← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11788

نهر الذهب فى تاريخ حلب

كامل الغزي

Полный текст (1 631 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقول: إننا بحثنا في هذه المسألة بحثا دقيقا فظهر لنا فيها عكس ما ادعاه المختار أي أن العوارض الجوية في أصقاع حلب كانت حارة ثم أخذت تتحول إلى البرد. ومن ثمة اضطررنا أن ننتقد أدلة المختار التي نقلها في هذه المسألة عن أشياخ أهل حلب، فنقول إن عدم نبت شجر الأترجّ في حلب في هاتيك الأيام لا لشدة برد حلب بل لأن هذه الفصيلة من الشجر كانت قبل سنة ٣٠٠ غير موجودة ولا معروفة في حلب وجميع بلاد سوريا والعراق ومصر وغيرها من الممالك الكائنة في المناطق المعتدلة. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب ما خلاصته: إن هذه الشجرة يعني شجرة الأترجّ لم تكن موجودة في البلاد قبل الثلاثمائة، وإنما حملت من أرض الهند إلى غيرها بعد هذا التاريخ، فزرعت في عمان، ثم نقلت إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثرت في دور الناس في طرسوس وغيرها من الثغور الشامية وأنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كانت تعهد ولا تعرف إلخ. وهناك دليل آخر على أن عدم نبت هذه الشجرة في ذلك التاريخ لعدم وجودها لا لشدة البرد، هو أنه كان يوجد في حلب شجر النخيل الذي هو أقل تحملا للبرد من شجر الأترج، كما يأتي بيانه قريبا. وأما عدم استطاعة السكنى في الطبقة السفلى من بيوت حلب فهو دليل قد يؤيد عكس المدعي به إذ البلاد الباردة كالأناضول، يفضل أهلها السكنى في أيام الشتاء في الطبقة السفلى على العليا، لأنها أقل تعرضا للبرد من العليا. نعم قد يكون عدم استطاعة سكنى أهل حلب في الطبقة السفلى لكثرة رطوبات البلدة في ذلك التاريخ، لعدم انتظام مجاري قاذوراتها وامتلاء خنادقها من المياه تحصينا لها مع ضيق أزقتها وكثرة أهلها المحصورين داخل سورها الذي كان يقدر بنحو النصف من مساحته الآن. ولهذا كانت الأوبئة والطواعين لا تكاد تفارق حلب. وأما عدم وجود الباذهنجات «١» فيها أولا ثم وجودها أخيرا فإن المفهوم من هذا أن البرد بينما كان في مدينة حلب شديدا، إذ تحول بغتة إلى الحرّ، ومسّت الحاجة إلى عمل الباذهنجات، وهذا مما لا يتصوره عاقل إذ أن سير التحول الجوي بطيء جدا لا يدرك حصوله بأقل من ألف سنة وأكثر، فالأولى أن يحمل تسرّع أهل حلب إلى عمل الباذهنجات على التفنن وتحسين المباني والاقتداء ببغداد عاصمة الممالك الإسلامية في الشرق بعمل الباذهنجات تلطيفا للجوّ، وتخفيفا للرطوبات.

стр. 37

أدلة تحول العوارض الجوية في أصقاع حلب من الحر إلى البرد الدليل الأول: وجود شجر النخيل في حلب في قديم الأزمان فإن الشاعر الصنوبري المتوفى سنة ٣٣٤ نظم قصيدة بديعة طويلة مدح بها حلب وذكر منتزهاتها وأزهارها، ثم قال: أيّ حسن ما حوته ... حلب أو ما حواها سروها الداني كما تدنو ... فتاة من فتاها آسها الثاني قدود ... الهيف لمّا أن ثناها نخلها زيتونها أولا ... فأرطاها غضاها «١» فالمفهوم من البيت الأخير أن شجر النخيل من جملة أنواع الشجر التي كانت في مدينة حلب وهو كما قلنا سابقا أقل تحملا للبرد من شجر الأترجّ، على أنه الآن لا أثر له في حلب البتة ولا يمكن أن يعيش في أرضها ولا فيما قرب منها. الدليل الثاني: استقصينا كثيرا من الدور العظام القديمة في حلب فوجدنا أكثرها قد خلت جهتها المتجهة إلى الجنوب من الغرف والخلوات، وأن أكثر هذه الدور كان يعتني أهلها الأقدمون بجهتها المتجهة إلى الشمال، لأنهم يبنون فيها الأواوين والغرف سفلا وعلوا، فعدم اعتنائهم في الجهة المتجهة إلى الجنوب لم يكن له من سبب في تلك الأزمنة سوى شدة حرارتها بسبب إشراق الشمس عليها. واعتناؤهم بالجهة المتجهة إلى الشمال لم يكن ناشئا إذ ذاك إلا عن اعتدال حالتي الحر والبرد في فصل الشتاء، أما في هذه الأيام، وفيما أدركناه من الأعوام قبلها، فإن الجهة المتجهة إلى الجنوب من الدور في حلب هي التي تبذل العناية في بنائها خلوات وغرفا سفلا وعلوا وهي تعتبر عندنا من أشرف جميع المساكن التي تكون في باقي جهات الدار. وإن الدار التي تخلو جهتها هذه من البيوت والغرف تعد عندنا مشوهة. والمثل المشهور عند الحلبيين الآن قولهم: بيت يسكن صيفا وشتاء، وهو المتجه إلى الجنوب والغرب، وبيت لا يسكن لا صيفا ولا شتاء، وهو المتجه إلى الشرق.

стр. 38

الدليل الثالث: وجود كثير من شجر الأترجّ في بساتين حلب، في الزمن القديم. فقد ذكر دار فيو الذي كان قنصل دولة فرنسة في حلب سنة ١٠٤٠ في كتابه الذي سماه (تذكرة أسفاري) أنه شاهد بساتين حلب مملوءة من شجر الأترجّ فهذا دليل صريح على أن العارض الجوي في حلب كان منذ ثلاثمائة سنة معتدلا يمكن أن يعيش فيه هذا النوع من الشجر مع أننا الآن لا نعرف بستانا خارج حلب يشتمل على شيء من هذا الشجر أما في حدائق البيوت فيوجد منه القليل إلا أنه لا تكاد شجرته تبلغ حد الإثمار إلا ويدهمها الصقيع فتيبس. وهكذا قد استمر شأن هذه الشجرة منذ أربعين سنة حتى أصبحنا في يأس من نجاحها في حلب، وصار الناس عندنا يسمونها شجرة الهمّ لما يتكبدونه من الزحمة في حمايتها وحفظها من البرد. الدليل الرابع: يوجد الآن في جبل ليلون كثير من أصول شجر الزيتون الذي له فروع ضئيلة لا يزيد ارتفاعها على قدر قامة الإنسان، وهي غير مثمرة وفي هذا الجبل أيضا أطلال معاصر لعصر زيت الزيتون، وأحواض منقورة في الصخر لإحراز الزيت، مما يدل على أن هذا الجبل كان وطنا للزيتون مدة عصور طويلة، أما الآن فإنه إذا غرس فيه شيء من هذا الشجر، نبت وطالت فروعه لكنه لا يكاد يبلغ حد الإثمار إلا وتطرقه آفة البرد فيصقع وييبس. الدليل الخامس: كنا نعهد في ضواحي حلب وبعض البلدان المضافة إليها عددا غير قليل من مغارس الزيتون الناجح المثمر الذي يوجد فيه كثير من الأشجار المعمّرة التي مضى على غرسها مئات من السنين، بل بعض المسترزقين بالزيتون يبالغون في قدم هذه الأشجار ويقولون إنها قائمة في مغارسها منذ زمن السيد المسيح صلوات الله عليه. على أن أكثر هذه المغارس قد دب العطب فيها منذ عشرات السنين وانتهى عطبها عن آخرها بما فيها من الأشجار المعمرة في سنة ١٣٢٩ وبهذا يستدل على أن البرد الذي عطبت به هذه الأشجار لم يمر عليها نظيره منذ نشأت وإلا لما سلمت كل هذه المدة. الدليل السادس: أن القطن كان يوجد في جهات حلب أشجار خالدة تبقى الشجرة منه عدة أعوام، على ما حكاه ابن البيطار في تذكرته، مع أن القطن لا يكون أشجارا خالدة إلا في الأصقاع المعتدلة في الحر والبرد، وهو الآن ما لا وجود له في حلب ولا في جهتها

стр. 39

مطلقا وإنما يزرع مجددا في كل سنة. هذا ما أدى إليه اجتهادي ودلني عليه البحث والاستقصاء والله أعلم. اعتدال مناخ حلب ينبغي أن تعد حلب من البلاد المعتدلة المناخ، لأنها في وسط معتدل من الأقاليم الرابع، لكن لما كانت حجارة مبانيها ذات مسام تحفظ الحر والبرد زمنا طويلا ثم تعكسهما، كان لحرها وبردها تأثير شديد في موسم الشتاء والصيف وهي تستمد البرد أيضا من جبل أومانوس المتوج بالثلوج في أكثر الأوقات وليس بين أصله وبين حلب سوى مسافة ثلاثين ميلا. ليس لوقوع الثلج في حلب ضابط بعد دخول الكوانين، إذ ربما وقع في أواخر نيسان. وأكثر وقوعه في كانون الثاني، وإذا وقع فالغالب أن لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام، وقليلا ما يبقى أكثر من هذه المدة. وأما البرد فالغالب أن يكون وقوعه قليلا في فصل الربيع. وأما الضباب فيكثر انتشاره في الكانونين. وإذا انتشر مساء. دل غالبا على المطر ليلا، أو صباحا دل غالبا على الصحو نهارا. ومن الأمثال السائرة بين أهل حلب قولهم في الضباب: (إذا وقع عشيّه حوّش مغارة دفّيه، وإذا وقع باكر خذ العصا وسافر) . ماء حلب أما ماؤها فينقسم إلى ثلاثة أقسام: ماء مطر وماء قناة وماء ينبوع. أما ماء المطر فإنه يجمع مما يسقط منه على أسطحة البيوت، ويحرز في الآبار المعروفة بالصهاريج، ويترك حتى يرقد فيعود نقيا باردا لطيفا مدرا خفيفا. لكنه كثيرا ما يتكون فيه جراثيم حيوانية للحوقه بعض مواد زفرة. أو يكتسب من طول مكثه رائحة عفنية وطعما نباتيا إذا كانت البئر سحيقة وليس لها نافذة توصل إليها الهواء. وفي هاتين الحالتين يجب اجتنابه. وأما ماء القناة فإن استعمل قبل صفائه في الآبار وغيرها فهو السمّ الناقع يورث الحمى والإسهال وأمراض المعدة وغير ذلك من العلل الفتاكة. وإن استعمل بعد الصفاء والبرودة قل ضرره على شرط خلوه من الجراثيم الحيوية وعدم مكثه في الصهاريج أكثر من ستة أشهر وإلا كان

