Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
كامل بن حسين الشهير بالغزّي
ولد كامل بن حسين بن محمد بن مصطفى البالي الحلبي الشهير بالغزّي في حلب سنة ١٢٧٠ هـ / ١٨٥٣ م أو قبلها بسنة في أقرب الروايات وتوفي فيها سنة ١٣٥١ هـ / ١٩٣٣ م.
نبت في بيت علم وشرف فقد كان أبوه الحسين من أشهر رجال الشام في الفقه والحديث والأدب، توطن حلب قادماً من غزة في منتصف القرن الثالث عشر للهجرة ولبث فيها مدرسا بالمدرسة السيافية في محلة الفرافرة.
حرص ذووه على تعليمه وتثقيفه منذ بلغ سن الطلب فدفعوه إلى الكتّاب حيث أتم تلاوة القرآن الكريم، ثم سعى إلى الشيوخ في بلده فأخذ العلم عن الشيخ محمد الكحيل والشيخ مصطفى الكردي وغيرهما. ولم يكتف بما تلقاه عن أساتذته من علوم الدين، من فقه وحديث وتوحيد وفرائض وما يخدمها من علوم اللسان، بل أضاف إليها باجتهاده بعض العلوم الأخرى، مما لم تكن تتسع له مناهج الدرس في أيامه، ومن ذلك التاريخ الذي عمق معلوماته فيه استناداً إلى مؤلفات من سبقه من فحول المؤرخين كالطبري وابن الأثير وابن العديم وغيرهم. ولقد تقلّد عدداً من المناصب الرسمية في بلده.
بلغ الغزي بعلمه وجدّه منزلة فريدة عند الحكام، وقد اشتهر منذ شبابه بسعة الثقافة، وحب المطالعة، وبذكاء واضح وعقل راجح، ونفس لا تعرف التعصب، ولا عجب في ذلك، فقد كان أصدقاؤه من مختلف الأديان. كما وعرف عنه أنه أولع باقتناء الكتب منذ صباه، فكان يطوف الأسواق والخزائن في المشرق والمغرب متحرياً النفيس من أصنامها. حتى اجتمعت له منها خزانة نفيسة عامرة عدها البعض أنها واحدة من أشهر خزائن حلب لوقته.
هذا الاطلاع الواسع، وتلك الخزانة العامرة اللذان توفرا للغزي جعلاه يتمتع بثقافة موسوعية مكّنته من كتابة مؤلفات كثيرة.
آثاره المطبوعة
فمن آثاره المطبوعة: إتحاف الأخلاف في أحكام الأوقاف، نهر الذهب في تاريخ حلب وغيرها.
آثاره المخطوطة
ومن آثاره المخطوطة: ديوان شعر، الروضة الغناء في حقوق النساء وغيرها.
علاوة على عشرات المقالات العلمية والتحقيقات اللغوية والتاريخية المبثوثة في كبريات الصحف العربية والسورية.
стр. 2
[الجزء الاول]
كلمة الناشر
تتابع «دار القلم العربي» خطّتها التي انتهجتها لنفسها، وهي نشر التراث الحلبي الثمين، وتعريف الناس به، وتيسير وصوله إلى القراء عامة، والعلماء والباحثين خاصة، من مخطوطات قديمة، أو مطبوعات أصبحت نادرة الوجود.
وها هي ذي تعيد طباعة كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» بمجلداته الثلاثة، للمؤرخ العلامة كامل الغزي، بحلّة قشيبة، وتحقيق جديد قام به الدكتور شوقي شعث، والأستاذ محمود فاخوري، بعد أن قامت الدار بطباعة «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» بمجلداته السبعة للعلامة الطباخ. وكلا الكتابين متمم للآخر، وبهما معا تكتمل صورة حلب في مختلف جوانبها، ومع أن هذين الكتابين هما لرجلين صديقين ومتعاصرين، وأنهما طبعا أول مرة في وقت واحد تقريبا، فلن يغني أحدهما عن الآخر، لأن كلا من المؤلفين كان يعمل في كتابه مستقلا عن الآخر، وهنا تكمن الفائدة للباحث والدارس.
وسوف تواصل دار القلم العربي خطواتها هذه في خدمة التاريخ والأدب والثقافة.
والله من وراء القصد.
حلب: ٤ من ذي الحجة ١٤١١ هـ ١٦/٦/١٩٩١ م الناشر علاء الدين الرفاعي
стр. 3
مقدمة
حلب، ونهر الذهب
«حلب مدينة عظيمة واسعة، كثيرة الخيرات، طيبة الهواء، صحيحة الأديم والماء ...
وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصّها بالبركة، وفضّلها على جميع البلاد.. وأما قلعتها فبها يضرب المثل في الحسن والحصانة.. وما زال فيها على قديم الزمان وحديثه أدباء وشعراء.. وقد أكثر الشعراء من ذكرها ووصفها والحنين إليها» .
ذلك مجمل ما قاله ياقوت الحموي عن حلب في كتابه «معجم البلدان» ، وقد زارها وأقام فيها غير مرّة. وليس هو الوحيد الذي أشاد بهذه المدينة ونوّه بفضلها، فهناك أقوال كثيرة مماثلة للرحالة والجغرافيين العرب والغربيّين الذين زاروها، أو أقاموا فيها، وقد أجمعوا كافة على أن حلب من أقدم المدن العامرة في العالم، ولا تزال حتى اليوم زاخرة بالحياة، مزدهرة بالحضارة والعمران، بعد أن مرّت بأحقاب متلاحقة منذ القرن العشرين قبل الميلاد، وعرفت أمما شتّى تعاقبت عليها، كما عرفت الأمجاد التليدة، من جهة، والكوارث والزلازل من جهة أخرى، وهي بعد ملتقى الطرق التجارية الكبرى لقوافل الشرق والغرب، ثم إنها مدينة الآثار والأسوار، والأبراج والأبواب، وقد بقيت محافظة على تراثها الثمين، وكنوزها الأوابد، وجلال أبنيتها القديمة، وهذا ما جعل المؤرخين يهتمون بها، حتى إن ما ألّف فيها وحدها من كتب تاريخية يسترعي الانتباه بكثرته وتنوعه، منذ أن كتب حمدان الأثاربي (- ٥٢٠ هـ) كتابه «القوت» في تاريخ حلب، حتى ألّف الغزي (- ١٣٥١ هـ- ١٩٣٣ م) كتابه «نهر الذهب» ، وبينهما كتب كثيرة منها المطبوع، ومنها المفقود، ومنها الذي لا يزال مخطوطا.
ونكتفي- فيما يلي- بذكر ما طبع حتى اليوم من تلك الكتب عن حلب: ١- تاريخ حلب: لمحمد بن علي العظيمي (- ٥٥٦ هـ) . طبع في دمشق ١٩٨٤ م بتحقيق إبراهيم زعرور.
стр. 4
٢- بغية الطلب في تاريخ حلب: لابن العديم (- ٦٦٠ هـ) . طبع في دمشق في ١١ مجلدا سنة ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م بتحقيق: د. سهيل زكار.
٣- زبدة الحلب في تاريخ حلب: لابن العديم أيضا. اختصر به كتابه السابق «بغية الطلب» ، وقد نشره المعهد الفرنسي بدمشق سنة ١٩٥١ م في ثلاثة أجزاء بتحقيق د. سامي الدهان.
٤- الدرّ المنتخب في تاريخ مملكة حلب: ينسب إلى ابن الشحنة (- ٨٩٠ هـ) . طبع في بيروت سنة ١٩٠٩ م بعناية يوسف سركيس، ثم نشرته مصورا دار الكتاب العربي بحلب سنة ١٩٨٤ م. وربما كان أصل هذا الكتاب لابن الشحنة، ثم تعاقب على التصرف فيه عدة مؤلفين، وكل منهم زاد فيه ما وصل إليه علمه.
٥- الزّبد والضّرب في تاريخ حلب: لابن الحنبلي (- ٩٧١ هـ) اختصر به كتاب «زبدة الحلب» لابن العديم، وأضاف إليه بعض الزيادات. طبع في الكويت سنة ١٤٠٩ هـ بتحقيق د. محمد التونجي.
٦- درّ الحبب في تاريخ أعيان حلب: لابن الحنبلي أيضا. طبع بدمشق سنة ١٩٧٢- ١٩٧٣ م بتحقيق محمود الفاخوري ويحيى عبارة. ويقع في جزءين ضخمين، وكل منهما يتألف من قسمين.
٧- معادن الذهب في الأعيان المشرّفة بهم حلب: لأبي الوفاء العرضي الحلبي (- ١٠٧١ هـ) . طبع في دمشق ١٩٨٧ بتحقيق د. محمد ألتونجي، ولم يعثر إلا على قطعة منه تضم ٦٩ ترجمة.
٨- اليواقيت والضرب في تاريخ حلب: نسب إلى «إسماعيل أبي الفداء» ، ولا يعرف شيء عن مؤلفه. والمكنّون بأبي الفداء ممن يسمّون «إسماعيل» كثر. نشرته دار القلم العربي بحلب، بتحقيق محمد كمال وفالح البكور.
٩- التاريخ الطبيعي لحلب: ألفه بالإنكليزية الطبيب البريطاني «باتريك راسل» (- ١٧٦٨ م) ، وعاونه فيه أخوه «إسكندر» . طبع في جزءين بلندن سنة ١٧٩٤ م.
١٠- تحف الأنباء في تاريخ حلب الشهباء: جمعه الطبيب الجرماني «بيشوف» من «زبدة
стр. 5
الحلب» لابن العديم، ومن كتب أخرى، ونسبه لنفسه وطبعه في بيروت سنة ١٨٨٠ م.
١١- نهر الذهب في تاريخ حلب: للشيخ كامل الغزي (- ١٣٥١ هـ/ ١٩٣٣ م) وسوف نخصه بكلمة مفردة.
١٢- إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء: للشيخ محمد راغب الطباخ (- ١٣٧٠ هـ) .
طبع في حلب سنة ١٩٢٦ م في سبعة أجزاء، ثم نشرته دار القلم العربي بحلب سنة ١٤٠٩ هـ/ ١٩٨٩ م وقام بتصحيحه محمد كمال.
١٣- حلبيات: ألفه عبد الله يوركي حلاق، صاحب مجلة «الضاد» ، ونشره في حلب سنة ١٩٨٣ م.
يضاف إلى هذه الكتب الثلاثة عشر، كتب أخرى تناول كل منها بعض الجوانب من تاريخ حلب أو أدبائها، أو آثارها. وهي كثيرة نذكر منها على سبيل المثال، مما ورد في عنوانه اسم «حلب» :
١- أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر: لقسطاكي الحمصي الحلبي (- ١٩٤١ م) ترجم فيه لخمسين علما من أعلام حلب. طبع سنة ١٩٢٥ م بحلب، ثم أعيد طبعه فيها سنة ١٩٦٧ م.
٢- محاضرات عن الحركة الأدبية في حلب (١٨٠٠- ١٩٥٠) : لسامي الكيالي.
طبع في القاهرة سنة ١٩٥٧ م ضمن منشورات معهد الدراسات العربية العالية.
٣- الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب: ألّفه بالفرنسية المستشرق «جان سوفاجيه» ، ثم عرّبه محمد أسعد طلس وعلّق عليه تعاليق مفيدة، وأضاف إليه معلومات جديدة، وأصلح أخطاء وقع فيها المؤلف. طبع في دمشق سنة ١٣٧٥ هـ- ١٩٥٦ م.
٤- الحركة الفكرية في حلب (في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين) : لعائشة الدباغ، طبع في بيروت سنة ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢ م.
٥- أحياء حلب وأسواقها: لخير الدين الأسدي، حققه وزاد عليه وقدّم له: عبد الفتاح رواس قلعه جي. وطبع في دمشق سنة ١٩٨٤ م، ضمن منشورات وزارة الثقافة.
стр. 6
٦- موسوعة حلب المقارنة: لخير الدين الأسدي. نشرها معهد التراث بجامعة حلب في سبعة مجلدات سنة ١٩٨٤- ١٩٨٥ م وأعدّها للطباعة محمد كمال.
