Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الروم، فلا يستبعد أن يكونا محل إقامة الأمراء المذكورين أيام تقاعدهم عن الغزوات، وأنهم كانوا يقومون بوظائف العمال في أثناء ذلك ويستخلفون إذا غزوا. ولما كان هذا من المحتمل عقلا أدرجت ضمن الحوادث أسماء الأمراء المذكورين في سني خروجهم إلى الغزوات إلى سنة ٨٦ المذكورة. وعلى هذا المنوال رتبت ذكرهم في سنوية ولاية حلب المعروفة باسم السالنامة، فأقول:
في سنة ٤٦ كان مشتى مالك بن عبد الله بأرض الروم ومثلها في سنة ٤٧ وسنة ٤٩ ولم يغز سنة ٤٨ وفي سنة ٥٠ كانت غزوة بسر بن أرطاة وسفيان بن عوف الأزدي بأرض الروم. وفي سنة ٥١ كان مشتى فضالة بن عبيد بأرض الروم، وغزوة بسر بن أرطاة الصائفة. وفي سنة ٥٢ كانت غزوة سفيان بن عوف الروم وشتّى بأرضهم وتوفي بها، في قول، فاستخلف عبد الله بن سعد الفزاري. وقيل الذي شتّى بأرضهم هذه السنة بسر بن أرطاة ومعه سفيان المذكور. وعزا الصائفة محمد بن عبد الله الثقفي.
وفي سنة ٥٣ كان مشتى عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي بأرض الروم. وفي ٥٤ كان مشتى محمد بن مالك بأرض الروم وصائفة معن بن يزيد السّلمي. وفي سنة ٥٥ كان مشتى سعيد بن عوف، وقيل عمرو بن محرز، وقيل عبد الله بن قيس الفزاري، وقيل مالك بن عبد الله. وفي سنة ٥٦ كان مشتى جناد بن أبي أمية، وقيل عبد الرحمن ابن مسعود، وقيل عياض بن الحرث. وفي سنة ٥٧ كان مشتى عبد الله بن قيس. وفي سنة ٥٨ غزا الروم مالك بن عبد الله الخثعمي «١» وفي سنة ٥٩ كان مشتى عمر بن مرّة الجهني.
أيام يزيد بن معاوية
وصول رأس الحسين ﵁ إلى حلب:
وفي سنة ٦١ قتل الحسين بن علي ﵄ بكربلاء، واحتزّ رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن، وسار به وبمن معه من آل الحسين إلى يزيد في دمشق، فمر بطريقه
стр. 1017
على حلب ونزل به عند الجبل، غربيّ حلب، ووضعه على صخرة من صخراته فقطرت منه قطرة دم عمر على أثرها مشهد عرف بمشهد النقطة. وقد ألمعنا إلى ذلك في الكلام على المشهد في باب الآثار.
أيام معاوية بن يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان
غزوات بني أمية الروم وغير ذلك:
وفي سنة ٦٦ كان على الشام عبد عبد الملك بن مروان. والظاهر أنه كان يقوم بإدارة البلاد الشامية بنفسه لضيق مملكته حينئذ، لوقوع أكثرها تحت يد المتغلبين. وفي سنة ٧٣ غزا الروم صائفة محمد بن مروان، ومثلها في سنة ٧٤ وسنة ٧٥ و ٧٦ و ٧٧ غزا الروم صائفة الوليد بن عبد الملك. وفي سنة ٧٨ أصاب أهل الشام طاعون شديد حتى كادوا يفنون فلم يغز تلك السنة أحد. قيل: وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم. وفي سنة ٨١ سيّر عبد الملك بن مروان ابنه عبيد الله ففتح قاليقلا. وفي سنة ٨٢ غزا محمد ابن مروان أرمينية. وفي سنة ٨٥ غزا الروم مسلمة بن عبد الملك.
