← История

История · id 11782

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ابن عذاري المراكشي

Полный текст (609 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الحمد الله مصرف الأقدار ومحيي الآثار والمتعالي عن الأشباه والأنظار، المتنزه عن تمثيل الأوهام وتكييف الأذكار الذي احتجب بحجاب عزته وقدرته فلا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار الذي خضعت لهيبته وعظمته رقاب الأكاسرة والجبابرة والأشرار، العالم بالكونين على اختلافها والحوادث مع تشتيت أوصافها، وكل شيء عنده بمقدار، مكور الليل على النهار، والنهار على الليل ما جرى الفلك الدوار وجعلهما آيتين بينتين للمتفكر في العظة والاعتبار وخص الإنسان بفضل النظر والاستبصار فقال جل وتعالى " فاعتبروا يا أولي الأبصار " وعلمه ما لم يكن يعلم وكرر عليه ما لم يلحق من انباء القرون الماضية في الأزمان والأعصار وأراه متقلبهم في هذه الدنيا الفنية التي جعلها لهم دار انتقال، ومفر وزوال، وجعل الأيام بينهم دولا والأقوام بعضهم من بعض بدلا ذلك تقدير العزيز القهار نحمده على ما نعم به علينا من الهداية للنظر في مواقع الأدلة بأن هو الله الملك الغفار ونشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، الذي اختار لرسالته وختم به الرسل الكرام الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين الأخيار، وسلم كثيراً. وبعد جعلنا الله ممن نظر فاعتبره، ووعظ فازدجره فإن خير ما شغلت به الأذكار والأفكار، وتحدثت معه الليل والنهار، حفظ ما فاد من العلوم والأخبار وأن أولى ما ريضنا به النفوس البشرية مجالسة العلماء والأخيار، ومذاكرة الأدباء ذوي الهمم وعلو المقدار، ففي مجالستهم ومذاكرتهم

стр. 2

ما يسحر الذهن وينور الأفكار فان فقدت مجالستهم فلا عوض منها غير كتاب يتخذه جليسه ويجده في كل وقت أنيسه ويتنسمه روضا يانع الأزهار وإذا نظر اللهيب بفطنته إلى أصناف العباد ومختلف الآباد أغناه ذلك عن المشاهدة وقام له الاستماع مقام المعاينة والاستخبار. قال المؤلف: ولما كنت كلفت بأخبار الخلفاء والأئمة والأمراء بالبلاد الشرقية والمغربية وما والاهما من الأقطار، وولعت بالمناظرة في ذلك مع الفضلاء والأخلاء ذوي الأقدار والأخطار، طلب بعضهم إلي، ممن يجب إكرامه على، أن أجمع له كتابا مفردا في أخبار ملوك البلاد الغربية على سبيل الإيجاز والاختصار، ولازمني في طلبه مرارا، فلم يمكنني التوقف في ذلك ولا الاعتذار وحملني على جمعه وتأليفه حمل اضطرار لا اختيار، فجمعت له في هذا الكتاب نبذا ولمعا من عيون التواريخ والأخبار، مما جرى الله به تصاريف الأقدار فيما مر من الأزمنة والأعصار في بلاد المغرب وما والاهما من الأقطار: جمعت ذلك من الكتب الجليلة مقتضيا من غير إسهاب ولا إكثار فاقتطفت عيونها واقتضبت فنونها ووصلت الحديث بالقديم والقديم بالحديث لأنه إذا اتصل يستظرف ويستحلى كما قال بعضهم: وسئت كل مآربي ... فكأن أطيبها خبيث إلا الحديث فأنه ... عند اسمه ابدأ حديث فنقلت والله ولي التوفيق من تاريخ الطبري والبكري والرقيق والقضاعي ومن كتاب (الذيل) لابن شرف ومن كتاب ابن أبي الصلت ومن (المجموع المفترق) ومن كتاب (بهجة النفس وروضة الأنس) ومن كتاب (المقباس) و (القبس) ومن مختصري عريب وابن حبيب ومن (درر القلائد وغرر الفوائد) ومن (القلائد) و (المطمح) لابن خاقان ومن كتاب ابن حزم (ذخيرة) ابن بسام ومن (أخبار

стр. 3

الدولة العامرية) لابن حيان، ومن كتاب (تقصي الأنباء في سياسة الرؤساء) ومن كتاب (الأنوار الجلية في الدولة المرابطية) ومن (نظم الجمان في أخبار الزمان) لابن القطان، ومن كتابي (الاشيري) و (البيذق) وكتاب يوسف الكاتب وكتاب بن صاحب الصلاة أبي مروان، ومن كتاب بن رشيق ومن كتاب وجدته أو تعليق، ومن شيوخ أخذت الأخبار الوقتية عنهم بتحقيق والله الهادي إلى سواء الطريق. ولما كمل ما قيدته وجردته على ثلاثة أجزاء: كل جزء كتاب قائم بنفسه ليكون لمطالعه أوضح البيان وأسهل مرام لدى العيان وسميته بالبيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب. أما الجزء الأول فاختصرت فيه أخبار أفريقية من حين الفتح الأول في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، ثم أخبار أمرائها من ولاة الخلفاء الأمويين ومن دخل الغرب منهم ومن قام بأفريقية من الصفرية والاباضية ثم قام فيها بالدولة العباسية ومن ملكها من بني الأغلب وأخبار بني عبيد الشيعة وأخبار زناته والصهاجيين وغيرهم وكل ما اشتهر من أمرهم إلى حين انتقال العبيدية إلى البلاد المصرية واستخلافهم صهاجة على أفريقية ثم خلع صهاجة لهم واستيلائهم على أفريقية ونذكر فتنة العرب وأسبابها ودخولهم إلى القيروان وخرابها وتنقل أمراء صهاجة إلى المهدية ومن ملكها منهم وما اشتهر في ذلك من الأخبار عنهم من ملوك المناديين والحماديين إلى حين ظهور الموحدين ولخصت في ذلك كله أخبار أمراء البلاد الغربية ومن دخلها من أخبار الدولة العبيدية وذكرت أخبار المدراريين السجلماسيين والأمراء الإدريسيين وأخبار البرغواطيين والزناتيين ومن ملك فاسا من زناتة المغراويين ومن ولاء الخلفاء الأمويين الأندلسيين

стр. 4

على أن أخبار المغرب الأقصى أكثر من أن تحصى لكني نسقتها نسق الأسلاك وسقت من كان فيه على الولاء من الأملاك من حين فتحه الأول إلى حين ابتداء الدولة اللمتونية المرابطية. والجزء الثاني اختصرت فيه أخبار جزيرة الأندلس وأملاكها الغابرين الدرس من حين الفتح الأول ثم من وليها من الأمراء للخلفاء الأمويين بالمشرق ثم من قام بها من العرب الفهريين إلى حين دخول الخلفاء الأمويين في ابتداء أمرهم ومن قام عليهم من الثوار الأندلسيين وذكرت بعض أخبارهم وآثارهم في غزواتهم وحركاتهم إلى انقضاء مدتهم بعد ذكر حجابهم العامريين ومآثرهم إلى حين انقضاء الدولة العامرية وقيام الفتنة البربرية وذكرت فيه أخبار ملوك الطوائف بعد انقضاء دول الخلائف من الحموديين والهوديين والجهوريين والعباديين وفتيان العامريين والصمادحيين والزناتيين والبكريين والافطسيين والصهاجيين وغيرهم من الرؤساء الأندلسيين وكل ذلك إلى حين دخول لمتونة إلى الأندلس سنة ٤٧٨. والجزء الثالث: اختصرت فيه أخبار الدولة المرابطية اللمتونية وخروجهم من صحرائهم في ابتداء أمرهم واستيلائهم على مملكة أمراء المغرب والأندلس وخلعهم لجميعهم وتغلبهم على مملكة كل منهم وما تسنى لهم فيها من الفتوحات والمنوحات إلى حين ابتداء دولة الموحدين وظهورهم ونبذ من أحوالهم وأمورهم ثم ما كان بين أمراء الدولتين من مقاتلات ومنازلات وحصر من حصر ونصر من نصر - سمه الله لهم - وذلك إلى حين انقضاء الدولة المرابطية وابتداء دولة الموحدية ثم ما تخلل ذلك للموحدين من النصر والتأييد ومن فتوح ومنوح وصنع عجيب في البلاد الأفريقية والأندلسية إلى حين انقراض دولتهم وذلك بسبب أحداث حدثت عليهم وأحوال نسبت إليهم وذكرت الدولة الحفصية الموحدية الهتاتية في البلاد الأفريقية والدولة الهودية المتوكلية والنصرية الاحمرية في البلاد الأندلسية والدولة السعيدة

стр. 5

المرينية في البلاد الغربية اختصرت في ذلك كله ما اشتهر أمره وأمكنني ذكره وذكرت بعض البيعات والرسائل السلطانيات وما تعلق بها وكان بسببها من الوقائع المذكورات والأمور المشهورات وذلك إلى انقضاء الدولة الموحدية واستيلاء الإمارة اليوسفية المرينية على حضرتهم المراكشية وذلك على مرور السنين إلى عام ٦٦٧. قال المؤلف - سمح الله له - فإن كنت اقتصرت فيما اقتصرت فعذراً فيما ظهر من تقصير وباع قصير فان الذهن كليل والقلب شغيل وكنت قد نسخت نسخة من هذا الكتاب وربما زدت في هذه الثانية أو نقصت إذا كان الأولى بي والأحرى إلا القدم الأولى ولا أؤخر الأخرى ولكني ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا وحسبي الاعتراف فهو سبيل الإنصاف نسأل الله الإرشاد إلى سواء فهو حسبي ونعم الوكيل. ذكر حد المغرب وأفريقية وما اتصل بهما وعد معهما قال أبو مروان في كتاب (المقباس) وابن حمادة في كتاب (القبس) وغيرهما من المؤرخين لأخباره المعتنين بآثاره: إن حد المغرب هو من ضفة النيل بالإسكندرية التي تلي بلاد المغرب إلى آخر بلاد المغرب وحده مدينة سلاء وينقسم أقساما: فقسم من الإسكندرية إلى طرابلس وهو أكبرها وأقلها عمارة وقسم من طرابلس وهي بلاد الجريد ويقال أيضاً بلاد الزاب الأعلى ويلي هذه البلاد بلاد الزاب الأسفل وحدها إلى مدينة تيهرت ويليها بلاد المغرب وهي بلاد طنجة وحدها مدينة سلا وهي آخر المغرب وإذا جزت سلا وأخذت إلى ناحية الجنوب تركت مغرب الشمس يمنة وأخذت منها قافلا إلى قبلة فتسمى تلك البلاد تامسنا ويقال لها أيضاً بلاد السوس الأدنى وحدها إلى جبل درن وإذا جزت هذا الجبل فعن يمينك