٧- بنو مرداس الكلابيون في حلب وشمال الشام: د. محمد أحمد عبد المولى. طبع في الإسكندرية سنة ١٩٨٥ م.
٨- أخبار حلب كما كتبها نعوم بخاش في دفاتر الجمعية: نشر منه جزءان بحلب سنة ١٩٨٥- ١٩٨٦ م بتحقيق وتعليق الأب يوسف قوشاقجي.
٩- الحركة الشعرية زمن المماليك في حلب الشهباء: د. أحمد فوزي الهيب. طبع في بيروت سنة ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م.
١٠- الحركة الشعرية زمن الأيوبيين في حلب الشهباء: د. أحمد فوزي الهيب. طبع في الكويت سنة ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م.
١١- الحياة الفكرية في حلب (في القرن التاسع عشر) : لفريد جحا. طبع في دمشق سنة ١٩٨٨ م.
١٢- إمارة حلب في ظل الحكم السلجوقي: لمحمد ضامن، رسالة ماجستير نشرتها دار أسامة (دمشق- بيروت) سنة ١٩٩٠ م.
стр. 7
نهر الذهب
أما كتاب «نهر الذهب في تاريخ حلب» الذي ألّفه الشيخ كامل الغزي «١» ، فقد طبع منه في حياته ثلاثة أجزاء بين سنتي ١٩٢٢- ١٩٢٦ م ثم نفدت هذه الطبعة حتى أصبحت نادرة جدا، ندرة المخطوطات، وطال انتظار الناس لطبعة ثانية تيسّر تداوله بين أيديهم وإفادتهم منه.
قسم الغزي كتابه هذا إلى مقدمة ضخمة، وأربعة أبواب كبيرة، وزعها على أجزاء الكتاب.
١- فالجزء الأول: يشتمل على المقدمة وحدها، كما فعل ابن خلدون في (مقدمة) تاريخه الكبير. وتكلم الغزي فيها على عدة أمور لا يتمكن القارئ دونها من الوقوف على ما انطوى عليه المكان الذي يؤرّخ له، ومن حقائق وأوصاف وأحوال. ومن ثم فإنه ذكر بعض من ألّف في تاريخ حلب، ثم انتقل إلى الكلام على أسماء حلب وجغرافيتها بالتفصيل، وما مدحت به من الشعر والنثر، وتحدث عن الأوزان والمقاييس المستعملة فيها، وعن صناعاتها ونباتاتها وحيواناتها وتجاراتها ومدارسها، وما يقوم على أرضها من مختلف الملل والنحل، والعادات والتقاليد، والنظم الإدارية والمالية، وما يتبع (حلب) من الأقضية والنواحي والألوية.
٢- والجزء الثاني: يشتمل على الباب الأول برمّته. وقد خصّصه للكلام على أحياء حلب ومعالمها التاريخية وأوابدها الأثرية، بعد أن بدأه بالكلام على أسوار المدينة وأبوابها وقلعتها. وهو يسجل كل ما وقعت عليه عيناه من تراث معماري وعمراني وآثاري في مدينة حلب. ولا يفوته أن يتحدث عن الأوقاف التي كان ينفق منها على الجوامع والمساجد، والتكايا والمدارس، وكذلك نفقات الفرش والترميم والبناء. وقد استفاد في كل ذلك من عمله الذي كان يزاوله في المحكمة الشرعية بحلب، والذي سهّل له الرجوع إلى سجلات تلك المحكمة، وكلها مخطوطة قد حوت الكثير من المعلومات القيّمة المفيدة.
стр. 8
ولا شك أن الأحوال قد تغيّرت اليوم عما كانت عليه في عصر الغزي قبل سبعين سنة تقريبا، حيث اتّسع البناء في حلب وما زال يتسع، وأقيمت أحياء سكنية جديدة كحيّ السبيل، والمحافظة، والشهباء، وحلب الجديدة، والحمدانية، وصلاح الدين.. إلخ. وهذا ما سبب تغييرا جذريا في طبقات الناس، وأعدادهم، وفي بعض عاداتهم وتقاليدهم، حتى أصبح الأمر يحتاج إلى كتاب آخر يكون ذيلا لنهر الذهب.
٣- والجزء الثالث: يشتمل على الباب الثاني من أبواب الكتاب، وفيه يتقصى تاريخ حلب منذ أقدم العصور حتى عصر المؤلف في الربع الأول من القرن العشرين. ويدخل في ذلك ذكر الأمم التي سكنت حلب والدول التي حكمتها، وكذلك فتح المدينة في صدر الإسلام والحوادث التي طرأت عليها بعد ذلك وما أصابها من زلازل وكوارث.. نتيجة لتنقل الدول وتبدل الحكام، وتعاقب الحروب والأوبئة، والفتن والمجاعات. وقد سار في ذلك كله على ترتيب السنين الهجرية، سنة سنة، حتى عصره، حين حلّ الانتداب الفرنسي في سورية، ويفصل في الكلام على أحوال حلب في ظلّ هذا الانتداب.
ويختم هذا الجزء بخلاصة مركزه عدّد فيها الأماكن القديمة التي يقصدها السيّاح في مدينة حلب وضواحيها، وكذلك الأماكن التي هي مظنّة لوجود العاديات والذخائر النفيسة.
وبذلك ينتهي الجزء الثالث، حيث قال في آخره ما نصّه:
«انتهى الجزء الثالث من كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب، ويليه الجزء الرابع: المشتمل على الباب الثالث المفتتح بقولي: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده» .
لكن هذا الجزء لم يطبع حتى اليوم، ولا ندري أكان معدّا للطباعة في حياة المؤلف نفسه، أم إنه كان ينوي تأليفه بعد أن ينتهي من طبع الأجزاء الثلاثة؟ لكن الدلائل تشير إلى أن مسوّدته- على الأقل- كانت موجودة ثم انتقلت إلى الورثة، يدل على ذلك العبارة التي ختم بها الجزء الثالث، من جهة، وما في الأجزاء الثلاثة من بعض الإحالات- في تراجم الرجال- على الجزء الرابع من جهة أخرى، حتى إن الطباخ يذكر في «إعلام النبلاء» «١» أن كتاب نهر الذهب في أربعة مجلدات، تصفح منها ثلاثة، ونقل منها ترجمتين اثنتين.
стр. 9
ونحن نزيد على ذلك أنه ربما كان في نيّة الغزي أن يؤلف جزءا خامسا يشتمل على الباب الرابع من الكتاب، بحسب تقسيمه هو لأبواب كتابه.
ومهما يكن من أمر فقد بذلت مساع كثيرة للحصول على الجزء الرابع المفقود أو للعثور عليه، ولكن تلك الجهود ذهبت أدراج الرياح، وتبددت الآمال المنشودة.
ولا بد من الإشارة إلى أن الغزي قد اعتمد في تأليف كتابه على مصادر كثيرة، مطبوعة ومخطوطة. في التاريخ والاجتماع، والأدب واللغة، ذكر بعضها في مواضع من كتابه، وأغفل بعضها الآخر. ويعد كتابه «نهر الذهب» - إلى جانب كونه في تاريخ حلب- موسوعة ثقافية واجتماعية وعمرانية تتلاقى فيها صور الماضي الغابر بالحاضر الراهن في زمن الغزي، وكثيرا ما كان يستطرد إلى ذكر موضوعات جانبية مفيدة في أثناء تناوله لبعض الظواهر، كحديثه عن التصوير في الإسلام، وعن قهوة البنّ واكتشاف حبّه أول مرة ...
وقد أنفق الغزي في سبيل جمع كتابه. وتأليفه سنوات طويلة من عمره، فقال في مقدمته:
«وبعد، فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب، وأصرف على تأليفه من نقد عمري وجوهر مالي ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها، وتصفحت زهاء مائة مجلّد من السجلات المحفوظة في المحكمة الشرعية، وتكبدّت عناء زائدا في الاطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية، وعلى ما هو مدّخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرّقاع.. وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار أضطرّ في بعضها إلى تحمل مشاقّ الأسفار، لأتمكن من الاطلاع على حقيقة حالها، وأكتب عنها كتابة تحقيق، لا كتابة تقليد وتلفيق» .
يقول الدكتور سامي الدهان «١» : «والواقع أن الذي يميز هذا الكتاب من سواه، أن صاحبه أعمل فيه الرويّة والعقل، والنقد والتمحيص، والتثبت والتبويب، أكثر مما يعمل النقل والتقليد والرواية على علاتها، فكان تاريخا على الطريقة الحديثة سبق به زمانه، وكفى المؤلفين بعد زمانه مؤونة التأليف في مثله، فقد نظر في المصادر العربية القديمة، واستطاع أن يعرف ما في المصادر الأجنبية عن سبيل أصدقائه من الفرنجة المقيمين بحلب، أو المسيحيين المطّلعين على
стр. 10
خزائن الغرب في هذا الموضوع. وكان الرجل متسامحا أشد التسامح، يأخذ عن المصادر المختلفة، من أي جهة كانت» .
أما أسلوب المؤلف في كتابه فإنه سهل واضح، وبعيد عن الصنعة والتأنق، وتلك سمات النثر التأليفي الذي يتناول به صاحبه موضوعات اجتماعية وتاريخية وعمرانية وما إليها، وربما وجدنا في الكتاب أحيانا فقرات تبدو عليها مسحة فنية من التأنق، وغلالة رقيقة من الصنعة، وهذا ظاهر في مقدمات أجزاء الكتاب، أو في نصوص وقفية طلب من الغزي إنشاؤها في مناسبات خاصة، فيأتي أسلوبه فيها على طريقة كتاب عصره آنذاك.
وظاهرة أخرى نجدها في كتاب الغزي، تلك أنه يترخّص في بعض التعابير أحيانا، وقد يتساهل في الالتزام بقواعد اللغة والرسم (الإملاء) ولا سيما كتابة الهمزة في وسط الكلمة، وربما تصرّف في بعض النصوص التي ينقلها. عرفنا ذلك من مقابلة تلك النصوص بأصولها القديمة التي لم يكن لها في عصره إلا طبعة وحيدة. وهو تساهل مألوف لدى كثير من المؤلفين، ولا سيما المتأخرين منهم.
والحق أن كتاب «نهر الذهب» ذو قيمة كبيرة، ويتجلّى فيه الجهد الوافر، والعمل الشخصي، والابتكار الظاهر، مع تخير وانتقاء، ونقد وتمحيص، دون أن يكتفي صاحبه بالجمع من المصادر وحدها، ولا غنى عنه لكل باحث أو دارس في تاريخ حلب خاصة، وسورية الشمالية عامة، ولا يغني عنه غيره، على الرغم من كثرة ما ألف عن حلب، كتبه عالم جليل سعى جهده ليكون كتابه شاملا لأحوال حلب في شتى المجالات والعصور، فجاء مرجعا مهما لكل من يريد الإحاطة بتاريخ حلب السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والفكري، وما فيها من الآثار والأوابد، وما طرأ عليها من تطور حتى الربع الأول من القرن العشرين.
ولا شك أن مدينة حلب ومختلف مرافق الحياة فيها قد تبدلت اليوم وتطورت كثيرا عما كانت عليه في زمن الغزي، بعد مرور سبعة عقود من السنين، وهذا كله يقتضي تأليف كتاب آخر ينهض بما استجدّ من ألوان الحياة والعادات والعمران والثقافة والاقتصاد والزراعة وما إلى ذلك. وكان بودنا أن نضيف ذلك في تعليقاتنا على الكتاب، ولكننا وجدنا في ذلك إثقالا وإملالا للقارىء، وتضخيما لحجم الكتاب بما لا مسوّغ له. فاكتفينا بما هو ضروري من تلك
стр. 11
التعليقات «١» - والكتاب خال منها تماما- إذ كانت النية في أول الأمر طبع الكتاب بطريقة التصوير، ثم وجدت «دار القلم العربي» أن إخراج الكتاب بحلة طباعية جديدة، وتحقيق جديد، فيه نفع كبير للقرّاء والباحثين، بدلا من أن تبقى أجزاء الكتاب كما كانت عليه قبل سبعين عاما، وقبل ظهور الطباعة التقنية الحديثة.