أيام الوليد بن عبد الملك
وفي سنة ٨٧ غزا مسلمة المذكور الروم وفتح عدة حصون، وقيل هشام بن عبد الملك. وفي سنة ٨٨ غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن عبد الملك الروم وفتحوا الجزيرة وعدة حصون من عمورية، وغزا العباس الصائفة من ناحية البذندون. وفي سنة ٩٠ غزا مسلمة الروم وفتح الحصون الخمسة التي بسورية. قال ابن العديم ما ملخصه:
إن الوليد بن عبد الملك لما ولي الخلافة سنة ٨٦ أبقى محمد بن مروان على ولايته حتى عزله سنة ٩٠ بأخيه مسلمة، فدخل مسلمة حرّان. وكان محمد بن مروان يتعمم وبيده المرآة فبلغه الخبر أن مسلمة يخطب على المنبر فارتعد وسقطت المرآة من يده وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة؟ فقام ابن محمد للسيف يثب على مسلمة فقال له أبوه: مه يا بني ولّاه أخوه وولّاني أخي. وكان أكثر مقام مسلمة بالناعورة بنى فيها قصرا بالحجر الصّلد وحصنا
стр. 1018
بقى منه برج إلى زماننا (زمان ابن العديم) . قلت: ذكر ياقوت الناعورة فقال: الناعورة الدولاب، موضع بين حلب وبالس، فيه لمسلمة بن عبد الملك قصر من حجارة وماؤه من العيون وبينه وبين حلب ثمانية أميال. اه.
وفي سنة ٩١ غزا الصائفة عبد العزيز بن الوليد، ومقدّم الجيش مسلمة بن عبد الملك.
وفي سنة ٩٢ غزا مسلمة بن عبد الملك الروم وفتح ثلاثة حصون. وفي سنة ٩٣ غزاهم وفتح ماسيه وحصين الحديد وفيها كان الزلزال بالشام ودام أربعين يوما فخربت البلاد وكان معظم ذلك في أنطاكيّة. وفي سنة ٩٥ انتقضت قنّسرين، وكان العباس بن الوليد يغزو الروم، ففتح هرقلة وغيرها وعاد إلى قنسرين وفتحها.
أيام سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز
وفي سنة ٩٩ ولّى سليمان بن عبد الملك من قبله على الأحصّ هلالا بن عبد الأعلى ثم ولي عليها الوليد بن هشام المعيطي.
أيام يزيد بن عبد الملك وهشام أخيه
وفي سنة ١٠١ عزل الوليد هذا من قبل يزيد بن عبد الملك لأنه كان مرائيا، وولّي على قنسرين الوليد بن القعقاع بن خليد العبسي. وقيل: الذي ولي العمل على قنسرين من قبل يزيد هو عبد الملك بن قعقاع بن خليد العبسي، وإليهم كان ينسب حيار بني عبس «١» ، وإلى أبيهم كانت تنسب «القعقاعية» قرية في بلد الغايا.
وفي سنة ١٠٨ كان طاعون شديد بالشام. وفي سنة ١١٣ غزا معاوية بن هشام أرض الروم فرابط من ناحية مرعش ثم رجع. وفي سنة ١١٥ وقع طاعون بالشام وسرى إلى العراق وامتد إلى السنة بعدها. وفي سنة ١١٩ غزا الوليد بن القعقاع أرض الروم.
أيام الوليد بن يزيد بن عبد الملك
وفي سنة ١٢٥ ولّى الوليد الخليفة على قنّسرين مكان الوليد بن القعقاع يزيد بن عمر
стр. 1019
ابن هبيرة لوحشة بين الوليد الخليفة وبين بني القعقاع. وبعد أن عزله الخليفة بعث به إلى يزيد بن عمر بن هبيرة المذكور فعذبه وأهله حتى مات.
أيام يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك وإبراهيم المخلوع ومروان بن محمد
وفي سنة ١٢٦ خرج يزيد الناقص على الوليد الخليفة، ووثب عليه فقتله وأخذ عامله في دمشق وسيّر أخاه مسرور بن الوليد إلى قنسرين. وقيل: سيّر أخاه بشر بن الوليد.
وفي سنة ١٢٧ قبض مروان بن محمد بن الحكم، الخليفة، على مسرور بن الوليد والي قنسرين وعلى أخيه بشر وقتلهما بحلب، وولي حلب وقنسرين عبد الملك بن الكوثر الغنوي.