стр. 6

بلاد السوس الأقصى ويقال لها بلاد ماسة ويتصل السوس الأقصى ببلاد الصحراء إلى السودان وهي بلاد الزهج وبلاد الأندلس أيضاً من المغرب وداخلة فيه لاتصالها به ويليها المجاز الأعظم الذي يسمى بحر الزقاق وفيه مصب البحر الكبير الذي يسمى المحبط ويقال له بحر الظلمات وهذا البحر لا يعلم له ساحل غير الذي عليه بلاد السودان وبلاد الكجوس الذين يلون بلاد الأندلس ويصب ماء الزقاق في البحر الرومي ويقال له أيضاً البحر الشامي وهو يتصل إلى البلاد الشام إلى ناحية القسطنطينية وبينه وبين بحر الزقاق الخليج الذي منه وذكر بن حمادة أن حد المغرب من بحر القلزوم وهو الهابط من اليمن إلى عدن إلى عيداب إلى القلزوم وإلى مصر قبلة وشرقا وحد المغرب من الجوف البحر الشامي وهو بحر الإسكندرية وهو المتفرغ في بحر الزقاق من جزيرة طريف وعلامته صنم قادس وحد المغرب من الغرب البحر المحيط المسمى الابلاية وصار المغرب كالجزيرة دخل فيه بعض أعمال مصر وأفريقية كلها والزاب والقيروان والسوس الأدنى والسوس الأقصى وبلاد الحبشة ومنه يتفرع نيل مصر. ذكر فضل المغرب وما ورد من الأخبار والآثار روي عن رسول الله ﷺ أنه قال (لا تزال طائفة من أمتي بالمغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) وذكر البخاري، عن النبي ﷺ قال: لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قياما فيقولون: غشيتم فيغشون سرعان خيلهم،

стр. 7

فيرجعون إليهم فيقولون: الجبال سيرت فيخرون سجدا فتنقبض أرواحهم) وروي أن رسول الله ﷺ كان يقول (خير الأرض مغاربها وأعوذ بالله من فتنة المغرب) وذكر خالد بن سعيد أن محمد بن عمر بن لبلاة كان يروى عن عبيد الله بن خالد عمن حدثه عن أبي زيد المصري يرفع الحديث عن أبي عباس ﵁ عن أبي أيوب الأنصاري قال: بينما رسول الله ﷺ واقف إذ توجه تلقاء المغرب فسلم وأشار بيده فقلت (على من تسلم يا رسول الله) قال (على رجال من أمتي يكونون في هذا المغرب بجزيرة يقال لها الأندلس حيهم مرابط وميثهم شديد وهم ممن استثنى الله من كتابه " فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ") وصح وعد رسول الله ﷺ إن الإسلام سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها فكان الأمر كما وعد وقال الحميدي في قول رسول الله ﷺ (لا يزال أهل الغرض ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة) هذا وإن كان عاما فللأندلس منه حظ وافر بدخولها في الإسلام وتحققها من الغرب وإنها عن آخر المعمور فيه وبعض ساحلها الغربي والبحر محيط بجميع جهاتها فصارت بين البحر والروم وروى الرفيق عن عبد الله بن وهب يرفع الحديث إلى النبي انه بعث سرية في سبيل الله فلما رجعوا ذكروا شدة البرد الذي أصابهم فقال رسول الله ﷺ (لكن أفريقية أشد بردا وأعظم أجرا) وعن سفيان بن عيينة أن النبي ﷺ قال (الشر عشرة أجزاء، فتسعة في المشرق، وواحد في سائر البلدان) . ويقال بأن أفريقية ساحلا يقال له المنستيد وهو باب من أبواب الجنة وبها جبل يقال له المطمور: باب من أبواب جهنم. وفي الحديث أن أفريقية يحشر منها سبعون ألف شهيد ووجوههم كالقمر ليلة البدر وعن سفيان بن عيينة قال يروي ان المغرب باب المنوبة مفتوحا مسيرة أربعين خريفا لا يغلغه الله حتى تطلع منه الشمس.

стр. 8

ودخل أفريقية من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الأولين ناس كثير ودخل الأندلس من التابعين قوم فأول من دخل أفريقية غازيا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاص وكان استفتح مصر سنة ٢٠ من الهجرة ووجه منها عقبة بن نافع الفهري إلى لوبية وأفريقية فافتتحهما ثم توجه عمرو بنفسه إلى برقة فصالح أهلها إلى الجزية: دينار على كل حالم وتوجه منها إلى طرابلس فافتتحهما بعد استغاثة أهلها بقبيل من البربر يقال لهم نفوسة إذا كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية. ابتداء التاريخ سنة إحدى وعشرين من الهجرة فيها افتتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية وفي سنة ٢٢ بعدها افتتح بلاد طرابلس وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يخبره بما أفاءه الله عليه من النصر والفتح وأن ليس أمامه إلا بلاد أفريقية وملوكها كثير وأهلها في عدد عظيم وأكثر ركوبهم الخيل فأمره بالانصراف عنها فأمر عمرو العسكر بالرحيل قافلا إلى مصر ثم استشهد عمرو ﵁ فلما ولي عثمان الخلافة عزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن أبي سرح سنة ٢٥ من الهجرة. وفي سنة ٢٧ من الهجرة أمر أمير المؤمنين عثمان عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري بغزو أفريقية. فتح أفريقية للإسلام ندب عثمان ﵁ الناس إلى غزوهم فخرج المسلمون في جيش عظيم فيهم مروان بن الحكم وجمع كثير من بني أمية وبشر كبير من بني أسد بن عبد

стр. 9

العزى وعن عبد الله بن الزبير بن العوام في عدة من قومه وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ وعن عبد الله بن عمر بن العاص والمطلب بن سائب وبشر ابن أرطأة وغير هؤلاء من المهاجرين وأعان عثمان المسلمين في هذه الغزوة بألف بعير يحمل عليها ضعفاء الناس وفتح بيوت السلاح التي كانت للمسلمين فلما توافى الناس جدوا السير وذلك في المحرم من هذه السنة وأمر الناس فعسكروا وقام فيها خطيبا فوعظهم وذكرهم وحرضهم على الجهاد ثم قال (وقد عهدت إلى عبد الله بن سعد أن يحسن صحبتكم ويرفق بكم وقد استعملت عليكم الحارث بن الحكم إلى أن تقدموا على ابن أبي سرح فيكون الأمر له) . بعض أخبار عبد الله بن سعد وإمرته نسبه: هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وكان يكتب الوحي إلى رسول الله ﷺ ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة وكان معاوية بن أبي سفيان بمكة قد أسلم وحسن إسلامه فاتخذه رسول الله ﷺ كاتبا للوحي بعد ابن أبي سرح فلما فتح النبي ﷺ مكة استجار ابن أبي سرح فأخذ له عثمان الأمان من النبي ﷺ وكان ابن أبي سرح أخا لعثمان من الرضاعة فحسن إسلامه من ذلك الوقت فلما أفضت الخلافة إلى عثمان ﵁ ولاه ملك مصر وجندها فكان يبعث المسلمين في جرائد الخيل يغيرون على أطراف أفريقية فيصيبون كثيراً من الأنفس والأموال فكتب إلى عثمان بذلك فكان السبب في توجيه الجيش إليه وتقديمه عليه وأمر له بالدخول لغزو أفريقية فخرج عبد الله من مصر في عشرين ألف إلى أفريقية وصاحبها بطريق يقال له جرجير وكان سلطانه من طرابلس إلى طنجة فبعث عبد الله السرايا في آفاق أفريقية فغنموا في كل وجه والتقى عبد الله مع

стр. 10

البطريق ضحى النهار في موضع يعرف بسبيطلة وكان جرجير في مائة وعشرين ألفا فضاق المسلمون في أمرهم واختلفوا على لين سعد في الرأي فدخل فسطاطه مفكرا في الأمر فلما رأى جرجير خيل العرب اشتد رعبه وأهمته نفسه فأخرج ديدبانه وصد فيه يشرف على العساكر ويرى القتال وأمر ابنته فصعدت الديدبان وسفرت عن وجهها وكان عدة خدمها اللائي صعدن الديدبان أربعين جارية في الحلي والحلل من أجمل ما يكون ثم قدم كراديسه كردوساً كردوسا وهو تحت الديدبان ثم قال لهم (أتتعرفون هذه) فقالوا (نعم هذه سيدتنا، ابنة الملك وهؤلاء خدمها) فقال لهم (وحق المسيح ودين النصرانية لئن قتل رجل منكم أمير العرب عبد الله بن سعد لأزوجه ابنتي هذه وأعطيه ما معها من الجواري والنعمة وأنزله المنزلة التي لا يطمع فيها أحد عندي) وما زال ذلك من قوله حتى مر على المسامع خيله ورجله فحرض بذلك تحريضاً شديدا. وإن عبد الله بن سعد لما انتهى إليه ما فعل جرجير وما كان من قوله نادى في عسكره فاجتمعوا فأخبرهم بالذي كان من جرجير ثم قال (وحق النبي محمد ﷺ لا قتل أحد منكم جرجير إلا نفلته ابنته ومن معها) ثم زحف المسلمين فالتقى الجمعان واستحر القتال واشتعلت نار الحرب والمسلمون قليل والمشركين في عشرين ومائة ألف وأشكل الأمر على ابن سعد ودخل فسطاطه مفكرا في الأمر. ذكر قتل عبد الله بن الزبير لجرجير ملك أفريقية والمغرب كله قال عبد الله بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير والناس على مصافهم

