Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
سنة ٤٠٢ انقراض دولة بني حمدان من حلب:
في هذه السنة أغار صالح بن مرداس في ٥٠٠ فارس على حلب وطالب مرتضى الدولة بجوائز الكلابيين مستضعفين إياه بسبب تسلط حكومة مصر عليه. فاحتال مرتضى الدولة على الكلابيين وأدخلهم إلى حلب وأغلق عليهم أبوابها وقتل منهم نحو ٢٠٠ وأسر ١٢٠ بينهم صالح، وتزوج «جابرة» امرأة صالح بإكراه أهلها على زواجها. وقيل: بل أكره صالح على طلاقها.
ثم إن صالحا نقب حائط السجن وألقى نفسه من سور القلعة وهرب واجتمعت عليه بنو كلاب ونزلوا على قرية تل حاصد فألف مرتضى الدولة جندا من أهالي حلب، فيهم اليهود والنصارى وأخلاط من الناس، ووقعت المصادمة عند تل حاصد فانكسر جيش مرتضى الدولة وأسر وقيده صالح بالقيد الذي كان في رجله ثم افتدى نفسه بمال وعاد إلى حلب.
سنة ٤٠٦ عصيان فتح على مولاه مرتضى الدولة:
فيها عصى فتح على مولاه مرتضى الدولة، وكاتب الحاكم وأظهر طاعته وخطب باسمه ولقب بمبارك الدولة، والتجأ مرتضى الدولة إلى الروم في أنطاكية.
стр. 1052
سنة ٤١٤ استيلاء المرداسيين على حلب
في هذه السنة ضعف أمر الدولة الفاطمية بمصر وطمع عرب البادية بالشام والجزيرة وتحالفوا على اقتسامهما فيما بينهم، على أن تكون حلب- إلى عانة- لصالح، والرملة إلى مصر لحسان بن مفرّج «١» الطائي، ودمشق وأعمالها إلى سنان بن عليان. فزحف صالح إلى حلب وقاتل عليها ابن ثعبان أو شعبان الكتامي، والي حلب من قبل المصريين، فاستولى صالح على حلب.
حوادث الدولة المرداسية في حلب سنة ٤١٥: دفن قاضي حلب حيّا:
في هذه السنة قبض صالح على قاضي حلب ابن أبي أسامة، ودفنه حيا في القلعة.
فقال بعضهم في ذلك:
وأد القضاة أشدّ من ... وأد البنات عمى وعيّا
أدفنت قاضي المسلمين م ... بقلعة الشهباء حيّا؟
سنة ٤١٦ إسناد صالح الوزارة إلى تاذرس النصراني:
فيها استوزر صالح بن مرداس تاذرس النصراني وكان عنده صاحب السيف والقلم.
سنة ٤١٨ خروج صالح إلى المعرة واجتماعه بأبي العلاء:
وفي هذه السنة خرج صالح إلى المعرة للإيقاع بأهلها لأنهم خربوا الماخور. فحضر إليهم صالح واعتقلهم وصادرهم واستدعى أبا العلاء إلى ظاهر المعرة. ومما خاطب به أبو العلاء صالحا قوله: مولانا السيد الأجل أسد الدولة ومقدّمها وناصحها، كالنهار الماتع
стр. 1053
اشتد هجيره وطاب إبراده، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حدّاه، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ. فقال أبو العلاء بعد ذلك في اللزوميات هذه الأبيات:
تغيّبت عن منزلي برهة ... ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلّا الأقلّ ... وحمّ لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع منّي سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبنّي هذا النفاق ... فكم نفّقت محنة ما كسد
سنة ٤٢٠ قتل صالح وولده الأصغر وولاية ابنه نصر حلب:
في هذه السنة جهز الظاهر صاحب مصر جيشا لقتال صالح صاحب حلب، وحسان صاحب الرملة. فاقتتلوا على الأردنّ عند طبرية وقتل صالح وولده وحمل رأسهما إلى مصر، ونجا ابنه نصر فحضر إلى حلب وملكها ولقب شبل الدولة.
وفي هذه السنة خرج الروم من أنطاكية للزحف على حلب، فحاربهم أهلها وهزموهم.
سنة ٤٢١ خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى حلب:
في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل، وقيل في ستمائة ألف، للزحف على الشام، معهم ملك البلغار وملك الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج. ولما اقتربوا من حلب لحقهم عطش شديد ووقع الخلف بين أمرائهم وملوكهم، فرحل الملك وتبعهم شبل الدولة والعرب وأهل السواد حتى الأرمن، يقتلون وينهبون حتى لم يسلم من أموالهم شيء، وأسر جماعة من أولاد ملوكهم. وكان اسم ملك الروم أرمانس. وفي ذلك يقول الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة المعرّي قصيدة طويلة، أنشدها شبل الدولة بظاهر قنّسرين، مطلعها:
ديار الحيّ مقفرة يباب ... كأن رسوم دمنتها كتاب
стр. 1054
سنة ٤٢٩ قتل شبل الدولة:
في هذه السنة زحف الدزبري (وهو قائد العلوي صاحب مصر) على حلب فتغلب عليها وقتل شبل الدولة.
سنة ٤٣٣ موت الدزبري واستيلاء أبي علوان على حلب:
فيها مات الذزبري بحلب، فأسرع إليها أبو علوان، ثمال بن صالح المرداسي الملقب بمعز الدولة وملكها. وفيها نقل رأس يحيى ﵇ من بعلبكّ إلى مقام إبراهيم في القلعة.
سنة ٤٤٠ وصول عساكر مصر إلى حلب:
فيها وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع عظيم فخرج إليهم «ثمال» بجموعه وقاتلهم إلى الليل ثم عاد إلى المدينة. ثم في الغد والذي بعده خرج إليهم وقاتلهم فرحلوا عن حلب ولولا رحيلهم في تلك الليلة لأغرقهم المطر.
سنة ٤٤١ زحف المصريين على حلب:
فيها وصل عسكر من مصر إلى حلب بقيادة «رفق» فهزمهم الحلبيون وأسر رفق ومات عندهم.
سنة ٤٤٩ تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين:
فيها تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين فسلموها إلى الحسن بن ملهم.
سنة ٤٥٢ و ٤٥٣ و ٤٥٤:
فيها أساء ابن ملهم السيرة في أهل حلب فكاتبوا محمودا بن صالح المرداسي فحضر وتسلم حلب وسيّر المصريون إليها ناصر الدولة بن حمدان فجرح وأسر، واستتب ملك حلب وقلعتها لمحمود. وفي سنة ٤٥٣ استولى ثمال على حلب مرة ثانية بمعاونة المصريين.
ثم في سنة ٤٥٤ ملكها منه أخوه عطية فقصده ابن أخيه محمود بن نصر وغلبه عليها فملكها منه. وفيها جاءت برقة وتبعها صيحة سقط لها الناس لوجوههم، ومات فيها كثير من الطيور بمعرّة.
стр. 1055
وفي سنة ٤٥٧ أقطعت معرة النعمان للملك هارون بن خان ملك الترك فيما وراء نهر جيحون، أخذها حربا وخراجا فأقام بها يسيرا ثم انتقل إلى حلب وولى المعرة الأمير فارس الدولة يانس الصالحي. وفي سنة ٤٥٩ كان بالبلاد سوى الروم غلاء عظيم وموت لا سيما في حلب، فإنه مات فيها في رجب خاصة زهاء أربعة آلاف، ومات جماعة من ساداتها. وفي سنة ٤٦٠ فتح من الإفرنج حصن أرتاح على يد الملك هارون بن خان، حاصره خمسة أشهر، وهو فتح عظيم كانت أعماله بمقدار أعمال الشام من الفرات إلى العاصي، إلى أفامية إلى باب أنطاكية، إلى الأثارب. وأحصى قوم المفقودين من الفرنج في هذه السنة إلى رمضانها في الدرب إلى أفامية قتلا وأسرا، فكانوا ثلاثمائة ألف.
وفي سنة ٤٦١ أخذ ملك الروم حصن منبج وشحنه رجالا وعدّة. ثم وقف على عزاز ساعة ورحل عنها، وفتك في جماعته الموت والغلاء فرجع خائبا. وفيها جمع قبطان أنطاكية وقسّها المعروف بالبخت جموعا وطلع إلى حصن أسقوبا من قرى المعرة، حسّن له ذلك قوم من بني ربيع من أهل «الجوزق» ، ففتحوه وقتلوا وأسروا رجاله وواليه نادر التركي.
فبلغ الخبر الأمير عز الدولة محمود بن نصر المرداسي وهو يسير في ميدان حلب فسار إليهم ولم يدخل حلب ومعه نحو خمسين ألفا من الترك والعرب، وأخذه من النصارى وقتل منهم ألفين وسبعمائة نفس. وهذا الحصن عمره حسين بن كامل بن سليمان العمري المرشدي الكلابي، ومعه جماعة من المعرة وكفر طاب وضياعهما في سنة ٤٥٦ وأكمل عمارته بمدة يسيرة فتعجب الناس لسرعة عمارته.
ثم في سنة ٤٦١ اقترض محمود بن نصر المرداسي من الروم أربعة آلاف دينار ورهن ولده نصرا عليها وعلى هدم الحصن المذكور. فجمع الناس من المعرة وكفر طاب على هدمه وهدموه. فقال بعضهم:
وهدّوا بأيديهم حصنهم ... وأعينهم حزنا تدمع
عجبت لسرعة بنيانه ... ولكنّ تخريبه أسرع
وفي سنة ٤٦٢ استولى الروم على منبج وقتلوا أهلها ونهبوها ثم رحلوا عنها لجوعهم.
وفي سنة ٤٦٣ قطع محمود بن نصر المرداسي والي حلب خطبة المستنصر العلوي بمصر وخطب للقائم العباسي، فثار الشيعة في حلب ونهبوا حصر الجامع وقالوا: هذه حصر عليّ، فليأت أبو بكر بغيرها.
стр. 1056
وفيها وصل السلطان محمد ألب أرسلان إلى حلب فبذل له محمود بن نصر الطاعة ولم يطأ بساطه، فلم يرض ألب أرسلان بذلك، فدخل محمود ووالدته عليه فأحسن إليهما وأقرّ محمودا على حلب وشرط عليه إزالة أفعال الشيعة، فإن أكثر أهل حلب صاروا شيعة من وقت مجيء الفاطميين إليهم.
وفي سنة ٤٦٧ مات محمود بن نصر المرداسي، وكان ظالما غاشما يصادر الناس وقد ملك بعده ابنه نصر فمدحه ابن حيّوس بقصيدة منها:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما افترّ عن ناظر شفر
ومنها:
فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمت ... وآلى عليهم أن سيخلفها نصر
فأجازه نصر بألف دينار في طبق فضة وقال: لو قال عوض «سيخلفها» :
«سيضعفها» لأضعفتها له.