وفي سنة ١٢٨ خرج على مروان الخليفة: سليمان بن هشام بن عبد الملك، فأمسكه مروان بخساف «١» واستباح عسكره، وفيها كان الحكم وعثمان ابنا الوليد بن يزيد محبوسين بقلعة قنّسرين، حبسهما أخوهما يزيد الناقص، فنهض إليهما عبد العزيز بن الحجاج ويزيد «٢» ابن خالد القسري وقتلاهما وقتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي، فقبض مروان على القاتلين المذكورين وصلبهما. وفي سنة ١٣٠ غزا الصائفة الوليد بن هشام فنزل العمق وبنى حصن مرعش.
стр. 1020
حوادث أيام الخلفاء العباسيين
أيام عبد الله السفاح
في ربيع الآخر سنة ١٣٢ بويع أبو العباس السفاح، واسمه عبد الله بن محمد بن علي.
فجهز عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس في جيش عظيم لقتال مروان بن محمد الخليفة الأموي، فالتقى معه بالزاب من أرض الموصل، فهزم مروان، وتبعه عبد الله بن علي حتى نزل بمنبج، فبعث إليه أهل حلب بالبيعة، وقلد عبد الله المذكور أخاه عبد الصمد حلب وقنسرين.
ثم سارا إلى حلب فبايعه أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر الكلابي، وكان من أصحاب مروان. ثم انصرف عبد الله من حلب وأرسل قائدا من قواده في مائة وخمسين فارسا إلى «الناعورة» ، وكان بها مسلمة بن عبد الملك وكان معه أهله، فاستجار مسلمة بأبى الورد الكلابي فلم يلتفت إليه، واغتاظ الكلابي وخرج من مزرعته «خساف» في عدّة من أهل بيته وخالف وبيّض (لبس البياض الذي هو شعار الأمويين) وقتل القائد ودعا أهل حلب وقنسرين لنقض البيعة العباسية فقصده من دمشق عبد الصمد في زهاء عشر «١» آلاف فارس، فقتل أبو الورد وانهزم أصحابه وأمّن عبد الله أهل حلب وقنّسرين فبايعوا وسوّدوا (لبسوا السواد الذي هو شعار العباسيين) .
وفي سنة ١٣٣ لبس الحمرة بحلب العباس بن محمد المعروف بالسفياني. وجده معاوية ابن أبي سفيان. فقصده من قبل السفاح العباسي عطاء العكي فانهزم السفياني وفتح العكي حلب عنوة ولم يبق فيها من الأمويين أحد. وفي هذه السنة تغلّب عبد الله بن محمد بن علي على حلب وقنّسرين وديار ربيعة ومضر وسائر الشام.
стр. 1021
أيام أبي جعفر المنصور
وفي سنة ١٣٧ ولّى عبد الله على حلب أبا عبد الله زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. وفيها سيّر المنصور أبا مسلم الخراساني لقتال عبد الله، فانتصر عليه أبو مسلم وكتب إليه المنصور بولاية الشام جميعه وحلب وقنسرين، وأن يقيم له نوابا في بلاده ففعل.
ثم استوحش المنصور من أبي مسلم فعزله وولّى على حلب وقنسرين وحمص صالحا بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل حلب وابتنى بها خارج باب النيرب قصرا بقرية بطياس، بالقرب من النيرب. قال ابن العديم: وآثاره باقية إلى الآن.
قلت: محل هذا القصر يعرف الآن بكرم القصر وهو بستان فستق مملوك لبعض الأهلين. اه.
قال ابن العديم: ومعظم أولاد صالح بن علي ولدوا ببطياس. وقد ذكره البحتري وغيره في أشعارهم. قلت: تقدم فيما جاء بمدح حلب شيء من ذلك. وفي سنة ١٣٩ غزا صالح بن علي الصائفة مع ابنه الفضل بأهل الشام وهي أول صائفة في خلافة بني العباس، وغزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبانة بنتا علي، وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا «١» في سبيل الله.
