← История

История · id 11782

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ابن عذاري المراكشي

Полный текст (609 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليه وقال له سليمان (كتبت إليك فلم تنظر كتابي هلم مائة ألف دينار) قال (يا أمير المؤمنين قد أخذتم ما كان معي من الأموال فمن أين لي مائة ألف دينار؟) قال: (لابد من مائتي ألف) فاعتذر فقال (لا بد من ثلاثمائة ألف دينار) وأمر بتعذيبه وعزم على قتله فاستجار بيزيد ابن المهلب وكانت له حظوة عند سليمان فاستوهبه منه وقال (يؤدي ما عنده) وقيل أن موسى افتدي من سليمان بألف ألف دينار ذكر ذلك بن حبيب وغيره ثم أن يزيد بن المهلب سهر ليلة مع الأمير موسى فقال له: (يا أبا عبد الرحمن في كم كنت تعتد أنت وأهل بيتك من الموالي والخدام؟ أتكونون في ألف؟) فقال (نعم) وألف ألف إلى منقطع النفس قال (فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك؟ والله لو أردت ذلك لما أنالوا من أطرافي شيئاً ولكني آثرت الله ورسوله ولم أر الخروج عن الطاعة) وقيل أن سليمان بن عبد الملك بعد ما افتدي منه موسى دعا يوماً بطست من ذهب فرآه موسى ينظر إليه فقال له: (يا أمير المؤمنين إنك لتعجب من غير عجب والله ما أحسب أن فيه عشرة آلاف دينار والله لو بعثت إلى أخيك الوليد بتنور من زبرجد أخضر كان يصب فيه اللبن فيخضر ولقد قوم بمائة ألف دينار ولقد أصبت كذا بكذا) وجعل يكثر عليه في ذلك حتى بهت الأمير من قوله. وكان مولد موسى بن نصير سنة ١٩ ووفاته سنة ٩٨ فكان عمره تسعاً وسبعين سنة وفي سنة ٨٨ ولي أفريقية فأقام عليها أميراً وعلى الأندلس والمغرب كله نحو ثمان عشر سنة إلى أن مات ومما ذكر في وفاته أنه حج مع سليمان فلما وصلا المدينة قال موسى بن نصير لأصحابه: (ليموتن بعد غد رجل قد ملئ ذكره المشرق والمغرب) فمات موسى في ذلك اليوم.

стр. 37

ولاية محمد بن يزيد أفريقية والمغرب قال الواقدي: ثم أن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك قال لرجاء بن حيوة: (أريد رجلاً له فضل في نفسه أوليه أفريقية) ، فقال له: (نعم) فمكث أياماً ثم قال: (قد وجدت رجلاً له فضل) قال: (من هو؟) قال: (محمد بن يزيد مولى قريش) فقال: (أدخله علي) فأدخله عليه فقال سليمان: (يا محمد بن يزيد اتق الله وحده لا شريك له وقم فيما وليتك بالحق والعدل وقد وليتك أفريقية والمغرب كله) قال فودعه وانصرف وهو يقول: (ما لي عذر عند الله ما لم أعدل) وفي سنة ٩٧ من الهجرة استقر محمد بن يزيد بأفريقية بأحسن سيرة وأعدلها ثم وصله الأمر بأخذ عبد الله موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى فسجنه محمد وعذبه ثم قتله بعد ذلك وكان سليمان قد أمره بأخذ أهل موسى وولده وكل من تلبس به واستئصال أموالهم وتعذيبهم حتى يؤدوا ثلاثمائة ألف دينار وتولى قتل عبد الله بن موسى خالد ابن أبي حبيب القرشي وأما عبد العزيز بن موسى فخلع دعوة بني مروان واستبد بأمره لما بلغه ما نزل بأبيه وأخيه وأهل بيته وجاءت الكتب إلى حبيب بن أبي عبده ووجوه العرب من سليمان بن عبد الملك يأمرهم بقتله فقتلوه وحمل رأسه ورأسه أخيه عبد الله حتى وضعا بين يدي أبيهما موسى وهو في عذابه فكان فعل سليمان هذا بموسى وبنيه وقد فعل من الفتح في الإسلام ما فعل من هفوات سليمان التي تزل تنقم عليه. واستعمل محمد بن يزيد على الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي وكانت الأندلس إذ ذاك إلى والى أفريقية كما كان أيضاً والي أفريقية من قبل والي مصر وكان محمد بن يزيد يبعث بسرية إلى ثغور أفريقية فما أصابه قسمه عليهم وكانت ولايته سنتين واشهر.

стр. 38

وفي سنة ٩٩ توفي سليمان بن عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ يوم وفاته فاستعمل على أفريقية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم. وفي سنة ١٠٠ ولي إسماعيل بن أبي المهاجر أفريقية من قبل أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فكان خير أمير وخير وال وما زال حريصاً على دعاء البربر إلى الإسلام حتى اسلم بقية البربر بأفريقية على يده في دولة عمر بن عبد العزيز وهو الذي علم أهل أفريقية الحلال والحرام وبعث معه عمر ﵁ عشرة من التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن نافع وسعد بن مسعود التجيبي وغيرهما وكانت الخمر بأفريقية حلالاً حتى وصل هؤلاء التابعون فبنوا تحريمها ﵁. وفيها استخلف إسماعيل بن أبي المهاجر على الأندلس السمح بن مالك الخولاني فكان حلوله بها في رمضان من السنة. وفي سنة ١٠١ توفي عمر بن عبد العزيز ﵁ بدير سمعان لست خلون من شعبان فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وولي الخلافة بعده يزيد ابن عبد الملك فولى على أفريقية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج بن يوسف وصاحب شرطته. وفي سنة ١٠٢ قدم إلى أفريقية والياً عليها يزيد ابن أبي مسلم وكان ظلوماً غشوماً وكان البربر يحسنونه فقام على المنبر خطيباً فقال (أني رأيت أن أرسم اسم حرسي في أيديهم كما نصنع ملوك الروم يحرسها فأرسم في يمين الرجل اسمه وفي يساره حرسي ليعرفوا بذلك من بين سائر الناس فإذا وقفوا على أحد أسرع لما أمرت به) فلما سمعوا ذلك منه أعني حرسه اتفقوا على قتله وقالوا: (جعلنا بمنزلة النصارى) فلما خرج من داره إلى المسجد لصلاة المغرب قتلوه في مصلاه فتكلم في رجل

стр. 39

يقوم بأمرهم حتى يأتيهم أمر الخليفة فتراضوا بالمغيرة بن أبي بردة وكان شجاعاً كبيراً فقال له ابنه عبد الله: (إن يزيد ابن أبي مسلم قتل بحضرتك فإن قمت بهذا الأمر اتهمت بقتله ولكن الرأي أن نتراضى لمحمد ابن أوس الأنصاري) وكان غازياً بصقلية فلم يلبث يسيراً حتى قدم بغنائم قد أصابها فقلدوه أمر الخليفة فكتب إلى يزيد بن عبد الملك يخبره بما حدث من الأمر فاستعمل على أفريقية بشر بن صفوان. ولاية بشر بن صفوان أفريقية هو بشر بن صفوان بن توبل بن بشر بن حنظلة بن علقمة بن شراحبل ابن عزيز ابن خالد ولي أفريقية سنة ١٠٣ فاستصفى بقايا آل موسى بن نصير ووفد بعد ذلك إلى يزيد ابن عبد الملك فألفاه قد هلك. وفي سنة ١٠٥ هلك يزيد بن عبد الملك في ربيع الأول وولى هشام بن عبد الملك فرد بشر بن صفوان إلى أفريقية فلما قدمها ولي على الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبي ثم أن بشر بن صفوان غزا بنفسه صقلية فأصاب بها سبياً كثيرا وقفل إلى القيروان فلما حضرته الوفاة قالت جاريته: (وا شماتة الأعداء) فقال لها: (قولي للأعداء لا يموت) واستخلف العباس بن باضعة الكلبي. وفي سنة ١٠٧ ولي بشر بن صفوان على الأندلس يحي بن سلمة الكلبي فقدمها في شوال وفي هذه السنة اختلط أمر ولاة مصر اختلاطا كثيراً وفي سنة ١٠٩ توفي بشر بن صفوان والى أفريقية بمدينة القيروان فكانت ولايته سبع سنين وبقى نائبه على القيروان حتى وصل وال من قبل الخليفة هشام بن عبد الملك.

стр. 40

ولاية عبيدة بن عبد الرحمن السلمي أفريقية والمغرب وهو ابن أخي أبي الأعور السلمي صاحب خيل معاوية بصفين فقدم أفريقية سنة ١١٠ في ربيع الأول فدخل القيروان فجأة وذلك يوم الجمعة فألفى خليفة بشر بن صفوان قد تهيأ لشهود الجمعة ولبس ثيابه فقيل له: (هذا عبيدة قد قدم أميراً) فقال: (لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا تقوم الساعة بغتة) وألقى بنفسه فما حملته رجلاه ودخل عبيدة فأخذ عمال بشر وأصحابه فحبسهم وأغرمهم وعذب بعضهم. وفي سنة ١١٠ ولى عبيدة بن عبد الرحمن المذكور عثمان بن أبي نسمة على الأندلس فقدمها في شعبان. وفي سنة ١١١ قدم إلى الأندلس والياً أيضاً من قبل عبيدة بن عبد الرحمن صاحب أفريقية والمغرب كله حذيفة بن الاحوص القيسي وقيل: الاشجعي وذلك في غرة محرم من السنة المذكورة. وفي سنة ١١٢ ولى عبيدة المذكور على الأندلس أيضاً الهيثم بن عبيد الكناني فقدمها في محرم أيضاً من هذه السنة ثم توفي سنة ١١٤ وكانت ولايته سنتين وأياماً ولما أخذ عبيدة عمال بشر وأصحابه وأغرمهم وعذبهم كان فيهم أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي وكان شريفاً في قومه مع صفاحة وبراعة وكان ولي في أفريقية ولايات كبيرة في أيام بشر بن صفوان فعزله عبيدة ونكل به فقال طويل: أفألم بني مروان فيها دماءنا ... وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل كأنكم لم تشهدوا مرج راهط ... ولم تعلموا من كان ثم له الفضل تعاميتم عنا بعين جلية ... وأنتم كذا ما قد علمنا لنا فعل

