Полный текст (1 125 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
نجز الجزء العاشر من الإقليم الأول والحمد الله ويتلوه الجزء الاول من الإقليم الثاني إن شاء الله.
стр. 107
الإقليم الثّاني
стр. 108
الجزء الأوّل
إنا لما رسمنا الإقليم الأول وما احتوى عليه في عشرة الأجزاء التي قسمناه بها وذكرنا في كل جزء منه حصته الواجبة له من الأمصار والقرى والجبال والأرضين المعمورة والمغمورة وما بها من الحيوانات والمعادن والبحور والجزائر والملوك والأمم وما لهم من السير والزي والأديان وجب علينا أن نذكر في هذا الإقليم الثاني ما فيه من البلاد والقلاع والمدن والأمصار والبراري والقفار والبحار وجزائرها وأممها ومسافات طرقها حسبما سبق لنا من ذكر ذلك في الإقليم الأول ونبتدئ الآن بذكر الجزء الأول من الإقليم الثاني بحول الله وعونه.
فنقول إن هذا الجزء الأول من الإقليم الثاني مبدؤه من المغرب الأقصى حيث بحر الظلمات ولا يعلم ما خلفه وفي هذا الجزء من الجزائر جزيرة مسفهان وجزيرة لغوس وهما من الجزائر الستة المتقدم ذكرها وتسمى الخالدات ومنها بدأ بطلميوس بالتعديل وأخذ أطوال البلاد وعروضها وإلى هتين الجزيرتين وصل ذو القرنين أعني الإسكندر ومنها رجع.
стр. 109
فأما جزيرة مسفهان فحكى صاحب كتاب العجائب أن في وسطها جبلا مدورا عليه صنم أحمر بناه أسعد أبو كرب الحميري وهو ذو القرنين الذي ذكره تبع في شعره ويسمى بهذا الطسم كل من بلغ طرفي الأرض وإنما نصّب أبو كرب الحميري ذلك الصنم هناك ليكون علامة لمن قصد تلك الناحية من البحر ليعرفه أنه ليس خلفه مسلك يسلكه ولا موضع يخرج إليه وأيضا أن في جزيرة لغوس المذكورة صنم وثيق البناء لا يمكن الصعود إليه وفي هذه الجزيرة يقال مات الذي بناه وهو تبع ذو المرائد وقبره هناك في هيكل مبني من المرمر والزجاج الملون وحكى صاحب كتاب العجائب أن في هذه الجزيرة دواب هائلة وأن فيها أمورا تطول أوصافها وتمتنع العقول عن قبولها.
وفي سواحل هذا البحر الصادر عن هذه الجزائر وغيرها يوجد العنبر الجيد ويوجد أيضا في ساحله حجر البهت وهو مشهور عند أهل المغرب الأقصى ويباع الحجر منه بقيمة جيدة لا سيما في بلاد لمتونة وهم يحكون عن هذا الحجر أن من أمسكه وسار في حاجة قضيت له بأوفى عناية وشفع فيها وهو جيد عندهم في عقد الألسنة على زعمهم ويوجد أيضا بساحل هذا البحر أحجار كثيرة ذات ألوان شتى وصفات مختلفة يتنافسون في أثمانها ويتوارثونها بينهم ويذكرون أنها تتصرف في أنواع من العلاجات الطبية الفاعلة بالخاصية فمن ذلك أحجار تعلق على الثدي الموجعة فتبرأ من وجعها مسرعا ومنها أحجار تعلق للولادة فتسهل وأحجار يمسكها الماسك
стр. 110
بيده ويشير على من شاء من النساء والأطفال فيتبعه ومثل هذه الأحجار عندهم كثيرة وهم بالرقى عليها مشهورون وبه معروفون.
وفيما تضمنه هذا الجزء بقية من أرض مقزارة السودان وماؤها قليل ولا عمارة بها ولا سالك فيها إلا في النادر لقلة وجود الماء كما قلنا وسالكها لا يمكنه سلوكها إلا أن يعد مع نفسه الماء لدخول هذه الأرض مع بعض ما يليها من أرض قمنورية.
وأرض قمنورية منها في جهة الشمال متصلة من غربيها بالبحر المظلم وتتصل من جهة شرقيها بصحراء نيسر وعلى هذه الصحراء طريق تجار أهل أغمت وسجلماسة ودرعة والنول الأقصى إلى بلاد غانة وما اتصل بها من أرض ونقارة التبر وأما أرض قمنورية المذكورة فكانت بها مدن للسودان مشهورة وقواعد مذكورة لكن أهل زغاوة وأهل لمتونة الصحراء الساكنون من جهتي هذه الأرض طلبوا هذه الأرض أعني أرض قمنورية حتى أفنوا أكثر أهلها وقطعوا دابرهم وبددوا شملهم على البلاد وأهل بلاد قمنورية فيما يذكره التجار يدعون أنهم يهود وفي معتقدهم تشويش وليسوا بشيء ولا على شيء ولا ملك فيهم ولا ملك عليهم بل هم ممحونون من جميع الطوائف المجاورين لهم المحدقين بأرضهم وكانت في القديم من الزمان السالف لأهل قمنورية مدينتان عامرتان اسم إحداهما قمنورى واسم الأخرى نغيرا وكانت هتان المدينتان تحتويان على أمم من القمنورية وبشر كثير وكان لهم رؤوس وشيوخ يدبرون أمرهم ويحكمون في مظالمهم وما وقع بينهم فأفنتهم الأيام وتوالت عليهم الفتن والغارات من جميع الجهات فقلّوا
стр. 111
في تلك الأرض وفرّوا عنها واعتصموا في الجبال وتفرقوا في الصحارى ودخلوا في ذمة من جاورهم وتستروا في أكنافهم فلم يبق من أهل قمنورية إلا قوم قلائل متفرقون في تلك الصحارى وبمقربة من الساحل عيشهم من الألبان والحوت وهم في نكد من كد العيش وضيق الحال وهم ينتقلون في تلك الأرض مع مهادنة من جاورهم ويقطعون أيامهم مسالمة إلى حين.
وبين بلاد قمنورية وبلد سلى وتكرور طرق مجهولة الآثار دارسة المسالك قليلة السالك ماؤها غائر وعلامتها خفية وبين قمنورية وسلى وتكرور مسير ستة عشر يوما ومن نغيرا إلى سلى نحو من اثني عشر يوما وكذلك منها إلى بلد ازقي من بلاد لمتونة اثنتا عشرة مرحلة وماؤها قليل يتزود لقلته من حفر يحتفرها السالكون المجتازون بتلك الأرض وفي بلاد قمنورية جبل مانان ويتصل بالبحر المحيط وهو جبل منيع عالي الذروة أحمر التربة وفيه أحجار لماعة تعشي البصر إذا طلعت عليها الشمس لا يكاد الناظر ينظر إليها لشعاعها وبريق حمرتها وفي أسفله ينابيع بالماء العذب يتزود ويحمل في الأوعية إلى كل جهة.
ومما يلي مدينة نغيرا وفي شرقيها مع ميل إلى الجنوب جبل بنبوان وهو من أعلى جبال الأرض أجرد أبيض التربة لا ينبت فيه شيء من النبات إلا ما كان من الشيخ والغاسول المسمى الحرض ومن علو هذا الجبل
стр. 112
في الهواء حكى صاحب كتاب العجائب عنه أن السحاب تمطر المطر دونه ولا تصيب رأسه.
ويلي هذه الأرض المذكورة صحراء نيسر وهي الصحراء التي قدمنا ذكرها وعليها يدخل المسافرون إلى اودغست وغانة وغيرهما من البلاد كما قلناه قبل وهذه الصحراء قليلة الأنس ولا عامر بها وبها الماء قليل ويتزود به من مجابات معلومة ومنها مجابة نيسر التي ذكرنا أنها أربعة عشر يوما لا ماء بها ولا يوجد له أثر فيها وهي مشهورة بذلك وفي هذه الصحراء المعروفة بصحراء نيسر حيات كثيرة طوال القدود غلاظ الأجسام والسودان يصيدونها ويقطعون رؤوسها ويرمون بها ويطبخونها بالملح والماء والشيخ ويأكلونها وهي عندهم أطيب طعام يأكلونه وهذه الصحراء يسلكها المسافرون في زمان الخريف وصفة السير بها أنهم يوقرون أجمالهم في السحر الأخير ويمشون إلى أن تطلع الشمس ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون أجمالهم ويعرسون أمتعتهم ويخيمون على أنفسهم ضلالا تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك إلى أول وقت العصر وحين تأخذ الشمس في الميل والانحطاط في جهة المغرب يرحلون من هناك ويمشون بقية يومهم ويصلون به المشي إلى وقت العتمة ويعرسون أينما وصلوا ويبيتون بقية ليلهم إلى أول الفجر الأخير ثم يرحلون وهكذا سفر التجار الداخلين إلى بلاد السودان على هذا
стр. 113
الترتيب لا يفارقونه لأن الشمس تقتل بحرها من تعرض للمشي في القائلة عند شدة القيظ وحرارة الأرض وبهذا السبب يلزمون النقلة على هذه الصفة التي ذكرنا.