وعندئذ كان لا بد من تصحيح ما وقع في الطبعة الأولى من أخطاء مطبعية، وسهو في الالتزام بقواعد الرسم والإملاء، أو وقوع في أغلاط عارضة، فضلا عن القيام بشرح العبارات والألفاظ التي تحتاج إلى ذلك، وتوضيح بعض الجوانب التاريخية والآثارية في المواضع التي تقتضي هذا التوضيح، مع توخي الإيجاز والاختصار. كما عدنا إلى ما استطعنا الوصول إليه من مصادر المؤلف لمقارنة النصوص الشعرية والنثرية التي أوردها، وتدارك ما وقع فيها من تحريف أو خلل أو نقص، وأشرنا في حواشي الكتاب إلى ما هو مهم وضروري، من ذلك، وأغفلنا الإشارة إلى ما هو ثانوي ولا يخفى تصويبه أصلا على القارئ.
ذلك مبلغ الجهد الصادق في خدمة كتاب «نهر الذهب» ، نشرا وطباعة، وتصحيحا وتحقيقا، وضبطا وتعليقا، ونرجو أن نكون عند حسن ظن القراء والباحثين.
والله الهادي إلى الإخلاص في القصد، والسداد في القول.
حلب في: ٤ من ذي الحجة ١٤١١ هـ ١٦ من حزيران ١٩٩١ م المحققان الدكتور شوقي شعث الأستاذ محمود فاخوري
стр. 12
كتاب نهر الذّهب في تاريخ حلب تأليف كامل البالي الحلبي الشّهير بالغزّي الجزء الأوّل
стр. 13
[مقدمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الأول والآخر، والظاهر والباطن، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وهو الذي يمنح السراء، ويدفع الضرّاء، ويحقق الرجاء، ويجزل العطاء. يغفر الذنب، ويقبل التوب، ويمحو الحوب «١» ، ويستر العيوب، ويكشف المكروب. وينعم بالراحة بعد اللّغوب «٢» .
لا راد لما قضاه، ولا معاند لما ارتضاه. فليس بالإمكان، أبدع مما كان. جعل لكل نبأ مستقرا. ولكل شيء في حكمته البالغة مظهرا ومستسرا. وزّع على عباده السعادة والشقاء، والراحة والعناء، والعسر واليسر، والنفع والضر، والخذلان والنصر.
وشاء في قدره المحتوم، وعلمه المكتوم، أن يكون منهم الظالم والمظلوم، والحاكم والمحكوم. ثم أورد الكل مورد الفناء والعدم، وتفرد سبحانه بالبقاء والقدم.
وصلى الله وسلم على محمد بن عبد الله، حبيبه ومجتباه. نبي قص علينا ما فيه عبرة لنا فبلّغ وصدق، كما قص الله عليه من أنباء ما قد سبق. بشّر من اتبعه ووالاه، وأنذر من خالفه وناواه. وعلى آله وأصحابه الأطهار، رواة الأخبار، وحملة الآثار.
وسلم تسليما كثيرا.
وبعد فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب، وأصرف على تأليفه من نقد عمري، وجوهر مالي، ما يستكثر مثله من أمثالي. وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها، وتصفحت زهاء مائة مجلد من السجلّات المحفوظة في المحكمة الشرعية وتكبدت عناء زائدا في الاطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية. وعلى ما هو مدخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرقاع الخصوصية التي سطرها
стр. 14
ذووها في بعض شؤن تاريخية، ذات أهمية عظيمة في وقتها. فكنت لا أصل إلى ما يهمّني أمره من بعض هذه المواد، إلا بعد عناء شديد ونفقة باهظة.
وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار، أضطر في بعضها إلى تحمل مشاقّ الأسفار.
لأتمكن من الاطلاع على حقيقة حالها، وأكتب عنها كتابة تحقيق، لا كتابة تقليد وتلفيق.
لم أزل مثابرا على هذا العمل، لا يعوقني عنه عائق، ولا يصرف همتي عنه صارف حتى يسرّ المولى لي إتمام هذا الكتاب اللابس من المحاسن أجمل جلباب فجاء بحمد الله تعالى تاريخا مفردا في بابه، فائقا جميع أترابه، من الكتب التاريخية الحلبية، جامعا أشتات ما تفرق فيها على اختلاف نزعاتها وأساليبها. فإنه جمع بين ذكر أخبار حلب وملحقات ولايتها وبين ذكر أخيارها وآثارها غير مقتصر على ذكر واحد منها، كأكثر التواريخ الحلبية السابقة.
وكنت كلما هممت بطبع هذا الكتاب وتدوينه إجابة لإلحاح الكثيرين المتشوقين إليه، عارضني بذلك سوء الظن باستحساني إياه، كمن قيل فيه:
ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون
وناجاني وحي الضمير بقوله: لا تعجل بذلك، فعسى أن يكون استحسانك هذا من باب افتتان الرجل بشعره، وإعجاب المرء ببضاعته، أو هو من قبيل المثل: (القرنبى في عين أمها حسنة) «١» وحينئذ أضرب الصفح عن طبعه وتدوينه. وآخذ بالبحث عن طريقة أصل بواسطتها إلى معرفة حقيقة هذا الاستحسان: أهو حقيقي أم هو نوع من ذلك الافتتان. فلم أر في الوصول إلى هذا الغرض بعد البحث الطويل عنه- سوى طريقة واحدة، ألا وهي عرض الكتاب على كل من رغب بالاطلاع عليه، فكنت لا أضنّ بعرضه على كل وارد وصادر أتوسّم فيه سلامة الذوق، وصحة الانتقاد، وسجية الإنصاف، حتى عرضته على الجمّ الغفير من الذين عرفوا بممارسة التاريخ والوقوف على دقائقه، وكشف غوامضه. فكنت لا أسمع من كل من وقف عليه. وقرأ منه فصولا في
стр. 15
مواضيع مختلفة- سوى عبارات التقريظ والإطراء وإسداء الشكر والثناء. واستنهاض همتي لطبع هذا الكتاب وتدوينه بكل سرعة، حرصا على ثمالة «١» ما بقي من حياتي قبل نضوبها، كيلا يؤول أمر مسودة هذا الكتاب إلى الإهمال والضياع.
على أن لي الأمل الوطيد، أن يتلقى عشاق التاريخ، كتابي هذا برحب صدر، ويقبل عليه نصراء العلم وأعوان أهله إقبالا يذكر فيشكر، ولا سيما منهم أبناء الوطن العزيز.
فهم أولى من جميع الناس بالإقبال عليه. لأنه يخدم وطنهم المحبوب الذي حبّه بلا ريب من أقدس واجباتهم. كما نوه بذلك الخبر المأثور «حب الوطن من الإيمان» ، وكما قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: (لولا محبة الأوطان لخربت) . وحكمة ذلك أن محبة الشيء تبعث على حفظه. وصيانته وجرّ النفع إليه ودفع الضرر عنه، وهي مقاصد لا تكون إلا بعد معرفته والاطلاع على محاسنه، إذ محبة المجهول غير معقولة، بل قد يكون الجهل بالشيء مدعاة إلى بغضه وكراهيته، على حد قول القائل: (المرء عدوّ لما جهل) .
وإني لأعجب من طلاب العلوم العمرانية العصرية. من أهل بلادنا إذا سألت أحدهم عن شأن من شؤون الممالك الغربية أجابك عن سؤالك بما يبلّ الغليل ويشفي العليل. وإذا سألته عن أقل شأن من شؤون وطنه أجابك عن سؤالك بالسكوت أو بقوله: لا علم لي بما تسألني عنه. ومعلوم أن الواجب على ساكن الدار أن يعلم أولا حقيقة داره وما اشتملت عليه من المحاسن والمساوي، ليعدّ لكل معنى عدّته. ويأخذ لكل شأن من شؤونها أهبته. ثم يتوسع بالعلم فيعلم حقيقة دار جاره، وما حوته من المحاسن والمساوي، استعدادا لطارىء يحوجه إلى أن يكون بها عالما وبشؤونها عارفا.
كنت شرعت بتأليف هذا الكتاب على صفة مفصلة مطولة، فجاءت مقدمته فقط في مجلد ضخم يستوعب نحو ألف صحيفة. فرأيت أنني إذا سرت بتأليفه على ذلك المنهج جاءت جملة الكتاب في نحو خمسة مجلدات ضخمة، مما يفضي إلى ملل القارئ. فعمدت إلى الاختصار ونحوت في تأليفه هذا المنحى وسميته «نهر الذهب في تاريخ حلب» ورتبته على مقدمة وأربعة أبواب:
فالمقدمة في الكلام على عدة أمور لا يتمكن القارئ دونها من الوقوف على ما انطوى
стр. 16
عليه المكان المؤرخ من حقائق صفاته الحسية والمعنوية التي اعتبر معرفتها مؤرخو هذا العصر من أهم الأمور التاريخية. على أن عامة المتقدمين ممن ألف في تاريخ حلب لم يتعرضوا إلا إلى القليل مما تضمنته هذه المقدمة. كما ستقف عليه قريبا. وسنتكلم على موضوع كل باب من بقية الأبواب في مقدمته إن شاء الله تعالى.
تنبيه: حيث ذكرت السنة مجردة عن الوصف فمرادي بها السنة الهجرية. ومتى أطلقت اسم الشهر الشمسي فمرادي به أحد شهور السنة الرومية الشرقية التي كانت معتبرة عند الدولة العثمانية في ماليتها وهي: (آدار أو مارت) وهو أول السنة، (نيسان) ، (هيار أو أيار أو مايس) ، (حزيران) ، (تموز) ، (آب أو أغستوس) ، (أيلول) ، (تشرين الأول) ، (تشرين الثاني) ، (كانون الأول) ، (كانون الثاني) ، (شباط) .
ومتى أطلقت اسم كيل أو وزن أو مقياس، فمرادي به ما هو مستعمل في أيامنا في حلب، الذي سنتكلم عليه في فصل الأوزان والكيول والمقاييس، كما أن مرادي من القرش واللّيرا أو الذهب العثماني ما سأذكره عنها في الذيل الذي أثبتّه آخر الفصل المذكور. وإذا أطلقت اسم الميل فمرادي به المقياس الفرنجي المعروف باسم (كيلو متر) ، كما أن مرادي من الذراع هو الذراع المعماري المنوّه عنه في جدول الأوزان والكيول الآتي ذكره.
هذا وإن الدولة العثمانية كانت، قبل سنة ١٢٧٩ هجرية، مقتصرة في سجلاتها ومعاملاتها المالية على اعتبار التاريخ الهجري. ثم لما رأت لزوما لأن تضع لها موازنة مالية لضبط دخل الدولة وخرجها، اضطرها تبدل الفصول واختلاف أوقات المحاصيل إلى اعتبار تاريخ شمسي تستورد فيه مرتباتها العشرية وغيرها في أوقات معلومة مضبوطة فعولت على استعمال التاريخ الشمسي الشرقي المذكور. وصادف ابتداء استعماله سنة ١٢٧٩ هجرية.
فصارت تؤرخ به المعاملات المالية من ذلك الحين.
أعلام الرجال الموضوعة بين قوسين، لهم تراجم في باب تراجم الأخيار، فلتراجع هناك.
стр. 17
تواريخ حلب
عقدنا هذا الفصل قصد إعلام القارئ ببعض الكتب التي أخذنا منها قضايا تاريخنا هذا، فنستغني بذلك عن عزو المسائل إلى مآخذها، فنقول: أول من صنف تاريخا خاصا بحلب، ابن أبي طي (يحيى بن أبي حميدة) الحلبي، وسماه معادن الذهب، وهو تاريخ كبير، وله ذيل عليه كما حكاه بعض المؤرخين. ثم تبعه كمال الدين أبو حفص (عمر بن أبي جرادة) العقيلي المعروف بابن العديم الحلبي، فألف تاريخا جمع فيه تراجم أعيان حلب على ترتيب الأسماء وسماه «بغية الطلب في تاريخ حلب» وهو يبلغ نحو أربعين جزءا «١» وقد اخترمته المنية قبل إكمال تبييضه وكان انتزعه من كتابه الذي سماه «زبدة الحلب في تاريخ حلب» أحضرت منه قطعة طبعت في باريس، سطرت فيها بعض حوادث حلب من يوم فتوحها عن يد المسلمين إلى سنة ٣٣٦ وهي زبدة مشوبة بعدة أغلاط.