وقد اجتمع الشعراء بباب نصر وامتدحوه وتأخرت صلته عنهم، وفيهم أبو الحسن أحمد بن محمد بن الزبيدة المعرّي الشاعر، فنظم أبياتا وسيّرها إلى نصر مطلعها:
على بابك المحروس منّا عصابة ... مفاليس فانظر في أمور المفاليس
وقد قنعت منك الجماعة كلّهم ... بعشر الذي أعطيته ابن حيّوس
وما بيننا هذا التفاوت كلّه ... ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس
فأعطاهم مائة دينار وقال: والله لو قالوا: «بمثل الذي أعطيته ابن حيوس» لأعطيتهم مثله.
سنة ٤٦٨ ملك نصر منبج وقتله في حلب:
في يوم عيد الفطر قتل نصر هذا وهو في أحسن زيّ، وكان الزمان ربيعا واحتفل الناس في الفطر وتجملوا بأفخر ملابسهم، ودخل ابن حيوس فأنشد نصرا قصيدة منها:
صفت نعمتان خصّتاك وعمّتا، ... حديثهما حتّى القيامة يؤثر
стр. 1057
فجلس نصر وشرب إلى العصر، وحمله السّكر على الخروج إلى التركمان في «الحاضر» «١» ، وهم الذين كانوا ملّكوا أباه حلب، فأراد نصر نهبهم، وحمل عليهم، فرماه تركيّ منهم في حلقه فقتله في اليوم المذكور وملك بعده حلب أخوه سابق.
стр. 1058
انقراض دولة بني مرداس، ودخول حلب تحت سلطة شرف الدولة، ثم حكم الشريف بها، ثم دخولها تحت سلطة الدولة السلجوقية وغير ذلك من الحوادث إلى سنة ٤٩١
وفي سنة ٤٧٢ حصر حلب أبو المكارم شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران المقلد ابن المسيّب، صاحب الموصل. ودام حصاره لها إلى ابتداء سنة ٤٧٣ وكان الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله الحسيني الهاشمي، مقدّم الأحداث بحلب، هو رئيس المدينة، فتمكن وقويت يده وسلّم المدينة إلى أبي المكارم المذكور، فتسلمها ثم تسلم قلعتها واستنزل منها (سابقا، ووثّابا) ابني محمود المرداسي. وفيها كان انقراض ملك بني مرداس من حلب.
وفي سنة ٤٧٧ سار سليمان بن قطلمش السلجوقي، صاحب قونيه وأقسراي وغيرهما، إلى الشام وملك أنطاكية بمخامرة الحاكم بها من جهة الروم، وكانت بيدهم من سنة ٣٥٨ فافتتحها سليمان في هذه السنة. ولما سمع شرف الدولة صاحب الموصل وحلب بذلك أرسل إلى سليمان يطلب منه ما كان يحمله إليه أهل أنطاكية، فقال سليمان: كان ذلك على سبيل الجزية، ولم يعطه شيئا. ثم اقتتلا في الرابع والعشرين من صفر سنة ٤٧٨ في طرف أعمال أنطاكية فانهزم عسكر شرف الدولة وقتل في المعركة بعد أن قتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب. وعند ها انفرد الشريف أبو علي الحسن بن هبة الله بولاية المدينة وسالم بن مالك العقيلي بقلعتها، فبنى الشريف قلعته خارج حلب في هذه السنة وسكنها خوفا على نفسه، ولما قتل شرف الدولة قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش وهو محبوس فأخرجوه وملكوه.
ثم إن سليمان بن قطلمش أرسل إلى ابن الحتيتي العباسي مقدّم أهل حلب يطلب منه تسليم حلب إليه، فاستمهله ابن الحتيتي إلى أن يكاتب ملك شاه وأرسل ابن الحتيتي يستدعي تتش السلجوقي صاحب دمشق، فسار تتش إلى حلب وجرت بينه وبين ابن عمه سليمان
стр. 1059
ابن قطلمش وقعة انهزم فيها عسكر سليمان بن قطلمش وقتل سليمان نفسه وقيل قتل في المعركة. ومن المصادفة الغريبة أن سليمان هذا لما قتل نفسه لفّه تتش بكساء في صفر هذه السنة وأرسل به إلى ابن الحتيتي ليسلّم إليه حلب، نظير ما فعل المقتول سليمان المذكور بشرف الدولة في صفر السنة الماضية.
ولما وصلت جثة سليمان إلى ابن الحتيتي أجاب تتش بالمطاولة إلى أن يرسم ملك شاه في أمر حلب. فحاصر تتش حلب وملكها واستجار ابن الحتيتي بالأمير دانق بن أكسك، وكان من مقدّمي تتش فأجاره. وأما القلعة فكان بها، منذ قتل مسلم بن قريش، سالم بن مالك بن بدران ابن عم مسلم المقتول، فحاصر تتش القلعة سبعة عشر يوما ثم بلغه خبر وصول أخيه ملك شاه فرحل عن حلب.
وأما ملك شاه فإنه أقبل إلى حلب من أصفهان، لمكاتبة ابن الحتيتي له. وفتح في طريقه حرّان والرّها وكانت بيد الروم، وسار إلى قلعة جعبر، واسمها الدوسرية، وعرفت بجعبر سابق الدين القشيري، شيخ أعمى طال مكثه في هذه القلعة وكان يقطع الطريق هو وأولاده ويخيف السابلة فأمسكه السلطان ملك شاه وأمسك أولاده وملك منهم القلعة. ثم سار السلطان ملك شاه إلى منبج وملكها وسار إلى حلب وتسلمها وتسلّم قلعتها من سالم بن بدران العقيلي ابن عم شرف الدولة المقتول، وعوّض السلطان ملك شاه سالما عن قلعة حلب قلعة جعبر. ثم إن السلطان ملك شاه سار عن حلب واستخلف بها قسيم الدولة أقسنقر جد نور الدين زنكي الشهيد.
وفي سنة ٤٨١ سار أقسنقر صاحب حلب بعساكره إلى قلعة شيزر وفيها صاحبها نصر ابن علي بن منقذ وضيّق عليه ونهب الربض ثم صالحه وعاد إلى حلب.
وفي سنة ٤٨٢ عمرت منارة جامع حلب وقام بعملها القاضي أبو الحسن بن الخشّاب، وكان بحلب بيت نار قديم ثم صار أتون حمّام، فأخذ ابن الخشاب حجارته وبنى بها المئذنة المذكورة، فسعى به بعض حساده إلى أقسنقر زاعما أن هذه الحجارة لبيت المال، فقال ابن الخشاب لأقسنقر: يا مولانا إني عملت بهذه الحجارة معبدا للمسلمين وكتبت عليه اسمك، فإن رسمت غرّمت ثمنها وكتبت عليها اسمي. فأجابه أقسنقر إلى إتمام مشروعه دون أن يغرّمه شيئا.
стр. 1060
وفي سنة ٤٨٤ نزل أقسنقر مساعدا تتش صاحب دمشق- بأمر أخيه ملك شاه- على فتح حمص، فملك تتش حمص وعرقة وأفامية. وفيها كان بالشام وغيرها زلازل كثيرة ففارق الناس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن وهلك تحتها عالم كثير وخرب من سورها تسعون برجا.
وفي سنة ٤٨٦ و ٤٨٧ طلب تتش السلطنة لنفسه بعد أن توفي أخوه ملك شاه مقتولا في السنة قبلها. واتفق تتش مع أقسنقر صاحب حلب وخطب له باغي سيان صاحب أنطاكية، وبوزان صاحب الرها، وفتح- ومعه أقسنقر- نصيبين عنوة، وملك الموصل واستولى على ديار بكر وسار إلى أذربيجان وكان ابن أخيه بركياروق بن ملك شاه قد استولى على كثير منها، فلما علم أقسنقر أن ملك شاه له ولد يصلح للسلطنة تخلى عن تتش ولحق ببركياروق، فضعف تتش وعاد إلى الشام.
وكان أقسنقر قد جمع في الشام جموعا كثيرة وأمد بركياروق بالأمير كربغا، فاقتتل مع تتش عند نهر السبعين قريبا من تل السلطان، فانحاز بعض عساكر أقسنقر إلى تتش وانهزم الباقون، وثبت أقسنقر فأسر، فقال له تتش: لو ظفرت بي ماذا كنت تصنع؟
فقال: كنت أقتلك. فقتله صبرا وسار إلى حلب وملكها وأسر بوزان وقتله، وأسر كربغا وسجنه بحمص. واستولى على حرّان والرها ثم على البلاد الجزيرية.
ثم استناب على حلب أبا القاسم حسن بن علي الخوارزمي وسار لقتال ابن أخيه بركياروق فالتقيا بالري وقتل تتش في سنة ٤٨٨ فجاء ولده رضوان إلى حلب ولحقه جماعة من قواد أبيه ولحقه أخوه دقاق وكان مع رضوان أخوان صغيران أبو طالب وبهرام وكلهم مع أبي القاسم نائب أبيهم في حلب كالضيوف وهو المستولي على البلد. ثم كبس رضوان أبا القاسم ليلا واحتاط عليه، ثم طيبّ قلبه فخطب لرضوان بحلب وكان مع رضوان باغي سيان صاحب أنطاكية، فسار باغي إلى أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي. وأما دقاق أخو رضوان فكاتبه والي قلعة دمشق سرا ليملّكه دمشق فسار إليها وملكها واستقر رضوان في حلب بلا منازع.
وفي سنة ٤٨٩ كان رئيس الأحداث بحلب رجلا يعرف بالمجنّ بركات بن فارس
стр. 1061
الفوعي، وكان في مبدأ أمره لصا محتالا. فاستتابه قسيم الدولة وولاه رياسة حلب فوشى بيوسف بن أبق فسلطه عليه فأخذه وقتله. ثم عصى المجنّ على الملك رضوان فحبسه ثم قتله بعد أن عذبه. وفيها اقتتل رضوان مع أخيه دقاق عند قنّسرين وانكسر دقاق وولى مهزوما.
وفي سنة ٤٩٠ خطب رضوان في حلب للمستعلي بأمر الله العلوي المصري أربع جمع، ثم قطعها وأعاد الخطبة العباسية خوف العاقبة.
стр. 1062
وصول الفرنج الصليبيين أنطاكية وغيرها من بلاد حلب
للحروب الصليبية أسباب كثيرة وأخبار طوال يضيق كتابنا هذا عن استقصائها. وإنما نأتي منها هنا على ذكر نبذ يسيرة تتعلق بحلب وبعض أعمالها. فعلى من أحب الاطلاع على تفاصيل أخبار تلك الحروب الطاحنة- التي استغرق أمدها نحو مائتي سنة- أن يرجع إلى الكتب والأسفار المتداولة المؤلفة فيها خاصة بمختلف اللغات ما بين عربي وأعجمي، فنقول:
في سنة ٤٩١ وصل الإفرنج الصليبيون إلى أنطاكية وحصروها، وكان بها باغي سيان، فظهر له شجاعة عجيبة. ثم هجم الإفرنج على أنطاكية وأخذوها عنوة وقتلوا بها مقتلة عظيمة، وأجفل عنهم باغي في الليل. ثم في الصباح ندم على الهرب وتذكر أهله والمسلمين في أنطاكية، وغشي عليه من الأسف حتى عجز عن الركوب، فمر به أرمني يقطع الخشب فقطع رأسه وحمله إلى الإفرنج بأنطاكية. ولما شاع أخذ أنطاكية سار كربغا صاحب الموصل ومعه عساكره إلى مرج دابق، وجاء دقاق من دمشق وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص، وغيرهم من الأمراء والعرب، وحصروا أنطاكية وتضايق الفرنج حتى طلبوا من كربغا أن يطلقهم فامتنع.