стр. 11

رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا عنهم معه جاريتان له تظلانه من الشمس بريش الطواويس فأتيت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه فقال له حاجبه (دعه فإنه يفكر في شأنكم ولو اتجه له رأي لدعا بالناس) فقلت (أني محتاج إلى مذكراته) فقال له (أمر في أن أحبس الناس عنه، حتى يدعوني) قال فدرت حتى كنت من وراء الفسطاط فرأى وجهي فأومأ إلي أن تعال فدخلت عليه وهو مستلق على فراشه فقال (ما جاء بك؟ يا بن الزبير) فقلت (رأيت عورة من عدونا. فرجوت أن تكون فرصة هيأها الله لنا، وخشيت الفوت) فقام من فوره وخرج حتى رأى ما رأيت فقال (أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم) فتسرع إلي جماعة اخترت منها ثلاثين فارسا فقلت (إني حامل فاصرفوا عن ظهري من أرادني فأني سأكفيكم ما أمامي إن شاء الله) قال عبد الله: فحملت في الوجه الذي هو فيه وذب عني الناس الذين انتدبوا معي واتبعوني حتى خرقت صفوفهم إلى أرض خالية فضاء بيني وبينهم فوالله ما حسب إلا أني رسول إليه حتى رأى ما بي من أثر السلاح فقدر أني هارب إليه فلما أدركته، طعنته، فسقط: فرميت نفسي عليه وألقت جارياته عليه أنفسهما فقطعت يد إحداهما، وأجهزت عليه ورفعت رأسه على رمحي وحال أصحابه وحمل المسلمون في ناحيتي وكبروا فانهزم الروم وقتلهم المسلمون كيف شاءوا وثارت الكمائن من كل جهة ومكان وسبقت خيول المسلمين ورجالهم إلى حضن سبيطلة فمنعوهم من دخوله. وركبهم المسلمون يمينا وشمالا في السهل والوعر فقتلوا أنجادهم وفرسانهم وأكثروا فيهم الأسرى حتى لقد كنت أرى في موضع واحد أكثر من ألف أسير. وذكر أشياخ من أهل أفريقية أن ابنة جرجير لما قتل أبوها تنازع الناس في قتله وهي ناظرة إليهم فقالت (قد رأيت الذي أدرك أبي، فقتله) .

стр. 12

فقال لها الأمير بن ابن أبي سرح (هل تعرفينه؟) فقالت (إذا رأيته، عرفته) قال فمر الناس بين يديها حتى مر عبد الله بن الزبير فقالت (هذا والمسيح قتل أبي) فقال له ابن أبي سرح (لم كتمتنا قتلك إياه) ؟ فقال عبد الله (علمه الذي قتلته من أجله) فقال الأمير (إذا والله أنفلك ابنته) فنفله ابن أبي سرح ابنة الملك جرجير فيقال إنه اتخذها أم ولد ولما انهزمت جيوش جرجير سار عبد الله بن أبي سرح حتى نزل باب مدينته العظمى قرطاجنة، فحصرها من كان معه من المسلمين حصارا شديدا أتى فتحت فأصاب فيها من السبي والأموال ما لم يحيط به الوصف وكان أكثر أموالهم الذهب والفضة فكانت توضع بين أيديه أكوام الفضة والذهب لأنه افترع أفريقية مبكرا فعجب هو والمسلمون من كثرة ذلك فقال للأفارقة: (من أين لكم هذا؟) فجعل الرجل منهم يلتمس شيئاً من الأرض حتى بنواة زيتون، فقال: (من هذا أصبنا الأموال لأن أهل البحر والجزر ليس لهم زيت فكانوا يمتارونه من هنا) فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينارا عينا وسهم الراجل ألف دينار وقسم ابن أبي سرح السرايا والغارات من مدينة سيبطلة فبلغت جيوشه بقصر قفصة فسبوا كثير وغنموا فأذلت هذه الوقعة الروم بأفريقية ورعبوا رعباً شديداً فجاءوا إلى الحصون والمعاقل ثم طلبوا من عبد الله بن سعد أن يقبض منهم ثلاثمائة قنطار من الذهب في السنة جزية على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم فقبل ذلك منهم وقبض المال وكان في شرط صلحهم أن ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه عليهم ودعا الأمير عبد الله بن سعد عبد الله بن الزبير فقال له (ما أحد أحق بالبشارة منك فامض فبشر أمير المؤمنين عثمان ﵁ بالمدينة، بما أفاء الله على المسلمين) فتوجه عبد الله بن الزبير

стр. 13

من سبيطلة فقيل إنه وافى المدينة في أربعة وعشرين يوما وكانت إقامته بأفريقية سنة وشهرين ثم وصل فيء أفريقية إلى المدينة فبيع المغنم فطفق مروان بن الحكم على الخمس فأخذ منه خمسين ألف دينار فسلم له من ذلك عثمان ﵁ فكان ذلك مما انتقد عليه. وفيه وفي رد الحكم أبيه بعد أن نفاه رسول الله ﷺ يقول عبد الرحمن أخو كندة: سأحلف بالله جهد اليمين ... ما ترك الله شيئا سدى ولاكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك وتبتلى دعوت اللعين فأدنيته ... خلافا لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس العباد ... ظلماً لهم وحميت الحمى وقال مروان بن الحكم يوما في مجلس معاوية (ثلاث لم أدخل فيهن حراما قط: داري بالمدينة، ومالي بذي خشب، وصدقات نسائي) فنظر معاوية إلى عبد الله بن الزبير وكان حاضراً فقال له (ما تقول؟ فإنك طعان) فقال (مهلا أبا عبد الملك خرجنا مع ابن أبي سرح إلى غزو أفريقية فوالله ما كان مروان أحسننا وجهها ولا أكثرنا نفقة، ولا أعظمنا في العدو نكاية فطفق على خمس أفريقية بم تعلم وتحابى له من تعلم فنى منه الدار واتخذ منه المال وتزوج منه النساء) فقال له مروان (أتطعن على أمير المؤمنين عثمان؟) فقال له معاوية (دعه وخذ مني غير هذا فإنك صحة ما أقول) قال الطبري (كان عثمان ﵀ قال لعبد الله بن سعد: إن فتح الله عليك أفريقية فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس نفلاً) فلما فتح أفريقية في هذه السنة وهي سنة ٢٧ قسم عبد الله الفيء على المسلمين فأبقى الخمس لنفسه وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان وضرب فسطاطه في أرض القيروان فوفد وفد على عثمان يشكون بابن أبي سرح فيما أخذ من

стр. 14

الخمس فقال لهم عثمان (أنا نفلته إياه وذلك الآن إليكم فإن رضيتم فقد جاز وإن غضبتم فهو رد) قالوا: (فإنا نسخط) فكتب عثمان إلى ابن سعد برد ذلك قالوا (فأعزله عنا أنا لا نريد أن تأمر علينا وقد وقع ما وقع فكتب إليه أن استخلف على أفريقية رجلا ترضاه ويرضونه واقسم خمس الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الأخماس فإنهم قد سخطوا النفل) ففعل ذلك عبد الله ورجع إلى مصر وقد فتح الله أفريقية فما زالوا من أسمع أهل الأقاليم وأطوعهم إلى زمن هشام بن عبد الملك ثم ورد الخمس على أمير المؤمنين عثمان فكان من أمر مروان بن الحكم فيما تقدم ذكره. وفي سنة ٢٨ غزا حبيب بن مسلمة قورية من أرض الروم ذكر ذلك الطبري وغيره. وفي سنة ٢٩ هجرة افتتح عبد الله بن عامر أرض فارس. وفي سنة ٣٠ سقط الخاتم من يد عثمان ﵁ في بئر اريس وقد ذكرنا خبر سقوطه في كتابنا المسمى (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة ٣١ كانت غزة ذات الصواري وغزة ذات الاساورة في قول الواقدي وفي سنة ٣٢ توفي عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو ابن خمس وسبعين سنة، وفيها مات عبد الله بن زيد بن عمرو بن نفيل وفيها مات أبو طلحة وأبو ذر ﵄ وبها توفي عبد الله بن مسعود فدفن بالبقيع. وفي سنة ٣٣ كانت غزوة عبد الله ابن أبي سرح أفريقية مرة ثانية حين نقض أهلها العهد هكذا ذكره عريب في مختصره وقد تقدم خبر ابن أبي سرح على الجملة دون تعيين سنة. وفي سنة ٣٤ مات عبادة بن الصامت في قول الواقدي وهو ابن اثنين وتسعين سنة ودفن بالرملة وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية وهي أول غزواته إلى المغرب ثم اشتغل الناس بعد ذلك بأمر عثمان ﵁ وبوقائع

стр. 15

الجمل وصفين وغيرهما إلى أن اعتدلت الخلافة إلى معاوية ابن أبي سفيان وفي سنة ٣٥ استشهد عثمان ﵁ واستخلفه أمير المؤمنين علي ﵁ فنازعه معاوية ولم يبايعه. وفي سنة ٣٦ عزل علي ﵁ ابن أبي سرح عن مصر وأقام عليها قيس بن عبادة الأنصاري. وفي سنة ٣٧ كان العامل على مصر محمد ابن أبي بكر الصديق وفي سنة ٣٨ قتل محمد ابن أبي بكر الصديق بمصر قتله معاوية ابن أبي حديج بأمر معاوية بن أبي سفيان وقد ذكرنا شرح مقتله في (البيان المشرق في أخبار المشرق) وفي سنة ٤٠ كانت مهادنة بين علي ﵁ وبين معاوية إلى أن توفي علي ﵁ وفيها دعي معاوية بأمير المؤمنين وكان قبل ذلك يدعى الأمير. وفي سنة ٤٠ المذكورة توفي أمير المؤمنين أبو الحسن علي ابن أبي طالب ﵁ وبويع بالخلافة ابنه الحسن ﵄ وفي سنة ٤١ كان تسليم الحسن ﵁ الأمر لمعاوية واستوسقت المملكة له وفيها غزا معاوية بن حديج أفريقية المرة الثانية قال عريب في مختصره: ذكر أهل العلم بأخبار أفريقية أن معاوية بن حديج نزل جبلا فيها، فأصابه فيها مطر شديد فقال (إن جبلنا هذا لممطوراً) فسمي البلاد ممطورا إلى الآن. وقال (اذهبوا بنا إلى ذلك القرن) فسمي ذلك الموقع قرنا وكانت لمعاوية هذا إلى أفريقية ثلاث غزوات. وفي سنة ٤٣ ولد الحجاج بن يوسف الثقفي وولى معاوية مروان بن الحكم المدينة وفيها غزا عقبة بن نافع أفريقية، قال عريب في مختصره للطبري: فيها غزا بن نافع المغرب وافتتح غدامس فقتل فيها وسبى. وفي سنة ٤٣ مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر فذكر إنه عمل فيها لعمر بن الخطاب ﵁ أربع سنين ولعثمان ﵁ أربع سنين ولمعاوية سنتين إلا شهراً