стр. 41

وبعث بهذه الأبيات إلى الخليفة هشام بن عبد الملك فأمر هشام بعزل عبيدة من أفريقية والمغرب فقفل منه واستخلف عقبة بن قدامة وذلك في شوال سنة ١١٤ فكان ملك عبيدة بأفريقية أربع سنين وستة أشهر وتوجه إلى الشام سنة ١١٤ بهدايا وتحف عظيمة وبقي خليفته على القيروان ستة أشهر. وفي سنة ١١٣ كان عمال أفريقية والأندلس الذين كانوا في السنة قبلها ثم ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة ١١٥ بموضع يعرف ببلاط الشهداء وفيها أصاب الناس مجاعة عظيمة. ولاية عبيد الله بن الحبحاب أفريقية والمغرب كله وهو مولى بن سلول وكان رئيساً نبيلاً وأميراً جليلاً بارعاً في الفصاحة والخطابة حافظاً لأيام العرب وأشعارها ووقائعها فقدم أفريقية في ربيع الآخر من سنة ١١٦ وهو الذي بنى المسجد الجامع ودار الصناعة بتونس وكان أول الأمر كاتباً ثم تناهت به الحال إلى ولاية مصر وأفريقية والأندلس والمغرب كله فاستخلف على مصر ابنه القاسم واستعمل على الأندلس عقبة بن الحجاج السلولي واستعمل على طنجة وما والاها من المغرب الأقصى ابنه إسماعيل ثم عمر بن عبد الله المرادي. وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازياً إلى السوس الأقصى فبلغ أرض السودان ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه ولم يدع بالمغرب قبيلة إلا داخلها وأصاب من السبي أمراً عظيماً ووجد جاريتين ليس لكل واحدة منهما إلا ثدي واحد ثم رجع سالماً ظافراً فغزا صقلية وظفر بأمر لم يره مثله. ثم أن عمر بن عبد الله المرادي عامل طنجة وما والاها أساء السيرة

стр. 42

وتعدى في الصدفات والعشر وأراد تخميس البربر وزعم أنهم فيء المسلمين وذلك ما لم يرتكبه عامل قبلة وإنما كان الولاة يخمسون من لم يجب للإسلام فكان فعله الذميم هذا سبباً لنقض البلاد ووقوع الفتن العظيمة المؤدية إلى كثير القتل في العباد نعوذ بالله من الظلم الذي هو وبال على أهله. فلما علم البربر خروج حبيب بن أبي عبيدة إلى بلاد الروم نقضوا الطاعة لعبيد الله بن الحبحاب بطنجة وأقاليمها وتداعت برابر المغرب بأسره فثارت المغرب بالمغرب الأقصى فكانت أول ثورة فيه وفي أفريقية في الإسلام. وفي سنة ١٢٢ كانت ثورة البربر بالمغرب فخرج ميسرة المدغري وقام على عمر بن عبد الله المرادي بطنجة فقتله وثارت البرابر كلها مع أميرهم ميسرة الحقير ثم خلف ميسرة على طنجة عبد الأعلى بن حديج وزحف إلى إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب إلى السوس فقتله ثم كانت وقائع كثيرة بين أهل المغرب الأقصى وأهل أفريقية يطول ذكرها وكان المغرب حينئذ قوم ظهرت فيهم دعوة الخوارج ولهم عدد كثير وشوكة كبيرة وهم برغواطة وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة إنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب ويبعثون فيها إلى عامل أفريقية فيبعثون لهم البربر السنيات فلما أفضى الأمر إلى ابن الحبحاب مناهم بالكثير وتكلف لهم أو كلفوه اكثر مما كان فأضطر إلى التعسف وسوء السيرة فحينئذ عدة البرابر على عاملهم فقتلوه وثاروا بأجمعهم على ابن الحبحاب. وكان لعبيد الله بن الحبحاب أولاد قد أعجبتهم أنفسهم قدم عقبة بن الحجاج عليهم وكان أبو عقبة قد عانق الحبحاب والد عبيد الله فلما دخل

стр. 43

عقبة على عبيد الله وأقعده على سريره فلما خرج عقبة من عنده أنكر عليه ذلك أولاده فقال لهم: (ما رأيكم) فقالوا (إن تعطيه شيئاً وتصرفه عنا فلا يكسر شرفنا فقال لهم: (نعم) فلما كان في غد أمر الناس فدخلوا عليه ودخل عقبة في جملتهم فقام إليه وأجلسه على سريره ووقف قائماً فقال: (أيها الناس إن بني هؤلاء غرتهم غرة الشيطان لعزة السلطان وأرادوا أمرا أخرج به عن الحق وأنكروا ما رأوا من بري بهذا الرجل وإنما أخبركم أنه مولاي وأن أباه أعتق أبي وإن أكره كتمان أمر الله - سبحانه - شهيد به علي) ثم خير عقبة في ولاية ما شاءه من سلطانه فاختار الأندلس فولاه عليها وذلك في سنة ١١٦ وأقام بها إلى سنة ١٢١ وقام عليه عبد الملك بن قطن الفهري فخلعه وقيل: بل هو استخلفه. رجع الخبر إلى ميسرة المدغري رأس الصفرية أمير الغرب: لما بلغ عبيد الله بن الحبحاب قتل عامله وولده كتب إلى حبيب ابن أبي عبدة يأمره بالرجوع من صقلية ليأخذ في الحركة مع أهل أفريقية إلى ميسرة وولى ابن الحبحاب على عسكر أفريقية وأشرافهم ووجوههم خالد ابن أبي حبيب الفهري فشخص إلى ميسرة ووصل حبيب ابن أبي عبدة في أثره وسار خالد حتى عبر وادي شلف وهو بمقربة تيهرت ثم قدم حبيب فنزل على مجاز الوادي المذكور فلم يبرح منه ومضى خالد من فوره حتى لقي ميسرة بمقربة من طنجة فاقتتل معه قتالاً شديداً لم يسمع قط بمثله ثم انصرف ميسرة إلى طنجة فأنكرت البربر عليه سوء سيرته وتغيره عما كانوا بايعوه عليه. قال الرفيق: وكان ميسرة قد تسمى بالخلافة وبويع عليها فقتلوه وولوا أمرهم بعده خالد بن حميد الزناتي فالتقى خالد بن أبي حبيب بالبربر فكان بينهم قتال شديد فبينا هم كذلك إذ غشيهم خالد بن حميد الزناتي من خلفهم

стр. 44

بعسكر عظيم، فتكاثرت عليهم البربر؛ فانهزم العرب وكره خالد بن أبي حبيب أن يهرب؛ فألقى بنفسه هو وأصحابه إلى الموت أنفة من الفرار. فقُتل ابن أبي حبيب ومن معه، حتى لم يبق من أصحابه رجل واحد. فقُتل في تلك الوقعة حماة العرب، وفرسانها، وكماتها، وأبطالها؛ فسميت الغزوة غزوة الأشراف؛ فانتفضت البلاد. وبلغ أهل الأندلس ثورة البربر؛ فوثبوا على أميرهم؛ فعزلوه وولوا عبد الملك بن فطن. فاختلت الأمور على ابن الحبحاب؛ فاجتمع الناس عليه وعزلوه. وبلغ ذلك الخليفة هشام بن عبد الملك فقال: (والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن جيشاً أوله عندهم وآخره عندي) ثم كتب إلى ابن الحبحاب بقدومه عليه؛ فخرج في جمادى الأولى من سنة ١٢٣. ولاية كلثوم بن عياض إفريقية ومقاتلته مع أمير المغرب خالد بن حُميد الزّناني لما بلغ هشام بن عبد الملك انتقاض البلاد الغربية والأندلسية، بعث كلثوم بن عياض هذا إلى أفريقية، وعقد له على اثني عشر ألفا من أهل الشام. وكتب إلى والي كل بلد أن يخرج معه بمن معه. فصارت عمال مصر وطرابلس وبرقة معه حتى قدم أفريقية في رمضان سنة ١٢٣. فنكب عن القيروان. وكان على طلائعه بلجُ بن بشر القشيري ابن عمه. فلما وصل بلج قال لأهل أفريقية (لا تغلقوا أبوابكم، حتى يعرف أهل الشام منازلكم) ومع ذلك كلام كثير يغيظهم به. فكتبوا إلى حبيب بن أبي عبدة يعرّفونه بمقالة بلج. فكتب إلى كلثوم: (إن ابن عمك السفيه قال كذا وكذا. فارحل بعسكرك عنهم، وإلا حولنا أعنة الخيل إليك!) فكتب كلثوم يعتذر إليه ويأمره أن يقيم بشلف حتى يقدم عليه. فاستخلف كلثوم على القيروان عبد الرحمن بن

стр. 45

عقبة الغفاري، وسار حتى عسكر حبيب، فرفضه واستهان به، وسب بلج بن بشر لحبيب وتنقصه وقال: (هذا الذي يحول أعنة الخيل إلينا) فقام إليه عبد الرحمن بن حبيب وقال (يا بلج هذا حبيب! فإذا شئت فاعرض له للمقابلة!) وصاح الناس (السلاح! السلاح!) فمال أهل أفريقية إلى ناحية. ومعهم أهل مصر. ثم سعى بينهم الصلح. فكان هذا الاختلاف سبب هلاكهم، مع سوء رأي كلثوم وبلج. ولما قدم كلثوم على وادي سنبو، وهو في ثلاثين ألفا، وقال ابن القطان: فيهم عشرة آلاف من صلب بني أمية، وعشرون ألفا من سائر العرب. فتوجه إليهم خالد بن حميد الزناتي الذي تولى الأمر بعد ميسرة. فوجه كلثوم بلجا ليلا ليوقع بالبربر. فسرى ليلته، وأوقع بهم عند الصباح؛ فخرجوا إليه عراة؛ فهزموه ووصلوا إلى كلثوم. فأمر بدبدبان فنصب له، وقعد عليه. ثم نشب القتال، وقعدت البربر تحت الدرق، ونشبت الخيلُ الخيلَ العرب خيل البربر؛ ثم انكشفت خيل العرب، وألتفت الرجال بالرجال. فكان صبر وقتال. وخالطت خيل البربر ورجّالتُهم كلثوم وأصحابه. فقتل كلثوم، وحبيب بن أبي عبدة، وسليمان بن أبي المهاجر. ووجوه العرب. فكانت هزيمة أهل الشام إلى الأندلس، وهزيمة أهل مصر وأفريقية إلى أفريقية. قال ابن القطان: لما بعث هشام بن عبد الملك كلثوما واليا على أفريقية والمغرب، وأمره بالجد والاجتهاد في أمرها، إذ كانوا بين أمية يجدون في الدريات أن الملك القائمين عليهم لا يجاوز الزاب. فتوهموا إنه زاب مصر، وإنما كان زاب أفريقية. وعهد إليه في سدها وضبطها، وعهد أن حدث بكلثوم حدث أن يكون ابن أخيه بلج مكانه. فدارت بينه وبين البربر حروب، هزموا في بعضها كلثوم بن عياض وقتلوه، وصار أمر العرب بأفريقية إلى بلج بالعهد المذكور. ولجأ فلهم إلى سبتة، وبقوا بها حتى ضاق عليهم الأمر؛ فكاتب

