← История

История · id 11782

البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب

ابن عذاري المراكشي

Полный текст (609 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي سنة ١٧١، توفي أمير أفريقيا يزيد بن حاتم، وكان خاصا بأبي جعفر المنصور، وتولى ولايات كثيرة قبل قدومه المغرب ك منها أرمينية، والسند، ومصر، وأذربيجان، وغير ذلك، وكانت ولايته مصر سنة ١٤٤ إلى سنة ١٥٣ وكان حسن السيرة بأفريقية، امتدحه كثير من فحول الشعراء، فأجزل لهم العطاء. قال الزبير بن بكار عمن حدثه من الشعراء، قال: (كنت أمدح يزيد بن حاتم من غير أن أعرفه ولا ألقاه.) فلما ولاه المنصور مصر أخذ على طريق المدينة فألقيه. فأنشده منذ خرج من مسجد رسول الله ﷺ إلى مسجد الشجرة. فأعطاه رزمتي ثياب وعشرة آلاف دينار. هكذا ذكر الرقيق. ومما قيل (كامل) .. يا واحد العرب الذي دانت له ... قحطان قاطبة وساد نزارا إني لأرجو إذ بلغتك سالما ... ألا أكابد بعدك الأسفار وفيه قيل (طويل) : شتان ما بين اليزيدين في الندى ... إذا عد في الناس المكارم والمجد وقوله: (لشتان ما بين اليزيدين) مثلٌ يتمثل به في كل ناحية على لسان كل سائر. وكان على ربيعة الشاعر دية فأعطاه عشرة ديات، ووصله وأحسن إليه وكان سخيا ومن قول يزيد بن حاتم رحمة الله (بسيط) ما بألف درهم المضروب خرقتنا ... إلا لماما يسيرا ثم ينطلق يمر مرا عليها وهي تلفظه ... إلى أمرؤ لم يحالف خرقتي الورق ومن أخباره بأفريقية ﵀ روى إن بعض وكلائه زرع قولا كثيرا في بعض رياضاته. فقال له: (يا بني يابن اللخناء أتريد أن أعبر بالبصرة،

стр. 72

فيقال: (يزيد بن حاتم يا فلان) ثم أمر أن يباح للناس، وخرج أيضا يوما في طريقه من القيروان متنزها. فنظر إلى غنم كثيرة كانت لابنه فزجره عليها وأمر بذبحها وأن تباح للناس، فانتهبوها وأكلوها، وجعلوا جلودها في كدية، فهي تعرف من ذلك الوقت بكدية الجلود. وكانت وفاته في رمضان من سنة ١٧١ فكانت ولايته خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر في بعض خلافة المنصور وخلافة المهدي كلها وبعض خلافة هارون الرشيد. ولاية داود بن يزيد بن حاتم أفريقية استخلفه أبوه في مرضه فأقام واليا بأفريقية تسعة أشهر ونصفاً، يحارب أمراء قبائل البربر محاربة عظيمة، وكان بينه وبينهم مواقف كثيرة في جبال باجة وغيرها. وقال عليه نصير بن صالح الأياضي فخرج إليه المهلب ين يزيد فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة. فوجه إليهم داود سليما بن يزيد في عشرة آلاف فهرب البربر أمامهم فتبعهم، وقتل منهم أكثر من عشرة آلاف وأقام داود على أفريقية إلى أن قدم عليه عمه روح بن حاتم أميرا على المغرب. ذكر ابتداء الدولة الهاشمية بالبلاد الغربية وهم الأدارسة ﵏ - اتفق جماعة المؤرخين إن دخول إدريس بن عبد الله ﵁ إلى المغرب كان في سنة ١٧٠، وهو إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي ﵁ وكان دخوله في إمارة يزيد بن حاتم أفريقية وإمارة هشام بن عبد الرحمن لداخل بقرطبة، وأول ظهور بني مدرار بسلجمانة. وكان نزوله بوادي الزيتون، بموضع يعرف بمدينة البلد وكان وصوله مع مولاه راشد.

стр. 73

وقال البكري في (المجموع المفترق) وكان نزوله بوليلى وهي اسم لطنجة باللسان البربري وذكر محمد بن يوسف أنها كانت على مسافة يوم من موضع فاس الآن. وكانت مدينة أزلبة وبها مات إدريس ﵁ وكان سبب وصول إدريس إلى المغرب، على ما ذكر الرقيقي والنوفلي في (المجموع المفترق) وغيرها من المؤرخين، وذلك أن الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵁ كان قد قام بالمدينة أيام موسى الهادي، ثم خرج إلى مكة في ذي الحجة سنة ٦٩ وخرج معه جماعة من إخوانه وبني عنه ومنهم إدريس ويحيى ابنا عبد الله بن حسن وبلغ ذلك الهادي، فولى حربه محمد بن سليمان بن على وكانت الوقعة بفخ، فقتل الحسين بن علي وأكثر أصحابه وأفلت إدريس هذا الداخل إلى المغرب، فهرب إلى مصر وكان على بر يدها واضح، مولى صالح بن المنصور، فحمله على البريد إلى أرض المغرب فوقع بمدينة وليلة من أرض طنجة، فاستجاب له من بها من قبائل البربر ولما ولى الرشيد وبلغه أمره، بعث إلى واضح، فضرب عنقه ودس إلى إدريس الشماخ مولى الهادي، فخرج حتى وصل وليلة، وذكر إنه متطبب من شيعتهم العلوية ودخل إلى إدريس فأنس به واطمئن إليه ثم إنه شكى له علة في أسنانه فأعطاه سنونا مسموما قاتلا وأمر أن يستن به عند طلوع الفجر فأخذه منه. وهرب الشماخ من تحت ليلته. فلما طلع الفجر استن إدريس، وأكثر منه في فمه فسقطت أسنانه ومات من وقته وطلب الشماخ، فلم يظفر به، وقدم على الرشيد، فولاه بريد مصر هكذا ذكر الرقيق في كتابه. وفي سنة ١٧٢، اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، فأعطوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته

стр. 74

ومتشرفين بخدمته طول حياته. وكان رجلا صالحا مالكا لشهواته، فاضلا في ذاته، مؤشرا للعدل مقبلا على أعمال البر وفي سنة ١٧٣، كان خروجه بعساكر القبائل الغربية حتى انتهى إلى بلاد السوس الأقصى، ودخل ماسة، فغنم وسبى، ورجع إلى الغرب سالما غانما. وفي سنة ١٧٤، توجه بعسكره إلى رباط تازا لما قفل من حركة السوس. فوجد في جبلها معدن الذهب. وأجابه جميع القبائل الغربية وأطاعوه وبايعوه في هذه السنة، وكملت له الإمارة فيهم. ولاية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب أفريقية ولاه عليها أمير المؤمنين هارون بن محمد الرشيد، فقدمها في سنة ١٧١. وكان له ولايات كثيرة: فحجب المنصور، ثم ولاه البصرة، وولى الكوفة في أيام المهدي، وولي السند وطربستان وفلسطين وغير ذلك. ونظر رجل إلى روح بن حاتم واقفا في الشمس عند باب المنصور، فقال له. (لقد طال وقفك في الشمس!) فقال له: (ليطول بذلك وقفي في الظل) وفىّ له ابنٌ، فدخل عيه أصحابه وهو ضاحكٌ فتوقفوا عن تعزيته، فعرف ذلك منهم فأنشأ يقول (طويل) . . وأنا لقوم ما تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قسم الظهر وقيل إنه بعث لكاتبه ثلاثين ألف درهم ووقع إليه: (إني بعثت إليك بكذا، لا أستقلها لك تكبرا، ولا أستكثرها تمننا، ولا أقطع عنك بها رجاء بعد. والسلام.) وكان روح أكبر سنا من أخيه يزيد واكثر ولاية. وعندما يطول جلوسه بالقيروان، ربما خطر عليه النعاس من الضعف والشاخة وكان بكى أبا خالد

стр. 75

توفي ليلة الأحد لسبع بقين من رمضان المعظم من سنة ١٧٤، فكانت ولايته ثلاثة سنين وثلاثة أشهر. ولاية نصر بن حبيب المهلبي أفريقية وكان صاحب البريد وأبو العنبر القائد قد كتبا! إلى الرشيد، في جملة من كتب إليه من الفؤاد، يعلمانه بضعف روح بن حاتم وكبره وإنهما لا يأمنان موته عن قريب، وأفريقية ثغر كبير لا يصلح بغير سلطان وكان نصر هذا على شرطة يزيد بن حاتم بمصر وأفريقية، وكان محمود السيرة. فكتب الرشيد عهده وبعثه سرا إليه. فلما مات روح، بويع قبيصة ابنه في المسجد الجامع، وأجمع الناس على بيعته. وكان الفضل بن روح عاملا في الزاب، فركب أبو العنبر وصاحب البريد بعهد أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب فأوصى إليه وسلما عليه بالإمارة وركبا معه إلى المسجد فيمن معهما، حتى أتيا قبيصة، وهو جالس على الفراش. فأقاموه، وأقعدا نصر بن حبيب وأعلما الناس بأمره. وقرء الكتاب الواصل من أمير المؤمنين هارون إلى نصر بن حبيب على الناس، فاستمعوا وأطاعوا. وكان ذلك في العشر الأواخر لرمضان المعظم من عام ١٧٤. فحسنت سيرته، وعدل في أحكامه فولا سنتين وثلاثة أشهر. وفي سنة ١٧٥، عقد الرشيد لابنه محمد بمدينة السلام ولاية عهد المسلمين من بعده، وأخذ عليه بيعة القواد والجند وسماه بالأمين، وله يومئذ خمسين سنة. وفي سنة ١٧٦، ظهر يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالتسلم، واشتدت شوكته وقوي أمره، فاغتّم الرشيد لذلك ولم

стр. 76

يكن في تلك الأيام يشرب النبيذ، فصرف إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألف رجل، فانهزم يحيى بن عبد الله. وفي سنة ١٧٧، ولي أفريقية الفضل بن روح بن حاتم، ولاه أمير المؤمنين الرشيد عليها، وكتب بعزله نصر بن حبيب، وأن يقوم بأمر الناس المهلب بن يزيد إلى أن يقدم الفضل. فكان قدومه في محرم من هذه السنة. ولما قدم الفضل ولى ابن أخيه المغيرة تونس، وكان غير ذي تجربة ولا سياسة للجمهور فستخف بالجند وسار بهم سيرة قبيحة، فاجتمعوا وكتبوا كتابا لعمة الفضل يخبرونه بما صنع المغيرة فيهم وقبح سيرته، فتثاقل الفضل عن جوابهم فقالوا (كل جماعة لا رأس لها لا ينجح سعيهم ولا مطالبهم) فقال بعضهم: (أشير عليكم بعبد الله بن عبد ربه بن الجارود فانطلقوا إليه وقالوا له: (قد رأيت ما فعل بنا المغيرة، وقد خاطبنا عمه، فلم يصلنا جوابه وأنت المنظور إليه، والمعمول في الأمور عليه، ونحن نصير أمرنا إليك، ونعتمد فيه عليك.) فقال لهم: (ليس لي من الجواب ألا النصيحة لي ولكم، وأنا أخاف على نفسي وأقنع بالعافية؛ وإن كان أمر، وكنت فيه كأحدكم) فقالوا له: (وما لك من هذا بد!) فقال لهم (أعطوني من بيعكم ما أثق به) فبايعوه وأطاعوه. وفي سنة ١٧٨ ثار الجند على أمير أفريقية الفصل بن روح بن حاتم، وقدموا ابن الجارود بتونس. ثم ساروا إلى المغيرة، وهو بدار الإمارة؛ فقالوا له: (الحق بصاحبك أنت ومن معك!) وكتب للفضل بن روح: (من عبد الله بن الجارود. أما بعد، فأنا لم نخرج المغيرة خروجا عن الطاعة، ولكن لأحداث أحداثها فينا، ظهر فيها فساد الدولة. فعجل لنا من ترضاه يقوم بأمرنا؛ وإلا نظرنا لأنفسنا!) وكتب الفضل إلى عبد الله بن الجارود: (أما بعد، فإن الله يجري فضاءه على ما أحب الناس أو كرهوا، وليس اختياري أن أولى عليكم! فاختاروا لأنفسكم! ولكن أوجه إليكم عاملا.) فوجه عبد الله