قال في كشف الظنون: وقد ذيل على بغية الطلب اليونيني اه. وذيله أيضا القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن سعيد الجبريني الشافعي الشهير بابن خطيب الناصرية المتوفى سنة ٨٤٣، وسمى الذيل: «الدر المنتخب» وهو معجم في تراجم الرجال في مجلدين ضخمين، ظفرت بهما.
قال في در الحبب ما ملخصه: ولما طالعه الحافظ أبو الفضل أحمد بن محمد المعروف بابن حجر العسقلاني حين قدومه إلى حلب سنة ٨٣٦ ألحق فيه أشياء كثيرة كما ذكره في ديباجة كتابه المشهور «بإنباء الغمر بأبناء العمر» وأثنى على صاحبه اه. قلت وما زاده العسقلاني على الدر المنتخب سماه الكواكب المضيّة، ذيل تاريخ ابن خطيب الناصرية.
وقد ظفرت به تماما وهو جزء صغير.
وذيل الدر المنتخب أيضا موفق الدين أبو ذر (أحمد بن إبراهيم) الشهير بسبط العجمي
стр. 18
الحلبي، وسمى ذيله «كنوز الذهب» ضمنه ذكر الأعيان والحوادث والآثار، ظفرت به مخطوطا بخط مشوّه جدا، هو خط المؤلف، وقد ذيل عليه رضي الدين (محمد بن إبراهيم المعروف بابن الحنبلي) ، وسمى ذيله «در الحبب» وضمنه ذكر الأعيان مرتبا أسماءهم على الحروف، وهو في مجلد وسط «١» ، ظفرت به. وقد اقتصر فيه على ذكر أعيان سبعين سنة فقط وهي من سنة ٩٠٠ إلى سنة ٩٧٠. ومن تواريخ حلب كتاب حضرة النديم من تاريخ ابن العديم. انتزعه من بغية الطلب (الحسن ابن حبيب الحلبي) . ومنها معادن الذهب في الأعيان الذي تشرفت بهم حلب (لأبي الوفاء بن عمر العرضي) وقد تكلمنا عليه في ترجمة مؤلفه. وهو مجلد صغير ظفرت بقسم منه. ومنها تاريخ باللغة الإنكليزية خاص بالكلام على طبيعة تربة حلب ونباتاتها وحيواناتها وغير ذلك، وهو في مجلدين أولهما تأليف باترك روسل، وثانيهما تأليف أخيه اسكندر، قدم حلب بعد وفاة أخيه المذكور ليخلفه فيها بوظيفة طب أبناء جنسهما، وكان نجاز كتابهما المذكور سنة ١٧٥٣ م ١١٦٧ هجرية. وقد ظفرت بهذا الكتاب وطالعت معظمه بواسطة ترجمان.
ومنها تاريخ أبي عبد الله محمد بن علي العظيمي، على ما ذكره في كشف الظنون. ومنها تاريخ (بيشوف الطبيب الألماني) وسماه (تحفة الأنباء) في تاريخ حلب الشهباء، وسنتكلم عليه في الكلام على ترجمة مؤلفه. ومنها تاريخ محمد بن أحمد ابن محمد المعروف بابن المنلا، تعرض فيه لمن حكم حلب من زمن فتوحها إلى زمن الحاج إبراهيم باشا وذلك إلى سنة ١٠٨٠ وقد وقفت منه على كراريس متخرمة. ومنها تاريخ لرضي الدين، المعروف بابن الحنبلي المتقدم ذكره، انتزعه من بغية الطلب وسماه الزبد والضرب. ومنها بعض كراريس في تراجم الأعيان تنسب (لأبي المواهب أفندي ابن ميرو) وقد وقفت على مسودته.
تنبيه
المشهور بين الناس عندنا أن تاريخ حلب هو لابن الشحنة، فكلما حكى أحدهم خبرا عن أثر أو حادثة تتعلق بحلب نسبها إلى التاريخ المذكور، مع أننا لم نقف على تاريخ خاص بحلب مؤلف من قبل أحد بني الشحنة، والذي رأيناه منسوبا إليهم من التواريخ في تراجمهم
стр. 19
وفي كتاب كشف الظنون هو روضة المناظر أو الناظر أو النواظر في أخبار الأوائل والأواخر لمحمد بن محمد بن محمد بن محب الدين أبي الوليد ابن الشحنة، وهو المطبوع على الجزء الحادي عشر والثاني عشر من التاريخ الكامل لابن الأثير. ثم جاء بعده ولده محب الدين أبو الفضل، وصنف تاريخا سماه نزهة الناظر في روض المناظر، جعله كالشرح لتاريخ والده، وضمنه مصراعين، قسم بابهما إلى تسع طبقات، بعدد القرون التسعة، ذكر في كل طبقة منها حوادثها المشهورة على السنين ووفيات أعيانها المشهورين، على حروف المعجم، من غير تفريق بين الحلبيين وغيرهم. كما قسم أولاهما إلى ثلاثة فصول: الأول: في خلق آدم وما اتفق له ولأولاده. الثاني: في طبقات الأمم. الثالث: في الأمور المبشرة بظهور نبينا محمد ﷺ .
وألّف ذيلا آخر على روضة الناظر سماه اقتطاف الأزاهر.
ويوجد متداولا بين أيدي الناس كتاب مشهور عندهم بتاريخ ابن الشحنة «١» معظمه خاص في الكلام على حلب، وباقيه على بعض البلدان القريبة منها والداخلة في أعمالها.
وفيه أغلاط كثيرة مصدّر بخطبة أولها: «الحمد لله القديم الأزلي، الرحيم الأبدي، مكوّر الليل على النهار عبرة لأولي الأبصار» ... إلخ. وهي خطبة كتاب الدر المنتخب لابن خطيب الناصرية مع تحريف قليل وزيادة ونقص. وبعد هذه الخطبة يفتتح صاحبه بالبسملة، ثم يقول: وبعد فهذه نبذة انتخبتها من كتاب نزهة النواظر في روض الناظر إلخ. ثم يفتتح بالمقصود نقلا عن ابن الشحنة. ورأيت بعض النسخ من هذا الكتاب مصدرا بقوله: أما بعد فهذه نبذة انتخبتها مما انتخبه العلامة زين الدين أحمد بن علي بن الحسين ابن علي المعروف بالشغيفي، من تاريخ أقضى القضاة محب الدين إلخ. وعلى هذا فالكتاب المتداول المذكور منتخب من كتاب الشغيفي المنتخب من نزهة النواظر. ولعل منتخبه أبو اليمن البتروني، بدليل أنه يوجد في عدة مواضع من نسخة كانت عندي حواش ينسبها أبو اليمن المذكور إلى نفسه. ورأيت نسخة أخرى قد ذهب أولها ونقص منها مقدار عظيم.
وهي تختلف عن نسخة الشغيفي زيادة ونقصا، ظهر لي أنها مما انتخبه أحمد بن محمد المعروف
стр. 20
بابن الملا من كتاب نزهة الناظر وهي فيما أظن من مسودة بخط المؤلف، لأنه يوجد على هامشها كثير من التعاليق مختتمة بقول محررها: اه إبراهيم ابن أحمد بن محمد منتخب هذا التاريخ وكاتبه.
خلاصة ما ظهر لي في الكتاب الذي ينسبه الناس إلى ابن الشحنة ويزعمون أنه خاص بحلب: أن عددا غير قليل من الأدباء والعلماء أخذ كل واحد منهم خلاصة من ابن شداد وابن الشحنة وابن المنلا وأضافها «١» شيئا من عنده وعملها كتابا على حدته. ولذا لا ترى نسختين من هذا التاريخ مطابقتين لبعضهما مع كثرة عدد نسخ هذا التاريخ. أما كتاب محمد بن إبراهيم ابن شداد فكثيرا ما يظنه الناس أنه تايخ خاص بحلب مع أننا لم نقف على تاريخ منسوب لابن شداد سوى سيرة السلطان صلاح الدين وكتاب الأعلاق الخطيرة في تاريخ الشام والجزيرة «٢» . ومن التواريخ التي يتوهمها بعض الناس أنها خاصة بحلب: كتاب درة الأسلاك في دولة الأتراك، للحسن بن عمر المعروف بابن حبيب الحلبي مع أنه خاص بدولة الأتراك كما يعلم من تسميته. على أننا لا ننكر أن الحلبيين الذين ألفوا في التاريخ تكلموا في تواريخهم على ما يتعلق بحلب أكثر مما تكلموا على ما يتعلق بغيرها عناية منهم بها لأنها وطنهم. هذا ما أمكنني تحريره من الكلام على تواريخ حلب. والله أعلم.
تاريخان لحلب لمعاصرين فاضلين
أحدهما اعتنى بجمعه وشرع بطبعه صديقنا الفاضل (محمد راغب بن محمود) الشهير بالطباخ سماه (إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء) . والآخر يعتني بجمعه صديقنا الآخر الشاعر الأديب (ميخائيل بن أنطون) الشهير بالصقال. وقد تكلمنا على كل واحد من هذين التاريخين في ترجمة صاحبه التي نوردها في باب التراجم، فاكتفينا هنا بالتلميح إليهما.
стр. 21
أسماء مدينة حلب ووجه تسميتها باسمها الحالي
يقال إن هذه المدينة سميت باسم بانيها الأول وهو حلب بن مهر بن خاب «١» . قلت:
هذا الاسم لم نعثر عليه في كتاب معتبر، ولا سمعنا بمن تسمى به. وقيل: إنها سميت بقول العرب (إبراهيم حلب الشهباء) حينما كان مقيما في تل القلعة يحلب كل يوم بقرة له شهباء، ويوزع لبنها على العرب المخيّمين في جواره. وهذا الوجه في تسميتها هو المشهور عند أكثر الحلبيين. على أنه قد يكون له نصيب من الصحة إذا اعتقدنا أن العرب كانوا يترددون على هذا الصقع للميرة والكلأ كجري عادتهم، أو أنهم كانوا يقطنونه مع إخوانهم الآراميين فقد صرح هيرودت واسترابون وغيرهما من قدماء المؤرخين وبعض علماء هذا العصر أن قبائل عديدة من بلاد العرب أو من جانب خليج العجم ارتحلوا إلى سورية منذ قديم الأيام، فمن الجائز أن يكون هذا الصقع عرف عندهم بهذا الاسم أخذا من فعل الخليل ﵇، وإن كان له أسماء أخرى عند بقية الأمم، فإن اليهود يسمّون حلب في صكوكهم (أرام صوبا) .
هذا الاسم مذكور في القسم الستين «٢» من مزامير داود، وصوبا مذكورة في القسم الثامن من كتاب الملوك «٣» وفي القسم الثامن عشر من أخبار الأيام الأول وفي غيرهما.
ويقول بعض العلماء الإسرائيليين: إن كلمة صوبا محرفة عن صهوبه، ومعناها: البياض المشوب بحمرة وإن حلب وضواحيها تتراءى للمقبل عليها بيضاء حمراء لأن بناءها بالحوّار، ولوجود سباخ كثيرة في براريها فسميت بهذا الاسم. اه. قلت: سيأتي لنا في الكلام على قنّسرين أنها هي التي كانت تسمى صوبا. ويقال إن اليهود نقلوا اسمها القديم بعد خرابها إلى حلب. ويحتمل أن تكون كلمة صوبا آرامية ومعناها الناحية أو الطرف أو الموعد أو
стр. 22
المجتمع أو المنتهى. وهذه معان يوافق بعضها معاني الصوب في اللغة العربية. وعلى كل حال فإن أول من سكن صقع حلب هم الآراميون. وأما الكتابة الهيروكليفية في ظاهر الحجر الأسود في جدار جامع القيقان فهي لا تصلح أن تكون دليلا على أن أول من سكن حلب هم المصريون «١» إنما يستدل بها على مجيئهم إليها لا غير. وقد سماهم في «تحفة الأنباء» : العمالقة. وهو غلط. ولا شاهد على أنها كانت تسمى بلغتهم هلبون وهلبة إذ لم نسمعه ممن يعتدّ به. كما لا صحة لقول من قال: إن اليونان كانت تسميتها «خلبة» بالخاء المعجمة لعدم وجود الحاء المهملة بلغتهم إلا أن تكون كلمة «خلبة» تحريف حلب.
