← История

История · id 11782

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ابن عذاري المراكشي

Полный текст (609 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وفي سنة ٢٥٩، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا. وفي سنة ٢٦٠ كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون (المجموعة) ، وكان مجاب الدعوة. وفي سنة ٢٦١ توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه. ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. فقالوا له (قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!) وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم. فقال لهم (قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره) فقالوا له (تكون أمير في دارك بالقصر القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا له بيعة!) فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب. وفي سنة ٢٦٢ توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من

стр. 107

خيار القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة مدينة تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس. وفي سنة ٢٦٣ ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة. وفي سنة ٢٦٤ كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن بن رباح صقلية. وفي سنة ٢٦٥ غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم. وفي سنة ٢٦٦ كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون أرض الروم المجاورين لهم. وفي سنة ٢٦٧ ولي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن العباس جزيرة صقلية. وفيها

стр. 108

كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على إفريقية. وهاأنا أذكر قصته إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه على خمسة آلاف جمل إلى مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب عليها وإخراج بني الأغلب عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهبا فأعطى أصحابه الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه أظهر الامتناع من الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر فقال (أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر (يعني عساكر أبيه، لأنه كان ثائرا على أبيه) ويكون أيضا في ذلك فسحة لإبراهيم بن أحمد فيتمهل في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة وإطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون (يعني أباه) أمل في مطالبتي لبعدي عنه!) وخرج يريد لبلده فأنصل خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس، خيلا مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها وأقبل العباس ابن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلا من لبدة وقد تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من

стр. 109

ناوشة من أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى إطرابلس منهزما وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها المجانيق وناصبهم الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم سودانه على بعض حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور صاحب منقوسة فقام متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا من رجال نفوسة إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي عبد الله الكاتب (ما الرأي؟) فقال له (ببرقة خلفته!) وألح أهل نفوسة في محاربة ابن طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع عسكره. ول يتلبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد قد حشد الأجناد وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ثم خرج بنفسه يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن الأموال وأخذ ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة ٢٦٨ كان فتك إبراهيم بن الأغلب بأهل الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا فيها وفيها عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة ٢٦٩ توفي سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا الناس إليه فهموا بقتله. وفي سنة ٢٧٠ توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة. وفي سنة ٢٧١، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ووليها سواد بن محمد بن خفاجة التميمي.

стр. 110

وفي سنة ٢٧٢ أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى صقلية. وفي سنة ٢٧٣ وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة ٢٧٤ كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله سماع من سحنون. وفي سنة ٢٧٥ كان لأهل صقلية على المشركين صولة، فقتل فيها من المشركين أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى الروم كثير من المدن والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين إلى الأرض الكبيرة فسبت وانصرفت. وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم. ثورة الدراهم على إبراهيم بن أحمد وذلك أن إبراهيم بن أحمد ضرب الدراهم الصحاح، وقطع ما كان يتعامل به من القطع. فأنكرت ذلك العمة وغلقوا الحوانيت، وتألفوا، وصاروا إلى رقادة، وصاحوا على إبراهيم، فحبسهم في الجامع. وتصل ذلك بأهل القيروان فخرجوا إلى الباب وأظهروا المدافع. فوجه إليهم إبراهيم بن أحمد وزيره أبا عبد الله بن أبي إسحاق فرموه بالحجارة وسبوه. فانصرف إلى السلطان إبراهيم بن أحمد، فأعلمه بذلك. فركب إبراهيم إلى القيروان، ومعه حاجبه نصر بن

стр. 111

الصمصامة في جماعة من الجند، فناصبه أهل القيروان القتال. فتقدم إبراهيم بن أحمد إلى المصلى، فنزل وجلس وكف أصحابه عن قتاله. فلما اطمأن به مجلسه، وهدأ الناس، خرج إليه الفقيه الزاهد أبو جعفر أحمد بن مغيث، فمان بينهما كلام كثير. ودخل أبو عبد الله بن أبي إسحاق الوزير مدينة القيروان مع أحمد بن مغيث فشق صماطها وسكن أهلها. فرجع إبراهيم بن أحمد إلى رقاده، وأطلق المحبوسين بالجامع. وانقطعت النقود والقطع من أفريقيا إلى اليوم، وضرب إبراهيم بن أحمد دينارا ودرهما وسماها العاشرية، في كل دينار منها عشرة دراهم. وفيها، عزل عبد الله بن أحمد بن طالب بن سفيان عن قضاء أفريقيا وحبسهة، ثم أرسل إليه بطعام مسموم وأكله في الحبس، فمات من فوره في رجب، واستقضى إبراهيم بن أحمد محمد بن عبدون بن أبي ثور، وكان جده طحانا، وكان يكتب أسمه: محمد بن عبد الله الرعيني. وفي سنة ٢٧٦ كان الجهاد بصقلية في غزوة سوادة بن محمد إلى طرمين، فحاصرها. وفيها حبس إبراهيم بن أحمد كاتبه محمد بن حيون المعروف بابن البريدي فكتب إليه من السجن (بسيط) : هبني أسأت فأين العفو والكرم إذ قادني نحوك الإذعان والندم يا خير من مدت الأيدي إليه أما ترثي لصب نهاه عبدك القلم بالغت في السخط فأصفح صفحا مقتدرا أن الملوك إذا ما استرحموا رحموا

стр. 112

قال: فلما قرا إبراهيم بن أحمد أبياته، قال: (يكتب إلي: (هبني أسأت!) وهو قد أساء! أما إنه لو قال (وافر) : ونحن الكاتبون وقد أسأنا ... فهبنا للكرم الكاتبينا لعفوت عنك!) ثم أمر - قبحه الله - به، فجعل في تابوت حتى مات - رحمه الله تعالى! - ٢٧٧ قتل إبراهيم بن أحمد حاجبه نصر بن الصمصامة بان ضربه خمسمائة صوت، فلم ينطق بكلمة ولا تحرك من موضعه ثم أمر بضرب عنقه. فقال لنن حوله (لا تظنوا أني أجزع من الموت!) ووددهم إنه يفتح يده ويغلقها ثلاث مرات بعد ضرب عنقه ففعل، فأخبر إبراهيم بذلك فتعجب وأمر بشق بطنه شقا لطيفا ويؤتي إليه بقلبه. فنظر منه إلى منظر عجيب وذلك أمه كان فأتى في كبده ووجت فيه شعيرات نابت في أكثر أجزائه. وفي سنة ٢٧٨ كانت ولاية أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب للمظالم، وولاية محمد بن الفضل صقلية، وعرض ديوان الخراج على سوادة النصراني على أن يسلم، فقال: (ما كنت لأدع ديني على رياسة أنالها!) فقطع بنصفين وصلب. وفي سنة ٢٧٩ كانت ولاية محمد بن الفضل صقلية. ودخل حضرة بلرم لليلتين خلتا من صفر. وفيها، قتل إبراهيم بن أحمد من أهل أفريقية من قتل بطرا وشهوة فممن قتل في هذه السنة: إسحاق بن عمران المتطبب المعروف بسم ساعة؛ قتله وصلبه، ومنهم حلجبه فتح، ضربه بالسياط حتى مات. وقتل فيها جميع فتيانه؛ وسبب ذلك إنه كان كثير الإصغاء إلى قول المنجمين والكهنة، وكانوا قالوا له إنه يقتله رجل ناقص العقل، وانه يمكن أن يكون فتى، فكان إبراهيم، إذا

стр. 113

رأى أحد من فتيانه، فيه حركة ونشاط وجدة، يتقلد سيفا، قال: (هذا هو صاحبي!) فلما قتل منهم جماعة، وقع بقلبه إنه قد استفسد إليهم فضمه الحذر منهم إلى قتل جميعهم، فقتلهم في هذا العام، واستخدم عوضا عنهم السودان. ثم عرض لهم منه ما عرض للفتيان الصقالبة: فقتل السودان أجمعين. وفي سنة ٢٨٠ كان الإيقاع برجال بلزمه، وقصتهم ان إبراهيم بن احمد ابن الأغلب كان قد حاربهم وأستقدم منهم إلى مدينة رقادة نحو من سبعمائة رجل من ابطالهم، فأنزلهم ووسع عليهم، وبنى لهم دارا كبيرة تشمل على دور ترجع إلى باب واحد، وأسكنهم فيها. فلما سكنوا واطمأنوا، جمع ثقات رجاله لأخذ أرزاقهم؛ ثم أمرهم بمصابحة ابنه عبد الله لما أمره به. فلما اجتمعوا إليه ركب إلى دار البلزميين في الجند، فقتلهم عن أخرهم، بعد أن دافعوا عن أنفسهم إلى وقت العصر. وكان ذلك من أسباب انقطاع دولة بني الأغلب، إذ كان أهل بلرمة في نحو ألف رجل من أبناء العرب والجند الداخلين إلى أفريقية عند افتتاحها وبعده، وكان أكثرهم من قيس، وكانوا يذلون كتامة. فلما قتلهم إبراهيم، استطالت كثامة، ووجدت السبيل للقيام مع الشيعي على بن الأغلب. وفيها، كان تمنع البلاد ومخالفتها على السلطان إبراهيم بن أحمد، وانتزاء من انتزى عليه. وذلك أن أهل تونس والجزيرة والأربس وباجة وقمودة خالفوا عليه وقدموا على أنفسهم رجالا من الجند وغيرهم، لأن السلطان إبراهيم بن الأغلب أخذ عبيدهم وخيلهم، وجار عليهم، فصارت أفريقية على نار موقدة، ولم يبق يده من أعمال إلا الساحل والشرق إلى طرابلس. فحفر حفيرا حوالي رقادة، ونصب عليها أبواب حديد، وجمع إلى نفسه ثقاته، وقرب السودان من قصره، وقد كان جمع منهم خمسة آلاف أسود ز وفيها، وكانت وقائع انجلت عن فتح تونس عندة، قمودة تحركوا لقتال إبراهيم بن الأغلب؛ فأخرج إليهم ميمونا الحبشي. فقاتلهم حتى