стр. 46

بْج وأصحابه عبد الملك بن قطن أمير الأندلس، وسألوه إدخالهم الأندلس. فلم يأمنهم عبد الملك، ومطلهم بالميرة والسفن. ثم أضطر إلى إدخالهم الأندلس بعد ذلك، لسبب أشرحه في الجزء الثاني إن شاء الله؛ وهو موضعه في أخبار الأندلس. فكاتبهم، وشرط عليهم إقامة سنة في الأندلس، ثم يخرجون عنها. فرضوا بذلك؛ وكانوا نحو عشرة آلاف من عرب الشام. ولما دخلوا الأندلس وأقاموا فيها سنة، ترفهوا بها. فأمرهم عبد الملك بالخروج منها، كما أشترط عليهم. فامتنعوا، وقتلوا عبد الملك بن قطن، واستولى بلج على الأندلس، وبقي بها أحد عشر شهرا، أميرا. وقد شرحنا أمره في أخبار الأندلس في الجزء الثاني وقال الرقيق: لم ينهزم من أهل أفريقية إلا عبد الرحمن بن حبيب؛ فإنه جاز على الأندلس؛ فقال لأميره عبد الملك بن قطن: (هؤلاء أهل الشتم يقلون: ابعث لنا مراكب نجوز فيها، وهم، إن جازوا إليك، لم بأمنهم عليك!) فلما أجازهم إليها، ما لبثوا فيها إلا سنة حتى وثبوا عليه مع بلج. فكانت بينهم اثنتا عشرة وقيعة، وكلها على عبد الملك بن قطن حتى قتله بلج واستولى على الأندلس. وفي سنة ١٢٤، قتل بلج بالأندلس، ووليها ثعلبة بن سلامة العاملي، وأعقده أصحاب بلج مكانه بما عهد به هشام إليهم، وبايعوه. فثار في أيامه بقايا البربر بمادرِة؛ فغزاهم ثعلبة، وقتل منهم خلقا كثيرا وأسر منهم نحو الألف، وانصرف إلى قرطبة. فكانت ولايته عشرة أشهر. وفيها كان ابتداء ظهور برغواطة. ذكر برغواطة وارتدادهم عن الإسلام قال ابن القطان وغيره: كان طريف من ولد شمعون ابن إسحاق وإن الصفيرة رجعت إلى مدينة القيروان لنهبها استباحتها في ثلث مائة

стр. 47

ألف من البربر مع أمير منهم. وكانوا قد اقتسموا بلاد أفريقية وحريمها وأموالها؛ فهزمهم الله تعالى بأهل القيروان، وهم في أثنى عشر ألف مقاتل، نصرهم الله تعالى عليهم؛ وخبرهم طويل، يمنع من إيراده هنا خيفة التطويل،. وكان طريف هذا من جملة قواد هذا العسكر؛ وإليه تنسب جزيرة طريف. فلما هزمهم الله بأهل القيروان، تفرقوا، وقتل من قتل منهم، وتشتت جمعهم، سار طريف إلى تامسنا، وكانت بلاد بعض قبائل البربر. فنظر إلى شدة جهلهم؛ فقام فيهم، ودعا إلى نفسه. فبايعوه وقدموه على أنفسهم. فشرع لهم ما شرع، ومات بعد مدة. وخلف من الولد أربعة. فقدم البربر ابنه صالحا. فأقام فيهم على الشرع الذي شرعه أبوه طريف. وكان قد حضر مع أبيه حرب ميسرة الحقير ومغرور بن طالوت الصفريين. فأدعى إنه أنزل عليهم قرآنهم، الذي كان يقرءونه؛ وقال لهم إنه صالح المؤمنين، الذي ذكره الله في كتابه العزيز. وعهد صالح إلى ابنه الياس بديانته، وعلمه شرائعه وفقهه من دينه، وأمره ألا يظهر الديانة حتى يظهر أمره، وينتشر خبره، فيقتل حينئذ من خالفه. وأمره، موالاة أمير المؤمنين بالأندلس. وخرج صالح إلى المشرق، ووعده إنه يرجع في الدولة السابع من ملوكهم، وزعم إنه الهدي الذي يكون في أخر الزمان لقتال الدجال وأن عيسى - عم - يكون من رجاله وأنه يصلي خلفه. وذكر في ذلك كلاما نسبه إلى موسى - عم -. فولى بعد خروجه إلى المشرق ابنه الياس خمسين سنة. فكتم شريعته إلى سنة ١٧٢. فخرج عن ذلك كله من أمر صالح وابنه أن ابتداءه كان في هذه السنة، أو التي قبلها، وما يأتي بعدها من السنين، إذ خمسون سنة أخرها سنة ١٧٢، مبدأها سنة ١٢٤ أو نحوها، والله أعلم.

стр. 48

ولاية حنظلة بن صفوان أفريقية والمغرب كله ولما بلغ أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك قَتْلُ كلثوم بن عياض وأصحابه بعث إلى أفريقية والمغرب حنظلة بن صفوان الكلبي. وكان عامله على مصر ولاه عليها سنة ١١٩. فقدمها في شهر ربيع الآخر منها. فبعث إليه أهل الأندلس أن يبعث إليهم عاملا، فوجه إليهم أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي. فسار في البحر من تونس إلى الأندلس، واليا عليها. فقدمها في رحب، وسأذكر خبره في أخبار الأندلس إن شاء الله. ومن أخبار حنظلة أمير أفريقية مع بعض القبائل الغربية: وذلك لما استقر حنظلة بالقيروان، لم يمكث فيها إلا يسيرا، زحف إليه عكاشة الصفري الخارجي، في جمع عظيم من البربر، وزحف أيضا إلى حنظلة عبد الواحد بن يزيد الهواري في عدد عظيم. وكانا افترقا في الزاب. فأخذ عكاشة على طريق مجانسة. فنزل في القيروان، وأخذ عبد الواحد على طريق الجبال، وعلى مقدمته أبو قرة المغيلي. فرأى حنظلة أن يعجل قتال عكاشة، قبل أن يجتمعا عليه. فزحف إليه بجماعة أهل القيروان. فالتقوا بالقرن، وكان بينهم قتال شديد فهزم الله عكاشة ومن معه، وقتل من البربر ما لا يحصى كثرة، وقيل إن حنظلة لما رأى ما دهمه من البربر قال لأصحابه: (نستمد أمير المؤمنين!) فقال له شاب جميل الوجه: (بل نخرج إلى عدونا حتى يحكم الله بيننا!) فعزم حنظلة، وخرج فهزم الله عكاشة في خبر طويل. قال عبد الله بن أبي حسان: فأخرج حنظلة كل ما في الخزائن من السلاح وأحضر الأموال، ونادى في الناس فأول من دخل عليه، رجل من بحصب فقال له: (نصر بن ينعم!) قال: فتبسم حنظلة كالمكذب له وقال له (بالله أصْدُق!) فقال (والله) مالي أسم غير ما قلت لك فتفاءل به وقال (نصر وفتح) فأعطى الناس وخرج

стр. 49

لمقابلة الصفرية وهم بالخوارج. فكان بينه وبينهم حرب يطول ذكرها، فالتحم فيها القتال، وتداعى الأبطال ولزم الرجالة الأرض، فلا تسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وتقابض الأيدي بالأيدي. وكانت كسرة على ميسرة العرب، ثم انكسرت ميسرة البربر وقلبهم، ثم كرت العرب على ميمنة البربر، فكانت الهزيمة. وسيق إلى حنظلة رأس عبد الواحد، وأخذ عكاشة أسيرا، فأتى به إلى حنظلة، فقتله وخر لله ساجدا. وقيل إنه ما علم في الأرض مقتله كانت أعظم منها. أراد حنظلة أن يحصى من قُتل، وأمر بعدهم. فما فدر على ذلك. فأمر بقَصَبٍ فطرح قصبة على كل قتيل. ثم جمعت القصب، وعُدّت، فكانت القتلى مائة ألف وثمانين ألفا. وكانوا صفرية يستحلون النساء وسفك الدماء. وكتب بذلك حنظلة إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك. فسر بذلك سرورا عظيما. وكان الليث بن سعد يقول: (ما من غزوة كنت أحب أن أشهدها، بعد غزوة بدر، أحب إلي من غزوة القرن والأصنام) . وفي سنة ١٢٥، توفي أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بعلة الذبحة. وعماله في هذه السنة هم الذين كانوا في السنة قبلها، ومن جملتهم حفص بن الوليد على مصر، وحنظلة بن صفوان على أفريقية والمغرب، وأبو الخطار على الأندلس. ثم استخلف بعده الوليد بن يزيد، يوم موت هشام بن عبد الملك، وذلك يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الأخر. وفي سنة ١٢٦ توفي الوليد بن يزيد مقتولا يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، قتله يزيد بن الوليد المسمى بالناقص واستخلف يزيد ولم يكن في أيامه في هذه السنة بأفريقية أمر. وبويع بدمشق وجعل العهد نعده لابنه إبراهيم بن يزيد فأقام نحو شهر ونصف، ثم خلع نفسه لمروان الجعدي. فقيل إنه نبش على يزيد بن الوليد وأخرجه من قبره وصلبه.