стр. 77

ابن محمد إلى تونس. فلما وصل إليها، قال لهم ابن الجارود: (كيف تصنعون ذلك، وأنتم قد أخرجتم ابن اخيه وشتمتموه؟ والله! ما بعث إليكم إلا ليطيبكم حتى ترجعوا عن رأيكم؛ فإذا اطمأننتم أخذتم واحد بعد واحد!) قالوا له: (فما رأيك؟) قال: (الذي ذكرت لكم) فخرجوا حتى التقوا بالعسكر الواصل مع العامل من قبل الفضل أمير أفريقية والقيروان بموضع الزيتون، فدفعوه عن أنفسهم، وجرى بين الجند كلام كثير يطول ذكره، إلى أن وقعت الحرب بين ابن الجارود وعسكر الفضل، فهزمهم ابن الجارود واتبعهم إلى القيروان، فنزل عليها. فاجتمع الفضل مع بني عمه وخاصته وتساور معهم في أمره، فاضطرب الآمر عليه، ولم يصح له أمر. فلما أصبح أقبل عبد الله بن عبد ربه بن الجارود في عسكره، والفضل في دار الإمارة مع أصحابه. وكان بعض القواد على الأبواب، فلما قرب ابن عبد ربه منها فتحوها له، فدخل أصحابه، لا يدافعهم أحد، ونزل ابن عبد ربه خارج المدينة، ثم دخل دار الإمارة، فأمن الفضل وأصحابه، ثم أمرهم بالخروج إلى قابس وقال لهم: (إني لا آمن أصحابي عليكم، ولكن أوجه معكم من يوصلكم إلى قابس.) فوجه إليهم أبا الهيثم في جماعة، وأخذ عليه الإيمان ألا يسلم الفضل. فخرج الفضل معه، مع ثلاثة من بني عمه وبعض أصحابه من باب آخر. فقال لهم البواب: (اخرجوا يا كلاب النار! لا رحمكم الله!) فقال الفضل عند ذلك: (لا غله إلا اله! لم يبق أحد إلا صار علينا حتى من أعتقناه!) وسار ليلته ونهاره حتى دنا الغروب، فسمع طبلا، فقال: (فلان جاء بمائة فارس، بعثه ابن الجارود إليك لأنه خاف عليك الجند!) ثم سمع طبلا آخر، فإذا هوم منصور بن هاشم. فقال له: (ما جاء بك؟) فقال (كذا وكذا) م سمع طبلا آخر، فإذا هو صاحب شرطة ابن عبد ربه بن الجارود، فقيل للفضل: (إذا جاء ليردك!) وذلك إنه أشار على ابن

стр. 78

الجارود جماعة من أصحابه أن: ((لن) تتركوا الفضل يدخل طرابلس لئلا يقوم الناس معه ويرجع القيروان، فنادى مناديه (من كان من طاعة ابن الجارود فلينعزل!) فانعزل الناس ولم يبق مع الفضل أحد فردوه إلى القيروان، بعدما خلو عن المهلب وجميع الناس الذين كانوا مع الفضل إلا محمد بن هشام والفضل بن يزيد، فانطلقوا بهما حتى جعلوا في الدار معه. ثم قُتِلَ الفضل بن رَوح في شعبان من سنة ١٧٨، فكانت ولايته سنة واحدة وخمسة أشهر، فكانت دولة المهالبة بأفريقية ثلاثا وعشرين سنة، وثار بن الجارود في جمادى الآخرة من سنة ١٧٨، فكانت له مع البربر وقائع عظيمة، ثم أمنه الرشيد، فأجاب إلى الطاعة. وفي سنة ١٧٩، كتب ابن الجارود المتغلب على أفريقية إلى يحيى بن موسى وهو بطرابلس، أن: (أقدم القيروان: فإني مسّلم لك سلطانها!) فخرج يحيى بن موسى بمن معه، في محرم، فلما بلغ قابس، تلقاه بها عامة الجند من القيروان، ومعهم النظر بن حفص، وعمرو بن معاوية، فخرج ابن الجارود من القيروان، واستخلف عليها المفرج بن عبد الملك، فكانت أيلم ابن الجارود سبعة أسهر. وأقبل يحيى بن موسى والعلاء بن سعيد متسابقين إلى القيروان، فسبقه العلاء إليها فقتل بها جماعة من أصحاب ابن الجارود، فبعث إليه يحيى بن موسى أن يفرق جموعه إن كان في الطاعة. فأمر من كان معه أن ينصرفوا إلى مواضعهم. ورحل العلاء إلى طرابلس، وكان ابن الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء، فلقي بها يقطين بن موسى، فخرج معه سائرا إلى المشرق فلقوا هرثمة بن أعين قد وصل بولاية أفريقية. وقد كان العلاء كتب إلى هرثمة يعلمه بأنه هو الذي أخرج ابن الجارود من أفريقية فأجازه بجائزة سنية، وكان يحيى بن موسى قدمه هرثمة ابن الجارود، سيره إلى أمير المؤمنين الرشيد.

стр. 79

ولاية هرثمة بن أعين أفريقية ولاه عليها أمير المؤمنين هارون الرشيد، فقدم القيروان غرة ربيع الآخر، فأنس الناس وسكنهم، وأحسن إليهم قال ابن حمادة: وصل هرثمة في جيش كثيف حتى نزل تبهرت، فخرج إليه بن الجارود واقتتل معه فهزم ابن الجارود، وطاعت البربر لهرثمة، وانصرف راجعا إلى القيروان وهو الذي بنى القصر الكبير المعروف بالمنستير. قاله الرقيق. وفي سنة ١٨٠ كانت الزلزلة العظمى بأرض مصر وسقط رأس منار الإسكندرية. قال الرقيق: لما رأى هرثمة بن أعين ما رأى من الخلاف بأفريقية وسوء طاعة أهلها، طلب الاستعفاء فكتب إليه الرشيد بالقدوم عليه فرجع إلى المشرق وهو الذي بنى سور طرابلس. ولاية محمد بن مقاتل العكي أفريقية وفي سنة ١٨١ ولى أمير المؤمنين الرشيد على أفريقية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي، فقدمها في رمضان. وكان رضيع الرشيد، وكان أبوه من كبار أهل دولته. وكان محمد هذا غير محمود السيرة، فاضطرب أمره واختلف عليه جنده. ولو لم يكن من سوء سيرته، وقبيح ما يؤثر عنه من أخباره، إلا أقدامه على عابد زمانه وورع عصره البهلول. بن راشد فضربه بالسياط ظلما وحبسه، فكان ذلك سبب موته. ومن أخباره إنه اقتطع أرزاق الجند وأساء السيرة فيهم وفي الرعية، فمشى القائد فلاح في أهل خراسان وأهل الشام، فلم يزل بهم حتى اجتمع رأيهم على مخلد بن مرة الأزدي. وخرج على العكي تمام بن تميم التميمي، وكان عامله بتونس.

стр. 80

ثورة تمام بن تميم التميمي على محمد بن مقاتل العكي وفي سنة ١٨٣ زحف تمام من تونس مع جماعة القواد والأجناد من أهل الشام وخراسان متوجها إلى القيروان، في النصف من رمضان. فخرج إليه العكي فتقاتلا. فأنهزم العكي ورجع إلى القيروان، فتحصن في داره التي بنها وترك دار الإمارة. وأقبل تمام فنزل بعسكره خلف باب أبي الربيع. فلما أصبح تمام فتح له الأبواب فدخل يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان سنة ١٨٣، فآمن تمام العكي على دمه وأهله وماله. فكانت ولايته إلى أن أخرجه تمام من القيروان سنتين وعشرة أشهر ثم ولى أفريقيا أبو الجهم بن تميم التميمي. وكان ثائرا متغلبا من غير عهد من الرشيد وهو جد أبي العرب بن تميم صاحب التواليف. فدخل القيروان، وخرج العكي منها بأمانه ومشى لطرابلس ولحق به قوم من خرسان منهم طرحون صاحب شرطته فاجتمع رأيهم على أن يدخلوه فدخلها وأقام تمام ملك القيروان فنهض إليه إبراهيم بن الأغلب من الزاب، وكان أمير عليه. فلما بلغ تمام إقباله إليه سار إلى تونس، فدخل ابن الأغلب القيروان، وأبتدر المسجد الجامع، وصعد المنبر وكان فصيحا بليغا فأعلم الناس إنه ما وصل إلا لنصره العكي محمد بن مقاتل، وأنه أميرهم المودم عليهم من أمير المؤمنين وكتب إلى العكي يخبره بما فعل في حقه ويؤكد عليه في الوصول. فأقبل راجعا حتى دخل هو ومن معه القيروان فمشى يوما في أزقتها فنادته امرأة من طاقها تقول له (أشكر إبراهيم بن الأغلب! فهو الذي رد عليك ملك أفريقيا!) فكبر ذلك عليه وكان تمام بن تميم بتونس. فقال لأصحابه: (أن إبراهيم بن الأغلب رد الملك على العكي والذين مع العكي قد ملئوا رعبا من وقعتنا بهم وإذا بلغهم خروجي من تونس يسلمونه ويصلون ألي! ومع هذا فأن العكي حسود، لا بد أن يخالف إبراهيم بن الأغلب