стр. 114

انهزموا، وقتل جماعة منهم، ثم فعل ذلك أهل تونس، فهزمهم ميمون أيضا، وهزم أهل الجزيرة وصطفورة، وقتل منهم كثيرا، حتى سيق القتلى في العجل إلى القيروان. ثم دخلت تونس بالسيف، لعشر بقين من ذي الحجة، فنهبت الأموال وسبيت الذرية، واستحلت الفروج. ومما كان بأفريقية في هذا العام، دخول أبي عبد الله، داعية الشيعة أفريقية، ونزوله بكتامه منها. فلنذكر الآن مبتدأ أمرا مختصرا، إلى أن استقل بالملك. ثم نرجع ما كنا بصدده. ابتداء الدولة العبيدية الشيعية قال الوراق: لم تزل الشيعة منذ مات على ابن أبي طالب ﵁ تدعو إلى إمام معصوم، يقوم بالحق، على زعمهم؛ فترسل دعاة إلى سائر النواحي، فلا ينجح لهم سعي. ثم تفاوضوا وتراسلوا على أن يرسلوا داعيا إلى المغرب، يدعو الناس إلى التدين بحب الله البيت، وتكاتبوا من سائر الأفاق. فاختاروا منهم رجلا ذا فهم، وفصاحة وجدال، ومعرفة، يسمى أبا عبد الله الصنعاني، وجمعوا له مالا يتقوى به على سفره. فسار أبو عبد الله هذا إلى موسم الحج ليجتمع به مع من يحج تلك السنة من أهل المغرب، ويذوق أخلاقهم، ويطلع على مذاهبهم، ويتحيل على بيل الملك بضعيف الحيل. فسبحان مقدرة المقدورة، ومحكم الأمور كيف يشاء لا إله إلا هو فلما وصل للموسم، لا للحج لأن الحج ليس من مذهبهم الفاسد، بل تكلف حضوره ليتسبب في مراده، فرأى في الموسم قوما من أهل المغرب، فلصق بهم وخالطهم. وكانوا نحو عشرة رجال من قبيلة كتامة، ملتفين على شيخ منهم. فسألهم عن بلادهم، فأخبروه بصفتها، وسألهم عن مذهبهم، فصدقوه عنه. فتكلم أبو عبد الله الداعي في المذاهب؛ فوجد الشيخ يميل في مذهبه إلى مذهب الأباضية النكارة، فدخل

стр. 115

عليه من هذه الثملة ولم يزل يستدرجهم ويخلبهم بما أوتي من فضل اللسان والعلم بالجدل إلى أن سلبهم عقولهم بسحر بيانه. فلما حان رجوعهم إلى بلادهم سألوه عن أمره وشأنه فقال لهم (أنا رجل من أهل العراق وكنت أخدم السلطان ثم رأيت أن خدمته ليست من أفعال البر فتركتها وصرت أطلب المعيشة من المال الحلال فلما أر لذلك وجها ألا تعليم القرآن للصبيان، فسألت أين يأتي ذلك تأتيا حسنا، فذكر لي بلاد مصر.) (ونحن سائرون إلى مصر وهي طريقنا. فكن في صحبتنا إليها!) ورغبوا منه في ذلك فصحبهم في الطريق. فكان يحدثهم ويميل بهم إلى مذهبه ويلقي إليهم الشيء بعد الشيء إلى أن أشربت قلوبهم محبته فرغبوا منه أن يسر إلى بلادهم ليعلم صبيانهم. فاعتذر لهم بعد الشقة وقال: (أن وجت بمصر حاجتي أقمت بها وألا فربما أصحبكم إلى القيروان.) فلما وصلوا مصر غاب عنهم كأنه يطلب بغيته. ثم أجتمع بهم وسألوه فقال لهم: (لم أجد في هذه البلاد ما أريد.) فرغبوه أن يصحبهم فأنعم لهم بذلك. فكانوا في صحبته حتى وصلوا إلى القيروان فرادوه على أن يصل معهم إلى البلاد وضمنوا لهم ما أراد من تعليم الصبيان فقال لهم (لابد لي المقام بالقيروان حتى أطلب فيها حاجتي. فلما اتفق لي فيها غرضي وإلا نهضت إليكم.) وكان شيخهم أحرصهم عليه وأكرمهم له، فوصف له منزله وموضعه من قبيلة كتامة، فأقام بالقيروان يتعرف أخبار القبائل حتى صح عنده أن ليس في قبائل أفريقية أكثر عددا ولا أشد شوكة ولا أصعب مراما على السلطان، من كتامة. فلما تقرر ذلك عده، نهض نحو صاحبه الشيخ الكتامي، فاشترى بغلة شهباء ودخل الطريق مع الفقة حتى قرب من موضع الشيخ صاحبه، فعدل إليه، ومر في الطريق بأندر، والبقر فيه تدرس الزرع ورجل كهل من أهل كتامة جالس فيه مع ابنه، فقرب منهما، وسلم عليهما. فقاما إليه ورحبا به، ورغبا منه في النزول

стр. 116

عندهما، فأجابهما إلى ذلك، فأنزلوه وأكرموه. فقال الداعي للرجل: (ما اسم ولدك هذا؟) قال: ما اسمك أنت؟ قال: مُعارِك. فقال في نفسه: تم أمرنا أن شاء الله، لكن بعد مَعارك. ثم أراد الداعي الانصراف، فصرفوه مع امرأة نتدله على الطريق، لأن الحرب كانت بينهم وبين بني عمهم. فسار حتى نزل في منزل من منازل كتامة. فأتى المسجد، وفيه معلم يعلم الصبيان. فقام إليه المعلم وسلم عليه، وهو راكب على بغلته الشهباء فجعل المعلم يطيل النظر إليه، فاستراب لذلك أبو عبد الله، ونزل عن الدابة ودخل المسجد. ثم دعا المعلم فقال له: لقد رأيتك تنظر إلي كثيرا وإلى البغلة. فقال له: ذلك لسبب أنا أقوله لك. وذلك إنه كان فيهما تقدم رجل من كتامة كاهن، يقال له فيلق، وكان إذ رأى تفاتنهم يقول لهم: إنما ترون الحرب إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة الشهباء. فلما رأيتك، تذكرت قوله. فلما وقر ذلك في سمعه استبشر. وكان ذلك والذي قبله من الفال تقوية له على أمره، وزيادة إقدام، لولا هو لم يقدر أن يتجاسر على شيء منه. فسبحان مسبب الأسباب. فسار عبد الله الداعي حتى وافى منزل الشيخ صاحبه الكتامي، فقصد إلى المسجد ونزل به، وفيه معلم يعلم الصبيان وعنده أبناء الشيخ صاحبه فلما حان وقت الظهر أذن المعلم فسمع الشيخ الأذان فخرج إلى المسجد، فرأى عبد الله فسلم عليه، وعانقه فلما أراد المعلم الدخول للمحراب، أخره عنه الشيخ وقدّم عبد اله لداعي، فلما انقضت الصلاة قم معه إلى منزله وبالغ في إكرامه، وتحدث معه إلى أن حانت صلاة العصر، فخرج معه لصلاة. فاستراب معلم الصبيان بذلك فترك ذلك المسجد والتعليم فيه وانصرف. وصار عبد الله في ذلك المسجد يصلي ويعلم الصبيان. واجتهد

стр. 117

في تعليم الأولاد فجمعوا له أربعين دينارا، وزاد عليها الشيخ وأتى بها إلى أبي عبد الله، فدفعها له، واعتذر له من ذلك. فتركها أبو عبد الله أمامه ورد يده إلى كيس كان معه، وصب منه خمسمائة دينار أمام الشيخ وقال له: لست بمعلم الصبيان إنما الأمر ما أخبرك به فاسمع إنما نحن أنصار أهل البيت وقد جاءت الرواية فيكم يا أهل كتامة! إنكم أنصارنا، والمقيمون لدولتنا، وإن الله يظهر بكم دينه، ويعز بكم أهل البيت! وإنه سيكون غمام منهم أنتم أنصاره والباذلون مهجتهم دونه، وإن اله يستفتح بكم الدنيا كلها ويكون لكم أجركم مضاعفا. فيجتمع لكم خير الدنيا والآخرة!. فقال له: الشيخ: أنا أرغب فيما رغبتني فيه وأبذل فيه مهجتي ومالي ومن اتبعني وأنا أطوع إليك من يدك: فمر بما شئت أمتثله!. فقال له: ادع لخاصة من بني عمك الأقرب فالأقرب. فقال: نعم. فنظر الشيخ فيما قاله، وبث دعوته في أقاربه ومن يختص به. وجاء شهر رمضان. فقال أبو عبد اله للشيخ: إن رمضان قد جاء ومذهبنا أن لا تصلى التراويح لأنها ليست من سنة النبي ﷺ وإنما سنها عمر ونحن نطوّل القراءة في صلاة العشاء الأخيرة، ونقرأ بالسور الطوال، فيكون ذلك عوضا عن التراويح. فقال له الشيخ: أنا طائع لك فافعل ما تريده. وبلغ خبر هذه الصلاة ولمع من أخبار هذا لداعي إلى بعض من اتصل بمنزل الشيخ وبأخيه. فسار أخو الشيخ إليه وقال له: ما لك ولهذا المشرقي الذي أفسد دينك. وغيّر مذهبك؟. فلما فرغ من كلامه قال له الشيخ: أنا أدعوك للأمر الذي دخلت فيه، فأما أن تتقلد ما تقلدته وأما أن لا تلقاني بذم من قد بلوت خيره وفضله ودينه!. فانصرف عنه أخوه مغضبا. وانفرد الشيخ مع سائر الجماعة، فوصف لهم أبا عبد اله بكل فضيلة حتى تمكنت محبته في قربهم، ثم أخرجه إليهم وقال له: كلمهم يا أبا عبد

