى الحواشى الى ضبط الأصل كما أظهرنا فيها أيضا الضبط الموجود فى الطبعة الأولى
€
стр. 5
إذا خالفناها، فأمّا ما يوجد فى النسخ السائرة من الروايات العديدة التى قد طوّلت حواشى بعض الصفحات فى طبعتى الاصطخرىّ وابن حوقل المتقدّمتين تطويلا مفرطا فلم نورد منها إلّا ما استدعى إيراده سبب خاصّ، فلا تزال الاستفادة من اختلافات النسخ المشار اليها فى كلّ موضع من الطبعتين المتقدّمتين لازمة إلّا أنّنا رأينا تأخير بيان سبب ضبطنا الى حين ترجمة المتن وشرحها، والمؤلّفات الأخرى التى استشهدنا بها فى بعض الأحيان هى منقولة عن الطبعات المشهورة وسنورد جدولها فى المقدّمة الكاملة، ونقلنا آيات القرآن عن طبعة (فلوغل (flugel الثانية (ليبسيك ١٩٠٦) ، والاصطلاحات والاختصارات المستعملة فى الحواشى كما هو آت:
الأصل النسخة المرقومة ٣٣٤٦ فى خزانة السراى العتيق باستنبول، حط طبعة ابن حوقل الأولى فى الجزء الثانى من نشريّات جغرافيّى العرب، حل نسخة ابن حوقل التى فى خزانة الجامعة (لميدن) ، حو نسخة ابن حوقل التى فى خزانة (البدليانة) (bodleiana اوكسفورد) ، حب النسخة الباريسيّة المحتوية على النصّ الثالث المختصر من ابن حوقل، صط طبعة الاصطخرىّ فى الجزء الأوّل من خزانة جغرافيّى العرب، قطعة قسم من الأقسام التى انقسم اليها كلّ باب، فقرة قسم من المتن هو أقصر من قطعة،
€
стр. 6
فهرس القسم الأوّل
المقدّمة ص. ٢
صورة الأرض ٥ ديار العرب ١٨ بحر فارس ٤٢ المغرب ٦٠ الاندلس ١٠٨ صقلّيه ١١٨ مصر ١٣٢ الشأم ١٦٥ بحر الروم ١٩٠ الجزيرة ٢٠٧ العراق ٢٣١
стр. 7
لابن حوقل النصيبىّ كتاب صورة الأرض «١»
وصفة أشكالها ومقدارها فى الطول والعرض وأقاليم البلدان ومحلّ الغامر منها والعمران من جميع بلاد الإسلام بتفصيل مدنها وتقسيم ما تفرّد بالأعمال المجموعة اليها،
стр. 8
[المقدمة]
بسم الله الرّحمن الرّحيم (١) الحمد لله المحمود بنعمه المشكور على آلائه وقسمه وصلّى الله على خير خلقه محمّد وأبرار عترته وسلّم، (٢) «٤» أمّا بعد فإنّ أحقّ من رقى الى المكارم فحلّ منها فى الذروة وسما الى الرغائب فلذّ منها بالصفوة من قدّمته خلائقه وفضّلته سوابقه وأصبح ومناويه مخصوم وثانيه معدوم والمستسلم اليه آمن والمتمسّك بحبله ساكن واللاجئ اليه موفّق والمثنى عليه مصدّق فهو للعلم وأهله حليف وبالأدب والمعتزى اليه خصيص شريف قد رسخت فيهما أعراقه ووشجت وانتسجت بهما همّه وأخلاقه ذاك أبو السرىّ الحسن بن الفضل بن أبى السرىّ الاصبهانىّ «١٠» سليل السراة وشهاب الكفاة وغيث العفاة زمام الفضائل وقطب الخصائل والأحقّ «١١» بقول القائل
كم عارف بى لست أعرفه ... ومخبّر «١٢» عنّى ولم يرنى
يأتيهم خبرى وإن نزحت ... دارى وبوعد عنهم وطنى
والى الله أرغب فى إطالة مدّته ورفع درجته وسموّ منزلته إنّه مجيب قريب، (٣) وقد عملت له كتابى هذا بصفة أشكال الأرض ومقدارها فى الطول والعرض وأقاليم البلدان ومحلّ الغامر منها والعمران من جميع بلاد الإسلام بتفصيل مدنها وتقسيم ما تفرّد بالأعمال المجموعة اليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التى عليها قسمة الأرض لأنّ الصورة الهنديّة التى بالقواذيان «١٨» وإن كانت صحيحة فكثيرة التخليط وقد جعلت لكلّ قطعة أفردتها تصويرا
стр. 9
وشكلا يحكى موضع ذلك الإقليم ثمّ ذكرت ما يحيط به من الأماكن والبقاع وما فى أضعافها من المدن والأصقاع وما لها من القوانين والارتفاع وما فيها من الأنهار والبحار وما يحتاج الى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم من وجوه الأموال والجبايات والأعشار والخراجات والمسافات فى الطرقات وما فيه من المجالب والتجارات إذ ذلك علم يتفرّد به الملوك الساسة وأهل المروات والسادة من جميع الطبقات، (٤) «٧» [وكان ممّا حضّنى على تأليفه وحثّنى على تصنيفه وجذبنى الى رسمه أنّى لم أزل فى حال الصبوة شغفا بقراءة كتب المسالك متطلّعا الى كيفيّة البين بين «٩» الممالك فى السير والحقائق وتباينهم فى المذاهب والطرائق وكمّيّة «١٠» وقوع ذلك فى الهمم والرسوم والمعارف والعلوم والخصوص والعموم وترعرعت فقرأت الكتب الجليلة المعروفة والتواليف الشريفة الموصوفة فلم أقرأ فى المسالك كتابا مقنعا وما رأيت فيها رسما متبعا «١٢» فدعانى ذلك الى تأليف هذا الكتاب واستنطاقى «١٣» فيه وجوها من القول والخطاب وأعاننى عليه تواصل السفر وانزعاجى عن وطنى مع ما سبق به القدر لاستيفاء الرزق والأثر والشهوة لبلوغ الوطر بجور السلطان وكلب الزمان وتواصل الشدائد على أهل المشرق والعدوان واستئناس سلاطينه بالجور بعد العدل والطغيان وكثرة الجوائح والنوائب وتعاقب الكلف والمصائب واختلال النعم وقحط الديم،] (٥) «١٩» [فبدأت سفرى هذا من مدينة السلام يوم الخميس لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وثلثين وثلثمائة وفيه خرج أبو محمّد الحسن بن عبد الله بن حمدان منهزما عنها الى ديار ربيعة من أيدى الأتراك وقد
стр. 10
عملوا على القبض عليه بعد أن استتبّت له الأمور بها واتّسعت به الأحوال فيها وشرفت به الأعمال وتناهى فى الصولة ولقّب بناصر الدولة وأنا من حداثة السنّ وغرّته وفى عنفوان الشباب وسكرته قوىّ البضاعة ظاهر الاستطاعة،] (٦) وقد ذكرت فى آخر كتابى هذا كيف «٥» تعاورتنى الأسفار واقتطعتنى فى البرّ دون ركوب البحار الى أن سلكت وجه الأرض بأجمعه فى طولها وقطعت وتر الشمس على ظهرها، ووصفت رجالات أهل البلدان وأعيان ملوكها من ذوى السلطان وأهل الإمكان والمقدّمين فى كلّ ناحية وبلد بالإحسان الى ذكر النادرة بعد النادرة من محاسنهم والفضيلة بعد الفضيلة من مكارسهم، (٧) ولم أستقص ذلك كراهية الإطالة المؤدّية الى ملال قارئه ولأنّ الغرض فى كتابى هذا تصوير هذه الأقاليم التى لم يذكرها أحد علمته ممّن شاهدها، فأمّا ذكر مدنها وجبالها «١٣» وأنهارها وبحارها والمسافات فيها وبعض ما أنا ذاكره فقد يوجد فى الأخبار متفرّقا ولا يتعذّر على من أراد تقصّى شىء من ذلك من سافرة أهل كلّ بلد وإن كانت المتعصّبة للبلدان والقبائل جارية على خلاف ما توخّيته [٢ ظ] وشرعت فيه ورسمته من قصدها لحقائقها وإيرادها على ما هى عليه من طرائقها،
стр. 11
[صورة الأرض]
(١) وقد حرّرت ذكر المسافات واستوفيت صور المدن وسائر ما وجب ذكره واتّخذت لجميع الأرض التى يشتمل عليها البحر المحيط الذي لا يسلك صورة تضاهى صورة القواذيان «٤» من جهة وتخالفها فى مواضع، وأعربت «٥» عن مكان كلّ إقليم ممّا ذكرته واتّصال بعضه ببعض ومقداره كلّ ناحية فى سعتها وصورتها من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة والعمل وموقع كلّ مدينة من مدينة تجاورها وموضعها من شمالها وجنوبها وكونها بالمرتبة من شرقها وغربها ليكتفى الناظر ببيان موقع كلّ إقليم وموضعه ومكانه وما توخّيته من ترتيبه وأشكاله وقصصته من أحواله وأخباره، وقد يقع له فيما كان يعتقده شكّ فى طول الأرض وكبرها وحالها فى تقارب عرضها وطولها وصغرها ولا يقارب هذا التأليف عنده كتاب الجيهانىّ ولا يوافق رسم ابن خرّداذبه وسبيل قارئه أرشده الله أن ينعم النظر فيما شكّ منه ويتأمّله تأمّل من حمل عنه بتحرّى الصدق فيه كثير من غثاثة الناقلين وكذب المسافرين الذين لا يعلمون ولا قصدهم الحقّ فيما يبغون، وليعلم أنّ الأسباب المحرّضة على تأليفه المقتضية لعمله اللذّة بالإصابة فى المقصد والمحبّة للظفر بإبانة كلّ بلد والذكر الجميل من أهل التحصيل فى كلّ مشهد، (٢) وقد فصّلت بلاد الإسلام إقليما إقليما وصقعا صقعا وكورة كورة
стр. 12