стр. 81

فيما يشير به عليه.) وكان الناس يقولون (استرحنا من العكي، فرد إبراهيم علينا! فلموت خير لنا من الحياة في سلطان العكي!) ففزع الناس إلى تمام بن تميم التميمي. فلما رأى كثرة من معه، طابت نفسه لقتال العكي. فكتب تمام إلى العكي: (أما بعد، فأن إبراهيم بن الأغلب لم يبعث إليك فيردك من كرامتك عليه، ولا للطاعة التي يظهرها للخليفة؛ ولكن كره ان يبلغ إليك أخذه البلاد فترجع إليه؛ فأن منعك، كان مخالفا لأمير المؤمنين؛ وان دفعها إليك، كان ما فعل لغيره، فبعث إليك لترجع؛ ثم يسلمك إلى القتال. وغدا تعرف ما جربت من وقعتنا لك بالأمس!) وفي آخر كتابه (الطويل) : وما كان إبراهيم من فضل الطاعة ... يرد عليك الملك لكن لتقتلا فلو كنت ذا عقل وعلم بكيده ... لما كنت منه يا ابن عك لتقبلا فلما وصل كتابه إلى محمد بن مقاتل العكي، قرأه ودفعه إلى ابن الأغلب؛ فقراه وضحك، وقال: (قاتله الله! ضعف رأيه!) وكتب إليه ابن العكي: (من محمد بن مقاتل إلى الناكث ابن تميم. أما بعد فقد بلغني كتابك، ودلني على قلة رأيك. وفهمت قولك في إبراهيم؛ فأن كانت نصيحة، فليس من خان الله والخليفة مقبول منه ما نصح به! وإن كانت خديعة، فأقبح الخداع ما فطن له!) وفي آخر كتابه (طويل) : وإني لأرجو إن لقيت ابن أغلب ... إذا في المنايا أن تفل وتقتلا تلاقي فتى يستصحب الموت في الوغى ... ويحمي بصدر الرمح عزا موثلا وأقبل تمام من تونس بعسكر عظيم؛ وأمر ابن العكي من كان معه من أهل الطاعة بالخروج إليه، مع إبراهيم بن الأغلب؛ فتقاتلوا قتالا شديدا؛ فانهزم تمام، ورجع إلى تونس. وانصرف ابن العكي إلى القيروان، وأمر إبراهيم ابن الأغلب بالمسير إلى تونس. وفي سنة ١٨٤ خرج العسكر من القيروان لحصار تونس وقتال تمام؛

стр. 82

وذلك في محرم منها. فلما اقبل تمام إقباله، طلب الأمان منه؛ فأمنه إبراهيم، وأقبل به إلى القيروان، يوم جمعة، لثمان خلون من محرم المذكور ولاية إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي أفريقية وصله عهد الرشيد في العشر الوسط لجمادى الأخيرة من سنة ١٨٤؛ وقال له فيه: (قد تقدم لكم بأفريقية أمره) وكان الرشيد ولاه على بلاد الزاب، وقي بلاد الجريد، وابن العكي على أفريقية. وكان إبراهيم بن الأغلب فقيها، أدبيا، شاعرا، خطيبا، ذا رأى ونجدة وبأس وحزم وعلم بالحروب ومكايدها، جرى الجنان، طويل اللسان، لم يل أفريقية أحسن سيرة منه، ولا أحسن سياسة، ولا أرأف برعيته، ولا أوفى بعهد، ولا أرعى لحرمة منه. فطاعت له قبائل البربر، وتمهدت أفريقية في أيامه. وعزل العكي عمها، واستقامت الأحوال بها. وكان إبراهيم قد سمع من الليث بن سعد، ووهب له جلا جل أم ولده لمكانه منه ولقد قال الليث يومها: (ليكونن لهذا الفتى شأن!) وكان لإبراهيم فضائل جمة ومآثر حسنة. وكان له مع راشد أمير الغرب مولى إدريس الحسنى مواقف ومحاربة؛ وكان راشد قد علا أمره. ومن قول إبراهيم، وكان قد خلف أهله بمصر (بسيط) ما سرت ميلا ولا جاوزت مرحلة ... ألا وذكريني دائما عنقي ولا ذكرتك إلا بت مرتقبا ... أرعى النجوم كان الموت مغتبقي ولما ملك أفريقية، قمع أهل الشر بها وضبط أمرها. وكان له مع بربرها حروب طويلة ذكرها. وأحسن إلى عرب جيشها. وفي سنة ١٨٥ شرع إبراهيم في بناء مدينة القصر القديم وصار بعد ذلك دار الأمراء. وكان على ثلاثة أميال من القيروان؛ وكان قد

стр. 83

اشترى موضعه من بني طالوت؛ فبناه ونقل إليه السلاح والعدد سرا، وسكن حوله عبده وأهل الثقة به من خدمته. وكان حافظا للقران، عالما به وثار عليه الكندي بتونس؛ وكانت له معه وقائع وافقت محاربة المأمون للأمين، بعد موت الرشيد. وفيها، قال الطبري: وقعت بالمسجد الحرام صاعقة، فقتلت رجلين. وفي سنة ١٨٦ حج بالناس هارون الرشيد، وأخرج معه ابنيه محمدا الأمين، وعبد الله المأمون، وقواده، ووزراءه، وقضاته، وولي عهد عبد الله. قال الطبري: وكان الرشيد عقد لأبنه محمد ولاية العهد في شعبان سنة ١٧٣، وسماه الأمين، وضم إليه الشام والعراق في سنة ١٧٥، ثم بويع لعبد الله المأمون بالرقة في سنة ١٨٣؛ وولاه من حد همدان إلى أخر المشرق. ولما قضى مناسكه في هذه السنة، كتب للمأمون كتابين: أحدهما على محمد بما أشترط عليه من الوفاء بما فيه من تسليم وما ولى لعبد الله من الأعمال، وما صير له من الضياع والأموال؛ والأخر نسخة البيعة التي أخذها لعبد الله على محمد وعلى الخاصة والعامة. وأشهد في ذلك في البيت الحرام، وأمره بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد. وأشهد عليهما جماعة من حضر من بني هاشم وغيرهم. ثم أمر ان يعلق الكتاب في الكعبة. فلما علق، وقع؛ فقيل: (أن هذا لأمر سريع انتفاضه قبل تمامه!) وفي سنة ١٨٧ كان قتل الرشيد لجعفر بن يحيى، وإيقاعه بالبرامكة؛ والوالي على أفريقية إبراهيم بن الأغلب كما كان. وفي سنة ١٨٨، كان غزو إبراهيم بن جبريل أرض الروم: وجهه الخليفة هارون، ودخل أرض الروم من درب الصفصاف؛ فخرج للقائه البطريق نقفور، فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه؛ فانصرف ومر بقوم من

стр. 84

المسلمين؛ فخرجوا عليه، وأنهزم، وقتل من الروم أربعون ألفا وبسعمائة، واخذ له أربع آلاف دابة. وفي سنة ١٨٩ كان شخوص الرشيد إلى الرى: وبعث حسينا الخادم إلى طبرستان بالأمان لمرزبان صاحب الديلم؛ وقدم عليه؛ فأمنه وأمن غيره. وقال أبو العتاهية في خرجة هارون هذه (سريع) إن أمين الله في خلقه ... حن به البر إلى مولده ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم؛ فلما يبق في أرض الروم مسلم إلا فدى. وفي سنة ١٩٠ فتح الرشيد هرقلة من مدائن الروم. وقال شبيل الترجمان: لما فتح الرشيد هرقلة رأيت على بابها لوح رخام مكتوب فيه بلسانه؛ فجعلت أقراه، والرشيد ينظر إلي، وأنا لا أشعر، فإذا فيه: (يا بن آدم! غافص الفرصة قبل إمكانها وقل الأمور إلى وليها، ولا يحملنك أفرادها السرور على المآثم، ولا تحمل نفسك هم يوم لم يأت! فأنه أن يكن من أجلك وبقية عمرك، ويأت الله فيه برزقه! فلا تكن من المغرورين يجمع المال! فكم قد رأينا جامعا لبعل خليلته، ومقترا على نفسه توفيرا لخزانة غيره!) وفي سنة ١٩١ ولي الرشيد هرمثة بن أعين غزو الصائفة، وضم إليها ثلاثين ألفا من جند خراسان. وفيها امر الرشيد بهدم الكنائس في الثغور. ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة بالمشرق إلى سنة ٢١٥. وفي سنة ١٩٣، توفي هارون بن محمد الرشيد ﵀ بطوس من أرض خراسان، ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الأخير. واستخلف محمد الأمين ابنه. ولما صار المر إلى الأمين، أقر إبراهيم بن الأغلب على أفريقية

стр. 85

فبقي بها إلى أن توفي بالقيروان في العشر الأخرى من شوال من سنة ١٩٦ وعمره خمس وستون سنة وولايته أفريقية اثنا عشرة سنة واشهر. ولاية عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية وفي سنة ١٩٦ ولي عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية. وذلك إنه لما مات إبراهيم بن الأغلب، كان ابنه عبد الله هذا غائبا بمدينة طرابلس؛ فقام له أخوه زيادة الله بالأمر، وأخذ له البيعة على نفسه وعلى أهل بيته وجميع رجاله وخدمته، وبعث إليه بذلك. وفي سنة ١٩٧ قدم أبو العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من طرابلس؛ فتلقاه أخوه زيادة الله، وسلم الأمر إليه. وحمل عبد الله في إمارته على أخيه زيادة الله حملا شديدا؛ وكان يتنقصه، ويأمر ندماءه بإطلاقه ألسنتهم بسبه، وزيادة الله مع ذلك يظهر له التعظيم والتجبيل والصنع الجميل، ولا يظهر له ثغيرا ولا يظهر عليه منه أثر. وقد كان عبد الله بن إبراهيم أراد أن يحدث جورا عظيما على رعيته فأهلكه الله فبل ذلك. وكان من أجمل الناس وجها، وأقبحهم فعلاً، وأعظمهم ظلما، أحدث بأفريقية وجوها من الظلم شنيعة، منها قطع العشر حبا، وجعله ثمانية دنانير للقفيز وأصاب أو لم يصب، وغير ذلك من الظلم والمغارم والمظالم. فأشتد على الناس ذلك. وفي سنة ١٩٨، قتل الأمين بن الرشيد: قتله ابن طاهر عامل أخيه المأمون؛ وذلك لخمس بقين من المحرم. واستخلف أخوه المأمون؛ فأقر عبد الله بن الأغلب على أفريقية. ولما قدم حفص بن حميد الصالح على أفريقية، ومعه قوم صالحون من الجزيرة، قصدوا إليه؛ فوعظوه في أمر الدين ومصالح المسلمين.