стр. 118

الله فكلمهم بلسانه وقال لهم: أنتم أنصار أهل البيت وشيعته! حتى خلب عقولهم بحلاوة لفظه. فلم يبرحوا حتى دخلوا في دعوته. ثم أن أخا الشيخ توجه إليه، يفخر عليه بمعلم أولاده، ويدعي إنه أعلم من أبي عبد الله ويطلب مناظرتهما. فتواعدوا لذلك. ولنا حان الموعد جاء أخو الشيخ وأبنائه، وبلغ أخاه مجيئه، فأتى بجماعة منت بني عمه ممن دخل في مذهبه وقال لهم: إذا نحن اجتمعنا، اضربوا أنتم على قيطون أخي كأنكم أعدائه! وأمر جماعة أخرى، فكمنت له في طريقه. فبينما أخو الشيخ مع معلمه وأولاده، إذ صرخت صارخة من نحو قيطونة، فأسرع يركض إلى ناحيته، فخرج عليه الكمين، فخبطوه بأسيافهم، وتركوه عقيرا. وبلغ الشيخ خبر قتل أخيه، فبادر كأنه لا علم عنده من ذلك، وجاء بنو عمه يعزونه في أخيه، فذبحت البقر، وصنع طعاما لبني عمه ونعى لهم أخاه، واحتال على قوم من بني عمه وأخذ عليهم العهود والمواثيق بطاعة الداعي فاجتمع له منهم خلق كثير. وأقام هذا الشيخ في حرب مع قومه وبني عمه مدة من سبعة أعوام، إلى أن وافاه أجله. فلما حضرته الوفاة، جمع بني عمه وقرابته، وقال لهم: أوصيكم بهذا الرجل ألا تختلفوا عليه! وأوصى عبد اله على أولاده، وقضى نحبه. فالتزمت كتامة الطاعة لأبي عبد الله ودخلت قبائل كثيرة في دعوته. فصير لهم ديوانا، وألزمهم العسكرية، وقال لهم: أن لا أدعوكم لنفسي، وإنما أدعوكم لطاعة الإمام المعصوم من أهل البيت، الذي صفته كذا وكذا. ووصف لهم من كراماته ما تنكره العقول. فكانت تصح عندهم، ويقول لهم: هو صاحب هذا الأمر، وأنا منصرف من بين يديه إذا ظهر! يعني عبيد الله. ولم يكن رآه قط، وإنما يسمع من شيوخ الشيعة، وكان يعتقد ذلك اعتقادا

стр. 119

صحيحا لا مرية فيه، إلى أن صفا له أمر البربر، فنازل الحواضر وهزم ملك أفريقية وانتزعها من يديه. وفى سنة ٢٨١، أمر إبراهيم ابن الأغلب صاحب أفريقية ميمونا الحبشي أن يسير إلى تونس، فيقتل بها جماعة من بني تميم وغيرهم، فقتلوا وصلبوا على بابها. فوفد أكابر أهل تونس مع ميمون الحبشي، فكسا السلطان ميمونا الخزّ والوشي والديباج، وطوقه بالذهب، وحماه على فرس، وصرفه إلى تونس من غده. وفيها خرج السلطان إبراهيم بن الأغلب إلى تونس، لثمان خلون من رجب، فاستوطنها. وفي سنة ٢٨٢، انعقد الصلح بين أهل صقلية والروم لأربعين شهرا على إخراج ألف أسير من المسلمين، وعلى أن تكون عندهم رهائن الإسلام في كل ثلاثة اشهر من العرب وثلاثة من البربر وفيها قدم إبراهيم بن الأغلب بنيه على بلاد أفريقية. وفي سنة ٢٨٣، رجع إبراهيم بن أحمد من تونس إلى رقادة. وخرج أبو منصور أحمد بن إبراهيم إلى طرابلس. وخرج أبو بحر بن أدهم إلى مصر. وفيها كانت وقعة نفوسة، وذلك إن إبراهيم بن أحمد اعترضته نفوسة بين قابس وطرابلس ومنعته الجواز، وكانوا في زهاء عشرين ألف رجل لا فارس معهم فناصبهم الحرب وقاتلوهم قتالا شديدا حتى هزموهم وقتلوا أكثرهم. ثم تمادى إلى مدينة طرابلس، فقتلوا بها أبو العباس محمد بن زيادة الله بن الأغلب وكان أديبا ظريفا، له تواليف، وسبب قتله أن المعتضد بالله العباسي كتب إلى إبراهيم بن أحمد يعنفه على جوره وسوء فعله بأهل تونس ويقول له:: إن انتهيت عن أخلاقك هذه، وإلا فسلم العمل الذي بيدك لابن عمك محمد بن زيادة الله! ثم نهض من طرابلس إلى تاورغا: فقتل بها خمسة عشر رجلا، وأمر بطبخ رؤوسهم مظهرا إنه يريد أكلها، هو ومن معه من

стр. 120

رجاله فارتاع أهل العسكر منه، وقالوا: (قد خولط) فانفض الناس عنه فلنا رأى ذلك، خشي أن يبقى وحده. فرجع إلى تونس فجعل عقوبة من انفض عنه غرم ثلاثين دينارا، فسمي غَرْم الهاربين. وفي سنة ٢٨٤، كانت وقعة بنفوسة لأبي العباس بن إبراهيم فقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم نحو ثلاثمائة. فلما وصل بهم إلى والده إبراهيم بن أحمد دعا بهم. فقُرِّبَ إليه الشيخ منهم، فقال له إبراهيم: أتعرف عليّ بن أبي طالب؟ فقال له: لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك! فذبح إبراهيم وشق عن قلبه، وأخرجه بيده، وأمر أن يفعل ببقية الأسرى كذلك، حتى أتى على أخرهم. ونظمت قلوبهم في حبال، ونصبت على باب تونس. قصة ابن الأغلب مع الشيخ الصالح أبي الأحوص وذلك إن أبا الأحوص أحمد بن عبد اله المكفوف المتعبد، من أهل سوسة كان زاهدا ورعا. فلما أكثر إبراهيم بن أحمد الجور والقتل، دعا برجل من لأهل سوسة، وأملى عليه رسالة إلى إبراهيم، كان في فصل منها: يا فاسق! يا جائر! يا خائن! قد حدت عن شرائع الإسلام! وعن قريب تعاين مقعدك من جهنم، وسترد فتعلم! وبعث به إليه فلما قرأه، غضب وبعث إلى أبي الأحوص من قال له: عذرناك لفضلك ودينك! ولكن ابعث إلي الذي كتب الكتاب. وبالله لئن لم تفعل، لأقتلن فيه من أهل سوسة كذا وكذا، ويكون إثم ذلك في عنقك! فقال أبو الأحوص للرسول:: قال له لئن قتلت ألفا لا يكون إثمهم إلا عليك! ولو عملت ما عملت ما أعلمتك بالرجل. فتب إلى خالقك، وأرجع عن جورك! فأمسكه الله عنه، ومات أبو الأحوص في هذه السنة. وفي سنة ٢٧٥، كانت فتنة بصقلية، بين عربها وبربرها، وفي خلال ذلك،

стр. 121

وردت كتب ابن الأغلب يدعوهم إلى الرجوع للطاعة، ويؤمنهم أجمعين، حاشى أبا الحسن بن يزيد وولديه الحضرمي، فتقبض عليه وبعث بهم إلى لأبن الأغلب فأما أبو الحسن فإنه تناول سما فمات من ساعته وصلبت جثته وقتل ولداه. وجعل إبراهيم من يضاحك الحضرمي ويهازله، فقال له: ليس هذا وقت هزل! وأمر به فقتل بالمقارع بين يديه. وفي سنة ٢٨٦، سخط إبراهيم ابن الأغلب على جماعة من فتيانه وقتلهم. وفيها كانت وقعة أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وبين بني بلطيط ببسكرة، ففرق جموعهم وقتل عددا كثيرا منهم وأصلح ما كان التاث هناك. وفي سنة ٢٨٧، كانت بصقلية ملحمة كبيرة، وذلك إن أبا العباس عبد الله بن إبراهيم بن أحمد أخرجه أبوه بالأسطول مصلحا لها، فأسرع إلى بلرم يؤمن أهلها. فأتاه قاضيا في جماعة من أهلها، فحسبهم عند نفسه وصرف القاضي. ثم وجه إليهم ثمانية مشايخ من أهل أفريقية، فحسبوهم مكافأة افعله في مشايخهم. ثم زحفوا إليه وحاربوه فانهزموا وقتل منهم عدد كثير ودقت لهم سفن. وتمادت هزيمتهم إلى بلرم. ثم زحف إليهم، فحاربهم على باب بلرم، وقتل منهم عددا كثيرا، وطلبوه بالأمان فأمنهم. ودخلها لعشر بقين من رمضان من السنة. وفي سنة ٢٨٨، أخرج إبراهيم بن أحمد ولده أبا عبد الله في جيش كثير إلى الزاب. وفيه أغزى أبو العباس صاحب صقلية، فدخل مدينة رية عنوة وغنم فيها غنائم كثيرة واستأمنت له حصون وأعطوه الجزية. وفي سنة ٢٨٩، أظهر صاحب أفريقية إبراهيم بن احمد التوبة لنا استقام أمر أبي عبد الله الداعي بكتامة. فأراد إبراهيم بن أحمد أن يرضي العامة ويستميل قلوب الخاصة بفعله، فرد المظالم وأسقط القبالات، وأخذ العُشُر طعاما، ونرك لأهل الضياع خراج السنة، وسماها سنة العدل،