стр. 16

وفي سنة ٤٤ عمل مروان بن الحكم المقصورة بمسجد المدينة - كرمها الله - وعملها أيضاً معاوية في الشام. وفي سنة ٤٥ غزا معاوية بن حديج الكندي أفريقية وكانت حرباً كلها قال الطبري: وذلك أن حبابة الرومي قدم على معاوية بن أبي سفيان فسأله أن يبعث معه جيشاً إلى أفريقية فوجه معاوية بن حديج في عشرة آلاف مقاتل فسار حتى انتهى إلى الإسكندرية فاستعمل عليها حبابة الرومي ومضى ابن حديج حتى دخل أفريقية وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيه - وعن عبد الله ابن الزبير ﵁ وعن أبيه وعبد الملك بن مروان ويحيح ابن الحكم بن المعاصي وغيرهم من أشراف قريش فبعث ملك الروم إلى أفريقية بطريقاً يقال له نجفوراً في ثلاثين ألف مقاتل فنزل الساحل فخرج إليه معاوية بن حديج عبد الله بن الزبير في خيل كثيفة فسار حتى نزل على شرف عال ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة اثني عشر ميلا فلما بلغ ذلك نجفوراً اقلع في البحر منهزما من غير قتال فأقبل بن الزبير حتى نزل على باب سوسة فوقف على البحر وصلى بالمسلمين صلاة العصر والروم يتعجبون من جرأته فأجروا له خيلاً وابن الزبير مقبلا على صلاته لا يهوله خبرها حتى قضى الصلاة ثم ركب وخمل على الروم بمن معه فانكشفوا منهزمين ورجع ابن الزبير إلى معاوية ابن حديج وهو بجبل القرن. ثم وجه ابن حديج عبد الملك ابن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء فحاصرها وقتل من أهلها عدداً كثيراً حتى فتحها عنوة فقتل المقاتلة وسبى الذرية وأخذ جميع ما كان في المدينة وحمل ذلك كله إلى معاوية بن حديج فقسمه على المسلمين فيقال أنه أصاب كل رجل منهم مائتي مثقال وأغزى معاوية بن حديج جيشاً في البحر إلى صقلية في مائتي راكب

стр. 17

فسبوا وغنموا شهراً ثم انصرفوا إلى أفريقية بغنائم كثيرة ورقيق وأصنام منظومة بالجوهر فاقتسموا فيهم وبعث ابن حديج بالخمس إلى معاوية ابن أبي سفيان هكذا نص عريب في مختصره للطبري. أخبار معاوية بن حديج الكندي بأفريقية ذكر الرقيق في كتابه قال: كان هرقل ملك القسطنطينية العظمى ورومة يؤدي إليه كل نصراني في بر وبحر جزيته منهم المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومنهم صاحب طرابلس وصبرة ومنهم صاحب صقلية وروم أفريقية والأندلس فلما بلغه ما صالح عليه أهل أفريقية عبد الله ابن أبي سرح بعث إلى أفريقية بطريقاً يقال له اوليمة وأمره أن يأخذ ثلاثمائة قنطار من الذهب كما اخذ ابن أبي سرح فنزل قرطاجنة واخبرهم بذلك فأبوا عليه وقالوا (إن الذي كان بأيدينا من الأموال فدينا به أنفسنا من العرب وأما الملك فهو سيدنا فيأخذ عادته منا) وكان القائم بأمرهم رجلاً يقال له حبابة فطردوا وليمة الواصل إليهم واجتمع رأيهم على تقديم الاطربون وصار حبابة إلى الشام فقدم على معاوية فوصف له حال أفريقية فسأله أن يبعث معه جيشاً من العرب فوجه معه معاوية بن حديج في جيش كثيف وذلك سنة ٤٥ فسار ابن حديج حتى وصل أفريقية وقد صارت ناراً وكان معه جماعة وقد تقدم أكثرهم وبعث ملك الروم البطريق المتقدم ذكره في ثلاثين ألفاً فبعث ابن حديج إليه عبد الله ابن الزبير فقاتله فأقلع منهزماً في البحر وحاصر ابن حديج جلولا فكان يقاتلهم وسط النهار وينصرف إلى عسكره فلما انصرف ذات يوم نسى عبد الملك ابن مروان قوساً له معلقاً بشجرة فأنصرف إليها فإذا بجانب من سور المدينة قد انهدم فصاح في أثر الناس فرجعوا فكان بينهم قتال شديد حتى دخلت المدينة عنوة

стр. 18

واحتوى المسلمون على جميع ما فيها كما تقدم ذكره وكان بين معاوية ابن حديج وعبد الملك بن مروان تنازع في ذلك لان عبد الملك أراد محاباة إخوانه وأصحابه لأنه كان سبب فتح المدينة فقال حنش الصنعاني يوما لعبد الملك: (ما شأنك؟ فوالله لتلين الخلافة ويصير ذلك الأمر إليك فلا تغتم) فلما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بعث الحجاج بن يوسف لقتال عبد الله بن الزبير فأخذ حنش الصنعاني أسيراً وبعث إلى عبد الملك ابن مروان فلما وقف بين يديه: (ألست أنت الذي بشرتني بالخلافة يوم جلولاء؟) قال: (نعم) قال: (فلما ملت عني إلى ابن الزبير؟) فقال: (رأيته يريد الله ورأيتك تريد الدنيا فلذلك ملت إليك) فقال: (قد عفوت عنك) . وفي سنة ٤٦ قال البلاذري: أول من غزا صقلية معاوية بن حديج بعث إليها عبد الله بن قيس ففتحها وأصاب فيها أصناما من الذهب والفضة مكللة بجوهر فحملت إلى معاوية ابن أبي سفيان فبعث بها إلى الهند فأخذ ثمنها فأنكر الناس عليه ذلك إنكاراً كلياً وكان العامل على بلاد أفريقية من قبل معاوية ابن أبي سفيان معاوية بن حديج الكندي. وفي سنة ٤٧ عزل معاوية ابن أبي سفيان عبد الله بن عمرو بن العاص عن مصر وولاها معاوية بن حديج الكندي وكان عثمانياً فسار متوجهاً إليها من أفريقيا وكان قد قتل محمد ابن أبي بكر الصديق ﵁ فلقية عبد الرحمن ابن أبي بكر فقال له (يا معاوية قد أخذت أجره من معاوية ابن أبي سفيان حين قتلت محمد ابن أبي بكر الصديق ليوليك مصر فقد ولاكها) فقال (ما قتلت محمد ابن أبي بكر لولاية وإنما قتلته لما فعل بعثمان ﵁ وفي سنة ٤٨ كان العامل على مصر وأفريقية لمعاوية ابن أبي سفيان معاوية ابن حديج.

стр. 19

وفي سنة ٤٩ غزا عقبة بن نافع الفهري الروم في البحر بأهل مصر وفيها عزل معاوية مروان بن الحكم عن المدينة وأمر عليها سعيد بن العاص وكانت ولاية مروان المدينة لمعاوية ثماني سنين وشهرين. وفي سنة ٥٠ من الهجرة عزل معاوية بن سفيان معاوية بن حديج عن أفريقية وافره على ولاية مصر ووجه إلى أفريقية عقبة بن نافع الفهري. ذكر ولاية عقبة بن نافع أفريقية وغزواته فيها واختطاطه مدينة القيروان نسبه هو عقبة بن نافع بن عبد قبس بن لقبط بن عامر بن أمية بن طرف بن الحارث بن فهر ومن فهر بن مالك تفرقت القبائل وقال ابن أبي الفياض أن عقبة ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بسنة واحدة قال إبراهيم بن القاسم: ووصل عقبة بن نافع الفهري إلى أفريقية في عشرة آلاف من المسلمين فافتتحها ودخلها ووضع السيف في أهلها فإنني من بها من النصارى ثم قال (إن أفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام فإذا خرج منها رجع من كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون غزا للإسلام إلى آخر الدهر) فاتفق الناس على ذلك وأن يكون أهلها مرابطين وقالوا (نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط) فقال عقبة (إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركه صاحب البحر إلا وقد علم به) وإذا كان بينها وبين البحر ما يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون فلما اتفق رأيهم على ذلك قال (قربوها من السبخة فإن دوابكم الإبل وهي التي تحمل أثقالكم فإذا فرغنا منها لم يكن لنا بد من

стр. 20

الغزو والجهاد حتى يفتتح الله لنا منها الأول فالأول وتكون إبلنا على باب قصرنا في مراعيها آمنة من عادية البربر والنصارى) قال الاشبيلي في مسالكه (إن البربر حين دخلوا المغرب وجدوا الإفرنج قد سبقوهم إليه فأخلوهم حتى اصطلحوا على أن يسكن البربر الجبال وتسكن الإفرنج الاوطئة فبنوا المدائن بها. (رجع الخبر) وفي سنة ٥١ شرع عقبة ﵁ في ابتداء بناء مدينة القيروان وأجابه العري إلى ذلك ثم قالوا (إنك أمرتنا ببناء في شعاري وغياض لا ترام ونحن نخاف من السباع والحيات وغير ذلك) وكان في عسكره ثمانية عشر رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ وسائرهم من التابعين. فدعا الله سبحانه وأصحابه يؤمنون على دعائه ومضى إلى السبخة وواديها ونادى (أيتها الحيات والسباع نحن أصحاب رسول الله ﷺ فارحلوا عنا فأنا نازلون ومن وجدناه بعد هذا قتلناه) فنظر الناس بعد ذلك إلى أمر معجب من أن السباع تخرج من الشعرى وهي تحمل أشبالها سمعاً وطاعة والذئب يحمل جروه والحية تحمل أولادها. ونادى في الناس (كفوا عنهم حتى يرحلوا عنها) فلما خرج ما فيها من الوحش والسباع والهوام والناس ينظرون إليها حتى أوجعهم حر الشمس فلما لم يروا منها شيئاً دخلوا فأمرهم أن يقطعوا الشجر فأقام أهل أفريقية بعد ذلك أربعين عاما لا يرون فيها حياً أو عقرباً ولا سبعاً فاختط عقبة أولا دار الإمارة ثم أتى إلى موضع المسجد الأعظم فاختطه ولم يحدث فيها بناء فكان يصلي فيه وهو كذلك فاختلف عليه الناس في القبلة وقالوا (إن جميع أهل المغرب يضعون قبلتهم على قبلة هذا المسجد فأجهد نفسك في تقويمها) فأقاموا أياما ينظرون إلى مطالع الشتاء والصيف من النجوم ومشارق الشمس فلما رأى أمرهم قد اختلف بات مغموماً فدعا الله أن يفرج عنهم فأتاه آت في منامه فقال له (إذا أصبحت