ثم إن كربغا أساء السيرة فيمن معه وخبثت نياتهم، وكان اشتد الخناق على الفرنج فخرجوا من أنطاكية واستماتوا في قتال المسلمين، فهرب المسلمون وقوي الفرنج بما غنموه من القوت والسلاح. وفي سنة ٤٩٢ سار الفرنج الصليبيون إلى المعرة وملكوها وقتلوا فيها زهاء مائة ألف وسلبوا وأقاموا فيها أربعين يوما. وفي ذلك يقول بعض المعرّيين:
معرّة الأذكياء قد حردت ... عنّا، وحقّ المليحة الحرد
في يوم الاثنين كان موعدهم ... فما نجا من خميسهم أحد
стр. 1063
وفي سنة ٤٩٣ كان الغلاء شديدا في حلب وفيها توجه الملك رضوان إلى الفرنج لقتالهم وإخراجهم من بلاد حلب، فكسر وعاد إلى حلب. وفي سنة ٤٩٤ ملك الفرنج «سروج» من ديار الجزيرة وأكثروا قتلا وأسرا. وفي سنة ٤٩٥ قتل الإسماعيلية فضل الله الزوزني قاضي حلب لأنه كان يندّد بمعتقدهم فأعاد رضوان القضاء إلى أبي غانم. وفيها أغار الفرنج على بلاد حلب الشمالية وعاثوا فيها فسادا وبلغوا «كفر لاثا» فكبسهم بنو عليم وظفروا بهم، وانجلى الفرنج عن بلاد حلب الغربية.
وفي سنة ٤٩٦ أغار الفرنج على الرقّة وقلعة جعبر وبعض جهات الرها، فخرج إليهم معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش وأوقعا بهم وأجلياهم عن مواقعهم بعد أن فتكا بهم فتكا ذريعا. وفي سنة ٤٩٧ أغار الفرنج على قلعة جعبر فساقوا المواشي وأسروا من وجدوا.
وكانت قلعة جعبر والرقة لسالم بن بدران سلمها إليه ملك شاه لما تسلم منه قلعة حلب كما مر. وفي سنة ٤٩٨ تقاتل الملك رضوان صاحب حلب مع الفرنج عند يبرين، فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر، وملك الفرنج «أرتاح» .
وفي سنة ٤٩٩ ملك الفرنج حصن أفامية. وفي سنة ٥٠٤ ملك الفرنج حصن الأثارب، على ثلاثة فراسخ من حلب، وقتلوا فيه ألفي رجل وأسروا الباقي. ثم ملكوا «زردنا» ففعلوا كذلك وقصدوا منبج ومسكنة فوجدوهما خاليتين فعادوا. وصالح رضوان- صاحب حلب- الفرنج على اثنين وثلاثين ألف دينار يحملها لهم مع خيل وثياب.
وبذلت أصحاب البلاد للفرنج الأموال وخافوهم لأنهم لم يبق لهم ممانع عن البلاد، إذ الملوك السلجوقية مشغولون ببعضهم فصالحهم أهل صور على سبعة آلاف دينار، وابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف، والكردي- صاحب حماة- على ألفي دينار.
وفد من حلب إلى بغداد للاستغاثة بالخليفة وطلب النجدة منه على الصليبيين
ولما اشتد خطب الفرنج بالبلاد الشامية وعظمت شوكتهم سار جماعة من أهل حلب وساداتها إلى بغداد مستنفرين على الفرنج. فلما وردوا بغداد اجتمع معهم خلق كثير من الفقهاء وغيرهم وقصدوا جامع السلطان واستغاثوا ومنعوا الناس من صلاة الجمعة وكسروا المنبر. فوعدهم السلطان محمد بن بركياروق السلجوقي بإنفاذ العساكر للجهاد. فلما
стр. 1064
كانت الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار الخلافة ومعهم أهل بغداد فمنعهم صاحب الباب فغلبوه ودخلوا الجامع وكسروا شباك المقصورة والمنبر وبطلت الجمعة أيضا. فأرسل الخليفة إلى السلطان إشارة يأمره بالاهتمام بهذا الفتق ورتقه. فتقدم السلطان إلى من معه بالمسير إلى بلادهم والتجهز للجهاد، وسيّر ولده مسعودا مع الأمير مودود صاحب الموصل. وانقضت السنة.
وفي سنة ٥٠٥ سارت العساكر التي جهزها السلطان لقتال الصليبيين بالشام. فساروا إلى سنجار وفتحوا عدة حصون وحصروا مدينة الرها. ثم رحلوا عنها ليطمع الفرنج ويعبروا إلى الفرات فيتمكن المسلمون منهم، فكان هذا خطأ من المسلمين لأن الفرنج لما عبروا الفرات جاؤوا بالميرة والقوت إلى أهل الرها فتقوّوا بعد أن ضعفوا وكاد المسلمون يأخذونهم. ثم إن الفرنج رجعوا إلى الشام وطرقوا أعمال حلب ونهبوا وأفسدوا وأسروا.
وسبب ذلك أن رضوان صاحب حلب لما عبر الفرنج إلى الجزيرة قام إلى ما أخذه الفرنج من أعمال حلب فاستعاد بعضه ونهب منهم وقتل، فلما عادوا قابلوه بعمله.
وأما العساكر السلطانية فإنهم لما سمعوا برجوع الفرنج إلى الشام رحلوا إلى الرها وحصروها فرأوها أمرا محكما قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت عندهم، فلم يجد المسلمون فيها مطمعا، فرحلوا عنها وعبروا الفرات فحصروا قلعة تل باشر خمسة وأربعين يوما لم يقدروا عليها، فوصلوا إلى حلب فأغلق الملك رضوان أبواب البلد في وجوههم ولم يجتمع بهم، فرحلوا إلى المعرة. ثم خبثت نياتهم وتفرقوا ولم يحصل بهم الغرض.
سنة ٥٠٧: وفاة رضوان وما جرى بعده
في هذه السنة مات الملك رضوان بن تتش السلجوقي صاحب حلب، وقام بعده ابنه ألب أرسلان الأخرس وعمره ست عشرة سنة. وكان رضوان غير محمود السيرة قتل أخويه أبا طالب وبهرام، ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم ولم يكن للأخرس معه إلا اسم السلطنة، ومعناه للؤلؤ. وسمي أخرس لحبسة «١» في لسانه. وقتل الأخرس
стр. 1065
أخويه كما فعل أبوه، وجرى على قاعدة أبيه في أمر الإسماعيلية وأعطاهم قلعة الشريف، فقبّح فعله القاضي ابن الخشاب وحمله على كبتهم وردعهم، فأجابه إلى ذلك وقتل منهم كثيرا في هذه السنة. وكانوا قد كثروا في حلب في أيام أبيه رضوان لأنه كان يستعين بهم لقلّة دينه حتى خافهم ابن بديع رئيس حلب وأعيان أهلها.
وممن قتل الأخرس من الإسماعيلية مقدّمهم أبو طاهر وعدّة جماعة من أصحابه، وأخذ أموال الباقين وأطلقهم فتفرقوا في البلاد. وفي سنة ٥٠٨ قتل الأخرس بعض غلمانه بقلعة حلب وأقاموا أخاه السلطان شاه بتدبير لؤلؤ الخادم. وفيها كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرها فخرّبت كثيرا من الرها وحرّان وسميساط ومسكنة وغيرها، وهلك خلق كثير تحت الردم.
стр. 1066
انتهاء الدولة السلجوقية بحلب ودخولها تحت سلطة بني أرتق وحوادثهم فيها، وهم من فروع الدولة السلجوقية
وفي سنة ٥١١ قتل لؤلؤ الخادم، وكان قد حكم في دولة سلطان شاه ودولة أخيه الأخرس من قبله كما أراد، ثم عزم على أن يقتل سلطان شاه كما قتل أخاه من قبله، ففطن لذلك أصحاب سلطان شاه ورصدوا فرصة يقتلون بها لؤلؤا، حتى إذا خرج يوما إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك العقيلي قصدوه وصاحوا: أرنب أرنب، وأوهموا أنهم يتصيدون ورموه بنشّاب فقتل وهو يبول عند قلعة نادر ونهبوا خزانته ثم استعيدت منهم. وولّي أتابكيّة «١» سلطان شاه: شمس الدين الخواجي ياروقطاش، وبقي شهرا وعزلوه وولّوا أبا المعالي بن المقلمي الدمشقي ثم عزلوه وصادروه. وكانوا خائفين من الفرنج فسلموا البلد إلى نجم الدين إيلغازي أرتق صاحب ماردين. ولما تسلمها لم يجد فيها مالا ولا ذخيرة لأن لؤلؤا الخادم كان قد فرّق الجميع فصادر إيلغازي جماعة من الخدم وصانع الفرنج وهادنهم وسار إلى ماردين وخلّف بحلب ابنه حسام الدين تمرتاش.
وفي سنة ٥١٣ سار الفرنج إلى نواحي حلب وملكوا بزاعة «٢» وغيرها وخربوا بلد حلب ونازلوها، ولم يكن فيها من الذخائر ما يكفيها شهرا فخافهم أهلها وصانعوهم على أن يقاسموهم أملاكهم حتى الأملاك التي بباب حلب. ثم أرسل أهل حلب رسولا إلى بغداد يستغيثون ويطلبون النجدة فلم يغاثوا. وكان إيلغازي بماردين يجمع العساكر فسار إلى الفرنج والتقى بهم عند تل عفرين في نصف ربيعها الأول فهزمهم «٣» وقتل منهم كثيرا، وممن قتل سرخال صاحب أنطاكية. وفتح عقيب الوقعة الأثارب وزردنا.
стр. 1067
وفي سنة ٥١٤ سار إيلغازي إلى الفرنج واقتتل معهم عند دانيث البقل، من بلد سرمين، وظفر بهم ثم اجتمع إيلغازي وأتابك طغتكين صاحب دمشق وحصروا الفرنج في معرّة قنسرين يوما وليلة، فضايقهم. ثم أفرج عنهم خوفا أن يستقتلوا ويخرجوا للمسلمين فيظفروا بهم. وكان إيلغازي يخاف من التركمان الذين يحاربون معه لأنهم كانوا يجتمعون للطمع، فيحضر أحدهم ومعه جراب «١» فيه دقيق وشاة ويعد ساعات الغنيمة، فإذا طال مقامهم تفرقوا، ولم يكن مع إيلغازي ما يفرقه فيهم.