وفي هذا الجزء أيضا قطعة من شمال أرض غانة وفيها مدينة اودغست وهي مدينة صغيرة في صحراء ماؤها قليل وهي في ذاتها بين جبلين شبه مكة في الصفة وعامرها قليل وليس بها كبير تجارة ولأهلها جمال ومنها يتعيشون.
ومنها إلى مدينة غانة اثنتا عشرة مرحلة وكذلك من اودغست إلى مدن وارقلان إحدى وثلاثون مرحلة ومن اودغست أيضا إلى مدينة جرمة نحو من خمس وعشرين مرحلة وكذلك من اودغست أيضا إلى جزيرة اوليل معدن الملح شهر واحد.
وأخبر بعض الثقات من متجولي التجار إلى بلاد السودان أن بمدينة اودغست ينبت بأرضها بقرب مناقع المياه المتصلة بها كمأة يكون في وزن الكمء منها ثلاثة أرطال وأزيد وهو يجلب إلى اودغست كثيرا يطبخونه مع لحوم الجمال ويأكلونه ويزعمون أن ما على الأرض مثله وقد صدقوا.
نجز الجزء الأول من الإقليم الثاني والحمد لله ويتلوه الجزء الثاني منه إن شاء الله.
стр. 114
الجزء الثاني
إن هذا الجزء الثاني من الإقليم الثاني تضمن في حصته من الأرضين بقية صحراء نيسر وجملة أرض فزان بما فيها من المدن وكذلك أيضا تحصل فيه جملة بلاد من أرض زغاوة السودان وأكثر هذه الأرضين صحار متصلة غير عامرة وجهات وحشة وجبال حرش جرد لا نبات فيها والماء بها قليل جدا لا يوجد إلا في أصل جبل أو في ما اطمأن من سباخها وبالجملة إنه هناك قليل الوجود يتزود به من مكان إلى مكان وأهل تلك الأرضين يدلون في أكنافها وطرقاتها ويجولون في ساحاتها ووهادها وجبالها.
وفي هذه الصحاصح المذكورة يقع أقوام رحالة ينتقلون في أكنافها ويرعون مواشيهم في أدانيها وأطرافها وليس لهم ثبوت في مكان ولا مقام بأرض وإنما يقطعون دهرهم في الرحلة والانتقال دائما غير أنهم لا يخرجون عن حدودهم ولا يفارقون أرضهم ولا يمتزجون بغيرهم ولا يطمئنون إلى من جاورهم بل كل أحد منهم يأخذ حذرة وينظر لنفسه قدر جهده وأهل المدن الذين يجاورونهم من أجناسهم يسرقون أبناء هولاء القوم الرحالة الذين يعمرون هذه الصحارى ويسرون بهم في الليل ويأتون بهم
стр. 115
إلى بلادهم ويخفونهم حينا من الدهر ثم يبيعونهم من التجار الداخلين إليهم بالبخس من الثمن ويخرجونهم إلى أرض المغرب الأقصى ويباع منهم في كل سنة أمم وأعداد لا تحصى وهذا الأمر الذي جئنا به من سرقة قوم أبناء قوم في بلاد السودان طبع موجود فيهم لا يرون به بأسا.
وهم أكثر الناس فسادا ونكاحا وأغزرهم أبناء وبنات وقلما توجد منهم المرأة إلا ويتبعها أربعة أولاد وخمسة وهم في ذاتهم كالبهائم لا يبالون بشيء من أمور الدنيا إلا بما كان من لقمة أو نكحة وغير ذلك لا يخطر لهم ذكره على بال.
وفي بلاد زغاوة من المدن والقواعد سغوة وشامة وبها قوم رحالة يسمون صدراتة يقال إنهم برابر وقد تشبهوا بالزغاويين في جميع حالاتهم وصاروا جنسا من أجناسهم وإليهم يلجؤون فيما عن لهم من حوائجهم وبيعهم وشرائهم ومن مدن زغاوة شامة وهي مدينة صغيرة شبيهة بالقرية الجامعة وأهلها في هذا الوقت قليلون وقد انتقل أكثر أهلها إلى مدينة كوكو وبينهما ست عشرة مرحلة وأهل شامة يشربون الألبان ومياههم زعاق وعيشهم من اللحوم الطرية والمقددة والأحناش يتصيدونها كثيرا ويطبخونها بعد سلخها وقطع رؤوسها وأذنابها وحينئذ يأكلونها والجرب لا يفارق أعناق هؤلاء القوم بل هو فيهم موجود وهم به مشهورون وبه يعرف الزغاويون في جميع الأرض وقبائل السودان ولولا أنهم يأكلون
стр. 116
الأحناش لتقطعوا جذاما وهم عراة يسترون عوراتهم فقط بالجلود المدبوغة من الإبل والبقر ولهم في هذه الجلود التي يستترون بها ضروب من القطع وأنواع من التشريف يحكمونها.
ولهم في أعلى أرضهم جبل يسمى جبل لونيا وهو عالى الارتقاء صعب لكنه ترب وترابه أبيض رخو وفي أعلاه كهف لا يقربه أحد إلا هلك ويقال إنه فيه ثعبان كبير يلتقهم من اعترض مكانه على غير علم منه بذلك وأهل تلك الناحية يتحامون ذلك الكهف وفي أصل هذا الجبل مياه نابعة تجري غير بعيد ثم تنقطع وعليه أمة تسمى سغوة من قبائل زغاوة وهم قوم ظواعن رحالة والإبل عندهم كثيرة اللقاح حسنة النتاج وهم ينسجون المسوح من أوبارها والبيوت التي يعمرونها ويأوون إليها ويتصرفون في ألبانها وأسمانها ويتعيشون من لحومها والبقول عندهم قليلة وهم يزرعونها وينتجعونها وأكثر ما يزرعه أهل زغاوة الذرة وربما جلبت الحنطة إليهم من بلاد وارقلان وغيرها.
وفي جهة الشمال وعلى ثماني مراحل من موضع قبيلة سغوة مدينة خراب تسمى نبرنته وكانت فيما سلف من المدن المشهورة لكن فيما يذكر أن الرمل تغلب على مساكنها حتى خربت وعلى مياهها حتى نشفت وقل ساكنها فليس بها في هذا الزمان إلا بقايا قوم تشبثوا بمقامهم في
стр. 117
بقايا خرابها حنانا للموطن وبهذه المدينة في جهة شمالها جبل يسمى غرغة حكى صاحب كتاب العجائب أن فيه نملا على قدر العصافير وهي أرزاق لحيات طوال غلاظ تكون في هذا الجبل ويحكى أن هذه الحيات قليلة الضرر والسودان يقصدون إلى هذا الجبل فيصيدون به هذه الحيات ويأكلونها كما قدمنا ذكره قبل هذا.
ومن مدينة نبرنته إلى مدينة تيرقى من بلاد ونقارة التبر سبع عشرة مرحلة.
ويلى أرض زغاوة أرض فزان وبها من البلاد مدينة جرمة ومدينة تساوة والسودان يسمون تساوة جرمى الصغرى وهاتان المدينتان يقرب بعضهما من بعض وبينهما نحو مرحلة أو دونها وقدرهما في العظم وكثرة العامر سواء ومياههم من الآبار وعندهم نخيلات ويزرعون الذرة والشعير ويسقونهما بالماء نكلا بآلات يسمونها انجقة وتسمى ببلاد المغرب هذه الآلة بالخطارة وعندهم معدن فضة في جبل يسمى جبل جوجيس وفائده قليل وقد ترك الطالبون عمله واستخراجه لمن قصده ومن تساوة إلى هذا المعدن نحو من ثلاث مراحل لمن قصده ومن مدينة تساوة إلى قبيل من البربر في جهة المشرق نحو من اثني عشر يوما ويسمون آزقار وهم قوم رحالة وإبلهم كثيرة وألبانهم غزيرة وهم أهل نجدة وقوة وبأس ومنعة لاكنهم يسالمون من سالمهم ويميلون على من حاولهم وهم يصيفون ويربعون
стр. 118
حول جبل يسمى طنطنه وفي محيطه من أسفله ينابيع وعيون مياه جارية ومناقع كثيرة تجتمع بها المياه وينبت عليها الحشيش كثيرا وإبلهم ترعى هناك وينتقلون منه إلى أمكنة من عاداتهم المقام بها.