стр. 21

فخذ اللواء في يدك واجعله على عنقك فإنك تسمع بين يديك تكبيراً ولا يسمعه أحد من المسلمين غيرك فانظر الموضع الذي ينقطع عنك فيه التكبير: فهو قبلتك ومحرابك وقد رضي الله لك أمر هذا العسكر وهذا المسجد وهذه المدينة وسوف يعز الله بها دينه ويذل بها من كفر به) فاستيقظ من منامه وهو جزع فتوضأ للصلاة وأخذ يصلي وهو في المسجد ومعه أشراف الناس فلما أفجر الصبح وصلى ركعتي الصبح بالمسلمين إذا بالتكبير بين يديه فقال لمن حوله (أتسمعون ما أسمع؟) فقالوا (لا) فعلم أن الأمر من عند الله فأخذ اللواء فوضعه على عنقه وأقبل يتبع التكبير حتى وصل إلى موضع المحراب فانقطع التكبير فركز لواءه وقال (هذا محرابكم) فاقتدى به سائر مساجد المدينة ثم أخذ الناس في بناء الدور والمساكن والمساجد وعمرت وشد الناس إليها المطايا من كل أفق وعظم قدره وكان دورها ثلاثة عشر ألف ذراع وستمائة ذراع حتى كمل أمرها. وكان عقبة خير وال خير أمير مستجاب الدعوة. وفي سنة ٥٥ استعمل معاوية ابن أبي سفيان على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد الأنصاري وعزل معاوية بن حدريج عن مصر وعزل عقبة بن نافع عن أفريقية فكانت ولايته عليها أربعة أعوام وكان معاوية قد ولى مسلمة مصر فلما ولي مسلمة الآن أفريقية عزل منها عقبة وولى عليها مولاه أبا المهاجر ديناراً وبقي هو صاحب مصر جمع ذلك كله معاوية له من أطراف إقليم مصر إلى طنجة وهو أول من جمع له المغرب كله فلم يزل واليا عليه حتى هلك معاوية ولاية أبي المهاجر أفريقية وعزل عقبة لما جمع معاوية ولاية المغرب لمسلمة بن مخلد استعمل عليه مولاه ديناراً ويكنى أبا المهاجر وعزل عقبة عن أفريقية فقيل لمسلمة بن مخلد

стр. 22

والي مصر لو استعملت عقبة وأقررته على أفريقية؟ فإن له فضلاً وسابقاً وهو الذي بنى القيروان فقال مسلمة (إن أبي المهاجر كأحدنا صبر علينا في غير ولاية ولا كبير نيل فنحن نحب أن نكافئه ونصطنعه) فقدم أبي المهاجر أفريقية فأساء عزل عقبة ونزل خارجا عن المدينة وكره أن ينزل الموضع الذي اختطه عقبة ومضى حتى خلفه بميلين مما يلي طريق تونس فاختط بها المدينة وأراد أن يكون له ذكرها ويفسد عمل عقبة فبنى مدينة وأخذ في عمرانها وأمر الناس أن تحرق القيروان ويعمروا مدينته فخرج عقبة منصرفاً وأدركه الخير في الطريق فتوجه إلى المشرق آسفاً على أبي المهاجر ودعا الله عليه أن يمكنه منه فبلغت أبي المهاجر دعوته فقال (هو عبد لا ترد دعوته) ولم يزل أبي المهاجر خائفاً منه نادماً على ما فعل معه ولما قدم عقبة على معاوية قال له (فتحت البلاد ودانت لي وبنيت المنازل واتخذت مسجداً للجماعة وسكنت الناس ثم أرسلت عبد الأنصار فأساء عزلي) فاعتذر له معاوية وقال له (قد عرفت مكان مسلمة بن مخلد من الإمام عثمان وبذله مهجته صابراً محتسباً طع من أطاعه من قومه ومواليه وأنا أرددك إلى عملك) وتراخى الأمر حتى توفي معاوية وأفضى الأمر إلى يزيد ابنه فلما علم حال عقبة قال (أدركها قبل أن تفسد) فرده والياً على أفريقية وقطعها على مسلمة بن مخلد والي مصر. وفي سنة ٥٦ من الهجرة دعا معاوية بن أبي سفيان إلى بيعة يزيد وجعله ولي عهده من بعده فانقاد له الناس كلهم إلا خمس نفر (الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس ﵃) . وفي سنة ٥٧ عزل معاوية مروان عن المدينة واستعمل الوليد بن عقبة

стр. 23

وكان العامل على مصر وأفريقية مسلمة بن مخلد وولى مسلمة على أفريقية أبو المهاجر وبقى الحال على ذلك إلى وفاة معاوية. وفي سنة ٦٠ توفي معاوية بن أبي سفيان يوم الجمعة منتصف رجب وهو ابن اثنين وثمانين سنة وتولى الخلافة من بعده يزيد ابنه وتلقب بالمستنصر بالله في بعض الأقوال وكنيته أبو خالد وقد ذكرنا أخباره في تأليف وفي سنة ٦١ كان مقتل الحسين بن علي ﵄ وفيها أظهر عبد الله بن الزبير الخلافة بمكة وخلع طاعة يزيد بن معاوية وخبرهما. وفي سنة ٦٢ ولى يزيد بن معاوية على بلاد أفريقية والمغرب كله عقبة ابن نافع الفهري وهي ولايته الثانية على أفريقية. ذكر فتح المغرب الأقصى على يد عقبة وغزواته فرحل عقبة من الشام ومعه خمسة وعشرون رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فلما مر على مسلمة بن مخلد صاحب مصر خرج إليه واعتذر من فعل أبي المهاجر وأقسم له إنه خالفه فيما صنع وإنه كان قد أوصاه بتقوى الله وحسن السيرة وأن يحسن عشرة عقبة فقبل منه عقبة ومضى خنقاً على أبي المهاجر حتى قدم أفريقية فأوثق أبي المهاجر في الحديد وأمر بتخريب مدينته التي بناها ورد الناس إلى القيروان وركب في وجوه العسكر ومن معه من الصحابة والتابعين فدار بهم حول مدينة القيروان وهو يدعو لها ويقول (يا رب املأها عابدين واملأها بالمطيعين لك واجعلها عزاً لدينك وذلاً على من كفر بك) ثم عزم ﵁ على الغزو في سبيل الله وترك بها جندا من المسلمين واستخلف عليهم زهير بن قبس البلوي وكان رجلاً صالحاً ودعا عقبة أولاده فقال لهم إني قد بعت نفسي من الله وعزمت على من كفر به حتى أقتل فيه وألحق به ولست أدري أتروني بعد يومي هذا) .

стр. 24

وفي سنة ٧٦ كان حدوث السكة في الإسلام وأمر أمير المؤمنين عبد الملك بضرب الدنانير والدراهم بنقش الإسلام. وفي سنة ٧٧ ثار المطرف بن المغيرة بن شعبة على عبد الملك بن مروان فكايده عبد الملك واحتال عليه إلى أن قتل وفيها كان قتل رؤساء الخوارج. ولاية حسان بن النعمان أفريقية والمغرب وفي سنة ٧٨ قدم حسان بن النعمان أفريقية اختاره لها عبد الملك بن مروان وقدمه على عسكر فيه أربعون ألف أقامه أولاً في مصر بالعسكر عدة لما يحدث ثم كتب إليه يأمره بالنهوض إلى أفريقية ويقول له (أني قد أطلقت يدك في أموال مصر فأعط من معك ومن ورد عليك وأعط الناس واخرج إلى بلاد أفريقية على بركة الله وعونه) . بعض أخبار حسان بن النعمان نسبه: هو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقيا بن عامر بن الازد قدم أفريقية في عسكر عظيم فلم يدخل المسلمون قط أفريقية بمثل ما دخلها حسان بن نعمان فلما حصل القيروان سأل أهل أفريقية (من اعظم ملوك بها قدراً؟) فقالوا (صاحب قرطاجنة دار ملك أفريقية فسار نعمان حتى نزل عليها وكان بها من الروم خلق لا يحصى كثرة فخرجوا إليه مع ملكهم فقاتلهم حسان بن نعمان حتى هزمه وقتل أكثرهم ثم نازلها حتى افتتحها وهي كانت دار الملك بأفريقية. ذكر قرطاجنة أفريقية ويسميها أهل تونس اليوم بالمعلقة وكانت قرطاجنة مدينة عظيمة تضرب أمواج البحر سورها وهي من مدينة تونس على اثني عشر ميلاً وكان بينهما قرى متصلة عامرة وكان البحر لم يخرق إلى

стр. 25

تونس وإنما انخرق بعد ذلك وفي هذه المدينة آثار عظيمة وأبنية ضخمة وأعمدة ثابتة غليظة تدل علة عظم قدرة الأمم الدائرة وأهل تونس إلى الآن لا يزالون يطلعون في خرابها على أعاجيب ومصانع لا تنقطع بطول الأزمان لمتأمل. فلما قدم حسان إليها وقتل فرسانها ورجالها اجتمع رأي من بقي بها على الفرار منها وكانت لهم مراكب كثيرة فمنهم من مضى إلى صقلية ومنهم مضى إلى الأندلس فلما انصرف عنها حسان وعلم أهل بواديها وأقاليمها هروب الملك عنها بادروا إليها فدخلوها فرحل إليها حسان ونزل عليها فحاصرها حصاراً شديداً حتى دخلها بالسيف فقتلهم قتلاً ذريعاً وسباهم ونهيهم وأرسل لمن حواليها فاجتمعوا إليه مسارعين خوفاً من عظيم سطوته وشدة بأسه فلما أتوه ولم يبق منهم أحد أمرهم بتخريب قرطاجنة وهدمها فخربوها حتى صارت كأمس الغابر ثم بلغه أن النصارى اجتمعوا وأمدهم البربر بعسكر عظيم في بلاد صطفورة فرحل إليهم حسان حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم وقتل الروم والبربر قتلاً ذريعاً وحمل عليهم أعنة خيله فما ترك في بلادهم موضعاً إلا وطئه ولجأ الروم هاربين خائفين باجة فتحصنوا بها وهرب البربر إلى إقليم بونة وانصرف حسان إلى القيروان. خبر حسان مع الملكة الكاهنة وهزيمتها له لما دخل حسان القيروان أراح بها أياماً ثم سأل أهلها عمن بقي من أعظم ملوك أفريقية ليسير إليه فيبيده أو يسلم فدلوه على امرأة بجبل أوراس يقال لها الكاهنة وجميع من بأفريقية من الروم منها خائفون وجميع البربر لها مطيعون (فإن قتلتها دان لك المغرب كله ولم يبق لك مضاد ولا معانداً) فدخل بجيوشه إليها وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من الجبل في عدد لا يحصى ولا يبلغ بالاستقصاء وسبقته إلى مدينة باغاية فأخرجت منها