وفي سنة ١٤١ خرج بحلب وحرّان قوم يقال لهم الراوندية، زعموا أنهم كالملائكة وصعدوا تلا بحلب وقد لبسوا الحرير فطاروا منه وكسروا وهلكوا. وفيها حج بالناس صالح ابن علي.
ضرب النقود في حلب:
وفي سنة ١٤٦ ضرب صالح بحلب سكّة «٢» ، على أحد جانبيها: (ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ١٤٦) وعلى الجانب الآخر: (مما أمر به الأمير صالح بن علي أكرمه الله) .
стр. 1022
وفي سنة ١٥٢ مات صالح وتولى مكانه حلب وقنسرين ابنه الفضل، واختار العقبة فسكنها. وفي سنة ١٥٤ ولّى المنصور على حلب وقنسرين موسى بن سليمان الخراساني.
وفي سنة ١٥٧ ضرب السكة بقنسرين وعلى أحد جانبيها: (ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة ١٥٧) وعلى الآخر: (مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المؤمنين) . وفي سنة ١٦٢ خرج على الخليفة المهدي عبد السلام بن هاشم الخارجي فأرسل له المهدي جنودا كثيرة، فهرب منهم إلى قنسرين، فلحقوه وقتلوه فيها.
قدوم المهدي الخليفة إلى حلب
وفي سنة ١٦٣ قدم الخليفة المهديّ إلى حلب عازما على الغزو، فتلقاه العباس بن محمد والي الجزيرة وأنزله في عمله. ثم وصل المهدي إلى حلب ونزل بقصر بطياس، وولّى على حروب حلب وقنسرين والجزيرة وخراجها وصلاتها عليا بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن العباس، وولّى حلب والشام جميعه هارون، وأمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره. ثم عرض المهدي العسكر بحلب وأغزى ابنه هارون الروم.
قتل الزنادقة في حلب، ووصول رأس المقنع إليها:
في هذه السنة جمع محتسب حلب عبد الجبار الزنادقة من الأطراف إلى المهدي فقتلهم وقطع كتبهم بالسكاكين. ووصل إليه وهو بحلب رأس المقنّع وكان زنديقا مبتدعا، ظهر في خراسان سنة ١٥٩ واستغوى جماعة وكثرت أتباعه وعاثوا في الأرض فسادا إلى أن هلك في هذه السنة، وهي سنة ١٦٩.
أيام الهادي والرشيد
وفي سنة ١٧٣ ولّى الرشيد حلب وقنّسرين عبد الملك بن صالح بن علي، فأقام بمنبج وابتنى فيها قصرا لنفسه وبستانا إلى جانبه كان يعرف به. وقد سبق لنا في الكلام على منبج منادمة الرشيد مع عبد الملك حين زاره في قصره.
стр. 1023
عمّال حلب من سنة ١٧٥ إلى سنة ١٩٣:
وفي سنة ١٧٥ عزل الرشيد عبد الملك عن حلب وقنسرين وبعد سنة ولّى عليها سليمان ابن عيسى، ثم ولّى الشام جميعه موسى بن يحيى بن خالد. وفي سنة ١٧٨ ولّى الرشيد الشام جميعه جعفر بن يحيى بن خالد، فتوجه إليه سنة ١٨٠ واستخلف عليه عيسى بن العكّي.
وفي سنة ١٨٢ ولّى الرشيد حلب وقنسرين إسماعيل بن صالح بن علي، وأقطعه الحوانيت التي بباب أنطاكية إلى رأس الدلبة وكانت له، ثم عزله وولى مكانه عبد الملك بن صالح.
وفي سنة ١٨٧ بلغه عنه أنه يحدث نفسه بالخلافة فعزله وولى على حلب وقنسرين ابنه القاسم ابن الرشيد.
وفي سنة ١٨٨ رابط القاسم بن الرشيد بدابق. وفي سنة ١٩٠ خرج الروم إلى عين زربة والكنيسة السوداء وأغاروا، فاستنقذ أهل المصّيصة ما كان معهم من الغنيمة. وفي سنة ١٩٣ ولى الرشيد على حلب وقنسرين من قبل ابنه القاسم: خزيمة بن خازم، وفيها جعل الأمين مع أخيه القاسم قحافة بن أبي يزيد، وولى خزيمة بن خازم الجزيرة.