وفي سنة ٥١٥ عصى سليمان بن إيلغازي على أبيه بحلب فبغته أبوه، وسمل عيني من حسّن له العصيان وقطع لسانه، وهو أمير اسمه ناصر، وكان التقطه أرتق والد إيلغازي ورباه. وقطع إيلغازي أطراف رجل حموي من بيت قرناص وسمل عينيه لأنه من جملة المزيّنين لولده العصيان. والحموي المذكور كان محسنا إليه إيلغازي ومرئّسه «٢» على حلب، فجزاه بهذا الجزاء. ثم أراد إيلغازي أن يقتل ولده فمنعته رحمة الوالديّة فأفلته فهرب إلى دمشق. واستناب إيلغازي بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار الملقب ببدر الدولة. وفي سنة ٥١٥ أغار الفرنج على حصن الأثارب وأسروا وغنموا. وفيها هدمت قلعة الشريف.
وفي سنة ٥١٦ بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي، وهي مدرسة الزجاجية التي تكلمنا عليها في باب الآثار في الكلام على محلة الجلوم. وفي سنة ٥١٧ أغار الفرنج على حلب وأعمالها وعجز عن مقاومتهم بدر الدولة وسلمهم حصن الأثارب ليكفّوا عن بلاده ويهادنوه. فبعد ذلك استقام أمر الرعية بأعمال حلب وجلبت الأقوات وغيرها. ولما سمع بلك بهرام- ابن عم بدر الدولة- أن ابن عمه سلم الأثارب للفرنج سار من حرّان- وكان قد ملكها- إلى جهة حلب ونازلها في ربيع الأول منها وضايقها وأحرق زروعها فسلّمها والقلعة إليه ابن عمه بدر الدولة بالأمان في غرة جمادى الأولى منها.
стр. 1068
انتهاء دولة بني أرتق بحلب ودخولها في حوزة أقسنقر البرسقي صاحب الموصل، وحوادث أيامه فيها، وهو من رجال الدولة السلجوقية
وفي سنة ٥١٨ قبض بهرام الأرتقي على حسان البعلبكي صاحب منبج وملك منه منبج وحصر قلعتها، فأتاه سهم فقتله ولم يعرف الرامي وتفرق عسكره، وخلص حسان وعاد إلى منبج. وكان مع بلك بهرام ابن عمه حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين، وهو ابن إيلغازي بن الأرتق، فحمل تمرتاش بلك بهرام إلى ظاهر حلب وتسلمها واستناب بها وعاد إلى ماردين وفيها اجتمعت الفرنج وانضم إليهم دبيس بن صدقة صاحب الحلّة، وهو شيعي، صحبهم أملا أن يستميل لنفسه أهل حلب لتوافقهم بالمذهب. فحاصروا حلب وأخذوا ببناء بيوت لهم بظاهرها فعظم ذلك على أهلها ولم ينجدهم صاحبها تمرتاش لإيثاره الرفاهية وأقاموا يزاحفون حلب ويقطعون الأشجار ويخربون المشاهد وينبشون القبور ويحرقون من فيها بعد أن نبشوا ضريح مشهد الدكّة «١» ولم يجدوا فيه شيئا فأحرقوه وعبثوا بالمصاحف واستخفّوا بها وسخروا من الإسلام وفعلوا غير ذلك من الفظائع التي نجلّ كتابنا عن ذكرها.
ولما اشتد الخطب على الحلبيين كاتبوا أقسنقر البرسقي صاحب الموصل فسار إليهم وخام الفرنج «٢» ومن معهم عن حلب لقدوم البرسقي، وتسلّم حلب وقلعتها. وعلى أثر حادثة هذا الحصار عمد القاضي أبو الحسن بن يحيى بن الخشاب إلى أربع كنائس وصيرها مساجد وهي كنيسة هيلانة والحدادين وموغان والمقدمية. وبه كان انتهاء دولة بني أرتق من حلب.
وفي سنة ٥١٩ أخذ البرسقي كفر طاب من الفرنج ثم سار إلى عزاز فهزمته الفرنج
стр. 1069
وقتل من المسلمين خلق كثير، فرجع إلى حلب واستناب بها ولده عزّ الدين مسعود «١» ورحل إلى الموصل. وفي سنة ٥٢٠ كان البرسقي يصلي الجمعة بجامع بالموصل إذ وثب عليه بضعة عشر رجلا من الإسماعيلية فقتلوه. وكان البرسقي مملوكا تركيا شجاعا ديّنا حسن السيرة. ولما سمع ابنه مسعود بمقتله في حلب فارقها وسار إلى الموصل واستقر بملكها.
стр. 1070
دخول حلب في حوزة الدولة الأتابكية وحوادثها فيها وهي من فروع الدولة السلجوقية
وفي سنة ٥٢٢ في محرمها ملك أتابك عماد الدين زنكي مدينة حلب. وذلك أن البرسقي لما قتل وسار ابنه مسعود إلى الموصل، استناب بحلب قيماز ثم عزله بقتلغ «١» .
فلما قدم «قتلغ» من الموصل إلى حلب امتنع قيماز من تسليم حلب إليه وقال له: بيني وبين مسعود علامة لم أرها، ولا أسلّمك حلب إلا بها. وكانت العلامة بينهما صورة غزال وكان مسعود حسن التصوير. فعاد «قتلغ» لإحضار العلامة من مسعود فوجده قد مات، فرجع إلى حلب وعرّف الناس، بموت مسعود، فسلّم البلد إليه رئيسها فضائل ابن بديع وأطاعه المقدّمون واستنزلوا قيماز من القلعة وأعطوه ألف دينار، فتسلم القلعة في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٥٢١ وبعد أيام ظهر منه جور وعسف عظيمان، ومدّ يده إلى الأموال- لا سيما التركات- وقرّب إليه الأشرار فنفرت منه القلوب.
وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار الأرتقي- الذي كان صاحبها قديما- فأطاعه أهل البلد وأقاموه واليا عليها ليلة الثلاثاء ثاني شوال سنة ٥٢١ وقبضوا على كل من كان بالبلد من أصحاب قتلغ- وكان أكثرهم يشربون في البلد صبيحة العيد- وزحفوا إلى القلعة فتحصن قتلغ فيها بمن معه، وحصروه ووصل إلى حلب حسان صاحب منبج، وحسن صاحب بزاعة لإصلاح الأمر فلم يصلح. وسمع الفرنج بذلك فتقدم جوسلين بعسكره إلى حلب فصونع بمال وانصرف عنها. ثم وصل صاحب أنطاكية في جمع من الفرنج فخندق الحلبيون حول القلعة ومنع عنها الداخل والخارج، وأشرف الناس على خطر عظيم إلى منتصف ذي الحجة سنة ٥٢١.
стр. 1071
وكان عماد الدين زنكي قد ملك الموصل والجزيرة وسيّر إلى حلب الأمير سنقردراز، والأمير حسن قراقوش ومعه توقيع عماد الدين بالشام، فأجابه أهل حلب وتقدم عسكر عماد الدين زنكي إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى عماد الدين زنكي فسارا إليه وهو بالموصل فأصلح بينهما ولم يردّ أحدهما إلى حلب. وكان قراقوش في مدة غيابهما كالوالي على حلب.
ثم إن عماد الدين زنكي سار إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعة وطلع أهل حلب لتلقيه واستبشروا بقدومه ودخل حلب ورتب أمورها. ثم قبض على قتلغ وسلمه إلى ابن بديع فكحله فمات. وكان ملك عماد الدين زنكي لحلب وقلعتها في محرم سنة ٥٢٢.
وفي سنة ٥٢٤ جمع عماد الدين زنكي عساكره وسار من الموصل إلى الشام وقصد حصن الأثارب لشدة ضرره على المسلمين، فإن أهله الفرنج كانوا يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية، حتى على رحى بظاهر باب الجنان، بينها وبين سور حلب عرض الطريق، والغالب على الظن أنها رحى عربية. فنازل عماد الدين الحصن واجتمع عليه الفرنج، فارسهم وراجلهم، فرحل عماد الدين عن الأثارب إلى حيث اجتمع الفرنج والتقى بهم واقتتل معهم أشد قتال، فانتصر عليهم وانهزم الفرنج وأسر كثيرا من فرسانهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة بقيت منها عظام القتلى على سطح الأرض زمنا طويلا. ثم عاد المسلمون إلى حصن الأثارب وأخذوه عنوة وقتلوا وأسروا كل من فيه وخرب عماد الدين ذلك الحصن من ذلك اليوم.
وفي سنة ٥٣٠ سارت عساكر أسوار- نائب عماد الدين زنكي بحلب- ومعه عساكر حلب وحماه إلى بلاد الفرنج بنواحي اللاذقية، وأوقعوا بمن هناك من الفرنج وكسبوا من الجواري والمماليك والأسرى والدوابّ ما ملأ الشام من الغنائم وعادوا سالمين. وفي سنة ٥٣١ نازل عماد الدين حصن بعرين- وكان به الإفرنج- فضيق عليهم وطلب الفرنج منه الأمان فقرر عليهم تسليم الحصن وخمسين ألف دينار يحملونها إليه، فرضوا بذلك وأطلقهم وتسلم الحصن والدنانير. وكان عماد الدين مدة إقامته على الحصن المذكور قد استخلص المعرة وكفر طاب من الفرنج، وحضر أهل المعرة وطلبوا أملاكهم التي كانت لهم قبل أن يأخذ الإفرنج المعرة، فطلب عماد الدين منهم كتب أملاكهم، فذكروا أنها عدمت. فكشف في ديوان حلب عن الخراج وردّ كل ملك لصاحبه حسب مفهوم الديوان.
стр. 1072
وفي سنة ٥٣٢ وصل الروم إلى بزاعة- وهي على ستة فراسخ من حلب- وحاصروها وملكوها بالأمان ثم غدروا بأهلها وقتلوا منهم وأسروا وسبوا وتنصّر قاضيها.
وجملة من تلف بها من أهلها أربعمائة نسمة. ثم رحل الروم إلى حلب ونزلوا على قويق وزحفوا على حلب، وجرى بين أهلها وبينهم قتال كثير قتل فيه من الروم بطريق كبير، وعادوا خاسرين وأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى الأثارب وملكوها وتركوا فيها سبايا بزاعة، وتركوا عندهم من الروم من يحفظهم. وسار الروم جميعهم من الأثارب إلى شيزر فخرج أسوار- نائب زنكي بحلب- بمن معه وأوقع بمن في الأثارب من الروم فقتلهم وفك أسرى بزاعة وسباياها.