стр. 40

مضرا. وأما ماء الينبوع فهو ما كان من عين التل أو العين البيضاء، أو غيرهما من العيون القريبة من حلب. كعين اشمونيث وعين العصافير قبلي الصالحين (وعين اشمونيث) هذه في ظاهر حلب من قبليّها تسقي بستانا يقال له الجوهري، وإن فضل منها شيء صب في قويق. وقد ذكرها في شعره منصور «١» بن مسلم بن أبي الخرجين بتشوق إلى حلب فقال: أيا سائق الأظعان من سفح جوشن ... سلمت ونلت الخصب حيث ترود أبن لي عنها تشف ما بي من الجوى ... فلم يشف ما بي عالج وزرود هل العوجان الغمر صاف لمورد ... وهل خضّبته بالخلوق مدود وهل عين أشمونيث تجري كمقلتي ... عليها وهل ظلّ الجنان مديد فهو، أي ماء هذه العيون، الجامع الصفات المطلوبة في الماء: من الصفاء والخفة والإدرار، ولا سيما ماء العين البيضاء أو عين التل في شمالي حلب على بعد ساعة منها، فإن ماءهما الغاية فيما ذكر لولا كثرة كلسيّته. أما آبار النبع في المدينة فإن ماءها يختلف في طعمه ونفعه وضره باختلاف محالّه فماء آبار قلعة الشريف أو ما قاربها من المحلات مالح آجن يقارب ماء البحر في طعمه وريحه، والبعض منه لا يمكن أن يطبخ به ولا أن تغسل منه الثياب حتى ولا النحاس لأنه يحيل بياضه إلى السواد بل قد يسود الحجر إذا كثر صبه عليه، وهو مع هذه الصفات الذميمة عميق سحيق لا يصعد على وجه الأرض إلا بحبل طوله نحو عشرين باعا. وأما بقية الآبار في غير هذه المحلة فمنها ما هو قليل الملوحة جدا حتى لا تكاد تدرك ملوحته إلا بإمعان الذوق، وذلك كغالب آبار المحلات الخارجة عن باب النصر وآبار محلة الجلّوم وما جاورها. وأكثر الناس يستعمل ماءها شربا وغسلا، وهي تصعد على وجه الأرض بحبل طوله أربع باعات إلى اثني عشر على حسب اختلاف مواقعها. ومنها ما هو ظاهر الملوحة كآبار بقية محلات حلب كالعقبة وأكثر المحلات المرتفعة. وهذا النوع أكثر الأنواع وقلّ من يستعمله للشرب وغسل الثياب. والخلاصة أن ماء حلب الجاري قليل غير كاف لها وهو كدر قذر لما ينصب إليه من مجاري المياه القذرة قبل جريانه في القناة ودخوله إلى حلب، ثم لما يلحقه من التلويث في الحياض والقساطل

стр. 41

التي تجري إليها المياه، ومنها تفيض إلى الآبار والبرك فيتناولها بعض الناس قبل أن ترقد وتصفو فتكثر فيهم الحميات وأمراض المعدة وتكثر في الأطفال الديدان. هواء حلب الغالب على هواء حلب الاعتدال بين الحرارة والبرودة. ولجفاف جهات مهابّه، لقلة المياه الراكدة والجارية فيها؛ كان الغالب عليه اليبس غير مصحوب برطوبة. وقد تصحبه في بعض الآونات «١» من الفصول الثلاثة التي هي، الشتاء والربيع والخريف. وهو في حالة اعتداله ويبسه على غاية ما يكون من الموافقة للصحة العامة. ومعظم هيجان الرياح عندنا في شهر تموز، والغالب أن يكون غربيا، والعامة تقول: تموز الهاوي. وبعد مضي هذا الشهر تضعف العواصف ويقل خطرها حتى أواسط شباط، فتهيج ريح شديدة نحو يوم أو يومين. والعامة تسميها نفّاخ الشجر أي إنها تنفخ الشجر وتهيّئه لانبثاق «٢» النور والورق. ثم تأخذ هذه الريح بالضعف إلى نحو اليوم الخامس والعشرين من شباط فيعظم هيجانها ويشتد هبوبها وتدوم هكذا إلى نحو اليوم الخامس من آذار، والعامة تسميها في هذه المدة ريح الأعجاز. وفي بعض السنين تكون هذه الريح مضرة ضررا فاحشا بالأشجار، فتنثر زهرها وتسقط ما انعقد من ثمرها. ثم في الحادي عشر من نيسان أو قبله أو بعده بقليل، تهبّ ريح شديدة شمالية تنقطع تارة وتعود أخرى إلى الحادي والعشرين منه. وهذه الأيام تسمى العوّاء ويقال: لا نوء بعد العوّاء. وهذه العواصف يخشى منها على الشجر، إذ قد لا يبقى فيها ثمرة واحدة، ولذا اعتاد كثير من مستأجري البساتين ألا يعقدوا مساقاة أو آجارا مع صاحب البستان إلا بعد مضي هذه الأيام الهاوية. ومعظم الهواء عندنا هو الغربي وبه لقاح الزرع وامتلاء الضرع وسوق الغمام وصحة الأجسام. ويكون في جميع الفصول والمواسم. وقد تهب ريح الشمال، فإن كان الأوان صيفا فليست بضارة، وإن كان شتاء اشتد بهبوبها البرد وخيف على الزرع والشجر، وربما هبت في أوائل الربيع مصحوبة بشيء من الصقيع. فتهلك الحرث «٣» والنسل، وتتلف الزروع الأرضية

стр. 42

والشجرية، وقليلا ما يحصل ضرر من الريح الشرقية، وقد تضر بعض الزروع إذا هبّت شتاء وتزداد نكاية الحر بهبوبها صيفا، ولربما حشرت الجراد من الشرق. وأما الريح الجنوبية فهي نادرة عندنا جدا ولا خطر لها إذا هبّت شتاء، وإذا هبت صيفا زادت قوة الحر وجلبت معها السموم. تراب حلب وأما ترابها فهو من أحسن أتربة البلاد، تنجب فيه جميع الزروع والغروس التي تنجب بالأقاليم المعتدلة. والغالب على لون أتربة حلب البياض والحمرة والخلو من المادة الرملية وكثرة الصلصالية. ويوجد في حلب كثير من البساتين التي تزرع في السنة أربع مرات. ومع هذا فلا تقصر عن غيرها. والسّرجين العام لتربة حلب فضلات الإنسان والحيوان والنبات ونحو ذلك قال ياقوت في معجم البلدان: وشاهدت من حلب أعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد. فمن ذلك أنه يزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدّخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذيا «١» لا يسقى إلا بماء المطر، ويجيء مع ذلك رخصا غضا ربما يفوق ما يسمى بالمياه والسّيح «٢» في جميع البلاد. وهذا لم أره فيما طوفت من البلاد في غير أرضها. أقول: ليس ما ذكره ياقوت من أنواع الشجر والنبات فقط يعيش عذيا في حلب، بل هناك أنواع كثيرة من الشجر والنبات الذي لا يعيش في غير تربة حلب إلا سقيا، ويعيش وينجب فيها بعلا «٣» لا يسقى بغير ماء المطر، وذلك كالجوز واللوز والرمان والتوت والفستق والبندق والكرز والكمّثرى، وكاللوبياء والفاولة والبامية والطماطم والباذنجان، وأنواع اليقطين والخروع «٤» والتبغ، وبالإجمال جميع أنواع النباتات الربيعية والصيفية، وكلها تجود وتخصب عذية بقدر جودة فلاحة الأرض وتسميدها وعمقها. ومن جملة أنواع النبات الذي ينبت بنفسه دون استنبات، ويجود وينبج دون أقل عناية،

стр. 43

عرق السوس، الذي ينبت في جميع أرجاء ولاية حلب فيقلع وينقع ويستخرج منه مشروب حلو لذيذ نافع مسهل قليلا. وقد بلغ ما أرسل من هذا العرق إلى أميركا في سنة واحدة ما قدرت قيمته بمائة وخمسين ألف ليرة عثمانية. عرض حلب وطولها وارتفاعها عن سطح البحر عرض حلب ست وثلاثون درجة وطولها ثلاث وستون درجة. وترتفع عن سطح البحر خمسمائة متر. وعرض البلد عبارة عن بعدها عن خط الاستواء إلى جهة القطب الجنوبي أو الشمالي، والمعروف قديما أن جميع المعمورة شمالية وطول البلد الذي نعتبره: عبارة عن بعدها عن الجزائر الخالدات في ساحل البحر الغربي. وغاية طول النهار عندنا من مطلع الشمس إلى غروبها أربع عشر «١» ساعة وأربعون دقيقة. وغاية قصر الليل من غروب الشمس إلى طلوعها تسع ساعات وعشرون دقيقة. وغاية قصر النهار من طلوع الشمس إلى غروبها تسع ساعات وخمسون دقيقة، وغاية طول الليل أربع عشر «٢» ساعة وعشر دقائق. وابتداء فصل الربيع كما هو عامّ في جميع البلاد الشمالية من حلول الشمس في رأس الحمل، وذلك في اليوم الثامن من آذار، ويمتد إلى حلوها في أول السرطان، وذلك في اليوم التاسع من حزيران وهو ابتداء فصل الصيف ويمتد إلى حلول الشمس في أوائل الميزان حادي عشر أيلول، وهو ابتداء الخريف، ويبقى إلى حلولها في أول الجدي تاسع كانون الأول، وهو أوّل الشتاء واستواء الليل والنهار يكون في رابع آذار، وهو الاستواء الأول الربيعي وفي الرابع عشر من أيلول وهو الاستواء الثاني الخريفي. معادن ولاية حلب أراضي ولاية حلب لم تزل كباقي أراضي الولايات العثمانية الآسيوية بكرا قد اختبأ فيها كثير من أنواع الفلزات والمعادن الغنية القليلة النظير. ومما يوجد في ولاية حلب معدن النحاس غربي حلب على مسافة ربع ساعة منها، وهو في ذيل جبل الجوشن. حكى لي صديق من الصاغة أنه استخرج منه نحاسا في غاية الجودة، لكنه لم يربح به لكثرة النفقة

стр. 44

في استخراجه. قال: ولو فتح معمل لاستخراجه لربح. ومن المعادن أيضا معدن شبيه بالفحم الحجري في محل يقال له أبو فياض شرقي حلب، في بعد عشرين ساعة عنها، يستعمل الأعراب ترابه ومدره «١» وقودا للطبخ وغيره. ومنها معدن مرمر أصفر في جوار حلب من شماليها في جهة البساتين المعروفة بناحية بعاذين، ومعادن زجاج في قضاء حارم، ومعدن غاز سائل في قضاء اسكندرونة اكتشفته الحكومة قبل ثلاثين سنة وأحالت امتيازه إلى أحد المثرين «٢» فباشر تعدينه فلم يفلح، ومعدن ذهب في ضفاف نهر العاصي فيما يلي أنطاكية، ومعدن رصاص فضي، ومعدن أنتيمون، وحجر الكحل، ومعدن فحم حجري، ومعدن الطفال المعروف بالبيلون في قضاء كلّز وأنطاكية. وفي جبال قره مرط إحدى نواحي أنطاكية عدة معادن تستعمل للصبغ. وفي جبل بارسال من أعمال قضاء كلّيس معدن مرمر أصفر ومعدن مرمر وسمّاقي في قرية «جاربين» من أعمال قضاء عينتاب. ومعدن فضة وحديد ومرمر سماقي وأسود في قضاء مرعش، ومعدن حديد في قضاء الزيتون، ومعدن كبريت في رأس العين من أعمال لواء الزور. وكانت منذ عهد قريب تابعة حلب كما أشرنا إليه سابقا. وفي جبل البشري من أعمال دير الزور أربعة معادن وهي معدن القار والمغرة «٣» والطين الذي يعمل بواتق «٤» يسبك فيها الحديد، والرمل الذي يعمل منه الزجاج وهو رمل أبيض كالإسفيداج. الحمّامات المعدنية في ولاية حلب منها حمّامان في قضاء جسر الشغر وماؤهما كبريتي ينفع من الأمراض الجلدية. ومنها حمّام على جانب الفرات في قضاء بيره جك. وثلاث حمامات في قضاء مرعش والزيتون وقضاء البستان. وحمّام حديدي في القصير من أعمال أنطاكية وهو معروف في زماننا بحمام الشيخ عيسى. قال ابن الشحنة نقلا عن ابن شداد: ويوجد بكورة الجومة «٥» من

стр. 45

أعمال قنّسرين عيون كثيرة كبريتية تجري إلى الحمام بقرية يقال لها جندراس «١» ، لها بنيان عظيم معقود بالحجارة يقصده الناس من كل طرف، فيسبحون به للعلل. قلت: وهو مشهور في زماننا. ثم قال: وبالسخنة من أعمال قنسرين خمس حمامات ماؤها في غاية الحسن والحرارة ينتفعون بها من البلغم والريح والجرب. قلت: وهي غير مشهورة في زماننا. وقال ابن الشحنة: وبناحية العمق حمّام دخلته مرارا. قلت: وأنا دخلته مرارا وهو كبريتي وحرارته تبلغ اثنتين وأربعين درجة، وهو من أشهر حمّامات الولاية في زماننا ينبع ماؤها في حوض مربع مصنوع مساحته خمس أذرع في مثلها وفي أعلاه ثقب سعته ثمانية سانتيمتر في مثلها، يفيض منه الماء إلى أراضي العمق، وعلى هذا الحوض قبو معقود بالحجارة. وفي أطراف هذا الحمام عدة عيون كبريتية حارة لو جمعت إلى حوض لكانت حماما عظيما. وفي سنة ١٣٠٠ بنت بلدية حلب على بعض هذه العيون خلوة وصارت تؤجرها بعض الناس. ثم إن جميع هذه الحمامات في زماننا مباح للعامّ لم توضع عليها يد سوى حمام البلدية المذكورة. مملحة الجبول قال ابن الشحنة ما ملخصه: إن نهر الذهب يجري من ناحية باب بزاعا البلدة المعروفة شرقي حلب، حتى ينتهي إلى سبخة الجبول، فيجتمع في مساكب يعملها أهل الجبول والقرى المجاورة لها، فيجمد ويصير ملحا أبيض في مثل بياض الثلج معتدلا في الطعم لا مرارة فيه وهو في إقطاع نيابة حلب وعليه مرتبات من صدقات لأناس كثيرة بمراسم مرعية قال: وسمي هذا النهر بنهر الذهب لأن أوله بالقبان وآخره بالكيل. يعني أنه يزرع عليه في أوله الحبوب المأكولة وبعض العقاقير وهي تباع بالقبان، وآخره يصير ملحا وهو يباع بالكيل.