ومن هذا الجبل الذي يستدير حوله آزقارة إلى أرض بغامة عشرون مرحلة في أرضين خالية من الأنيس قليلة المياه منحرقة الهواء دارسة المسالك داثرة المعالم ومن قبيلة آزقار إلى مدينة غدامس ثماني عشرة مرحلة ومن آزقار أيضا إلى مدينة شامة نحو من تسع مراحل وبينهما مجابتان مياههما قليلة وربما أفرطت الريح بهما مع حر الهواء فنشفت المياه حتى لا توجد البتة.
وأهل آزقار فيما يذكره أهل المغرب الأقصى أعلم الناس بعلم الخط الذي ينسب إلى دنيال النبي ﵇ وليس يدرى بجميع بلاد البربر على كثرة قبائلها قبيلة أعلم بهذا الخط من أهل آزقار وذلك أن الرجل منهم صغيرا كان أو كبيرا إذا تلفت له ضالة أو عدم شيئا من أموره خط لها في الرمل خطا فيعلم بذلك موضع ضالته فيسير حتى يجد متاعه كما أبصره في خطه وربما سرق الرجل منهم متاع صاحبه ويدفنه في الأرض بعيدا أو قريبا فيخط الرجل الذي فقد متاعه ويقصد موضع الخبية ويخط بإزائها خطا ثانيا ويقصد بعلمه إلى موضع الخبية فيستخرج منها متاعه وما ضاع له ويعلم مما خطه الرجل الذي تعدى على أخذ متاعه ويجمع أشياخ القبيلة فيخطون له خطا فيعلمون من ذلك البريء من الفاعل
стр. 119
وهذا عند أهل المغرب مشهور مذكور ولقد أخبر بعض المخبرين أنه رأى رجلا من هذه القبيلة في مدينة سجلماسة وقد خبيت له خبية بحيث لا يعرف فخط لها خطا وقصد موضعها فاستخرجها وأعيد عليه العمل بذلك ثلاث مرات فاستخرجها في الثانية والثالثة مثل ما فعل في المرة الأولى وهذا شيء عجيب من قوتهم على هذا العلم على كثرة جهلهم وغلظ طبعهم وفيما جئنا به في ذلك كفاية والحمد لله على ذلك.
نجز الجزء الثاني من الإقليم الثاني والحمد لله ويتلوه الجزء الثالث منه إن شاء الله.
стр. 120
الجزء الثالث
إن الذي تضمن هذا الجزء الثالث من الإقليم الثاني من الأرضين بعض أرض ودّان وأكثر بلاد كوّار وبعض بلاد التاجوين المجوس وأكثر بلاد فزان.
وأما أرض ودّان فإنها جزائر نخل متصلة بين غرب وشمال إلى ناحية البحر وكانت فيما سلف أكثر الأرض عمارة وكان الملك في أهلها ناشئا متوارثا إلى أن جاء دين الإسلام فخافوا من المسلمين فتوغلوا هربا في بلاد الصحراء وتفرقوا ولم يبق بها الآن إلا مدينة داود وهي الآن خراب ليس بها إلا بقايا قوم من السودان معايشهم كدرة وأمورهم نكدة وهم في سفع جبل طنطنة وإبلهم قليلة وأكثر أهلها يحفرون أصول نبات يسمى أغرسطس وهو النجيل وهو عندهم من نبات الرمال فيجففونه ويدقونه بالحجر ويخبزونه خبزا يتقوتون به ويأكلون منه ويأكل جلتهم وخيارهم اللحوم الجمالية مقددة ويشربون ألبان الإبل وأكثر نيرانهم يقدونها في بعر الجمال وبعض الشوك والحطب عندهم قليل.
وفي جهة الشمال من هذه المدينة مدينة زويلة بناها عبد الله بن
стр. 121
خطاب الهوري وسكنها هو وبنو عمه في سنة ست وثلاث مائة وهي منسوبة إلى هذا الرجل وبه اشتهر اسمها وهي الآن عامرة وسنأتي بذكرها في موضعها من الإقليم الثالث بعون الله.
وفي جبل طنطنة معدن حديد جيد وفي جنوب هذه الأرض مسارح ومرابع لازقار وهم قوم من البربر رحالون في هذه الأرض منتجعون بإبلهم وقد ذكرنا لمعا من أخبارهم.
ومما جاء في جنوب هذا الجزء بقية من أرض كوكو والدمدم وهناك بقية من جبل لونيا وترابه أبيض رخو ويقال إن به حيات قصار الطول في رأس كل حية منها قرنان ويقال أيضا إن به حيات ذوات رأسين.
وقد اختلف قوم كثير من السودان. في نهر كوكو فبعض قال إنه يخرج من جبال لونيا ويمر في جهة الجنوب حتى يمر بكوكو ثم يجوز بها ويمر في الصحراء وبعض قالوا إنما هو نهر يمد نهر كوكو وإن نهر كوكو على الصحة يخرج من أسفل جبل يتصل رأسه بالنيل وزعموا أن النيل يغوص تحت ذلك الجبل ويخرج من طرفه الأخر حيث يظهر خروجه ويمر حتى يتصل بكوكو ثم يمر مغربا في الصحراء فيغوص في الرمال.
ويتصل بهذه الأرض من جهة المشرق أكثر كوّار وهي أرض مشهورة وبلادها مقصودة ومنها يخرج الشب المعروف بالشب الكوّاري
стр. 122
ولا يعدله شيء في الطيب وبلاد كوّار يحويها بطن واد يأتي من جهة الجنوب مارا إلى الشمال لا ماء به إلا أن الماء إذا حفر عليه وجد به معينا كثيرا وعلى هذا الوادي من البلاد مدينة صغيرة تسمى القصبة وهي مدينة حسنة البناء يحيط بها من جميع جوانبها نخل وأنواع من الشجر البري وأهلها متحضرون يلبسون الفوط والأزر والقنادير المتخذة من الصوف وأهلها مياسير وتجولهم وسفرهم إلى سائر البلاد كثير وشربهم من آبار فيها ماء كثير حلو.
ومن هذه المدينة إلى مدينة أخرى تليها في جهة الجنوب يومان واسمها قصر أم عيسى وليست بالمدينة الكبيرة لكن أهلها مياسير ولهم إبل يسافرون بها شرقا وغربا وأكبر بضاعتهم الشب وهو رأس أموالهم وحول هذه المدينة نخيلات وآبار ماء حلوة ومنها يشربون.
ومنها إلى مدينة انكلاس أربعون ميلا في بطن الوادي وهي مدينة من أكبر بلاد كوار قطرا وأكثرها تجارة وعندهم معادن الشب الخالص المتناهي في الطيب ويوجد في أجبلها كثيرا لكنه يتفاضل في الجودة والطيب وأهل هذه المدينة يتجولون حتى ينتهوا في جهة المشرق بلاد مصر ويتصرفون في جهة المغرب فيصلون بلاد وارقلان وسائر أرض المغرب الأقصى وأهلها يلبسون المقندرات من الصوف ويربطون على رؤوسهم كرازي الصوف ويتلثمون بفواضلها ويسترون أفواههم وهي عادة من عوائدهم توارثها الأبناء عن الآباء لم ينتقلوا عنها ولا تتحولوا منها وفي هذه المدينة في هذا الوقت رجل ثائر من أهل البلد وله عصبة
стр. 123
وقرابة يقوم بهم وهم يعضدونه وله كرم مشهور وسيرة حسنة وأحكامه شرعية وهو مسلم.
ومن مدينة انكلاس إلى مدينة صغيرة تسمى ابزر مسافة يومين وابزر هذه على تل تراب وحولها نخيل ومياهها عذبة وبالقرب من هذه المدينة معدن شب فائق الجودة لكنه يتجرف كثير الرخاوة ولباس أهل هذه المدينة الفوط ومآزر الصوف وهم يتجرون بالشب.