стр. 50

انتزاء عبد الرحمن بن حبيب الفهري بإفريقية وبعض أخباره كان عبد الرحمن بن حبيب هذا قد هرب إلى الأندلس. عند هزيمته من الوقيعة التي قتل فيها أبوه حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع، مع كلثوم بن عياض. فلم يزل. وهو بالأندلس، يحاول أن يتغلب عليها. فلم يمكنه ما أراد، إلى أن وجهة حنظلة أبا الخطاب إليها، فخاف على نفسه، وخرج مستترا، فركب البحر إلى تونس، فنزل بها، وذلك في جمادى الأولى سنة ١٢٧، فدعا الناس إلى نفسه، فأجابوه. وأراد حنظلة الخروج إليه، والزحف لقتاله. ثم كره قتال المسلمين. وكان ذات ورع ودين، فوجه إلى حنظلة جماعه من وجوه أفريقية يدعونه إلى مراجعة الطاعة. فلما قدموا عليه. أوثقهم في الحديد، وأقبل بهم إلى القيروان، وقال (أن رمى أحد من أوليائهم بحجر، قتلتهم) وكانوا وجوههم ورؤساءهم. فلما رأى حنظلة ذلك دعا القاضي والعدول، وفتح بيت المال؛ فأخذ منه ألف دينار، وترك الباقي، وقال: (لا أتلبس منه ألا بقدر ما يكفيني ويبلغني) ثم شخص عن أفريقية في سنة ١٣٩ في جمادى الأول. وأقبل عبد الرحمن حتى دخل القيروان، ونادى مناديا: (لا يخرجن أحد مع حنظلة، ولا يشيعه) فرجع عنه الناس خوفا من عبد الرحمن. ولما قفل حنظلة إلى الشرق، دعا على عبد الرحمن وعلى أهل أفريقية، وكان مستجاب الدعوة. فوقع الوباء والطاعون بأفريقية سبع سنين، لا يكاد يرتفع إلا مرة في الشتاء ومرة في الصيف. وقال بعض المؤرخين أن مروان بن محمد الجعدي بعث إلى عبد الرحمن ابن حبيب بولايته على أفريقية بعد تغلبه عليها. ولما ولي عبد الرحمن، ثار عليها جماعة من العرب والبربر. ثم ثار عليها

стр. 51

عروة بن الوليد الصدفي؛ فستولى على تونس، وثار عليها عرب الساحل، وقام عليه ابن عطاف الأزدي. وثارت. البربر في الجبال الصنهاجية بباجة؛ فأخذها. فخرج إلها الياس بن حبيب، أخو عبد الرحمن، في ستمائة فارس؛ ولم يظهر إنه خرج إليه، بل أعمل الحيلة مع أخيه في ذلك. ولما وصل الجاسوس، قال: (إن القوم آمنون غافلون) خرج العسكر إليهم؛ فقتل ابن عطاف وأصحابه، وأمعن عبد الرحمن بن حبيب في قتل البربر، وأمتحن الناس بهم، ابتلاهم بقتل الرجال صبرا، يؤتي الأسير من البربر، فيأمر من يتهمه بتحريم دمه بقتله، فيقتله. وكانت بأفريقية حروب ووقائع يطول ذكرها. وكان عبد الرحمن بن حبيب قد كتب إلى مروان بن محمد، وأهدى إليه الهدايا. فكتب إلى مروان، يأمره بالقدوم عليه. ثم ضعف أمر بني أمية بالمشرق، وأشتغل بحرب المسودة. فأقام عبد الرحمن بالقيروان، حتى كانت سن ١٣٥. فغزا تسلمان، وخلف ابنه حبيبا على القيروان؛ فظفر بطوائف من البربر، وعاد إلى القيروان. ثم أغزى صقلية. ثم بعث إلى (سر دانية) ؛ فقتل من بها قتلا ذريعا؛ ثم صالحوا على الجزية. وبعث إلى إفرنجة؛ فأتى بسيها؛ ودوخ المغرب كله، وأذل من به من القبائل، لم يهزم له عسكر. ولا ردت له راية. وداخل جميع أهل المغرب الرعب والخوف منه. وقتل مروان بن محمد بالمشرق، وزالت دولة بني أمية. وبقي عبد الرحمن ابن حبيب أمير أفريقية والمغرب. وهرب جماعة من بين أمية خوفا من بني العباس، ومعهم حرمهم. فتزوج منهم عبد الرحمن وأخواته. وكان فيمن قدم ابنا الوليد بن يزيد، وكانت ابنة عمها عند أليس بن حبيب، فأنزلهما عبد الرحمن في دار؛ ثم أحتال في بعض الليالي؛ فأطلع عليهما من موضع خفي، وهما على نبيذ، ومولاهما يسقياهما، إذ قال أحدهما: (أيظن عبد الرحمن إنه يبقى أميرا معنا، ونحن أولاد الخليفة) فلما سمع هذا منه أنصرف. ثم

стр. 52

دعاهما، وأظهر لهما بشرا، حتى أتاهما من أخبرهما أن عبد الرحمن سمع كلامهما. فركبا جملين وهربا فبعث عبد الرحمن الخيل في طلبهما، وأدركا. فآمر بضرب أعناقهما. وكانت ابنة عمّهما عند إلياس، فقالت له (قتل أختانك وأنت صاحب حربه وصاحب سيفه! وجعل العهد من بعد عهده لحبيب ولده! فهذا تَهاون بك!) ولم تزل به حتى اجنمع رأي الياس وأخيه عبد الوارث على قتل أخيهما عبد الرحمن. وهاودهما على ذلك جماعة من أهل القيروان على ما يأتي ذكره. وفي سنة ١٢٧ كان دخول عبد الرحمن بن حبيب هذا أفريقية ودعواه لنفسه، كما تقدم. وفيها كان انتزاء ثُوابة بن سلامة بالأندلس، وبويع بها. وكان قد هزم أبا الخطار سنة ١٢٥. وتم له الأمر في هذه السنة، لكن لا بعهد من بني أمية ولا من بني العباس، بل عنوة بالسيف. وأقام معه الصميل؛ فكان السلطان لثوابه للصميل. وفي سنة ١٢٨، هلك أمير الأندلس ثوابه في شعبان، فكانت دولته نحو سنة، حسب ما أذكر ذلك في أخبار الأندلس، أن شاء الله. فبقيت الأندلس دون أمير أربعة أشهر. فأجتمع الناس على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على تقدين يوسف بن عبد الرحمن الفهري. وفي سنة ١٢٩، أستقل يوسف الفهري بولاية الأندلس فكانت ولايته إياها عشر سنين: فما من سنة من هذه السنيين ألا ويمكن أن يكون له فيها غزو، إذا قالوا إنه واصل الجهاد؛ وسيأتي ذكره وخبره في خبر الأندلس إن شاء الله. وفيها كانت بالأندلس حروب ووقائع وغلاة في الشعر. وقيل أن ولاية يوسف كانت في صفر من هذه السنة، وإنهم كتبوا لعبد الرحمن بن حبيب عامل القيروان؛ فأنفذ إليه عهد بولاية الأندلس. وفي سنة ١٣٠، كان استيلاء أبي مسلم على مرو، وتفريقه كلمة العرب

стр. 53

واختياره اليمانية لنصرته، وتشريده المضرية وكان له غزوات ومواقعات؛ وعبد الرحمن بن حبيب أمير أفريقيا كذلك، في حروب ووقائع البربر. وفي سنة ١٣١ كان استيلاء أبي مسلم على خراسان، وعامل مصر وأفريقيا والأندلس على ما كان عليه قبل ذلك. وفيها بني عبد الرحمن بن حبيب سور مدينة طرابلس، وانتقل الناس إليها من كل مكان. وفي سنة ١٣٢ كانت الوقعة التي هزم فيها الأمويون مع أبي هريرة، وفتح العباسية للكوفة. ثم اتصلت الولايات العباسية والفتوح للبلاد الشرقية وخروجها عن الأموية واحدا من بعد واحد. فقلت مروان بن محمد الجعدي في هذه السنة، وانقطعت الدولة الأموية. وكانت دولتهم ٩١ سنة وتسعة أشهر وخمسة أيام وهم أربعة عشر رجلا: منها أيام ابن الزبير تسع سنين واثنان وعشرون يوما. ثم تفرقت بنو أمية في البلاد هربا بأنفسهم، وهرب عبد الرحمن ابن معاوية إلى الأندلس. فبايعه أهلها وتجددت لهم بها دولة استمرت إلى بعد الأربعة والعشرين والأربعمائة. فانقطعت دولتهم ست سنين أو نحوها، من هذه السنة إلى حين دخول عبد الرحمن الأندلس. وجددها في سنة ١٣٧. فإن صح أن عهد عبد الرحمن بن حبيب، صاحب القيروان وأفريقية من قبل بني أمية، وصل إلى يوسف بن عبد الرحمن المتغلب على الأندلس، الذي أدخل عبد الرحمن إليها وهو أميرها، فعلى هذا، كانت لهم دولة متصلة بالأندلس. فتأمل هذا فإن إن صح بكته غريبة وفائدة عجيبة قال أبو محمد بن حزم: انقطعت بني أمية. وكانت على علاتها دولة عربية، لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة. وإنما كان سكني كل أمير منهم في داره وضعيته التي كانت له قبل خلافته، ولا كلفوا المسلمين أن يخاطبوهم بالعبودية والملك ولا تقبيل يد ولا رجل، وأما كان غرضهم التولية والعزل في أقاصي البلاد؛ فكانت عمالهم وولاتهم في الأندلس، وفي الصين، وفي

стр. 54

السند، وفي خراسان، وأرمينية، واليمن، والشام، والعراق، ومصر، والمغرب وسائر البلاد الدنيا، ما عدى الهند. وانتقل الأمر إلى بني العباس في هذه السنة. قال ابن حزم في جملة كلامه أيضا: فكانت دولتهم أعجمية: سقطت فيها دواوين العرب، وغلب عجم خراسان على الأمر، وعاد الأمر مُلكا غضوضا كسرويا، إلا أنهم لم يعلنوا بسبب أحد من الصحابة - رضوان الله عليهم - افترقت في دولة بني العاس دعوة المسلمين وكلمتهم، فتغلبت على البلاد طوائف من الخوارج والشيعة والمعتزلة ومن ولد إدريس وسليمان ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين - ظهروا في المغرب الأقصى وتملكوا فيه. ومنهم من ولد معاوية تغلبوا على الأندلس، وكثيرا من غيرهم أيضا. وفي خلال هذه الأمور تغلبت الكفرة على أكثر بلاد الأندلس وأكثر بلاد السند. وفي سنة ١٣٢ المذكورة كان المولون للعمال بالبلاد أربعة أمراء: وهم مروان بن محمد وأبو سلمة الخلال، وأبو مسلم، وأبو العباس السفاح. فأما مروان فعزل الوليد بن عروة عن المدينة، وولاها أخاه عيسى، وأما أبو سلمة، فاستعمل محمد بن خالد على الكوفة إلى أن ظهر أبو العباس السفاح ظهوراً تاما، وأما أبو مسلم، فهو كان السلطان الأعظم الذي لا يرد أمره، وهو الذي قدم محمد بن الأشعث على فارس، وأمره أن يأخذ عمال أبي سلمة فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك، وأما أبو العباس، فوجه بعد ذلك إسماعيل بن علي واليا على فارس، وأخاه أبا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان، وولى أخاه يحيى بن محمد عليّ على الموصل، وولى على مصر أبا عون عبد الملك بن يزيد، وولى على أفريقية عبد الرحمن بن حبيب لأنه، لما بلغته بيعة أبي العباس كتب إليه بالسمع والطاعة فأقره.