стр. 46

قلت: هذا في زمانه أما الآن فيباع الملح في القبان أيضا. وقال: وماء هذا النهر في غاية من الصفاء والعذوبة. قلت: المشاهد في زماننا أن هذه المملحة تجتمع مياهها من نهر الذهب، ومن أمطار الشتاء التي تنصب إليها من الأراضي المجاورة المتشبعة من مادة الملح فتصير رقراقا متسعا محيطه ثمان عشر «١» ساعة. فإذا جاء عليه شهر تموز جف الماء ورسب الملح، وهو في غاية الجودة صادق الملوحة سريع الذوب بالماء يصلح للهدايا إلى استانبول وغيرها. وقد يبلغ الملح الذي يستخرج منه سنويا بضعا «٢» وعشرين ألف قنطار حلبي أو أكثر. وهذه المملحة الآن خاصة بنظارة الديون العمومية العثمانية. وقد بلغت مداخيلها سنة ١٣٠١ رومية ألفي ألف وخمسمائة ألف قرش. وذكر ابن الشحنة في جدول تعديل مداخيل حلب سنة ٦٠٩، وذلك في أيام الملك الظاهر صلاح الدين، أنّ دخل الملح في السنة المذكورة ثلاث مائة ألف درهم وعشرون ألف درهم. وبحيرة الجبول هذه لا يوجد فيها شيء من الحيوانات المائية سوى أنه عشية كل ليلة من فصل الربيع يرحل إليها للمبيت أسراب عديدة من الإوز والبط تمضي سحابة نهارها في بحيرات العمق لتقتات من حيواناتها، فتقبل إليها صباحا وترحل عنها إلى بحيرة الجبول عشية فترقد فيها، لا ينغّصها فيها شيء من الهوامّ التي توجد في البحيرات العذبة كالبعوض والقمل، إذ لا وجود لهما فيها بسبب ملوحة مائها. نهر حلب قال ابن خطيب الناصرية ما ملخصه: إن نهر حلب اسمه قويق، وكان يجري في الشتاء والربيع وينقطع في الصيف، ومنبعه من بلاد عينتاب، وغوره في المطخ حتى ساق إليه الساجور الأمير أرغون نائب حلب فدام جريانه. وإذا جاء قبليّ حلب تمده العين المباركة فيغور الجميع بالمطخ. وعن ابن شداد أن «قويق» تصغير قاق. وأنه شاهد لهذا النهر مخرجين بينهما وبين حلب أربعة وعشرون ميلا، أحدهما في قرية الحسينية بالقرب من عزاز، يجري ماؤها بين جبلين، حتى يقع في الوطاة قبلي الجبل الممتد من بلد عزاز شرقا وغربا، والآخر عيون من عينتاب وبعض قراها، تجري إلى نهر خارج من فم فج عينتاب، فيقع

стр. 47

في الوطاة المذكورة، ويجتمع النهران ويصيران نهرا واحدا يجري إلى دابق ويمر بحلب وقبل وصوله إليها يمدّه عدة عيون فيعظم وتدور به الأرحاء، وأولها بقرية مالد شمالي حلب. وبعد أن يجتاز بحلب تمدّه أيضا عيون أخرى منها العين المباركة، فيزيد بها ويسقي مواضع كثيرة في طريقه حتى يمر على قنسرين، ثم يغور في المطخ، ويخرج من بحيرة أفامية. ودليل ذلك احمرار ماء هذه البحيرة إذا احمر قويق في الشتاء لطغيانه. قلت: هذا من ابن شداد وهم غير معقول، ودليل ليس بمقبول. قال: والمسافة بين مفيضه وأفامية نحو أربعة عشر ميلا. قال ياقوت في معجم البلدان اسم نهر قويق الذي بحلب مقابل جبل الجوشن «العوجان» بالتحريك. وأنشد لابن أبي الخرجين شعرا: هل العوجان الغمر صاف لوارد ... وهل خضبّته بالخلوق مدود؟ «١» وعن بعضهم أن مخرج هذا النهر اسمه قويق. وأهل الخلاعة تكنيه أبا الحسن. وذكر بعضهم أن مخرج هذا النهر من قرية تسمى سيناب «٢» على سبعة أميال من دابق، يمر إلى حلب بثمانية عشر ميلا، ثم إلى قنّسرين اثني عشر ميلا، ثم إلى المرج الأحمر المعروف بتل السلطان ألب أرسلان السلجوقي خيم به مدة فنسب إليه. ثم قال: جاء عن بعض المفسرين في قوله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ كان ذلك على نهر حلب ويقال له قويق. قال ابن الشحنة: ورأيت لهذا النهر منبعا في قرية يقال لها ارقيق بين حلب وعينتاب. ثم قال: قال ابن شداد ومن أحسن ما مدح به نهر حلب قول أبي بكر أحمد بن محمد الصنوبري الحلبي، وهو: قويق له عهد لدينا وميثاق ... وهذي العهود والمواثيق أذواق ففي الخوف، إنا لا غريق نرى له، ... فنحن على أمن وذا الأمن أرزاق ومنها:

стр. 48

وفاضت عيون من نواحيه ذرّف ... ولمّا تعاونها جفون وآماق «١» ومنها: هو الماء إن يوصف «٢» بكنه صفاته ... فللماء إغضاء لديه وإطراق ففي اللون بلّور وفي اللمع لؤلؤ ... وفي الطعم قنديد «٣» وفي النفع درياق إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه ... وقد لاح وجه منه أبيض برّاق فطورا عليه منه زرق حقيقة ... وطورا عليه جوشن منه رقراق وكم عنده نيلوفر متشوّف ... رؤوس كتبر والزبردج أعناق وقد عابه قوم، وكلّهم له ... على ما تعاطوه من العيب عشّاق يهاب قويق أن يملّ فإنما ... يقيم زمانا ثم يمضي فيشتاق وقالوا أليس الصيف يبلي لباسه ... فقلت: الفتى في الصيف يقنعه طاق وما الصبح إلا آئب ثم غائب ... تواريه آفاق وتبديه آفاق وله فيه أيضا: قويق على الصفراء ركّب جسمه ... فما لهب القيظ الأليم يطابقه إذا جدّ جدّ الصيف غادر جسمه ... ضئيلا، ولكنّ الشتاء يوافقه قال ابن الشحنة: يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنتحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء وأن قويقا يقل ماؤه في الصيف حتى يصير حول المدينة كالساقية. قال: وقد فهمت من هذا أمرا بديعا وراء ما ذكره ابن شداد، وهو أن قويقا تصغير قاق الطائر المعروف، وهو يخالف طبعه الحرّ، فيكون في غاية الضعف صيفا وفي غاية النشاط شتاء. ثم قال: عن ابن شداد عن أبي النصر محمد بن إبراهيم الخضر الحلبي «٤» :

стр. 49

ما بردى عندي ولا دجلة ... ولا مجاري النيل من مصر أحسن مرأى من قويق إذا ... أقبل في المدّ وفي الجزر يا لهفتا منه على نغبة ... تبلّ منّي غلّة الصدر وأنشد بعضهم: لله يوم مدّ في صدره ... قويق مقصور جناحيه معتدلا يلثم ماء الحيا ... منه بمخضرّ عذاريه «١» وقد وصفه كثير من الشعراء وفي هذا القدر كفاية. والذي أراه أن هذا النهر من جملة الأنهار الطبيعية قديم جدا لا يعرف من جرّه من أصله، خلافا لمن زعم أن الذي جرّه هو الشيخ قويق المدفون بالتربة جنوبي حمام اللبابيدية وهذه التربة لا نعلم أحدا دفن بها غير أرغون نائب حلب، الذي ساق إلى نهرها الساجور كما تقدم وكما تعرفه بعد. ولعل «قويق» أضيف إليه أرغون لمزيد عنايته به فقيل عنه شيخ قويق فحرفته العامة إلى الشيخ قويق. وعندي أن لفظة قويق تحريف قواق لا تصغير قاق، وهي أي قواق يجوز أن تكون من الكلمات التي يستعملها الآن عرب البادية مما لم تحط به معاجم اللغة. وذلك أن عرب البادية يسمون مجرى ماء المطر في المطر «قواق» يلفظون قافها كافا مفخمة. ولما كان نهر حلب معظم مائه من المطر سمي بهذا الاسم، فهو على هذا التقدير لفظ عربي. ويجوز أن تكون هذه الكلمة وهي قواق لفظة تستعمل الآن بالتركية بمعنى الحور، وهو الشجر المعروف وذلك أن هذا النهر كان ولم يزل يزرع على شطوطه في مبدئه من بلاد عينتاب شجر الحور فينمو وينجب ويباع منه مقادير عظيمة. فعرف النهر به لكثرة زرعه عليه. والذي يؤيد هذا أن إطلاق هذه اللفظة على هذا النهر لم يكن إلا في أيام دولة بني طولون إذ أنهم أول قوم من الأتراك حكموا حلب بعد فتحها. ويؤيد ذلك أن هذا الاسم للنهر المذكور لم نره في شيء من النظم والنثر أقدم من كلام الشاعر البحتري الذي استغرقت حياته جميع أيام الدولة المذكورة. كان هذا النهر يسمى قديما شالوس. وقال دارفيو إن هذا النهر يقال له سيغا أو سيكويم وإنه كان يسمى قديما بيلوس. وسماه كزانفون اليوناني