ولا يجوز أن يكون اليونان أخذوا هذا الاسم عن المصريين الذين كانوا يسمونها هلبة على رأي القائل به، فإن اليونان كانوا يسمونها بغير هذا الاسم، قيل هو برويا ومعناه البرّ يرى، وذلك لأن من كان في قلعة حلب يرى البرّ منها. لكن هذا إنما يصحّ فيما إذا كان هذا الاسم مركبا من كلمتين عربيتين وهو بعيد. وفي معجم ياقوت أن اسم حلب بالسريانية «باروّا» . وقرأت في وريقات تاريخية مطبوعة تنسب إلى حضرة البطريرك أفرام رحماني الثاني أن المقدونيين لما استولوا على بلاد سوريا أطلقوا على مدينة حلب اسم بروّا اقتداء باسم إحدى المدن اليونانية في بلاد «تراقي» غير أن الأهالي حافظوا على اسمها القديم اه.
فالمفهوم من هذا أن كلمة بارّوا أو بروّا يونانية لا سريانية، كما قال ياقوت. وأطلق كزانفون اليوناني تلميذ سقراط الحكيم كلمة «حلب» على جميع الصقع الممتد من أذنه إلى الفرات.
ويقال إن الصابئية كانت تسميها مابرغ «٢» . والصواب أن هذا أحد اسمي منبج. كما ستقف عليه في الكلام على منبج.
إن الأستاذ منكه الفرنسوي الجغرافي الشهير سماها في أطلسه التاريخي في خارتة آشور «يره بوليس» . (والصواب أن يره بوليس هو أشهر اسمي منبج القديمة في الدولة اليونانية) وفي خارطة بني إسرائيل حلب وأطلق لفظ أرام صوبا على كورة بين حلب وحماة.
قلت: الأقرب إلى الصواب أن يطلق هذا الاسم على كورة حلب نفسها، كما هو
стр. 23
المفهوم من أخبار الحروب التي أقامها داود مع ملوك صوبا، وكانت الكورة تضاف إلى قنّسرين التي كانت تسمى صوبا عند الإسرائيليين.
وأطلق الأستاذ منكه كلمة آرام نهرايم على كورة بين حلب والعراق. وهي الجزيرة وآرام دمسقو على كورة بين حماة ودمشق وسماها في خارتة الفرس في عهد دارا خلب بالخاء المعجمة. وأطلق لفظ برويا في خارتة انطاكية في عهد بانيها الأول أنطيكوس على الطريق المتوسطة بين حلب وانطاكية، وسماها في خارتة بوتينانوس حلب. ولم يزل يسميها بهذا الاسم إلى البعثة المحمدية.
قال بعضهم إن لفظة «حلب» محرّكة بلد بالشام، معرّبة عن «ألبّ» ، بكسر اللام وتشديد الباء. منقولة عن اسم مجددها «ألبيوس» الشهير من وزراء بوليانوس العاصي واسمها القديم بيريا. قلت: لا صحة لهذا لأن «ألبيوس» المذكور كان بعد المسيح ﵇ وقد علمت أنها كانت تسمى بهذا الاسم في عهد بني إسرائيل.
والذي أراه في هذه الكلمة وتطمئن إليه نفسي أنها سريانية محرفة عن «حلبا» بالألف ومعناها البيضاء، ثم حذفت ألفها بالاستعمال جريا على قاعدة المتكلمين باللغة السريانية من أنهم يحذفون هذه الألف في كلامهم، وأن إتباع حلب بكلمة الشهباء، التي معناها البيضاء، مما وضعه العرب كالتفسير لكلمة حلب، وأن السريانيين كانوا يسمونها بهذا الاسم لما كان يشاهد من بياض تربتها لكثرة سباخها ومادة حوّارها، ولأن عمائرها كانت تبنى بالحوار الأبيض المأخوذ من مغائرها القريبة منها كمغارة المعادي وباقي المغائر المعروفة فكانت مناظرها بيضاء كمناظر مدينة عينتاب والرها وغيرهما من البلاد التي ما زالت تبنى عمائرها من هذه المادة حتى الآن.
يؤيد أن لفظة حلب سريانية وجود محلات في نفس مدينة حلب لم تزل حتى الآن تسمى بأسماء سريانية، وهي: بنقوسا، وبحسيتا، اللتان «١» سنتكلم عليهما في الباب الأول بعد المقدمة. كما أن كثيرا من القرى التابعة حلب لم تزل أسماؤها حتى الآن سريانية.
كما سيرد عليك في محله والله أعلم.
стр. 24
جغرافية مدينة حلب
اعلم أن مدينة حلب جديرة أن تعد في مقدمة المدن العظيمة لحسن منظرها وحصانتها وتموّل أهلها وكثر تجارتها وعمرانها. وكانت ولم تزل محطّ رحال قوافل دمشق والبصرة وأصبهان وإسلامبول. وهي من أمهات مدن بر الشام وإحدى المدن الأصلية في أواسط آسيا. وولاية حلب تأخذ القسم الأعظم من سوريا. والقسم الذي هي فيه يسمى عند القدماء سوريا كوماجان. أي سوريا ذات الهضاب. ثم إن مدينة حلب يحدّها قبلة أراضي قرية الشيخ سعيد وصقلاية، وشرقا أراضي قرية النيرب، وغربا جبل الجوشن «١» ، وأراضي الحلبة وراء نهر قويق، وشمالا بساتين بابلي وبعاذين التي تنتهي إلى أراضي قرية حيلان. وهي واقعة في صعيد ينتهي طرفه الشمالي إلى جبال الشيخ زيات، والغربي إلى جبل الجوشن، والجنوبي إلى جبل الحوشن، والجنوبي إلى جبال الأحص «٢» ، وتبعد نهاية طرفه الشرقي. والبقعة التي قامت فيها أبنية مدينة حلب من هذا الصعيد يوجد فيها بعض ارتفاع وانخفاض من جهات متعددة ويصح أن يطلق على ما نشز «٣» منها اسم ربوة.
ويمكن حصره في سبع ربوات وهي: قلعة الشريف، وعقبة بني المنذر، عقيبة الياسمين، وغربي حارة الجلّوم، ومحلّة أوغل بك المعروفة أيضا باسم باب الأحمر، والكلتاوية، وبندرة اليهود. على أن الجهة الجنوبية والشمالية من هذه البقعة متوازيتان بالارتفاع، ولربما زادت جهتهما الشمالية على جهتهما الجنوبية ارتفاعا. وهاتان الجهتان تأخذان بالانحطاط حتى يستقر قرارهما في محلة الجلّوم وما قاربها من المحلات الداخلة في السور، سيّما الجامع الأموي، فإنه في مطمئن عظيم، كما هو مشاهد. وادعى بعض الناس أن رأس منارة الأموي يوازي عتبة باب محلة أوغل بك.
стр. 25
ثم إن محيط سور هذه المدينة يبلغ نحو ثمانية أميال «١» ، وأما محيطها خارج السور فربما زاد على خمسة عشر ميلا. ونهرها المعروف بنهر قويق وافد عليها من جهة شمالها آخذ إلى جنوبها وغربيّها ساقيا ما على حافتيه من البساتين التي تستوعب مسافة أربع ساعات طولا من قرية حيلان إلى منتهى أراضي قرية الوضيحي. وإذا نظرت إلى المدينة وأنت مقبل عليها من أي جهة كانت، تراءت لك عروسا من عرائس البلدان، قد حفّتها البساتين من غربيها وبعض شماليّها. وكروم العنب وبساتين التين والفستق والزيتون من بقية جهاتها. وقام في وسطها قلعتها المشهورة كملك عظيم، حفت به الجواري الحسان التي هي منارات المدينة البديعة المنظر، خصوصا في ليالي المواسم الدينية، فإنها تكون فيها منوّرة بالمصابيح التي تحاكي النجوم الزواهر. وربما تتراءى القلعة المذكورة وبعض المنارات من بعد ثلاث ساعات من أكثر الجهات التي تقبل منها على حلب. وقد تشاهد منارة القلعة وقت الغروب من جبل الزاوية الواقع على سفحه قصبة ريحا.
ساحات حلب وخراباتها
يوجد في مدينة حلب عدة ساحات، أعظمها «ساحة برية المسلخ» خارج باب النيرب، شرقّي الخندق الرومي الذي كان محيطا بسور البلدة. وقد عمر الآن في بعض جوانبها بيوت ودكاكين وفرن ومسجد وميدان. وهذه الساحة هي سوق تجار الغنم والجمال.
ومن الساحات المشهورة: «ساحة الملح» وكانت تسمى الميدان الأسود. وهي داخل باب النيرب تجاه جامع ألتون بغا. «وساحة بزّي» داخل باب المقام وقد عمر أكثرها دورا وحوانيت متنوعة. «وساحة التّنانير» خارج باب النصر في قرب حارة الجديدة إلى شرقيها وغربي قسط المشط. وهذه أيضا عمر أكثرها ولم يبق منها إلا القليل. ويوجد بمدينة حلب عدة خرابات فسيحة خربت من مرور الحوادث كالزلازل والحرائق، وأعظمها خرابة تحت القلعة تبلغ مساحتها زهاء خمسين ألف ذراع شطرنجي. وكانت مزدحمة بالأبنية العظيمة كالحمامات والخانات والمدارس والمساجد. كما ستقف عليه في باب الآثار إن شاء
стр. 26
الله تعالى. ومن الخرابات التي هي داخل حلب أيضا خرابة تتصل بالخرابة المتقدم ذكرها من درب الحزيزاتي، وتعرف بخرابة إسماعيل باشا. وتبلغ نحو عشرة آلاف ذراع شطرنجي.
وقد عمرت في هذه الأيام دورا وحوانيت، ولم يبق منها سوى القليل، ويوجد منها جانب عظيم جار في أوقاف جامع منكلي بغا المعروف بجامع الرومي، وبقيتها مملوكة لبعض الناس.
حدود ولاية حلب
ولاية حلب باعتبار ما يتبعها من المدن والقصبات والقرى، التي ترجع حكامها إلى أوامر حكام حلب أيام الحكومة العثمانية، يحدّها من جهة الجنوب لواء حماة من ولاية سورية التي مركز واليها مدينة دمشق الشام. ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ثم ولاية أذنة.
ومن الشمال ولاية سيواس. ومن الشرق ولاية ديار بكر، وولاية معمورة العزيز ولواء الزور، الذي سنتكلم عليه في الباب الذي عقدناه في الكلام على البلدان التابعة ولاية حلب، فولاية حلب تستوعب مسافة طولها من الشرق إلى الغرب خمس وثمانون ساعة وعرضها من الجنوب إلى الشمال تسعون ساعة. وهذه المسافة كان يحكمها من قبل الدولة العثمانية وال مركزه حلب، وتنفذ أوامره إلى متصرّفين اثنين وثلاثة عشر وكيلا يعرف بالقائمقام.
أما المتصرفان فمركز أحدهما مدينة الرّها وأوامره تنفذ إلى ثلاثة وكلاء، ومراكزهم:
سروج وقلعة الروم والبيرة. وفي سنة ١٣٢٨ قرر مجلس النواب فصل هذه المتصرفية عن ولاية حلب واستقلالها بالمخابرة توا مع استانبول. ومركز المتصرف الثاني مرعش وأوامره تنفذ إلى أربعة وكلاء مركزهم: الزيتون والبستان وأندرين وبازارجق. وأما الثلاثة عشر وكيلا فتتبع لواء حلب ومراكزهم: قصبة إدلب وبيلان ومنبج ومعرّة النعمان وعينتاب وإسكندرونة والباب وحارم وانطاكية وجسر الشغر، وكلّز ودارة عزة وتعرف بقضاء جبل سمعان، وقد رتب لها وكيل جديد. والمركز الثالث عشر الرقة وكانت تابعة متصرفية الزور، ثم ألحقت بلواء حلب. وسنثبت في عدد سكان كل لواء وقضاء جداول يعلم منها حدود الولاية على وجه الضبط والتحقيق.