ومن ابزر إلى مدينة تلملة يوم وهي أيضا مدينة صغيرة ومياهها قليلة ونخلها أيضا قليل وتمرها طيب جليل وبها معدن شب قليل الفائد لأن معدنه يخالطه عروق تراب كثيرة وإنما يخلط بغيره ويباع من التجار وهي من مدن كوار ومدينة تلملة قد ذكرناها فيما سلف من الإقليم الأول.
وهذا الشب الذي يكون في بلاد كوار بالغ في نهاية الجودة وهو كثير الوجود ويتجهز منه في كل سنة إلى سائر البلاد بما لا يحصى كثرة ولا يقاوم وزنا ومعادنه لا تنقص كبير نقص وأهل تلك الناحية يذكرون أنه ينبت نباتا ويزيد في كل حين بمقدار ما يؤخذ منه مع الساعات ولولا ذلك لأفنوا الأرض كلها لكثرة ما يخرج منه ويتجهز به إلى جميع الأرض.
وعلى مقربة من ابزر وفي جهة المغرب بحيرة كبيرة عميقة القعر طولها اثنا عشر ميلا وعرضها ثلاثة أميال وفيها حوت كبير كثير شبيه بالبوري له
стр. 124
شحم عذب المأكل يسمونه البقق ويستخرج منه من هذه البحيرة كثير ويملح ويحمل إلى جميع بلاد كوار وهو بها رخيص موجود.
وأما ما حاز هذا الجزء من أرض التاجوين وهم السودان الذين ذكرناهم قبل هذا في الإقليم الأول وقلنا إنهم مجوس لا يعتقدون شيئا فإنهم بشر كثير وجمع غزير ولهم إبل كثيرة وفي بلادهم مراع كثيرة وهم رحالة لا يقيمون في مكان وكل من جاورهم يغزوهم ويغير عليهم ويتحيل على أخذهم وليس لهم مدن إلا مدينتان وهما تاجوة وسمية وقد تقدم ذكرهما في الإقليم الاول ويحيط بشمال هذه الأرض جبل مقور وهو جبل أغبر إلى البياض وفيه عروق ترابية لينة تنفع من أوجاع العين الرمدة مثل ما ينفع رهج الغار الذي بقفر مدينة طلبيرة من بلاد الأندلس النافع من جرب العين ويأكل ما فيها وهو غبار يوجد هناك لونه أخضر ما هو وهذا الغبار هو مشهور المنفعة في جميع بلاد الأندلس معروف بالتجربة.
وأيضا إن هذه الأرض تتصل بها أرض الواحات الخارجة وهي الآن تعرف بأرض سنترية وسنترية هذه محدثة قريبة العهد سناتي بذكرها بعد هذا وفيها مما يلي جنوبها مدينة هي الآن خراب وقد كانت فيما سلف عامرة بالخلق آهلة بالناس وتسمى هذه المدينة تثرو وقد تهدم بناؤها وغارت مياهها وتشرد حيوانها وتنكرت معالمها فلم يبق منها إلا
стр. 125
طلل دارس واثر طامس وبها بقايا نخل ماحلة وربما بلغتها العرب عند تصرفها في أكناف هذه الأرض وبشرقي هذه المدينة مع الشمال جبل وعر ليس بكثير العلو لكنه ممتنع الصعود إليه لانقطاع أحجاره وفي أسفله بحيرة كبيرة دورها نحو من عشرين ميلا ماؤها عذب لكنه قليل العمق وفي وسطها نبات وبها حوت كثير الشوك سهك الطعم ويمد هذه البحيرة عين ماء تأتيها من جهة الجنوب وتقع فيها وعلى هذه البحيرة ينزل رحالة أهل كوّار وربما زاحمهم العرب عليها فأوقعوا الضرر بهم وبهذه الأرض في وقتنا هذا مدينة مرندة وهي مدينة عامرة بأهلها والداخل إليها قليل لقلة بضاعاتهم واختصار صنائعهم وعدم الخيرات لديهم لكنها ملجأ ومسكن للوارد والصادر من رحالتهم وظواعنهم.
وبشمال هذه الأرض يتصل بها مدينة زالة وزالة هذه بها حصن منيع فيه رجل ثائر بنفسه وبين هذه المدينة وبلد سرت تسعة أيام بين غرب وشمال إلى ناحية البحر ومن زالة أيضا إلى أرض ودان ثمانية أيام ومن زالة إلى زويلة عشرة أيام متحرفة إلى الجنوب مع الغرب وقد ذكرنا في هذا الجزء ما يحتاج إليه مستقصى بحمد الله وتأييده.
نجز الجزء الثالث من الإقليم الثاني والحمد الله ويتلوه الجزء الرابع منه إن شاء الله.
стр. 126
الجزء الرّابع
إن هذا الجزء الرابع من الإقليم الثاني تضمن بقية من أرض الواحات الخارجة بما اتصل بها في جنوبها من أرض التاجوين وأكثر بلاد الجفار والبحرين راجعا في أرض سنترية التي عرضنا بذكرها قبل هذا وذاهبا في مساكن بني هلال نازلا مع الجبل المسمى جبل جالوت البربري وإنما سمي به لأن جالوت هزم عسكره به ولجأ هو وجملة من خيله إلى هذا الجبل فسمي بذلك إلى الآن وفي الشرق من هذا الجبل جملة من بلاد مصر على ضفة النيل النازل إليها من أعلى بلاد النوبة وسنذكر هذه البلاد عند وصفنا لها بلدا بلدا وقطرا قطرا مع ذكر ما يليق بها من الأخبار الكائنة بها بعون الله وما خلف النيل من العمارات المتصلة من أرض مصر إلى نواحي أهريت وشرونة وبياض التي تلي منازل يلي وجهينة وصفارة إلى أقصى الصعيد مع اتصاله بالعلاقي وأيضا ما يلي أسفل الجزء من منازل التيم والنجوم والقبط.
فنقول إن أعلى هذا الجزء من ناحية المغرب حيث بقية أرض التاجوين كله خلاء صحار متصلة وإن كانت المياه بها كثيرة والغدر موجودة فليس بها ساكن لأن بها رمالا سائلة تنقلها الرياح من مكان إلى مكان وليس
стр. 127
لأحد بها مستقر لاعتداء الرمال عليها وكثرة جري الرياح بها وكذلك يتصل هذا الرمل بأعلى أرض الواحات فيعدو عليها ويغير ما فيها من الآثار وتتصل هذه الرمال بالغرب إلى أرض سجلماسة إلى البحر.
وبلاد الواحات الخارجة الآن صحراء لا أنيس بها بلقع لا عامر لها والمياه بها موجودة وكانت على القدم معمورة متصلة الثمار والعمارات وكان فيما سبق من الزمان الدخول عليها ومنها إلى مدينة غانة في طرق مسلوكة ومناهل معروفة لكنها انقطعت ودرست وبالواح. الخارجة أغنام وبقر متوحشة كما قدمنا ذكره فيما سبق وبين الواحات وحد النوبة مسير ثلاثة أيام في مفاوز غير عامرة وفي أرض الواحات الخارجة جبل علسانى المعترض بها وهو جبل سامي الذروة عالي القمة متساو عرضه أسفل وفوق وفيه معدن يستخرج منه حجر اللازورد ويحمل إلى أرض مصر فيصنع بها ويصرف وفي أرض الواحات يكون الثعبان ولا يكون البتة في غيرها من الأرضين والثعبان على ما يحكيه أهل تلك النواحي يرى كالتل الكبير يلتقم العجل والكبش والإنسان وهو حيوان على صورة الحية ينساب على بطنه وله أذنان بارزتان وأنياب وأسنان وحركته بطيئة ويأوي إلى الكهوف والدهاس فمن قصده أو اعترضه بمساءة التقمه وأمضى عليه ولا يخرج عن هذه الأرض إلا ويموت وهذا مشهور الذكر شائع الخبر.