стр. 50

خالس. قال: وهو نهر صغير فيه أنواع من السمك والسوريون يحسبونه إلهة ولا يسمحون لأحد أن يصيده وكذلك الحمام كانوا يعبدونه ولا يرضون على من يؤذيه. اه. قلت: المعروف عندنا الآن أن مبدأ هذا النهر من عينتاب. وبعد أن يتصرف أهل عينتاب بمائه كما شاؤوا تجري منه بقية إلى حلب فتمر على قريتي ساسغين وجاغدغين في قضاء عينتاب فتمده عيونهما فيعظم. وعند وصوله إلى قرية حيلان على بعد ثلاث ساعات من حلب يدخل نحو ثلثه في معبر إلى قناة حلب، والثلثان يجريان لسقاية البساتين في حافتيه. ثم في قرب حلب تمده العين البيضاء وعين التل. وبعد أن يجاوز قرية الشيخ سعيد بنحو ساعتين تنصب إليه العين المباركة ويسقي بساتين قرية الوضيحي، وقرية الحاضر، ثم لا يزال يجري حتى يغور في أجمة المطخ. وفي الصيف يفنى ماؤه في سقاية الأراضي بقرية خان طومان لقلة مائه حينئذ. ولو اعتنت الحكومة به صيفا ومنعت القرى المجاورة له قبل حلب من سقي أراضيهم منه لقام بكفاية حلب وبساتينها أتم قيام بدون مضايقة ولا تقسيط، فإن أصحاب البساتين كثيرا ما يقسطون ماءه صيفا، فيأخذه الشماليون أسبوعا والقبليون أسبوعا. ورأيت في سجلات المحكمة الشرعية بحلب إعلاما تاريخه ١١٥٩ يتضمن منع أهل قرية ساسغين وجاغدين من أخذ ماء تلك العيون لسقي أراضيهم. وقد اعتادت الحكومة أو دائرة البلدية أن تجمع في كل سنة من مستحقي مائه مالا تسميه مال النهر، تصرفه على تصليح حوافيه وكري «١» الوحول الراسبة فيه. ولهذا النهر في بعض السنين طغيان عظيم من كثرة الأمطار فينبسط ماؤه إلى مسافة ميل من جانبيه ويحطم ما عليه من النواعير، ويعطل بعض الأرحاء، ويقلع كثيرا من الأشجار، ويتلف الزروع الشتوية في البساتين ويهدم بيوتا كثيرة من محلة الوراقة على حافته الغربية. لكن هذا الطغيان لا يدوم فوق عشرين يوما ثم يأخذ بالتناقص حتى يعود إلى حالته الأولى. وقد طغى في زمن سيف الدولة الحمداني حتى أحاط بداره على سفح جبل الجوشن وفي ذلك يقول أبو الطيب المتنبي «٢» : حجّب ذا البحر بحار دونه ... يذمّها الناس ويحمدونه! يا ماء هل حسدتنا معينه ... أم اشتهيت أن ترى قرينه؟

стр. 51

أم انتجعت للغنى يمينه ... أمن زرته مكثّرا قطينه؟ أم جئته مخندقا حصونه ... إنّ الجياد والقنا يكفينه يا ربّ لجّ جعلت سفينه ... وعازب الروض توفّت عونه إلى أن قال في سيف الدولة: بحر يكون كل بحر دونه ... شمس تمنّى الشمس أن تكونه وقد طغى هذا النهر الصغير على الصليبيين وهم يحاصرون حلب فأغرق خيامهم وشتت شملهم، وتمكن آق سنقر من حلب بعد طغيانه بيوم واحد. أما الحيوانات المائية في هذا النهر فهي نوع من السمك يعرف عندنا بالإنكليزي، لذيذ جدا وهو يشبه سمك الحيات المعروف باسم ما رماه. وزعم بعض مؤرخي الفرنج أن الملكة هيلانة هي التي جلبت جرثومة «١» هذا السمك من جهات رومة إلى برك الخليل قرب قرية هيلانة المذكورة. والله أعلم. ومما يوجد في هذا النهر أيضا سمك صغير الحجم جدا يعرف بالقبوضي، وسمك كبار مفلس يشبه الفراتي أي سمك نهر الفرات، يسمونه البنّي، وأهل حلب يحبون هذا النوع من السمك ويقولون فيه من أمثالهم: (إن شفت أطيب منّي لا تأكلني) . ويوجد في هذا النهر أيضا كثير من الحيات المائية والسرطانات والسلاحف حتى إن بعض الناس يدعونه بنهر السلاحف. قال ابن الشحنة: عاف قوم ماء قويق لكثرة السلاحف فيه. ولهذا اشتهر منه المكان المعروف «٢» بجسر السلاحف. وغاب عنهم أن في وجودها نفعا كبيرا فإن دم السلحفاة ينفع المصروع وكذا مرارتها والتلطخ بدمها ينفع من وجع المفاصل. انتهى. ومما يكثر فيه أيضا الضفادع التي تصدع بنقيقها من كان قريبا منها، خصوصا إذا قل ماؤه، وتكتبت كتائب في غدرانه المترقرقة فإنها يزداد نقيقها ولا تكاد تسكت. وإلى ذلك أشار بعضهم بقوله «٣» : قويق إذا شمّ ريح الشتا ... ء أظهر تيها وكبرا عجيبا

стр. 52

وماثل دجلة والنيل وال ... فرات بهاء وحسنا وطيبا «١» وإن أقبل الصيف أبصرته ... ذليلا حقيرا حزينا كئيبا إذا ما الضفادع نادينه ... قويق قويق أبى أن يجيبا وتمشي الجرادة فيه فلا ... تكاد قوائمها أن تغيبا والاستقاء من هذا النهر في زماننا على ثلاثة أنحاء: الأول: خليج يعرف بالعدّان، يؤخذ منه ويجرّ عن مأخذه مسافة حتى تنخفض له الأرض ويتمكن من سقايتها. الثاني: الدولاب المعروف بالغرّاف، يدور بالبقر والبغال والبراذين، وهذا أعم الوسائط. والثالث: النواعير تدور بنفسها على الماء، وهي أقل الوسائط إذ لا يوجد عليه أكثر من خمس نواعير. وفي سنة ثلاثة وثلاثمائة وألف أحضرت البلدية من بعض معامل أوروبا مضخة يديرها محرك في قوة ستة حصن، يتحرك بالبخار، نصبتها على النهر في بستان إبراهيم آغا أمام الكتاب، وسلطت ماءها إلى جنينة الناقوس قرب العبارة الجارية في أملاك البلدية، فلم تنجح هذه الآلة لكثرة نفقتها وقلة مائها. هذا وإن الانتفاع بماء هذا النهر شربا وغسلا لا يزال ممكنا حتى يصل إلى الدبّاغة جنوبي جسر باب أنطاكية على غلوة «٢» منه وهناك يفسد ماؤه فيحمر لونه من الأصبغة وينتن ريحه ويتغير طعمه من روث الجلود التي تغسل فيه. جر الساجور إلى قويق في سنة ٧١٣ اجتهد بجر نهر الساجور إلى قويق الأمير سيف الدين سودون النّاصري نائب حلب، فصغّر غدرانه وفتح له جدولا طوله أربعون ذراعا صرف عليه ثلاثماية ألف درهم أكثرها من ماله، فاخترمته المنية قبل إتمامه سنة ٧١٤ ودفن بتربته خارج باب المقام.

стр. 53

ولما أتى إلى حلب الأمير سيف الدين أرغون دوادار الناصري سنة ٧٣٠ نائبا، وبنى مدرسته وتربته التي هي عند باب الحديث تجاه حمام سوق الخيل المعروفة الآن بالشيخ قويق، احتاج إلى ماء عذب يجري إلى مدرسته المذكورة فهندم قناة عظيمة تجري من الساجور وتصبّ في نهر قويق، واستلم ماءها من عند قرية هيلانة من نهر قويق وحرفها إلى قناة حلب، ثم أخذ منها مقدار كفاية مدرسته المذكورة. وقد حفر نهر الساجور ووسع مضيقه وجمع الناس على ذلك بحيث كمل العمل في قرب ستة أشهر بعد تعب زائد وإنفاق مال كثير. وكان وصول الماء إلى حلب سنة ٧٣١ وكان يوم وصوله مشهودا. خرج النائب والأمراء والأعيان لتلقّيه مشيا إلى ظاهر البلد بالتكبير والتهليل، فرحين مسرورين. وفي ذلك يقول القاضي الفاضل شرف الدين الحسيني ابن الريان: لما أتى نهر الساجور قلت له: ... ماذا التأخّر من حين إلى حين؟ فقال: أخّرني ربي ليجعلني ... من بعض معروف سيف الدين أرغون وقال القاضي الفاضل بدر الدين الحسن بن حبيب الحلبي: قد أصبحت شهباؤنا تثني على ... أرغون في صبح وديجور من نهر الساجور أجرى لها ... للناس بحرا غير مسجور والمفهوم من هذا وما أجريته من الاستقصاء أن قناة حلب قبل أرغون هذا كانت تجري من ماء برك الخليل فقط وأن جريان ثلث نهر قويق إليها كان في أيام أرغون لا قبلها أخذه عوضا عن ماء الساجور الذي أجراه إلى قويق ثم انقطع الساجور وبقي جريان هذا الثلث مستمرا. على أن الساجور بعد أن ساقه أرغون على الصفة المتقدم ذكرها استمر يجري إلى نهر حلب حتى حدث بها زلزلة شديدة سنة ٩٤٠ فتهدمت الجسور التي بناها أرغون وأجرى الماء من فوقها وانقطع الماء. وكان أرغون قد وقف على هذه الجسور لتعميرها وترميمها وقفا عظيما، لكن هذا الوقف قد تداولته أيدي الغصب، وبقي الساجور منقطعا عن نهر حلب. كان مكتوبا على إحدى عضادات الجامع الكبير ما صورته: لما كان بتاريخ رابع جمادى الآخرة سنة ٩٠١ ورد المرسوم الكريم العالي المولوي الملكي المخدومي الكافلي السيفي الأشرفي مولانا الملك الناصر كافل المملكة الحلبية بأن لا يسقى من ماء الساجور الواصل

стр. 54

إلى حلب زرع حاسين وفافين وملعون من يزرع على ماء الساجور زرعا. قلت: قرية حاسين وفافين في شمالي حلب على بعد نصف مرحلة منها، ونهر قويق يجري من فافين، وقسم منه يجري إلى حاسين بواسطة قود طاحون فيها. ومكتوبا على عضادة أخرى في الجامع الكبير ما صورته: لما كان بتاريخ سبعة وعشرين جمادى الآخرة سنة ٩٠٢ ورد المرسوم العالي المولوي المخدومي كافل المملكة الحلبية المحروسة الملك الناصر بإبطال ما كان يؤخذ من وقف نهر الساجور الواصل إلى حلب، وملعون ابن ملعون من يأخذ على جباية الوقف المذكور بارة الفرد، ويجدد هذه المظلمة أو يعين على إعادتها أو يأمر بإعادتها. انتهى. قلت: ولم يزل الساجور منقطعا عن حلب إلى سنة ١٠٤٠ فاجتهد هذه السنة بجرّه مرة ثانية رجل من أغنياء الحلبيين يقال له نعسان آغا ووقفت عليه وقفا جيدا من خانات ودكاكين وأفران ودور وغير ذلك مما يقوم بوظيفة عمله إذا توهن، فقال بعضهم يمدحه: لما أتى حلب الساجور قلت له: ... كيف اهتديت وما ساقتك أعوان؟ فقال: كانوا نياما عن مساعدتي ... حتى تيقّظ طرفا وهو نعسان ولم يزل يجري الساجور إلى حلب حتى امتدت إلى أوقافه أيدي المتغلبين وأخذت جسوره بالخراب شيئا فشيئا حتى تعطلت عن آخرها، وذلك في حدود سنة ١١٣٥ وبقي مقطوعا إلى سنة ١١٥٠ وفيها اهتمت الحكومة بإعادته فجمعت مالا عظيما من الحلبيين وصرفته على تصليح مجراه القديم فعاد يجري إلى نهر قويق مقدار ربعه في الزمن السابق ولم يلبث غير سنيّات حتى تعطلت مجاريه وانقطع بالكلية كأن لم يكن. وفي سنة ١٢٨٧ قل الماء في حلب. ويبست المشاجر فاهتمت الحكومة بجر الساجور إلى حلب وجمعت من الناس نحو مائتي ألف وأحد عشر ألف قرش، وعملت له مجرى غير مجراه القديم حتى استقام العمل على زعم بعض المهندسين. وفي يوم جرّه إلى قويق خرج الناس إلى الملتقى بالطبول والزمور ووقفوا هناك ينتظرون مجيء الماء إلى أن حان المساء فجاءهم مخبر يقول لهم إن العمل لم يكمل بعد فرجعوا بالخيبة. ثم شاع أن نهر الساجور