لكلّ عمل وبدأت بذكر ديار العرب فجعلتها إقليما واحدا لأنّ الكعبة فيها ومكّة أمّ «٢» القرى وهى واسطة هذه الأقاليم عندى، وأتبعت ديار العرب بعد أن رسمت فيها جميع ما تشتمل عليه من الجبال والرمال والطرق وما يجاورها من الأنهار المنصبّة الى بحر فارس ببحر فارس لأنّه يحتفّ بأكثر ديارها وشكّلت عطفه عليها ولأنّ بحر فارس يعطف من جزيرة مسقط مغرّبا الى مكّة والى القلزم عن خمسين فرسخا من عمان ويدعى ذلك الموضع رأس الجمجمة، ثمّ ذكرت المغرب ورسمته فى وجهين وبدأت بشكل ما حاز منه أرض مصر الى المهديّة والقيروان وما فى براريّها من المدن وإن قلّت وأعقبتها بباقى صورته من القيروان والمهديّة الى أرض طنجة وازيلى ورسمت على بحره مدنه الساحليّة وشكّلت طرقه الى جميع أنحائها وكيفيّتها مغرّبة ومشرّقة فى سائر جهاتها، ثمّ ذكرت مصر فى شكلين حسب ما جرى رسم المغرب به ولطول العمل أعربت فيهما عن حال مدنها ومواقعها على المياه الجارية فى أرضها وما كان برسمها فى البعد عن المياه وخططتّ «١٤» جبالها ومياهها بخلجانها وشعبها واتّصال بعضها ببعض وانفصالها الى البحر على حيالها وما يصبّ من ماء الفيّوم الى بحيرة أقنى وتنهمت، ثمّ صوّرت الشأم وأجناده وجباله ومياهه من أنهاره وبحره وما على ساحله من المدن وبحيرة طبريّة وبحيرة زغر «١٧» وتيه بنى إسرائيل وموقعه من ظاهر الشأم، ثمّ بحر الروم وكيفيّته فى ذاته وشكله فى نفسه وما عليه من الجانب الشرقىّ [٢ ب] للروم من المدن والأعمال المحاذية لبلد المغرب وذكرت ما بقلوريه للروم من المدن والانكبرذه والزنقة المعروفة ببلبونس والخليج الخارج من بحر الروم الى المجاز المحيط على القسطنطينيّة «٢٢» ومياه بلد الروم وأكابر أنهاره ومدنه وكنت استوفيت صورة الاندلس «٢٣» فى أشكال المغرب فلم أعد شيئا منها وقد رسمت فى هذا البحر
стр. 13
الجزائر المشهورة المسكونة وما دعت الحاجة الى ذكره إذ كان مسكونا مشهورا، ثمّ ذكرت الجزيرة المشهورة المعروفة بديار ربيعة ومضر وبكر وكيفية دجلة والفرات عليها واشتمالهما على حدودها الى ذكر جبالها وسائر طرقها وأحوالها، وأعقبتها بصورة العراق ومياهها وبطائحها وانصباب مياهها الى البحر وما يفرّع ويفرغ اليها من أنهارها، وذكرت خوزستان على حدودها وأنهارها وما اقتضته صورتها وحالها، وقفّيتها بصورة فارس على تصوير جميع أنهارها وبحيراتها ومواقع مدنها وصورة بحرها الى ما عليه من المدن الساحليّة، وأتبعتها بصورة كرمان برّها وبحرها وسهلها وجبلها وسائر طرقها وسبلها، ثمّ صوّرت بلاد السند ومدنها وطرقها وسبلها وبحرها وما عليه من مدنها وأثبتّ فيها نهر مهران وكيفيّة مصنّه عن الملّتان وما يصاقبه من بلاد الهند والإسلام، ثمّ تلوتها بصورة اذربيجان وشكّلت ما فيها من الجبال والطرق والأنهار العذبة كالرسّ والكر الى أن رسمت بحيرة خلاط وبحيرة كبوذان وكلتاهما غير متّصلتين بشيء من البحار وأثبتّ فيها جبل القبق، ثمّ صوّرت الجبال وأعمالها ومواقع بلدانها على ما هى به وما انحذق منها بدخول بعض مفازة خراسان وفارس على حدودها، وذكرت اليها صورة الجيل والديلم وطبرستان وما يليها من بحر الخزر وبعض سبله إذ لم أحط علما بكلّيّته، وأتبعتها بصورة بحيرة طبرستان وجزيرتيها ومصبّ ما اليها من المياه وما يصاقبها من الجبال وكمّيّة ما للإسلام منها وحدود ما لغيره من أقطارها، وشكّلت المفازة التى بين فارس وخراسان وجميع ما فيها من الطرق الى النواحى المجاورة لها والمضافة الى حدودها وما يليها من أعمال سجستان على ما يجاورها من بلاد الغور وجبالها ومصبّ مياهها الى بحيرة زره «٢٢» ، وصورّت خراسان وما فى ضمنها من طخيرستان وجبال الباميان وطوس وقوهستان بجميع مياهها الجارية وجبالها المشهورة ورمالها وطرقها المعروفة، ثمّ صوّرت نهر جيحون وما وراءه من
стр. 14
أعمال بخارا وسمرقند واشروسنه واسبيجاب والشاش وخوارزم الى جميع ما يشتمل عليه من المياه ويحيط به من الطرق والمسالك، (٣) [٣ ظ] ما فى بطن هذه الورقة صورة جميع الأرض، [٣ ب و ٤ ظ] إيضاح ما يوجد فى صورة الأرض من الأسماء والنصوص، قد كتب عند طرف الصورة الفوقانىّ الجنوب وتحت ذلك يمنة ويسرة صورة جميع الأرض ومع الطرف الأسفل الشمال، ثمّ مع الطرف الأيمن المغرب ومع الطرف الأيسر المشرق، قد قسمت الأرض قسمين وهما برّ جنوبىّ وبرّ شمالىّ، ورسم فى البرّ الجنوبىّ نهر النيل وكتب على قسمه الجنوبىّ بلد التوبه دنقله وعلوه ثمّ على قسمه الشمالىّ الصعيد الأعلى ثمّ نواحى مصر، وعلى ساحل هذا البرّ عن يمين فوهة النيل بلد المغرب وفوق ذلك فى داخل البرّ أوّلا نواحى برقه واعمالها، ثمّ متصاعدا الى اليمين نواحى سرت واجدابيه، نواحى طرابلس واعمالها، نواحى افريقيه واعمالها، ثمّ فى زاوية البرّ على ساحل البحر المحيط بالأرض بلد طنجه واعمالها، وبعد ذلك تابعا للساحل اودغست للمسلمين، غانه للكفار، كوغه للكفار، سامه للكفار، غريوا للكفار، كزم للكفار، ووراء هذه الأسماء الممالك التى على البحر المحيط، ثمّ على الساحل برارى الجنوب ثمّ فى زاوية البرّ حيث يبتدئ بحر فارس اصل بحر فارس وعلى ساحل هذا البحر بلد الزنج، مفازه بين الزنج والحبشه، بلد الحبشه، وبين ذلك والنيل مفازة البجه وبراريها، وفى الجانب المقابل من النيل الواحات وأعمالها، ويقرأ وراء ذلك فى البرّ بلد ولد جالوت، ثمّ نواحى سجلماسه والسوس الأقصى واغمات، وانفصلت عن البرّ الشمالىّ قطعة فى يمين الصورة بخليج يقرأ عنده خليج قسطنطينيه، ويقرأ فى هذه القطعة بلد الروم مع أنّ أوّل كلمة بلد فى القطعة الأخرى من البرّ، وعلى ساحل القطعة الصغرى فى وسط الخليج القسطنطينيه ويليها على الساحل نواحى مجذونيه، ثمّ كسميلى، بلبونس، بذرنت، جون البنادقين، اذرنت، قلوريه، نواحى الانكبرذه، نواحى افرنجه وجليقيه وفى الزاوية بلد الاندلس، وفى الطرف التحتانىّ من البحر المحيط برارىّ الشمال،
стр. 15
وكلمة الشمال هذه كتبت عن يسرة الخليج فى القطعة الأخرى من البرّ الشمالىّ، ويقرأ فى هذه القطعة وراء كلمة الشمال نواحى ياجوج وماجوج ثمّ متصاعدا الى الفوق الصقالبه وهو قسما فى القطعة الصغرى من البرّ ثمّ وراء ذلك فى جهة الشرق البلغار والروس، ثمّ على الخليج نواحى اطرابزنده، ومن فوق النهر المجانب للبلغار والروس بشجرت، البرطاس، الخزر، البجناكيه، البلغار مرّة ثانية ثمّ بلد السرير «٥» ، ومن فوق ذلك بلد ارمينيه «٦» الداخله والخارجه ويسرة اذربيجان والران، وعن يمين ارمينيه نهر دجله ثمّ الفرات وبينهما الجزيرة وبين الفرات والبحر يقرأ الشام، ثمّ عند مصبّ النهرين العراق ومن فوق ذلك ديار العرب، ثمّ يقرأ عن يسار العراق على البحر خوزستان ثمّ فارس، كرمان، السند ووراء ذلك الجبال، مفازه فارس، سجستان ووراء ذلك الديلم، طبرستان، خوارزم، الغزيه، خراسان، ومحانبا لخراسان نهر جيحون ووراءه ما وراء النهر ويقرأ بعد ذلك من بلد الصين، ثمّ من فوق ذلك الهند وفيه نهر مهران، ثمّ وراء ذلك الخرلخيّه، التبت ووراء ذلك على البحر المحيط خرخيز، التغزغز، بلد الصين، (٤) [٤ ب] فهذه جميع الارض عامرها وغامرها وهى مقسومة على الممالك وعماد ممالك الأرض أربع فأعمرها وأكثرها خيرا وأحسنها استقامة فى السياسة وتقويم العمارات ووفور الجبايات مملكة ايران شهر وقطبها إقليم بابل وهي مملكة فارس، وكان حدّ هذه المملكة فى أيّام العجم معلوما فلمّا جاء الإسلام أخذت من كلّ مملكة بنصيب فأخذت من مملكة الروم الشأم ومصر والمغرب والاندلس وأخذت من مملكة الصين ما وراء النهر وانضمّت اليها هذه الممالك العظيمة، ومملكة الروم يدخل فيها حدود الصقالبة ومن جاورهم من الروس والسرير واللان والأرمن ومن دان بالنصرانيّة، ومملكة الصين يدخل فيها سائر بلدان الأتراك وبعض التبّت ومن دان بدين أهل الأوثان منهم، ومملكة الهند يدخل فيها السند وقشمير وطرف من التبّت ومن دان بدينهم، ولم أذكر بلدان السودان فى المغرب