وفي سنة ٥٣٣ جاءت زلزلة عظيمة بالشام والعراق وغيرهما من البلاد فخرّبت كثيرا وهلك تحت الردم عالم كثير، وهدمت الدور والمنازل، وتوالت بالشام وخرّبت كثيرا من البلاد لا سيما حلب، فإن أهلها فارقوا بيوتهم وخرجوا إلى الصحراء. ودامت من رابع صفر إلى تاسع عشره. وفي سنة ٥٣٩ فتح أتابك عماد الدين زنكي مدينة الرّها واستردها من الفرنج الصليبيين مع غيرها من البلاد الجزرية، وكان فتحا عظيما. وفي سنة ٥٤١ قتل عماد الدين زنكي، قتله جماعة من مماليكه منازلا قلعة جعبر، ودفن بالرقة. ولما قتل كان ولده نور الدين محمود زنكي حاضرا عنده فأخذ خاتمه من إصبعه وجاء إلى حلب وملكها.
وفيها راسل جوسلين الفرنجيّ- صاحب تل باشروما جاورها- أهل الرها، وكلّهم من الأرمن، بأن يمتنعوا عن المسلمين ويسلموا البلد إليه، ففعلوا وملك جوسلين البلد دون القلعة. فأسرع نور الدين الرحيل إليه من حلب، ولما قارب الرها خرج منها جوسلين هاربا ودخلها نور الدين ونهبها وسبى أهلها فلم يبق منهم أحد. وفي سنة ٥٤٢ دخل نور الدين صاحب حلب بلاد الفرنج وفتح منها مدينة أرتاح بالسيف وحصر مابولة وبصرفوت وكفر لاثا. وفي سنة ٥٤٣ كان بين نور الدين وبين الفرنج مصاف بأرض يغرى من العمق، فانهزم الفرنج وقتل وأسر منهم جماعة كثيرة، وأرسل نور الدين إلى أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل من الأسرى والغنيمة.
قال في الروضتين في أخبار الدولتين: وفي رجب هذه السنة ورد الخبر من ناحية حلب بأن صاحبها نور الدين أمر بإبطال: «حيّ على خير العمل» في أواخر تأذين الغداة،
стр. 1073
والتظاهر بسبّ الصحابة، وأنكر ذلك إنكارا شديدا وساعده على ذلك جماعة من أهل السنة بحلب. وعظم هذا الأمر على الإسماعيلية وأهل التشييع وضاقت صدورهم به. اه وقد تقدم في هذا كلام في أيام سيف الدولة الحمداني.
وفي هذه السنة أيضا كان الغلاء العام من خراسان إلى العراق، إلى الشام، إلى بلاد المغرب.
سنة ٥٤٤ حصر نور الدين قلعة حارم وغير ذلك:
فيها حصر نور الدين حصن حارم، فجمع البرنس صاحب أنطاكية الفرنج وسار إلى نور الدين فاقتتلوا وانتصر نور الدين وقتل البرنس وانهزم الفرنج وكثر فيهم القتل. وملك بعد البرنس ولده بيمند وهو طفل وتزوجت أمه بآخر تسمّى البرنس. ثم إن نور الدين غزاهم ثانية فقتل منهم كثيرا وأسر، وكان فيمن أسر: البرنس الثاني زوج أم بيمند. وفيها زلزلت الأرض زلزالا شديدا.
سنة ٥٤٥ استيلاء نور الدين على أفامية:
فيها سار نور الدين إلى أفامية وحصر قلعتها وملكها من الفرنج، وكان الفرنج قد اجتمعوا وساروا لنور الدين ليرحّلوه عنها فملكها قبل وصولهم.
سنة ٥٤٦ انهزام نور الدين وأسر حامل سلاحه ثم أسر جوسلين وغير ذلك:
فيها عزم نور الدين على قصد بلاد جوسلين أحد فرسان الفرنج ودهاتهم، فجمع جوسلين جموعا كثيرة وسار نحو نور الدين فهزمه وقتل وأسر من عسكره جمعا كثيرا، وكان من جملة الأسراء السلاح دار ومعه سلاح نور الدين. فأرسله جوسلين إلى مسعود ابن قلج أرسلان صاحب قونيه وأقسراي وقال: هذا سلاح زوج ابنتك، وسآتيك بما هو أعظم منه.
فعظم ذلك على نور الدين وهجر الملاذّ وفكر في أمر جوسلين وجمع التركمان وبذل لهم الوعود إن ظفروا به. فاتفق أن جوسلين طلع للصيد فكبسه التركمان وأمسكوه، فبذل لهم مالا فأجابوه إلى إطلاقه. فبلغ ذلك نور الدين وأرسل عسكرا كبسوا التركمان الذين
стр. 1074
عندهم جوسلين وأحضروه إلى حلب. ولما أسر جوسلين حبسه نور الدين في قلعة حلب وسار لفتح بلاده وقلاعه فملكها، وهي: تل باشر وعين تاب ودلوك وعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن الباره وكفر سود وكفر لاثا ومرعش ونهر الجوز وغير ذلك. وفي هذه السنة حضر مجير الدين مع خواصه إلى حلب- وهو صاحب دمشق- ودخل على نور الدين وبذل له الطاعة فأكرمه نور الدين غاية الإكرام وأقامه نائبا عنه في دمشق، فرجع إليها مجير الدين فرحا مسرورا.
سنة ٥٤٧ انكسار الفرنج عند دلوك:
فيها احتشد من الفرنج جيش كثيف وقصدوا نور الدين وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه عن ملكها، فالتقوا به عند دلوك «١» وجرى بينه وبينهم قتال عنيف انتهى بانهزامهم، وقتل وأسر منهم عدد عظيم، وعاد نور الدين إلى دلوك فملكها.
سنة ٥٤٩ ملك نور الدين دمشق وغيرها:
فيها كاتب نور الدين أهل دمشق واستمالهم بقصد أن يملكها خوفا عليها من الفرنج، لأنهم تغلبوا بتلك الناحية وأطلقوا من دمشق من أرادوا إطلاقه من النصارى. فسار نور الدين إلى دمشق وحاصرها ففتحت له من الباب الشرقي، وملكها وحصر مجير الدين صاحبها في قلعتها وبذل له اقطاعا، من جملته مدينة حمص، فسلم مجير الدين القلعة وسار إلى حمص فصرفه نور الدين عنها بمسكنة. وفيها ملك نور الدين قلعة تل باشر من الفرنج.
سنة ٥٥١ حصار نور الدين حارم ومصالحته الفرنج على نصف أعمالها:
في هذه السنة حاصر نور الدين قلعة حارم وضيّق عليها. فاجتمع الفرنج وساروا نحو نور الدين، فكتب إليهم بطريق الحصن يعرّفهم بقوة المسلمين ويقول لهم: إن لقيتموهم هزموكم وأخذوا حارم وغيرها، وإن حفظتم أنفسكم منهم قدرنا على الامتناع «٢» . ففعل الفرنج ما أشار به عليهم وراسلوا نور الدين في الصلح، واستقر الأمر بينهم على مناصفة ولاية حارم بين الإفرنج وبين نور الدين.
стр. 1075
خبر الزلزال وغيره:
وفي سنة ٥٥٢ في تاسع عشر صفر وافت زلزلة عظيمة، وتلاها عدة زلازل أثرت في حلب تأثيرا أزعج أهلها، وهدمت عدة حصون من حمص وحماة وكفر طاب وأفامية.
ولم يسلم من عطب هذه الزلازل في البلاد الشامية إلا النادر. وكان معظم هذه الزلازل بحماة ثم بحلب، وكان يتبع الزلزلة صيحات مختلفة كالرعود القاصفة، وقد هلك بها كثير من الخلق حتى حكي أن بعض المعلمين بحماة فارق المكتب لمهمّ فجاءت الزلزلة فأخربت الدور وسقط المكتب على الصبيان جميعهم. قال المعلم: فلم يأت أحد يسأل عن صبيّ كان في المكتب. وجملة من هلك في إحدى هذه الزلازل عشرة آلاف نسمة. وهلك أكثر بني منقذ تحت الردم بشيزر، وهم حكامها. فسار إليها نور الدين وملكها وفيها اهتم نور الدين بعمارة القلاع والأسوار التي هدمتها الزلزلة وأغار على الفرنج ليشغلهم عن قصد البلاد.
سنة ٥٥٤ مرض نور الدين وغير ذلك من الحوادث:
في هذه السنة مرض نور الدين مرضا شديدا أرجف بموته «١» بقلعة حلب. فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي جمعا وحصر قلعة حلب. وكان شيركوه بحمص، وهو من أكبر أمراء نور الدين، فسار إلى دمشق ليستولي عليها وبها أخوه نجم الدين أيوب، فأنكر أيوب عليه ذلك وحسّن له الرجوع إلى حلب وقال له: إن كان نور الدين حيا خدمته وإن كان قد مات فأنا في دمشق، فافعل ما تريد. فعاد شيركوه إلى حلب مجدّا وجلس نور الدين في شبّاك يراه الناس، فلما رأوه تفرقوا عن أخيه أمير ميران واستقامت الأحوال.
أخبار الحوادث من سنة ٥٥٥ إلى نهاية سنة ٥٥٨:
في سنة ٥٥٥ قصد «ربنلد» ملك إيطاليا البلاد التي استولى عليها نور الدين من جوسلين، ونهب فيها من يقطنها الأرمن والسريان، وعاد إلى أنطاكية. وقبل وصوله إليها خرج إليه مجد الدين نائب حلب وأخذه أسيرا وقيده وأحضره إلى حلب. وفي سنة ٥٥٨ كان نور الدين نازلا في البقيعة تحت حصن الأكراد، فكبس عسكره الفرنج وهجموا
стр. 1076
على خيمته فركب نور الدين مسرعا وساق [فرسه] «١» ورجله في السنجة «٢» ، فنزل كردي وقطعها، وقتل الكردي ونجا نور الدين فأحسن إلى مخلّفيه ووقف لهم أوقافا. ثم سار نور الدين إلى بحيرة حمص ونزل عليها وتلاحق به من سلم من المسلمين.
سنة ٥٥٩ أخذ قلعة حارم:
فيها أخذ نور الدين قلعة حازم من الإفرنج وقتل وأسر منهم كثيرا. وكان من جملة الأسرى البرنس صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس. وفيها سار نور الدين إلى بانياس وأخذها من الفرنج وكانت بأيديهم من سنة ٥٤٣ وفي سنة ٥٦٢ عصى غازي بن حسان صاحب منبج على نور الدين، فسير إليه عسكرا أخذوها منه وأقطعها نور الدين قطب الدين نيال بن حسان، أخا غازي المذكور، فبقي فيها إل أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ٥٧٢.
وفي سنة ٥٦٣ أقام نور الدين بقلعة الرها مدة ثم عاد منها إلى حلب وضربت خيمته في رأس الميدان الأخضر وكان مولعا بضرب الكرة وربما دخل الظلام فلعب بها بالشموع.
وكان صلاح الدين الأيوبي يركب بكرة كل يوم لخدمة نور الدين في لعب الكرة لأن صلاح الدين كان عارفا بآدابها.