стр. 55

لا يمكن جرّ مائه إلى قويق لانخفاض مجراه عن نهر حلب كذا أذرع «١» . فيئس الناس من مجيئه بعد طول أملهم به. وفي ذلك يقول بعض أصحابنا مماجنا: قالوا أتى الساجور، قلت مجاوبا: ... ما جاء ساجور ولا خابور قالوا: جرى في الماء محمرّا وقد ... ملأ الحياض، فقلت: ذا يغمور يغمور كلمة تركية معناها المطر. وقال بعض المعاصرين في ذلك أيضا: من قال إن المستحيل ثلاثة ... لم يدر رابعها فخذه بلا تعب الغول والعنقاء والخلّ الوفي ... ومياه ساجور تجيء إلى حلب قناة حلب قناة حلب قديمة قبل الإسلام وسائقها من محلها غير معلوم إلا أنها كانت على صفة جدول يفيض من برك الخليل قرب قرية حيلان. ويجري ماؤه إلى جهة حلب فيسقي البساتين وينتهي إلى بانقوسا وما جاورها من المحلات التي كانت إذ ذاك بساتين فيفنى ماؤها فيها. ثم إن الملكة هيلانة عملت مجراها على ما هو عليه الآن وساقت ماءها إلى مباني مدينة حلب فنسبت إليها. وعلى كل حال فقد اتفق مؤرخو حلب أن ماءها في أيامهم من عيون إبراهيم الخليل بالقرب من قرية حيلان التي سبق ذكرها. قلت: هذه العيون عبارة عن ثلاث حفائر مختلفة المساحة. تعرف إحداها في زماننا ببركة الشيخ خليل والثانية ببركة العبد أو ببركة النيلوفر، والثالثة ببركة هيلانة أو بركة الرشح. وهذه البركة أعظم الحفر، وكل واحدة من هذه الحفائر ينبع ماؤها من عيون ضمنها. وفي كل واحدة منها أسربة «٢» مطبقة مهندمة تحت الأرض قد سدت بالوحول لتقادم الزمن، والظاهر أنها أقنية مياه تجري إلى البرك من عيون فيها على نسق الأقنية السريانية أو الرومانية فلو نظفت هذه الأسربة واستقصي مصدرها لكثر الماء وكفى حلب. ثم إن

стр. 56

لكل بركة من هذه البرك مفيض «١» في أعلاها يجري منه الماء قدر غلوة، ثم يختلط بماء القناة الوافدة من مقسم النهر كما سبقت الإشارة إليه وباجتماع هذه المياه في القناة يعظم ماؤها وتجري في بناء محكم نحو حلب فتمر على ناحيتي بعاذين وبابلي وتسقي بساتينهما. وفي هذه المسافة تظهر تارة وتختفي أخرى إلى أن ينخفض مجراها في قرب حلب وتنزل في جباب حفرت لها ثم لا تزال تجري حتى تدخل حلب من باب القناة وكانت تظهر عنده قديما أما الآن فلا. ثم تمر من هناك ويتفرع منها أقنية صغار حتى تصل إلى المفيض القبلي عند جامع مستدام بك فيجري ما فاض منها فوق الحجر الأسود الذي هو في ارتفاع ٢٧ سانتيمترا عن أرض القناة وطوله شرقا لغرب ٨٠ سانتيمترا ويجري هذا الفائض إلى الحارات القبلية والباقي يجري إلى بقية حارات حلب. ويتشعب منه فروع عديدة تخترق شوارع تلك الجهات وتنفذ في مساجدها وحماماتها وقساطلها. ويذكر أن هذه القناة كانت قد دثرت وجددها عبد الملك بن مروان في ولايته. وكانت حلب توصف بذات الآبار لأن جميع مياهها قبل القناة كانت من الآبار المعينة. وفي أيام حاكمها محمود زنكي أخذ منها قطعة من المطهرة التي هي غربي الجامع بسوق السلاح وعمل قسطلا إلى رأس الشعيبين وأخرج قطعة أخرى إلى الخشابين وساق منها فرعا إلى الرحبة الكبرى داخل باب قنسرين ثم انقطع ذلك بعد وفاته. اعتناء الملك الظاهر بقناة حلب قال ابن الشحنة ما ملخصه: إن قناة حلب في سنة ٦٠٥ سدت طرقها لطول المدة ونقصت ينابيعها. فاستحضر الملك الظاهر غياث الدين غازي صناعا من دمشق وخرج معهم بنفسه وأطلعهم على أصلها وأمرهم بتعديل ما يخرج من ينبوعها وما يصل إلى حلب فتبين لهم أن ما يخرج من الينبوع مائة وستون أصبعا وما يصل إلى حلب عشرون، فضمنوا له أن يكفوا بها جميع سكك حلب وشوارعها ودورها ومعابدها ويفضل منها ماء وافر يصرف إلى بساتينها وأراضيها. فأمر الملك الظاهر أن تذرع مسافتها من حيلان إلى حلب حلب فكانت خمسة وثلاثين ألف ذراع نجاري فقسم الملك الظاهر هذه المسافة قطعا وعين على كل قطعة منها أميرا معه صناع وفعلة وحمل إليهم الكلس والزيت والحجارة والآجر،

стр. 57

فأصلحت جميعها وطبقت إلا مواضع جعلها برسم تنقيتها وشرب الماء منها وأجراها إلى حلب في ثمانية وخمسين يوما. تقسيم القناة أيام الملك الظاهر قال ابن شداد: وأمر الملك الظاهر ببناء القساطل. وأول ما بنى منها قسطل على باب الأربعين (لا أثر له الآن) طوله من الشرق إلى الغرب عشرون ذراعا وعلى رأسيه قبتان وفيه أنبوبان مقدار الأصبع. ثم ساق هذه القناة إلى باب النصر وعمل حوضا كبيرا. ومنه إلى بحسيتا وعمل فيها قسطلين. وهناك ينتهي إلى المعقلية ثم ساق من أصل القناة من باب الأربعين إلى الطريق الآخذ إلى العصرونية قسما يأخذ إلى السويقة وقسما إلى البلد وما يليه وهذا الطريق الآخذ إلى البلاط فيه قسطل في رأس العقبة قدّام درب الملك الزاهر. ثم يسير إلى رأس درب الديلم وهناك قسطل ثم إلى الدرب المعروف بالبازيار، ثم إلى رأس درب بني الزهرة والطيوريين وهناك قسطل ثم إلى درب شراحيل. والقسم الآخر يأخذ إلى حمام أوران وهناك قسطل ثم إلى وسط جب أسد الله وهناك قسطل، ثم إلى باب الجنان إلى حضرة مسجد القصر وهناك قسطل، ثم يعود إلى الطريق الآخذ إلى سويقة اليهود ثم إلى باب النصر، وهناك حوض كبير يفيض ثم إلى السويقة عند دار الصبغ وهناك قسطل، وهناك بني المسجد المعلق وبه ينتهي القسم. ثم سيق من أصل الماء من القسم الذي تحت القلعة ثم إلى الأسواق وقصبة البلد مصنعة في الأرض يجتمع إليها جميع ماء القناة. ثم جعل فيها تقاسيم يخرج الماء منها على السوية فيتفرق في حلب على السواء فيخرج منها طريق إلى الجامع الكبير وما يضاف إليه وطريق إلى كتاب الأسود وما يليه، وطريق إلى باب العراق وما يليه، وطريق إلى القطيعة وما يليها. وأما طريق الجامع فبني عليه في رأس دار العدل قسطل. ثم في رأس الصاغة تحت المسجد المعلق وامتد منه إلى حمام العفيف التي عند حبس الدلبة. ثم أخذ من قسطل رأس الصاغة إلى رأس سوق النطاعين، ثم إلى شرقي الجامع وبني هناك قسطل، وفيه ينقسم الماء إلى ثلاثة أقسام، قسم منه فوارة الجامع، وقسم يسقى وسط الجامع ويصير إلى المطهرة الغربية وما يتصل بها، وقسم يأخذ إلى باب قنسرين وما يليه، فإنه يخرج إلى رأس سوق

стр. 58

العطارين العتيق ورأس المربعة وينقسم هناك قسمين؛ ثم يأخذ إلى الخشابين، وقسم إلى الدركاه فيصير إلى المطهرة الصغيرة المعروفة بتل فيروز ورأس سوق العطر. وأما قسم باب قنسرين فينقسم إلى الزجاجين فيصير إلى رأس درب أسد الدين الآخذ شمالي الأساكفة والبز وهناك قسطل. ثم يصير إلى حضرة مسجد المنحني ثم إلى درب البيمارستان. وهناك يفيض منه ثلاث أنابيب ليلا ونهارا. وأما طريق باب قنسرين فيصير إلى رأس ابن أبي الأسود، وهناك قسطل. ثم يصير إلى حضرة المسجد المعروف بابن الإسكافي وهناك قسطل. ثم يصير إلى الرحبة التي عند المسجد المحصب وهناك قسطل. ثم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يأخذ إلى الطيرة قدام المسجد المعروف بالرئيس صفي الدين طارو في رأس درب المسالخ وهناك قسطل، وهو آخر هذا الطريق، وقسم يأخذ إلى باب قنسرين، وقسم يأخذ إلى الجرن الأصغر عند المسجد وهناك قسطل. فأما القسم الذي يأخذ إلى باب قنسرين، فيصير إلى قسطل يفيض منه الماء ثلاث أنابيب، ثم يخرج منه إلى ظاهر البلد تحت برج الغنم، ثم يدخل إلى درب البنات وهناك قسطل، وهذا آخر هذا الطريق. وبالجملة فقد كثرت المياه واتّخذت البرك في الدور. ووصل الماء إلى مواضع من البلد لم يسمع بوصوله إليها قبل، حتى شرب من القناة الحاضر السليماني. اه. قال ابن الخطيب، بعد أن لخص معظم ما ذكرناه: إن الملك الظاهر وقف للقناة أوقافا لعمارتها وإصلاحها، لكن هذا الوقف اليوم لا نعرفه، وسيق الماء منها في زمن ابن الخطيب إلى قرب الجمالية خارج باب المقام. ثم انقطع بعد فتنة تيمور أو قبلها بقليل، قلت: وفي حدود سنة ١٢٨٦ قلّ ماء القناة أيضا وتسلط عليها أصحاب البساتين في ناحية بعاذين وبابلي، وصاروا يأخذون منها فوق استحقاقهم، وبقي أهل حلب يتناولون ماءها بالنوبة أسبوعا للقبليين وآخر للغربيين. ومع هذا فإن الماء كان قليلا جدا بحيث كان لا يصل إلى غالب المحلات القبلية إلا بمشقة عظيمة. فاهتم المرحوم ناشد باشا والي حلب إذ ذاك بشأن القناة وأمر بجمع المال من مستحقي القناة، فاجتمع له مبلغ عظيم، فعيّن نظّارا أو عين لكل واحد منهم فعلة

стр. 59

وقسما من القناة. فشرعوا بتصليحها من حيلان إلى حلب. وفي برهة نحو ثلاثة أشهر تم عملها وسد خللها ورفع ما كان فيها من الوحول والأحجار. ثم أخرج الوالي مقدّرين للبساتين التي تشرب منها لكي ينظروا في مقدار ما يكفيها من الماء، فقدروا لكل بستان كفايته منها وحصروه بأنبوب من الحديد مرصوف بأسفل القناة. ثم عين قواما يحرسونها دائما من تطاول البساتنة وتهدم شيء منها. فغزر ماؤها وملأ الحياض والسبلان القديمة والحديثة، ووصل إلى محلة الفردوس خارج باب المقام. ثم بعد أن عزل الوالي المشار إليه عن حلب، أخذ ماؤها بالنقص حتى صار يصعب وصوله إلى محلة الفردوس. وتغلب على مائها كثير من أصحاب البساتين، ممن ليس له فيه حق، وقد اعتادت دائرة البلدية أن تجمع في شهر نيسان غالبا من مستحقي ماء القناة مالا تسميه مال القناة، تصرفه على تنظيفها وترميم ما خرب من جدرانها، وفي مدة تصليحها يصرف ماؤها إلى النهر وتخلو البلدة من الماء الجاري، فيستعمل أهلها الماء المدخر في الصهاريج من القناة أو المطر، والبساتين التي تشرب منها تستقي بهذه المدة من الدواليب المالحة ولا تطول مدة تصليحها أكثر من شهر غالبا. الاستحقاقات المسجلة في سجلات المحكمة الشرعية قرأت في أحد سجلات المحكمة الشرعية في حلب- بيانا فيما تستحقه الجوامع والحمامات والآبار والقساطل ومحلات حلب من ماء قناتها المذكورة. على أن العمل الآن جار على خلافه فلم أر لزوما لإثباته وإنما ألمعت به هنا ليسهل الاطلاع عليه في سجلات المحكمة على من أحب أن يراه. حرر في اليوم العاشر من شوال سنة ١١٣٣. قناة الكلّاسة والمغاير يجري إلى هاتين المحلتين قناة رأسها من نهر قويق في بستان إبراهيم آغا أمام الكتاب، فتمر هذه القناة بطابق تحت الأرض إلى أن تظهر في قناة محمولة على جدار في بستان ناصر الدين، وتختفي قليلا، ثم تظهر وتجوز جسر بستان العجمي، وهناك يسمونها بالجران، ثم لا تزال تختفي تارة وتظهر أخرى حتى تصل إلى المحلتين المذكورتين، فتوزع في شوارعهما وتنصرف إلى مصانع مستحقيها. ومنشئ هذه القناة هو (الحاج موسى الأميري) .