حوادث أيام الأمين في حلب
وفي سنة ١٩٤ عزل الأمين أخاه القاسم عن حلب وقنسرين والعواصم وسائر الأعمال وولاها خزيمة بن خازم. ثم في سنة ١٩٦ عزله وولى عليها عبد الملك بن صالح بن علي ثالثة. وفي ذي القعدة سنة ١٩٦ مات عبد الملك بن صالح بالرقة.
حوادث أيام المأمون في حلب
وفي سنة ١٩٧ ولّى المأمون خزيمة بن خازم حلب وقنسرين، وقيل الوليد بن طريف.
ثم ورقة بن عبد الملك ثم يزيد بن يزيد. وفي سنة ١٩٨ ولى المأمون حلب والشام جميعه طاهر بن الحسين. وفي سنة ٢٠٦ ولى المأمون مصر والشام جميعه عبد الله بن طاهر.
وفي سنة ٢١٣ ولى المأمون حلب وقنسرين والعواصم والثغور ابنه العباس وأمر له بخمسمائة ألف درهم. وفي سنة ٢١٤ ولى المأمون حلب وقنسرين وبقية ما كان بيد ولده اسحاق
стр. 1024
ابن إبراهيم بن مصعب بن زريق، نيابة عن ولده العباس. ثم عزله في هذه السنة وولى ورقة الطريفي نيابة عن ولده العباس.
قدوم المأمون إلى حلب:
وفي سنة ٢١٥ قدم المأمون حلب للغزاة ونزل بدابق وولى حلب عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ابنه العباس، وولى قضاء حلب عبيد بن جنّاد بن أعين مولى بني كلاب بعد أن امتنع عبيد عن القضاء وهدده المأمون. وفي سنة ٢١٨ أناب المأمون عن ابنه العباس عبيد الله بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح صاحب قصر بطياس.
حوادث أيام المعتصم بحلب
وفي سنة ٢٢٣ كان المعتصم عائدا من غزاة الروم فقبض على العباس لما بلغه من عزمه على مخالفته. ثم استطعم العباس فأطعم طعاما كثيرا وحبس عنه الماء وأدرج في مسح فمات في منبج ودفن بها، وولى المعتصم حلب وقنّسرين حربهما وضياعهما، عبيد الله بن عبد العزيز. وفي سنة ٢٢٥ ولى المعتصم الشام جميعه والجزيرة ومصر أشناس التركي، وكان نائب أشناس على حلب وقنسرين عبيد الله بن عبد العزيز.
وفي سنة ٢٣٠ مات أشناس وولي حلب وقنسرين عبيد الله بن عبد العزيز. وبعده ولي عليهما وعلى العواصم في هذه السنة عبيد الله محمد بن صالح بن عبد الله بن صالح، فكانت سيرته غير محمودة وكان أحمر أشقر فلقب بالسمّاقة لشدة حمرته. ويقال إنه أول من أظهر البرطيل بالشام وأوقع عليه هذا الاسم، وكان يعرف بالرشوة يعطى على غير إكراه، وكان صموتا لا يسمع له كلام إلا بالأمر والنهي.
حوادث حلب أيام الواثق
وفي سنة ٢٣١ ولّى الواثق على الثغور والعواصم وأعمالها أحمد بن سعد بن مسلم ابن قتيبه وأمره بحضور الفداء مع خاقان وميخائيل صاحب الروم فأمضى الفداء في هذه
стр. 1025
السنة ثم غزا شاتيا، فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه «١» وعزله، وولى على ما ذكر نصر بن حمزة الخزاعي.