стр. 26

الروم وهدمتها وظنت أن حسان يريد مدينة ليتحصن بها فبلغ خبرها حساناً فنزل بوادي مسكيانة فرجلت الكاهنة حتى نزلت على الوادي المذكور فكان هو يشرب من أعلى الوادي وهي من اسله فلما توافت الخيل دنا بعضهم من بعض فأبى حسان أن يقاتلها آخر النهار فبات الفريقان ليلتهم على سروجهم فلما أصبح الصباح التقى الجمعان فقاتلوا قتالاً لم يسمع بمثله وصبر الفريقان صبراً لم ينته أحد إليه إلى أن انهزم حسان بن النعمان ومن معه من المسلمين وقتلت الكاهنة العرب قتلاً ذريعاً وأسرت ثمانين رجلاً من أعيان أصحابه وسمي ذلك الوادي وادي العذارى واتبعته الكاهنة حتى خرج من عمل قابس فكتب حسان إلى أمير المؤمنين عبد الملك يخبره بذلك وإن أمم الغرب ليس لها غاية ولا يقف أحد منها على نهاية كلما بادت أمة خلفتها أمم وهي من الجهل والكثرة كسائمة النعم فعاد له جواب أمير المؤمنين يأمره أن يقيم حيثما وافاه الجواب فورد عليه في عمل برقة فأقام بها وبنى هنالك قصوراً تسمى إلى الآن بقصور حسان. وملكت الكاهنة المغرب كله بعد حسان خمس سنين فلما رأت إبطاء العرب عنها قالت للبربر إن العرب إنما يطلبون من أفريقية المدائن والذهب والفضة ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييئس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر فوجهت قومها إلى كل ناحية يقطعون الشجر ويهدمون الحصون فذكروا أن أفريقية كانت ظلاً واحداً من طرابلس إلى طنجة وقرى متصلة ومدائن منظمة حتى لم يكن في أقاليم الدنيا أكثر خيرات ولا أوصل بركات ولا أكثر مدائن حصوناً من إقليم أفريقيا والمغرب مسيرة ألف ميل في مثله فخربت الكاهنة ذلك كله وخرج يومئذ من النصارى والأفارقة خلق

стр. 27

كثير يستغيثون بما نزل بهم من الكاهنة فتفرقوا على الأندلس وسائر الجزر البحرية. وكانت الكاهنة لما أسرت ثمانين رجلاً من أصحاب حسان أحسنت إليهم وأرسلت بهم إلى حسان وحبست عندها خالد بن يزيد فقالت له يوماً: (ما رأيت في الرجال أجمل منك ولا أشجع وأنا أريد أن أرضعك فتكون أخاً لولدي) وكان له ابنان أحدهما بربري والآخر يوناني وقالت له (نحن جماعة البربر لنا رضاع: إذا فعلناه نتوارث به) فعمدت إلى دقيق الشعير فلثته بزيت وجعلته على ثديها ودعت ولديها وقالت (كلا معه على ثديي) ففعلا فقالت (قد صرتم اخوة) . ذكر مقتل الكاهنة الملكة ثم إن حسان توافت عليه فرسان العرب ورجالها من قبل أمير المؤمنين عبد الملك فدعا حسان عند ذلك برجل يشق به وبعثه إلى خالد بن يزيد بكتاب. فقراه وكتب في ظهره (أن البربر متفرقون لا نظام لهم ولا رأى عندهم فأطو المراحل وجدوا في السير) وجعل الكتاب في خبزة وجعلها زاداً للرجل ووجهه بها إلى الأمير حسان فلم يغب عن خالد بن زيد إلا يسيراً حتى خرجت الكاهنة ناثرة شعرها تضرب صدرها وتقول (يا ويلكم يا معشر البربر ذهب ملككم فيما يأكله الناس) فافترقوا يميناً وشمالاً يطلبون الرجل فساره الله تعالى حتى وصل حساناً فكسر الخبزة وقرأ الكتاب الذي كتب إليه خالد فوجده قد أفسدته النار فقال له حسان: (ارجع إليه) فقال الرجل: (إن المرأة كاهنة: لا يخفى عليها شيء من هذا) فرحل حسان بجنوده إليه وبلغ الكاهنة خبره فرحلت من جبل أوراس في خلق عظيم ورحل إليها حسان فلما كان في الليل قالت لبنيها: (إني مقتولة) وأعلمتهم أن رأسها مقطوع موضوعاً بين يدي ملك العرب

стр. 28

الأعظم الذي بعث حساناً فقال لها خالد: (فارحلي بنا وخلي له عن البلاد) فامتنعت ورأته عاراً لقومها فقال لها خالد وأولادها (فما نحن صانعون بعدك؟) فقالت: (أما أنت يا خالد فستدرك ملكاً عظيماً عند الملك الأعظم وأما أولادي فيدركون سلطاناً مع هذا الرجل الذي يقتلني ويعقدون للبربر غرائم) ثم قالت: (اركبوا واستأمنوا إليه) فركب خالد وأولادها في الليل وتوجهوا إلى حسان فأخبرها خالد بخبرها وإنها عملت قتلها، وقد وجهت إليك بأولادها فوكل بهما من يحفظهما وقدم خالد على أعنة الخيل وخرجت الكاهنة ناشرة شعرها فقالت انظروا ما دهمكم فأني مقتولة ثم التحم القتال واشتد الحرب والنزال فانهزمت الكاهنة واتبعها حسان حتى قتلها. وكان مع حسان جماعة من البربر استأمنوا إليه فلم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من قبائلهم اثني عشر ألفا يجاهدون مع العرب فأجابوه وأسلموا على يديه فعقد لولدي الكاهنة لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس وأخرجهم مع العرب يجولون في المغرب يقاتلون الروم ومن كفر من البربر وانصرف حسان إلى مدينة القيروان بعد ما حسن إسلام البربر وطاعتهم وذلك في شهر رمضان سنة ٨٣ وفي هذه السنة استقامت بلاد أفريقية لحسان بن النعمان فدون الدواوين وصالح على الخراج وكتبه على عجم أفريقية وعلى من أقام معهم على دين النصرانية. وأقام حسان بعد قتل الكاهنة لا يغزو أحداً ولا ينازعه أحداً ثم عزله عبد العزيز بن مروان الوالي على مصر وكان الوالي على مصر يولي على أفريقية فعزل حساناً وأمره بالقدوم عليه فعلم حسان ما أراد عبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك فعمد إلى الجوهر والذهب والفضة فجعله في قرب الماء وأظهر ما سوى ذلك من الأمتعة وأنواع الدواب والرقيق

стр. 29

وسائر أنواع الأموال فلما قدم على أمير مصر عبد العزيز بن مروان أهدى إليه مائتي جارية من بنات ملوك الروم والبربر فسلبه عبد العزيز جميع ما كان معه من الخيل والأحمال والأمتعة والوصائف والوصفان ورحل حسان بالأثقال التي بقيت له حتى قدم على الوليد فشكا له ما صنع به عبد العزيز فغضب الوليد على عمه عبد العزيز ثم قال لحسان لمن معه: (ائتوني بقرب الماء) ففرغ منها من الذهب والفضة والجوهر والياقوت ما استعظمه الوليد وعجب من أمر حسان فقال له الوليد (جزاك الله خيراً يا حسان) فقال (يا أمير المؤمنين إنما خرجت مجاهداً في سبيل الله وليس مثلى يخون الله والخليفة) فقال له الوليد: (أنا أردك إلى عملك وأحسن إليك وأثق بك) فحلف حسان (لا أولي لبني أمية أبداً) فغضب الوليد بن عبد الملك على عمه عبد العزيز. وكان حسان يسمى الشيخ الأمين وغزوات حسان لم تنضبط بتاريخ محقق ولا فتحه لمدينة قرطاجنة وتونس ولا قتله للكاهنة وذكر ابن قطان أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان دون أمر أخيه عبد الملك ولا مشورته. ذكر ولاية أبي عبد الرحمن موسى بن نصير أفريقية والمغرب وبعض أخباره رحمة الله عليه نسبه: قيل إنه من لخم وقيل من بكر بن وائل وذكر ابن بشكوال في كتاب (الصلة) له إنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد وكان موسى على خراج البصرة قدمه عليها عبد الملك بن مروان فاحتجن الأموال على ما ذكره لنفسه فأوصى الحجاج به ألا يفوته فخافه موسى وقصد إلى عبد

стр. 30

العزيز بن مروان صاحب مصر لانقطاع كان منه إليه فتوجه عبد العزيز مع موسى إلى الشام فوفدا على عبد الملك فأغرمه عبد الملك مائة ألف دينار فغرم عنه عبد العزيز نصفها وعاد مع عبد العزيز إلى مصر فولاه منها أفريقية. فأول فتوحه قلعة غزوان ونواحيها وبينها وبين القيروان مسيرة يوم كامل وبنواحي غزوان قبائل بربر بعث إليهم موسى خمسمائة فارس ففتحها الله فبلغ سببهم عشرة آلاف وهو أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى ثم وجه ابناً له اسمه عبد الله إلى بعض نواحي أفريقية فأتى بمائة ألف رأس من السبي ثم وجه ابنه مروان فأتى بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألفا فكتب موسى إلى عبد العزيز يعلمه بالفتح ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا وكان ذلك وهماً من الكاتب: كتب ثلاثين ألفا بدلا من ستين ألفا فلما قرأ عبد العزيز بن مروان الكتاب وأن الخمس من السبي ثلاثون ألفا استكثر ذلك ورأى إنه وهم من الكاتب لكثرته فكتب إلى موسى يقول له: (إنه قد بلغني كتابك تذكر أن خمس ما فاء الله عليك ثلاثون ألف رأس فاستكثرت ذلك وظننته وهماً من الكاتب فاكتب بالحقيقة) فكتب إليه موسى (قد كان ذلك وهماً من الكاتب على ما ظنه الأمير والخمس أيها الأمير ستون ألف رأس ثابتاً بلا وهم) فلما بلغه الكتاب عجب كل العجب وامتلئ سروراً وقد كان عبد الملك كتب إلى أخيه عبد العزيز (قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان وتوليه موسى وقد أمضى لك أمير المؤمنين ما كان من رأيك وولاية من وليت) فكتب عبد العزيز إلى أخيه يعلمه بالفتح وكتاب موسى ثم وجه عبد الملك رجلاً إلى موسى ليقبضن ذلك منه على ما ذكر فدفع موسى إليه مثل ذلك وزاد ألفا وكان موسى عند وصوله إلى أفريقية لما صار في الجيش الأول أتى عصفور حتى نزل على صدره فاخذ به موسى وذبحه ولطخ بدمه صدره