ثم إن كل واحد من هؤلاء الوكلاء تنفذ أوامره إلى عدة مديرين مراكزهم في نواحي الإقليم الحاكم عليه ذلك الوكيل، وكل واحد من هؤلاء المديرين تنفذ أوامره إلى عدة من مختاري القرى التي في ناحيته. وجميع مديري نواحي الولاية نحو سبعة عشر مديرا وجميع
стр. 27
القرى التابعة مراكز حكامها نحو ثلاثة آلاف وثلاثمائة وأربع وسبعين قرية. وسنتكلم في الباب الثالث إن شاء الله تعالى على بعض مراكز المتصرفين والقوّام وبعض المديرين.
أما حدود حلب باعتبار ما كان يتبعها من المدن والقصبات والقرى، التي ترجع حكامها إلى أوامر حكام حلب في الأزمان السالفة فذلك شيء يعسر ضبطه جدا. فإن أعمال حلب في تلك الأزمان كانت تتغير زيادة ونقصا كلما تغير عمالها غالبا، ولربما تغيرت زيادة ونقصا في أيام عامل واحد فقط كما يعلم ذلك من تتبع أخبارها في هاتيك الأيام.
ونقل ابن الشحنة عن ابن شداد ما ملخصه أن أعمال حلب كانت تنتهي من جهة الجنوب إلى قرب حمص وكانت حماة من أعمالها. قال: وأما الآن فانفردت حماة عنها وصار بين حدود حلب وحماة بعض أميال، وحدها شرقا الفرات وشمالا دروب الروم وغربا البحر الأبيض. قال: وكانت قبلا تنتهي إلى حدود حمص، ثم إلى جبلة واللاذقية وإلى قرية بقربهما تعرف بالقرشية. وفي معجم البلدان لياقوت أن ما بيد ملكها في أيامه مسيرة خمسة أيام من المشرق إلى المغرب، ومثل ذلك من الجنوب إلى الشمال، وملكها في تلك الأيام هو الملك العزيز.
حدود دولة حلب
ولاية حلب صارت تدعى منذ سنة ١٩٢٠ م دولة. قال في كتاب المجموعة السنوية لغرفة تجارة حلب ما مؤداه مع المحافظة على لفظه: بناء على مرسوم رئيس الجمهورية بتاريخ ٨ تشرين الأول سنة ١٩١٩ ومرسوم أول أيلول سنة ١٩٢٠ تقرر أن تكون تخوم ولاية حلب:
شمالا: التخوم الشمالية لسنجق إسكندرونة المستقل، كما كان محددا من المنطقة الغربية من الأراضي المحتلة ثم التخوم الشمالية للمنطقة الغربية القديمة، آخر نقطة منها تلتقي بالخط الحديدي شرقي محطة هلمن. ثم خط الحديد، وهو داخل التخوم حتى تل أبيض، ثم خط يجمع بين تل أبيض وخابور.
شرقا: نهر الخابور حتى انصبابه في الفرات ثم نهر الفرات حتى أبو كمال.
جنوبا: الخط المعروف بأبو كمال إلى تدمر ثم الحدود الغربية الشمالية لولاية الشام العثمانية
стр. 28
القديمة. وتبقى كذلك إلى أن تحدد بدقة تعديات القبائل والرحالة المجاورة لجانبي هذا الخط.
ثم الحدود الشمالية للأراضي العلوية المعينة بموجب القرار عدد ٣١٩ في ٣١ آب سنة ١٩٢٠ وابتداء من النقطة حيث تلتقي بتخوم ولاية دمشق.
غربا: البحر المتوسط.
كيف تألفت دولة حلب
تألفت هذه الدولة من ثلاثة ألوية: وهي لواء حلب، ولواء اسكندرونة المستقل، ولواء دير الزور.
يتألف لواء حلب من عشرة أقضية. هي: قضاء جبل سمعان وعزاز والباب ومنبج وجرابلس والمعرة وإدلب وحارم وجسر الشغر وكردطاغ.
ولواء إسكندرونة من قضاء انطاكية وبيلان.
ولواء دير الزور من قضاء أبو كمال وميادين والحسيجة والحميدي والرقة.
بحيرات ولاية حلب
بحيرة قلعة المضيق
في ولاية حلب بحيرات كثيرة أعظمها بحيرتان: إحداهما بحيرة كانت تعرف قديما ببحيرة أفامية وتعرف الآن ببحيرة قلعة المضيق، ومحلها قريب من جسر الشغر، بينهما مرحلة وماؤها حلو يأتي إليها من نهر العاصي، وهي عدة بطائح تفوق الحصر بين غابات من الأقصاب، وماء العاصي يدخل إليها من جنوبها ويخرج من شمالها وأرضها موحلة وقعرها قريب من قامة الإنسان، يحيط بها القصب والصفصاف. وفي وسطها كثير من جمم القصب «١» والبردي. وفي أيام الربيع ينبت فيها النيلوفر الأصفر حتى يغطي جميعها، وتبقى المراكب سائرة بينه، ويأتي إليها من طيور الماء ما لم يكن مثله في شيء من البحيرات.
стр. 29
ومساحة هذه البحيرة نحو ميلين في مثلهما، ويصاد منها من سمك الحياة والسّلور، وهو السمك الأسود الأملس ما لم يصد مثله من غيرها كثرة ويكون أوان صيده في فصل الشتاء.
بحيرة أنطاكية
والبحيرة الأخرى بحيرة أنطاكية منبسطة على أراض تعرف بالعمق، على بعد يومين من حلب في غربيّها محاطة بأطراف جبل طوروس وجبل أومانوس والجبل الأعلى وجبل سمعان، وطولها عشرون ميلا وعرضها تسعة أميال، يصب إليها من شماليها ماء نهر عفرين والنهر الأسود ونهر يغرا. ويخرج من جنوبها نهر واحد يتصل بالعاصي تحت جسر الحديد على بعد ميل من أنطاكية. وقرب هذا النهر مصائد للسمك يعرف واحدها باسم (داليان) جارية في تصرّف جماعة معلومين، وفي أواسط هذه البحيرة جزيرة عظيمة يسكن فيها عدد كبير من الأعراب الذين يعانون تربية الجاموس، ويقال لهم جمامسة. والظاهر أن هذه الجزيرة صناعية بدليل سياج قصير حجري عظيم يطيف بها من أسفلها.
في هذه البحيرة من الطيور والأسماك مثل ما في بحيرة قلعة المضيق، غير أن سمك السلور في هذه البحيرة يكون أكبر وأكثر.
كلتا البحيرتين يضمنهما الناس من الحكومة مسانهة «١» بمبالغ لا تقل عن ألف ذهب عثماني، وينقل منها السمك إلى حلب وغيرها مملوحا وغير مملوح.
جبال الولاية
جبل الثلج وجبل لبنان وجبل اللكام جميعها متصلة ببعضها. وقد يطلق جبل اللكام على السلسلة الجبلية الممتدة من جبال أومانوس من الشمال إلى الجنوب، حتى تجاوز صهيون والشغر والقصير، وتنتهي إلى أنطاكية وهناك تنقطع، ويمر بالعاصي بين منتهى هذه السلسلة وبين جبل موسى المشتمل على قرى الأرمن التابعة قضاء أنطاكية. وإذا كانت هذه السلسلة عند أفامية قابلها جبل آخر يسمى هناك جبل شحشبو «٢» نسبة إلى قرية في طرفه الجنوبي
стр. 30
في قضاء المعرة. ويمتد جبل شحشبو من الجنوب إلى الشمال فيمر على غربي المعرة وسرمين ثم يأخذ غربا ويتصل بجبال الأناضول.
هذه السلسلة الجبلية هي الفاصل بين الأناضول وسورية غير بر الشام، وأكثرها مستور بأنواع الأشجار الجبلية. والجبل المعترض بين لبنان من هذه السلسلة «١» هو المعروف باسم كاورطاغ يرتفع عن سطح البحر ألفي ذراع. وكان يسمى قديما جبل أومانوس. ومن هذه السلسلة قسم يعرف بجبل بيلان وجبل بيلان وجبال القصير متصلة به، ويتصل به أيضا الجبل الأقرع، وكان يسمى جبل كاسيوس نسبة إلى كاسيوس اليوناني فاتح سوريا واسمه بالعبرانية جبل حالاق. لخلوّ قمته من النبات. وهذا الجبل وجبل أومانوس يظهران من حلب في وقت الصحو. ويتصل بسلسلة جبل طوروس في ولاية حلب جبل آخور المؤلّف من جبال زيتون ومرعش وجبل الأكراد وجبل قره بيقلي المعترض في بطائح عنتاب وجبل الزاوية في قضاء إدلب، والجبل الأعلى في قضاء حارم، ويعرف قديما بجبل السّماق. والجبل الأسود في لواء أورفه.
أنهر الولاية
أعظم الأنهر التي تخترق ولاية حلب: نهر الفرات، أوله من سفوح جبال أرزنجان المعروفة قديما بجبال قاليقلا، على مقربة من ديامين في لواء بايزيد من ولاية الأرزن، وبعد أن يجري إلى قرب كيان معدني ينصب إليه نهر آخر يعرف في محله بنهر مراد، رأسه من مكان يعرف هناك باسم (بيك كول) أي ألف بحيرة. وبعد اقتران هذين النهرين ببعضهما يكون نهر عظيم يطلق عليه اسم الفرات فيأخذ إلى قرب ملاطية ثم إلى سميساط ثم يدخل إلى ولاية حلب في أيام الحكومة العثمانية من تجاه قلعة المسلمين المعروفة باسم روم قلعة، من جهة شماليها وغربيها، ثم يجري إلى البيرة من شماليها، وهناك يصل عرضه في الشتاء إلى ألف وستمائة ذراع، ثم يشرّق حتى يمر ببالس «مسكنة» وقلعة جعبر ثم الرقة فالرحبة فعانة فهيت، ثم يخرج إلى قضاء العراق وراء بغداد إلى الشرق ويلتقي مع دجلة في البطائح ويخرج منه أنهر كثيرة يطول ذكرها.
стр. 31
طول جريان الفرات من منبعه إلى انصبابه في شط العرب ستمائة وثلاثة وعشرون فرسخا. ويصب فيه بهذه المسافة زهاء ثلاثة ألف نهر وعين ما بين كبيرة وصغيرة. وعرضه يتراوح بين ٢٠٠ و ١٦٠٠. وعمقه ما بين ١٥ مترا إلى متر واحد باعتبار الفصول والمواسم.
ولهذا النهر في بعض السنين طغيان عظيم فيفيض على مسافة فراسخ في السهول المجاورة له. وقد يزرع أهل مسكنة والرقة وما والاهما غبّ هبوطه الذرة البيضاء فتخصب جدا.
وروى بعض المؤرخين أن ملوك نينوى منذ أربعة آلاف سنة كانت توزع مياه الفرات إلى عدة جداول تصرفها إلى زروعها حتى انقطع زمنا طويلا عن شط العرب. ولم يزل سكان شطوط الفرات، من مسكنة وما والاها، يسافرون فيه إلى بغداد وما والاها على ألواح خشبية يشدونها إلى بعضها بالحبال ويربطون في أسفلها مما يلي الماء ظروفا منفوخة. والأتراك يسمون ذلك كلكا ويسمى واحدها في اللغة العربية طوفا أو رمثا. وفي حدود سنة ١٢٩٥ سيّرت سفينة بخارية في نهر الفرات فلم تسلك فيه إلا في أيام فيضانه زمن الربيع، وكان سلوكها من البصرة إلى مسكنة فإذا رجع الفرات إلى حاله بطلت حركتها فيه لانكشاف الماء عن صخور تعارض السفينة المذكورة.