стр. 16
والبجة والزنج ومن فى أعراضهم من الأمم لأنّ انتظام الممالك بالديانات والآداب والحكم وتقويم العمارات بالسياسة المستقيمة وهؤلاء مهملون فى هذه الخصال ولا حظّ لهم فى شىء من ذلك فيستحقّوا «٣» به إفراد ممالكهم بما ذكرت به سائر الممالك، غير أنّ بعض السودان المقاربين هذه الممالك المعروفة يرجعون الى ديانة ورياضة وحكم ويقاربون أهل هذه الممالك كالنوبة والحبشة فإنّهم نصارى يرتسمون مذاهب الروم وقد كانوا قبل الإسلام يتّصلون بمملكة الروم على المجاورة لأنّ أرض النوبة مصاقبة أرض مصر والحبشة على بحر القلزم وبينهما وبين أرض مصر مفاوز معمورة فيها معادن الذهب ويتّصلون بمصر والشأم من طريق بحر القلزم، فهذه الممالك المعروفة ولمّا زادت مملكة الإسلام بما اجتمع اليها من طرائف هذه الممالك المذكورة شرفت وعظمت، (٥) وقسمة الأرض على الجنوب والشمال فإذا أخذت من المشرق من الخليج الذي يأخذ من البحر المحيط بأرض الصين الى الخليج الذي يأخذ من هذا البحر المحيط من أرض المغرب بين أرض الاندلس وطنجة فقد قسمت «١٥» الأرض قسمين وخطّ هذه القسمة يأخذ من بحر الصين حتّى يقطع بلد الهند ووسط مملكة الإسلام حتّى يمتدّ على أرض مصر الى المغرب، فما كان فى حدّ الشمال من هذين القسمين فأهله بيض وكلّما تباعدوا فى الشمال ازدادوا بياضا وهى أقاليم باردة، وما كان ممّا يلى الجنوب من هذين القسمين فأهله سود وكلّما ازدادوا تباعدا «١٩» فى الجنوب ازدادوا سوادا وأعدل هذه الممالك فى الخطّ المستقيم وما قاربه، (٦) وسأذكر كلّ إقليم من ذلك بما يعرف قربه ومكانه من الإقليم الذي يضامّه ويصاقبه إن شاء الله، فأمّا مملكة الإسلام فإنّ شرقيّها أرض الهند وبحر فارس وغربيّها مملكة السودان السكّان على البحر المحيط المتّصلين ببرارىّ اودغست وصحاريها تجاه اوليل «٢٤» وشماليّها بلاد الروم وما يتّصل
стр. 17
بها من الأرمن واللّان والران والسرير والخزر والروس والبلغار والصقالبة وطائفة من الترك ومن شمالها بعض مملكة الصين وما اتّصل بها من بلاد الأتراك وجنوبيّها بحر فارس، وأمّا مملكة الروم فإنّ شرقيّها بلاد الإسلام وغربيّها وجنوبيّها البحر المحيط وشماليّها حدود عمل الصين لأنّى ضممت ما بين الأتراك وبلد الروم من الصقالبة وسائر الأمم التى تلى الروم [٥ ظ] الى بلد الروم، وأمّا مملكة الصين فإنّ شماليّها وشرقيّها البحر المحيط وجنوبيّها مملكة الإسلام والهند وغربيّها أيضا البحر المحيط لأنّ ياجوج وماجوج ومن اليهم الى البحر المحيط من هذه المملكة، وأمّا أرض الهند فإنّ شرقيّها بحر فارس وغربيّها وجنوبيّها بلاد خراسان وشماليّها مملكة الصين، فهذه حدود هذه الممالك التى ذكرتها، (٧) وأمّا البحار فأشهرها اثنان وأعظمها بحر فارس ثمّ بحر الروم وهما خليجان متقابلان يأخذان من البحر المحيط وأفسحهما طولا وعرضا بحر فارس، والذي يقترى بحر فارس من الأرض فمن حدّ الصين الى القلزم فإذا قطعت من القلزم الى الصين على خطّ مستقيم كان مقداره نحو مائتى مرحلة، وكذلك إذا شئت أن تقطع من القلزم الى أقصى حجر «١٥» بالمغرب على خطّ مستقيم ألفيته مائة وثمانين مرحلة، وإذا قطعت من القلزم الى أرض العراق فى البرّيّة على خطّ مستقيم وشققت أرض السماوة ألفيته نحو شهر ومن العراق الى نهر بلخ نحو شهرين ومن نهر بلخ الى آخر بلاد الإسلام فى حدّ فرغانة نيّف وعشرون مرحلة ومن هناك الى أن تقطع أرض الخرلخيّة كلّها وتدخل فى عمل التغزغز نيّف وثلثون مرحلة ومن هذا المكان الى البحر المحيط من آخر عمل الصين نحو شهرين، وأمّا من أراد قطع هذه المسافة من القلزم الى الصين فى البحر طالت «٢٢» المسافة عليه لكثرة المعاطف والتواء الطرق فى هذه البحور، وأمّا بحر الروم فإنّه يأخذ من البحر المحيط فى الخليج الذي بين المغرب والاندلس حتّى ينتهى الى الثغور التى كانت تعرف بالشأميّة ومقداره فى المسافة نحو أربعة أشهر وهو أحسن استقامة
стр. 18
واستواء من بحر فارس وذلك أنّك إذا أخذت من فم هذا الخليج أدّتك ريح واحدة الى أكثر هذا البحر، وبين القلزم الذي هو لسان بحر فارس وبين بحر الروم على سمت الفرما ثلث مراحل ويزعم بعض المفسّرين فى قول الله تعالى بينهما برزخ لا يبغيان «٤» أنّه هذا الموضع ويزعم أهل التأويل غير ذلك غير أنّ بحر الروم يجاوز الفرما بنيّف وعشرين مرحلة وهو مفصّل فى مسافات المغرب بما يغنى عن إعادته، ومن مصر الى أقصى المغرب نحو مائة وثمنين مرحلة فكأنّ ما بين أقصى الأرض من المغرب الى أقصاها من المشرق نحو أربع مائة مرحلة، (٨) وأمّا عرضها من أقصاها فى حدّ الشمال الى أقصاها فى حدّ الجنوب فإنّك تأخذ من ساحل البحر المحيط حتّى تنتهى الى أرض ياجوج وماجوج ثمّ تمرّ على ظهر أرض الصقالبة فتقطع أرض البلغار الداخلة والصقالبة وتمضى فى بلد الروم الى الشأم وأرض مصر والنوبة ثمّ تمتدّ فى برّيّة بين بلاد السودان وبلاد الزنج حتّى تنتهى الى البحر المحيط فهذا خطّ ما بين جنوبىّ الأرض وشماليّها، وأمّا الذي أعلمه من مسافة هذا الخطّ فإنّ من ياجوج الى بلغار وأرض الصقالبة فنحو أربعين مرحلة ومن أرض الصقالبة فى بلد الروم الى الشأم نحو ستّين مرحلة ومن أرض الشأم الى أرض مصر نحو ثلثين مرحلة ومنها الى أقصى النوبة نحو ثمنين مرحلة حتّى تنتهى الى البرّيّة التى لا تسلك فذلك مائتا مرحلة وعشر مراحل كلّها عامرة مسكونة، وأمّا ما بين ياجوج وماجوج والبحر المحيط فى الشمال وما بين برارىّ السودان والبحر المحيط [فى الجنوب] «٢٠» فقفر خراب ما بلغنى أنّ فيه عمارة ولا حيوانا ولا نباتا ولا يعلم مسافة هاتين البرّيّتين الى شطّ البحر كم هى وذلك أنّ سلوكهما غير ممكن لفرط البرد الذي يمنع من العمارة [٥ ب] والحياة فى الشمال وفرط الحرّ المانع من العمارة والحياة فى الجنوب، وجميع ما بين المغرب والصين فمعمور كلّه والبحر المحيط محتفّ بالأرض كالطوق ومأخذ بحر فارس وبحر الروم من البحر المحيط،
стр. 19
(٩) فأمّا بحر الخزر فليست له مادّة من شىء من ذين البحرين بوجه «١» ولا سبب وقد حكيت عن هذا البحر حكايات كثيرة عن كبار المؤلّفين ولقد قرأت فى غير نسخة لجغرافيّا أنّه يستمدّ من بحر الروم عن بطلميوس وأعوذ بالله أن يكون مثل بطلميوس يذكر المحال أو يصف شيئا بخلاف ما هو به، وهذا البحر فى قرار من الأرض مادّته الماء العذب والذي يفرع اليه ويفرّغ فيه فنهر آتل وهو أكبر موادّه وهو نهر الروس ونهر الكر والرس ومياه الجيل والديلم وطبرستان ونواحى الغزّيّة «٧» وجميعها مياه عذبة وإنّما تربتها فاسدة حمّائيّة فالماء يأجن ويأسن فيها لذلك، وهو بحر لو أخذ السائر على ساحله من الخزر على أرض اذربيجان الى الديلم وطبرستان وجرجان والمفازة على جبل سياه كويه لرجع الى مكانه الذي سار منه بغير أن يمنعه مانع من ماء مالح سوى الأنهار العذبة التى ذكرتها، فأمّا بحيرة خوارزم فكذلك أيضا لا تتّصل ببحر غيرها، وفى أراضى الزبح وبلدانهم خلجان وكذلك فى أعراض بلد الروم خلجان وبحار لا تذكر لقصورها عن هذه البحار وكثرتها، وقد أخذ من البحر المحيط خليج يمرّ على ظهر بلد الصقالبة ويقطع أرض الروم على القسطنطينيّة «١٥» حتّى يفرع فى بحر الروم «١٦» ، (١٠) وأرض الروم حدّها من هذا البحر المحيط على بلد الجلالقة «١٧» وافرنجه وروميه «١٨» واثيناس الى القسطنطينيّة ثمّ الى أرض الصقالبة ويشبه أن يكون نحو مائة وسبعين مرحلة وذلك أنّ من حدّ الثغور فى الشمال الى أرض الصقالبة نحو شهرين وقد ثبت أنّ من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال مائتى مرحلة وعشر مراحل، والروم المحض من حدّ رومية «٢١» الى حدّ الصقالبة