стр. 122

وأعتق مماليكه، وأعطى فقهاء القيروان ووجوه أهلها أموالا عظيمة ليفرقوها على الضعفاء والمساكين فاستوكلت وأعطيت من لا يستحقها وأنفقت في اللذات. وصرفت في الشهوات. وقدِم ولده أبو العباس من صقلية مستدعي فأسلم إليه أبوه الملك، فولي أبو العباس على الكور من أحب. أخبار إبراهيم بن أحمد على الجملة ووفاته كان مولده يوم الأضحى سنة ٢٦١، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشر ليلة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة المؤرخة بأرض الروم وسيق ميتا إلى جزيرة صقلية، فدفن بها بعد ثلاثة وأربعين يوما من موته. وكان عمره اثنين وخمسين سنة ومدة ولايته ثمانية وعشرين سنة وستة أشهر واثنتي عشرة يوما. وأقام في أول ولايته سبعة أعوام على ما كان أسلافه من حسن السيرة وحميد الأفعال، ثم تغيرت أحواله، وأخذ في جمع الأموال. ثم صار في كل سنة يزداد تغيرا وسوء حال. ثم اشتد نكاده، فأخذ في قتل أصحابه وحجابه حتى إنه قتل ابنه المكنى بأبي الأغلب، وقتل بناته وأتي بأمور لم يأت بها أحد غيره. وكان كثير الملل، شديد الحسد. وكانت له في بدء أمره سيرة حسنة، وأفعال محمودة، ثم غلب عليه خلط سوداوي، فتغير وساءت أخلاقه كما ذكرنا. فقيل إنه افتقد منديلا صغيرا كان يمسح به فمه، وكان سقط من يد بعض جواريه فأصابه خادم له، فقتل بسبه ثلاثمائة خادم. وكان سبب قتله لولده ظن منه به، فضربت رقبته بين يديه صبرا. وقتل أخزته ثمانية: ضربت أعناقهم بين يديه. وكانت أمه إذا ولدت له ابنة أخفتها وربتها، لئلا يقتلها حتى اجتمع عندها منهن ست عشرة جارية، كأنهن البدور، فقالت له

стр. 123

يوما وقد رأت منه رقة: يا سيدي قد ربيت لك وصائف ملاحا، وأحب أن تراهن. قال: نعم. فلما رآهن قالت له: هذه بنتك من فلانة وهذه بنتك من فلانة. حتى عدتهن. فلنا خرج من عند أمه قال لخادم له أسود: امض إليهن وجئني برؤوسهن. فوقف اسيتعضا ما لذلك. فقال له: أمض وإلا قدمتك قبلهن! فلما دخل على أمه، كبر ذلك عليها، وعظم في قلبها وقالت له: راجعه! فقال لها: لا سبيل إلى ذلك! فقتلهن وأخذ برؤوسهن، وجاء بها إليه معلقة بشعورهن، فطرحها بين يديه - قبحه الله - وأدخل كثيرا من فتيانه الحمام وأغلق عليهم باب البيت السخن، فماتوا فيه جميعا. وأخباره كثيرة في هذا المعنى، ذكرها الرقيق وغيره. وفي سنة ٢٨٩ المذكورة استرجع أبو العباس بن إبراهيم بن أحمد المال الذي أخرجه أبوه إلى الفقهاء ووجوه الناس ليفرقوه في المساكين، فرجع معظمه وقال لمشايخ أفريقية: اغتنمتم الفرصة في المال لمرض الأمير أبي ومغيبي عنه! وفيها شخص أبو عبد الله الأحول بن أبي العباس إلى مدينة طبنة إلى محاربة الشيعة. وفيها تساقطت النجوم لثمان بقين من ذي القعدة، فسميت السنة سنة النجوم، فلهذه السنة ثلاث أسماء سنة العدل وسنة الجور، (سماها العامة بذلك) وسنة النجوم وفي سنة ٢٩٠، كتب أبو العباس بن إبراهيم إلى العمال ليأخذوا له البيعة لأن أباه فوض إليه وتخلى له عن الملك واشتغل بالعبادة، وذلك قبل أن يبلغه وفاة أبيه. ولاية أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد وسيرته وذلك إنه أظهر التقشف، والجلوس على الأرض، وإنصاف المظلوم وجالس أهل العلم وشاورهم. وكان لا يركب إلا إلى الجامع فقال قوم: إن

стр. 124

أهل النجوم أمروه بذلك! وقال قوم: به وسوسة! وكتب إلى ابنه زيادة الله يستحثه في القدوم عليه من صقلية لأنه وشي به إليه إنه يريد الانتزاء عليه. فقدم زيادة الله على أبيه لعشر بقين من جمادى الأخيرة، فقبض أبو العباس ما كان معه من الأموال والعدة، وحبس زيادة الله ي بيت داخل داره وحبس ناسا من أصحابه. مقتل أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد قتل يوم الأربعاء، ليوم بقى من شعبان فكانت ولايته بعد أبيه تسعة أشهر وأحد عشر يوما، ومن يوم أفضى إليه أبوه الأمر سنة واثنان وخمسون يوما. وكان قتله على ما أصفه: وذلك إنه خرج من الحمام إلى دار خالية واستلقى على سرير الخيزران، ووضع تحت رأسه سيفا ونام بعد أن خرج كل من كان في الدار غير فتيين كان يثق بهما فلما نام تآمرا على قتله وقالا: (هذه فرصة في تقديم اليد عند زيادة الله! فنطلقه من أسره ونستريح من أبيه ويلي مكانه ونفوز بالخطوة عنده.) فأستل السيف الذي كان تحت رأسه وضربه ضربة فقطع عنقه ولحيته حتى نفذ إلى السرير. ومضى الفت الأخر إلى ناحية من الدار فارتقى الحائط ونفذ إلى زيادة الله وأعلمه لأن أباه قتل فظن أنها مكيدة عليه فقال له (أن كنت صادقا فأريني الرأس فانطلق مسرعا ورمى إليه بالرأس فعند ذلك صدقه. ولاية زيادة الله بن أبي العباس عبد الله ابن إبراهيم بن أحمد بن الأغلب وذلك أن زيادة الله لما صح عنده قتل أبيه ورأى الرأس بين يديه

стр. 125

كسر قيوده وبادر خوفا أن يشعر بالأمر أحد من أعمامه فيسبقه. فلما صار زيادة الله في الدار أرسل في عبد الله بن الصائغ وفي أبي مسلم منصور بن إسماعيل، (وهما ممن كان سجن معه تهمة،) وفي عبد الله بن أبي طالب. فلما دخلوا عليه قال لهم: (انظروا لي ولأنفسكم!) فقالوا له: (أرسل في أعمامك في لسان أبيك، وفي جودة الرجال والقواد.) فأرسل فيهم ودفع إليهم الصلات، وأخذ عليهم البيعة وأمر أن ينادي بتونس: (من كان هاهنا من الجند فليوافوا باب الأمير!) فركعوا بأسلحتهم فأمر بإدخالهم واحداً واحدا: يدخل الرجال فيبايع ويعطي خمسين مثقالا ففعل ذلك بالجودة. أو كتب ذلك كتاب بيعته، فقرأ بتونس على منبر جامعها. وأخذت له البيعة على العامة بها. وكتب إلى العمال (بالبلاد) بأن يأخذوا له البيعة على من قبلهم. فلما قرب العشاء، نودي في الجند (اصبحوا للأخذ عطاياكم) ومطل عمومته بالانصراف (عنه) إلى الليل ثم أكبلهم أجمعين وأخلهم في شيني، ووكل بهم ثقاته، وأمرهم أن يمضوا بهم إلى جزيرة الكراث، وهي على اثني عشر ميلا من مدينة تونس، فضربت هناك رقابهم ليلة السبت لثلاث خلون لرمضان. وأصبح الجند والموالي من غد ذلك اليوم لأخذ الصّلات. فلما مضى صدر من النهار قيل لهم: انصرفوا فإنه يوم شغل! ثم أتوا من الغد فدفعوا. فلم يزالوا يترددون إلى أن بردت قلوبهم وملوا الاختلاف. ولما كمل الأمر لزيادة الله دعا بالفتيين الذين قتلا أباه. فأمر بهما فقطعت أيديهما وأرجلهما وصلبا على باب القيروان وباب الجزيرة من

стр. 126

أبواب تونس. وقتل أيضا زيادة الله عمه أبا الأغلب الزاهد الساكن يسوسه وقتل أخاه أبا عبد الله الأحول بعد أن استقدمه من طبنة. وولى زيادة اله الوزارة والبريد عبد الله بن الصائغ، وولى أبا مسلم منصور بن إسماعيل ديوان الخراج! وولى قضاء القيروان حماس بن مروان ابن سماك الهمداني، وكان ورعا عالما بمذهب مالك وأصحابه، فعدل في أحكامه، ولم يكن يهيب أحدا في ولايته (ونظره. وفيها مات محمد بن مجمد بن الفرج البغدادي مولى بني هاشم، وكانت له عناية وطلب، ومات محمد بن ابن المنهال، وكانت له رياسة بأفريقية. وفيها قتل بن الفياد إذ اتهمه زيادة الله بأنه أشار على أبيه يؤدبه وحبسه. وفيها مات محمد بن سليمان وكان ثقة الحديث والرواية وسمع أبوه من سفيان بن عيينة) . وفي هذه السنة، أسست مدينة وهران، على يديّ محمد بن أبي عون بن عبدون وجماعة من الأندلسيين. (وفيها مات علي بن الهيثم المحدث، وإبراهيم بن عثمان القرشي التونسي وكانا من أهل الرواية والعلم.) وفي سنة ٢٩١ ولي محمد بن زيادة الله العهد، وأخذت البيعة له بذلك. (وفيها قتل هذيل النفطي، صاحب ديوان الخراج، وقتل ابن المنبت الملقب بالعجل، وفيها توفي محمد بن زرزور الفقيه الفارسي وكان على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا لبيبا، ونظر في النجوم والحساب، وخولط في عقله، فكان إذا قيل له: (يا زواغي) يهيج وينشط) وولي على بن أبي الفوارس

стр. 127

(التميمي) عمالة القيروان ثم عزل عنها، ووليها أحمد بن مسرور. وولى إبراهيم بن حبشي التميمي قتال أبي عبد الله الشيعي. وفيها مات أبو جعفر أحمد بن داود الصواف، مولى ربيعة، وكان فاضلا من رجال سحنون وكان في حداثته يقول الشعر ثم تركه. وفيها خرج الحسن بن حاتم إلى العراق رسولا من عند زيادة الله بهادايا وطرف. وولى الحسن بن أبي العيش بن إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن (أبن الحسن) بن علي بن أبي طالب (رضه) عمل جراوة لوفاة أبيه أبي العيش. ورفع زيادة الله فقهاء إفريقيا إلى مدينة تونس مستظهرا بهم على أبي عبد الله الشيعي فاجتمعوا عند عبد الله بن الصائغ صاحب البريد، وتفاوضا في أمره وقال لهم ابن الصائغ (أن الأمير يقول لكم هذا الصنعاني الخارج علينا مع كتامه يعلن أب بكر وعمر رضنهما ويزعم أن أصحاب النبي ﷺ ارتدوا ويسمى أصحابه: المؤمنين ومن يخالفه في مذهبه: الكافرين ويبيح دم من خالف رأيه) فأظهر الفقهاء لعنه والبراءة منه، وحرضوا الناس على قتله وأفوتهم بمجاهدته. (وأرس زيادة الله هدية للعابس فيها عشرة آلاف مقال في كل مثقال منها عشرة مثاقيل وكتب في كل مثقال هذين البيتين (كامل) : يا سائرا نحو الخليفة قل له ... أن قد كفاك الله أمرك كله بزيادة الله بن عبد الله سي ... ف الله من دون الخليفة سله وفي سنة ٢٣٩ قد أبو مسلم بن إسماعيل بن يونس لإصلاح