وفي سنة ٥٦٥ كانت زلزلة عظيمة خربت بلاد الشام لا سيما حلب، فقد فعلت بها ما لم تفعله بغيرها، وبلغ الرعب بمن نجا من أهلها كل مبلغ فكانوا لا يقدرون على أن يأتوا إلى بيوتهم السالمة خوفا من الزلزلة، فإنها عاودتهم غير مرة، ولا أن يقيموا بظاهر حلب خوفا من الفرنج. ثم إن نور الدين قام بعمارة القلاع والأسوار من غير حلب، وبعده جاء إلى حلب وباشر عمارتها بنفسه وكان يقف على البنائين بشخصه حتى أحكم عمارتها. وأما الفرنج فإن الزلزلة أثرت في بلادهم أشد تأثيرا من بلاد الإسلام فاجتهدوا في تعميرها واشتغل كل من المسلمين والفرنج بعمارة بلاده عن صاحبه.
стр. 1077
اتخاذ حمام الزاجل:
وفي سنة ٥٦٧ أمر نور الدين باتخاذ الحمام الهوادي «١» التي تحمل البطائق وتطير بها إلى أوكارها. وكان سبب ذلك اتساع بلاده التي تستوعب ما بين النوبة إلى حد همذان ولا يتخللها سوى بلاد الفرنج، فربما نازلوا بعض الثغور ولا يصل خبرهم إلى نور الدين إلا وقد بلغوا الغرض. فحينئذ أمر بتعليم الحمام ورتّب لها ولمعلميها أرزاقا وافية، فوجد بها راحة كبيرة فإن الأخبار صارت تصل إليه بوقتها لأنه كان في كل ثغر رجال مرتبون ومعهم من حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمرا كتبوه لوقته وعلقوه على الطائر وسرّحوه إلى المدينة التي هو منها في ساعته فتنقل الرقعة منه إلى آخر، من البلد الذي يجاورهم في الجهة التي فيها نور الدين، وهكذا إلى أن تصل الأخبار. فانحفظت الثغور بذلك حتى إن طائفة من الفرنج نازلوا ثغرا لنور الدين فأتاه الخبر ليومه، فكتب إلى العساكر المجاورة لذلك الثغر فكبسوا العدو وظفروا به والفرنج آمنون لذلك، لبعد نور الدين عنهم. وهذه الطيور وصفها بعضهم بقوله: «الطيور ملائكة الملوك» يشير إلى أنها تنزل على الملوك من جو الهواء نزول الملائكة من السماء مع فرط ما فيها من الأمانة.
قلت: ولا أدري متى بطل استخدام الحمام من بلادنا، غير أن جاك سواري دي بورسلون ذكر في الصحيفة ١٠١٨ هـ من الجزء الأول من كتابه القاموس التجاري العام- في أثناء الكلام على تجارة حلب- أن من جملة ما امتاز به تجار حلب استخدامهم الحمام بنقل الأخبار إليهم من إسكندرونة. قال: وهي حمام يعانون تربيتها وتعليمها في بيوت مخصوصة من حلب وينقلونها إلى إسكندرونة بالأقفاص، فإذا حدث لديهم في إسكندرونة خبر مهمّ كتبوه في بطاقة وعلقوها في رقاب الحمام وسرّحوها نحو حلب، فتأتيها طلبا لفراخها في برهة ثلاث ساعات. اه. (وكان طبع قاموسه المذكور سنة ١٧٢٣ م، وهي سنة ١١٣٦ هجرية) .
وفي سنة ٥٦٨ فتح نور الدين مرعش وأخذ بهسنا. وفي سنة ٥٦٩ توفي الملك العادل
стр. 1078
نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، صاحب الشام وديار الجزيرة وغيرها، وجلس مكانه على سرير الملك ابنه الملك الصالح إسماعيل، وكان لم يبلغ الحلم فتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن المقدم.
стр. 1079
ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب دمشق وغيرها
في سلخ ربيع الأول سنة ٥٧٠ ملك صلاح الدين بن أيوب مدينة دمشق وحمص وحماة. وسببه أن شمس الدين بن الداية المقيم بحلب أرسل لسعد الدين كمشتكين دزدار «١» قلعة الموصل من قبل المرحوم نور الدين إلى الملك الصالح يستدعيه من دمشق إلى حلب لإخماد الفتن التي قامت في حلب بين الشيعة وأهل السنة، وليكون مقامه في حلب.
فسار الملك الصالح مع سعد الدين المذكور إلى حلب. ولما استقر بها قبض على شمس الدين ابن الداية الذي طلبه، وقبض على إخوته وعلى رئيس الشيعة ابن الخشاب وإخوته. واستبد سعد الدين كمشتكين بتدبير الملك الصالح فخافه أتابكه الأمير شمس الدين محمد بن المقدم وبقية الأمراء في دمشق وكاتبوا صلاح الدين بن أيوب صاحب مصر ليملّكوه دمشق، فأقبل إليهم على الفور وسلّموه إياها دون أدنى مشقة.
ولما سمع من في حلب أن دمشق صارت لصلاح الدين خافوا منه وأرسلوا يهددونه فلم يأبه بتهديدهم ونادى بعسكره بالاستعداد لقصد الشام الأسفل، ورحل متوجها إلى حمص فتسلمها ثم إلى حماة فأطاعه صاحبها جرديك، والتمس منه أن يكون واسطة صلح بينه وبين أهل حلب، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك فجدّ جرديك إلى حلب واجتمع بالملك الصالح والأمراء وأشار عليهم بصلح السلطان صلاح الدين، فاتهموه بالمخامرة معه «٢» ، وحبسه سعد الدين كمشتكين مدبر الملك مع أولاد الداية المقدم ذكرهم، فبلغ الخبر السلطان وهو بحماة فرحل من وقته وسار إلى حلب ونزل على أنف جبل الجوشن فوق مشهد الدكّة «٣» ثالث جمادى الآخرة، وامتدت عساكره من الخناقية إلى السعدي، فخاف الحلبيون أن يسلموه البلد كما فعل أهل دمشق فأمر الملك الصالح أن ينادى باجتماع
стр. 1080
الناس إلى ميدان باب العراق، فاجتمعوا حتى غص الميدان بالناس، فوقف الملك الصالح في رأس الميدان من الشمال وقال لهم: يا أهل حلب أنا ربيبكم ونزيلكم واللّاجئ إليكم، كبيركم عندي بمنزلة أبي، وشابّكم كأخي، وصغيركم كولدي.
وخنقته العبرة وعلا «١» نشيجه. فافتتن الناس وماجوا ورموا عمائمهم وضجوا بالبكاء والعويل، وقالوا: نحن عبيدك وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك ونبذل أموالنا وأنفسنا لك. وأقبلوا على الدعاء والترحم على أبيه. وكان الشيعة منهم اشترطوا على الملك الصالح أن يعيد إليهم شرقيّة الجامع يصلّون فيها على قاعدتهم القديمة، وأن يجهر «بحيّ على خير العمل» والأذان «٢» ، والتذكير في الأسواق وقدّام الجنائز بأسماء الائمة الاثني عشر، وأن يصلوا على أمواتهم خمس تكبيرات، وأن يكون عقود الأنكحة إلى الشريف الطاهر أبي المكارم حمزة بن زهرة الحسيني، وأن تكون العصبية مرتفعة والناموس «٣» وازعا لمن أراد الفتنة. وأشياء كثيرة اقترحوها مما كان أبطله نور الدين ﵀ فأجابهم الملك الصالح إلى جميع ما طلبوا.
وأما السلطان صلاح الدين فإنه أرسل إلى حلب رسولا يعرّض بالصلح، فامتنع كمشتكين فاشتد السلطان حينئذ في قتال البلد. فتفاوض الملك الصالح وجماعته في إعمال الحيلة فقر رأيهم على أن يراسلوا سنانا صاحب الحشيشة- ويقال لهم الإسماعيلية والباطنية- في أن يدس إلى السلطان من يغتاله، ووعدوه على ذلك بأموال جمّة وعدّة من القرى. فجاء نفر من الإسماعيلية إلى جبل الجوشن واختلطوا بالعسكر، فعرفهم أحد من كان مجاورهم في بلادهم، فوثبوا عليه وقتلوه في موضعه، وجاء قوم للدفاع عنه فجرحوا بعضهم وقتلوا البعض. وبدر من الإسماعيلية أحدهم وبيده سكينة مشهورة ليقصد السلطان ويوقع به، فلما وصل إلى باب الخيمة اعترضه طغريل أمير جاندار فقتله، وطلب الباقون فقتلوا بعد أن قتلوا جماعة. فلما يئس»
الحلبيون من مرادهم في السلطان كاتبوا قمص الإفرنجي- صاحب طرابلس- وضمنوا له أشياء كثيرة متى رحل السلطان عن
стр. 1081
حلب، فأغار «قمص» على حمص وألجأ السلطان صلاح الدين أن يسير إليه فنكص «القومص» راجعا إلى بلاده. وتم الغرض من رحيل السلطان عن حلب.
ملك صلاح الدين بزاعة وعزاز ثم منازلته حلب:
في سنة ٥٧١ ملك صلاح الدين بزاعة، ثم نازل عزاز. وفي ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة وثب عليه من الإسماعيلية أحدهم في زي جندي من جند صلاح الدين، وضرب الإسماعيلي رأس السلطان بسكينة صدّتها صفائح الحديد المدفونة في رأسه لكنها لفحت خده فخدشته. فقوي قلب السلطان وحاش رأس الإسماعيلي «١» وجذبه إليه ووقع عليه وركبه، وأدركه سيف الدين بازكوح فأخذ حشاشة الإسماعيلي وبضعه. وجاء آخر فاعترضه أحد الأمراء وجرح الإسماعيلي- ومات بعد أيام- ثم جاء آخر فعانقه الأمير علي بن أبي الفوارس وضمه من تحت إبطيه وبقيت يد الإسماعيلي من وراء ويد الأمير من ورائه، لا يتمكن من الضرب. فنادى الأمير: اقتلوني معه فقد قتلني وأذهب قوتي. فطعنه ناصر الدين بن شيركوه بسيفه، وخرج آخر من الخيمة منهزما فثار عليه أهل السوق فقتلوه.
وبعد هذه النازلة رجع السلطان إلى خيمته خائفا مذعورا والدم يسيل من خدّه وأخذ بالتحرز من ذلك اليوم. ثم بعد أن تسلم السلطان قلعة عزاز بالأمان رحل عنها ونازل حلب في منتصف ذي الحجة وحصرها، وبها الملك الصالح الذي كان حالف السلطان صلاح الدين في السنة قبلها ثم نكث عن محالفته وحالف صاحب الموصل. فسار صلاح الدين لفتح بلاده ونازل حلب وبقي محاصرها إلى تمام السنة، ثم طلبوا منه الصلح فأجاب وأخرجوا إليه بنتا صغيرة لنور الدين فأكرمها وأعطاها شيئا كثيرا وقال لها: ما تريدين؟
فقالت: أريد عزاز. وكانوا علّموها ذلك، فسلّمها إليهم، واستقر الصلح ورحل السلطان صلاح الدين عن حلب في عاشر المحرم سنة ٥٧٢.