стр. 55

وفي سنة ١٣٣ ولى أبو العباس السفاح عمه سليمان بن عليّ البصرة وأعمالها والبحرين وغير ذلك، وولى عمه إسماعيل على الأهواز، وولى عمه داود المدينة، وولى عماله سائر البلاد الشرقية، وأفريقية والأندلس على ما كانت عليه. وفي سنة ١٣٤ بعث أبو العباس السفاح موسى ين كعب في اثني عشر ألفاً لقتال منصور بن جمهور من المنتزين على العباس، فسار إليه حتى لحقه بأرض الهند، فهزمه ومن كان معه، ومضى فمات عطشا في الرمال. وفيها كان أيضا العزل والولايات بالمشرق. وبقى على مصر أبو عون وعلى أفريقية عبد الرحمن بن حبيب، وعلى الأندلس يوسف الفهري. وفي سنة ١٣٥ كانت غزوة عبد الرحمن بن حبيب صاحب أفريقية صقلية، فسبى وغنم. وغزا أيضا سودانية، وصالحهم على الجزية. وغزا أرض البربر بجهة تلمسان. ومدينة تلمسان قاعدة المغرب الأوسط وهي دار مملكة زناتة. قال البكري: بنو يغمراسن من هوارة يعتدون في ستين ألفا. وتلمسان دار مملكة زناتة على قديم الزمان، ومتوسط بلاد القبائل من زناتة وغيرهم ومقصد النجار، ونزلها محمد بن سليمان من ذرية علي بن أبي طالب ﵁ ومن ذريته أبي العيش عيس بن إدريس بن محمد بن سليمان الذي بنى مدينة جراوة. ونسب زناتة: قال أبو المجد المغيلى، وعلي بن حزم، وغيرهما: أن زناتة هم أولاد جانا بن يحيى بن صلوات بن ورتناج بن ضرى بن سفكو بن قيدواد بن شعبا بن مادغيس بن هود بن هرسق بن كداد بن مازيغ. وذكروا أن ضرى هو ابن وزجيج بن مادغس بن بر، فولد ابن برنوس. وولد برنوس كتامة ومصمودة واوربة ووزداجة واوزيغة، فولد أوزيغة هوارة، ومن قبيل هوارة بنو كهلان ومليلة، وولد يحيى جذانا وسمجان وورسطيف، وولد جذانا ورسيج وولد ورسيج مرين، وولد مرين نجد ونمالة، وولد ورسطيف

стр. 56

وركنة ومكناسة، وولد ضرى أيضا تمزيت، وولد تمزيت مطماطة ومدغرة وصدينة ومغيلة وملزوزة، ومديونة، وولد وزجيج لاوى الكبير، وولد لاوى الكبير لاوى الصغير ومغرواة وأيفرن وولد لارى الصغير نفزاو وولد نفزاو يطوفت وولد لاوى الصغير أيض كطوف وولد كطوف ونبطط، فولد ونبطط سدراتة وكانت سدراتة أخوان بني مغراوة لأمهم، وكان أولاد مغراوة وبني يفرن من أعظم بطون زناتة. قال رجال من كتابه: كان بنو مرين يسكون وراء تلمسان، وهو من زناتة، من ولد جانا بن يحيى بن ضريس بن لوا بن نفزاو بن بتر بن قيس غيلان بن الياس بن مضر. قال: وبنو مرين من العرب الصريحيون. وفي سنة ١٣٦، كان ابتداء أبي العباس السفاح محاولة الغدر بأبي مسلمة، وضفر أبي مسلم بمن حاول ذلك، وقتله لهم، وذلك في خبر طويل. وقيل: بل كان ابتداء تلك المحولة في ١٣٥ قبلها. وقدم أبو مسلم في هذه السنة على أبي العباس مستأذنا في الحج، فهم أبو العباس بقتله ثم انثنى على ذلك وحج أبو مسلم وأبو جعفر. وفيها توفي أبو العباس السفاح في ذي الحجة، بعد أن ولى العهد لأخيه أبو جعفر المصور، فاستوسقت له الأمور، وبايعه الجمهور. وفي ١٣٧، كان قدوم أبي جعفر المنصور من مكة، وتتميم بيعته، فدخل أبو جعفر الكوفة وصلى الجمعة، ووافاه كاتب أبي مسلم بالحيرة، ثم شخص أبي مسلم إلى الأنبار. وفيها انتزى عبد الله بن عليّ على أخيه وامتنع من بيعته، فبعث إليه أبو جعفر أبى مسلم، فحاربه. وفيها قتل المنصور أبا مسلم. وكيفية ذلك في (تاريخ) أخبار المشرق.

стр. 57

بقية أخبار عبد الرحمن بن حبيب بأفريقية لما صار الأمر إلى أبي جعفر المنصور، كتب إلى عبد الرحمن يدعوه إلى الطاعة. فأجابه، ودعا له، ووجه إليه بهدية كان فيها بزة وكلاب، وكتب إليه: (أن أفريقية اليوم إسلامية كلها، وقد أنقطع السيئ منها) فغضب أبو جعفر المنصور وكتب إليه يتوعده. فلما وصل إليه الكتاب، غضب غضبا شديدا؛ ثم نادى (الصلاة جامعة) فاجتمع الناس؛ وخرج عبد الرحمن في مطرف خز، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه؛ ثم أخذ في سب أبي جعفر، وقال (أني ظننت هذا الخائن يدعو إلى الحق ويقوم به، حتى تبين لي خلاف ما بايعته عليه من أقامة العدل! وأني خلعته كما خلعت نعلي هذا!) وقذفه من رجله. ثم دعا بخلع السود وأمر بتخريقها وقال: (هذا لباس أهل النار في النار!) قال الرقيق: (كان قد لبسها قبل ذلك، ودعا فيها لأبي جعفر؛ فقطعت قطعا وأحرقت.) وقال ابن القطان: كان عبد الرحمن بن حبيب يظهر الطاعة لأبي جعفر، يدعو له على المنبر، ألا إنه لم يلبس السواد، وقال: (أن هذا لباس أهل النار في النار!) ثم خلعه ونبذ طاعته. وحقق عريب أن خلعه لطاعة أبي جعفر كان في هذه السنة. مقتل عبد الرحمن كان عبد الرحمن يوجه أخاه غازيا؛ فإذا ظفر، كتب عبد الرحمن بالفاتح، ويزعم أن ابنه كان يتولى الفتوح وكان قد ولاه عهده، فعمد الياس إلى قتل أخيه عبد الرحمن، وشاور في ذلك أخاه عبد الوارث، فأجابه. ودعوا إلى ذلك قوما من أهل القيروان من العرب على أن يقتلوا عبد الرحمن ويؤمروا الياس بن حبيب، وتكون الطاعة لأبي جعفر. وكان عبد الرحمن ولى أخاه

стр. 58

الياس تونس، وودعه للخروج إليها، وعبد الرحمن إذ ذاك مريض. فدخل عليه، وهو في غلالة ورداء، وابن له صغير في حجرة، فقعد طويلا، وعبد الوارث يغمزه. فلما قام يودعه أكب علية ووضع السكين بين كتفيه حتى وصل إلى صدره ثم ردة يده على السيف فضربه، وخرج هاربا دهشا. فقال له أصحابه: (ما فعلت؟) قال: (قتلته!) قالوا: (أرجع! فهز رأسه!) فرجع وهز. وثارت الصيحة. وأخذ الياس أبواب دار الإمارة، وسمع ابنه حبيب الصيحة، فأخبر بقتل والده، فأختفى، ثم تحامل على وجهه إلى باب تونس أحد أبواب القيروان فخرج منه ومضى إلى عمه عمران بن حبيب، وهو والي تونس لوالده فكانت ولاية عبد الرحمن بن حبيب أفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. وكان أول ثائر متغلب على بلاد أفريقية ولاية الياس بن حبيب أفريقية ولما قتل أخاه، ولي أمور أفريقية والقيروان، وحبيب عند عمه عمران بتونس. فأخبره بخبر أبيه، ولحق بهما مواليهما وعبيدهما من كل ناحية. فخرج إلياس، وأتاه حبيب وعمران بمن معهما؛ فهموا بالقتال، ثم اصطلحوا على أن يعود عمران إلى ولاية تونس وصطفورة والجزيرة، ويكون حبيب على قفصة وقسطليلة، وألياس لسائر أفريقية والمغرب. ومضى الياس مع أخيه عمران إلى تونس؛ فوثب عليه ألياس، وبعث به إلى الأندلس. وولي على تونس محمد ابن المغيرة، وانصرف إلى القيروان؛ فبلغه عند حبيب أخبار كرهها. فعلم ذلك حبيب؛ فدس له من زين له الخروج إلى الأندلس؛ ففعل؛ ووجه معه شقيقه عبد الوارث ومن أحب من مواليه. فركبوا البحر، وقد تعذرت بهم الريح؛ فكتب حبيب إلى الياس يعلمه بأن الريح ردته، ووقفوا بطية. فكتب الياس إلى عاملة بها يحذره من أمره. فسمع به موالي عبد الرحمن وأهل طاعته؛ فأتوا إليه من كل ناحية، وطرقوا سليمان بن زياد عامل الياس ليلا،

стр. 59

وهو في معسكره يحارس حبيبا. فأسروه، وشدوا وثاقه، وركبوا إلى حبيب، فأخرجوه إلى البر. ذكر قيام حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب على عمه الياس وتغلبه على بلاد أفريقية لما خرج حبيب هذا إلى البر، واجتمعت عليه أهل طاعة أبيه، ظهر أمره، وشاع ذكره. وتوجه إلى الأربس؛ فأخذها. وبلغ خبره إلى ألياس؛ فخرج يريده، وأستخلف على القيروان محمد بن خالد القرشي، فلما قرب الياس منه، تحاربا حرباً خفيفة. فلما أمس حبيب، أوقد النيران ليضن الناس إنه مقيم. ثم سرى، فأصبح بجلولا. ثم نفذ إلى القيروان، فيتولى عليها. ثم رجع الياس في طلبه، ففسد عليه من كان معه، وتقوى حبيب وخرج إليه في جمع عظيم. فلما التقيا، ناداه حبيب: (لما نقتل صنائعنا وموالينا، وهم لنا حصن! ولكن أبرز أنا وأنت.. فأينا قتل صاحبه، استراح منه!) فناداه الناس.. (قد أنصفك يا الياس) فخرج كل واحد منهما إلى صاحبه، ووقف أهل العسكر ينظرون إليهما، فتطاعنا حتى تكسرت قناتاهما ثم تضاربا بسيوفهما وعجب الناس من صبرهما. ثم ضرب الياس حبيبا ضربة (في ثيابه ودرعه، ووصلت إلى جسده وضرب حبيب عمه الياس ضربة) أسقطته ثم أكب عليه، فحز رأسه وأمر برفعه على رمح وأقبل به على القيروان فدخلها وبين يديه رأس عمه ورؤوس أصحابه، فيهم عم أبيه محمد بن أبي عبدة بن عقبه ورأس محمد بن مغيرة القرشي وغيرهما من وجوه العرب وذلك في عام ١٣٨ فكانت ولاية الياس إلى أن قتل نحو سنة وستة أشهر. وفي سنة ١٣٨، قام البربر في أفريقيا على حبيبي بن عبد الرحمن بن حبيب ولما قتل حبيب عمه الياس هرب عبد الوارث بن حبيب ومن كان معه.