стр. 128

مدينة رقادة ورقع ما وهي فيها وإنشاء مركبا على ماجل القيروان وسمى الزلاج. وقدم زيادة الله في تونس في شهر ربيع الأخر فنزل على الماجل الكبير بالقيروان. وفيها ضرب الخال طوف بمدينة القيروان مخسبا على بغل بأكاف. وفيها، ظهر النجم ذو الذوابة في الجدي بجه الشمال، بقرب بنات نعش وذلك في رجب. وقفيها كانت وقعة على عسكر السلطان وذلك أن أبى عبد الله (الداعي) ، لما علم بخروج العسكر إليه وكثرة من معه من وجوه الرجال وأمجاد العرب والموالي، وما معه من العدة وآلات الحرب، وأرتاع لذلك، وأخذ في حشد كتامة وكان حشده بغير ديوان إنما كان يكتب إلى رؤساء القبائل، فيحشدوا من يليهم، طاعة له ورغبة فيه. وكان لا يزيدهم في كتابه إليهم على أن يقول: (أن الوعد يوم كذا في موضع كذا) ويصرخ صاروخ بين يديه: (حرام على من تخلف) فلا يتخلف عنه أحد من كتامة، فأجتمع منهم ما لا يحصى كثرة. وتأهب لملاقاة إبراهيم بن حبشي، فالتقى مع إبراهيم بن حبشي أمير العسكر بكينونة فكانت بينهما ملحمة عظيمة تطاعنوا فيها بالرماح حتى تحطمت وتجادلوا بالسيوف حتى تقطعت، من أول النهار إلى أخره ثم انهزم إبراهيم ووقع القتل على أصحابه فذهب كثير منهم ونجى باقيهم في ظلمة الليل واشتغلت عنهم كتامة بالغنيمة والأموال والسلاح والسروج واللجم وضروب الأمتعة. وهي أول غنيمة أصابها الشيعي وأصحابه، فلبسوا أثواب الحرير، وتقلدوا السيوف الموحلات، وركبوا بسروج الفضة واللجم الملهبة، وكثر عندهم السلاح، فشرفت أنفسهم، وتحققت آمالهم، وصح عندهم ما كان الشيعي يعدهم به من النصر، ويبسط له الآمال فيه من التأييد لهم والنصر والغلبة لعدوهم. ووقع الوهي على أهل إفريقيا، وداخلهم الوهن والجزع

стр. 129

وكتب أبو عبد الله الداعي إلى عبيد الله الشيعي، وهو يومئذ بسجلماسة يعلموا بالفتح ووجه إليه بمال كثير مع قومه من أهل كتامة سرا. وذكر رجل من بني هاشم بن عبد المطلب يسمى بأحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن علي بن زيد بن ركانة بن عبدون بن هاشم، كان مع عبيد الله بسجلمانة قال: (وصلني عبيد الله بمال كثير من دنانير لا توجد في ذلك البلد، فكثر تعجبي منها. فلما رأى مني ذلك، وعلم مني ما أوجبه ثقته بي واستنامته إلي. قرأ على كتاب أبي عبد الله بالفتحة، وأمرني بكتمان الخبر، وألا أبدل حالتي الأولى، ولا أغير حيلتي وملبسي؛ وقال لي: (عن علينا عيونا ورقابة؛ فلا يطلعوا منا على تبدل الحال، واستفادة مال) وفيها، مات أبو سهل فرات بن محمد العبدي الفقيه، سمع من سحنون، وعبد الله بن بي حسان، وموسى بن معاوية، وغيرهم بأفريقية، ورحل إلى المشرق فسمع كمن رؤساء أصحاب مالك وله لسان طويل ومعرفة بالأنساب، وكان أعلم الناس بالناي وأوقع الناس في الناس حتى نسب إلى الكذب. وفيها، ولد محمد بن يوسف الوراق بالقيروان. وفي سنة ٢٩٣، أخرج زيادة الله بن عبد الله بن الأغلب جيشا إلى الأربس لمحاربة أبي عبد الله الشيعي وولى عليهم مدلج بن زكرياء، وأحمد بن مسرور الخال، فخالفا عليه يوم الاثنين لعشر خلون من جمادى الأخيرة، ووافيا بالعسكر مدينة القيروان يوم الخميس لثلث عشرة ليلة خلت من جمادى الأخيرة، فخرج ألهم الغوغاء من القيروان ودافعوهما. وكبا بمبلج فرسه، فقتل من ساعته وقل مع ابن بربر، وصلب على باب رقادة وقد كان زيادة

стр. 130

الله برز لقتال مدلج، حتى أتاه الخبر بقتل العامة له، فكتب بذلك فتحا قرى بالقيروان وأعمالها. وكان سبب خلافه على زيادة الله إنه حكم عليه في منية له كا تعرف بالجليدية، وسجل عليه فيها القاضي حماس بن مروان فأضغن ذلك، وجعل سببا إلى الخلاف عليه. وفيها، ورد كتاب المكتفي بالله، يحث أهل أفريقيا على نصرة زيادة الله، ومحاربة الشيعي. وقرأ كتابه على الناس. وفيها، كسفت الشمس كلها، وصلى القاضي حماسة بن مروان بالناس صلاة الكسوف في الجامع. وفيها خرج زيادة الله بن عبد الله إلى مدينة الأربس فنزل بغريبها، واجتمعت إليه عساكر كثير، وأعطى بها الأموال جزافا بالمصحاف كيلا بلا وزن، لكل رجل صحفة توضع له في كسائه دنانير ويحمل على فرس، ثم يخرج الرجل، فلا يرى بعدها. فأنفق فيها أموال جسيمة وبذل مجهوده في الإحسان إلى الرجال. والشيعي مع ذلك ازداد ظهورا. ووجه عساكر إلى بدعاية، وشك مدين طبنة وشحنها بالرجال وقد عليها حاجبه أبا المقارع حسن بن أحمد بن نافذ مع سبيب بن أبي شداد القمودي وخفاجة العيسي، وكانوا من أهل البسالة، وأمرهم بشن الغارات على كتامة، فكان بينهم وقائع قتل فيها كثير من الفريقين. وفيها، ولي قضاء مدينة رقادة محمد بن عبد الله المعروف بابن جيمال، وكان مولى لبني أمية، ولم يكن عنده علم ولا ورع وإنما عنيت به عبد الله بن الصائغ، وكانت فيه غفلة شديدة وضعف وقيل إنه باع نفسه في حداثته تين أيام الشدة، ثم أثبت بعد ذلك حريته، وأنطلق. وشهدت عنده بينه بأن امرأة وكلت ولدها، فقال لهم: (وكلته وهي بالغة؟) قالوا له (وهو أبنها! أصلحك الله! فكيف لا تكون بالغا!) وضحكوا عليه، فأستحي.

стр. 131

وفيها، قدم أبو يعقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي المتطبب على زيادة الله من المشرق مع أبي الحسن بن حارث فوصل إليه وهو بالاربس. قال إسحاق: (فدخلت على زيادة الله ساعة وصولي، ورأيت مجلسه قليل الوقار، كثير اللهو. فابتدأني بالكلام ابن حبيش المعروف باليوناني، فقال لي: (تقول أن الملوحة تحلو؟) فقلت له: (نعم) قال (وتقول أن الحلاوة تحلو؟) قلت له: (نعم) فقال لي: (فلحلاوة هي الملوحة والملوحة هي الحلاوة!) فقلت له: (أن الحلاوة تحلو بلطافة وملائمة، والملوحة تحلو بعنف وقوة) فتمادى على المكابرة في ذلك، حتى قلت له (تقول أنك حي والكلب حي؟) قال (نعم) قلت له (فأنت الكلب والكلب أنت) فضحك زيادة الله ضحكا شديدا قال: (فعلمت أن رغبتك في الهزل أكثر من رغبتك في الجد) . وفي هذه السنة تغلب أبو عبد الله الداعي على مدينة بالرمة وعلى مدينة طبنة، ودخلهما بالأمان في أخر ذي الحجة وبها أبو المقارع حسن بن أحمد والى زيادة الله وعامله عليهما مع صاحبيه المذكورين قبل هذا. وكان بهما جباة على ضروب المغارم، فأتوه بما في أيديهم من الجباية، فقال لأحدهم (من أين جمعتم هذا المال؟) فقالوا له (من العشر) فقال عبد الله: (إنما العشر حبوب وهذا عين) ثم قال لقوم من ثقاة طبنة: (أذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما أخذ منه، وأعلموا الناس أنهم إمناء على ما يخرج الله لمن أرضهم، وسنة العشور معروفة في أخذه وتفرقته وعلى ما ينصه كتاب الله ثم قال لأخر (من أين هذا المال الذي بين يدك؟) قال: (جبيته من اليهود والنصارى جزية عن حول مضى لهم.) فقال (وكيف أخذته عينا، وإنما كان يأخذ رسول الله ﷺ من الملأ ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما ومن الفقير أثنى عشر درهما!) فقال له: (أخذت العين عن الدراهم بالصرف الذي كان يأخذه عمر) فقال أبو عبد الله: (هذا مال طيب) ثم أمر أحد الدعاة بأن