стр. 86

فتهاون بهم، فخرجوا مغمورين يريدون القيروان، وكان هو في القصر القديم. فلما وصلوا وادي القصارين، قال لهم حفص بن حميد (قد يئسنا من المخلوق فلا نيئس من الخالق! فاسألوا المولى واضرعوا إليه في زوال ظلمه عن المسلمين! فإن فتح في الدعاء، فقد أذن في الإجابة) فتوضأ جميعهم وساروا إلى كدية مصلى رَوْح، فصلى بهم حفص ركعتين، ودعوا الله أن يكف عن المسلمين جور أبي العباس، ويريحهم من أيامه. فيقال أن قرحة خرجت له تحت أذنه، فقتلته في السادس من دعاء القوم. وقال من حضر غسله أنه، لما كشف عنه ثيابه، ضُن إنه عبد أسود بعد جماله وذلك بسوء فعاله، وكانت وفاته ليلة الجمعة لست خلون من ذي الحجة من سنة ٢٠١ فكانت دولته خمسة أعوام وأشهراً. وفي سنة ٢٠١كان تقديم أهل بغداد منصور بن المهدي أميرا عليهم خديما للمأمون، إلى أن يَقْدَم أو يقَدِّم وكانت وقائع قبل ذلك وبعده. وفيها مات ابن الأغلب كما ذكرناه، وولى أخوه زيادة اله ساعة موته. ذكر ولاية زيادة الله بن الأغلب أفريقية وبعض أخباره كنيته أبو محمد. وهو أول من أسمه زيادة الله ممن ولى من بني الأغلب بويع يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة، فأساء السير في الجند وسفك فيم الدماء وأشتد عليهم في كل وجه. فثار عليه زياد بن الصقلبية بفحص أبي صالح إليه سالم بن سوادة، فهزمه سالم. ثم ثار العامة عليه أيضاً وذلك أن زيادة الله كان أغلظ على الجند، وأمعن في سفك دمائهم، والاستخفاف بهم، وحمله على ذلك سوء ضنه بهم لوثوب على الأمراء قبله وخلافهم على أبيه. وكان أكثر سفكه وسوء فعله إذا سكر، وكثر الخوض عليه. وخالفت الجند عليه وغيرهم، فكانت بينه وبينهم حروب ووقائع، حتى خاف على

стр. 87

نفسه، فحصن القصر القديم وبقى فيه على ما يأتي ذكره أن شاء الله تعالى. وفي سنة ٢٠٢ توجه الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب إلى المشرق، خوفا من أخيه زيادة الله وذلك أن الأغلب كان شقيق أبي العباس عبد الله بن إبراهيم، وكان أبو العباس طول ولايته، يتنقص زيادة الله ويأمر ندماءه بإطلاق ألسنتهم فيه فلما صار الأمر إلى زيادة الله جاءه الأغلب، فأستأذنه في الخروج إلى الحج فأذن له زيادة الله، فخرج الأغلب، وخرجت معه أبناء أخيه: محمد المكنى بأبي فهر، وإبراهيم المكنى بأبي الأغلب وهما إذ ذاك صغيران، فحج وأقام بالمشرق. وكان وزير زيادة الله والقائم بأمره الأغلب بن عبد الله المعروف بغلبون وفي سنة ٢٠٣، كانت ولاية أبي عبد الله أسد بن فرات بن سنان مولى بن سليم قضاء القيروان، وهو ممن سمع من مالك بن أنس. فلما ولى أسد القضاء ضاق أبو محرز القاضي إذ تشرك معه، ولم يعلم قبلهما قاضيان في وقت واحد؟. وفي سنة ٢٠٤ لم يكن فيها ولا في التي بعدها خبر يجتلب. وفي سنة ٢٠٦ غزا المسلمون جزيرة سردانية، وعليهم محمد بن عبد الله ألت ميمي فأصابوا وأصيب منهم، قفلوا. وفي سنة ٢٠٧ ثار زياد بن سهل على زيادة الله بن الأغلب، وزحف إلى حرب باجة، فحاصرهما أياما. فأخرج إليه زيادة الله العساكر فهزموا زيادا، وقتلوا من وجدوا معه على الخلاف وغنموا الأموال. وكانت فيها وفات اليسع بن أبي القاسم صاحب سلجماسة، وتقديم أهلها على أنفسهم أخاه الياس المنتصر بن أبي القاسم الذي كانوا خلعوه. وفي سنة ٢٠٨ ثار عمرو بن معاوية القيسي على زيادة الله بن إبراهيم بالقصرين وتغلب على تلك الناحية وكان عاملا لزيادة الله. وكان له ولدان،

стр. 88

يقال لأحدهما حباب وللأخر سجمان، فقال له ابنه حباب: (إنك دخلت في أمر عظيم وعرضت نفسك للهلاك، ولست من رجال هذا الأمر ولا ينفعك عدد ولا عدة! فراجع أمرك، واتق الله في نفسك!) فضربه مائتي سوط وتمادى على الخلاف. فأخرج إليه زيادة الله جيشا كثيفا حاصره أياما، ثم نزل هو وولداه على أمان، وجئ بهم إلي زيادة الله، فألفى على شراب مع قوم من وجوه أهل بيته، فأمر بحبسهم حتى يرى فيهم رأيه، ودخل إثر ذلك مضحك له يقال له أبو عمار فقال له زيادة الله: (ما يقول الناس يا أبا عمار؟) فقال (يقولون إنما منعك أن تقتل عمرو بن معاوية مخافة أن تشب القيسية على عمك بمصر) فوقع كلامه بقلب زيادة الله، ثم شرب ساعة والتفت غبلون وزيره، فقال (أنقل نرو بن معاوية وولديه من حبسك إلى حبسي!) ففعل فلما كان في نصف الليل أقبل زيادة الله إلى السجن وبيده السيف فقتل عمرو بن معاوية ثم رجع إلى قصره فعاد حباب وسجمان ابني عمرو. فأمر بحباب أن يقتل، فقال (أيها الأمير) إني مظلوم وقد بلغتك نصيحتي لأبي فيك حتى ضربني بالسياط. فقال أجل قد كان ذلك! ولكني أعلم أنك لا تخلص لي وأمر بضرب عنقه واستبقى الأصغر، وهو سجمان فلما أصبح دعا بترس، فوضع فيه الرأسين ودعا بسجمان، فقال (أتعرف هذين الرأسين) فقال: أعرفهما! ولا خير في الحياة بعدهما فأمر زيادة الله بضرب عنقه وجعل رؤوسهم في ترس وشرب عليها ذلك اليوم مع أهل منادمته. وفي سنة ٢٠٩ ثار منصور الطنبذي بتونس فأخرج زيادة الله محمد ابن حمزة في ثلاثمائة فارس مسلحين وأوصاه بكتمان حركته حتى يبغت منصورا بتونس، فيقبض عليه ويأتي به مصفدا. فسار ابن حمزة إلى تونس، فألفى

стр. 89

منصورا غائبا في قصره بطنبذة. فنزل دار الصناعة ووجه إليه شجرة بن عيسى القاضي في أربعين شيخا من أشياخ تونس يناشده الله ويرغبه في الطاعة ويعرفه بما له في ذب لك من الحظ من دينه ودنياه فتوجه شجرة بن عيسى مع المشايخ إلى منصور فدعوه إلى الطاعة فقال منصور (ما خاعت يدا ولا أحدثت حدثا! وأنا سائر معكم إلى زيادة اله، ولك أقيموا علي ّ يومي هذا حتى أعد لكم ما يصلحكم، فأقاموا معه، ووجه إلى ابن حمزة والذين معه ببقر وغنم وعلف وأحمال قهوة وكتب إليه (إني قادم عليك بالغداة. القاضي شجرة) فركن ابن حمزة لقوله وذبح البقر والغنم وأكل هو والناس الذين معه وشربوا. قلما أمسى منصور، أخذ القاضي والذين معه فحبسهم في قصره وأخذ دوابهم فجعل عليها أصحابه، وجمع خيله وأشياعه، وزحف إلى تونس، وأمر أصحابه ألا يسمع لهم حسٌ ولا حركة حتى يصيروا إلى دار الصّناعة. وسار حتى إذا كان بالقرب من دار الصّناعة، أمر بالطبول، فضربت وأمر أصحابه فكبروا، فوثب ابن حمزة ومن كان معه، والتحم القتال على الليل. وكثر الناس عليهم، فقتل من كان مع ابن حمزة، ولم يسلم منهم إلا سبح البحر، وذلك يم الاثنين لخمس بقين من صفر. وأصبح منصور، فاجتمع إليه الجند وقالوا (نحن لا نثق بك، نأمن أن يستنزلك السلطان بدنياه وماله فتميل له ولكن إن أحب أن نقوم بنصرك، فأخضب يدك في دماء أصحاب السلطان وأهل بيته! فوجه حينئذ عن عامل زيادة الله على تونس، وهو إسماعيل بن سالم بن سفيان وعن ولده محمد فأمر بقتلهما معا. فلما اتصل الخبر بزيادة الله، وما كان من قتل رجاله وعامله عقد لغلبون وزيره على عسكر جليل وقال: (والله! لئن انهزم واحد منكم، لأجعل عقوبته ما فرّ وهو السيف) فسار غلبون في العاشر لربيع الأول. حتى

стр. 90

وصل إلى سبخة تونس، فخرج إليهم منصور الطنبذيُّ تعبئة عباها لنفسه، فاقتتلوا مليا. ثم حمل منصور حملة كانت فيها هزيمة غلبون وأصحابه لعشر بقين مكن ربيع الأول، وسار منهزما إلي زيادة الله، فاعتذر غلبون عن الهزيمة وحاف أنهم نصحوا واجتهدوا ولكن قضاء الله لا يرد. وتواثب القواد على أعمال أفريقية، كل قائد على بلدة يضبطها، ويمتنع فيها من عقوبة زيادة الله التي توعدهم بها. واضطرمت أفريقيا نارا، ورمى الجند كلهم إلى منصور الطنبذي أزمة أمورهم وولوه على أنفسهم. وقدم غلبون على زيادة اله، فأعلمه بما كان من أمره ونَغَل الجند فكتب إليهم زيادة اله صكوك أمان، وبعث ربها إليهم، فلم يثقوا بها منه، وخلعوا الطاعة. ولما ظفر منصور، واجتمع إليه بتونس جميع الجند والحشود والوفود من كل جهة ومكان، فزحف بهم من تونس، فوصل إلى القيروان لخمس خلون من جمادى الأولى. فركب إليه القاضيان أبو محرز وأسد، فكان بينهما وبينه كلام لم يفد. وخندق منصور الطنبذي على نفسه فكانت بينه وبين زيادة الله وقائع كثيرة. ثم رحل منصور من خندقه، ونزل منزلا آخر، وأخذ منصور في إصلاح سور القيروان فوالاه أهل القيروان وحاربوا معه. فدامت الحرب بين منصور وبين عسكر زيادة اله أربعين يوما. ثم زحف زيادة اله على تعبئة عباها لنفسه قلبا وميمنة. فلما رأى ذلك منصور هاله وراعه. والتقت الفئتان، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم منصور وولى هاربا وقتل أصحابه قتلا ذريعا، في منتصف جمادى الآخرة، وانتهى زيادة الله إلى القيروان فأمر برفع القتال وتمادى منصور في هزيمته إلى أن دخل قصره بتونس، والناس لا يشعرون. وعفا زيادة اله عن أهل القيروان، وصفح عن جميعهم غير إنه جعل عقوبتهم هدم سور القيروان حتى ألصقه بالأرض. وفي سنة ٢١٠ كانت وقيعة سبيبة، وهي مدينة. وذلك أن الجند الذين تقدم ذكر سيرتهم وتنمعهم لأجل الهزيمة التي طرأت عليهم كان قائدهم عمر بن