стр. 20
وما ضممته الى بلد الروم من الافرنجه والجلالقة وغيرهم فإنّ لسانهم مختلف غير أنّ الدين والمملكة واحد كما أنّ لمملكة الإسلام ألسنة والبلد واحد، (١١) ومملكة الصين على ما يزعم [أبو إسحاق الفارسىّ «٣» و] أبو إسحاق إبراهيم بن البتكين حاجب صاحب خراسان أربعة أشهر فى ثلثة أشهر، فإذا أخذت من فم الخليج حتّى تنتهى الى دار الإسلام بما وراء النهر فهو نحو ثلثة أشهر وإذا أخذت من حدّ المشرق حتّى تقطع الى حدّ المغرب فى أرض التبّت وتمتدّ فى أرض التغزغز وخرخيز وعلى ظهر كيماك الى البحر فهو نحو أربعة أشهر، ولمملكة الصين ألسنة مختلفة وجميع الأتراك من التغزغز وخرخيز وكيماك والغزّيّة والخرلخيّة فألسنتهم واحدة وبعضهم يفهم عن بعض، ولأرض الصين والتبّت لسان مخالف لهذه الألسنة كألسنة صنهاجة اودغست «١١» وأهل سرت وأهل قسطيليه وغيرهم من البربر فإنّ لهم ألسنة خاصّيّة ولسان البربر يجمعهم ويفهم بعضهم عن بعض به، ومملكة الصين كلّها منسوبة الى صاحب الصين المقيم بخمدان «١٣» كما مملكة الروم منسوبة الى الملك المقيم بالقسطنطينيّة ومملكة الهند منسوبة الى الملك المقيم بقنّوج كنسبة مملكة الإسلام الى الملك المقيم ببغداد، (١٢) وفى ديار الأتراك ملوك متميّزون بممالكهم فأمّا الغزّيّة فإنّ حدود ديارهم ما بين الخزر وكيماك وأرض الخرلخيّة وبلغار وحدود دار الإسلام «١٧» ما بين [٦ ظ] جرجان الى باراب واسبيجاب، وديار الكيماكيّة وهم من وراء الخرلخيّة فى ناحية الشمال فيما بين الغزّيّة وخرخيز «١٩» وظهر الصقالبة، فأمّا ياجوج فهم «٢٠» فى ناحية الشمال إذا قطعت ما بين الصقالبة والكيماكيّة والله أعلم بمقاديرهم وبلادهم جبال شاهقة لا يتوقّلها الدوابّ ولا يرتقيها
стр. 21
إلّا الرّجالة ولم ألق بهم أخبر من إبراهيم بن البتكين حاجب صاحب خراسان فأخبرنى أنّ تجاراتهم إنّما تصل اليهم على ظهور الرجال وأصلاب المعز وأنّ تجّارهم من نواحى خوارزم ربّما أقاموا فى صعود جبل ونزوله الأسبوع والعشرة الأيّام، وأمّا خرخيز فإنّهم ما بين التغزغز وكيماك والبحر المحيط وأرض الخرلخيّة والغزّيّة، وأمّا التغزغز فقبيل عظيم لهم دار واسعة ما بين التبّت وأرض الخرلخيّة وخرخيز ومملكة الصين، والصين ما بين البحر المحيط والتغزغز والتبّت والخليج الفارسىّ، وأرض الصقالبة عريضة طويلة نحو شهرين فى مثلها، وبلغار مدينة صغيرة ليس لها أعمال كثيرة وكانت مشهورة لأنّها كانت فرضة لهذه الممالك فاكتسحها الروس وأتوا على خزران وسمندر واتل فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وساروا من فورهم الى بلد الروم والاندلس وافترقوا فرقتين، والروس قوم همج سكّان بناحية بلغار فيما بينهم وبين الصقالبة على نهر اتل، وقد انقطعت طائفة من الترك عن بلادهم فصاروا بين الخزر والروم يقال لهم البجناكيّة وليس موضعهم بدار لهم على قديم الأيّام وإنّما انتابوها فغلبوا عليها وهم شوكة الروسيّة وأحلافهم وهم الخارجون قديما الى الاندلس ثمّ الى برذعه، والخزر اسم لجنس من الناس وكان بلدهم صغيرا ذا جانبين يسمّى اتل «١٦» أحد جانبيها باسم النهر والجانب الآخر خزران وهذا النهر يجرى من بلد الروس وليس لهذا المصر كثير رساتيق ولا سعة مملكة وهو بلد بين بحر الخزر والسرير «١٨» والروس والغزّيّة، والتبّت بين أرض الصين والهند وأرض الخرلخيّة والتغزغز وبحر فارس وبعضهم فى مملكة الهند وبعضهم فى مملكة الصين ولهم ملك قائم بنفسه يقال أنّ أصله من التبابعة والله أعلم، (١٣) وأمّا جنوبىّ الأرض من بلاد السودان فإنّ بلدهم الذي فى أقصى المغرب على البحر المحيط بلد ملتفّ ليس بينه وبين شئ من الممالك اتّصال غير أنّ حدّا له ينتهى الى البحر المحيط وحدّا له ينتهى الى برّيّة بينه وبين أرض المغرب وحدّا له ينتهى الى برّيّة بينه وبين أرض مصر
стр. 22
على ظهر الواحات وحدّا له ينتهى الى البرّيّة التى ذكرت أنّها لا تنبت ولا عمارة فيها لشدّة الحرّ، وطول أرضهم ألف فرسخ فى نحوها عرضا غير أنّها الى البحر لا الى ظهر الواحات أطول من عرضها، وأرض النوبة فلها حدّ الى أرض مصر من نواحى الصعيد وحدّ الى هذه البرّيّة التى [بين أرض السودان ومصر وحدّ لها الى أرض البجة وبرارىّ بينها وبين القلزم وحدّ لها الى هذه البرّيّة التى] «٦» لا تسلك، وأرض البجة فديار صغيرة العرض طويلة تمرّ فى الجنوب بين نهر النيل وبحر القلزم وهم فيما بين الحبشة والنوبة من حدود قوص الى البرّيّة التى لا تسلك وعدد رجالهم وذكر حالهم وملوكهم واعتقاداتهم وما تقلّبت بهم الحال عليه فى الإسلام كثير طريف ولا أعرف لهم فى سيرة من السير ذكرا وسآتى من أخبارهم بجمل يستحسنها من اعترضها عند الحاجة اليه، [وأمّا الحبشة فإنّها على بحر القلزم وهو بحر فارس فينتهى حدّ لها الى بلاد الزنج وحدّ لها الى البرّيّة التى بين النوبة وبحر القلزم وحدّ لها الى البجة والبرّيّة التى لا تسلك،] «١٣» وأرض الزنج أطول أراضى السودان ولا تتّصل بمملكة [٦ ب] [غير الحبشة]- «١٤» والحبشة ناحية ومملكة عريضة لهم فى وقتنا هذا ملكة لهم عليهم نحو ثلثين سنة وأخبارها من ظرائف الأخبار- «١٦» وهى تجاه اليمن وفارس وكرمان الى أن تحاذى بعض أرض الهند، وأرض الهند تجاه بلاد الزنج من جانب بحر فارس الشرقىّ وطولها من عمل مكران فى أرض المنصورة والسند هند وهم البدهه وسائر بلدان السند الى أن تنتهى الى قنوج ويجوزها «١٩» الى أرض التبّب نحو أربعة أشهر وعرضها من بحر فارس على أرض قنوج نحو ثلثة أشهر، (١٤) ومملكة الإسلام فى حيننا هذا ووقتنا فإنّ طولها من حدّ فرغانه
стр. 23
حتّى يقطع خراسان والجبال والعراق وديار العرب الى سواحل اليمن فهو نحو خمسة أشهر وعرضها من بلد الروم حتّى يقطع الشأم والجزيرة والعراق وفارس وكرمان الى أرض المنصورة على شطّ بحر فارس نحو أربعة أشهر، وإنّما تركت فى ذكر طول الإسلام حدّ المغرب الى الاندلس «٤» لأنّه كالكمّ فى الثوب وليس فى شرقىّ المغرب ولا فى غربيّه إسلام لأنّك إذا جاوزت مصر فى أرض المغرب كان جنوبىّ المغرب بلاد السودان وشماله بحر الروم ثمّ أرض الروم، ولو صلح أن يجعل طول الإسلام من فرغانه الى أرض المغرب والاندلس لكان مسيرة ثلثمائة مرحلة لأنّ من فرغانه الى وادى بلخ نيّفا وعشرين مرحلة ومن وادى بلخ الى العراق نحو ستّين مرحلة ومن العراق الى مصر نحو ثلثين مرحلة وقد ثبت فى مسافات المغرب أنّ من مصر الى أقاصى المغرب مائة وثمانين مرحلة ومن مصر الى أن تحاذى آخر أرض الاندلس بأعمال طنجة نصف هذه المسافة، ولمّا قصدت تفصيل بلاد الإسلام إقليما إقليما ليعرف موضع كلّ إقليم من مكانه وما يجاوره من سائر الأقاليم ولم تتّسع هذه الصورة التى جمعت سائر الأقاليم لما يستحقّه كلّ إقليم فى صورته من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث وما يكون عليه أشكاله جعلت لكلّ إقليم مكانا يعرب عن حاله [وما يجاوره من سائر الأقاليم ثمّ أفردت لكلّ إقليم منها صورة على حدة بيّنت فيها شكل ذلك الإقليم وما يقع فى أضعافه من المدن وسائر ما يحتاج الى علمه] «١٩» ممّا آتى على ذكره فى موضعه إن شاء الله،
стр. 24
[ديار العرب]