وأما الواحات الداخلة فإن بها قوما من البربر وغربا متحضرين يزرعون هناك حيث المياه النيلج كثير والنيلج المعروف بها يفوق كثيرا
стр. 128
من النيلج في الطيب والجودة وإليها ينسب النيلج اللواحي وهو بها معروف وتنتج بهذه الأرض مع ما اتصل بها من أعلى أرض أسوان حمير صغار المقادير في مقدار الكباش ملمعة بسواد في بياض لا تحمل الركوب عليها وإذا أخرجت عن أرضها هلكت لا محالة وبأعلى صعيد مصر حمير ليست بكثيرة اللحم لكنها في غاية من السير وسرعة المشي وبرمال الواحات وما اتصل بها من أرض الجفار حيات كثيرة تستتر في الرمل فإذا مرت بها الجمال ثارت من الرمل ورمت بأنفسها حتى تقع في المحامل فتنهش هناك من وافقته فيموت في الحال وأيضا إن أرض الجفار بأسفل الواحات وهي أرض خالية قفرة وكانت فيما سلف من الزمان متصلة العمارات كثيرة البركات مشهورة بالخيرات وكان أكثر زراعة أهلها الزعفران والعصفر والنيلج وقصب السكر وأما الآن فإن بها مدينتين معمورتين اسم إحداهما الجفار والثانية البحرين وهما قريتان كالحصنين قد أحدقت النخل بهما من كل النواحي وماؤهما غزير عذب ومن البحرين إلى الجفار يومان ومن الجفار إلى الواح ثلاثة أيام لا ماء فيها والواح هذه المذكورة الآن في وقتنا هذا قرى كثيرة صغار وفيها ناس أخلاط يزرعون النيلج وقصب السكر وهي في ضفة الجبل الكبير الحاجز بين أرض مصر والصحارى المتصلة بأرض السودان.
ومن البحرين إلى مدينة سنترية أربع مراحل ومدينة سنترية صغيرة وبها منبر وقوم من البربر وأخلاط من العرب المتحضرة وهي على أول الصحراء ومنها إلى البحر الشامي في جهة الشمال تسع مراحل وهناك تكون لكة الساحلية وشرب أهل سنترية من آبار وعيون قليلة وبها نخل
стр. 129
كثير ومنها إلى جبل قلمرى أربعة أيام وفي هذا الجبل معدن حديد جيد ومن سنترية يسير من أراد الدخول إلى أرض كوار وسائر بلاد السودان وكذلك من سنترية إلى أوجلة مغربا عشرة أيام وفي هذه الناحية جبل بريم الأحمر ويقال إن مسلتي الإسكندرية نحتتا منه.
وأما مدينة القيس التي على ضفة النيل وبغربيه فهي مدينة قديمة حسنة البناء جميلة الجهات فيها قصب السكر الكثير وأنواع التمور والخيرات الكثيرة وبينها وبين دهروط في جهة الشمال مخوض ثمانية عشر ميلا.
ومن مدينة القيس إلى منية ابن الخصيب مقدار نصف يوم وهي قرية عامرة حولها جنات وأراض متصلة العمارات وقصب وأعناب كثيرة ومتنزهات ومبان حسان وهي في الضفة الشرقية من النيل.
ومن منية ابن الخصيب إلى مدينة الأشمونى مسافة نصف يوم أو أكثر قليلا وهي مدينة صغيرة حسنة عامرة بها جنات وبساتين ونخيل وزروع وضروب من الحبوب والفواكه والنعم السابغة ويعمل بها ثياب معروفة كثيرة.
وأمامها من شمال النيل بوصير وهي مدينة صغيرة القدر والعمارات بها متصلة وفيما يحكى أن أكثر سحرة فرعون كانوا من هذه المدينة وبها الآن بقية من طلاب السحر.
ومن بوصير إلى أنصنا بشرقي النيل ستة أيام وهي مدينة قديمة البناء حسنة البساتين والمتنزهات كثيرة الثمار غزيرة الخصب والفواكه وهي المدينة المشهورة بمدينة السحرة ومنها جلبهم فرعون في يوم الموعد للقاء موسى النبي ﵇.
стр. 130
وهناك بلاد صغار يكون بينها وبين النيل ميلان وأكثر وأقل ومنها النجاشية وهي قرية عامرة جامعة كثيرة الخصب والثمار ومنها مما يقابلها في الغربي من النيل بلد يسمى منساوة لها نخل وزروع وضرع وبساتين وجنات.
ومنها مدينة طحا وهي أسفل من مدينة الأشمونى وهي مدينة مشهورة يعمل بها وفي طرزها ستور صوف وأكسية صوف منسوب إليها ويقال إن التمساح يضر في عدوة الأشمونى ولا يضر بعدوة أنصنا ويقال إنها مطلسمة.
ومن مدينة أنصنا المتقدم ذكرها إلى بلد صغير يسمى المراغة به نخل وقصب سكر وزراعات وجمل بساتين وبينهما نحو من خمسة أميال والمراغة بغربي النيل.
ومنها إلى مدينة تزمنت نحو من خمسة أميال وهي بغربي النيل كثيرة البساتين والجنات متصلة العمارات.
ومنها إلى قرية صول نحو من يوم وهي قرية كبيرة بها أسواق وجماعات من الناس ونخيل وثمار ومنافع جمة وهذه القرية على فم الخليج المسمى بخليج المنهى وهو الخليج الذي يتصل بشرقي أرض الواحات ويصرف في سقي كثير من الأرضين هناك ومن هذا الخليج احتفرت خلجان الفيوم وسنأتي بذكر ذلك في موضعه بحول الله وقوته.
ومن مدينة صول إلى أخميم يوم ومدينة أخميم في شرقي النيل وتبعد
стр. 131
عنه نحو ميلين وأخميم والبلينا مدينتان متقاربتان في كثرة العمارة وبهما نخيل كثير وقصب سكر.
وبمدينة أخميم البناء المسمى بربا وهو بيت بناه هرمس الأكبر من قبل الطوفان وذلك أنه رأى في علمه أن الأرض يهلك من فيها غير أنه لم يتحقق من ذلك ما السبب في هلاك الأمم أيكون بالنار أو بالماء فأمر أن تبنى له بيوت من الطين من غير أن يوقد النار عليها فلما جفت أمر أن ينقش له فيها ما أحب من الصور والعلوم ففعل ذلك وقال إن كان المهلك للعالم نارا صبرت هذه البيوت على النار وحسنت بها وكان ما فيها من النقوش بضروب العلوم باقيا ثابتا يقرؤه من يأتي بعده ثم أمر أيضا أن تبنى له بيوت غيرها من الحجارة ويستوثق منها وينقش فيها جميع العلوم التي رأى الاحتياج إليها ففعل ذلك وقال أيضا إن كان المهلك للعالم ماء فإن البيوت التي بنيت بالطين تتحلل وتبقى البيوت الحجارية بما فيها من العلوم فلا يضر بها الماء فلما كان الطوفان وغمر الأرض الماء وهلك كل ما فيها تحللت تلك البيوت المبنية من الطين وبقيت البيوت المبنية بالحجارة بما فيها من العلوم وهي الآن ثابتة باقية وهي براب كثيرة منها بربا أسنا وبربا دندرة وبربا أخميم وهو أثبتها بناء وأحسنها رسوما وذلك أن في هذا البيت بعض صور الكواكب وبعض صور الصنائع وصناعها وجمل من الكتابات وسائر العلوم وهذا البناء المسمى بربا هو في مدينة أخميم متوسطها كما قدمناه.
стр. 132
وفي الضفة الغربية من النيل وفوق فم خليج المنهى مدينة تسمى زماخر وهي مدينة حسنة البناء كثيرة البساتين غزيرة المياء تحتوي على ضروب من الفواكه وجمل من أنواع الحبوب وهي في ذاتها جميلة حسنة.
ومنها مع ضفة غربي النيل إلى جبل الطيلمون مقدار خمسة أميال وهذا الجبل يأتي من جهة المغرب بتأريب فيعترض مجرى النيل والماء ينصب إليه بقوة جري ويخرج عنه بقهر وانضغاط يمنع المراكب الصاعدة من مصر إلى أسوان وغيرها لأن صب النيل وقوة جريه هناك يمنع الصعود في وجهه ويذكر أهل زماخر أن بأعلى هذا الجبل كانت دهية الساحرة ساكنة في قصر لم يبق منه الآن إلا رسم محال ويشيعون من أمرها أنها كانت تتكلم على المراكب فلا تقدر على الجواز عليها البتة مع عون قوة جري الماء وانصبابه وانزعاج قوته عند الجبل وهذا المكان من النيل إلى الآن صعب المجاز جدا وهو معروف.