حوادث حلب أيام المتوكل
وفي سنة ٢٣٢ ولى المتوكل حلب وقنسرين والعواصم «الشارباميان» أحد قواد المتوكل، وكان الوالي على جند قنّسرين، من قبل الشارباميان، علي بن إسماعيل بن صالح ابن علي فكانت أيامه حسنة. ثم ولى الشارباميان مكانه عيسى بن عبيد الله بن عبد العزيز ابن الفضل. وفي سنة ٢٣٥ ولّى المتوكل علي مظالم جند قنسرين والعواصم والنظر في أمور العمال طاهرا بن محمد بن إسماعيل بن صالح. ولما وافاه مرسوم الخليفة بالتولية كان في مرضه الذي مات فيه فولّى على قنسرين والعواصم والثغور وديار ربيعة ومضر والموصل، وغير ذلك، ابنه المنتصر بن المتوكل، فكانت الولاة تأتي من قبله وفيها أمر المتوكل أن يكتب إلى الآفاق بأن يؤمر أهل الذمة باستعمال الغيار «٢» .
حادث غريب:
وفي سنة ٢٤٢ وقع طائر أبيض دون الرّخمة على دلبة «٣» بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: يا معشر الناس، الله الله، أربعين مرة. ثم طار وعاد من الغد وصاح أربعين صوتا. فكتب صاحب البريد بذلك محضرا وأشهد فيه خمسمائة إنسان سمعوه. قال ابن العديم بعد أن حكى هذه الحادثة: ولا يبعد عندي أن تكون الدّلبة هي التي ينسب إليها رأس الدّلبة. قلت: كان محلها سوق الحمام.
وسمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء وتزلزلت نيسابور وتقلعت جبال من أصولها ونبع الماء من تحتها ووصلت الزلزلة إلى الشام والثغور.
стр. 1026
وفي سنة ٢٤٥ كثرت الزلازل في الدنيا وتهدم من أنطاكية كثير من الدور وأبراج السور.
ولاة حلب أيام المنتصر والمستعين والمعتز
وفي سنة ٢٤٧ ولّى المنتصر الثغر الشامي وصيفا التركي. وفي سنة ٢٥٠ مات وصيف المذكور، وولّى المستعين حلب وقنسرين موسى بن بغا. وفي سنة ٢٥١ ولّى حلب والعواصم أبا تمام ميمون بن سليمان صدقة بن عبد الملك بن صالح. وفيها بويع المعتز بالله وامتنع عليه أهل حلب وأقاموا على الوفاء للمستعين فحاصرهم أحمد المولد فلم يجيبوا ثم أجابوا وبايعوا للمعتز.
وفي سنة ٢٥٢ ولّى أحمد المولد على جند حلب وقنسرين والعواصم صالحا بن عبيد الله. وجده صاحب قصر بطياس. وفي سنة ٢٥٣ ولي حلب وقنسرين والعواصم أبو تمام ميمون بن سليمان ثانية. وفي سنة ٢٥٤ مات أبو تمام المذكور بالرقة وولى صالح بن وصيف، أحد قواد المعتز، على عمله أبا الساج ديوداد في ربيعها الأول. وفي سنة ٢٥٥ تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ علي الشامات.
أول العمال الأتراك في الشام:
وفي سنة ٢٥٦ مات أحمد المذكور وولي الشام أحمد بن طولون مع أنطاكية وطرسوس وغيرهما من البلاد.
عمّال حلب أيام المعتمد
وفي سنة ٢٥٨ عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد، الملقب بالموفّق، على حلب وقنسرين والعواصم، فاستناب فيها «سيما الطويل» ، أحد قواد بني العباس ومواليهم، فابتنى بظاهر حلب عند باب أنطاكية دارا حسنة لها بستان كان يعرف ببستان الدار، وبهذه الدار سميت محلة باب أنطاكية «الدارين» تثنية دار، إحداهما هذه، والثانية دار بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح. وإحدى الدارين تعرف بالسليمانية على حافة نهر قويق، وحاضر السليمانية يعرف بها وهو حاضر حلب.
стр. 1027
وجدد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من داره وركّب عليه بابا أخذه من قصر بعض الهاشميين بني صالح بحلب، يقال له قصر البنات، وبه كان يعرف بدرب البنات، والقصر يعرف بأمّ ولد اسمها «بنات» كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك الهاشمي.