(١) فابتدأت بديار العرب لأنّ القبلة بها ومكّة فيها وهى أمّ القرى وبلد العرب وأوطانهم التى لم يشركهم فى سكناها غيرهم، (٢) والذي يحيط بها بحر فارس من عبّادان وهو مصبّ ماء دجلة فى البحر فيمتدّ على البحرين حتّى ينتهى الى عمان ثمّ يعطف على سواحل مهرة وحضر موت وعدن حتّى ينتهى على سواحل اليمن الى جدّة ثمّ يمتدّ على الجار ومدين حتّى ينتهى الى ايلة ثمّ قد انتهى حينئذ حدّ ديار العرب من هذا البحر وهذا المكان من البحر لسان ويعرف ببحر القلزم والقلزم مدينة على طرفه وسيفه فإذا استمرّ على تاران وجبيلان «٩» وصل الى القلزم وينقطع حينئذ وهو شرقىّ ديار العرب وجنوبيّها وشىء [من غربيّها، ثمّ يمتدّ عليها] «١٠» من ايلة على مدائن قوم لوط والبحيرة الميّتة التى تعرف ببحيرة زغر «١١» الى الشراة والبلقاء وهى من عمل فلسطين واذرعات وحوران «١٢» والبثنيّة وغوطة دمشق ونواحى بعلبكّ وهى من عمل دمشق وتدمر وسلمية وهما من عمل حمص ثمّ الى الخناصرة «١٤» وبالس وهما من عمل قنّسرين، وقد انتهى الحدّ الى الفرات ثمّ يمتدّ الفرات على ديار [٧ ظ] العرب حتّى ينتهى الى الرقّة وقرقيسيا والرحبة والدالية وعانة والحديثة وهيت والأنبار الى الكوفة ومستفرغ مياه الفرات الى البطائح، ثمّ تمتدّ ديار العرب على نواحى الكوفة والحيرة على الخورنق وعلى سواد الكوفة الى حدّ واسط فتصاقب ما جاور دجلة وقاربها عند واسط مقدار مرحلة ثمّ تستمدّ وتستمرّ على سواد البصرة وبطائحها حتّى ينتهى الى عبّادان،
стр. 25
(٣) وهذا الذي يحيط بديار العرب فما كان من عبّادان الى ايلة «١» فإنّه بحر فارس ويشتمل على نحو ثلثة أرباع ديار العرب وهو الحدّ الشرقىّ والجنوبىّ وبعض الغربىّ وما بقى من حدّ الغربىّ من ايلة الى بالس فمن الشأم وما كان من بالس الى عبّادان فهو الحدّ الشمالىّ ومن بالس الى أن تجاوز الانبار فمن حدّ الجزيرة ومن الانبار الى عبّادان فمن حدّ العراق، ويتّصل بأرض العرب بناحية ايلة برّيّة تعرف بتيه بنى إسرائيل وهى برّيّة وإن كانت متّصلة بديار العرب فليست من ديارهم وإنّما كانت برّيّة بين أرض العمالقة واليونانيّة وأرض القبط، وليس للعرب بها ماء ولا مرعى فلذلك لا تدخل فى ديارهم، (٤) وقد سكن طوائف من العرب من ربيعة ومضر الجريرة حتّى صارت لهم بها ديار ومراع ولم أر أحدا عزا «١١» الجزيرة الى ديار العرب لأنّ نزولهم بها وهى ديار لفارس والروم فى أضعاف قرى معمورة ومدن لها أعمال عريضة فنزلوا على خفارة فارس والروم حتّى أنّ بعضهم تنصّر ودان بدين النصرانيّة مع الروم مثل تغلب من ربيعة بأرض الجزيرة وغسّان وبهراء «١٥» وتنوخ من اليمن بأرض الشأم، (٥) وديار العرب هى الحجاز التى تشتمل على مكّة والمدينة واليمامة ومخاليفها «١٧» ونجد الحجاز متّصل بأرض البحرين وبادية العراق وبادية الجزيرة وبادية الشأم واليمن المشتملة على تهامة ونجد اليمن وعمان ومهرة وبلاد صنعاء وعدن وسائر مخاليف اليمن، فما كان من حدّ السّرين حتّى ينتهى على ناحية يلملم ثمّ على ظهر الطائف ممتدّا على نجد اليمن «٢٠» الى بحر فارس مشرقا فمن اليمن ويكون ذلك نحو الثلثين من ديار العرب، وما كان من حدّ السّرين على بحر فارس الى قرب مدين راجعا فى المشرق على الحجر «٢٢» الى جبلى طىء ممتدّا على ظهر اليمامة الى بحر فارس فمن الحجاز، وما كان من اليمامة
стр. 26
الى قرب المدينة راجعا على بادية البصرة حتّى يمتدّ على البحرين [الى البحر] «١» فمن نجد، وما كان من حدّ عبّادان الى الانبار مواجها لنجد والحجاز على ديار أسد وطىّء وتميم وسائر قبائل مضر فمن بادية العراق، وما كان من حدّ الانبار الى بالس مواجها لبادية الشأم على أرض تيماء «٤» وبرّيّة خساف الى قرب وادى القرى والحجر «٥» فمن بادية الجزيرة، وما كان من بالس الى أيلة مواجها للحجاز على بحر فارس الى ناحية مدين معارضا لأرض تبوك حتّى يتّصل بديار طىّء فمن «٧» بادية الشأم، على أنّ من العلماء بتقسيم «٨» هذه الديار من زعم أنّ المدينة من نجد لقربها منها وأنّ مكّة من تهامة اليمن لقربها منها، (٦)
وما فى بطن هذه الصفحة فهو صورة ديار العرب، [٧ ب]
إيضاح ما يوجد من الأسماء والنصوص فى صورة ديار العرب، قد كتب فى زاويتى الصفحة العليايين المغرب والشمال، ورسم فى هذا القسم نهر النيل وتحت ذلك الرسم النصّ الآتى نواحى مصر واعمالها والصعيد الاعلى ومساكن البجه واعمال دنقله وعلوه وهما مدينتان وعلى النهر من المدن الفسطاط والجيزة وبينهما الجزيره ثمّ اسوان، وبين النيل وبين ساحل البحر العلاقى، ويقرأ على ساحل البحر فى أسفل أيسره بلد الزنج ونواحيه، مفازة بين الزنج والحبشة، بلد الحبشة ثمّ بربره ثمّ قرب منتهى الساحل الفوقانىّ عيذاب «١٨» ثمّ جزائر بنى حدان، ثمّ عند منتهى البحر القلزم، وفى البحر من الجزائر سنجله «١٩» ، سواكن، باضع، زيلع، وعلى ساحل البحر من الجانب المقابل يلى القلزم من المدن رايه «٢١» ، ايله، عينونه، طبا، الجار، جده، السرين، حلى، الحمضه، عثر، الشرجه، الحرده، غلافقه «٢٢» ، المخا،
стр. 27
عدن، ثمّ حضرموت ثمّ فى الزاوية بلاد عمان وفيها رأس الجمجمه ومدينة صحار، ثمّ تلى ذلك على الساحل مدينة القطيف، وفى هذا القسم من البحر جزيرتا خارك واوال، وفى وسط الصورة رسمت مدينة مكه تحيط بها كتلة جبال متلاصقة وفيها أيضا من أسفل مكة الطائف، ويقرأ عند هذه الجبال من الجانب الأيسر جبال تهامه، قعيقعان، ديار راحه «٥» ، وبين هذا الطرف من الجبال والبحر من المدن المعقد، زبيد، المذيخره، الكدرا، المهجم، ويأخذ من عدن على البحر طريق الى الجبال وعليه من المدن صنعا، صعده، نجران، بيشه، جرش، تباله، ثمّ يقرأ عند جانب الجبل مكتوبا على شكل صليبىّ نجد الحجاز، ثمّ رسم بين الجبل وحضرموت جبل شبام وفيه مدينة شبام، ويقرأ بين جبل شبام وعدن ديار همدان وخولان، وتتشعّب الجبال الوسطيّة عن أسفلها الى طرفين كتب بينهما نجد الحجاز وعند الطرف الأيسر جبال تهامه وعند الطرف الأيمن جبل الفرع ومدينة الفرع، وبين هذه البقاع والبحر بلد اليمامه وبلد البحرين وفيهما من المدن العقبر، الاحسا «١٢» ، هجر، ثمّ يأخذ عن يمين القطيف على البحر الى أعلى رمل الهبير، ويقرأ عند طرف الجبل الذي بين مكّة ورمل الهبير ابو قبيس، وعن يمين مكّة بينها ورمل الهبير أيضا من المدن المدينه وفيد، والطريق المارّ على هاتين المدينتين بعد اجتيازه رمل الهبير يمرّ على القادسيه والكوفه الى بغداذ على نهر دجله، ويأخذ من المدينة طريق الى وادى القرى ثمّ تبوك ثمّ معان ثمّ سلميه «١٦» ثمّ الخناصره ثمّ بالس على نهر الفرات، وبين تبوك والفرات يقرأ السماوه، ديار فزاره، ديار كلب، بريه خساف، صفين وأثناء ذلك من المدن تيما وتدمر، وبين وادى القرى والفرات ديار ثمود وجبلى طى، وبينه والبحر ديار لخم وجذام وجهينه وبلى، وبين الفرات ودجلة يقرأ بلد الجزيره وديار ربيعه ثمّ على الفرات من المدن الرقه، الانبار وعند الخليج الآخذ من الانبار الى دجله الصراه ويجرى من بغداذ الى هذا الخليج نهر عيسى، وعلى دجلة بين بغداذ والبحر من المدن كلواذى، المدائن، واسط، الابله، ومن الابلّة يأخذ نهر الابله الى البصره وينصبّ تجاهها فى نهر معقل، ويقرأ بين البصرة ورمل الهبير ديار بنى اسد ثمّ فى قرب الساحل لقبائل مضر،
стр. 28