وفي سنة ٥٧٣ قبض الملك الصالح على سعد الدين كمشتكين أحد أمرائه لاستبداده بالأمور، وكانت حارم له فطلبها منه الملك الصالح فأبى فعذبه عذابا أليما حتى مات ولم يجبه لطلبه. ثم وصل الفرنج إلى حارم وحاصروها أربعة أشهر فأرسل الملك الصالح إليهم
стр. 1082
مالا وصرفهم عنها. أما أهلها فلم يزالوا ممتنعين عن الملك الصالح فحاصرهم وتسلّمها منهم.
وفي سنة ٥٧٧ توفي الملك الصالح وكان أوصى بملك حلب إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي- صاحب الموصل- فسار مسعود المذكور من الموصل إلى حلب وملكها فكاتبه أخوه عماد الدين بن مودود صاحب سنجار في أن يعطيه حلب ويأخذ منه سنجار، فأجابه وتسلم كل منهما بلد الآخر.
استيلاء السلطان صلاح الدين الأيوبي على حلب:
وفي سنة ٥٧٨ سار السلطان صلاح الدين من مصر إلى الشام وقصد تل باشر وتسلمها، ثم عينتاب فحاصرها وتسلمها. ثم قصد حلب ونزل في صدر الميدان الأخضر في سادس عشر المحرم سنة ٥٧٩ وسيّر المقاتلة يقاتلون ويباسطون عسكر حلب ببانقوسا وباب الجنان غدوة وعشية، وكان مع السلطان جيش ضخم. ولما تحقق عماد الدين بن مودود صاحب حلب أن ليس له قبل بالسلطان- وكان قد ضجر من اقتراح الأمراء عليه وجبههم إياه- أرسل إلى السلطان رسولا وهو حسام الدين طمان يلتمس منه إعادة بلاده عليه، وهو يسلم حلب إلى السلطان صلاح الدين. فأجاب السلطان إلى ذلك.
وفي يوم السبت ثامن عشر صفر منها نشر سنجق السلطان الأصفر على القلعة وضربت له البشائر. وفي ذلك الوقت باشر عماد الدين نقل أمتعته من القلعة ولم يترك بها شيئا وباع في السوق ما لم يقدر على حمله. وكان السلطان شرط على نفسه أنه ما يريد سوى الحجر، وأطلق السلطان لعماد الدين بغالا وخيلا وجمالا برسم حمل ما يحتاج إلى حمله.
وفي يوم الأحد تاسع عشر صفر اصطنع عماد الدين للسلطان في الميدان الأخضر دعوة حافلة سرّ منها السلطان سرورا زائدا. وبينما هو في غاية مسرته ولذته إذ أخبره شخص بموت أخيه «بوري» وكان جرح في أثناء محاصرة حلب. فلما علم السلطان بموته- وهو مسرور في الدعوة المذكورة- وجد عليه في قلبه «١» ولم يظهر الأسف والحزن وأمر بتجهيزه سرا لئلا يتكدر المدعوون، ودفن في مقام إبراهيم بظاهر حلب. ثم حمله إلى دمشق
стр. 1083
ودفنه بها. وبعد أن انقضت تعزية الناس للسلطان بأخيه خلع على الناس وفرّق في وجوه الحلبيين الأموال، وقدم لعماد الدين عشرين بقجة صفر، فيها مائة ثوب من العنّابي والأطلس والمعتّق والممرّس، وغير ذلك، وعشرة جلود قندس «١» ، وخمس خلع خاص برسمه ورسم ولده، ومائة قنباز ومائة كمّة، وحجرتين عربيتين بأداتهما، وبغلتين مسروجتين، وعشرة أكاديش «٢» ، وخمس قطر بغال، وثلاث قطر جمال عربيات وقطار بخت «٣» .
ولما فرغ السلطان من الهدية قدم الطعام فأكل عماد الدين ونهض للركوب، وخرج السلطان معه إلى قرب بابلّى وودعه. وسار عماد الدين لبلاده ورجع السلطان وصعد القلعة من باب الجبل، وسمع منه وهو يصعدها قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ
إلى آخر الآية. وقال: ولله ما سررت بفتح مدينة كسروري بهذه، وقد تبينت الآن أني أملك البلاد، وعلمت أن ملكي قد استقر وثبت. ثم صار إلى المقام وصلى ركعتين ثم عاد إلى المخيم في الميدان وأطلق المكوس والضرائب، وسامح بأموال عظيمة وجلس للهناء بفتح حلب، فهنأه جماعة من الشعراء بعدة قصائد ذكرها العماد صاحب كتاب الروضتين.
ومن عجيب الاتفاقات أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها قوله:
وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشّر بفتوح القدس في رجب
فكان الأمر كما ذكر، فإن السلطان فتحت له القدس في رجب سنة ٥٨٣.
فتح حارم وغير ذلك من الحوادث:
ثم إن السلطان طلب حارم من صاحبها سرخك- الذي كان ولاه الملك الصالح- فامتنع عليه وكاتب سرخك الفرنج، ففطن أهل حارم بذلك ووثبوا عليه وأمسكوه وسلّموا
стр. 1084
حارم إلى صلاح الدين، فتسلمها وقرر أمرها وأمر حلب وبلادها، وأقطع «عزاز» سليمان بن جندر أحد الأمراء، وجعل في حلب ولده الملك الظاهر. وسار عنها في غرة ربيع الأول من السنة المذكورة. وبعد مضي ستة أشهر طلب الملك العادل- وهو أخو السلطان صلاح الدين- أن يوليه على حلب فولاه عليها واستدعى ولده الملك الظاهر إلى دمشق فخرج من حلب في غاية الأسف عليها، فقد كان أحبها حبا شديدا ووافقه ماؤها وهواؤها. وكان خروجه منها واستلام عمّه لها في رمضان منها. وفي سنة ٥٨٢ أخذ السلطان حلب من أخيه الملك العادل وأقطعه عنها حرّان والرّها وأعاد ابنه الملك الظاهر إليها.
استيلاء صلاح الدين على بيت المقدس وأخذه من حلب منبرا للمسجد الأقصى:
وفي سنة ٥٨٣ في رجب فتح بيت المقدس على يد السلطان صلاح الدين، فدخلها ورتب أمورها وأعاد جامعها إلى ما كان عليه، ثم أمر أن يكتب إلى حلب بإحضار منبر كان هيّأه لبيت المقدس الملك العادل نور الدين محمود زنكي، اشتغله له نجار بحلب يعرف بالأختريني، من قرية أخترين، لا نظير له في البراعة والصنعة. فأحضر المنبر المذكور وجعل في الجامع الأقصى.
استيلاء الملك الظاهر على سرمينية من الفرنج واستيلاء أبيه على دربساك:
وفي سنة ٥٨٤ أرسل السلطان ولده الملك الظاهر صاحب حلب إلى سرمينية فحصرها وضايقها وملكها من الفرنج، واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم، وهدم الحصن وعفّى أثره، وأطلق جما غفيرا من أسرى المسلمين الذين كانوا بهذا الحصن وما جاوره من الحصون.
وفيها سار السلطان صلاح الدين فنزل على جسر الحديد بالقرب من أنطاكية فأقام عليه أياما حتى تلاحق به من تأخر من العسكر ثم سار إلى دربساك وحاصرها ثم تسلمها بالأمان على شرط أن يخرج منها أهلها بثيابهم فقط. ثم سار إلى بغراس وتسلمها على شرط دربساك. ثم أرسل بيمند صاحب أنطاكية الفرنجي يطلب منه الصلح بشرط أن يطلق كل
стр. 1085
أسير مسلم عنده، فأجابه السلطان لذلك وتهادنوا ثمانية أشهر.
وفي ثالث شعبان منها دخل السلطان حلب وسار منها إلى دمشق وجعل طريقه على قبر عمر بن عبد العزيز ليزوره. وفي سنة ٥٨٧ قتل يحيى السّهرورديّ الفيلسوف بقلعة حلب على ما يذكر في ترجمته.
стр. 1086
وفاة صلاح الدين وولايات البلاد بعده وما كان من الحوادث إلى سنة ٦٠٠
وفي سنة ٥٨٩ توفي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بدمشق- على ما يذكر بترجمته- وترك سبعة عشر ولدا ذكرا وبنتا واحدة. وكان أكبر أولاده صاحب دمشق الملك الأفضل نور الدين علي، وكان الملك العزيز عثمان صاحب مصر أصغر منه، والملك الظاهر صاحب حلب أصغر منهما.
فاستقر بحلب- بعد وفاة السلطان صلاح الدين- ولده الملك الظاهر غياث الدين غازي. وبحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين. وبحمص والرحبة وتدمر: شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي. وبشيزر: سابق الدين عثمان بن الداية. وبصهيون وحصن برزيه: أبو قبيس وناصر الدين بن كورس بن خمار دكين. وبتل باشر: بدر الدين دلارم بن بهاء الدين ياروق. وببعرين وكفر طاب وأفامية: عز الدين إبراهيم بن شمس الدين.
وفي سنة ٥٩٦ كان الملك الأفضل والملك الظاهر محاصرين دمشق، وفيها الملك العادل ابن أيوب. ثم وقع بين الأفضل والظاهر وحشة أفضت إلى انصرافهما عن دمشق، وتوجه كل واحد منهما إلى مقرّه. وبعد أن انصرفا خرج الملك العادل في أثر الملك الأفضل ووقع بينهما مصافّ، انكسر فيه الملك الأفضل وأخذ منه الملك العادل مصر صلحا على أن يعوضه عنها ميّافارقين وغيرها. ولما استقر الملك العادل بالملك كاتبه ابن أخيه الملك الظاهر صاحب حلب وصالحه وخطب له بحلب وبلادها، وضرب السكّة باسمه. واشترط الملك العادل على الظاهر أن يكون خمسمائة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل كلما خرج إلى البيكار. والتزم الظاهر بذلك.
وفي سنة ٥٩٧ كان الملك الظاهر مجدّا في تحصين حلب خوفا من عمه الملك العادل.
стр. 1087
وفيها توفي عز الدين إبراهيم بن محمد وصارت بلاده بعده- وهي منبج وقلعة نجم وأفامية وكفر طاب- لأخيه شمس الدين عبد الملك. فسار إليه الملك الظاهر وملك منه منبج، وعصى عليه شمس الدين بالقلعة فحصره الملك الظاهر واستنزله بالأمان واعتقله وملك منه القلعة. ثم سار الملك الظاهر إلى قلعة نجم فملكها، وبها نائب شمس الدين المذكور. ثم أرسل الملك الظاهر إلى الملك المنصور صاحب حماة يبذل له منبج وقلعة نجم على أن يصير معه على عمه الملك العادل صاحب مصر، فاعتذر إليه صاحب حماة بيمين في عنقه للملك العادل على أن يواليه. فلما أيس منه سار إلى المعرة وأقطع بلادها واستولى على كفر طاب، وكانت لشمس الدين المتقدم ذكره.