стр. 132

يفرقه على أصحابه وقال لمن أتاه بمال الخرج: (هذا ما لا خير فيه ولا قابلة ولا خراج على المسلمين في أموالهم!) ثم أمر ثقاة أهل طبنة برده على أهله وقبض مال الصدقة من الإبل والبقر والغنم، بعد أن قيل له أنها قبضت الأنعام على الإنسان الواجبة في الصدقات، ثم بيعت وجمعت أثمانها. فرضي بذلك وجوزه. فلما نظر أهل طبنة إلى فعله، سروا به وجوا أن يستعمل فيهم الكتاب والسنة. وانتشر فعله في جميع نواحي إفريقيا فتاقت أنفسهم إليه، وكاتبوه ودخلوا في طاعته وبلغ ذلك زيادة الله فأغتنم به غما شديدا (وأخذ في حشد الرجال والاستكثار منهم) وأمر بلعنة الشيعي على المنابر. (وفيها قدم زيادة الله بن الطبني من بغداد وفيها توفي أبو جعفر محمد بن الحسين المروزي بجزيرة صقلية وكان فقيها وأتهم بالكذب وتوفي فيها محمد بن المنيب الأزدي الفقيه، وكان مذهبه مذهب أهل العراق وكان من أهل الخير، وعرض عليه القضاء فلم يقبله. مات محمد بن نصر المتعبد وكانت له رواية، ومحمد بن أبي الحميد السوسي، وزيدان بن إسماعيل الأزدي وكانا في الثقات في العلم) . وفي سنة ٢٩٤، (خرج إبراهيم بن حبشي بن عمر من الأندلس بالعسكر لملاقاة أبي عبد الله الشيعي بمدينة طبنة في النصف من المحرم. وفيها عزل عبد الله ابن محمد بن مفرج المعروف بابن الشاعر عن قضاء قسطيلية، ورفع إلى زيادة الله وهو بالأربس، مخشبا، فأمر بضربه وقيده وحبس بحبس الأربس، وذلك أن وجود قسيلية رفعوا عليه إلى زيادة الله، تظلموا منه، وكتب إلى عامله بعزله وتخشيبه ورفعه إلى بابه فقدم الكتاب والعامل غائب، وتبادر بعض القوم الذين رفعوا عليه إلى مجلس القضاء الذي كان فيه فسبوه وهموا بالبسط إليه فأمر غلمانه بأخذهم وضربهم وقيدهم وحبسهم، ثم قدم القدم العامل

стр. 133

وقد نفذ فيهم كلما أحب، فأوثقه حديدا، وخشبه، ووجه إلى زيادة الله فضربه بالدرة وحبسه، وذلك للنصف من محرم. وفيها، أنصرف زيادة الله من الأربس إلى رقادة، واستخلف على الجيش بالأربس إبراهيم بن أحمد بن أبي عقال. وبنى زيادة الله سور مدينة رقادة بالطوب والطوابي، والتزم التنزه على البحر وغيره، واتباع اللذات، ومنادمة العيارين والشطار والزمامرة والضراطين. وكان إذا فكر في زوال ملكه وغلبت عدوه على أكثر مواضع عمله، يقول لندمائه (املأ اأسقني! من القرن يكفيني!) وأشتد كلفه بغلام له يسمى بخطاب فكتب اسمه في سكة الدنانير والدراهم، ثم وجد عليه فحبسه وقيده، فغنت له جارية تستعطف على الخطاب (بسيط) : يا أيها الملك الميمون طائره ... رفقا فأن يد المعشوق فوق يدك كم ذا التجلد والأحشاء خافقة ... أعيذ كفك أن تسطو على كبدك فرض عن الخطاب وأعاده إلى منزلته. وكان إذا أظهر الغم بأمره الشيعي أخذوا له في التسلي فغنت جارية له يوم (كامل) : أصبر لدهر نال م ... نك فهكذا مضت الدهور فرح وحزن مرة ... ولا الحزن دام ولا السرور فقال لها (صدقتني!) وأمر لها بصلة. وفيها، استعفى حماس بن مروان عن القضاء بالقيروان، فعوفي، وولي زيادة الله مكانه محمد بن جيمال، فلم يزل قاضيا إلى أن هرب زيادة الله. وفيه، دخل أبو عبد الله الشيعي مدينة بغاية بالأمان، في شعبا، فعظم غم زيادة الله بذلك، وأستشار ابن الصائغ في أمره، فقال له (ارحل إلى مصر سرا وأستخلف على إفريقيا قائدا تجعل إليه أمر العساكر، وتترك له الأموال) فنظر في ذلك، وأمر بشراء خمسمائة جمل لرحيله. ثم ظهر له خطأ هذا الرأي، وخشي قيام الناس عليه وثورتهم به، فأمسك. وشعر إبراهيم بن حبشي

стр. 134

ابن عمر بما كان هم زيادة الله من الهرب فتعرض له حتى أدخله قصر البحر وأراه ما زخرفه له فيه وقال: (يا سيدي! أين البنية من قصر جدك القديم الذي صبر فيه على الحصار أعوام كثيرة وقد أبغضه جل أهل بلده! وقام عليه رؤساء جنده، فبقى مقيما فيه وضابطا له، حتى أظهره الله عليهم، ومكنه منهم! فكيف بك وقد كثر مالك وأحبك رجالك؟ وأهل إفريقيا معك! وإنما خرج عليك شيخ لا يعرف مكانه في البربر وأنت في حصن منيع! والله يدفع عنك! فدفع ما يقال لك! فإنك الظافر بحول الله وقوته، إن شاء الله) فأصغى زيادة الله غالى قوله، وسر بما سمع منه وجعل يرسل الرجال والأموال إلى الأربس وهو أقصى ثغوره. فكانت خيل أبي عبد الله الشيعي تغير على الأربس من باغاية من الأربس. وفيها قدم حبشي وابن حجر وابن عباس من بلد الروم ومعهم رسول صاحب القسطنطينية. وكساهم زيادة الله وأنزل الرسول في الملعب بقرب رقادة وجمع الناس للمباهاة بهم فكان جمعا عظيما. وفيها ضرب القباب والأخبية حوالي مدينة رقادة وأخذ أهل مدينة القيروان بالعسس حولها والمبيت في الأخبية المضروبة جوارها. وجدد زيادة الله الحشد ورغب الناس بالأموال وفيها توفي محمد بن أبي الهيثم اللؤلؤي الفقيه، ولي قهرب الحجارة في شعبان. وفي سنة ٢٩٥، خرج زيادة الله إلى مدينة تونس في شهر محرم (ليحاول أموره فيها.) . (وفيها استسقى القاضي أبو العباس بن جيمال بالناس يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر. وفيها عزل ابن الوليد عن الصلاة وولى

стр. 135

مكانه ابن يزيد للنصف من شهر ربيع الأخر. وفيها توفي أبو الحسن بن حاتم الرسول إلى بغداد، في شوال. وفيها توفي أبو موسى عيسى بن مسكين القاضي فصلى عليه أبو جعفر أحمد بن خالد السهمي في قريته بالساحل. و (فيها) توفي (أبو عياش) أحمد بن موسى بن مخلد (الفقيه وكان يحمي إلى غافق، وكان من أصحاب سحنون بن سعيد) ، وكان زاهدا ورعا متعبدا فاضلا (وعالما بما فيه كتبه، كثير لحكاية، سمع منه بشر كثير من أهل القيروان، ودف بباب سلم. وفيها، مات سعيد بن إسحاق الفقيه، مولى كلب وكان من رجال سحنون بن سعيد، وسمع من جماعة من إفريقية وكان كثير الرباط والرواية والجمع للحديث، وكان مولده سنة ٢١٢) . وفقي سنة ٢٩٦، وصل خليل (أبي عبد الله الشيعي) (الداعي) إلى قسطيلية، وانهزم أبو مسلم منصور بن إسماعيل، (وشبيب بن أبي الصارم، وانقبضا) إلى مدينة توزر، وانبسطت الخيل (هنالك واحترقت القرى) وأفسدت ما مرت به من النعم. وكان أبو عبد الله قبل ذلك قد أمر أصحابه بالكف عن الغارات وألا يرموا مكانه، فأقاموا نحو شهرين لم تظهر له حركة، حتى قيل فيه نأنه مريض وقيل: بل مات. ولما وصل الخبر بانبساط جيوش أبي عبد الله إلى زيادة الله هالة وراعه، وارتجت الحضارة واضطربت أحوال الجند ويئسوا من البلد وخافوا على ذراريهم وأهاليهم السبي والاسترقاق: وجعل عبد الله بن الصائغ يقول لزيادة الله (هذا ما تضيع الشيخ السوء أبي مسلم ومن سوء نظره!) وكان ابن الصائغ كاتبا لأبي مسلم في أيام إبراهيم بن أحمد، ففسدت الحال بينهما، ولم يزل يرفع على أبي مسلم يومئذ حتى عزل. ثم لما دارت هذه الدائرة بقسطيلية، نسب ذلك ابن الصائغ إليه وأوقد زيادة الله عليه وأغراه به حتى كتب إلى شبيب بن أبي الصارم يأمره بضرب عنق أبي مسلم وصلبه يوما وليلة ثم يدفنه. وبعث إليه من ثقاته من يحضر تنفيذ ذلك فيه فلما وصل الكتاب إلى شبيب اغتنم ولم يجد

стр. 136

بلدا من التنفيذ فدفع الكتاب إلى أبي مسلم وهو مع يومئذ بتوزر وقال له: (عز على ما وردني فيك!) فلما قرأه أبو مسلم قال (أنا الله وأنا إليه راجعون! خدع الصبي الأحمق وذهب ملكه) ثم قبض بيده اليسرى على لحيته وصفع باليمنى قفا نفسه صفعات، وقال: (هذا جزاء من عصى الله وأطاع الآدميين، وسفك الدماء المحرمة! أما الله! ولو تركته ولم أشر عليه بقل عمومته وأخوته وشغلتهم بهم ما دار على من قبله ما دار!) ثم قال لشبيب (أمهلني أتوضأ وأصلي ركعتين أختم بهما عملي!) ففعل وصلى ودعا وبكى ثم قدم، فضربت عنقه وصلب ودفن في اليوم الثاني وذلك في النصف من صفر. وفيها توفي أبو العباس بن أبي خدش صاحب المظالم أيام ابن عبدون. وفيها مات أبو عقال بن خير الفقيه، وكان يذهب مذهب أهل العراق، وكتب لابن عبدون أيامه على القضاء. ذكر خروج بن الأغلب من أفريقية وفيها، زحف أبو عبد الله الشيعي إلى الأربس ونازلها، وبها إبراهيم بن أبي الأغلب في عساكر أفريقية وجمهور أجنادها، فقاتلها حتى أخذها عنوة ودخلها بالسيف لست بقين من جمادى الأخيرة. فهرب إبراهيم بن أبي الأغلب وإليها، ونجا في جماعة من القواد والجند. ولجأ أهل الأربس ومن كان اجتمع فيها من فلال العسكر جامعها. وركب بعض الناس بعضا وقتلهم الشيعي (لعنه الله) أجمعين حتى كانت الدماء تسيل من أبواب المسجد كما يسيل الماء من وابل الغيث. وقيل إنه قتل داخل المسجد