وفى أسفل الصورة على البحر من المدن مهروبان، سينيز، توج، جنابه، نجيرم، سيراف ويقرأ وراء ذلك فى البرّ كلمة ناحية التى أضيف اليها اسما خوزستان وفارس المكتوبان عليها فى شكل الصليب، وفى زاويتى الصورة السفلايين المشرق والجنوب، (٧) [٨ ظ] وكانت هذه الديار عظيمة خطيرة الملوك ملكها الفراعنة والتبابعة ومنهم من ملك أكثر أهل الأرض فى سالف الزمان كتبع الذي مدّن مدينتى صنعاء وسمرقند وكان يقيم بهذه حولا وبهذه آخر ومن أهلها فرعون إبراهيم وهو سنان بن علوان وفرعون موسى مصعب بن الوليد، وبعث فيها كثير من الأنبياء وكان من أكرمهم نبيّنا ﷺ ، ولم يك فيما سلف من الزمان ولا على مرّ الدهور والأيّام ممّن علت كلمته واتّسعت مملكته واستفحلت جبايته كتبّع وذى القرنين من ثبت الملك فيه وفى عقبه وجبيت اليه الأموال وتخرّق فى المروءة والإفضال كمن ملكها من أهلها فى الإسلام مع أكثر الأرض من حيث لم يرم أكثرهم عن مواطنهم ولا برحوا عن أماكنهم يدعى لهم فى أطرافها ويدرّ عليهم الأموال من أخلافها، (٨) فأمّا أموالها فى وقتنا هذا «١٥» الواصلة الى سلاطينها وملوكها وأربابها وأصحاب أطرافها فمن جلّتهم خلف أبى الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زياد بعد أهل البحرين والذي تحت يده من الشرجة «١٧» الى عدن طولا على ساحل البحر وأرض تهامة اليمن ويكون مقدار ذلك اثنتى عشرة مرحلة وعرضه من الجبال الى ساحل اليمن من عمل غلافقة ويكون مقداره مسيرة أربع مراحل، وأكثر أمواله المقبوضة من العشور وهى ما ينيف على خمس مائة ألف دينار عثرىّ ومن قبالات زبيد عن جميع ما يدخلها ويخرج عنها وتشتمل عليه من وجوه الأموال مائتا ألف دينار عثرىّ، وأكثر ملوك الجبال فى وقتنا هذا يخطبون له على منابرهم، ويصل اليه من جباية عدن
стр. 29
عن المراكب العشريّة ممّا لا يقع بمواقفة وضمان ويعمل بالأمانات «١» فربّما زادت المراكب ونقصت والمرتفع له فى السنة عن هذا المكان على التقريب مائتا ألف دينار عثرىّ وربّما زادت الزيادة العظيمة وربّما نقصت اليسير، ويوجد العنبر بسواحل عدن وما يليها وله على ذلك ضريبة تصل اليه، وله على صاحب جزائر دهلك مواقفة من هدايا ترد عليه فيها العبيد والعنبر وجلود النمور المرتفعة الى غير ذلك، وله على ملكة الحبشة هدايا ومبارّ فلا تنقطع هداياها ومبارّها، [قال كاتب هذه الأحرف دخلت عدن سنة أربعين وخمس مائة وكان العميد بها بلال بن جرير والمشرف عليه خالى أحمد بن غياث من قبل سلطانها محمّد بن سبا وكان ضمان عشر المراكب بحسب مائة ألف وأربعة عشر ألف دينار مرابطيّة وهذا أكثر ممّا ذكره مصنّف الكتاب بأضعاف،] «١٠» ويتلوه فى المكنة والمقدرة ابن طرف صاحب عثر ويشتمل ملكه على وجوه من الأموال وضروب من الجبايات ويكون الواصل اليه كنصف ما يصل الى ولد أبى الجيش «١٣» بن زياد من المال، ويتلوه الجرامىّ صاحب حلى وهو دون ابن طرف فى المكنة والسلطان والجباية وهؤلاء الثلاثة ملوك تهامة اليمن وابن طرف والجرامىّ جميعا فى طاعة ابن زياد وقتنا هذا ويخطبون على اسمه وقد خطب الجميع لصاحب المغرب فى هذا الوقت «١٦» ، وكان من أجلّ ملوك تهامة اليمن المعروفين بملوك الجبال أسعد «١٧» بن أبى يعفر فأنّه ملكها سنين كثيرة وملك صنعاء وخطب لآل زياد وضرب دراهمه باسمهم بغير هديّة أو مبرّة تصل منه اليهم وكانت أمواله دون أربع مائة ألف دينار تنصرف فى مروءته والى أضيافه وقاصديه وكان من سلالة التبابعة وكذلك فجميع ما يجتبيه ولاة اليمن منصرف الى أضيافهم وقاصديهم، وجميع من بالجبال من ملوكها فجبايته دون هذه العدّة من المال
стр. 30
ومرافقهم بقدر كفايتهم لموّنهم، وأمّا الحسنىّ صاحب صعدة فله جباية كثيرة ومستغلّات من المدابغ وضرائب على القوافل كثيرة تضاهى ارتفاع ابن طرف ونفقاته فى طرق المعروف [٨ ب] من حيث أمر الله تعالى أن تصرف الصدقات والأعشار والخراجات وربّما زادت جبايته ونقصت، وصاحب السّرين فالواصل اليه كفاء ما يقوم به وبأهله وليست بحال تذكر وله على المراكب الصاعدة والنازلة من اليمن رسم يأخذه من الرقيق والمتاع الوارد مع التجّار، (٩) وأمّا البحرين ومدنها وهى هجر والاحساء والقطيف والعقير وبيشة والخرج واوال وهى جزيرة كان لأبى سعيد الحسن بن بهرام ولولده سليمن بها الضريبة العظيمة على المراكب المجتازة بهم والى وقتنا هذا هى لمخلّفيهما ونسلهما ويكون نسل أبى سعيد لظهره بين مرة ورجل نحو الأربع مائة نسمة، وبها أموال وعشور ووجوه مرافق وقوانين ومراصد وضروب مرسومة من الكلف الى ما يصل اليهم من بادية البصرة والكوفة وطريق مكّة بعد إقطاع ما بالبحرين من الضياع بضروب ثمارها ومزارعها من الحنطة والشعير والنخل لأتباعهم المعروفين كانوا بالمؤمنين ومبلغها نحو ثلثين ألف دينار وما عدا ذلك من المال والأمر والنهى والحلّ والعقد وما كان يصل اليهم من طريق مكّة ومال عمان وما وصل اليهم من الرملة والشأم فمتساو «١٨» فيه آراء ولد أبى سعيد الباقين ومفاوضة أبى محمّد سنبر بن الحسن بن سنبر وكان أكمل «١٩» القوم وأشدّهم ثمّ تمكّنّا من نفسه، فإذا همّوا بقسمة ما يصل اليهم من مال السنة كان ذلك ليوم معلوم مذ لم يزالوا فيعزل منه الخمس بسهم صاحب الزمان والثلاثة الأخماس لولد أبى سعيد على قوانين وضعوها بينهم وكان الخمس الباقى للسنابرة مسلّما الى أبى محمّد ليفرّقه فى ولد أبيه وولده ويكونون نحو عشرين رجلا، وكان ولد أبى طاهر فيهم يعظمون ويكرمون وكان أجلّهم سابور فلمّا قتله
стр. 31
أعمامه تشتّتت «١» كلمتهم وتغيّرت أحوالهم، وكان لهم من الثلاثة الأخماس مال معلوم دون الجرايات عليهم من الغنائم بحسب منازلهم دون ما لهم من الضياع والنعمة المختصّة بهم الى سنة ثمان وخمسين فإنّهم لمّا فتكوا بسابور استوحش بعضهم من بعض وانقبضوا عن الالتقاء بالجرعاء وغيرها، وكان من رسومهم ركوب مشايخهم وأولادهم فرادى فيجتمعون الى قبلة الاحساء بالمكان المعروف بالجرعاء ويلعب أحداثهم بالرماح على خيولهم وينصرفون أفذاذا بغاية التواضع وقد لبسوا البياض لا غير، وكان من رسومهم أن تقع شوراهم بالجرعاء فيمن يخرجونه لما فدحهم وأهمّهم فإن اتّفق رأيهم على خروجهم بأجمعهم لم يتخلّفوا ونفذوا وتركوا فى البلد أوثقهم وأشفّهم منزلة عندهم ولمّا أنفذوا قديما أبا علىّ بن أبى المنصور الى عمان وتعذّر عليه فتحها ساروا بأجمعهم اليها فافتتحوها، ولمّا أنفذوا أبا علىّ بن أبى المنصور الى الشأم وعاد عنها ظنّت به خيانة فيما صار اليه من الغنائم فردّ اليها كسرى بن أبى القسم وصخر بن أبى إسحاق فكان منهم مع أبى محمّد الحسن بن عبيد الله بن طغج ما سيرد فى مواضعه من أخبارهم وبالله القوّة، (١٠) [ثمّ إنّ المطيع سلّ سخائمهم وسعى فى تألّف قلوبهم وجمع كلمتهم فى سنة ستّين على ما بلغنى سنة إحدى وستّين من مشافهة أبى الحسين «١٧» علىّ بن أحمد الجزرىّ صاحب أبى الحسين علىّ «١٨» بن محمّد بن الغمر ورأيته بصقلّية وكأنّه ورد المغرب ليقرأ الأخبار بها وأخبرنى بأشياء كالسرّ عنده ثمّ خمش وجه الحديث وقال ومن بقى من العقدانيّة «٢٠» بالأحساء وغيرها هلكوا كلّهم،] «١٦» وكان ٢»
فى جملتهم رجال جلّة ذوو حلوم وعقول دون من
стр. 32
صحبهم من الجفاة الاغتام الأغفال الطغام كبنى الغمر وأجلّهم كان المقيم بالجعفريّة من ظاهر البصرة وهو أبو الحسين علىّ بن محمّد بن الغمر ويتلوه أخوه المقيم بالكوفة أبو طريف عدىّ بن محمّد بن الغمر وأبو الحسن علىّ بن أحمد بن بشر الحارثىّ المتولّى رجالهم وأموالهم من سائمتهم [٩ ظ] وكراعهم وكان المقيم فيهم الحدود على من وجبت منهم وكان قد ناهز المائة سنة، وثور بن ثور «٦» الكلابىّ صاحب جيشهم مسنّ أيضا كاف مع كبر سنّه وكان صاحب سراياهم الى كلّ مكان وكان أكبر منه حالة وأتمّ دراية أبو الحسن علىّ بن عثمن الكلابىّ كان يزعم أنّ سنيه مائة وعشرون سنة وكان ممّن لقى أبا زكريا الطمامىّ وشاهد دعوتهم الأولى وناموسهم القديم فصيح اللسان حسن البيان جرئ الجنان وترسّل لهم الى غير مكان وناب منابة قاضيهم ابن عرفة فى أسباب المراسلة الى بنى حمدان وغيرهم [فعقد عليه بيعتهم وأخذ عليهم العهود بموالاتهم] «١٢» وقد انتشر حبلهم وقلّ حولهم وفلّ حدّهم [بما جروا اليه من قتل سابور بن سليمان وأمورهم كالواقفة فيما بينهم] «١٣» ، وسمعت غير حاك فى سنى نيّف وخمسين يحكى «١٤» عن أبى طريف عدىّ بن محمّد بن الغمر والقاضى ابن عرفة «١٥» عن تقارب ألفاظهم فى القول أنّ سادتهم يتوزّعون من مال البصرة والكوفة وما يقبضونه من الحجّاج ويرد عليهم من مال عمان والغنائم دون الخمس الخارج عنهم لصاحب الزمان ألف ألف دينار وربّما زادت المائة والمائتى ألف دينار، (١١) فأمّا ما ينتهى اليه على من أحوال مدنها وما يحتاج الى علمه من المشهور والمهمل من أخبارها فلا أعلم بأرض العرب نهرا ولا بحرا يحمل سفينة لأنّ البحيرة الميّتة التى تعرف بزغر «٢٢» وإن كانت مصاقبة