وسمى «سيما» باب الجسر المذكور باب السلامة. وفي سيما الطويل يقول البحتري شعرا:
فردّت إلى سيما الطويل أمورنا ... وسيما الرضى في كل أمر نحاوله «١»
حوادث أيام بني طولون:
وفي سنة ٢٦٤ عصى أحمد بن طولون على مولاه أبي أحمد الموفق وأظهر خلعه ونزل إلى الشام، فجفل «٢» منه سيما الطويل إلى أنطاكية فنزل عليها ابن طولون وحاصرها وفتحها عنوة وقتل «سيما» ، واستولى على حلب والشام. وفي سنة ٢٦٥ توجه أحمد ابن طولون إلى مصر وولّى على حلب مملوكه لؤلؤا.
سنة ٢٦٧ خبر الزلزلة:
فيها كانت زلزلة عظيمة بالشام ومصر والجزيرة وأفريقيا والأندلس، وكان قبلها هدّة عظيمة قوية. وفي سنة ٢٦٨ خرج بكّار الصالحي، من ولد عبد الملك بن صالح، بين حلب وسلمية، ودعا لأبى أحمد الموفق، فوجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له يوذر فأخفق سعيه.
ثم ظفر لؤلؤ ببكّار وقبض عليه سنة ٢٦٨.
عصيان لؤلؤ على مولاه:
فيها عصى لؤلؤ على مولاه أحمد بن طولون، وكاتب أبا أحمد الموفق بالمسير إليه وقطع الدعاء لمولاه في مدنه جميعها: حلب وقنسرين وحمص وديار مضر، ووافقه أهل الثغور على ذلك وأخرجوا نواب مولاه منها. فوافاه مولاه من مصر سنة ٢٦٩ في مئة ألف وقبض
стр. 1028
على حرمه وباع ولده، وكان لؤلؤ هرب إلى أبى أحمد الموفق.
قصد ابن طولون الثغور وموته:
في سنة ٢٧٠ قصد ابن طولون الثغور فأغلقها أهلها في وجهه فعاد إلى أنطاكية ومرض.
وولى حلب عبد الله بن الفتح ثم شخص إلى مصر ومات بها. ثم ولّى ابنه أبو الجيش، خمارويه، أبا موسى محمد بن العباس الكلابي. ثم كاتب خمارويه أبا أحمد الموفق بأن يقره على حلب ومصر وسائر البلاد التي كانت في يد أبيه، ويدعى له على المنابر، فلم يجبه الموفق إلى ما طلب، فاستوحش خمارويه وولّى حلب القائد أحمد بن دوغباش عامل الرقة.
وفي هذه السنة تواقع إسحاق بن كنداج عامل الموصل والجزيرة للخليفة مع ابن دوغباش عامل حلب لخمارويه.
سنة ٢٧١ اتفاق إسحاق مع محمد بن ديوداد بن أبي الساج المعروف بالأفشين:
فيها طمع المذكوران في الشام، فسارا إليها باتفاق مع الموفق وملكا دمشق. وولى الموفق ابن ديوداد حلب وأعمالها. ثم قدم أحمد بن الموفق إلى حلب بجيشه الجرار فدخلها في ربيع الآخر منها، ثم سار إلى قنسرين وهي لأخي الفصيص التنوخي، وحاضر طيئ لطيئ، وعليها سور وقلعة. ثم سار إلى شيزر فكسر العسكر المقيم بها. ثم تواقع مع خمارويه على الطواحين قرب بلد الرملة، فكانت الغلبة أولا لابن الموفق، ثم انعكس الحال وكسر وتفرقت عساكره، وخرج عليه ابن ديوداد قبل وقعة الطواحين وجاء إلى حلب واستولى عليها ومعه إسحاق بن كنداج.