ومن هذا الجبل إلى جبل تانسف نحو مرحلتين وهذا الجبل المسمى تانسف في جانبه حافة ملساء فيها شق صغير ضيق يجتمع إليه في يوم من السنة جمل من الطير المسمى بوقير وهو طير ملون من طيور الماء فيأتي كل طائر منها فيدخل رأسه في ذلك الشق من الجبل ويخرجه ويمضي طائرا على حاله إلى أن ينطبق ذلك الشق على رأس أحدها فيبقى مضطربا حتى يموت ويتساقط ريشه وتطير الباقي من الطير فلا تعود إلا لمثل ذلك اليوم من السنة وهذا مشهور معلوم في ديار مصر وقد أثبت ذلك في كثير من الكتب.
стр. 133
ومن جبل الطيلمون المتقدم ذكره إلى مدينة أسيوط وهي على الضفة الغربية من النيل مجرى يوم ومدينة أسيوط مدينة كبيرة عامرة آهلة جامعة لضروب المحاسن كثيرة الجنات والبساتين مدخرة لضروب الحبوب واسعة الأرضين جميلة حسنة.
ومن مدينة أسيوط إلى أخميم صاعدا مع النيل نصف مجرى ومن مدينة أخميم إلى مدينة قفط مجرى نصف يوم بالقلاع ومدينة قفط متباعدة عن ضفة النيل من الجهة الشرقية وأهلها شيعة وهي مدينة جامعة متحضرة بها أخلاط من الناس وفيها بعض بقايا من الروم وبها مزارع كثيرة للبقول مثل اللفت والخس وذلك لأنهم يجمعون بذورها ويطحنونها ويستخرجون أدهانها ويصنعون منها انواعا من الصابون يتصرفون به في جميع أرض مصر ومنها يتجهز به إلى كل الجهات وصابونها معروف النظافة.
ومنها إلى مدينة قوص بالجهة الشرقية من النيل سبعة أميال ومدينة قوص مدينة كبيرة بها منبر وأسواق جامعة وتجارات ودخل وخرج والمسافر إليها كثير والبضاعات بها نافقة والمكاسب رابحة والبركات ظاهرة وشرب أهلها من ماء النيل ولها بقول طيبة وضروب من الحبوب كثيرة ممكنة ولحوم سدفة حسنة المنظر طيبة المأكل ولكثرة نعمها كان هواؤها وبائيا وأهلها مصفرة ألوانهم وقليلا ما دخلها غريب وسلم من المرض إلا نادرا.
ومن مدينة قوص إلى دماميل بشرقي النيل نحو من سبعة أميال
стр. 134
ومدينة دماميل محدثة حسنة البناء طيبة الهواء كثيرة الزراعات ممكنة الحنطة وسائر الحبوب وأهلها أخلاط والغالب عليهم أهل المغرب والغريب عندهم مكرم محفوظ مرعى الجانب وفي أهلها مواساة بالجملة.
ومنها إلى قرية قمولة خمسة أميال وهي كالمدينة جامعة متحضرة مكتنفة لكل نعمة وفضيلة وأخبر بعض الثقات في هذا العصر فقال رأيت بها أنواعا من الفواكه وضروبا من الثمر من جملتها عنب ما توهمت أن على الأرض مثله طيبا وحسنا وكبرا حتى إنه دعتني نفسي إلى أن وزنت منه حبه فوجدت في زنتها اثني عشر درهما وفي هذه القرية من الدلاع وأنواع الموز ما يجل عن المقدار المعهود وكذلك من الرمان والسفرجل والإجاص وسائر الفواكة ما لا يكون إلا بمثلها وكل شيء من ذلك كثير يباع بأيسر الأثمان.
وبشمال هذه القرية جبل يمر من الجنوب إلى الشمال إلى أن يقارب مدينة أسيوط وهذا الجبل يقال له بران يقال إن فيه كنوز ولد أشمون بن مصرايم وفيه مطالب وطلاب إلى الآن.
ومن هذه القرية إلى مدينة إسنا بغربي النيل مجرى يوم وهي من المدن القديمة من بناء القبط الأول وبها مزارع وبساتين حسنة وبها رخاء شامل وأمن وادع وبها أعناب كثيرة ولكثرته هناك يعمل منه زبيب كثير ويحمل إلى جميع أرض مصر فيعمها وهو بالغ في الطيب وجودة الحلاوة وبها بقايا بنيان للقبط وآثار عجيبة.
ومنها إلى أرمنت في الضفة الشرقية مجرى يوم وهي مدينة من بناء القبط حسنة وبها نخيل وشجر تحمل أنواعا من الثمر المعلومة المحمودة
стр. 135
القليل الوجود مثلها في كثير من الأقطار طيبا وحسنا ومن مدينة أرمنت إلى مدينة أسوان مجرى يوم في النيل وقد ذكرنا مدينة أسوان فيما صدر من ذكر الإقليم الأول في موضعه من الكتاب.
ولنرجع الآن إلى ذكر الخليج الخارج من معظم النيل كما قدمنا القول فيه بعون الله فنقول إن هذا الخليج يخرج إلى جهة المغرب عند مدينة صول ويسمى هناك المنهى فيمر جاريا نحو المغرب فيصل إلى مدينة البهنسا على أربع مراحل وهي بالجهة الغربية من هذا الخليج وهي مدينة عامرة بالناس جامعة لأمم شتى ومن هذه المدينة إلى مصر سبعة أيام كبار وبهذه المدينة كانت وإلى الآن طرز ينسج بها للخاصة الستور المعروفة بالبهنسية والمقاطع السلطانية والمضارب الكبار والثياب المتخيرة وبها طرز كثيرة للعامة يقيم بها التجار الستور الثمينة طول الستر منها ثلاثون ذراعا وأزيد وأنقص مما قيمة الزوج منها مائتا مثقال واكثر من ذلك وأقل ولا يصنع فيها شيء من الستور والأكسية وسائر الثياب المتخذة من الصوف والقطن إلا وفيها اسم الطرز المتخذة بها كانت من طرز الخاصة أو من طرز العامة سمة مكتوبة فعلها الجيل المتقدم وتبعهم على ذلك من خلفهم من الصناع إلى حين وقتنا هذا وهذه الستور والفرش والأكسية مشهورة في جميع الأرض.
وينزل هذا الخليج مع الشمال إلى مدينة اهناس وذلك مرحلتان وهي مدينة صغيرة متحضرة كثيرة الأهل واسعة الخيرات جامعة للبركات نامية الزراعات وكل شيء من المأكول بها كثير رخيص ومتاجرها نافقة وأسواقها مربحة.
стр. 136
ومنها إلى اللاهون مرحلتان.
ومنها إلى مدينة دلاص وهي في الضفة الشرقية من معظم النيل وعلى بعد ميلين منه نحو من مسير يومين وبمدينة دلاص هذه تصنع اللجم الدلاصية المنسوبة صنعتها إليها وهي مدينة صغيرة عامرة جليلة وصناعة الحديد بها قائمة الذات كثيرة المصنوعات ومدينة دلاص كانت في أيام القبط كثيرة الديار مثبتة في ذكر الأمصار إلا أنها الآن في وقتنا هذا ليست بالكبيرة لأن البرابر من لواتة وشرار العرب تسلطوا على أطراف عمارات هذه البلاد فأفسدوها فقل ساكنوها لذلك وينتهي هذا الخليج إلى الفيوم ويصل إلى بحيرة أقنى وتيهمت وسنستقصي ذكر ذلك في موضعه من الإقليم الثالث بحول الله.
وأما ترفة وسمسطا فضياع وقصور بعيدة من معظم النيل على مسافة ميلين منه وهما عامرتان بالناس وفيهما مزارع للقصب السكري ويعمل بها من السكر والفانيذ ما يقوم بأكثر ديار مصر ويستغنى به عن غيره وجميع بلاد مصر تتقارب مسافاتها فلا يكون بين البلد والبلد أكثر من يوم أو يومين وهي لا تفارق ضفتي النيل من كلتا الناحيتين وعماراتها متصلة ومن مصر إلى أسوان مسافة خمس وعشرين مرحلة وقد ذكرنا في هذا الجزء ما فيه كفاية وبلاغ.
نجز الجزء الرابع من الإقليم الثاني والحمد لله ويتلوه الجزء الخامس منة إن شاء الله تعالى.