стр. 31

من فوق الثياب وطرحه على نفسه وقال (هو الفتح ورب الكعبة) . قال ابن قتيبة: فتح موسى بن نصير سجومه وقتل ملوكها وأمر أولاد عقبة: عياضاً وعثمان وأبا عبدة أن يأخذوا حقهم من قاتل أبيهم فقتلوا من أهل سجومه ستمائة رجل من كبارهم ثم قال لهم: (كفوا) فكفوا وذلك سنة ٨٣ (على قول من قال أنه ولي فيها) . ثم فتح موسى هوارة وزناته وكتامه فأغار عليهم وقتلهم وسباهم فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس وكان عليهم رجل يقال له طامون فبعث به موسى إلى عبد العزيز بن مروان فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة فسميت بركة طامون إلى اليوم وكانت قد قدمت على موسى فولى عليهم رجلاً منهم وأخذ منهم رهائن من خيارهم. وفي سنة ٨٥ توفى عبد العزيز بن مروان صاحب ملك مصر من قبل أخيه عبد الملك بن مروان ووليها عبد الله بن مروان أخو عبد الملك وكان عبد الملك بن مروان أراد أن يخلع أخاه عن مصر في هذه السنة على ما فعل من عزل حسان بن النعمان وفيئه فنهاه قبيصة بن ذويب وقال (لعل الموت يأتيه فنستريح منه) فكف عبد الملك عنه وبقيت نفسه تنازعه أن يخلعه فبينا هو على ذلك وروح بن زنباع الجذامي يقول له يوماً: (لو خلعته ما انفطح فيه عنزان) إذ دخل عليهما قبيصة فقال) (آجرك الله يا أمير المؤمنين في أخيك فقال (وهل توفي؟) قال: (نعم) فقال عبد الملك: (كفانا الله يا أبا زرعة ما كنا أجمعنا عليه) وكانت وفاة عبد العزيز في جمادى الأول من السنة المؤرخة. وفي سنة ٨٦ توفي عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين فكتب الوليد إلى عمه عبد الله بن مروان بولاية موسى بن نصير أفريقية والمغرب وقطعها عن عمه وكانت أكثر مدن أفريقية خالية باختلاف البرابر عليها.

стр. 32

فتح المغرب الأقصى على يد الأمير أبي عبد الرحمن موسى بن نصير ثم خرج موسى ﵀ غازياً من أفريقية إلى طنجة فوجد البربر قد هربوا إلى الغرب خوفاً من العرب فتبعهم وقتلهم قتلاً ذريعاً وسبى منهم سباً كثيراً حتى بلغ السوس الأدنى وهو بلاد درعة فلما رأى البربر ما نزل بهم استأمنوا وأطاعوا فولى عليهم والياً واستعمل مولاه طارقاً على طنجة وما والاها في سبعة عشر ألف من العرب واثني عشر ألف من البربر وأمر العرب أن يعلموا البربر القرآن وأن يفقهوهم في الدين ثم مضى موسى قافلاً إلى أفريقية. قال ابن القطان: وذكر أن موسى بن نصير بعث أثر بيعته للوليد في هذه السنة المؤرخة زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر فلم يلق حرباً منهم فرغبوا في الصلح منه فوجه رؤساءهم إلى موسى بن نصير فقبض رهونهم ثم عقد لعياش بن اخيل على مراكب أفريقية فمشى في البحر إلى صقلية فأصاب مدينة يقال لها سرقوسة فغنمها وجميع ما بها وقفل سالماً غانماً. ولما حمل أبو مدرك زرعة بن أبي زرعة رهائن المصامدة جمعهم موسى مع رهائن البربر الذين أخذهم إلى أفريقية والمغرب وكانوا على طنجة وجعل عليهم مولاه طارقاً ودخل بهم جزيرة الأندلس وترك موسى بن نصير سبعة عشر رجلاً من العرب يعلمونهم القرآن وشرائع الإسلام وقد كان عقبة بن نافع ترك فيهم بعض من أصحابه يعلمونهم القرآن والإسلام: منهم شاكر صاحب الرباط وغيره ولم يدخل المغرب الأقصى أحد من ولاة خلفاء بني أمية بالمشرق إلا عقبة بن نافع الفهري ولم يعرف المصامدة غيره وقيل أن أكثرهم أسلموا طوعاً على يديه ووصل موسى بن نصير بعده.

стр. 33

وفي سنة ٩٣ من الهجرة جاز طارق إلى الأندلس وافتتحها بمن كان معه من العرب والبرابر ورهائنهم الذين ترك موسى عنده والذين أخذهم حسان من المغرب الاوسط قبله. وكانت ولاية طارق على طنجة والمغرب الأقصى في سنة ٨٥ وفي هذا التاريخ تم إسلام أهل المغرب الأقصى وحولوا المساجد التي كان بناها المشركون إلى القبلة وجعلوا المنابر في مساجد الجماعات وفيها صنع مسجد اغمات هيلانة. ونسب طارق: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورنجوم بن نبرغاسن بن ولهاص بن بطوفت بن نفزاو فهو نفزي ذكر إنه من سبي البربر وكان مولى موسى بن نصير وفي سنة ٩٢ جاز موسى بن نصير إلى الأندلس فعبر البحر غاضباً على طارق ومشى على غير طريقه وفتح فتوحاً كثيرة يقع ذكرها إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب في فتح الأندلس. وفيها ولى عبد الله بن موسى أفريقية عوضاً من أبيه حين توجه إلى الأندلس إلى أن وصل أبوه منها متوجهاً إلى المشرق فقدم مدينة قيروان في أواخر سنة ٩٥. وفي سنة ٩٥ انصرف موسى من الأندلس إلى أفريقية بما أفاء الله عليه فأجاز الأموال من الذهب والفضة والجوهر في المراكب إلى طنجة ثم حملها على العجلات. قال الرفيق: كانت وسق مائة عجلة وأربع عشرة عجلة وفيها المائدة وكانت من ذهب يشوبه شيء من فضة مطوفة بثلاثة أطواق: طوق ياقوت وطوق زبرجد وطوق جوهر وحملت يوماً على بغل عظيم أفره وأقوى ما وجد فما بلغ المرحلة حتى تفسخت قوائمه. قال الليث بن سعد: لم يسمع بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام.

стр. 34

ولما قدم عليه ابنه من السوس خرج للقائه مع وجوه الناس فلما التقيا قال مروان بن موسى لرجاله: (مروا لكل من خرج مع والدي بوصيف أو وصيفة) وقال موسى: (مروا أنتم لهم من عندي بمثل ذلك) فرجع الناس كلهم بوصيف أو وصيفة ومن أخبار موسى بن نصير أيضاً ﵀ لما انصرف من الأندلس ولى عليها ابنه عبد العزيز وشخص قافلاً إلى أفريقية فقدم القيروان في آخر سنة ٩٥ فلم يدخلها ونزل بقصر الماء ثم قعد في مجلسه وجاءته جيوش العرب من القيروان فمنهم من سافر معه ومنهم مع تخلف مع ابنه عبد الله بأفريقية فقال لأصحابه: (أصبحت اليوم في ثلاث نعم: منها كتاب أمير المؤمنين بالشكر والثناء ثم وصف ما جرى الله على يديه من الفتوحات ثم كتاب ابني عبد العزيز يصف ما فتح الله عليه في الأندلس بحمد الله تعالى. فقاموا إليه فهنئوه وما الثالثة فأنا أريكموها وقام فأمر برفع الستر فإذا فيه جوار مختلفات كأنهن البدور الطوالع من بنات ملوك الروم والبربر عليهن الحلي والحلل) فهنئ أيضاً بذلك فقال علي ابن رباح السلمي (أيها الأمير أنا انصح الناس إليك: ما من شيء انتهى إلا ورجع فارجع قبل أن يرجع إليك) قال: فانكسر موسى وفرق جواريه من حينه على الناس. ثم رحل إلى المشرق وخلف على أفريقية ابنه عبد الله وعلى الأندلس ابنه عبد العزيز وعلى طنجة ابنه عبد الملك وقال ابن القطان: الأكثرون يقولون أن مستقر طارق قبل محاولة الأندلس كان طنجة ومنهم من يقول كان بموضع سجلماسة وإن سلا وما ورائها من أرض فاس وطنجة وسبتة كانت للنصارى قال: واختلف الناس هل دخل موسى القيروان في هذه الوجهة أم لا. ثم رحل عنها مه بقية أولاده: مروان، وعبد الأعلى وغيرهما ومعه أشراف الناس من قريش والأنصار وسائر العرب ومن وجوه البربر مائة