стр. 60

إلى عسكر الياس أخيه إلى بطن من البربر يقال لهم ورفجومة من نقزة لاجئين إليهم فنزلوا عليهم وأميرهم عاصم بن جميل فكتب إليه حبيب يأمره بتوجيههم إليه فلم يفعل فزحف إليه حبيب ولقيه عاصم ومعه كل من هرب من حبيب فاقتتلوا وانهزم حبيب وكان إذا خرج إليهم استخلف على القيروان أبا كريب القاضي فكتب بعض أهل القيروان إلى عاصم وأشياخ ورفجومة وظنوا أنهم يوفون لهم بالعهد وأظهروا لهم أنهم إنما يريدون أن يدعوا لأبي جعفر فزحف عاصم بن جميل وأخوه مكرم من كان معهم من البربر ومن لجأ إليهم من العرب بعد أن هزموا حبيبا وساروا إلى ناحية قابس، حتى انتهوا إلى القيروان. فلما دنا بعضهم من بعض، خرج جماعة من عسكر عاصم، فقتلوا منهم أناسا وتفرق الناس عن القاضي أبي كريب ورجعوا إلى القيروان ولم يعلموا ما يحل بهم من البربر وثبت أبي كريب في نحو ألف رجل من أهل الدين، مستسلمين للموت فقاتلوا حتى قتل أبي كريب وأكثر أصحابه ودخل ورفوجمة القيروان، فاستحلوا المحارم، وارتكبوا الكبائر، ونزل عاصم بمصلى روح ثم استخلف عل القيروان عبد الملك ين أبي جعد اليفرني وسار إلى حبيب، وهو بقابس. فانهزم حبيب ولحق بجبل أوراس. فسار إليه عاصم، فهزمه حبيب، وقتله مع جملة من أصحابه. وأقبل حبيب إلى القيروان، فخرج إليه عبد الملك بن أبي الجعد فاقتتلا، فنهزم حبيب وقتل في المحرم ن سنة ١٤٠ فكانت ولاية وتاريخ عبد الرحمن بن حبيب نحو ١٠ سنين وأشهر، وولاية أخيه الياس سنة وستة أشهر (ثم تغلب على أفريقية بعض القبائل الصفرية بعد قتل حبيب وعاصم، فدخل القيروان وربطوا دوابهم في المسجد الجامع، وقتلوا كل من كان من قريش وعذبوا أهلها. وأساءت ورفجومة لأهل القيروان سوء العذاب وندم الذين استدعوهم أشد ندامة. ثم قام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح

стр. 61

المعافري وكان ثائرا متغلبا خرج طرابلس بعد ما كان استولى عليها يريد القيروان لقتال ورفجومة. فالتقى معهم وقاتلهما. ثم هزمزهم وتبعهم يقتلهم، ثم انصرف إلى القيروان. فولى عليهم عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بعد ذلك ومضى الخطاب إلى طرابلس وكانت مدة هذه الأهوال والفتن التي اختصرناها هنا مجملة في نحو ثلاثة أعوام. وفي سنة ١٣٩، كان الفداء بين أبي جعفر المنصور والروم، فاستنقذ المنصور منهم أسرى المسلمين. ولم تكن بعد ذلك صائفة للمسلمين إلى سنة ١٤٦. وقي سنة ١٤١ كان ابتداء بناء سجلماسة. وفيها كان خروج أبي الخطاب إلى القيروان لقتال ورفجومة، فخرج إليه واليها عبد الملك، فخذله أهل القيروان وانهزموا عنه، فقتل عبد الملك وأصحابه في صفر وكان تغلب ورفجومة على القيروان سنة وشهرين. وفي سنة ١٤٢، أقبل أبي الأحوص اعجلي بالمسَوِّدةِ. فخرج إليه أبي الخطاب. فالتقى بمقداس على شاطئ البحر، فانهزم أبي الأحوص وأصحابه واحتوى أبي الخطاب على عسكرهم. ورجع أبي الأحوص إلى مصر وانصرف أبو الخطاب طرابلس. وكانت أفريقية في يديه إلى أن وجه المنصور بن الأشعث. وفي سنة ١٤٣ اتصل أبي الخطاب أن أبي الأشعث يريد القيروان. فخرج إليه في زهاء مائتي ألف. فعسكر بهم في أرض سرت واتصل ذلك بمحمد بن الأشعث. وفي سنة ١٤٤، ولي أفريقية محمد بن الأشعث الخزاعي.

стр. 62

ذكر ولاية محمد بن الأشعث الخزاعي أفريقيا لما غلبت الصفرية على أفريقيا بعد أن قتلت ورفجومة من قتلت من قريش وغيرهم، خرج جماعة من عربها إلى المنصور يستنصرون به على البربر ويصفون له ما نالهم منهم. فولى أبو جعفر بن الأشعث مصر. فوجه أبا الأحوص. فهزمته البربر كما تقدم. فكتب أبو جعفر إلى ابن الأشعث أن يسير بنفسه، فخرج إلى أفريقية في أربعين ألفا، عليها ثمانية وعشرون قائدا. فالتقوا بأبي الخطاب، وكان قد جمع أصحابه في كل ناحبة، ومضوا في عدد عظيم. فضاق ذرع ابن الأشعث بلقاء أبي الخطاب لما بلغه كثرة جيوشه. ثم أن زناتة وهوارة تنازعت فيما بينها، واتهمت زنانة أبا الخطاب في ميله مع هوارة. فارقه جماعة منهم وبلغ ذلك بن الأشعث فسر به ورحل إليه. فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتل أصحاب أبي الخطاب وأبو الخطاب. فظن ابن الأشعث ألا بقية بعد أبي الخطاب. ثم طلع عليهم أبي هريرة الزناتي في ستة عشر ألفا. فتلقاهم أبي الأشعث فهزمهم وقتل بعضهم، وذلك في ربيع الأول من السنة. ووجه أبي الأشعث برأس أبي الخطاب إلى بغداد. ولما انتهى إلى عبد الرحمن ابن رستم قَتل أبي الخطاب وولى هاربا إلى موضع تبهرت، فاختطها ونزلها وأخذ أهل القيروان عامله عليها فأوثقوه في الحديد وولوا على أنفسهم عمرو بن عثمان القرشي، إلى أن وفد عليهم أبي الأشعث ودخل القيروان غرة جمادى الأولى من السنة. وفي هذه السنة وأمر ابن الأشعث بناء سور القيروان في ذي القعدة وكان تمامه في رجب سنة ١٤٦. وضبط ابن الأشعث أفريقية وأعمالهم وأمعن في كل من خالفه من البربر بالقتل فخافوه وأذعنوا له بالطاعة. ثم ثار عليه موسى بن موسى بن عجلان كان أحد جنده، في جماعة من قواده فأخرجوا ابن

стр. 63

الأشعث من القيروان من غير قتال. فكان خروج ابن الأشعث من القيروان في ربيع الأول سنة ١٤٨. فكانت ولايته بها ثلاثة أعوام وعشرة أشهر، في خلافة أبي جعفر المنصور. وفي سنة ١٤٥، اشتغل ابن الأشعث بناء سور القيروان. وأخصبت بلاد أفريقية وكان قد بعث إلى زويلة وودان، فافتتحهما وقتل من بهما من الأباضية وقتل عبد اله بن حيان الأباضي، وكان رأس أهل زويلة. وسكّن ابن الأشعث أحوال أهل أفريقية في هذه السنة. فلم تكن بها حركة له وفي سنة ١٤٦، استتم ابن الأشعث بناء سور مدينة القيروان. وفيها أيضا استم المنصور بناء بغداد ولازم العمل فيها، وانتقل إلى سكناها في شهر صفر من هذه السنة. وفي سنة ١٤٧، كان الأمير على مصر يزيد بن حاتم، وعلى أفريقية محمد ابن الأشعث الخزاعي، وليس هو محمد ابن الأشعث الكندي ابن أخت عائشة. وفي سنة ١٤٨، ثار الجند على محمد ابن الأشعث بأفريقية وسألوه الخروج عنهم. فخرج في ربيع كما تقدم ذكره. ثم اتفق الجند على تولية عيسى بن موسى الخراساني. ثورة عيسى بن موسى بالقيروان وببعض بلاد أفريقية فتغلب عليها بعض العرب والجند من غير عهد من المنصور، ولا رضى منه، ولا تراض من العامة، وذلك في شهر ربيع آخر من عام ١٤٨ المذكور. فكانت مدته ثلاثة أشهر.

стр. 64

ولاية الأغلب بن سالم التميمي لما بلغ المنصور ما كان من أمر قواد الجند المصرية وصرفهم محمد بن الأشعث بعث إلى الأغلب بن سالم بن عقال التميمي عهده بولايته، في آخر جمادى الآخر من السنة المؤرخة فاستقامت له الحال. وكان من أهل الرأي وذوي المشورة، ووصله كتاب المنصور بعد كتاب العهد يأمره بالعدل في الرعية وحسن السيرة في الجند، وتحصين مدينة القيروان وخندقها وترتيب حرسها ومن يترك فبها إذا رحل إلى عدوه، وغير ذل كمن أموره. وسنة ١٤٩، لم يكن فيها حركة. وفي سنة ١٥٠، ثار الحسن بن حرب الكندي بالقيروان عل الأغلب ين سالم، وسبب ذلك أن أبا قرة الصغرى خرج في جمع كبير من البربر، فسار إليه الأغلب في عامة القواد الذين معه، وخلف على القيروان سالم بن سوادة فلما علم أبوه أن الأغلب قرب منه هرب وتفرق أصحابه. وقدم الأغلب الزاب وعزم على الرحيل منه إلى تلمسان، قاعدة زناتة ثم إلى طنجة. فكر الجند المسير معه، وقالوا: (قد هرب أبو قرة الذي خرجنا إليه!) وجعلوا يتسللون عنه إلى القيروان. فلم يبقى معه إلا نفر يسير من وجوههم وكأن الحسن بن حرب بيونس فلما خرج الأغلب يريد أبا قرة، كاتب جميع القواد. فلحق به بعضهم وأقبل معهم إلى القيروان فدخلها، وأخذ سالم بن سوادة عاملها، فحبسه. وبلغ الخبر الأغلب فأقبل في عدة يسيرة وكتب إليه، يعرفه بفضل الطاعة، ووبال المعصية. فأعاد الجواب إلى الأغلب، وفي آخره (وافر) ألا قولوا لأغلب غير سوء ... مغلغلة عن الحسن بن حرب بأن البغي مرتعه وخيم ... عليك وقربه لك شر قرب فإن لم تنثني لتنال سلمي ... وعفوى فأذن من ُطعن وضربي وأقبل الأغلب يحث السير بعد ما مضى إلى قابس، وقدم رسول المنصور