стр. 137
الجزء الخامس
إن هذا الجزء الخامس من الإقليم الثاني تضمن من البلاد التي على ساحل بحر القلزم مدينة عيذاب وما اتصل بها قبلها من الصحراء المنسوبة إلى عيذاب وليس بها طريق معروف ولا يستدل عليها إلا بالجبال والكدى الناتئة لانها رمال سائلة وضحاضح غامرة وربما أخطأ بها الدليل الماهر وأكثر الاستدلال بها بالنجوم ومسير الشمس من المشرق إلى المغرب وفي هذا الجزء قطعة من بحر القلزم وجملة من جزائره العامرة والخالية ومراسيه المشهورة المذكورة والكور الصغار مثل السرين والسقية وجدة والجحفة والجار وفيه من البلاد البرية صنكان ومكة والطائف وقديد والمدينة وعيذاب ونحن واصفون الآن جميع ما ذكرناه من ذلك وصفا تاما باستقصاء وشرح متقن بفضل الله تعالى وقوته.
فنقول إن جبل المقطم الذي أوله من ديار مصر يأخذ من مصر فيمر في الصحراء إلى أن ينتهي إلى قرب أسوان وهو جبل مشهور بالطول وأما علوه فإنه يعلو في مكان وينخفض في مكان وينقطع منه مواضع تسمى اليحاميم سود وتحفر منه المغرة والكلس وفيه ذهب كثير
стр. 138
وكذلك في تربته إذا دبرت استخرج منها ذهب صالح وتتصل منه قطع بديار مصر الداخلة إلى البحر الملح بناحية القلزم وهو بحر الحجاز وفي هذا الجبل وما اتصل به كثير من الكنوز مما خبأته ملوك مصر في العصر الأول وفيه كثير من هياكل الكهنة وعجائبهم ومما يلي البحر منه الجبل المنحوت المدور الذي لا يستطيع أحد أن يصعده ولا يجد سببا للطلوع إليه وذلك لملاسته وارتفاع علوه ويذكر أن فيه كنوزا عظيمة لمقطام الكاهن وإليه ينسب هذا الجبل بأسره وفيه أيضا كنوز كثيرة لبعض ملوك مصر من المال والجوهر وتربة الصنعة والتماثيل العجيبة وأصنام الكواكب وقد كانوا رأوا في علومهم أن ملكا من ملوك الإفرنجة يقصدهم لما كان اتصل به من كثرة أموالهم والصنعة التي كانوا يدبرونها لعمل الذهب فكان ما خافوه من ذلك حقا وقصدهم الملك الإفرنجي وغزا ديار مصر في ألف مركب فهرب أكابرهم إلى هذا الجبل وتستروا في الأماكن الخفية فيه وبعضهم أمعن في الهروب حتى لحق بالواحات فلم يوصل إليهم ونجا أكثرهم بأموالهم وكان السبب في مجيء هذا الملك الإفرنجي إلى ديار مصر أن كاهنا من الكهنة وصل إليه ملك مصر بأذى فهرب الكاهن أمامه إلى ملك الإفرنجة ولم يزل يرغبه في غزوهم وأخذ أموالهم وانتهاك حرمهم حتى غزاهم ومضى بهم الكاهن إلى هذا الجبل الأملس الذي ذكرناه قبل فحاول الصعود إليه فلم يصله ولا قدر على شيء مما أمله فيهم فدله الكاهن على كنوز لأهل مصر في غير ذلك الجبل فأخذها ورجع إلى بلده.
وبالغربي من هذا الجبل تكون نواحي أهريت وبشرونة وبياض وصول.
стр. 139
وبشرقيه أيضا أرض فيها بعض منازل بلي وجهينة وصفارة ويلي هؤلاء في جهة الشمال مما يلي القلزم قوم من العرب أنذال الأفعال خسيسو الهمم ناقضو العهود فساق لئام أنكاد يعرفون ببني بجرية لا يرجعون عن محرم ولا يخيفهم سفك دم إن استنصر بهم خذلوا وإن اطمئن إليهم قتلوا لا أمانة لهم ولا رعاية ولا ديانة وقد أعطاهم الله ﷻ أوفر حظ من الفقر وابتلاهم بأنواع من الأسقام وهم مع ذلك عن الإضرار لا ينتقلون وعن الأذى لا يتحولون.
وفي أعلى الأرض من هذا الجزء صحارى عيذاب وهي متصلة الخلاء ليس بها ساكن ولا ينزلها قاطن إلا قوم من البجة رحالة قليلو الإقامة فيها لعدم الماء بأمكنتها وقلة وجوده بها وعرض هذه الصحراء يقطعه السالك من قوص إلى عيذاب في عشرين يوما إلى ما دونها وفي هذه الصحراء يكون جب حميرة وهو من أعجب العجب وذلك أن ماءه لا ينزل به من شربه من حيث تنزل المياه من الإنسان ولا يقيم بالمعدة شيئا وإنما هو إذا شربه الإنسان لم يلبث أن ينزل به من مقعدته مسرعا من غير تأخير ولا إقامة وهذه الصحراء لا تسلك في اشتداد الحر وسموم القيظ لجفوف الماء بها ورياحها المنشفة وأرضها النارية المهلكة وإنما يمر بها السالكون في آخر أيام الخريف.
وفي أعلى هذه الصحراء في ضفة البحر الملح مدينة عيذاب وأهلها سود وشربهم من آبار وليست بالكبيرة القطر ولا بالآهلة العامرة بالخلق ومنها المجاز إلى جدة وعرضه هناك مجرى يوم وليلة ومدينة عيذاب ينزلها عامل من قبل رئيس البجة وعامل من قبل ملك مصر يقتسمون
стр. 140
جبايتها بنصفين وعلى عامل صاحب مصر القيام بجلب الأرزاق والمعيشة إلى عيذاب وعلى رئيس البجة القيام بحمايتها من الحبشة والرئيس المقيم بعيذاب من قبل ملك البجة ينزل الصحارى ولا يدخل المدينة إلا غبا وأهل عيذاب يتجولون في كل النواحي من أرض البجة يشترون ويبيعون ويجلبون ما هنالك من السمن والعسل واللبن وبالمدينة زوارق يصاد بها السمك الكثير اللذيذ الطعم الشهي المأكل وبها يؤخذ المكس في وقتنا هذا من حاج الإسلام القاصدين من بلاد المغرب وهذا المكس مبلغه على كل رأس ثمانية دنانير من أي الذهب كان مسبوكا أو مكسورا أو مسكوكا ولا يعبر أحد من حاج المغرب إلى جدة إلا أن يظهر مكسه ومتى جوزه رباني بحر القلزم ولم يكن عنده مكس غرمه الرباني فلذلك لا يجوز أحد من عيذاب إلى جدة حتى يظهر الرباني البراءة مما يلزمه فإذا جاز المركب البحر وسهل الله عليه الوصول إلى جدة أرسى على بعد ودخل الثقات من ناحية والي جدة فحرزوا ما هنالك من الموجودات الممكسة اللازمة وأثبتوها في دواوينهم ثم نزلوا ونزل الناس بجملتهم فتقتضى منهم المكوس اللازمة لهم الواجبة عليهم فإن عثروا على رجل منهم لا مكس معه لزم حقه على الرباني الذي جوزه وربما سجن الرجل الحاج حتى يفوته الحج وربما قيض الله له من يفرج عنه بما لزمه من المكس وهذا المكس يأخذه الهاشمي صاحب مكة فينفقه في أرزاق أجناده إذ منافعه قليلة وجباياته لا تفي بلوازمه ورزق من معه.
وهذا البحر الذي ضمه هذا الجزء بحر صعب المجاز كثير القالات
стр. 141
والتروش والجبال الناتئة وفيه عدة جزائر خالية في زمن الشتاء وفي مدة خوض البحر وركوبه في أيام السفر فيه قوم يعمرون هذه الجزائر سمر الألوان يأتون إليها في زوارقهم فيتصيدون فيها السمك الكثير ويجففونه في الشمس ثم يطحنونه ويخبزونه ويتعيشون منه أكثر دهرهم ولزومهم في هذه الجزائر لصيد الحوت واستخراج اللؤلؤ الدقيق منه وأخذ السلاحف البحرية التي يكون على ظهورها الذبل وهو بها كثير حسن الصفة.
وأكبر جزيرة فيه من هذا الجزء جزيرة النعمان وبها قوم لازمون لها ساكنون بها ومنها جزيرة السامري يسكنها قوم يهود سامرية وعلامتهم أن يقول أحدهم إذا لقي إنسانا «لا مساس» وبهذه اللفظة يعرف أنهم من اليهود المنسوبين إلى السامري صاحب العجل في زمن موسى ﵇.