стр. 60

قناة أخرى كثيرا ما سمعت من الناس أنه كان يجري إلى حلب قناة منبعها في جبل الجوشن. ولم أر من ذكر هذا من المؤرخين لحلب، سوى أني رأيت في درّ الحبب في ترجمة (إبراهيم ابن يوسف الشهير بالحنبلي) ما ملخصه أن إبراهيم هذا كان في سنة ٩٣٦ بذل مالا كثيرا في طلب زيادة ماء العين الكائنة في سفح جبل الجوشن بالقرب من مشهد محسن، حتى ازداد ماؤها واتسعت أرجاؤها وأغنت مجاوريها عن نقل الماء من النهر. واتفق لحجّار، طلبه إبراهيم المذكور يعمل بها، أنه قال: بلغني أنه من عمل بها مات سريعا، ولكني أعمل بها ولا أبالي. فعمل بها فمات سريعا إلى رحمة الله تعالى. قلت: وقد رأيت هذه العين وليس بها من الماء سوى رشح قليل، وهي في شمالي مشهد محسن، في الجبل، بينها وبينه مرمى حجر داخل مغار مهندمة أرضه بالحجارة. والذي يظهر أنها كان لها قوة الجريان فينصب ماؤها إلى حويض معدّ لها تجاه باب المشهد المذكور. وهذا الحويض باق أثره إلى الآن، وهو غير الحوض الملاصق هذا المشهد من شماليه الذي تجتمع إليه المياه من المطر. قناة من الفرات كثيرا ما نقل إلينا الشيوخ عن آبائهم أنه كان يدخل من باب قنّسرين إلى حلب قناة مأخوذة من الفرات، رأسها من بالس المعروفة الآن باسم مسكنة. وقد بحثت عن هذا فلم أظفر له بأصل، سوى أني اطلعت على حاشية لأبي اليمن البتروني ذكرها في خلاصة تاريخ ابن الشحنة قال: فيها كان يدخل إلى حلب قناة من جهة باب قنسرين، وإنه لما عمل الشيخ منتخب الدين ابن الإسكافي المصنع الذي في المسجد شمالي مسجد المحصب. رأيت هذا الطريق وقد نسيت فاستدللت بذلك على صحة ما قيل. في سنة ١٣٤١ ادعى جماعة متعددون أنهم مطلعون على قناة مدفونة قرب جبل الجوشن، ومنهم من ادعى أنه مطلع على قناة مدفونة في جهات بساتين الفستق في شرقي حلب. وتعهد كل مدع منهم بأنه يكفي حلب مؤونة الماء من القناة التي اطلع عليها إذا أعطته البلدية امتيازا بها. غير أنهم لم يثابروا على طلبهم الامتياز.

стр. 61

أقول: على فرض وجود هكذا أقنية في حلب وضواحيها، فهي مما لا يمكن تناول مائه إلا بواسطة دولاب أو مضخة لانخفاض أرضها عن أرض حلب. على أن هذه الأقنية وأمثالها من الأقنية الرومانية أو الكلدانية التي توجد في كثير من قرى حلب كالسفيرة وعسان والله أعلم. خاتمة اطلعت في السجل المدون المحفوظ في المحكمة الشرعية بحلب على صورة حجة شرعية سطرت بها مقادير استحقاقات البساتين من قناة حلب، تاريخها ١٧ صفر سنة ١١٥١ فليراجعها هناك من أراد الوقوف عليها. فصل نذكر فيه طرفا مما مدحت به حلب فما جاء بفضلها: ما نقل عن ابن شداد أنها مهاجر إبراهيم ﵇. وقد أقام بها مدة طويلة بعد هجرته من حرّان، ثم بيت المقدس، حتى قيل إنما سميت حلب بفعله، ومن ذلك أن نبينا محمدا ﷺ خيّر في الهجرة إلى قنسرين. وهي قصبتها، ففي الجامع الصغير عن النبي ﷺ أنه قال: «أوحي إلي: أيّ الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنسرين» أخرجه الترمذي والطبري- قلت: في هذا الحديث دلالة كادت تكون صريحة على أن أهل قنسرين أو ما جاورها من الصحراء هم عرب، تحملهم جامعة الجنس واللغة على حماية النبي ونصرته، كما هو الحال والشأن في أهل المدينة الأنصار، الأوس والخزرج. ويبعد أن يكون النبي خيّر بالهجرة إلى قوم يبعدون عن مكة تلك المسافة الشاسعة، وهم غير عرب لا تجمعه وإياهم جامعة الجنس واللغة. ونقل عن ابن شداد أيضا أنه ذكر في تاريخه ما يقتضي إطلاق قنسرين على حلب نفسها. وقال ابن خطيب الناصرية: ومن ذلك حديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض إلى آخر الحديث. فذكر ابن الخطيب أن وجه الاستدلال بهذا الحديث على فضل حلب كونه لا يصح إطلاق اسم المدينة في تلك الناحية إلا على

стр. 62

حلب، لأنها أقرب المدن إلى دابق. فصحّ أن أهل حلب من خيار أهل الأرض، ولا شك في ذلك لأن حلب هي من الأرض المقدسة التي هي خيار أهل الأرض. وعن كعب الأحبار قال: بارك الله في الشام من الفرات إلى العريش. وعن ابن شداد عن النبي ﷺ أن الرعد والبرق يهاجران إلى مهاجر إبراهيم ﵇، حتى لا يبقى قطرة إلا فيما بين العريش إلى الفرات. قال: وحلب واسطة عقد الشام وقلب صدوره والأعيان. وقال ابن الخطيب في الكلام على قناة حلب: كان جماعة من بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب وآثروها على دمشق مع طيب دمشق وحسنها وكونها وطنهم، ولا يرغب الإنسان عن وطنه إلا إلى ما هو أفضل منه. فمنهم هشام بن عبد الملك انتقل إلى الرصافة وسكنها واتخذها منزلا لصحة تربتها. ومنهم عمر بن عبد العزيز أقام بخناصرة. ومنهم مسلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة وابتنى بها قصرا بالحجر الصلد الأسود. وكان صالح بن علي بن عبد الله بن عباس قد ولي الشام جميعه فاختار أن يكون مقامه بحلب، وابتنى بظاهرها قصرا ببطياس «وهي شرقي حلب غربي النيرب وشمالها» . وولد له بها عامة أولاده. كل ذلك لما اختصت به هذه البلاد من الصحة والاعتدال والحصانة. قلت: بطياس كانت قرية على باب حلب بين النيرب وبابلي، وقد ذكرها البحتري وغيره بأشعاره. وقال أبو بكر الصنوبري يتشوق إليها وهو بالصالحية: إني طربت إلى زيتون بطياس ... بالصالحية، بين الورد والآس ثم قال ابن الخطيب: وهرقل على سعة ممالكه اختار الإقامة بأنطاكية ولما فتحت قنّسرين وسار نحو القسطنطينية التفت وقال: سلام عليك يا سوريا سلام لا اجتماع بعده. وكان سيف الدولة يفتخر بها فيقول: حلب معقلي وشاعري المتنبي. وكان سليمان بن حيدر يقول للسلطان صلاح الدين: حلب أمّ البلاد. هذا ما استدلّ به على فضل حلب وامتيازها عن غيرها. وأما ما مدحت به نظما ونثرا فهو كثير يعسر استقصاؤه، فمن ذلك ما نقل عن ابن شداد حيث قال: إن حلب أعظم البلاد جمالا، وأفخرها زينة وجلالا، مشهورة الفخار، علية البناء والمنار، ظلها ضاف، وماؤها صاف، وسعدها واف، ووردها لغليل النفوس شاف،

стр. 63

وأنوارها مشرقة، وأزهارها مونقة، وأشجارها مثمرة مورقة، نشرها أضوع من نشر العبير، وبهجتها أبهج منظرا من الروض في الزمن النضير، خصبة الأوراق، جامعة من أشتات الفضائل ما يعجز عنه الآفاق، لم تزل منهلا لكل وارد، وملجأ لكل قاصد، يستظل بظلها العقاب، وإليها العفاة «١» من كل حدب تنساب، لم تر العين أجمل من بهائها، ولا أطيب من هوائها، ولا أظرف من أبنائها. قلت: قد مدحها جماعة من مشاهير الأدباء والفضلاء كالبحتري والمتنبي والصنوبري وكشاجم والمعرّي والخفاجي وابن حيّوس «٢» ، والوزير المغربي وابن العباس الصفري وأبي فراس، والحلوي وابن سعدان، وابن حرب الحلبي، وابن النحاس وابن أبي حصينة وابن أبي الحداد وابن العجمي والملك الناصر. فمما قاله البحتري وأجاد: أقام كلّ ملثّ الودق رجّاس ... على ديار بعلو الشام أدراس فيها لعلوة مصطاف ومرتبع ... من بانقوسا وبابلّى وبطياس منازل أنكرتنا بعد معرفة ... وأوحشت من هوانا بعد إيناس يا علو لو شئت أبدلت الصدود لنا ... وصلا ولان لصبّ قلبك القاسي هل لي سبيل إلى الظّهران من حلب ... ونشوة بين ذاك الورد والآس؟ وله أيضا: يا برق أسفر عن قويق ومل إلى ... حلب وأعلى القصر من بطياس عن منبت الورد المعصفر صبغة ... في كل ضاحية ومجنى الآس أرض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت عليّ وكثّرت أنفاسي ولأبي العباس الصفري أحد شعراء سيف الدولة بن حمدان في بعاذين قوله: يا لأيامنا بمرج بعاذين ... وقد أضحك الرّبى نواره وحكى الوشي بل أبّر على ... الوشي بها منثوره وبهاره

стр. 64

وكأن الشقيق، والريح تنفي الظ ... لّ عنه «١» جمر يطير شراره أذكرتني عناق من بان عني ... شخصه، باعتناقها، أشجاره وفي بابلّا يقول الوزير أبو القاسم المغربي: حنّ قلبي إلى معالم بابلّا ... حنين المولّه المشغوف مطلب اللهو والهوى وكناس ... الخرّد الغيد والظباء الهيف حيث شطّا قويق مسرح طرفي، ... وسواقيه مؤنسي وأليفي ليس من يكثر الحنين إلى الأوطان ... إن شتّت «٢» النوى، بظريف ذاك من شيمة الكرام ومن عهد ... الوفاء المحبّب الموصوف وللمتنبي من قصيدة يشكر بها سيف الدولة وكتبها إليه من الكوفة: كلما رحّبت بنا الروض قلنا ... حلب قصدنا وأنت السبيل فيك مرعى جيادنا والمطايا ... وإليها وجيفنا والذّميل «٣» ولأبي بكر أحمد الصنوبري من قصيدة مطلعها: احبسا العيس احبساها ... وسلا الدار سلاها اسألا أين ظباء الدا ... ر أم أين مهاها سدت يا شهباء كلّ المدن ... مقدارا وجاها فإذا ما كانت المدن ... رخاخا كنت شاها «٤» وهذه القصيدة طويلة جدا يذكر فيها جميع منتزهات حلب في تلك الأيام، وقد ذكرتها على طولها في ترجمة المذكور فراجعها. وقال كشاجم من قصيدة: وما منعت جارها بلدة ... كما منعت حلب جارها