стр. 91

نافع وأقر زيادة الله على الجيش محمد بن عبد اله بن الأغلب، فالتقوا هنالك لعشر بقين من المحرم فانهزم ابن الأغلب وقتل وتمادت الهزيمة إلى القيروان من ضحى النهار إلى بعد صلاة العشاء، فاغتنم لذلك زيادة الله وأخذ في ضم الرجال وبذل الأموال. وكان عيال الجند بالقيروان، فلم يعرض لهم زيادة الله. ثم أن الجند سألوا منصور أن يحتال في نقل عيالاتهم من القيروان، فزحف بهم منصور إليها ونزل على القصر نحو ستة عشر يوما، فلم يكن بينه وبين زيادة اله فيها قتال، وأخرج الجند حرمهم عن القيروان. ثم انصرف مصور إلى تونس ولم يبق بيد زيادة الله من أفريقية كلها إلا قابس والساحل ونفزاوة وطرابلس، فانهم تمسكوا بطاعته، ولم ينقصوه شيئا من جبايته. وملك منصور جميع عمل زيادة الله، وضرب السكة باسم نفسه. وكتب الجند إلى زيادة اله (ارحل عن أفريقية ولك الآمان في نفسك ومالك) فشاور زيادة اله أهل بيته وخدمته، وقد ضاق به الأمر فقال له سفيان بن سوادة: (مكني ممن أثق بهم أتقدم بهم إلى نفزاوة) فانتقى له مائة فارس، فأعطاهم وسار بهم إلى نفزاوة فدعا بربرها إلى نصرته. فأجابوه. فأقبل عامر بن نافع في الجند نحو نفزاوة فلما وصل إلى قسطيلية جمع ألف أسود ومعهم الفؤوس والمساحي وخرج بهم إلى نفزاوة فنزل بتقيوس وبلغ ابن سواد قدومه، فخرج إليه وأقتتل معه، فانهزم الجند وقتل منهم عدد كبير. ورجع عامر إلى قسطيلية فأقام بها ثلاثة أيام يجبي أموالها ليلا ونهارا، حتى كمل له من ذلك ما أراد، وسار نحو القيروان. وفي سنة ٢١١، قام عامر بن نافع على منصور الطبنذي. وكان حاسدا له لأن منصورا كان يتوعده على الشراب، فعمل عليه عامر مع الجند، فلم يشعر منصور وهو بقصره بطبنذة حتى زحف إليه عامر من تونس، فحاصره. فراسله منصور وطلب منه الآمان، على أن يتوجه في سفينة إلى المشرق. فأجابه إلى

стр. 92

ذلك وخرج منصور في أول اليل مستخفيا يريد الأربس. فلما أصبح عامر، قفا أثره وأثر من اكن معه، حتى أدركهم. فاقتتل معهم فانهزم منصور ودخل الأربس، فتحصن بها فحاصره عامر فيها. فلما ضاق الحصار بأهلها، قالوا المنصور (إما أن تخرج عنا وإلا دفعناك إلى عامر!) فرغب منهم أن يمهلوه حتى يعمل في الخلاص لنفسه. فأرسل إلى عبد السلام بن الفرج (وكان من وجوه الجند) يسأله الاجتماع به. فأتاه فقال له منصور من أعلى السور: (بهذا كان جزائي منكم يا معشر الجند! وقد علمتم أن قيامي على القوم إنما كان من أجلكم. فإذا كان قد صار الأمر إلى ما صار إليه فأحب أن تسعى في أماني وخلاصي وأخرج عنكم إلى المشرق) فأجابه عبد السلام إلى ما سأل، واستعطف له عامر بن نافع فأسعفه في ذلك. ثم وجهة عامر منصورا مع خيل وأمر مقدمهم سراً أن يعرجوا به إلى مدينة جَربة ويحبسه بها. ففعل ذلك وحبس منصور هنالك. فلكا علم عبد السلام بهذه الغدرة من عامر حقد عليه وكان بباجة مع أصحابه، وكان هاشم أخو عامر واليا عليها، فأخذوه وحبسوه وكتبوا إلى أخيه عامر (أما أن تخلي عن منصور وإلا قتلنا أخاك) فكتب إليهم عامر (إني لست أخلى عن منصور فاصنعوا بهاشم ما شئتم! فستعلمون عاقبة أمركم) فلما جاءهم كتابه، أطلقوا هاشما. وأمر بضرب عنق منصور وأخيه حمدون. واستقامت الأمور لعامر بن نافع. وفي سنة ٢١٢، أغزى زيادة اله صقلية. واجتمع له سبعون مركبا حمل فيها سبعمائة فرس. وعرض القاضي أسد بن الفرات نفسه على زيادة الله في الخروج للغزو، فولاه على الجيش، وأقره على القضاء مع القيادة، فخرج معه أشراف أفريقية من العرب والجند والبربر والأندلسيين، وأهل العلم والبصائر، وذلك في حفل عظيم وعدة جليلة في ربيع الأول. فساروا إلى حصون الروم ومدنهم فأصابوا سبيا كثيرا وسائمة كثيرة وكثرت الغنائم عند المسلمين. واحتل القاضي أسد بمن معه على مدينة سرقوسة، وحاصرها

стр. 93

برا وبحرا وأحرق مراكبها، وقتل جماعة من أهلها. وجائته الأمداد من أفريقية والأندلس وغيرها. وفي سنة ٢١٣ توفي عامر بن نافع على فراشه. فلما بلغ موته زيادة الله، قال: (اليوم وضعت الحرب أوزارها!) فاستأمن بنوه إلى زيادة اله، فأمنهم. وفيها توفي إدريس بن إدريس الحسني فقام بأمر فاس والبر بر ابنه محمد، فولى أخاه البصرة وطنجة وما يليهما، وولى سائر اخوته بلاد المغرب. ذكر مدينة البصرة بالغرب. كانت قبل مدينة كبيرة أزلية، تعرف ببصرة الكتان لأنهم كانوا يتابعون، في بدء أمرها في أكثر تجاراتهم بالكتان. وتعرف أيضا بالحمراء. لأنها حمراء التراب. وكان سورها مبنيا بالحجارة والطوب. ولها عشرة أبواب. ولجامعها سبع بلاطات. وبها حمامان كبيران ومقبرتها الكبرى في شرقيها، والأخرى في غربيها، وهي التي تعرف بمقبرة قضاعة. وماؤها زعاق وشربهم من ماء عذب كبير على باب المدينة، يعرف ببئر أبي ذلفاء. ونساء البصرة مخصوصات بالجمال الفائق والحسن الرائق، ليس بأرض المغرب أجمل منهن، وفيهن يقول أحمد بن فتح التيهرتي في قصيدة مدح بها أبا العيش الحسني (كامل) : ما حاز كل الحسن إلا قينة ... بصرية في حمرة وبياض الخمر في لحضاتها والورد في ... وجناتها هيفاء غير مفاض وأست البصرة في الوقت الذي أسست فيه أصيلا أو قريبا منه. ومنها إلى قصر كتامة وهو قصر عبد الكريم، مرحلة ومنها إلى مدينة جنيارة مرحلة. وقيل أنها كانت قرية على وادي سبو بينها وبين فاس مرحلة ومن مدينة البصرة طريق آخر إلى فاس، فمنها إلى ورغة مرحلة، ثم إلى وادى ماسنة مرحلة وهي مدينة عيسى بن حسن الحسني المعروف بالحجام ثم إلى مدينة

стр. 94

سداك وهي قاعدة خلوف بن محمد المغيلي ثم إلى فاس. فذلك سبع مراحل. وفي هذه السنة توفي أسد بن الفرات في رجب منها وهو محاصر لسرقوسة فلما توفي، هربت رهن الروم التي كانت عنده ووقع الموت في عسكر المسلمين، فاغتنموا لذلك، وولوا على أنفسهم الجراوي. وفي سنة ٢١٤ توفي القاضي أبو محرز الكلابي. وفيها وصل من الأندلس إلى صقلية نحو ثلاثمائة مركب، فيها أصبغ بن وكيل المعروف بفرغلوش. وبلغ المسلمين المحصورين بها خير وصولهم، فاستغاثوا بهم، فودعهم بالغوث. وفي سنة ٢١٥، كان غزو فرغلوش الواصل في المركب إلى صقلية هو والوقاد الذين معه، فأخذا القلاع، وسبقوا، وغنموا في بلاد الروم. ثم سألوا إغاثة من كان من المسلمين بها، فأجابوهم إلى ذلك على أن يكون أمر الناس إلى فرغلوش فساروا إلى ذلك وأخذوا في طريقهم القلاع وأغاروا حتى انتهوا إلى ميناو. فخرج مخنق من كان بها من مسلين، وحرقوا المدينة وهدموها، وانتقلوا عنها. وسار المسلمون إلى غلواليه، فحصروها وتغلبوا عليها. واعتل جماعة من المسلمين بها وأخذ الوباء ومات فرغلوش وغيره من القواد فرحل المسلمون وركب العدو أثرهم، فقتل منهم خلق كثير في خبر طويل ثم أخذوا في إصلاح مراكبهم قافلين إلى الأندلس. وفيها ولي سعيد بن إدريس مدينة نكور. وفي سنة ٢١٦ كانت وقيعة بين مطبق السلمي وإسماعيل بن الصمصامة بإفريقيا فتقاتلا بما من معهما فهزم مطبق وقتل ونهزم أصحابه أبو فهر صقلية. وفي سنة ٢١٧ توجه أبو فهر محمد بن عبد الله التميمي من إفريقيا إلى صقلية وهرب عثمان بن عرقب عنها.

стр. 95

وفي سنة ٢١٨ قام بمدينة تونس فضل بن أبي العنبر بعد هزيمته لخليل زيادة الله، فضبطها لنفسه. وسار إليه أبو فهر بن عبد الله بن الأغلب في جيش كثيف حتى افتتحها وقتل فيها عباس بن الوليد الفقيه الصالح. وفي سنة ٢١٩ أمن زيادة الله كل من طلب الأمان ممن تلفت من تونس وخرج عنها وقت دخول أبي فهر لها. فأمنهم وسكنت أحوالهم وكان فيهم عبد الرحمن وعلي ابنا أبي سلمة وأبو العزاف كانوا شعراء فصحاء فأنش عبد الرحمن مديحا له فيه فلما أنقض إنشاده قام يعقوب بن يحيا الشاعر يحرض زيادة الله على بني أبي سلمة وأبي العزاف بهذه الأبيات وأوفر: تسمع أيها الملك المعان ... قوافي في معانيها البيان يتم أمان من الخضب العوالي ... وليس لشاعر أبدا أمان لأن قوافي الأشعار تبقى ... على الأيام ما بقى الزمان وقد يرجى لجرح السيف برءٌ ... ولا برءٌ لما جرح اللسان فلم يلتفت زيادة الله إلى قوله وأمضى لهم أمانهم وقال لأبي العزاف: ما منعك أن تستأمن إلينا قبل هذا الوقت؟ قال: أيها الأمير كنت مع قوم حمقى يولون كل يوم واليا ويعزلون آخر. فرجوت أن تكون لي معهم دولة، فضحك زيادة الله وقال: لقد عفوت عنك وفي سنة ٢٢٠ ولي أحمد بن أبي محرز قضاء أفريقية وفيها غزى محمد ابن عبد الله بن الأغلب صقلية. فالتقى بالمشركين فانهزموا أمامه. وانصرف بالغنائم إلى بسلوم. وكانت بصقلية في هذه السنة غزوات كثيرة للمسلمين برا وبحرا وكذلك بالأندلس. وفيها وصل ابن الأغلب إلى بسلوم قاعدة صقلية واليا عليها، في رمضان، بعد أن رأى شدة في البحر وعطبت له مراكب وحطمت له أخرى