стр. 33
للبادية فليست منها، ومجمع الماء الذي بأرض اليمن فى ديار سبأ إنّما كان موضع مسيل ماء فبنى على وجهه سد فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها فى القرى والمزارع حتّى كفروا النعمة بعد أن كان الله تعالى جعل لهم عمارات قرى متّصلة الى الشأم فسلّط على ذلك المكان آفة فصار لا يمسك الماء وهو قوله تعالى وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها الى قوله ومزّقناهم كلّ ممزّق «٦» فبطل ذلك الماء الى يومنا هذا، فأمّا الجداول والعيون والسواقى فكثيرة، (١٢) وأنا مبتدئ من ديار العرب بذكر مكّة ومكّة مدينة فيما بين شعاب الجبال وطولها من المعلاة الى المسفلة نحو ميلين وهو من حدّ الجنوبىّ الى الشمالىّ ومن أسفل جياد الى ظهر قعيقعان نحو الثلثين من هذا وأبنيتها من حجارة والمسجد فى نحو وسطها والكعبة فى وسط المسجد وباب الكعبة مرتفع من الأرض نحو قامة تجاه المشرق وهو مصراعان وأرض البيت مرتفعة عن الأرض مع الباب ويحاذيه قبّة زمزم ومقام ابراهيم صلّى الله عليه بقرب من زمزم بخطوات وبين يدى الكعبة ممّا يلى المغرب حصار مبنىّ مدوّر له بابان مع ركنى البيت إلّا أنّه لم يدخل فيه ويعرف بالحجر والطواف يحيط به وبالبيت وأحد الركنين الذي «١٦» يحادّ الحجر «٢٠» يعرف بالعراقىّ والركن الآخر يعرف بالشأمىّ والركنان الآخران «١٧» أحدهما عند الباب والحجر الأسود فيه مركّب على نحو قامة إنسان والركن الآخر يعرف باليمانىّ، وسقاية الحاجّ المعروفة بسقاية العبّاس على ظهر زمزم وزمزم فيما بينها وبين البيت، ودار الندوة من المسجد الحرام فى غربيّه وكانت لعبد الله بن جدعان التيمىّ وكان يملأها بالفالوذج وله مناد ينادى عليها فى الموسم هلمّوا الى الفالوذ وهى أوّل دار أسّست بمكّة وفيه وفيها يقول الشاعر
[٩ ب] له داع بمكّة مشمعلّ ... وآخر فوق دارته ينادى،
стр. 34
(١٣) ومن وقف على الصفا رأى الحجر الأسود والسعى بين الصفا والمروة، والمروة حجر من حدّ قعيقعان وهو الجبل الذي عن غربىّ الكعبة وأبو قبيس أرفع وأعلى منه تجاهه من نحو المشرق ويقال أنّ حجارة البيت من قعيقعان، ومنى على طريق عرفات من مكّة وهى أيضا شعب طوله دون الميلين وعرضه دون رمية السهم وبينه وبين مكّة ثلثة أميال وبمنى أبنية كثيرة كالقصور لأهل كلّ بلد من بلدان الإسلام، ومسجد الخيف فى أقلّ من وسطها ممّا يلى مكّة وجمرة العقبة فى آخر منى ممّا يلى مكّة وليست العقبة «٨» التى تنسب اليها الجمرة من منى والجمرة الأولى والوسطى هما معا فوق مسجد الخيف الى ما يلى مكّة، والمزدلفة مبيت للحاجّ ومجمع صلاتى المغرب والعشاء «١٠» الآخرة إذا صدر الحاجّ من عرفات بالمزدلفة وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين فأمّا بطن محسّر فهو واد بين عرفات والمزدلفة، والمأزمان شعب بين جبلين يفضى آخره الى بطن عرنة «١٣» وهو واد بين المأزمين وبين عرفة، وعرفة ما بين وادى عرنة الى حائط بنى عامر الى ما أقبل على الصخرات «١٤» التى يكون بها موقف الإمام والى طريق حضن وبحائط بنى عامر نخيل وكذلك فى غربىّ عرفة وعرنة بقرب المسجد الذي يجمع فيه الإمام بين صلاتى الظهر والعصر فى يوم عرفة ونخيل الحائط والعين تنسب الى عبد الله بن عامر بن كريز «١٧» ، وليس عرفات من الحرم وإنّما حدّ الحرم من المأزمين فإذا جزتهما الى العلمين فمن الحلّ وكذلك التنعيم الذي يعرف بمسجد عائشة ليس من الحرم والحرم دونه نحو عشرة أميال فى مسيرة يوم وعلى الحرم كلّه منار مضروب متميّز به عن غيره، (١٤) وليس بمكّة ماء جار إلّا شىء أجرى اليها من عين قد كان عمل فيها بعض الولاة فاستتمّ فى أيّام المقتدر ويمتح الى مسيل قد جعل
стр. 35
له الى باب بنى شيبة فى قناة قد عملت هناك وكانت أكثر مياههم من السماء الى مواجن وبرك كانت بها عامرة فخربت باستيلاء المتولّين على أموال أوقافها واستئثارهم بها وليست لهم أبار يشرب منها وأطيبها زمزم ولا يمكن الإدمان على شرب مائها، وليس بجميع مكّة شجر «٤» مثمر غير شجر البادية وإذا جزت الحرم فهناك عيون وأبار وحوائط كثيرة وأودية ذات خضر ومزارع ونخيل ويقال أنّ بفخّ نخيلات يسيرة متفرّقة وهى من الحرم ولم أرها، وثبير جبل مشرف يرى من منى والمزدلفة وكانت الجاهليّة لا تدفع من المزدلفة إلّا بعد طلوع الشمس إذا أشرقت على ثبير، وبالمزدلفة المشعر الحرام وهو مصلّى الإمام يصلّى فيه المغرب والعشاء الآخرة والصبح، والحديبيّة بعضها من الحلّ وبعضها من الحرم وهو مكان صدّ المشركون فيه رسول الله ﷺ عن المسجد الحرام من «١١» أبعد الحلّ الى البيت وليس هو فى طول الحرم [١٠ ظ] ولا عرضه إلّا أنّها فى زاوية للحرم فلذلك صار بينها وبين المسجد أكثر من يوم، (١٥) فأمّا المدينة فهى أقلّ من نصف مكّة وهى فى حرّة سبخة الأرض ولها نخيل كثيرة ومياه نخيلهم ورزوعهم من الأبار يسقون بها العبيد وعليها سور والمسجد فى نحو وسطها وقبر النّبيّ ﷺ من المسجد فى شرقيّه قريبا من القبلة قريبا من الجدار الشرقىّ فى بيت مرتفع بين سقفه وسقف المسجد فرجة ولا باب له وله زاويتان والمنبر الذي كان يخطب عليه النّبيّ ﷺ قد غشى بمنبر آخر والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر والمصلّى الذي كان النّبيّ صلّى الله عليه وعلى برزة عترته يصلّى فيه الأعياد فى غربىّ المدينة داخل سورها وبقيع الغرقد «٢١» خارج السور بباب البقيع فى شرقىّ المدينة، وقباء خارج المدينة على نحو ميلين الى ما يلى القبلة وهو مجمع بيوت الأنصار يشبه القرية، وأحد جبل فى شمالىّ المدينة وهو أقرب الجبال اليها على نحو فرسخين منها، وبقربها مزارع فيها ضياع لأهل المدينة ووادى العقيق فيما بينها وبين الفرع والفرع
стр. 36
من المدينة على أربعة أيّام فى جنوبيّها وبها مسجد جامع غير أنّ أكثر هذه الضياع خراب وقتنا هذا وكذلك حوالى المدينة ضياع كثيرة قد خربت، والعقيق واد من المدينة فى قبلتها على أربعة أميال فى طريق مكّة وأعذب ماء فى الناحية أبار العقيق، وروى عن النّبيّ ﷺ أنّ غبار المدينة أمان من الجذام ومن أقام بها وجد فى ترابها وهوائها رائحة ليست فى الأرائيج طيبا خلقة فيها وجوهريّة لا تتغيّر وهى أنقى «٦» طينا من الطيب بسابور وألذّ نسيما من نهر الأبلّة ولا تتغيّر المعجونات والطيب بها ما أقاما، (١٦) وأمّا اليمامة فواد والمدينة به تسمّى الخضرمة دون مدينة الرسول ﷺ وهى أكثر نخيلا وثمرا من المدينة ومن سائر الحجاز، وكانت قرارا لربيعة ومضر فلمّا نزل عليها بنو الأخيضر جلت العرب منها الى جزيرة مصر فسكنوا بين النيل وبحر القلزم وقرّت ربيعة ومضر هناك وصارت لهم ولتميم كالدار التى لم يزالوا بها وابتنوا بها غير منبر كالمحدثة التى بظاهر اسوان وكالعلاقى وهو المنهل يجتاز به الحجيج الى عيذاب «١٤» وهم أهل معدن الذهب وإقامتهم عليه فى أمور سآتى على ذكرها فى أماكنها، وليس بالحجاز بعد مكّة والمدينة أكبر من اليمامة ويليها فى الكبر وادى القرى وهى ذات نخيل أيضا «١٧» ، والبحرين فى ناحية نجد وأكبر «١٨» أعمالها ومدنها هجر وهى أكثر تمورا وليست من الحجاز وهى على شطّ بحر فارس ومقام القرامطة «١٩» بها وهى دارهم، ولهما قرى كثيرة وقبائل من مضر ذوو عدّة وعدد اغتصبت لضعف السلطان من أربابها، (١٧) والجار فرضة المدينة وهى على ثلث مراحل منها على شطّ البحر وهى أصغر من جدّة، وجدّة فرضة لأهل مكّة على مرحلتين منها على شطّ البحر وكانت عامرة كثيرة التجارات والأموال ولم يكن بالحجاز بعد مكّة