стр. 65

هي الخلد تجمع ما تشتهي ... فزرها فطوبى لمن زارها وللهو فيها، شهور الربيع، ... أريج يعطّر أزهارها إذا ما استمدّ قويق السماء ... بها فأمدّته أمطارها وأقبل ينظم أنجادها ... بفيض المياه وأغوارها وأرضع جنّاتها درّة ... ينسّي الأوائل تذكارها وقال عبد الله أبو محمد بن محمد بن سنان الخفاجي الحلبي وهو بديار بكر: سقى الهضبة الأدماء من ركن جوشن ... سحاب يروّي نوره وينير وحلّ عقود المزن في حجراته ... نسيم بأدواء القلوب خبير فما ذكرته النفس إلا تبادرت ... مدامع لا يخفى لهن ضمير وقال أبو النصر محمد بن محمد الخضري الحلبي «١» : يا حلبا حيّيت من مصر ... وجاد مغناك حيا «٢» القطر أصبحت في جلّق حرّان من ... وجد إلى مربعك النضر والعين من شوق إلى العين ... والفيض غدت فائضة تجري ما بردى عندي ولا دجلة ... ولا مجاري النيل من مصر أحسن مرأى من قويق إذا ... أقبل في المد وفي الجزر يا لهفتا منه على نغبة ... تبلّ مني غلّة الصدر ومنها: كم فيك من يوم ومن ليلة ... مرّا لنا من غرر الدهر ما بين بطياس وحيلان والمي ... دان والجوشن والجسر وروض ذاك الجوهريّ الذي ... أرواحه أذكي من العطر وزهره الأحمر من ناظر ... الياقوت، والأصفر كالتبر والنور في أجياد أغصانه ... منتظم أبهى من الدرّ

стр. 66

منازل لا زال خلف الحيا ... على رباها دائم الدرّ تالله لا زلت لها ذاكرا ... ما عشت في سرّي وفي جهري وكيف ينساها فتى صيغ من ... تربتها الطيبة النشر وكلّ يوم مرّ في غيرها ... فغير محسوب من العمر إن حلّ قلبي إليها فلا ... غرو حنين الطير للوكر يا ليت شعري هل أراها وهل ... يسمح بالقرب لها دهري وقال أبو العلاء المعري: يا شاكي النوب انهض طالبا حلبا ... نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس واخلع حذاك إذا حاذيتها ورعا ... كفعل موسى كليم الله في القدس وقال عبد الله بن عباس الصفري متشوقا وهو بدمشق: من مبلغ حلب السلام مضاعفا ... من مغرم في ذاك أعظم حاجه أضحى مقيما في دمشق يرى بها ... عذب الشراب من الأسى كأجاجه وقال أبو فراس الحمداني: وأبيت مرتهن الفؤاد بمنبج م ... السوداء، لا بالرقّة البيضاء الشام، لا بلد الجزيرة، لذّتي ... وقويق، لا ماء الفرت، مناثي وقال الشيخ سعد الدين محمد ابن الشيخ محيي الدين بن العربي: حلب تفوق بمائها وهوائها ... وبنائها والزّهر من أبنائها ظلّت نجوم النصر من أبراجها ... فبروجها تحكي بروج سمائها والسّور، باطنه ففيه رحمة ... وعذاب ظاهره على أعدائها بلد يظلّ بها الغريب كأنه ... في أهله فاسمع جميل ثنائها وقال شمس الدين محمد بن العفيف من قصيدة: أقول والبارق العلويّ مبتسم ... والريح مقبلة والغيث ينسكب إذا سقى حلب من مزن غادية ... أرضا فخصّت بأوفى قطره حلب

стр. 67

أرض متى قلت من سكّان أربعها؟ ... أجابك الأشرفان الجود والحسب قوم إذا زرتهم أصفوك ودّهم ... كأنما لك أمّ منهم وأب ولعيسى بن سعدان الحلبي متشوقا: يا لبرق كلما لاح على ... حلب مثّلها نصب عياني بات كالمذبوب في شاطي قويق ... ناشر الطرّة مسحوب الجران كلما مرّت به ناسمة ... موهنا جنّ على باب الجنان ليت شعري من ترى أرسله ... أنسيم البان أم رفع الدخان وقال أبو سعيد ابن العزّي من قصيدة: أيا ساكني الشهباء عندي لعهدكم ... قديم ولاء لم يشب بملال أياديكم عندي أياد عميمة ... توالت، وما شكري لها متوال أقوم بشكر أرتضيه لمثلكم ... لقد كلّفت نفسي إذا بمحال أيا راحلا يزجي الركائب ظلّعا ... رويدك من أين لها وكلال إذا حلب يممت ساحة أرضها ... فحيّ قياما بالمقام غوال وعرّج بباب الأربعين مبلّغا ... سلامي أحبابا به وموال وطارحهم عني قديم مودة ... أغار عليها أن تمرّ ببالي إذا ما ذكرت الفيض فاضت مدامع ... توالى عليها وبلها المتتالي ولم آل عن باب الجنان تسليا ... لسلسال ماء كالحياة زلال سقى المشهد الأعلى فأعلام جوشن ... بواكر داني الهيدبين سجال وروّى مقرّ الأنبياء سحائب ... يؤلّفها ريحا صبا وشمال بذلت لروض الجوهريّ جواهرا ... من الدمع هنّ اليوم غير غوال أقامت بقلبي للمقام لواعج ... لمرأى أنيق عنده وجمال يذكّرني الفردوس طيب نعيمه ... فيا حسنه لو لم يثب بزوال مغان عهدت الأنس فيهن دائما ... فما بالها ولّت كطيف خيال وقضّيت أياما بها ولياليا ... فيا طيب أيامي بها وليال وما حلب إلا مقرّ مكارم ... ومعدن أفضال وكنز معال

стр. 68

إذا ظفرت كفّاك منها بصاحب ... فقل في خليل حاز حسن خلال تقصّر عن شهبائنا الشهب رفعة ... فقد جمعت وصفي علا وجلال وقال ابن عبد العزيز العجمي في قصيدة يمدح بها السلطان صلاح الدين: منازلنا حيث المزار قريب ... وداعي الهوى يدعو الهوى فيجيب سقى حلبا جفني ربوعك باكرا ... من المزن مجرور الذيول سكوب ومنها: فيا جيرة الشهباء إن طال نأينا ... وحالت حزون بيننا وسهوب صفوت لكم حبا على القرب والنّوى ... فسيّان منكم مشهد ومغيب وأخلصكم مني ودادا تصادقت ... بحسن الصفا منّا عليه قلوب وكلّ الذي يأتيه من حسناته ... زماني مع «١» هذا البعاد ذنوب فخلّوا نسيم الريح من سفح جوشن ... يوافيه منه نسمة وهبوب أحملها شوقا سلامي إليكم ... فيعبق منها للجنوب جيوب فيا ليت شعري والأماني تعلّة ... أيضحي بعيد الدار وهو قريب فيسرح طرفي في ثنيّات جوشن ... بروض رعاه العزّ وهو خصيب ويكرع من صافي قويق بمزود ... هو الدهر لي دون المياه حبيب وقال الناصر يوسف بن عبد العزيز بن الظاهر الغازي: يا برق أنش «٢» من الغمام سحابة ... وطفاؤها منه على بطياس وأدم على تلك الربوع وأهلها ... غيثا يروّيها مع الأنفاس وعلى ليال بالصفاء قطعتها ... مع كل غانية وظبي كناس وقال الملك الناصر: سقى حلب الشهباء في كل أزمة ... سحابة غيث نوءها ليس يقلع فتلك دياري لا العقيق ولا الغضى ... وتلك ربوعي لا زرود ولعلع

стр. 69

وله أيضا: لك الله إن شارفت أعلام جوشن ... ولاحت لك الشهبا وتلك المعالم فبلّغ سلامي من محبّ متيم ... ينوح اشتياقا حين تشدو الحمائم ولبعضهم من قصيدة: حيّا الحيا تربة شهباء من حلب ... بما تدرّ به الأنواء من حلب وصاب أرجاءها صوب العهاد ولا ... زال السحاب عليها خدّ منسحب ومنها: من لي بها ورداء الوصل يجمعنا ... ونحن نرفل في موشّيها القشب آها على طيب أيام لنا سلفت ... لو كان ينفع تأويه لمكتثب ما إن تذكرت أوقات السرور بها ... إلّا ورحت حليف الهم والكرب ومات طرفي بماء الدمع في غرق ... ومهجتي بزناد الشوق في لهب لأن بكيت على داري ونحت بها ... فلست أول محزون ومنتحب ولشرف الدين بن سليمان الحلبي مجاوبا لأخيه بدر الدين: أيا ساكني الشهباء جادت ربوعكم ... دموعي إذا ما الغيث ضنّ غمامه «١» لئن «٢» لاح برق في حمى الحيّ موهنا ... فمن نار وجدي يستمدّ ضرامه وإن هب معتلّ النسيم على الرّبى ... فمن سقم جسمي يستعير سقامه أتاني كتاب منكم ففضضته «٣» ... كما شقّ عن ثوب الرياض كمامه وقبّلته حتى محوت سطوره ... ولذّ لقلبي في البعاد التثامه فمنّي عليكم طيّب النشر عاطر ... يفضّ لديكم كلّ وقت ختامه

стр. 70

ولمحمد بن إسماعيل الآمدي: سقى حلبا ومن فيها سحاب ... كدمعي حين يهمي بانسجام فإنّ بها، وإن شطّت، مغاني ... أحباء على قلبي كرام سلام كلما هبّت قبول ... عليهم من محبّ ذي ذمام سلام متيّم صبّ كئيب ... معنّى مدنف حلف السقام وله: سقى الله وادي بانقوسا من الحيا ... سماء «١» يروّي تربه ويصيب وحيّا به قوما كراما أعزّة ... عليّ وذكراهم إليّ حبيب صحبتهم والشعر أسود حالك ... وغصن التصابي والشباب رطيب إذ العيش غضّ والزمان مساعد ... وقد غاب عنا حاسد ورقيب وقال تقي الدين بن حجة: غدت حلب تقول دمشق حفّت ... بأنواع من الورد الغريب فبالجوريّ إن هي كاثرتني ... قنعت أنا ببستان النصيبي وللصنوبري: وللظهر من حلب منزل ... تثاب العيون على حجّه أعد نحو جوشنه نظرة ... إلى سمته وإلى برجه إلى بانقوسا وتلك التي ... حكت راكبا لاح من فجّه لترتاض نفسك من روضه ... ويمرح طرفك في مرجه ولابن سنان الخفاجي: قل للنسيم: إذا حملت تحية ... فاهد السلام لجوشن وهضابه واسأله هل سحب الربيع رداءه ... فيها وجرّ الفضل من أهدابه وتبسمت عنه الرياض وأفصحت ... بثناء بارقه ومدح سحابه فلقد نحلت وعادني من نحوه ... شجن بخلت به على خطّابه