ثم سار إلى أفامية وبها قراقوش نائب شمس الدين أيضا فلم يتيسر له تملكها، فرحل عنها وتوجه إلى حماة وحاصرها في اليوم السابع والعشرين من شعبان هذه السنة وبقي عليها إلى أيام من رمضان، وجرى بينه وبين الملك المنصور قتال شديد وجرح الملك الظاهر بسهم أصابه في ساقه، ثم صالح الظاهر المنصور على ثلاثين ألف دينار صوريّة ورحل عنها إلى دمشق وبها الملك المعظم بن الملك العادل فنازلها الظاهر وأخوه الملك الأفضل، وانضم إليهما عدة من أمراء الصالحية. واتفق الملكان الظاهر والأفضل على أنهما إذا فتحا دمشق يتسلمها الملك الأفضل، ثم يسيران معا إلى مصر ويأخذانها من الملك العادل ويتسلمها الملك الأفضل، وحينئذ يتسلم دمشق الملك الظاهر. ولما قرب على الملكين افتتاح دمشق حسد الملك الظاهر أخاه الأفضل على ملكها، ووقعت الوحشة بينهما وتفرق عسكرهما وأبطلا القتال وراسلا الملك العادل وصالحاه، ورحل كل منهما إلى مستقرّه وفيها كان بالجزيرة والشام والسواحل زلزلة عظيمة هدمت عدة مدن.
وفي سنة ٥٩٨ خرب الملك الظاهر قلعة منبج خوفا من انتزاعها منه، وأقطع منبج عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن محمد بن أحمد المشطوب. وفيها أرسل قراقوش نائب شمس الدين بأفامية إلى الظاهر بتسليم أفامية بشرط أن يعطى شمس الدين اقطاعا يرضاه. فأقطعه الملك الظاهر الراوندان وكفر طاب ومفردة المعرة، وهو عشرون ضيعة معينة من بلاد المعرة، وتسلم أفامية. ثم عصى شمس الدين بالراوندان فسار إليه الظاهر وأخضعه.
стр. 1088
وفيها سار الملك العادل من دمشق ووصل إلى حماة ونزل على تل صفرون. وبلغ الظاهر وصوله إلى حماة بقصد حلب ومحاصرتها فاستعد للحصار وراسله وتم الصلح بينهما على أن يأخذ من الظاهر أماكن معلومة وتدفع لمن اختار الملك العادل.
وفي سنة ٥٩٩ أخرج الملك العادل من مصر الملك المنصور محمد بن الملك العزيز إلى الشام فسار بوالدته وإخوته وأقام بحلب عند الملك الظاهر.
قصد ابن لاوون الأرمني أنطاكية وغير ذلك
وفي سنة ٦٠٠ نازل ابن لاوون ملك الأرمن أنطاكية فتحرك الظاهر ووصل إلى حارم، فارتد ابن لاوون على عقبه. وفيها كانت زلزلة عظيمة عمّت مصر والشام والجزيرة وبلاد الروم وصقلية وقبرس والعراق وغيرها، وخرّبت سور مدينة صور.
وفي سنة ٦٠٢ كثر فساد ابن ليون الأرمني صاحب الدروب في ولاية حلب، فنهب وخرب وأسر وسبى، فسار إليه الظاهر بجموع كثيرة وحصل بينهم عدة وقعات كانت عاقبتها وخيمة على عسكر المسلمين. ثم جدّ الظاهر في قتاله فهرب منه وتحصن بمساكنه من الجبال.
مجيء الملك الأشرف إلى حلب
وفي سنة ٦٠٥ وصل إلى حلب الملك الأشرف موسى أخو الظاهر- وكان راجعا من دمشق إلى بلاده- فتلقاه الملك الظاهر بالترحاب وأنزله بالقلعة وبالغ في إكرامه وقام بجميع لوازمه ولوازم عسكره أتم قيام. وكان يحمل إليه في كل يوم خلعة كاملة وهي غلالة وقباء وسراويل وكمّة وفروة وسيف وحصان ومنطقة ومنديل وسكّين ودلكش، وخمس خلع لأصحابه. وأقام على ذلك خمسة وعشرين يوما، وقدم له تقدمة وهي مائة ألف درهم ومائة بقجة مع مائة مملوك، منها عشر بقج، في كل واحدة منها ثلاثة أثواب أطلس وثوبان خطاي، وعلى كل بقجة جلد قندس كبير. ومنها عشر في كل واحدة خمسة أثواب عنّابي بغدادي وموصلي، وعليها عشرة جلود قندس صغار. ومنها عشرون في كل واحدة خمس قطع مرسوسي وديبقي، ومنها أربعون في كل واحدة خمسة أقبية وخمس كمام. وحمل إليه خمسة حصن عربية بعدّتها وعشرين إكديشا، وأربعة قطر بغال وخمس بغلات فائقات
стр. 1089
بالسروج واللّجم، وقطارين من الجمالين. وخلع على أصحابه مائة وخمسين خلعة، وقاد أكثرهم بغلات وأكاديش. ثم سار الملك الأشرف إلى بلاده الشرقية. وفيها أمر الظاهر بإجراء القناة على ما تقدم بيانه في الكلام على القناة.
وفي سنة ٦٠٦ نقض الظاهر الصلح مع الملك العادل. وفي سنة ٦٠٨ أرسل الظاهر القاضي بهاء الدين بن شداد إلى الملك العادل يستعطفه ويخطب بنته ضيفة خاتون، فتزوجها الملك الظاهر وزالت الإحن بين الملكين. وفي سنة ٦٠٩ في المحرّم عقد الظاهر على ضيفة خاتون، وكان المهر خمسين ألف دينار، وتوجهت من دمشق إلى حلب، واحتفل الظاهر لملتقاها وقدم لها أشياء كثيرة نفيسة. وفي سنة ٦١٠ ولد للظاهر من ضيفة خاتون ولده الملك العزيز غياث الدين محمد. وفي سنة ٦١٣ توفي الملك الظاهر. ولما اشتد به مرضه عهد بالملك بعده إلى ولده الصغير الذي ولد له من ضيفة خاتون بنت الملك العادل، وكان عمر الولد إذ ذاك ثلاثة أعوام، فجعل أتابكه ومربيه خادما روميا اسمه طغريل الطواشي، ولقبه شهاب الدين، وهو من خيار عباد الله، أحسن السيرة بعد وفاة الظاهر وعدل في الأحكام وأزال المكوس والضرائب التي كانت مرتبة في أيام الظاهر.
وفي سنة ٦١٥ قصد عز الدين كيكاوس بن كيخسرو- صاحب بلاد الروم- ولاية حلب. وسبب ذلك أنه كان بحلب رجلان يسعيان بالناس إلى الملك الظاهر فلما مات الظاهر أبعدهما طغريل، وكسد سوقهما وخشيا على نفسيهما من الناس فقصدا كيكاوس المذكور وزيّنا له قصد حلب. فعزم على ذلك وأشار عليه بعض أصحابه أن يصحب معه أحدا من بيت أيوب لأن أهل البلاد تحبهم فيسهل عليه مقصده، فصحب معه الملك الأفضل وسارا معا متفقين على أن ما يفتحانه من بلاد حلب يكون للملك الأفضل وما يفتحانه من بلاد الجزيرة يكون لكيكاوس. ولما وصلا إلى قلعة تل باشر وفتحاها أخذها كيكاوس لنفسه خلاف ما اتفقا عليه، فاشمأز الملك الأفضل وقال: هذا أول الغدر.
ثم فترت همته وتوانى عن المسير معه.
أما شهاب الدين طغريل فإنه لما بلغه تحرك كيكاوس المذكور كتب إلى الملك الأشرف ابن صلاح الدين- وكان صاحب الجزيرة- يستدعيه ليدين له بالطاعة ويخطب باسمه ويجعل السكة باسمه ويأخذ ما اختاره من أعمال حلب. فأجابه إلى ذلك وسار بعسكره
стр. 1090
لقتال كيكاوس، فلقي عسكر كيكاوس عند منبج واشتد القتال بينهم وانهزم عسكر كيكاوس وشتّت شملهم. وسار الملك الأشرف إلى قلعة تل باشر واستردها وأرسلت عساكر كيكاوس إلى حلب أسرى ودقّت البشائر. وفي سنة ٦١٦ كان الملك الأشرف بظاهر حلب يدبر أمرها ويرتب جنودها وإقطاعاتها.
وفي سنة ٦١٩ فوض طغريل مدير المملكة الحلبية أمر الشّغر وبكاس إلى الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر بن صلاح الدين، فسار الملك الصالح إليهما وملكهما وأضاف إليه الرّوج والمعرة ومصرين. وفي هذه السنة استفاض بحلب نبأ عظيم جدير أن يعدّ من الأقاصيص الخرافية، حكاه ياقوت في كتابه معجم البلدان في الكلام على كلّز. خلاصته:
أن أهل تلك الناحية شاهدوا هناك تنّينا «١» عظيما كالمنارة أسود اللون، ينساب على الأرض والنار تخرج من فيه ودبره، فأحرق عدة مزارع ونحو أربعمائة شجرة لوز وزيتون وبيوت وخرّكاهات «٢» للتركمان. ومرّ كذلك نحو عشرة فراسخ ثم ظهرت سحابة رفعته حتى غاب عن العيون وقد لفّ بذنبه كلبا ينبح.
قلت: لعل التنين هشيم «٣» ممتد على مسافة طويلة اشتعل ورآه الناس على بعد فحسبوه تنّينا، فإن اشتعال الكلأ اليابس كثير الوقوع، فقد حدث في سنة ١٢٩٨ وأنا في مدينة «ويران شهر» اشتعال هشيم في صحراء الخابور استمر عدة أيام.
وفي سنة ٦٢٠ وصل الملك الأشرف من مصر ومعه خلعة وسنجق سلطاني من أخيه الملك الكامل لابن أخيه الملك العزيز بن الملك الظاهر صاحب حلب، وعمره يومئذ عشر سنين. فخلع على الملك العزيز وأركبه في الدست. وفيها اتفق كبراء الدولة الحلبية مع الملك الأشرف على تخريب قلعة اللاذقية فأرسلوا عسكرا هدمها. وفي سنة ٦٢٤ انتزع طغريل الشّغر وبكاس من الملك الصالح وعوّضه عنهما عينتاب والرواندان. وفيها ظفر جمع من التركمان بأطراف أعمال حلب بفارس مشهور من الفرنج الداويّة بأنطاكية فقتلوه فعلم الداويّة بذلك فساروا وكبسوا التركمان وقتلوا منهم وأسروا وغنموا من أموالهم. فبلغ ذلك
следующие страницы →