стр. 37
أكثر مالا [١٠ ب] وتجارة منها وكانت تجاراتهم تقوم بالفرس فلمّا أقام بها ابن جعفر الحسنىّ تشتّت أربابها ورزحت أحوالها، (١٨) والطائف مدينة صغيرة نحو وادى القرى كثيرة الشجر والثمر وأكثر ثمارها الزيت وهى طيّبة الهواء وفواكه مكّة وبقولها منها وهى على ظهر جبل غزوان «٥» وبغزوان ديار بنى سعد وسائر قبائل هذيل وليس بالحجاز فيما علمته مكان «٦» هو أبرد من رأس هذا الجبل ولذاك اعتدل هواء الطائف وبلغنى أنّه ربّما جمد الماء فى ذروة هذا الجبل وليس بالحجاز مكان يجمد فيه الماء سوى هذا الموضع، (١٩) والحجر قرية صغيرة قليلة السكّان وهى من وادى القرى على يوم بين جبال وبها كانت ديار ثمود الذي قال الله تعالى وتنحتون «١٠» من الجبال بيوتا فرهين، وذكر أبو إسحاق الفارسىّ أنّ بيوتها منقورة كبيوتنا فى أضعاف جبالها وتدعى تلك الجبال الأثالب «١٢» وهى جبال فى العيان متّصلة حتّى إذا توسّطت كانت كلّ قطعة منها قائمة بذاتها يطوف بكلّ قطعة منها الطائف ودونها جبال رمال لا يكاد يرتقى الى ذراها إلّا بمشقّة شديدة وبها بئر ثمود التى قال الله تعالى فى الناقة لها شرب «١٥» ولكم شرب يوم معلوم، (٢٠) وتبوك بين الحجر «١٦» وبين أوّل الشأم على أربع مراحل فى نحو نصف طريق الشأم وهى حصن وله عين ماء ونخيل وحائط ينسب الى النّبيّ ﷺ ، ويقال أنّ أصحاب الأيكة الذين بعث الله اليهم شعيبا كانوا بها ولم يكن شعيب منهم وإنّما كان من مدين، ومدين على بحر القلزم محاذية لتبوك على نحو ستّ مراحل ومدين أكبر من تبوك وبها البئر التى استسقى منها موسى ﵇ لسائمة شعيب وهى بئر مغطاة قد
стр. 38
عمل عليها بيت وماء أهلها من عين تجرى لهم ومدين اسم القبيلة التى كان منها شعيب وإنّما سمّيت القرية بهم ألا ترى أنّ الله تعالى يقول والى مدين أخاهم شعيبا «٣» ، (٢١) والجحفة منزل عامر وبينها وبين البحر نحو ميلين وهى من الكبر ودوام العمارة نحو مدينة فيد وليس بين مكّة والمدينة منزل يستقلّ «٥» بالعمارة والأهل سائر السنة كهى [ولا بين المدينة والعراق مكان يستقلّ بالعمارة والأهل جميع السنة مثل فيد،] »
وهى فى ديار طىّء وجبلا طىّء منها على مسيرة يومين وبها نخيل وزروع قليلة لطىّء وبها ماء تافه ويسكنها بادية من طىّء ينتقلون عنها فى بعض السنة ينتجعون المراعى، وخيبر حصن ذو نخيل كثيرة وزرع، (٢٢) وينبع حصن به نخيل وماء وزرع وبها وقوف لعلىّ بن أبى طالب ﵇ يتولّاه أولاده، وبقرب ينبع جبل رضوى وهو جبل منيف ذو شعاب وأودية ورأيته من ينبع كخضرة البقل، وزعم بعض أصحابنا أنّه طاف «١٤» فى شعابه وفيها ماء كثير وأشجار وهو الجبل الذي تزعم طائفة الكيسانيّة أنّ محمّد بن علىّ بن أبى طالب فيه حيّا «١٥» مقيما، ومنه يحمل حجارة المسنّ الى سائر الآفاق، وفيما بينه وبين ديار جهينة وسائر البحر ديار للحسنيّين يسكنونها ببيوت الشعر نحو سبع مائة بيت بادية كالأعراب ينتجعون المراعى والمياه بزىّ كزىّ الأعراب لا تميّز بينهم فى خلق ولا خلق، وتتّصل ديارهم فيما يلى المشرق بوادى ودّان «١٩» [١١ ظ] وهو من الجحفة على مرحلة وبينهم وبين الأبواء التى على طريق الحاجّ فى غربيّها ستّة أميال، وبها رئيس الجعفريّين من ولد جعفر بن أبى طالب
стр. 39
وله بالفرع والسابرة «١» ضياع كثيرة وعشيرة وأتباع وبينهم وبين ولد الحسن ابن علىّ بن أبى طالب ﵉ حروب ودماء حتّى لقد استولت طائفة من اليمن يعرفون ببنى حرب على ضياعهم وصاروا حربا لهم وألبا عليهم وقد ضعفوا بخلافهم، وتيماء حصن أعمر من تبوك وهى فى شمال تبوك ولها نخيل وهى ممتار البادية وبينها وبين أوّل الشأم ثلثة أيّام، (٢٣) ولا أعلم فيما بين العراق والشأم واليمن مكانا إلّا وهو فى ديار طائفة من العرب ينتجعونه فى مراعيهم ومياههم إلّا أن يكون بين اليمامة والبحرين وبين عمان ومن وراء عبد القيس برّيّة خالية عن الأبآر والسكّان والمراعى قفرة لا تسلك ولا تسكن، فأمّا ما بين القادسيّة الى الشقوق فى الطول والعرض من قرب السماوة الى حدّ بادية البصرة فسكّانها قبائل من بنى أسد، فإذا جزت الشقوق فأنت فى ديار طىّء الى أن تجاوز معدن النقرة «١١» فى الطول وفى العرض من وراء جبلى طىّء محاذيا لوادى القرى الى أن تتّصل «١٣» بحدود نجد من اليمامة والبحرين، ثمّ إذا جزت المعدن عن يسار المدينة فأنت فى بنى سليم «١٤» وإذا جزته عن يمين المدينة فأنت فى جهينة، وفيما بين المدينة ومكّة بكر بن وائل فى قبائل من مضر من الحسنيّين والجعفريّين، والغالب على نواحى مكّة ممّا يلى المشرق بنو هلال وبنو سعد فى قبائل من هذيل وعن غربيّها مدلج وغيرها من قبائل مضر، وأمّا بادية البصرة فهى أكثر هذه النواحى أحياء وقبائل وأكثرها تميم حتّى يتّصلوا بالبحرين واليمامة ثمّ وراءهم عبد القيس، وأمّا بادية الجزيرة فإنّ بها أحياء من ربيعة واليمن وأكثرهم كلب اليمن وفى قبيلة منهم يعرفون ببنى العليص «٢١» خرج صاحب الشام الذي فلّ جيوش مصر وأوقع بأهل الشأم حتّى قصده المكتفى الى الرقّة فأخذ له بالدالية، وبادية السماوة من دومة «٢٣» الجندل الى عين التمر وبرّيّة خساف من بادية الجزيرة، وبرّيّة
стр. 40
خساف فيما بين الرقّة وبالس عن يسار الذاهب الى الشأم، وصفّين أرض من هذه البادية بقرب الفرات ما بين الرقّة وبالس وهو الموضع الذي كان به حرب علىّ ﵇ ومعوية ورأيت هذا الموضع فرأيت عجبا وذلك أنّا كنّا سائرين من تحته فى الفرات وهو ربوة عظيمة فعددنا عليها ثمنية قبور أو تسعة ومن فوقها ربوة أعلى منها فعددنا عليها بضعة عشر قبرا ظاهرة بيّنة لمن يتأمّلها ولم تختلف جماعة كنت فيهم فى عدد قبور الموضعين ثمّ صعدنا المكان الذي عددنا فيه هذه القبور فلم نر فيه ولا لقبر واحد أثرا، «٨» وأخبرنى من يعرف بمعرفة تلك الناحية أنّه رأى فيها بيت مال علىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه للفىء قائما بنفسه، وأمّا بادية الشأم فإنّها ديار لفزارة ولخم وجذام وبلى وقبائل مختلطة [١١ ب] من اليمن وربيعة ومضر وأكثرها يمن، (٢٤) والرمل المعروف بالهبير «١٢» هو الرمل الذي أصله بالشقوق الى الأجفر عرضا وطوله من وراء جبلى طىّء الى أن يتّصل مشرقا بالبحر ويمضى من وراء جبلى طىّء الى أن يرد الجفار من أرض مصر ثمّ يساير النيل وجبل المقطّم عن جانبى النيل الى بلد النوبة فيعبر من فوق الفيّوم النيل فيتّصل بالمغرب الى أرض نفزاوه «١٦» ويمضى مغربا الى سجلماسه وأرض أودغست «١٧» الى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر ومنه عرق يضرب من القادسية الى البحرين ويعبر البحر فيمّر على مشارق خوزستان وفارس الى أن يرد الى سجستان ويعطف منه شىء على مفازة فارس وخراسان الى الطبسين وقوهستان «٢٠» ويمرّ مشرقا الى مرو آخذا على جيحون فى برّيّة خوارزم الى خوارزم ثمّ يعبر جيحون وقد شقّه جيحون وقطع فيه الى قرية قراتكين ويأخذ فى بلاد الخرلخيّة وبعض التبّت الى بلد الصين والبحر المحيط فى
следующие страницы →