стр. 65

عليه بكتاب منه إليه وإلى الحسن بن حرب يدعوا الحسن إلى الطاعة، فلم قبل فأقبل إليه الأغلب. فاقتتلوا وانهزم الحسن ومضى راجعا إلى تونس، ودخل الأغلب القيروان. ثم حشد الحسن وسار في عدة عظيمة إلى القيروان. ثم أن الأغلب لما بلغه قدوم الحسن إليه، جمع أهل بيته وخاصته، وخرج إليه فأصابه سهما فمات منه في شعبان من السنة المؤرخة. فكانت ولايته سنة واحدة وثمانية أشهر ولاية عمرو بن حفص بن قبيصة أفريقية ثم ولي أفريقية عمرو بن حفص بن قبيصة سنة ١٥١. وكان شجاعا بطلا. وسبب ولايته أن أبا جعفر لما بلغه قتل الأغلب ين سالم، وجهه في نحو خمسمائة فارس فأقام بالقيروان ثلاثة سنين وأشهر من ولايته، والأمور له مستقيمة ثم سار إلى الزاب، واستخلف حبيب بن حبيب بن يزيد بن الهلب فخلت أفريقية من الجند وثار بها البربر فخرج إليهم حبيب والتقى معهم، فهزموه وهزموا عسكر طرابلس معه. فاشتدت الفتنة بأفريقية واشتعل نارها. واتاها أمراء القبائل من كل فج، واجتمعوا في اثني عشر عسكرا وتوجهوا إلى الزاب ولبس مع عمرو بن حفص إلا خمسة عشر ألفا وخمسمائة. وكان أمراء المغرب في ذلك الوقت ورؤسائهم أبو قرة الصفري في أربعين ألفا، وعبد الرحمن بن رستم الأباضيُّ في خمسة عشر ألفا وأبو حاتم في عدد كثير وعاصم السدراني في عدد كثير: قبل في ستة آلاف والمصور الزناتي في عشرة آلاف وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي الصفري في ألفين سوى جماعات. قال الرقيق: لم أذكرهم. فلما رأى عمرو بن حفص ما أحاط به من العساكر بمدينه طبنة بالزاب، جمع قواده، فاستشارهم، وقال لهم: (إني أريد مناهضة هذا العدو!) فأشاروا عليه ألا يبرح من مدينة طبنة وقالوا له: (أخرج من أردت إلى

стр. 66

عدوك ولا تخرج أنت! فإنك، أن أصبت، تَلَفَ المغرب وفَسد!) فوجه عمرو إلى أبي قرة مالا كثيرا وكسي كثيرة: على أن ينصرف عنه فقال: (لا حاجة لي بذلك!) فانصرف الرسول بذلك إلى أخيه. فدفع له بعض المال والثياب على أن يعمل في صرف أخيه أبي قرة والصفرية إلى بلادهم. فعمل في ليلته تلك، واجتمع بأهل العسكر فلام يعلم أبي قرة حتى انصرف عنه أكثر أهل العسكر فلم يجد بدا من اتباعهم. فلما انصرف الصفرية وجه عمرو إلى أبي رستم عسكرا، وكان تهودا فانهزم ابن رستم، وقتل من أصحابه نحو ثلاثة ألاف. ووصل منهزما إلى تيهرت. ورجع عمرو بن حفص إلى القيروان؛ فجعل يدخل إليها كل ما يصلحه من الطعام والمرافق وعدة الحصار. ثم أقبل أبو حاتم في جموعه حتى نزل عليه. وكثرت الفتن ببلاد أفريقية. ويقال أن عدة من حاصر القيروان مائة ألف وثلاثون ألف وكان ابن حفص يخرج إليهم في كل يوم فيحاربهم. فلم يزالوا كذلك ضاق أمرهم، وأكلوا دوابهم وكلابهم وسنانيرهم، وماتوا جوعا وانتهى الملح عندهم أوقية بدرهم. واضطرب علي ابن حفص أمره وساءت خلقه، وبلغ أن يزيد بن حاتم بعث أمير المؤمنين في ستين ألفا لنصرة القيروان. فقال: (لا خير في الحياة بعد أن يقال: يزيد أخرجه من الحصار! إنما هي رقدة وأبعث إلى الحساب!) وخرج، فجعل يطعن ويضرب حتى قتل في النصف من ذي الحجة من سنة ١٥٤. ولم يعط الحال تفصيل هذه السنين من سنة ١٥١ إلى ١٥٣ بعدها سنة: فاجتملت أمرها هنا أجملا مختصرا يغني عن أعادتها في كل واحدة منها. ولما قتل عمرو بن حفص، بايع الناس أخاه جميل بن حفص بالقيروان. فلما طال عليه الحصار، دعاه الاضطرار إلى مصالحة أبي حاتم، على أن جميلا وأصحابه لا يخلعون سلطانهم، ولا ينزعون سوادهم. فغضب أبو حاتم،

стр. 67

وأحرق أبواب القيروان، وثلم سورها ودخلها. ولما دخل أبو حاتم القيروان، أخرج أكثر أهلها إلى الزاب. ثم بلغ قدوم يزيد بن حاتم؛ فتوجه للقائه نحو طرابلس وأستخلف على القيروان عبد العزيز المعافري. فقام عليها عمر بن عثمان؛ وقتل أصحاب أبي حاتم. فزحف إليهم أبو حاتم إلى القيروان؛ فاقتتل معهم. وتوجه أبو عثمان إلى تونس؛ ورجع أبو حاتم إلى طرابلس، حين بلغه قدوم يزيد ابن حاتم. فقيل إنه كان بين العرب والبربر، من لدن قاتلهم عمرو بن حفص إلى انقضاء أمرهم، ثلاثمائة وخمس وسبعون وقيعة. وفي سنة ١٥١ ولي المنصور عمرو بن حفص المتقدم الذكر أفريقية. فقدمها في صفر في خمسمائة فارس. وكان قد ولي أفريقية سنة ١٥٠، بعد موت الأغلب، المخارق بن غفار الطائي، أستخلفه الأغلب على القيروان؛ واجتمع الناس عليه في رمضان؛ فوجه الخيل في طلب الحسن بن حرب؛ فهرب من تونس إلى كتامة فأقام شهرين، ورجع إلى تونس؛ فخرج إليه من بها من الخيل؛ فقتل الحسن بن حرب. وفي سنة ١٥٢ كان ما تقدم ذكره على الجملة الأفريقية. وفيها عزل المنصور يزيد بن حاتم عن مصر، وولاها محمد بن سعيد. وكان سائر عمالها الذين كانوا في السنة قبلها وفي سنة ١٥٣، قال الطبري: قتل عمر بن حفص: قتله حاتم الأياضي وأبو غادي ومن كان معهما من البربر؛ وكانوا فيما ذكر ثلاث مائة ألف وخمسون ألفا، الخيل منها خمسة وثلاثون ألفا، ومعهم أبو قرة اليقرني أمير تلسمان، في أربعين ألفا. وكان يسلم عليه بالخلافة هكذا ذكر ابن القطان في (نظم الجمان) وقد يقدم أن قتل عمرو بن حفص كان سنة ١٥٤. ذكر كذلك الرقيق وابن حماده وغيرهما. قال الرقيق وعريب: وفي سنة ١٥٣ زحف أبو قرة من تسلمان في جمع

стр. 68

من كبير من البربر إلى القيروان. فصالحه عمرو بن حفص وانصرف. وفيها ثارت البربر بطرابلس وقدموا أبا حاتم الأباضي: وأسمه يعقوب بن لبيب. وفي سنة ١٥٤، قال عريب: استخلف عمرو بن حفص على طبنة المهنى بن المخارق، وخرج عمرو إلى القيروان، فأقبل إليه أبو حاتم الأباضي إلى أن قتل عمرو كما تقدم ذكره. ولما بلغ المنصور قتل عمرو وبعث إلى أفريقية يزيد بن حاتم، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وفي سنة ١٥٥، قال الطبري: فيها افتتح يزيد بن حاتم أفريقية، وقتل أبا غادي وأبا حاتم، واستقامت بلاد المغرب، ودخل يزيد بن حاتم القيروان ثم قدم يزيد. ولاية يزيد بن حاتم أفريقية والمغرب وهو يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، وكان يكنى أبا خالد. ولاه أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور العباسي وحاله في كرمه. وجوده، وشجاعته، وبعد صيته، ونفاذ رأيه، وتقدمه، معروف غير منكر. وكان كثير الشبه بجده المهلب ابن أبي صفرة في حروبه وكرمه، وكان له أولاد مذكورون بالشجاعة والإقدام. ويقال إنه انتهى ولد المهلب ثلاثمائة ولد من الذكور والإناث، من مات منهم ومن عاش. وكان أبو جعفر المنصور عالما ببلاد أفريقية، وكان لا يبعث إليها إلا خاصته. وكان يزيد هذا حسن السيرة فقدم أفريقية، وأصلحها، ورتب أسوار القيروان، وجعل كل صناعة في مكانها. ولم تزل البلاد هادئة إلى أن ثارت عليه البربر. فزحف لهم وأوقع بهم. وله فيهم ملامح مشهورة. وقيل فيه: (شتان ما بين اليزيدين!) يعني يزيد بن سليم ويزيد بن حاتم. ومن شعر ربيعة فيه. في قصيدة (طويل) :

стр. 69

حلفت يمينا غير ذي مثنوية ... يمين أمري آلي وليس بآثم لشاتنا ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم وقدم يزيد على أفريقية ومعه كل من جند من الشام والعراق وخراسان، فنزل أولا طرابلس، وسار إليه أبو حاتم، فزحف إليه يزيد، واقتتل معه قتالا شديدا. فانهزم أبو حاتم وقتل هو وكثير من أصحابه. واتبع سائرهم، فقتل من أدرك منهم. واستعمل يزيد على طرابلس سعيد بن شداد، وحينئذ نهض إلى القيروان، فدخلها يوم الاثنين لعشر بقين لجمادى الآخرة من هذه السنة. وفي هذه السنة، أنكرت الصفرية المجتمعة بسلجمانة على أميرهم عيسى بن يزيد أشياء، فشدوه وثاقا ووضعوه على قنة جبل، فلم يزل كذلك حتى مات، وقدموا سمغو بن واسول بن مدلان المكناسي جد مدرار. وفي سنة ١٥٦ بعث يزيد بن حاتم العلاء بن سعيد المهلبي مددا لمخارق بمدينة طبنة بالزاب، وقلعة حبحاب بجبل كتامة، وهرب عبد الرحمن بن حبيب عنها وقتل العلاء جماعة ممن أدرك فيها. ثم انصرف إلى القيروان. وثار على يزيد بن حاتم أبو يحيى بن قرياس الهواري بناحية طرابلس، واجتمع إليه كثير من البربر. وكان بها عبد الله بن السمط الكندي قائدا ليزيد، فالتقوا على شاطئ البحر، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم أبو يحيى وقتل عامة أصحابه. وتهدنت أفريقية ليزيد بن حاتم وضبطها. وفي سنة ١٥٧، جدد يزيد يناء المسجد الجامع بالقيروان. وكان غاية في الجود والحسن. وفيها توفي أبو جعفر المنصور، في ذي الحجة من السنة المؤرخة. وفي سنة ١٥٨، ولي الخلافة المهدي، بويع يوم مات أبو جعفر بمكة - شرفها الله - نعهد من أبيه، وذلك يوم السبت لست خلون لذي الحجة. واستقل بالملك والخلافة في هذه السنة. وكان أديبا ن جوادا، محبا لآهل الأدب والشعر.