стр. 96

وأصاب له النصارى حرّاقة من مراكبه. وجاهدهم محمد بن السندي في حراقات فاتبعهم حتى حال الليل بينهم. وفي سنة ٢١ ٢، توفي قاضي صقلية ابن أبي محرز. وكان قد أوصى أخاه عمران أن يكتكم موته حتى يكفنه ويصلي عليه، خوفا أن يكفنة زيادة الله ويصلي عليه، ففعل عمران ذلك. فلما حمل نعشه وخرج به من داره أقبل خلف الفتى يمسك كثير وأكفان من قبل زيادة الله فقال له عمران: قد كفناه: فذر خلف المسك الذي كان معه عليه وحمل إلى المصلى حضر زيادة اله دفنه وعزى أخاه عنه وقال: يا أهل القيروان لو أراد الله بكم خيرا لما خرج ابن ابي محرز من بين أظهركم. وكان زيادة الله يقول: ما أبالي ما قدمت عليه يوم القيامة وفي صحيفتي أربع حسنات: بنياني المسجد الجامع بالقيروان وبنياني قنطرة أبي الربيع، وبنياني حصن مدينة سوسة ونوليتي أحمد بن محرز قاضي أفريقية، وولي القضاء بعده ابن أبي الجواد. وفي هذه السنة، ابتدأت الفتنة بسلجمانة بين ميمون وأخيه ابني المنتصر ابن اليسع. وفي سنة ٢٢٢ كانت غزوة صقلية للمسلمين إلى ناحيو جبل النار، فأصابوا وغنموا وقفلوا سالمين غانمين. وفيها فتح المسلمون حصن مدنار ومعاقل كثيرة في غزوة للفضل بن يعقوب، أغزاه أبو الأغلب، وغزوة أخرى لعبد السلام بن عبد الوهاب، أغزاه أيضا إياها أبو الأغلب، فخرج إليه العدو فانهزم المسلمين وأصيب منهم جماعة وأسر عبد السلام حتى فدي بعد ذلك. وفي سنة ٢٢٣ توفي زيادة اله بن إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية، يوم الثلاثاء لربع عشرة ليلة خلت من رجب وهو ابن إحدى وخمسين سنة. فكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وسبعة أشهر وثمانية أيام.

стр. 97

ولاية أبي عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب أفريقية وهو الملقب بخزر، فلنا ولي أمن الناس وأحسن إليهم وإلى الجند، وغير أحداثا كثيرة كانت قبله وأجرى على العمال أرزاقا واسعة وصلات جزلة وقبض أيديهم عن الغبة، وقطع النبيذ من القيروان، وعاقب على بيعه وشربه. وتوفى في العشر الأواخر لربيع الآخر سنة ٢٢٦، وهو ابن ثلاثة وخمسين سنة فكانت ولايته سنتين وتسعة أشهر وأياما. وفي سنة ٢٢٤، كانت وقعة بأفريقية بين عيسى بن ريعان الآزدي، وقد أخرجه السلطان لذلك، وبين لواته وزاغة ومكناسه فقتلهم عن آخرهم بين قفصة وقسطيلية. ذكر ذلك ابن القطان. وفيها، قدم أهل سلجماسة ميمون بن مدرار وأخرجوا أخاه. فلما استقر الأمر لميمون أخرج أباه مدرار وأمه إلى بعض قرى سلجمانة. وفي سنة ٢٢٥، كانت وفاة أبي جعفر موسى بن معاوية الصمادحي، مولى آل جعفر وكان ممن روى عنه سحنون. وفي سنة ٢٢٦، توفي أبو عقال الأغلب ين إبراهيم في ليلة الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وولاية ابنه أبي العباس يوم موت أبيه ولاية أبي العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم ابن الأغلب أفريقية كانت ولايته في أولها ساكنة، والأمور معتدلة. وقلد أحمد بن الأغلب كثيرا من أموره وكان محمد هذا قليل العلم، ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، فكتب محمد (لحم ضبي) بضاد مسقوطة. فلما حفلا المجلس، قال له كاتبه: (أيد الله الأمير الظبي يكتب بضاء مرفوعة) فقال له محمد: (قد

стр. 98

علمنا فيها اختلافا فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد) فعجب الحاضرون من قوله وكان عقيما لا يولد له. وكان مظفرا فيء حروبه. وفي سنة ٢٢٧، توفي أبو محمد عبد الله بن أبي حسان اليحصبي فقيه أفريقية، ولقي مالك، وسمع منه. وسأله زيادة اله في النبيذ، فقال له: (كم دية العقل؟) قال: (ألف دينار) قال: (أصلح الله الأمير يعمد الرجل إلى ما قيمته ألف دينار، فيبعه بنصف دسهم فقبل له: (أنه يعود ويرجع) فقال: (أصلح الله الأمير! بعد كشفه سوئته، وإبداءه عورته وضرب هذا وشتم هذا) وفي سنة ٢٢٨، كانت أفريقية هادئة ساكنة قال عريب وغيره لم يكن في أفريقية هذه السنة خبر يذكر ولا في السنتين بعدها. وفي سنة ٢٣٠ توفي بهلول بن عمرو بن صالح الفقيه، سمع من مالك وطبقته. وفي سنة ٢٣١ كانت ثورة أحمد بن الأغلب عل أخيه محمد واستيلائه عليه، وذلك أن أحمد تواعد مع جملة من الموالي إلى موضع، فتوافوا هنالك وقت الظهيرة، فقصدوا إلى مدينة القصر القديم، وقد خلى الباب من الرجال فدخلوا، وأغلقوا الباب، ثم ساروا حتى أغلقوا لأبواب الأُخر. ثم هجموا على أبي عبد الله بن علي بن حميد الوزير فأمر أحمد فضربت عنقه ووقع القتال بين رجال محمد بن الأغلب وبين رجال أحمد بن الأغلب وجعل أصحاب أحمد يقولون لأصحاب محمد: (ما لكم تقاتلوننا! نحن في طاعة محمد ابن الأغلب. إنما قمنا على أولاد علي بن حميد الذين أفقروكم واستولوا على أموال مولاكم دونكم وإما نحن في الطاعة) لما سمعوا ذلك، أوقفوا عن القتال، ولما نظر محمد إلى ما دهمه من غير استعداد، قعد في مجلسه الذي يقعد فيه للعامة، وأذن لأخيه أحمد والرجال الذين معه في الدخول عليه.

стр. 99

فدخلوا بسلاحهم. فكانت بينهما معاتبة. ثم حلفا أن لا يغدر أحدهما بصاحبه واصطلحا. واعتدلت الأمور لأحمد بن الأغلب إلا أن أسم الإمارة فقط وقبض أحمد على من شاء، واستصفى من أراد وعذب من أحب وأعطى الرجال وجنى الأموال، واستوزر نصر بن حمزة. وفي سنة ٢٣٢، ظفر محمد بن الأغلب بأخيه أحمد، وحبسه، ورجع له سلطانه. وقام معه في ذلك جماعة من بني عمه ومواليه. وسقى البوابين واحتال عليهم حتى دخل المدينة، وحارب أخاه طول الليل وأطلق من كان في حبس أخيه، فاستمد بهم ووصل أهل القيروان حتى أنفذ جميع ما في خزائنه من الأموال والكسي ثم نفى محمد بن الأغلب أخاه إلى المشرق فمات بالعراق. وفيها عزل عبد الله بن أبي الجواد عن القضاء، فقال سحنون لمحمد بن الأغلب: (أيها الأمير، أحسن الله جزائك! فقد عزلت فرعون هذه الأمة وجبارها وظالمها) وابن أبي الجواد حاضر ولحيته تضطرب على صدره وكان تام اللحية. وفي سنة ٢٣٣ ولي سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه (واسمه عبد السلام، إنما سمي بسحنون لحدة ذهنه) القصاء بأفريقية بعد أن رجع محمد بن الأغلب في ذلك عاما كاملا، وهو يأبى عليه، حتى حلف له بأيمان المؤكد وأعطاه العهود المغلظة إنه يطلق يديه على أهل بيته وقرابته وخدمه وحاشيته، وينفذ عليهم الحق، أحب أو كرهوا. وفيها كانت ثورة سالم بن غلبون وقتله، وذلك إنه كان واليا على الزاب فعزاه محمد بن الأغلب. فأقبل سالم يريد القيروان. ثم عدل في بعض طريقه إلى الأربس مظهرا للخلاف، فمنعه أهلها من دخولها فسار إلى باجة فدخلها وضبطها فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان في جيش كثيف فنزل عليه وحاربه أياما، فهرب سالم بن غلبون في الليل، فاتبعه خفاجة

стр. 100

فلحقه لما أصبح وقتله، وحمل رأسه إلى محمد بن الأغلب وكان ابنه أزهر محبوسا عنده فأمر بضرب عنقه. وفي سنة ٢٣٤، ثار عمر بن سليم النجيبي بتونس، فأخرج إليه ابن الأغلب خفاجة بن سفيان، فأقام عليه بقية هذه السنة، ثم انصرف عنه من غير ظفر وفيها مات عبد الله بن أبي الجواد في سجن سحنون وكان ورثته ابن القلقاط يطلبونه بخمسمائة دينارا وديعة واستظهروا بخطه. فأنكر الوديعة والخط. فكان سحنون يخرجه كل جمعة، فإذا استمر على الإنكار، ضربه عشرة أسواط. وأرادت زوجته فدائه بمالها، فامتنع سحنون إلا أن يعترف ابن أبي الجواد بأن هذا مال الأيتام أو عوضا عنه. فأبى ابن أبي الجواد. فما زالت تلك حاله إلى أن مرض، فمات. فشنع الناس على سحنون أن قتله. وكان يقول بخلق القرآن. وفي سنة ٢٣٥ كانت وقيعة، بمقربة من تونس، بين المنتزي في العام الفارط عمرو بن سليم المعروف بالقوبع، وبين محمد بن موسى المعروف بعريان، الذي استقوده ابن الأغلب لمحاربته، ففزع كثيرا ممن موالي ابن الأغلب إلى القوبع. فوقعت على محمد بن موسى هزيما، وأسر أحد قواده، بعد أن انكسرت رجله، ثم طعنه ولد القوبع طعنة كان في حتفه، وقتل كثير من أصحابه. وأنصرف باقي الجيش إلى ابن الأغلب مفلولين. واشتدت شوكة القوبع. وفي سنة ٢٣٦، كانت وقعته بين عمرو بن سليم القوبع المنتزي بتونس وبين خفاجه بن سفيان، قائد جيش قائد بن الأغلب، فاقتتلوا قتالا شديدا، فنهزم القوبع، وقوتل أصحابه مقتلة عظيمة. وأدرك القوبع، فضربت عنقه، وحمل رأسه إلى محمد بن الأغلب، فوصل قاتله، وكساه، وأحسن إليه. ودخل خفاجة مدينة تونس بالسيف، يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول وسبى فيها، وانصرف بالجيش إلى القيروان، فكساه ابن الأغلب.