وفي هذا البحر من السمك حوت مربع عرضه قريب من طوله يقال له اليهار وربما بلغ وزن الحوت منه نصف قنطار أو نحوه وهو حوت أحمر شهي الطعم حسن الذوق ولا سهك به وفيه سمك آخر طوله شبر ونصف له رأسان رأس في موضع رأسه ورأس في موضع ذنبه وفي كل رأس من هذين الرأسين عينان وفم وتصرفه في البحر يزج مرة إلى أمامه وتارة إلى خلفه ويسمى هذا السمك الخنجر وفي هذا البحر أيضا سمك يقال له القرش وهو نوع من كلاب البحر في فمه سبعة صفوف أضراس ويكون منه ما طوله عشرة أشبار وأكثر وأقل من ذلك وضرره بمن أمكنه في البحر كثير جدا.
ومراكب هذا البحر كلها مؤلفة بالدسر ومخروزة بحبال الليف مجلفطة
стр. 142
بدقيق اللبان ودهن كلاب البحر المعد لذلك والربانيون في هذه المراكب لهم آلات متخذة بحكمة مهندسة موضوعة في أعلى الصاري الذي يكون في مقدمة المركب فيجلس به الرباني ويبصر ما لاح أمامه من التروش التي تحت الماء مخفية فيقول للماسك على المركب «خذ إليك» و «ادفع عنك» ولولا ذلك ما عبره أحد وآفاته كثيرة في المراكب والمسافرون في هذا البحر يأوون منه في كل ليلة إلى مواضع يسكنون فيها ويلجأون إليها خوفا من معاطبه وينزلون بها نهارا ويقلعون عنها نهارا حالا دائما سير النهار وإقامة الليل.
وهو بحر مظلم كريه الروائح وحش الجزائر لا خير في ظاهره ولا في باطنه وليس كبحر الهند والصين الذي في بطنه اللؤلؤ النفيس وفي جباله الجواهر وفي مدنه أصناف الطيب وفي سواحله محلات الملوك ومدنها وفي جزائره منابت الأبنوس والبقم والخيزران وشجر العود والكافور والأفاويه وفي أرضه دواب المسك وظباؤه وجميع ما يقع إلى بحر القلزم من العنبر فإنما هو مما شذ إليه من بحر الهند وقد ذكرنا مسافة طوله وعرضه فيما سبق من ذكر جملة البحور المذكورة في صدر الكتاب.
وعلى ساحل هذا البحر الواقع في هذا الجزء في الجهة الشرقية حصن حلي والسرين والسقية وجدة والجحفة والجار وكل هذه معاقل ومواطن يسافر إليها ويتجهز منها وفي كل واحدة منها وال وعامل.
стр. 143
فأما حلي فإنها مدينة صغيرة وواليها منها وهو من قبل صاحب تهامة وهي فرضة من جاء من اليمن وفرضة لمن صعد من القلزم وبها جبايات على الداخل والخارج وكل شيء إليها جلب ومنها على البرية إلى مدينة عثر جنوبا خمسة أيام.
ومنها أيضا إلى مدينة ضنكان مرحلتان خفيفتان وضنكان بلد صغير فيه أهله مقيمون به لا يتحولون عنه إلى غيره وربما مات الرجل منهم والرجال الكثيرة ولم يخرجوا منه لرؤية غيره لا ارتحالا ولا نزهة والناس واردون عليها وصادرون عنها وبضائع أهلها قليلة وأموالهم يسيرة وصنائعها نزرة حقيرة وضياعها ضيقة وثمارها قحطة وجملتها غير حسنة لكن البارئ جل وعز حبب أرضها لأهلها.
وعلى الساحل مدينة السرين وبينها وبين حلي خمسة أيام في جهة الشمال والسرين حصن حصين حسن موضعه كثيرة مياهه ولواليه وجابيه شيء معلوم ورسم ملزوم على المراكب الصاعدة والنازلة من اليمن بالتجارات والمتاع والرقيق وجباياته المحصلة يصل نصفها إلى صاحب تهامة ونصفها الثاني يصل إلى الهاشمي بمكة وكذلك من السرين إلى ضنكان مرحلتان.
ومن السرين إلى مرسى السقية ثلاث مراحل وهي قرية عامرة وبها مستراح للمراكب.
ومنها إلى جدة على الساحل ثلاث مراحل وهي فرضة لأهل مكة
стр. 144
وبينهما أربعون ميلا وهي مدينة كبيرة عامرة تجاراتها كثيرة وأهلها مياسير ذوو أموال واسعة وأحوال حسنة ومرابح ظاهرة ولها موسم قبل وقت الحجيج مشهود البركة تنفق فيه البضائع المجلوبة والأمتعة المنتخبة والذخائر النفيسة وليس بعد مكة مدينة من مدائن الحجاز أكثر من أهلها مالا ولا أحسن منهم حالا وبها وال من ناحية الهاشمي صاحب مكة يقبض صدقاتها ولوازمها ومكوسها ويحرس عمالتها ولها مراكب كثيرة تتصرف إلى جهات كثيرة وبها مصائد للسمك الكثير والبقول بها ممكنة وبهذه المدينة فيما يذكر أنزلت حوا من الجنة وبها قبرها.
ومدينة مكة قديمة أزلية البناء مشهورة الثناء معمورة مقصودة من جميع الأرض الإسلامية وإليها حجهم المعروف وهي مدينة بين شعاب الجبال وطولها من المعلاة إلى المسفلة نحو ميلين وهو من حد الجنوب إلى جهة الشمال ومن أسفل جبل أجياد إلى ظهر جبل قعيقعان ميل والمدينة مبنية في وسط هذا الفضاء وبنيانها حجارة وطين وحجارة بنيانها من جبالها وأسواقها قليلة وفي وسط مكة مسجدها الجامع المسمى بالحرم وليس لهذا الجامع سقف وإنما هو دائر كالحظيرة والكعبة وهو البيت المسقف في وسط الحرم وطول هذا البيت من خارجه من ناحية الشرق أربعة وعشرون ذراعا وكذلك طول الشقة التي تقابلها في جهة الغرب وبشرقي هذا الوجه باب الكعبة وارتفاعه على الأرض نحو قامة وسطح الكعبة من داخل مساو لأسفل الباب وفي ركنه الحجر الأسود وطول الحائط الثاني الذي
стр. 145
من جهة الشمال وهو الشامي ثلاثة وعشرون ذراعا وكذلك الشقة الأخرى التي تقابلها في جهة اليمن ومع أصل هذه الشقة موضع محجوز في دائر وطوله خمسون ذراعا وفيه حجر أبيض يقال إنه قبر إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وفي الجهة الشرقية من الحرم قبة العباس وبئر زمزم وقبة اليهودية وما استدار بالكعبة كله حطيم يوقد فيه بالليل مصابيح ومشاعل وللكعبة سقفان وماء السقف الأعلى يخرج عنه إلى خارج البيت في ميزاب من خشب وذلك الماء يقع على الحجر الذي قلنا إنه قبر إسماعيل والبيت كله من خارج على استدارته مكسوّ بثياب الحرير العراقية لا يظهر منه شيء وارتفاع سمك البيت المذكور سبعة وعشرون ذراعا وهذه الكسوة معلقة فيه بأزرار وعرى وصاحب بغداد المسمى بالخليفة يرسلها في كل سنة إليها فتكسى بها وتزال الأخرى عنها ولا يقدر أحد يكسوها غيره وفيما يذكر أهل الخبر أن الكعبة كانت خيمة آدم ﵇ وكانت مبنية بالطين والحجارة فهدمها الطوفان وبقيت مهدمة إلى مدة إبراهيم وإسماعيل ﵉ فيقال إن الله أمرهما ببنيانها فنهض إبراهيم ﵇ إلى ابنه إسماعيل وتعاونا في بنيانها بالحجر والطين وليس بمكة ماء جار إلا شيء أجري إليها من عين على بعد من البلد ولم يستتم فلما كانت أيام المقتدر من بني العباس استتم بناؤه.
ومياه مكة زعاق لا تسوغ لشارب وأطيبها ماء بئر زمزم وماؤه شروب غير أنه لا يمكن إدمان شربه وليس بجميع مكة شجر مثمر إلا شجر البادية ويسكن صاحب مكة في قصر له بالجهة الغربية بموضع يعرف بالمربعة على
следующие страницы →