стр. 137

ثلاثين ألف رجل. وكان قتلهم من بعد الصلاة العصر إلى أخر الليل. فلما أصبح، وقد فرغ من القتل والنهى والسبي، نادى بالرحيل، وانصرف إلى مدينة باغاية، إذ خشي أن يحاشد عليه من أهل أفريقية. هروب زيادة الله من رقادة واتصل الخبر بزيادة الله في اليوم الثاني، وهو يوم الأحد لخميس بقين من جمادى الأخيرة، فسقط ما بيده، وعلم إنه خارج عن ملكه. وجعل ابن الصائغ يطفئ الخبر ويكذبه له، ويظهر أن الفتح كان لهم على الشيعي. وبرح على أبواب مدينة رقادة: (من أراد اللحاق وجزيل العطاء، للفارس عشرون دينارا وللراجل عشرة دنانير، فليلحق بقصره الأمير!) فلما سمع الناس ذلك بدر إليهم سوء الظن، وعلموا أن الدائرة كانت على أصحاب زيادة الله، وماجوا فيما بينهم. وجعلت الخاصة وأهل الخدمة يفرون من رقادة. فلما رأى ذلك زيادة الله، أخذ في شد الحمال بما خف من الجوهر والمال، وحرك خاصته للخروج معه. فلما كان وقت صلاة العتمة من ليلة الاثنين لأربع بقين من جمادى الأخير، ركب فرسه، وتقلد سيفه، وقدم الحمال فمر من بين يديه، هاربا أعلى عيون أهله وحرمه وولده. فأخذت جارية من جواريه عودا ووضعته على صدرها، وغنته على حمله معه، فقالت (منسرح) : لم أنسن من الوداع موقفها ... وجفنها من دموعها غرق قولها، والركاب سائرة: ... (تركنا سيدي وتنطلق أستودع الله ظبية جزعت ... للبين والبين فيه لي حرق) فدمعت عينا زيادة الله عند سماعها، وشغله سوء الموقف وضيق الحال عن حملها معه. وخرج عن مدينة رقادة متوجها إلى مصر في ثلث الليل الأول.

стр. 138

ومعه وجوه رجاله وفتيانه وعبيده، (وأخذ طريق الجادة) حتى لحق بمدينة إطرالبس. وكان عبد بن الصائغ يتقلد جميع أوامره (وينظر على أهل خدمته) فوطأ خزان الأموال على انقطاع ثلاثين حملا من المال، في كل حمل ستة عشر ألف مثقال؛ فواعدهم موضعا يجتمع فيه معهم؛ فأخطئوه في الليل، وخرجوا إلى مدينة سوسة؛ فقبض عليهم ابن الهمداني عاملها، وخزنها في قصر الرباط بسوسة، حتى صارت إلى الشيعة. وأصبح الناس من ليلة خروج زيادة الله هاربا إلى مدينة رقادة، فأنتهبوها وأخذوا من بقايا أموال بني الأغلب ومتاعهم وصنوف الآنية من الذهب والفضة وما لا يحيط به وصف. ورجع القوى يأخذ من الضعيف ما سبق إليه. والهارب أبو مضر زيادة الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن الأغلب، المعروف بخزر ابن إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي. وكانت ولايته بأفريقية خمس سنين وأحد عشر شهرا وأربعة أيام. وكانت إمارة بني الأغلب بأفريقية مائة سنة، وإحدى عشرة سنة ن وثلاثة أشهر. ثم أن إبراهيم بن الأغلب، المنهزم من الأربس، أقبل إلى القيروان فيمن بقى معه من القواد. قفنزل بدار الإمارة. وبعث في وجوه الناس، وجعل يظهر عندهم عتب زيادة الله، ويأخذ في انتقاصه، وأنه أسند أمر المسلمين إلى من كان يسعى في زوال ملكه. وقال للناس: (أن كتامة مفسدون في الأرض ناصحون لله ولهدا الدين، وأمدوني بالرجال والأموال) وحضر صلاة الظهر؛ فسلم على رأس الإمارة؛ ثم أجتمع إليه الناس وقالوا له: (بلدنا لا يعرف الفتن، ونحن لا نقوم بالحرب؛ وأنت لم تستطع دفع كتامة بالعساكر والسلاح والمال! فكيف نقوى نحن على دفعهم بأموال؟) ثم صاح الناس به: (لا طاعة لك علينا، ولا بيعة في أعناقنا! فأخرج عنا!) فركب فرسه، وشهر سيفه ودف الفرس، ونجا هاربا حتى خرج من باب أبي ربيعة، ولحق بزيادة الله.

стр. 139

وركب عبد الله بن الصائغ في البحر يريد المشرق؛ فألقاه البحر بمدينة طرابلس، وبها زيادة الله. فأتى إليه به؛ فقربه وأدناه، وعاتبه في فراره عنه؛ فأعتذر إليه ابن الصائغ بما اخذ من الحيرة والخوف؛ فهم زيادة الله باستيحائه؛ فأشار إليه كل من معه من أهله وقواده بقتله؛ فأمر راشدا الأسود بضرب عبقه؛ فقتله. وكان يحكى علي بن إسحاق بن عمران المتطبب إن عبد الله بن الصائغ كان، إذا رأى راشدا الأسود قبل ذلك، أربد وجهه؛ وإذا ذكر له تنكر سروره، حتى يعرف ذلك كل من حضره. قال: فسألته يوما عن ذلك؛ فقال لي: (تحدثني نفسي أن ملك الموت يقدم علي في صورة راشد الأسود، عبد قبضه لروحي؛ فإذا رأيته، لم املك من البصر شيئاً) ذكر دولة الشيعة وبلغ أبا عبد الله الشيعي هروب زيادة الله. فتحرك من الأربس يريد القيروان. فهال الناس أمره، وخافوه على أنفسهم. وخرج إليه الفقهاء ووجوه الناس؛ فقطع بهم محبوب بن عبد ربه الهواري بوضع يعرف بحفص باروقس، بين مدينة جلولا وحمام السرادق؛ وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأخير؛ فانصرفوا أقبح انصراف، وكتبوا إلى عبد الله، يذكرون ما دار عليهم، ويعنذرون بذلك إليه، ويسألونه ان يحد لهم موضعا يلقونه، فأجابهم: (موعدكم ساقية ممس يوم السبت.) وبعث أبو هبد الله غروية بن يوسف الملوسي بقطيع من الخيل لضبط مدينة رقادة، وتحصين ما أدرك بها من الأموال؛ فنزل عليها يوم الجمعة لانسلاخ جمادى الأخير؛ فألقى الناس بين داخل وخارج؛ فأمر الخارج ألا يعود، والداخل بالخروج فارغا. ولم يكن منه إلى الناس إلا خير. وفيها أقبل إلى مدينة رقادة في سبعة عساكر، وعدد من

стр. 140

فيها، على ما ذكر ثلاثمائة ألف بين فارس وراجل. فوصل إليهم يوم السبت غرة رجب؛ فخرج إليه أهل القيروان من الفقهاء والوجوه وجلة التجار؛ فالتقوا به على ساقية ممس، وأظهروا له الرغبة في دولته، وسألوه الأمان، فأمنه، (وصوب فعلهم) ، ووعدهم بالإحسان والعدل فيهم، وكان قد وعد قبل ذلك قواد كتامة ورجالها بأن يوكلهم القيروان ويسلط أيديهم فيها ويقطعهم جميع أموال أهلها. فلما سمعوا بأمنته للقوم، ساءهم ذلك وكلموه فيه وذكروه ما كان وعدهم به. فتلا عليهم: وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها) وقال لهم: (هي القيروان) فقلوا قوله وسلموا لأمره ثم تقدم بإنزال عساكره حوالي مدينة رقادة فدخلها وقارئ يقرأ بين يديه: " هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر " (إلى آخر) الآية ويقرأ: " كم تركوا من جنات وعيون " إلى آخر السورة. ونزل بالقصر المعروف بقصر الصحن وبعث غرويه بن يوسف إلى مدينة سوسة فأمن أهلها وأتاه بالثمانية والعشرين الحمل من المال التي كانت مخزونة بقصر الرباط المتقدم ذكرها وأمن من ألفى بالقيروان من بني الأغلب وقوادها الذين تخلفوا عن زيادة الله، وأمر بقتل السودان من موالي بني الأغلب وقتل إبراهيم بن بربر بن يعقوب التميمي المعروف بالقوس، فقتل خنقا إذ كانوا هموا بالوثوب عليه. وقال أبو عبد الله: (ما أمنت بأفريقية حتى قتلت القوس!) وبعث أبو عبد الله الشيعي إلى طرابلس، فأتى منها بأخيه أبو العباس المخطوم، وكان بها محبوسا، وبأبي جعفر الخزري، وبأمن عبيد الله الشيعي، وكانت هنالك مع الخزري، فقدموا عليه. وكان أبو العباس المخطوم عجولا، كثير الكلام، ضعيف العقل فأراد أن ينفى من القيروان