كان لا يوجد على هذا النهر في ولاية حلب جسر ولا قنطرة. إنما يجتاز منه إلى الجزيرة على الزوارق يضمن الناس ريعها من الحكومة. وقد خطر للحكومة التركية عدة مرات أن تجعل على هذا النهر عند البيرة جسرا من حديد، وكثيرا ما تفاوضت أيضا بفتح قناة من عند مسكنة إلى حلب فلم يتم لها ذلك. ثم في سنة ١٣٣٣ انتهى عمل الجسر الحديدي على هذا النهر عند جرابلس، كما ستقف عليه في أخبار السنة المذكورة من باب الحوادث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
السقاية من هذا النهر لا تكون بغير الكرد والدولاب، والغرّاف يجر الماء إليهما بواسطة ساقية ثم يرفع بواسطة هذه الأدوات.
стр. 32
نهر العاصي
ويقال له نهر حماة، ونهر الأرند، والنهر «١» المقلوب لجريه إلى الشمال. وأصل منبعه اللبوة ومغارة الراهب. فيكون نهرا صغيرا في قرية قرب بعلبك تسمى الرأس شمالي بعلبك في جبل لبنان. ثم يصب في بحيرة قدس. وبعد أن يخرج منها يسمى الميماس، وعند حماة يسمى العاصي. وبعد أن يجري مسافة واسعة ويعظم بما ينصبّ إليه من العيون والأنهار يجتاز بجسر الشغر من جهة شرقيها ثم لا يزال يجري حتى يمر على دير كوش إلى جسر الحديد، وذلك جميعه في شرقي جبل اللكام. فإذا وصل إلى جسر الحديد ينقطع الجبل المذكور هناك ويستدير النهر ويرجع ويسير جنوبا وغربا، ويمر على أنطاكية حتى يصب في البحر الأبيض المتوسط عند السويدية. وفي أنطاكية يسمى الأرند، وهناك يوجد منه مسافة طويلة من ضفتيه تتراءى فيهما ذرّات ذهبية كثيرة مما يدل على أن تلك البقاع من هذا النهر لا تخلو من معدن ذهبي غني.
النهر الأسود
النهر الأسود رأسه من جبل بركة. وبعد أن يسقي جانبا عظيما من مزارع الأرز أمام الجبل المذكور، ويسقي سهولا واسعة من العمق ينصب إلى بحيرة أنطاكية المتقدم ذكرها وهذا عليه عدة طواحين للتركمان وغيرهم.
نهر عفرين
نهر عفرين رأسه في شرقي جبل اللكام ويمر على الراوندان إلى الجومة إلى العمق ويختلط بالنهر الأسود.
نهر يغرا
نهر يغرا رأسه قريب من يغرا يمر عليها ثم يصب في النهر الأسود.
وفي حدود سنة ٨٥٠ عقد أحد أعيان حلب على نهر يغرا جسرا عظيما هو الآن متوهّن جدا وباني هذا الجسر (سعد الله الملطي) وهو باني المدرسة السعدية بحلب.
стр. 33
ثم إن نهر عفرين قد يتسع في أيام الشتاء اتساعا عظيما حتى يعسر المرور منه، مع أنه قد يجف في أيام الصيف أو يقارب الجفاف. وفي سنة ١٣٠٠ انعقد عليه قرب قرية الزيادية في ناحية الجومة من أعمال كلّيس جسر حجري عظيم غاية في الإتقان والزخرفة.
وحين انتهاء عمله أولم المجلس البلدي عنده وليمة حافلة دعا إليها جميع وجهاء الولاية من أمراء الحكومة والعسكرية والعلماء والأعيان، فصار يوما مشهودا بلغت نفقته أربعمائة وثمانين ذهبا عثمانيا أخذت من صندوق بلدية حلب وكلّيس وأنطاكية واسكندرونة ثم إن هذا الجسر لم يلبث إلا ريثما أتى عليه الشتاء، وهطلت السماء بالسيول الجارفة وتدفقت على عفرين ظهور الجبال وبطون الأودية، وساقت إليه ألوفا من الأخشاب والأشجار الجبلية، فما كان إلا أن تعاظم هذا النّهر وطغى وحمل على الجسر حملة شديدة دكّت منه قنطرتين وساقت أحجارهما إلى مكان بعيد، فأصبح كأن لم يغن «١» بالأمس. ولما كان وجوده مما لا بد منه، لأنه معبر لطريق المركبات الذي تم أيضا في السنة المذكورة، فقد قضت الحال بإعادته. ولضيق الصندوق البلدي عما يعيده حجرا أعيد من الخشب فاستحضرت الأخشاب العظيمة وربطت ببعضها بالحديد ونصبت كالباب العظيم على أطراف القنطرتين الباقيتين، ورجع الانتفاع به كما كان، غير أنه لم يلبث أيضا أن أتى عليه الصيف وعلقت به النار ولم يجتمع الناس لإطفائه إلا وقد استحال رمادا كأن لم يكن، ثم بعد مدة أعيد خشبا على الصفة المذكورة وقد مسحت هذا الجسر بقدمي فبلغ طوله ٢٥٩ قدما وعرضه ٣٢ وقرأت ما نقش على حجرة في شمالي رأسه الغربي ما صورته:
«أنشئ هذا الجسر المتين في عهد خلافة سلطان السلاطين الخليفة الأعظم صاحب الشوكة السلطان الغازي عبد الحميد خان الثاني، وكان إنشاؤه ثمرة الهمة التي بذلها حضرة جميل باشا والي ولاية حلب وأثر مهارة رئيس مهندسي الولاية قسطنطين مادريديس أفندي، وضع أساسه بحضور حضرة الوالي المشار إليه في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة ١٢٩٨ هجرية. وثم إنشاؤه في ظرف سنة واحدة، وصادف فتحه كذلك في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة ١٢٩٩ بحضور الوالي المشار إليه ودعي اسمه المجيد جسر السلطان عبد الحميد، وبلغت نفقة تعميره أربعة آلاف وأربعمائة وثمانية عشر ذهبا عثمانيا.
стр. 34
سواحل الولاية
لولاية حلب عدة سواحل أعظمها اسكندرونة القائمة على سيف البحر «١» الأبيض، بعدها عن حلب على خط مستقيم ستة وسبعون ميلا تقريبا. وأما بعدها عن طريق أنطاكية الذي يسافر عليه الكروان «٢» فمائة وتسعون ميلا ومسافة هذا الطريق على سير البغل أربع وعشرون ساعة تقطع على ثلاث مراحل. وميناء اسكندرونة من أحسن مواني حلب لأن جبل اللكام يرسل هناك بعض شعابه فتنعطف ويتكون منها شكل حوض كأنه من عمل الصناعة. ومن مواني حلب أيضا ميناء السويدية من عمل أنطاكية ثم ميناء قاب آو من عمل اسكندرونة ثم قره طوران من مضافات جسر الشغر.
حرّ حلب
يشتد حر حلب من تاسع يوم من حزيران ويستمر إلى اليوم الحادي عشر من أيلول، وحينئذ يأخذ بالاعتدال. وأشد ما يكون في شهري تموز وآب لأن فيهما تهب ريح السموم وترتفع الزّوابع في ضواحي حلب وتقوى الهوامّ والحشرات وتخرس بلابلة الرياض وتشحّ مياه العيون والآبار وربما جف بعضها ويلذّ الماء البارد ويعلو الزئبق في هذا البحران «٣» إلى بضع وثلاثين درجة في الظل الشمالي بمقياس السنتكراد وقد يصل في بعض السنين إلى الدرجة الحادية والأربعين. وذلك نادرا جدا وحينئذ يشتد ضرره على الأطفال، فإنه قد يسبب لهم الإسهال الأسناني ويوعك أجسامهم. والنوء يضطرب من ابتداء شهر أيلول فلا يكاد يستقيم على حالة واحدة ساعة واحدة فينبغي التحفظ بالثياب والتدثّر وقت النوم.
قال بعضهم شعرا:
خذ في التدثّر في الخريف فإنه ... مستوبل ونسيمه خطّاف
يجري مع الأجسام في غسق الدّجى ... بلطافة ومن اللطيف يخاف
والنوم على السطح في غير شهر تموز لا يخلو من ضرر.
стр. 35
برد حلب
يشتد برد حلب من تاسع كانون الأول ويمتد إلى ثامن يوم من آذار وعند ذلك يأخذ باضمحلال ويعتدل الوقت. وفي الكانونين تهب ريح الشمال وينجرد الشجر وكثيرا ما يجمد الماء وتصول الضواري في الصحاري وتختفي الهوامّ وتكثر الأمطار ويقع الصقيع ويهبط الزئبق في الظل الشمالي عن الصفر نحو خمس درجات، وربما هبط في بعض السنين إلى ما هو أدنى من ذلك ففي سنة ١٣٢٩ هجرية المصادفة ١٣٢٦ رومية هبط الزئبق في شهر كانون الثاني إلى الدرجة السابعة والعشرين تحت الصفر مستمرا ذلك نحو ثلاثين يوما، الأمر الذي لم يسمع وقوع نظيره في حلب، كما نوّهنا عن ذلك في حوادث السنة المذكورة.
على أن البرد في بقية السنين مهما كان عظيما فإنه لا يزيد فيه هبوط الزئبق إلى ما دون الدرجة العاشرة تحت الصفر، وهو إذا بلغ هذه الغاية أو ما قاربها يتألم منه النحفاء والشيوخ ألما زائدا وينشأ عنه أمراض صدرية وعلل ريحية ومفاصلية، وتعظم نكايته في الأطفال، ويكثر فيه النقف والقمطلس «١» والزكام والحادر حتى يكاد لا ينجو من ذلك أحد، وأضرّ ما يكون في الشتاء خلواته الحارّة التي يجتمع فيها الناس للسهر والسمر، فيوقدون ضمنها النار حتى تصير كأنها بيت من بيوت الحمام ثم يتنازلون الماء البارد الذي قارب الانجماد أو يخرجون إلى الهواء وقد انفتحت مسامهم، واستعدّت لقبول البرد أجسامهم.
تحول العوارض الجوية في حلب
ذكر صاحب طبقات الأطباء في ترجمة الطبيب الشهير المختار بن الحسن عبدون المعروف بابن بطلان، المتوفى سنة ٤٥٨. أنه كان يعتقد أن العوارض الجوية في أصقاع حلب كانت باردة ثم تحولت إلى حرارة، مستدلا على صحة دعواه هذه بما حكاه له أشياخ أهل حلب من أن شجرة الأترجّ ما كانت تنبت في حلب لشدة بردها وأن الدور القديمة في حلب لم تكن تستطاع السكنى في طبقتها السفلى. وأن الباذهنجات (ملاقف الهواء) حدثت في حلب منذ زمان قريب حتى إنه لا دار إلا وفيها باذهنج بعد عدم وجودها مطلقا.
стр. 36
أقول: إننا بحثنا في هذه المسألة بحثا دقيقا فظهر لنا فيها عكس ما ادعاه المختار أي أن العوارض الجوية في أصقاع حلب كانت حارة ثم أخذت تتحول إلى البرد. ومن ثمة اضطررنا أن ننتقد أدلة المختار التي نقلها في هذه المسألة عن أشياخ أهل حلب، فنقول إن عدم نبت شجر الأترجّ في حلب في هاتيك الأيام لا لشدة برد حلب بل لأن هذه الفصيلة من الشجر كانت قبل سنة ٣٠٠ غير موجودة ولا معروفة في حلب وجميع بلاد سوريا والعراق ومصر وغيرها من الممالك الكائنة في المناطق المعتدلة. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب ما خلاصته: إن هذه الشجرة يعني شجرة الأترجّ لم تكن موجودة في البلاد قبل الثلاثمائة، وإنما حملت من أرض الهند إلى غيرها بعد هذا التاريخ، فزرعت في عمان، ثم نقلت إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثرت في دور الناس في طرسوس وغيرها من الثغور الشامية وأنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كانت تعهد ولا تعرف إلخ. وهناك دليل آخر على أن عدم نبت هذه الشجرة في ذلك التاريخ لعدم وجودها لا لشدة البرد، هو أنه كان يوجد في حلب شجر النخيل الذي هو أقل تحملا للبرد من شجر الأترج، كما يأتي بيانه قريبا. وأما عدم استطاعة السكنى في الطبقة السفلى من بيوت حلب فهو دليل قد يؤيد عكس المدعي به إذ البلاد الباردة كالأناضول، يفضل أهلها السكنى في أيام الشتاء في الطبقة السفلى على العليا، لأنها أقل تعرضا للبرد من العليا. نعم قد يكون عدم استطاعة سكنى أهل حلب في الطبقة السفلى لكثرة رطوبات البلدة في ذلك التاريخ، لعدم انتظام مجاري قاذوراتها وامتلاء خنادقها من المياه تحصينا لها مع ضيق أزقتها وكثرة أهلها المحصورين داخل سورها الذي كان يقدر بنحو النصف من مساحته الآن. ولهذا كانت الأوبئة والطواعين لا تكاد تفارق حلب. وأما عدم وجود الباذهنجات «١» فيها أولا ثم وجودها أخيرا فإن المفهوم من هذا أن البرد بينما كان في مدينة حلب شديدا، إذ تحول بغتة إلى الحرّ، ومسّت الحاجة إلى عمل الباذهنجات، وهذا مما لا يتصوره عاقل إذ أن سير التحول الجوي بطيء جدا لا يدرك حصوله بأقل من ألف سنة وأكثر، فالأولى أن يحمل تسرّع أهل حلب إلى عمل الباذهنجات على التفنن وتحسين المباني والاقتداء ببغداد عاصمة الممالك الإسلامية في الشرق بعمل الباذهنجات تلطيفا للجوّ، وتخفيفا للرطوبات.