стр. 35

منهم كسيلة بن لمزم وبنو يسور ومزدانة ملك السوس وملك مبورقة ومتورقة ومن أولاد الكاهنة ومائة من وجوه ملوك الأندلسيين وعشرون ملكاً من ملوك المدائن التي افتتحها بأفريقية وخرجوا معه بأصناف ما كان في كل بلد من طرفها حتى انتهى إلى مصر فلم يبق بها فقيه ولا شريف إلا وصله وأعطاه ثم خرج من مصر متوجها إلى فلسطين فتلقاه آل روح بن زنباع ونحروا له خمسين بعيراً ثم خرج وترك لهم عندهم بعض أهله وصغار ولده فأعطى آل روح بن زنباع عطاء جزلا ثم وافاه كتاب الخليفة الوليد بن عبد الملك يأمره بشد السير إليه ليدركه في قيد الحياة وكان مريضاً ووفاه كتاب من سليمان بن عبد الملك ولي عهد أخيه الوليد يأمره بالتأني والتربص فأسرع موسى ولم ينظر في كتاب سليمان إلى أن وصل إلى الوليد قبل موته بثلاث أيام فقال سليمان: (لئن ظفرت به لأصلبنه) فدفع موسى الأموال والمائدة والدر والياقوت والتيجان والذهب والفضة إلى الوليد بن عبد الملك. وقال المسعودي في كتابه (عجائب البلاد والزمان) قال: لما فتح طارق طليطلة وجد بها بيت الملوك ففتحه فوجد فيه زبور داود - عم - في ورقات الذهب مكتوباً بماء ياقوت محلول من عجيب العمل الذي لم يكد ير مثله ومائدة سليمان - عم - وقد تقدم وصفها ووجد فيه أربعة وعشرين تاجاً منظمة بعدد ملوك القوطيين بالأندلس: إذا توفي أحدهم جعل تاجه بذلك البيت وفعل الملك بعده لنفسه غيره جرت عوائدهم على ذلك ووجد فيه قاعة كبيرة مملوءة بإكسير الكيمياء فحمل ذلك كله إلى الوليد بن عبد الملك. وفي سنة ٩٦ توفى الوليد بن عبد الملك في جمادى الأخير وولي الخلافة سليمان فغضب على موسى غضباً عظيماً وأمر عليه فأوقف في يوم شديد الحر في الشمس وكان رجلاً بادناً ذا نسمة فوقف حتى سقط مغشياً

стр. 36

عليه وقال له سليمان (كتبت إليك فلم تنظر كتابي هلم مائة ألف دينار) قال (يا أمير المؤمنين قد أخذتم ما كان معي من الأموال فمن أين لي مائة ألف دينار؟) قال: (لابد من مائتي ألف) فاعتذر فقال (لا بد من ثلاثمائة ألف دينار) وأمر بتعذيبه وعزم على قتله فاستجار بيزيد ابن المهلب وكانت له حظوة عند سليمان فاستوهبه منه وقال (يؤدي ما عنده) وقيل أن موسى افتدي من سليمان بألف ألف دينار ذكر ذلك بن حبيب وغيره ثم أن يزيد بن المهلب سهر ليلة مع الأمير موسى فقال له: (يا أبا عبد الرحمن في كم كنت تعتد أنت وأهل بيتك من الموالي والخدام؟ أتكونون في ألف؟) فقال (نعم) وألف ألف إلى منقطع النفس قال (فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك؟ والله لو أردت ذلك لما أنالوا من أطرافي شيئاً ولكني آثرت الله ورسوله ولم أر الخروج عن الطاعة) وقيل أن سليمان بن عبد الملك بعد ما افتدي منه موسى دعا يوماً بطست من ذهب فرآه موسى ينظر إليه فقال له: (يا أمير المؤمنين إنك لتعجب من غير عجب والله ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله لو بعثت إلى أخيك الوليد بتنور من زبرجد أخضر كان يصب فيه اللبن فيخضر ولقد قوم بمائة ألف دينار ولقد أصبت كذا بكذا) وجعل يكثر عليه في ذلك حتى بهت الأمير من قوله. وكان مولد موسى بن نصير سنة ١٩ ووفاته سنة ٩٨ فكان عمره تسعاً وسبعين سنة وفي سنة ٨٨ ولي أفريقية فأقام عليها أميراً وعلى الأندلس والمغرب كله نحو ثمان عشر سنة إلى أن مات ومما ذكر في وفاته أنه حج مع سليمان فلما وصلا المدينة قال موسى بن نصير لأصحابه: (ليموتن بعد غد رجل قد ملئ ذكره المشرق والمغرب) فمات موسى في ذلك اليوم.

стр. 37

ولاية محمد بن يزيد أفريقية والمغرب قال الواقدي: ثم أن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن حيوة: (أريد رجلاً له فضل في نفسه أوليه أفريقية) ، فقال له: (نعم) فمكث أياماً ثم قال: (قد وجدت رجلاً له فضل) قال: (من هو؟) قال: (محمد بن يزيد مولى قريش) فقال: (أدخله علي) فأدخله عليه فقال سليمان: (يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لا شريك له وقم فيما وليتك بالحق والعدل وقد وليتك أفريقية والمغرب كله) قال فودعه وانصرف وهو يقول: (ما لي عذر عند الله ما لم أعدل) وفي سنة ٩٧ من الهجرة استقر محمد بن يزيد بأفريقية بأحسن سيرة وأعدلها ثم وصله الأمر بأخذ عبد الله موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى فسجنه محمد وعذبه ثم قتله بعد ذلك وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده وكل من تلبس به واستئصال أموالهم وتعذيبهم حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار وتولى قتل عبد الله بن موسى خالد ابن أبي حبيب القرشي وأما عبد العزيز بن موسى فخلع دعوة بني مروان واستبد بأمره لما بلغه ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته وجاءت الكتب إلى حبيب بن أبي عبده ووجوه العرب من سليمان بن عبد الملك يأمرهم بقتله فقتلوه وحمل رأسه ورأسه أخيه عبد الله حتى وضعا بين يدي أبيهما موسى وهو في عذابه فكان فعل سليمان هذا بموسى وبنيه وقد فعل من الفتح في الإسلام ما فعل من هفوات سليمان التي تزل تنقم عليه. واستعمل محمد بن يزيد على الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي وكانت الأندلس إذ ذاك إلى والى أفريقية كما كان أيضاً والي أفريقية من قبل والي مصر وكان محمد بن يزيد يبعث بسرية إلى ثغور أفريقية فما أصابه قسمه عليهم وكانت ولايته سنتين واشهر.

стр. 38

وفي سنة ٩٩ توفي سليمان بن عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ يوم وفاته فاستعمل على أفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم. وفي سنة ١٠٠ ولي إسماعيل بن أبي المهاجر أفريقية من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فكان خير أمير وخير وال وما زال حريصاً على دعاء البربر إلى الإسلام حتى اسلم بقية البربر بأفريقية على يده في دولة عمر بن عبد العزيز وهو الذي علم أهل أفريقية الحلال والحرام وبعث معه عمر ﵁ عشرة من التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي وغيرهما وكانت الخمر بأفريقية حلالاً حتى وصل هؤلاء التابعون فبنوا تحريمها ﵁. وفيها استخلف إسماعيل بن أبي المهاجر على الأندلس السمح بن مالك الخولاني فكان حلوله بها في رمضان من السنة. وفي سنة ١٠١ توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان لست خلون من شعبان فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وولي الخلافة بعده يزيد ابن عبد الملك فولى على أفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وصاحب شرطته. وفي سنة ١٠٢ قدم إلى أفريقية والياً عليها يزيد ابن أبي مسلم وكان ظلوماً غشوماً وكان البربر يحسنونه فقام على المنبر خطيباً فقال (أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما نصنع ملوك الروم يحرسها فأرسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به) فلما سمعوا ذلك منه أعني حرسه اتفقوا على قتله وقالوا: (جعلنا بمنزلة النصارى) فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه فتكلم في رجل

стр. 39

يقوم بأمرهم حتى يأتيهم أمر الخليفة فتراضوا بالمغيرة بن أبي بردة وكان شجاعاً كبيراً فقال له ابنه عبد الله: (إن يزيد ابن أبي مسلم قتل بحضرتك فإن قمت بهذا الأمر اتهمت بقتله ولكن الرأي أن نتراضى لمحمد ابن أوس الأنصاري) وكان غازياً بصقلية فلم يلبث يسيراً حتى قدم بغنائم قد أصابها فقلدوه أمر الخليفة فكتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما حدث من الأمر فاستعمل على أفريقية بشر بن صفوان. ولاية بشر بن صفوان أفريقية هو بشر بن صفوان بن توبل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحبل ابن عزيز ابن خالد ولي أفريقية سنة ١٠٣ فاستصفى بقايا آل موسى بن نصير ووفد بعد ذلك إلى يزيد ابن عبد الملك فألفاه قد هلك. وفي سنة ١٠٥ هلك يزيد بن عبد الملك في ربيع الأول وولى هشام بن عبد الملك فرد بشر بن صفوان إلى أفريقية فلما قدمها ولي على الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبي ثم أن بشر بن صفوان غزا بنفسه صقلية فأصاب بها سبياً كثيرا وقفل إلى القيروان فلما حضرته الوفاة قالت جاريته: (وا شماتة الأعداء) فقال لها: (قولي للأعداء لا يموت) واستخلف العباس بن باضعة الكلبي. وفي سنة ١٠٧ ولي بشر بن صفوان على الأندلس يحي بن سلمة الكلبي فقدمها في شوال وفي هذه السنة اختلط أمر ولاة مصر اختلاطا كثيراً وفي سنة ١٠٩ توفي بشر بن صفوان والى أفريقية بمدينة القيروان فكانت ولايته سبع سنين وبقى نائبه على القيروان حتى وصل وال من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك.

стр. 40

ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي أفريقية والمغرب وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي صاحب خيل معاوية بصفين فقدم أفريقية سنة ١١٠ في ربيع الأول فدخل القيروان فجأة وذلك يوم الجمعة فألفى خليفة بشر بن صفوان قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه فقيل له: (هذا عبيدة قد قدم أميراً) فقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا تقوم الساعة بغتة) وألقى بنفسه فما حملته رجلاه ودخل عبيدة فأخذ عمال بشر وأصحابه فحبسهم وأغرمهم وعذب بعضهم. وفي سنة ١١٠ ولى عبيدة بن عبد الرحمن المذكور عثمان بن أبي نسمة على الأندلس فقدمها في شعبان. وفي سنة ١١١ قدم إلى الأندلس والياً أيضاً من قبل عبيدة بن عبد الرحمن صاحب أفريقية والمغرب كله حذيفة بن الاحوص القيسي وقيل: الاشجعي وذلك في غرة محرم من السنة المذكورة. وفي سنة ١١٢ ولى عبيدة المذكور على الأندلس أيضاً الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في محرم أيضاً من هذه السنة ثم توفي سنة ١١٤ وكانت ولايته سنتين وأياماً ولما أخذ عبيدة عمال بشر وأصحابه وأغرمهم وعذبهم كان فيهم أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي وكان شريفاً في قومه مع صفاحة وبراعة وكان ولي في أفريقية ولايات كبيرة في أيام بشر بن صفوان فعزله عبيدة ونكل به فقال طويل: أفألم بني مروان فيها دماءنا ... وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل تعاميتم عنا بعين جلية ... وأنتم كذا ما قد علمنا لنا فعل
следующие страницы →