стр. 71

وقال منصور النحوي: عسى مورد من سفح جوشن نافع ... فإني إلى تلك الموارد ظمآن وما كل ظنّ ظنّه المرء كائن ... يقوم عليه للحقيقة برهان ولابن سنان الخفاجي: يا برق طالع من ثنيّة جوشن ... حلبا وحيّ كريمة من أهلها واسأله هل حمل النسيم تحية ... منها فإن هبوبها من سبلها ولقد رأيت فهل رأيت كوقفة ... للعين يشفع «١» هجرها في وصلها ولابن الوردي: عليك بصهوة الشهباء تكفي ... بجوشنها محاربة الزمان فللغرفات في طيب شميم ... يضوع شذاه من باب الجنان ولعمر اللبقي: يمّم حمى حلب تلق السرور على ... جبين أبنائها النيّر «٢» البهج فعج ولج وتأمل بلدة شملت ... باب الجنان وباب النصر والفرج وليوسف الدمشقي نقيب أشراف حلب: قال لمن رام النّوى عن بلدة ... ضاق فيها ذرعه من حرج علّل القلب بسكنى حلب ... إنّ في الشهباء باب الفرج انتهى ما أوردته في مدح حلب نظما ونثرا. ولو أطلقت في ذلك عنان القلم لا تسع المجال وأفضى الحال إلى الملال. وفي هذا القدر كفاية. قال أبو ذر، سبط ابن العجمي: ولم يهج حلب إلا من نزح منها إما لقهر «٣» . وكان هذا في وقت ما، ولا يضرها هذا في كثرة ما مدحت به كما قال ابن الوردي:

стр. 72

بالجهل والجاه لا بالعلم والأدب ... تنال ما شئت ممن شئت في حلب وأجازه ابنه فقال: ولا تقل شاع بين الناس حسن ثنا ... عن أهلها فلكم قد شاع من كذب أقول: لم نسمع لابن الوردي في مذّمة حلب غير هذا البيت. وأما في مدائحها فله فيها أشعار مشهورة ومقالات في كتبه مدونة مسطورة لم نورد منها هنا شيئا استغناء بشهرتها. وقال من قصيدة الفراسة: وحلب خزانة الذكاء ... وموطن العفّة والحياء طالعها للغرباء سعد ... وهي لمن فيها شقا وكدّ لكنها تعطي دقيق العلم ... لأهلها من بعد لطف الفهم لكنها نتيجة التلاحي ... وموطن المراء والكفاح والعصبيات لديهم وافره ... وعلقة الحذق عليهم ظاهره ذكر قصيدة الفراسة هذه أرجوزة تعد ٢٣٨ بيتا. وقد تضمنت ذكر فضائل الأجناس وما خص كل جنس من جميل الطبع وقبيح الخلق، وأثر كل بلدة «١» بأهله على سبيل الاختصار، وهي من النوادر العزيزة الوجود بحيث لم أطلع عليها في غير مسودة تاريخ كنوز الذهب. وكان المرحوم الأستاذ الشيخ طاهر الجزائري رآها عندي في إحدى زياراته منزلي وطلب مني أن أسمح له بنقلها فاعتذرت له ولم أجبه على طلبه حرصا عليها. وأخبرني أنه لم يرها مدة حياته سوى مرتين هذه المرة إحداهما، مع كثرة اطلاعه وولعه بالبحث والتنقيب عن الكتب المخطوطة النادرة. والذي ظهر لي أن قلة وجودها ناشئ عما تشتمل عليه بعض فصولها من بيان عيوب الأمم والبلدان وذكر مساويهما. وهذا هو السبب الذي منعني عن تحريرها في هذه المقدمة. وإن كانت مما له علاقة قوية بالتاريخ. والغالب على الظن- استدلالا

стр. 73

من أسلوبها واستنباطا من تسميتها البلدان والأقاليم وأجناس الناس بأسمائها المذكورة فيها- أنها مما نظم في القرن الرابع أو الخامس. وإليك عناوين فصولها التي تكلم في كل فصل منها عن محاسن ومساوي أمة أو بلدة. وهي بعد خطبتها: (ذكر العرب) (ذكر الفرس) (ذكر أجناس الترك) (ذكر الديلم) (ذكر الأكراد) (ذكر الروم) (ذكر الأرمن) (ذكر الفرنج) (ذكر اللان) (ذكر الهند) (ذكر السند) (ذكر البربر) (ذكر الزرنج) (ذكر أجناس السودان) (ذكر صقع سرنديب) (ذكر خراسان) (ذكر نيسابور) (ذكر أصفهان) (ذكر الري) (ذكر مرو) (ذكر طوس) (ذكر هراة) (ذكر همذان) (ذكر الأهواز) (ذكر مازندران) (ذكر البصرة) (ذكر الكوفة) (ذكر بغداد) (ذكر بابل) (ذكر الموصل) (ذكر الجزيرة) (ذكر نصيبين) (ذكر سنجار) (ذكر حرّان) (ذكر الرّها وماردين وآمد) (ذكر الرافقة) (ذكر الشام) (ذكر منبج) (ذكر حلب) (ذكر حماة) (ذكر شيزر والمعرة) (ذكر حمص) (ذكر دمشق) (ذكر فلسطين) (ذكر مصر) (ذكر المغرب) (ذكر الحجاز) (ذكر اليمن) . فصل ملحق بما مدحت به حلب لا يخفى أن البلد إنما يفوق غيره ويفضل عليه بجودة هوائه ومائه، وجمال بنائه وأبنائه، وطيب تربته وحسن بضائعه ورخص أسعاره، وسعة تجارته وعظمه وشرف موقعه وكثرة منتزهاته ومبانيه العلمية والخيرية. فأما جودة هواء حلب وصحة مناخها فذلك أمر مستفيض اعترف به الأغراب، وأخبر عنه السواح «١» . وفضّلها كثير منهم على هواء أكثر مشاهير البلاد العثمانية. وناهيك دليلا على ذلك نضارة وجوه أهلها، واعتدال أجسامهم ولطف ألوانهم وقلة العاهات والأمراض فيهم، مع تهاونهم بحفظ صحتهم. فلو عددت من فيهم من العمي والصمّ والحدبان والعرج والمقعدين والمجانين والمعتوهين والمصروعين، وغيرهم من ذوي الآفات والزمانات لما زادوا جميعا على واحد في الألف. ومن محاسن حلب أن فتك الأمراض الوبائية فيها أقل منه في

стр. 74

غيرها. والظاهر أن العدوى من حيث هي ضعيفة النكاية في حلب، فقد شاهدنا فيها كثيرا من الناس الذين يلامسون المصابين بأمراض تنتقل بالعدوى ويأكلون ويشربون من آنيتهم ولا يصابون بمرضهم. وأما ماؤها المركّز في صهاريجها فهو من أعذب المياه وأصفاها وألطفها. ونقل ابن الشحنة عن بعض العلماء أنه فضّل ماء صهاريجها المملوء من قناتها على ماء النيل والفرات. وفي ماء حلب يقول أبو فراس: لقد طفت في الآفاق شرقا ومغربا ... وقلّبت طرفي فيهما متقلبا فلم أر كالشهباء في الأرض منزلا ... ولا كقويق في المشارب مشربا ومن فضل صهاريج حلب أن الغني والفقير في مائها على السواء. وذلك أن الفقير يمكنه أن يشرب في أوقات القيظ كل شربة، ماء عذبا باردا نقيا يتناوله من صهريج بيته أو صهريج محلته المباح للعموم، بخلاف بقية البلاد الكبيرة فإن فقيرها لا يمكنه أن يشرب في إبّان القيظ كل مرة من الماء المذكور، لأنه يحتاج إلى ثمنه أو ثمن الثلج الذي لا يخلو شربه عن الضرر أيضا أو التحليل على تبريده بغير واسطة. وأما بناؤها فقد جمع بين حسن الظاهر والباطن، فترى الجدار من جهتيه كأنه سبيكة فضة، والقادم على حلب يشاهد صعيدها كأنه مليء بقصور من فضة مموهة بالذهب، وهذا مع إتقانه ومتانته وقلة كلفته. فأما إتقانه فإن كل دار في حلب تصلح أن تكون حصنا في غيرها. وأما قلة كلفته فحسبك أن من يملك نحو ثلاثمائة ذهب تركي، يمكنه أن يعمّر بها دارا كاملة المنافع والمرافق يسكنها ذو أسرة يبلغ عددها سبعة أشخاص. ويتمتع بها هو وأعقابه من بعده مئات من السنين. وكثيرا ما يوجد عندنا دور مضى عليها خمسمائة سنة وهي عامرة آهلة، ربما بقيت خمسمائة سنة أخرى. والحكمة في إتقان بناء حلب هي لزوجة ترابها المعدّ للبناء وقوة كلسها ومهارة بنائيها وجودة حجارتها. فإنه يوجد في مقاطعها من الحجر الصلد الصلب الذي لا تكاد تعمل فيه المعاول، إلى الحجارة التي يمكن حتّها ونحتها بأدنى كلفة. فما بين هذين النوعين زهاء عشرة أنواع، لكل نوع منها لون ومحل من البناء، كالنحيت المائل للصلابة، والنحيت الهشّ، ولونهما أبيض، واللبن والرخام الأبيض والأصفر والأسود والسماقي والمرمري

стр. 75

وحجر القوف الذي تعمل منه الأرحاء، ولكل نوع منها مقطع خاص به في ضاحية حلب. والغالب أن تكون الدار المعتبرة عند أكثر قدماء الحلبيين رحبة يسمونها صحنا مفروشة بالرخام الملون، مساحتها عشرون ذراعا في مثلها أو أكثر. في جهتها الجنوبية المتجهة للشمال إيوان، في كل من جانبيه وصدره بيت يعرف بالقبة. وقد يكون فوقه غرفة تعرف بالمربع. وتحته قبو يعرف بالمغارة يهبط إليها بدركات. وتجاه الإيوان حوض يجري إليه الماء من القناة أو من حاصل يملأ من بئر الدار. ووراء الحوض دكة يسمونها مصطبة. وراءها أو في كل من جانبيها حديقة فيها أشجار من الفصيلة العالية الدائمة النضارة والاخضرار، وفوق هذه الدكة عريش جميل الصناعة، عرش عليه الياسمين أو ما هو من فصيلته، وفي كل جهة من بقية جهات الصحن بيوت قائمة على مغاير معدة لحفظ المؤونات. أما الدور العظيمة القديمة، فالغالب أن تكون جهتها الموجهة إلى الجنوب خالية من الغرف والخلوات، كأنهم كانوا يتحاشون من البناء في هذه الجهة فرارا من حرها في فصل الصيف لأن الشمس تتسلط عليها أكثر من تسلطها على غيرها من بقية الجهات. ثم إن الدار العظيمة قد يكون فوق كل مسكن منها غرفة عالية تعرف بالمربع، سوى البيت القائم في الجهة الغربية الموجهة شرقا، فالغالب خلوّ سطحه عن الغرفة دفعا لمعارضة الهواء الغربي. وفي الدور العظام القديمة قد تكون الجهة الموجهة جنوبا معمورة بقاعة ذات أواوين وغرف فسيحة الرحاب عالية القباب واسعة العتبة، فيها حويض يعرف بالفسقيّة «١» . وقد يكون في مثل هذه الدار حمام مختص بسكانها، والبعض من هذه الدور يكون فوق إحدى جهاتها عدة غرف. تجاهها مصيف سماوي أو مسقوف يعرف ذلك بالديوانخانة. وفيها ما يكون فيه بيت سقفه قبة مستطيلة معقودة بالقرميد أو الحجر، فيها نحو مائة نافذة صغيرة مسدودة بطاسات من الزجاج الكثيف الملون، يعرف هذا البيت بالثكنة وفيها ما له دار صغيرة تعرف بدار المطبخ معدة للطبخ وسكنى الطباخ والخدم. وهذه الدار كلها يقال لها الحرم. ويتصل بها غالبا دار دونها في العظم وعدد المساكن لها مدخل مختص بها، يقال لها القناق أو الأوطة، معدّة لنزل المسافرين ومجالسة الأحباب وأصحاب المصالح، فترى الرجل عندنا ممتّعا من داره بجنّة دائمة يتنقل فيها في كل فصل إلى ما يلائمه من المساكن. والمرأة المحتجبة تنال
следующие страницы →