стр. 37
أدلة تحول العوارض الجوية في أصقاع حلب من الحر إلى البرد
الدليل الأول: وجود شجر النخيل في حلب في قديم الأزمان فإن الشاعر الصنوبري المتوفى سنة ٣٣٤ نظم قصيدة بديعة طويلة مدح بها حلب وذكر منتزهاتها وأزهارها، ثم قال:
أيّ حسن ما حوته ... حلب أو ما حواها
سروها الداني كما تدنو ... فتاة من فتاها
آسها الثاني قدود ... الهيف لمّا أن ثناها
نخلها زيتونها أولا ... فأرطاها غضاها «١»
فالمفهوم من البيت الأخير أن شجر النخيل من جملة أنواع الشجر التي كانت في مدينة حلب وهو كما قلنا سابقا أقل تحملا للبرد من شجر الأترجّ، على أنه الآن لا أثر له في حلب البتة ولا يمكن أن يعيش في أرضها ولا فيما قرب منها.
الدليل الثاني: استقصينا كثيرا من الدور العظام القديمة في حلب فوجدنا أكثرها قد خلت جهتها المتجهة إلى الجنوب من الغرف والخلوات، وأن أكثر هذه الدور كان يعتني أهلها الأقدمون بجهتها المتجهة إلى الشمال، لأنهم يبنون فيها الأواوين والغرف سفلا وعلوا، فعدم اعتنائهم في الجهة المتجهة إلى الجنوب لم يكن له من سبب في تلك الأزمنة سوى شدة حرارتها بسبب إشراق الشمس عليها. واعتناؤهم بالجهة المتجهة إلى الشمال لم يكن ناشئا إذ ذاك إلا عن اعتدال حالتي الحر والبرد في فصل الشتاء، أما في هذه الأيام، وفيما أدركناه من الأعوام قبلها، فإن الجهة المتجهة إلى الجنوب من الدور في حلب هي التي تبذل العناية في بنائها خلوات وغرفا سفلا وعلوا وهي تعتبر عندنا من أشرف جميع المساكن التي تكون في باقي جهات الدار. وإن الدار التي تخلو جهتها هذه من البيوت والغرف تعد عندنا مشوهة. والمثل المشهور عند الحلبيين الآن قولهم: بيت يسكن صيفا وشتاء، وهو المتجه إلى الجنوب والغرب، وبيت لا يسكن لا صيفا ولا شتاء، وهو المتجه إلى الشرق.
стр. 38
الدليل الثالث: وجود كثير من شجر الأترجّ في بساتين حلب، في الزمن القديم. فقد ذكر دار فيو الذي كان قنصل دولة فرنسة في حلب سنة ١٠٤٠ في كتابه الذي سماه (تذكرة أسفاري) أنه شاهد بساتين حلب مملوءة من شجر الأترجّ فهذا دليل صريح على أن العارض الجوي في حلب كان منذ ثلاثمائة سنة معتدلا يمكن أن يعيش فيه هذا النوع من الشجر مع أننا الآن لا نعرف بستانا خارج حلب يشتمل على شيء من هذا الشجر أما في حدائق البيوت فيوجد منه القليل إلا أنه لا تكاد شجرته تبلغ حد الإثمار إلا ويدهمها الصقيع فتيبس.
وهكذا قد استمر شأن هذه الشجرة منذ أربعين سنة حتى أصبحنا في يأس من نجاحها في حلب، وصار الناس عندنا يسمونها شجرة الهمّ لما يتكبدونه من الزحمة في حمايتها وحفظها من البرد.
الدليل الرابع: يوجد الآن في جبل ليلون كثير من أصول شجر الزيتون الذي له فروع ضئيلة لا يزيد ارتفاعها على قدر قامة الإنسان، وهي غير مثمرة وفي هذا الجبل أيضا أطلال معاصر لعصر زيت الزيتون، وأحواض منقورة في الصخر لإحراز الزيت، مما يدل على أن هذا الجبل كان وطنا للزيتون مدة عصور طويلة، أما الآن فإنه إذا غرس فيه شيء من هذا الشجر، نبت وطالت فروعه لكنه لا يكاد يبلغ حد الإثمار إلا وتطرقه آفة البرد فيصقع وييبس.
الدليل الخامس: كنا نعهد في ضواحي حلب وبعض البلدان المضافة إليها عددا غير قليل من مغارس الزيتون الناجح المثمر الذي يوجد فيه كثير من الأشجار المعمّرة التي مضى على غرسها مئات من السنين، بل بعض المسترزقين بالزيتون يبالغون في قدم هذه الأشجار ويقولون إنها قائمة في مغارسها منذ زمن السيد المسيح صلوات الله عليه. على أن أكثر هذه المغارس قد دب العطب فيها منذ عشرات السنين وانتهى عطبها عن آخرها بما فيها من الأشجار المعمرة في سنة ١٣٢٩ وبهذا يستدل على أن البرد الذي عطبت به هذه الأشجار لم يمر عليها نظيره منذ نشأت وإلا لما سلمت كل هذه المدة.
الدليل السادس: أن القطن كان يوجد في جهات حلب أشجار خالدة تبقى الشجرة منه عدة أعوام، على ما حكاه ابن البيطار في تذكرته، مع أن القطن لا يكون أشجارا خالدة إلا في الأصقاع المعتدلة في الحر والبرد، وهو الآن ما لا وجود له في حلب ولا في جهتها
стр. 39
مطلقا وإنما يزرع مجددا في كل سنة. هذا ما أدى إليه اجتهادي ودلني عليه البحث والاستقصاء والله أعلم.
اعتدال مناخ حلب
ينبغي أن تعد حلب من البلاد المعتدلة المناخ، لأنها في وسط معتدل من الأقاليم الرابع، لكن لما كانت حجارة مبانيها ذات مسام تحفظ الحر والبرد زمنا طويلا ثم تعكسهما، كان لحرها وبردها تأثير شديد في موسم الشتاء والصيف وهي تستمد البرد أيضا من جبل أومانوس المتوج بالثلوج في أكثر الأوقات وليس بين أصله وبين حلب سوى مسافة ثلاثين ميلا.
ليس لوقوع الثلج في حلب ضابط بعد دخول الكوانين، إذ ربما وقع في أواخر نيسان.
وأكثر وقوعه في كانون الثاني، وإذا وقع فالغالب أن لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام، وقليلا ما يبقى أكثر من هذه المدة. وأما البرد فالغالب أن يكون وقوعه قليلا في فصل الربيع.
وأما الضباب فيكثر انتشاره في الكانونين. وإذا انتشر مساء. دل غالبا على المطر ليلا، أو صباحا دل غالبا على الصحو نهارا. ومن الأمثال السائرة بين أهل حلب قولهم في الضباب: (إذا وقع عشيّه حوّش مغارة دفّيه، وإذا وقع باكر خذ العصا وسافر) .
ماء حلب
أما ماؤها فينقسم إلى ثلاثة أقسام: ماء مطر وماء قناة وماء ينبوع. أما ماء المطر فإنه يجمع مما يسقط منه على أسطحة البيوت، ويحرز في الآبار المعروفة بالصهاريج، ويترك حتى يرقد فيعود نقيا باردا لطيفا مدرا خفيفا. لكنه كثيرا ما يتكون فيه جراثيم حيوانية للحوقه بعض مواد زفرة. أو يكتسب من طول مكثه رائحة عفنية وطعما نباتيا إذا كانت البئر سحيقة وليس لها نافذة توصل إليها الهواء. وفي هاتين الحالتين يجب اجتنابه. وأما ماء القناة فإن استعمل قبل صفائه في الآبار وغيرها فهو السمّ الناقع يورث الحمى والإسهال وأمراض المعدة وغير ذلك من العلل الفتاكة. وإن استعمل بعد الصفاء والبرودة قل ضرره على شرط خلوه من الجراثيم الحيوية وعدم مكثه في الصهاريج أكثر من ستة أشهر وإلا كان
стр. 40
مضرا. وأما ماء الينبوع فهو ما كان من عين التل أو العين البيضاء، أو غيرهما من العيون القريبة من حلب. كعين اشمونيث وعين العصافير قبلي الصالحين (وعين اشمونيث) هذه في ظاهر حلب من قبليّها تسقي بستانا يقال له الجوهري، وإن فضل منها شيء صب في قويق. وقد ذكرها في شعره منصور «١» بن مسلم بن أبي الخرجين بتشوق إلى حلب فقال:
أيا سائق الأظعان من سفح جوشن ... سلمت ونلت الخصب حيث ترود
أبن لي عنها تشف ما بي من الجوى ... فلم يشف ما بي عالج وزرود
هل العوجان الغمر صاف لمورد ... وهل خضّبته بالخلوق مدود
وهل عين أشمونيث تجري كمقلتي ... عليها وهل ظلّ الجنان مديد
فهو، أي ماء هذه العيون، الجامع الصفات المطلوبة في الماء: من الصفاء والخفة والإدرار، ولا سيما ماء العين البيضاء أو عين التل في شمالي حلب على بعد ساعة منها، فإن ماءهما الغاية فيما ذكر لولا كثرة كلسيّته. أما آبار النبع في المدينة فإن ماءها يختلف في طعمه ونفعه وضره باختلاف محالّه فماء آبار قلعة الشريف أو ما قاربها من المحلات مالح آجن يقارب ماء البحر في طعمه وريحه، والبعض منه لا يمكن أن يطبخ به ولا أن تغسل منه الثياب حتى ولا النحاس لأنه يحيل بياضه إلى السواد بل قد يسود الحجر إذا كثر صبه عليه، وهو مع هذه الصفات الذميمة عميق سحيق لا يصعد على وجه الأرض إلا بحبل طوله نحو عشرين باعا. وأما بقية الآبار في غير هذه المحلة فمنها ما هو قليل الملوحة جدا حتى لا تكاد تدرك ملوحته إلا بإمعان الذوق، وذلك كغالب آبار المحلات الخارجة عن باب النصر وآبار محلة الجلّوم وما جاورها. وأكثر الناس يستعمل ماءها شربا وغسلا، وهي تصعد على وجه الأرض بحبل طوله أربع باعات إلى اثني عشر على حسب اختلاف مواقعها. ومنها ما هو ظاهر الملوحة كآبار بقية محلات حلب كالعقبة وأكثر المحلات المرتفعة. وهذا النوع أكثر الأنواع وقلّ من يستعمله للشرب وغسل الثياب. والخلاصة أن ماء حلب الجاري قليل غير كاف لها وهو كدر قذر لما ينصب إليه من مجاري المياه القذرة قبل جريانه في القناة ودخوله إلى حلب، ثم لما يلحقه من التلويث في الحياض والقساطل
следующие страницы →