стр. 101

ولاية العباس بن الفضل جزيرة صقلية لما توفي صاحب صقلية أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله الأغلب، قدم أهلها على أنفسهم العباس بن الفضل هذا، وكتبوا إلى محمد بن الأغلب بن خبر. فأقر العباس، وكتب إليه بعهده بولاية صقلية. فجاهد كثيرا، وغزا طويلا. وكان له في الروم مواقف أذلهم بها. وفي سنة ٢٣٧ ولي حبيب بن نصر التميمي المظالم بالقيروان بتقديم القاضي سحنون إياه عليها. وفي أغزى العباس بصقلية أرض الروم، فغنم غنائم عظيمة، وسبى سبيا كثيرا وأداخ بلاده. وفي سنة ٢٣٨ أغزى العباس بن الفضل صاحب صقلية الروم فقتل الله المشركين. وبعث العباس برؤوسهم إلى مدينة بالرم، وقام ينتسف زروعهم، ويطأ أرضهم، ويسبى من ظفر بهم منهم. ثم قفل إلى صقلية. وفي سنة ٢٣٩ كان الجهاد بصقلية في غزوة العباس بن الفضل في الصائفة فأفسد زروع النصارى، وبث السرايا في كل موضع، وغنم وقصر يانة وقطانية وسرقوسة وغيرها، وحاصر مدينة بنيرة ستة أشهر حتى صالحوه على ستة آلاف رأس قيضها منهم. وقفل إلى حضرة بلرم، وفتح مدينة سبرينة. وفي سنة ٢٤٠، توفي الفقيه سحنون ﵀ وفيها كان الجهاد أيضا بصقلية: غزا العباس بن الفضل صاحبها بلاد الروم فسبى ونكى وخرب وانتسف وبث السرايا، فغنموا غنائم عظيمة. وفي سنة ٢٤١، غزا العباس بن الفضل أيضا الروم بصقلية، فأفسد زروعهم وبث السرايا في أراضيهم، فغنمت غنائم كثيرة. وأقام في جبل مانع ثلاثة أشهر يضرب كل يوم حول يلنة فيقتل ويصيب، وتتوجه سراياه

стр. 102

فتغنم في كل جهة. وأغزى أخاه علي بن الفضل في البحر، فأصاب وغنم وانصرف برؤوس كثيرة. وفي سنة ٢٤٢، توفي أبو العباس محمد بن الأغلب صاحب أفريقية ليلتين خلتا من المحرم، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر واثنتي عشرة يوما ومات وهو ابن ستة وثلاثين سنة. وولي بعده ابن أخيه. ولاية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب أفريقية وليها وهو ابن عشرين سنة. وكان حسن السيرة، كريم الأخلاق والأفعال، من أجود الناس وأسمحهم وأرفقهم بالرعبة، مع دين واجتناب للظلم على حداثة سنه وقلة عمره. وكان يركب في ليالي شعبا ورمضان وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دواب بالدراهم، فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه يدعون له. وفيها ولي القضاء بأفريقية أبو الربيع سليمان بن عمران بن أبي هاشم الملقب بخروفة. وفيها كان الجهاد بصقلية. غزا صاحبها العباس بن الفضل الروم بالصائفة فغنم وسبى وانتقل من حصن إلى حصن، ففتح أكثرها، وصالحه بعض أهلها. وفي سنة ٢٤٣، كان الجهاد بصقلية. غزا العباس بن الفضل صاحبها بالصائفة فسبى وغنم، وصالحه أهل قصر الحديد، بعد أن حاصرهم شهرين بخمسة عشر ألف دينار، وصالحه أهل حصن شلفودة على أن يخرجوا منه ويهدمه، ففعل ذلك.

стр. 103

وفي سنة ٢٤٤ غزا العباس صاحب صقلية أرض الروم، فغنم غنائم كثيرة وخرج أخوه في مراكب في البحر إلى جزيرة إقريطش، فقتل وسبى. وغنم ثم دارت على المسلمين جولة، فقتل منهم، وأخذت لهم عشرون مركبا. وفي سنة ٢٤٥، أخرج أبو إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية مالا كثيرا لحفر المواجل، وبنيان المساجد والقناطر لكلمة كانت منه على سُكرٍ. وفي سنة ٢٤٦، كان حفر المآجل الكبير على باب تونس. وفيها توفي أبو خلف الزاهد، واسمه مطروح بن قيس. وكان عابداً زاهدا. وفي سنة ٢٤٧، كان بالقيروان سيل عظيم كسر القنطرة فأمر صاحب أفريقية بإصلاحها. وفيها توفي عبد الرحمن بن عبد ربه، وكان مستجاب الدعوة. وفيها توفي العباس بن الفضل صاحب صقلية، في جمادى الأولى لثلاث خلون منها، وولى عمه أحمد صقلية: ولاه أهلها، وكتبوا بذلك إلى صاحب أفريقية أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، فجاء كتابه بإثباته. وفي سنة ٢٤٨، كمل بناء ماجل باب تونس الكبير وتمت الزيادة في جامع القيروان وكمل إصلاح قنطرة باب أبي الربيع، وفيها كانت غزوة رباح فأصاب وغنم، ثم دارت عليه وقيعة، أخذت فيها طبوله وأعلامه، ثم أُسرَ قوم من أصحابه ثم تراجع وافتتح مدينة جبل أبي مالك، وسبى جميع كما كان فيها وأحرقها وبث سرايا كثيرة فأصابت وغنمت. وفي سنة ٢٤٩، توفي أبو إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب صاحب أفريقية يوم الثلاثاء لثلاث خلت من ذي القعدة، فكانت ولايته سبع سنين وعشرة أشهر ونصفا. وهو ابن ثمان وعشرين سنة. ولاية زيادة الله بن محمد بن الأغلب ابن إبراهيم بن الأغلب أفريقية ولي يوم وفاة أبي إبراهيم، في ذي القعدة، فكتب إلى خفاجة بإمضاء

стр. 104

ولايته وخلعَ عليه. وكان أبو محمد زيادة الله هذا عاقلا حليما حسن السيرة جميل الأفعال، ذا رأي ونجدة وجود وشجاعة. وهو الثاني ممن أسمه زيادة اله في بني الأغلب. ول تطل في الملك مدته، فتكون له أخبار تؤثر. وتوفي ليلة السبت لعشر بقين من ذي القعدة من سنة ٢٥٠ فكانت دولته سنة واحدة وسبعة أيام. ولاية أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب ولي سنة ٢٥٠، وهو ابن أخي زيادة الله المتوفى قبلُ. ولي يوم السبت لعشر بقين من ذي القعدة، ولقب بأبي الغرانيق لأنه كان يهوى صيدها، حتى بنى قصرا يخرج إليه لصيدها، أنفق فيه ثلاثين ألف مثقال من الذهب. وكان مسرفا في العطاء، مع حسن سيرة في الرعية. ثم غليت عيه اللذات والانشغال بها فلم يزل كذلك طول مدته، ولم تكن له همة في جمع مال. فلما مات لم يجد أخوه في بيتا المال شيئا يذكر، وكانت ولايته حروبا أكثرها على ما يأتي ذكره. وفي سنة ٢٥١ كانت غزوة السرية المعروفة بسرية ألف فارس، وذلك أن خفاجة صاحب صقلية غزا قصر يانة، فأفسد زرعه وسار إلى سرقوسة فقاتل أهلها. ثم رحل عنهم وأخرج ابنه محمدا إليهم في سرية فكمن لهم وقتل منهم ألف فارس، فسميت تلك السرية سرية ألف فارس. وفي سنة ٢٥٢، بنى محمد بن حمدون الأندلسي المعافري الجامع الشريف بالقيروان المنسوب إليه: بناه بالآجر والجص والرخام، وبنى فيه جبابا للماء. وغزا خفاجة صاحب صقلية أرض الروم، وافتتح حصونا كثيرة؛ ثم مرض مرضا شديدا، فانصرف في محمل إلى بلرم.

стр. 105

وفي سنة ٢٥٣ قال ابن القطان: عريت هذه السنة من أخبار أفريقية، فلم يكن فيها خبر مشهورا يجتلب. وفي سنة ٢٥٤ غزا خفاجة صاحب صقلية بطريقا وصل من القسطنطينية، في جمع كبير نفي البر والبحر، فأنهزم البطريق بعد قتال شديد، وقتل من أصحابه آلاف كثيرة، وأخذ لهم سلاح وخيل. ودخل خفاجة إلى سرقوسة وغيرها؛ فغنم غنائم كثيرة، ورجع إلى بلرم قاعدة أول يوم من رجب. وفي سنة ٢٥٥ خرج خفاجة صاحب صقلية للغزو؛ فلقيه العدو في جمع كبير؛ فاقتتلوا قتالا شديد، فقتل شجاع من شجعان المسلمين؛ فانكسروا لقتله. فسارة خفاجة إلى سرقوسة فامتنعت منه؛ فأقام عليها، وأفسد زرعها. وفيها توفي خفاجة؛ وذلك أنه؛ لما أكمل غزاته المذكورة، قفل من سرقوسة، يريد بلرم؛ فأدلج ليلا؛ فأغتاله رجل من عسكره، وطعنه طعنه مات منها، وذلك أول يوم من رجب. وهرب الذي طعنه إلى سرقوسة. وحمل خفاجة إلى بلرم؛ فدفن بها. فولى أهل صقلية ولده محمد. وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد أبن الأغلب أبي الغرانيق؛ فكتب إليه بالولاية، وخلع عليه. وقي سنة ٢٥٦ توفي محمد بن سحنون التنوخي، وكان فقيها ورعا ﵁! وفي سنة ٢٥٧ ولى القضاء بإفريقيا عبد الله بن أحمد بن طالب صارفا سليمان بن عمران. وفيها، توفي صاحب صقلية محمد بن خفاجة قتله خدمة نهار لثلاث خلون من رجب، وكتموا أمره، فلم يعرف قتله ألا بعد يوم لهروب الخدم، فأخذوا وقتل بعضهم. فولى صقلية أحمد بن يعقوب بتقديم ابن الأغلب إياه. وولى على الأرض الكبير عبد الله بن يعقوب، فكانت لهما في هذا العالم غزوة أوقعا فيها بالمشركين. ولم يكن في بإفريقيا في سنة سبع خبر يذكر. وفي سنة ٢٥٨، توفي أحمد بن يعقوب صاحب صقلية، وولى ابنه الحسين مكانه. وأوفر صاحب أفريقيا عليها.