стр. 70

وقد ذكرنا بعض أشعاره وأخباره في تاريخ المشرق، والغرض هنا أخبار المغرب الأقصى والأوسط وفي سنة ١٦٣، توفي أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن أنعم القاصي بالقيروان، وصلى عليه أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وتمثل بهذا البيت لما رأى ازدحام الناس عليه (بسيط) . يا كعب ما راح من قوم ولا أنكروا ... ألا وللموت في آثارهم حادي وكان مرضه إنه أكل حوتا وشرب عليه لبناً على مائدة يزيد، وكان قد جاوز ٩٠ سنة، فهلك من ليلته. وفي سنة ١٦٣، أمر المهدي يحيى بن خالد بن برمكة أن يكون كاتبا لأبنه هارون، وقال له: (إني اخترتك ووليتك الكتابة) وأمر له بمائة ألف درهم معونة على سفره مع هارون إبنه. وفي سنة ١٦٥، أغزى المهدي ابنه هارون إلى بلاد الروم، في ٩٥ ألفا، بمائة ألف ألف من العين، وبعشين ألف ألف من الورق. فبلغ خليج البحر على القسطنطينية، وأذعن له الروم بالجزية ٩٠ ألف دينار في كل سنة وانصرف بخمسة آلاف من الأسرى والغنائم. وفي سنة ١٦٦، قدم هارون ابن أمير المؤمنين كمنم غزوته هذه، وقدمت الروم بالهدية والجزية. وفيها سخط المهدي على وزيره يعقوب بن داود. وكان قد فوض إليه أمور خاصته!. وفي سنة ١٦٩، توفي المهدي بن المنصور واختلف في سبب موته: فقيل مسموما غلطا وقيل غير ذلك واستخلف ابنه موسى الهادي. وفي سنة ١٧٠، توفي موسى الهادي في ربيع الأول، وهو ابن ستة وعشرين سنة ونصف، فكانت خلافته سنة وشهرين واستخلف هارون بن محمد الرشيد.

стр. 71

وفي سنة ١٧١، توفي أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وكان خاصا بأبي جعفر المنصور، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه المغرب ك منها أرمينية، والسند، ومصر، وأذربيجان، وغير ذلك، وكانت ولايته مصر سنة ١٤٤ إلى سنة ١٥٣ وكان حسن السيرة بأفريقية، امتدحه كثير من فحول الشعراء، فأجزل لهم العطاء. قال الزبير بن بكار عمن حدثه من الشعراء، قال: (كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولا ألقاه.) فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فألقيه. فأنشده منذ خرج من مسجد رسول الله ﷺ إلى مسجد الشجرة. فأعطاه رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار. هكذا ذكر الرقيق. ومما قيل (كامل) .. يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا إني لأرجو إذ بلغتك سالما ... ألا أكابد بعدك الأسفار وفيه قيل (طويل) : شتان ما بين اليزيدين في الندى ... إذا عد في الناس المكارم والمجد وقوله: (لشتان ما بين اليزيدين) مثلٌ يتمثل به في كل ناحية على لسان كل سائر. وكان على ربيعة الشاعر دية فأعطاه عشرة ديات، ووصله وأحسن إليه وكان سخيا ومن قول يزيد بن حاتم رحمة الله (بسيط) ما بألف درهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما يسيرا ثم ينطلق يمر مرا عليها وهي تلفظه ... إلى أمرؤ لم يحالف خرقتي الورق ومن أخباره بأفريقية ﵀ روى إن بعض وكلائه زرع قولا كثيرا في بعض رياضاته. فقال له: (يا بني يابن اللخناء أتريد أن أعبر بالبصرة،

стр. 72

فيقال: (يزيد بن حاتم يا فلان) ثم أمر أن يباح للناس، وخرج أيضا يوما في طريقه من القيروان متنزها. فنظر إلى غنم كثيرة كانت لابنه فزجره عليها وأمر بذبحها وأن تباح للناس، فانتهبوها وأكلوها، وجعلوا جلودها في كدية، فهي تعرف من ذلك الوقت بكدية الجلود. وكانت وفاته في رمضان من سنة ١٧١ فكانت ولايته خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر في بعض خلافة المنصور وخلافة المهدي كلها وبعض خلافة هارون الرشيد. ولاية داود بن يزيد بن حاتم أفريقية استخلفه أبوه في مرضه فأقام واليا بأفريقية تسعة أشهر ونصفاً، يحارب أمراء قبائل البربر محاربة عظيمة، وكان بينه وبينهم مواقف كثيرة في جبال باجة وغيرها. وقال عليه نصير بن صالح الأياضي فخرج إليه المهلب ين يزيد فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليما بن يزيد في عشرة آلاف فهرب البربر أمامهم فتبعهم، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وأقام داود على أفريقية إلى أن قدم عليه عمه روح بن حاتم أميرا على المغرب. ذكر ابتداء الدولة الهاشمية بالبلاد الغربية وهم الأدارسة ﵏ - اتفق جماعة المؤرخين إن دخول إدريس بن عبد الله ﵁ إلى المغرب كان في سنة ١٧٠، وهو إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي ﵁ وكان دخوله في إمارة يزيد بن حاتم أفريقية وإمارة هشام بن عبد الرحمن لداخل بقرطبة، وأول ظهور بني مدرار بسلجمانة. وكان نزوله بوادي الزيتون، بموضع يعرف بمدينة البلد وكان وصوله مع مولاه راشد.

стр. 73

وقال البكري في (المجموع المفترق) وكان نزوله بوليلى وهي اسم لطنجة باللسان البربري وذكر محمد بن يوسف أنها كانت على مسافة يوم من موضع فاس الآن. وكانت مدينة أزلبة وبها مات إدريس ﵁ وكان سبب وصول إدريس إلى المغرب، على ما ذكر الرقيقي والنوفلي في (المجموع المفترق) وغيرها من المؤرخين، وذلك أن الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵁ كان قد قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي الحجة سنة ٦٩ وخرج معه جماعة من إخوانه وبني عنه ومنهم إدريس ويحيى ابنا عبد الله بن حسن وبلغ ذلك الهادي، فولى حربه محمد بن سليمان بن على وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه وأفلت إدريس هذا الداخل إلى المغرب، فهرب إلى مصر وكان على بر يدها واضح، مولى صالح بن المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بمدينة وليلة من أرض طنجة، فاستجاب له من بها من قبائل البربر ولما ولى الرشيد وبلغه أمره، بعث إلى واضح، فضرب عنقه ودس إلى إدريس الشماخ مولى الهادي، فخرج حتى وصل وليلة، وذكر إنه متطبب من شيعتهم العلوية ودخل إلى إدريس فأنس به واطمئن إليه ثم إنه شكى له علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمر أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه. وهرب الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن إدريس، وأكثر منه في فمه فسقطت أسنانه ومات من وقته وطلب الشماخ، فلم يظفر به، وقدم على الرشيد، فولاه بريد مصر هكذا ذكر الرقيق في كتابه. وفي سنة ١٧٢، اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، فأعطوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته

стр. 74

ومتشرفين بخدمته طول حياته. وكان رجلا صالحا مالكا لشهواته، فاضلا في ذاته، مؤشرا للعدل مقبلا على أعمال البر وفي سنة ١٧٣، كان خروجه بعساكر القبائل الغربية حتى انتهى إلى بلاد السوس الأقصى، ودخل ماسة، فغنم وسبى، ورجع إلى الغرب سالما غانما. وفي سنة ١٧٤، توجه بعسكره إلى رباط تازا لما قفل من حركة السوس. فوجد في جبلها معدن الذهب. وأجابه جميع القبائل الغربية وأطاعوه وبايعوه في هذه السنة، وكملت له الإمارة فيهم. ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أفريقية ولاه عليها أمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد، فقدمها في سنة ١٧١. وكان له ولايات كثيرة: فحجب المنصور، ثم ولاه البصرة، وولى الكوفة في أيام المهدي، وولي السند وطربستان وفلسطين وغير ذلك. ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور، فقال له. (لقد طال وقفك في الشمس!) فقال له: (ليطول بذلك وقفي في الظل) وفىّ له ابنٌ، فدخل عيه أصحابه وهو ضاحكٌ فتوقفوا عن تعزيته، فعرف ذلك منهم فأنشأ يقول (طويل) . . وأنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قسم الظهر وقيل إنه بعث لكاتبه ثلاثين ألف درهم ووقع إليه: (إني بعثت إليك بكذا، لا أستقلها لك تكبرا، ولا أستكثرها تمننا، ولا أقطع عنك بها رجاء بعد. والسلام.) وكان روح أكبر سنا من أخيه يزيد واكثر ولاية. وعندما يطول جلوسه بالقيروان، ربما خطر عليه النعاس من الضعف والشاخة وكان بكى أبا خالد

стр. 75

توفي ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة ١٧٤، فكانت ولايته ثلاثة سنين وثلاثة أشهر. ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة. فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن روح عاملا في الزاب، فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام ١٧٤. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر. وفي سنة ١٧٥، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة. وفي سنة ١٧٦، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتّم الرشيد لذلك ولم
следующие страницы →