стр. 141

كل من يذهب من الفقهاء. مذهب أهل المدينة، فلم يجبه أخوه أبو عبد الله إلى ذلك. وولي أبو عبد الله الشيعي على مدينة القيروان الحسن بن أحمد بن علي بن كليب المعروف بابن أبي خنزير، وأمره بقتل من خرج ليلا أو شرب مسكرا، أو حمله أو وجد عنده. وولي على مدينة القصر القديم خلف بن أحمد بن علي بن كليب، أخاه ابن أبي خنزير، وأمره بمثل ذلك. وأمره بأن تزداد في الأذان بعد (حي على الصلاة) (حي على خير العمل) ، وأسقط من أذان الفجر (الصلاة خير من النوم) وأمره بجمع ما انتهب من الأموال بمدينة رقادة، وضم عبيد زيادة الله ووقف جواريه وولي النظر في ذلك أحمد بن فروخ الطبين الأحدب. وولى على السكة أبي بكر الفيلسوف المعروف بابن القمودي، ونقش فيها: " الحمد لله رب العالمين " وسميت السيدية. وكان نقش خاتم أبي عبد الله: " فتوكل على الله أنك على الحق المبين " وفي الخاتم الذي يطبع به السجلات: " وتمت كلامات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم " ووشم في أفخاذ الخيل: (الملك لله) وكتب في بنوده: " سيهزم الجمع ويولون الدبر " و " قل جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا " وآيات كثير من القرآن في هذا المعنى. وأمر الصلاة على علي بن أبي طالب في الخطب بأثر الصلاة على النبي ﷺ وعلى فاطمة، والحسن والحسين وأظهر التشيع في علي وماذة من قدم عليه من أصحاب النبي ﵇. وفيها، ولي أبو عبد الله على قضاء مدينة القيروان محمد بن عمر ابن يحيى بن عبد الأعلى المروزي من جند خراسان، يوم الخميس لأثنتا عشرة ليلة بقيت من شعبان، فقعد في الجامع وأمر بإسقاط صلاة الإشفاع في شهر رمضان وأجنح في ذلك على الفقهاء، وأنكر عليهم الاقتداء بفعل

стр. 142

عمر بن الخطاب في القيام، وتركهم الاقتداء بفعل علي بن أبي طالب في زيادة (حي على خير العمل) في الأذان، وقال لهم: (أعملوا بمذهب أهل البيت واتركوا الفضول) . فلما كان في أول يوم من شهر رمضان، أقبل المروزي إلى المسجد الجامع، فوجد في حائط المسجد في القبلة، وفي موضع جلوسه، مكتوبا: " ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها " إلى أخر الآية. فلما رآه، سأل القوم هل رأوا من جلس في ذلك الموضع فقالوا: (لا) فأمر بموحه، وأنتقل عن الجلوس بذلك الموضع. ووقف يوم على المروزي رجل محمق خليع، والناس حوله، فقال له: (قد لطفت لنا - أصلح الله - في قطع قيام شهر رمضان فلو احتلت لنا في ترك صيامه، لكفيتنا مئونته كلها) فقال له المروزي: (أذهب عني يا ملعون) وأمر بدفعه. وأمر عبد الله الشيعي وجوه كتامة بدعوة الناس إلى مذهبهم من التفضيل لآل علي البراءة فدخل في ذلك معهم كثير من الناس فلذ لك سميت دعوته، لأتباعهم رجالا من (أهل) المشرق. ذكر توجه الداعي إلى سجلمانة واجتماعه بعبيد الله الشيعي بها ونظر أبو عبد الله في إقامة الجيوش والاستعداد والغزو إلى سجلمانة. وكان بها عبيد الله الشيعي وابنه أبو القاسم محبوسين. وكان أبو عبد الله الداعي يدعو إلى عبيد الله الشيعي ويزعم إنه إلمام من آل علي. قلما كمل له ما أراد من جوشه وجهازه وعدده وآلات وسفره، أستخلف على إفريقية أخاه أبا العباس وأبا زاكي تمام بن معارك الأجاني. ثم خرج من رقادة يوم الخميس من للنصف شهر رمضان في جموع كالدبي النتشر ومعه وجه رجاله وأهل دعوته وفيهم إبراهيم بن محمد الشيباني المعروف بأبي

стр. 143

اليسر الكاتب وزياد بن خلفون المتطبب مولى بن الأغلب. وغزا معه أحمد بن سيرين، الفقيه بمذهب أهل العراق، راجلا يرى إنه محتسب للثواب في طلب الأمام وبهذا السبب ولي قضاء مدين برقة بعد ذلك. فسار ابو عبد الله حتى حل بمدينة تيهرت، فخلها بالأمان وقتل بها من الرستمية يقظان بن أبي يقظان، وجماعة من أهل بيته. وبعث برؤوسهم إلى أخيه أبي العباس وأبي زاكي خليفته برقادة؛ وطوفت بالقيروان، ونصبت على باب مدينة رقادة. وانقضت دولة بني رستم بتيهرت؛ وكان لها مائة وثلاثون سنة. ثم ولي أبو عبد الله على تيهرت أبا حميد دواس بن صولات اللهيصي، وإبراهيم بن محمد اليماني بالهواري وكان يلقب السيد الصغير. ثم نهضة حتى احتل على مدينة سجلماسة يوم السبت لست خلون من ذي الحجة. فأحاط بها في جموعه وجيوشه، وحاربها يوم الأحد لسبع خلون منه، ففتحها في هذا اليوم، وأخرج منها عبيد الله الشيعي وابنه أبا القاسم، وكانا محبوسين في غرفة عند مريم بنت مدرار. فلما بصر به عبد الله الشيعي ترجل له، وخضع بين يديه، وبكى من إفراط سروره به. ثم مشى أمامه راجلا حتى أنزله في الفازة، وسلم إليه الأمر، وقال لمن معه: (هذا هو مولاي ومولاكم! قد أنجز الله له وعده، وأعطاه حقه، وأظهر أمره!) وانتهب أبو عبد الله الشيعي ورجاله سجلماسة، وأحرقت. وهرب منها اليسع صاحبها في جماعة من بني عمه ليلا، فطلبه أبو عبد الله الشيعي، فلم يقدر عليه. وفيها، مات إبراهيم بن عيسى بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب، ودفن في داره بآرشقول. وفيها، ومات أبو عبد الرحمن بكر بن حمادة بن سهر بن أبي إسماعيل، وهو زناتي، في شوال بقلعة ابن حمة، بجوفي مدينة تيهرت، وبها كان مولده ومنشأه، وصلى عليه

стр. 144

موسى بن الفارس الفقيه، وهو يوم مات ابن ست وتسعين سنة، ورحل بكر إلى المشرق في سنة ٢١٧، وهو حدث السن، فسمع من الفقهاء وجلة العلماء وكان عالما بالحديث وتميز الرجال، وشاعر مفلقا ومدح المعتصم ووصله بصلات جزيلة، أجتمع بحبيب وصريع ودعبل وعلي بن الجهم وغيرهم من شعراء العراق وله أبيات إلى المعتصم يحرض فيها على دعبل وهي (طويل) : أيهجو أمير المؤمنين ورهطه ... ويمشي على الأرض العريضة دعبل؟ أما والذي أرسى ثبيرا مكانه! ... لقد كانت الدنيا لذاك تزلزل ولكن أمير المؤمنين بفضله ... بهم يعفو أو يقول فيفعل فعاتبه حبيب فيه وقال له: (قتلته، والله! يا بكر) فقال في قصيدته هذه طويلة وعاتبني فيه حبيب وقال لي: ... (لسانك محذور وسمك يقتل) وأني، وأن صرفت في الشعر منطقي ... لأنصف فيما قلت فيه وأعدل وفيها مات محمد بن الحسن المعروف بابن ورصيد من قسطنطينية، وكانت له رحلة وسماع من الفقهاء، ومات محمد بن يزيد الفارسي من أهل القيروان له سماع من سحنون ومن ابنه محمد. وفي سنة ٢٩٧، غدر قوم من البربر يعرفون بني خالد باليسع بن مدرار واستأمنوا به إلى أبي عبد الله الشيعي فأمنهم، وذلك في مستهل المحرم. وفيها، ولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي وترك معه خمسمائة فارس من كتانة، ورحل بالعساكر إلى أفريقية. وفيها قتل بالقيروان، في صفر، إبراهيم بن محمد الضبي المعروف بابن البرذون وأبو بكر بن هذيل

стр. 145

الفقيهان، وكانت عندهما رواية، وأدب، وتصرف في فنون منة العلم وكان محمد الكلاعي وأصحابه على مذهب أهل العراق وهو الجائز عند الشيعة لما عنده من الترخيص فسعوا بها إلى أبي العباس المخطوم وذكروا عندهما أنهما يطعفان في الدولة، ويشوبان على علي ابن أبي طالب بأبي بكر وعمر وعثمان، فحبسهما المخطوم ثم أمر ابن أبي خنزير بقتلهما بعد أن يضرب إبراهيم بن الرذون خمسمائة سوط، إذ كان القول فيه أشنع، والسعي عليه أعظم، فغلط ابن أبي خنزير فيهما، وضرب ابن هذيل، ثم قتله وقتل ابن البرذزن بلا أن يضربه، وذلك في صفر، وطيف بهما في سماط القيروان، مجرورين مكشوفين ثم صلبا بعد ذلك. وكتب أبو العباس إلى أخيه بالخبر فعنفه عليه، ولامه فيه، وقال: (قد افسد علينا من أهل البلد وأهله ما كانت بنا حاجة إلى صلاحه) . وفيها خالف علي أبي عبد الله الشيعي محمد بن خزر بن صيلات الزناتي وأقبل إلى مدينة تيهرت وطمع بأخذها وأخرج دواس بن صولات منها وأن يقطع بابي عبد الله وبمن معه في انصرافهم من سجلماسة. وباطنه على ذلك قوم من أهل تيهرت يعرفون بني دبوس، فاستدعوه فوشى بهم إلى دواس عامل الموضع فحبسهم بحصن برقجانة المعروف بتيهرت القديمة وحارب محمد بن خزر تيهرت وتغلب على بعض أرباضها. فلما رأى ذلك دواس هرب إلى ابن حمة صاحب القلعة، ووثب أهل حصن برقجانة على بني دبوس عندهم، فقتلوهم. ودفع أهل تيهرت محمد بن خزر، وحاربوه حتى قتلوه ثم كاتبوا دواس، فأنصرف إليهم. وولي عبيد الله على مدينة سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي، وخلف معه ألفي فارس من كتامة. وتوجه عبيد الله وأبو عبد
следующие страницы →