стр. 106

وفي سنة ٢٥٩، ولى سليمان بن عمران قضاء أفريقية، وعزل عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي عنه. وفيها عزل صاحب صقلية سرقوسة، فصالحه أهلها على أن يخرجوا إليه من أير المسلمين الذين كانوا عندهم ثلاثمائة وستين أسيرا. وفي سنة ٢٦٠ كانت المجاعة العامة بالمشرق والمغرب، والوباء، والطاعون. وفيها توفي محمد بن إبراهيم بن عبدوس الفقيه العالم، الذي دون (المجموعة) ، وكان مجاب الدعوة. وفي سنة ٢٦١ توفي أبو الغرانيق محمد بن أحمد بن الأغلب ليلة الأربعاء لست خلون من جمادى الأول من هذه السنة، فكانت ولايته عشر سنين وخمسة أشهر ونصفا، وفي دولة المستعين بالله والمعتز والمهتدي المعتمد في بعض أيامه. ولاية إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب وصفة ولايته أن أبى الغرانيق كان عهد لأبنه أبي عقال، وأستخلف أخاه إبراهيم بن أحمد ألا ينازعه في ملكه بخمسين يمينا. فلما مات أبو الغرانيق، أتى أهل القيروان إلى إبراهيم بن أحمد، وهو إذ ذاك والي على القيروان. فقالوا له (قم، فأدخل القصر، فأنت الأنير!) وكان إبراهيم قد أحسن السيرة فيهم. فقال لهم (قد علمتم أن أخي قد عقد البيعة لابنه، واستحلفني خمسين يمينا ألا أنازع ولده ولا أدخل قصره) فقالوا له (تكون أمير في دارك بالقصر القديم، ولا تنازع ولده! فنحن كارهون ولايته ومبايعون لك! وليس في أعناقنا له بيعة!) فركب من القيروان، ومع أكثر أهلها، فحاربوا أهل القصر حتى دخل إبراهيم داره، فبايعه مشايخ أهل أفريقية ووجوهها، وبايعه جماعة بني الأغلب. وفي سنة ٢٦٢ توفي أبو زيد شجر بن عيسى القاضي بتونس، وكان من

стр. 107

خيار القضاة، له مناقب كثيرة، وهو ابن تسع وتسعين سنة. وفيها أسست قلعة مدينة تنس، أسسها البحريون من أهل الأندلس. وفي سنة ٢٦٣ ابتدأ إبراهيم بن أحمد بن الأغلب ببناء مدينة رقادة. وفي سنة ٢٦٤ كمل بناء القصر المعروف بالفتح، وانتقل إليه إبراهيم ابن أحمد. وقتله للموالي بالقصر القيم لأنهم ثاروا عليه. وفيها فتحت سرقوسة يوم الأربعاء لأربعة عشرة ليلة خلت لرمضان، وقتل فيها أكثر من أربعة آلاف علج، وأصيب فيها من الغنائم ما لم يصل بمدينة من مدائن الشرك ولم ينج من رجالهم أحد. وكان مقام المسلمين بصقلية عليها على أن فتحت تسعة أشهر، وقاموا بعد فتحها شهرين، ثم تهدمت. وفيها، قتل صاحب صقلية جعفر ابن محمد. قتله غلمانه مع الأغلب بن محمد بن الأغلب، الملقب بخرج الرعونة، وبي عقال الأغلب بن أحمد، وكانا محبوسين عنده فتولى خرج الرعونة بلرم وضبطها، فوثب أهلها عليه وعلى أبي عقال ومن أتصل بهما، فأخرجوهم من صقلية إلى أفريقية. وولي الحسن بن رباح صقلية. وفي سنة ٢٦٥ غزا صاحب صقلية الحسن بن الرياح الصائفة إلى طرمين، ودارت بينه وبين مشركي صقلية حرب قتل فيها من المسلمين، ثم كانت لهم الكرة على المشركين، فهزموهم، وقتلوهم، وقتلوا بطريقتهم. وفي سنة ٢٦٦ كان القحط العظيم والغلاء المفرط بأفريقية. وفيها أغزى صاحب صقلية الروم، فالتقى في البحر بمراكبهم، وهم في نحو مائة وأربعين مركبا، فدارت بينهم حرب شديدة حتى أسلم المسلمون مراكبهم وأخذها الروم وأنصرف من وكان في تلك المراكب إلى بلرم، فأقاموا بها شهورا يبثون السرايا ويغنمون أرض الروم المجاورين لهم. وفي سنة ٢٦٧ ولي عبد الله بن أحمد بن طالب التميمي القضاء صارفا لسليمان بن عمران عنه. وفيها ولي الحسن بن العباس جزيرة صقلية. وفيها

стр. 108

كانت فتنة ولد ابن طولون، حين أراد التغلب على إفريقية. وهاأنا أذكر قصته إلى أن هزم. وذلك أن العباس بن أحمد بن طولون ولد صاحب مصر، قدم في هذه السنة في ثمانمائة فارس وعشرة آلاف من سودان أبيه على خمسة آلاف جمل إلى مدينة برقة، في ربيع الآخر يريد إفريقيا والتغلب عليها وإخراج بني الأغلب عنها. وحمل مع نفسه من بيت مال مصر ثمانمائة حمل دنانير ذهبا فأعطى أصحابه الأرزاق بها. وقيل أن مبلغ ما حمل من المال ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار. ومعه عبد الله أحمد بم محمد الكاتب مكبلا لأنه أظهر الامتناع من الخروج معه، أشار عليه بأن يؤخر التقدم إلى طرابلس حتى يصانع البربر فقال (أخشى أن تقدم العساكر من الشام قبل أحكام هذا الأمر (يعني عساكر أبيه، لأنه كان ثائرا على أبيه) ويكون أيضا في ذلك فسحة لإبراهيم بن أحمد فيتمهل في الاستعداد. ولكني أمضي على فوري هذا، فآتى لبدة وإطرابلس فجأة، ثم أخذ في استمالة البربر بعد ذلك بالعطاء والأفضال وأبعد من مصر، فلا يقوم لأحمد بن طولون (يعني أباه) أمل في مطالبتي لبعدي عنه!) وخرج يريد لبلده فأنصل خبره لإبراهيم بن أحمد فأخرج إليه أحمد بن قهرب في ألف وستمائة فارس، خيلا مجردة لا رجال فيها وأمره بإعداد السير والسرى بالليل حتى دخل لإطرابلس قبل وصول العباس بن أحمد بن طولون إلى لبدة ثم أحشد ابن قهرب من أمكنه من جند إطرابلس وبربرها، ثم بادر إلى لبدة ودخلها وأقبل العباس ابن طولون وقد صنع له ببرقة خمسة آلاف بند فجعل له كل جملا رجلا ببنده وزحف بثمانمائة فارس وخمسة آلاف رجل فالتقى به أحمد بن قهرب على خمسة عشر ميلا من لبدة وقد تأخرت الجمال بالرجالة أصحاب البنود فلم يكن بينهم ألا مناوشة يسيرة حتى أنهزم أحمد بن قهرب وهو يضن أن من

стр. 109

ناوشة من أصاحب ابن طولون كانوا مقمد للجيش. ووصل أحمد بن قرهب إلى إطرابلس منهزما وركب العباس بن طولون أثره حتى نزل إطرابلس منصب عليها المجانيق وناصبهم الحرب. وأقام محاصرا لهم ثلاثة وأربعين يوما فتعدى بعضهم سودانه على بعض حرم البوادي وهتكوا الستر فستغاث أهل إطرابلس بأبي منصور صاحب منقوسة فقام متحسبا وناصرا جيرانه من المسلمين وجحف في اثنا عشرة ألفا من رجال نفوسة إلى العباس بن أحمد بن طولون فناشبوا الحرب فقال العباس لأبي عبد الله الكاتب (ما الرأي؟) فقال له (ببرقة خلفته!) وألح أهل نفوسة في محاربة ابن طولون فأنهزم وخرج إلى برقة بعد انتهاب أهل إطرابلس لجميع عسكره. ول يتلبس النفوسيون منه بشيء بل تورعوا عنه. وكان إبراهيم بن أحمد قد حشد الأجناد وضرب حلى نسائه دنانير ودراهم إذ لم يبق أبو الغرانيق مالا. ثم خرج بنفسه يريد إطرابلس فلقيه خبر هزيمة ابن طولون فبحث ابن الأغلب عن الأموال وأخذ ممن وجت عنده، فكان الرجل من أهل العسكر يبيع مثاقيل ابن طولون سرا بما أمكنه خوفا من أن تأخذ منه وفي سنة ٢٦٨ كان فتك إبراهيم بن الأغلب بأهل الزاب فقتلهم وقتل أطفالهم وحملوا على العجل إلى الحفر فألقوا فيها وفيها عزل صاحب صقلية الحسين بن عباس ووليها محمد بن الفضل. وفي سنة ٢٦٩ توفي سليمان بن حفص الفراء، وكان جهميا. وكان يقول بخلق القرآن ودعا الناس إليه فهموا بقتله. وفي سنة ٢٧٠ توفي سليمان بن عمران القاضي مفلوجا. وتوفي حسين بن زيد بن علي. وتوفي أبو حاتم هشام بن حاتم الفقيه، وكان مجاب الدعوة. وفي سنة ٢٧١، توفي الحسين بن أحمد صاحب صقلية. ووليها سواد بن محمد بن خفاجة التميمي.

стр. 110

وفي سنة ٢٧٢ أغزى سوادة صاحب صقلية سراياه إلى بلاد الروم فغنمت انصرفت. وفيها كانت وقائع بين المسلمين وبين بطريق جاء من القسطنطينية، يقال له نجفور، في عسكر كبير، فدخل مدينة سبريينة، وخرج منها المسلمون بأمان إلى صقلية. وفي سنة ٢٧٣ وثب أهل بلرم على سوادة بن محمد صاحب صقلية وعلى أخيه وبعض رجاله فوجهوهم مفيدين إلى أفريقيا. وأجتمع أهل البلد على أبي العباس بن علي، فولوه على أنفسهم. وفي سنة ٢٧٤ كان وصول أحمد بن عمر بن عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب المعروف بحبشي. وفيها توفي أحمد بن حدير بإفريقيا، وله سماع من سحنون. وفي سنة ٢٧٥ كان لأهل صقلية على المشركين صولة، فقتل فيها من المشركين أكثر من سبعة آلاف وغرق نحو من خمسة آلف، حتى أخلى الروم كثير من المدن والحصون التي تجاور المسلمون. ووصلت سرايا المسلمين إلى الأرض الكبيرة فسبت وانصرفت. وكانت بإفريقيا هيجة تعرف بثورة الدراهم. ثورة الدراهم على إبراهيم بن أحمد وذلك أن إبراهيم بن أحمد ضرب الدراهم الصحاح، وقطع ما كان يتعامل به من القطع. فأنكرت ذلك العمة وغلقوا الحوانيت، وتألفوا، وصاروا إلى رقادة، وصاحوا على إبراهيم، فحبسهم في الجامع. وتصل ذلك بأهل القيروان فخرجوا إلى الباب وأظهروا المدافع. فوجه إليهم إبراهيم بن أحمد وزيره أبا عبد الله بن أبي إسحاق فرموه بالحجارة وسبوه. فانصرف إلى السلطان إبراهيم بن أحمد، فأعلمه بذلك. فركب إبراهيم إلى القيروان، ومعه حاجبه نصر بن
следующие страницы →