وفي سنة ٢٧٣ نزل خمارويه إلى حلب وصالحه ابن ديوداد ودعا له على المنابر وحمل خمارويه لوجوه أصحاب ابن ديوداد مائتي ألف دينار، ولكاتبه نيفا وعشرين ألف دينار، ثم راسل خمارويه أبا أحمد الموفق فأجابه وأقره على ما بيده. وفي سنة ٢٧٥ صعد خمارويه من الشام إلى مصر فعاد ابن ديوداد إلى فساده، فقصده خمارويه فهرب منه وعبر الفرات وخمارويه في طلبه، فهرب إلى الموفق بن المتوكل، فأحسن إليه. وفي سنة ٢٧٦ ولى خمارويه حلب غلام أبيه طغج بن جفّ، والد الإخشيد.
стр. 1029
عود حلب إلى العباسين وحوادثهم فيها [أيام المعتضد] «١»
وفي سنة ٢٨٦ قلّد المعتضد حلب وقنسرين ولده أبا محمد علي، وولى أبو محمد بن المعتضد من قبله على حلب ابنه الحسن بن محمد المعروف بكوره الخراساني، وإليه تنسب دار كوره داخل باب الجنان بحلب والحمام المجاورة لها، وكانت خربت ولم يبق منها أثر.
وكان كاتب محمد بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني فقلده النظر في هذه النواحي.
وفي سنة ٢٨٧ خرج وصيف خادم الأفشين على الخليفة المعتضد فضم المعتضد الثغور إلى «كوره» وكان قد أسر وصيفا المذكور وأتى به إلى حلب فأقام بها يومين، ووجد في بستان من بساتينها مالا أقرّ به وصيف أنه كان دفنه بذلك البستان أيام مولاه الأفشين، وقدره ستة وخمسون ألف دينار، فحمل إلى المعتضد.
حوادث أيام المكتفي
وفي سنة ٢٨٩ صرف المكتفي الخليفة الحسن بن كوره عن ولاية حلب وولى عليها أحمد بن سهل النوتجاني، وذلك في جمادى الآخرة منها. ثم في سنة ٢٩٠ صرفه عنها وولّى مكانه أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي، ووجّهه لمحاربة القرمطيّ «٢» صاحب الخال، فإنه كان قد عاث في البلاد وغلب على حمص وحماة ومعرة النعمان وسلمية وقتل أهلها وسبى النساء والأطفال. فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، وأنفذ القرمطيّ سرية إلى حلب فخرج إليها أبو الأغر، إلى وادي بطنان، فكبسه غلام القرمطي وقتل عامة أصحابه، وسلم أبو الأغر في ألف رجل ولجأ إلى قرية من قرى حلب. وأقام القرامطة كالمحاصرين لحلب.
فلما كان يوم الجمعة سلخ «٣» رمضان سنة ٢٩٠ تسرع أهل حلب للخروج للقاء
стр. 1030
القرامطة فمنعوا، وكسروا قفل الباب وخرجوا، ووقعت الحرب بين الفريقين ونصر الله الحلبيين وأعانهم أبو الأغر، فقتل من القرامطة خلق كثير وعاد الحلبيون يوم عيد الفطر.
وفي سنة ٢٩٠ ولى المكتفي حلب عيسى غلام النوشري، وفي آخر هذه السنة توجه عيسى إلى مصر لمحاربة الطولونية واستخلف على حلب ولده. ولما رجع إلى حلب صرفه المكتفي منها إلى مصر وولى حلب أبا الحسن ذكاء بن عبد الله الأعور سنة ٢٩٢ وكان كريما يهب ويعطي، وإليه كانت تنسب دار ذكاء، وإلى جانبها دار حاجبه فيروز، انهدمت وصارت تلا نسفه الملك الظاهر وظهر في بقايا من الذخائر كالزئبق وغيره، وكان موضع سوق الصاغة، وكان وزير ذكاء وكاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النّفري، وإليه كانت تنسب حمّام النّفري، وداره هي المدرسة النفرية.
حوادث أيام المقتدر
وفي سنة ٢٩٥ عاثت بنو تميم في بلد حلب وأفسدوا فسادا عظيما وحاصروا ذكاء في حلب، فكتب المقتدر الخليفة إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكاء في حلب، وكان ابن حمدان بالرحبة فسار إلى بني تميم ولقي منهم جماعة بخناصرة وأوقع بهم وأسر بعضهم، وانصرف ولم يجتمع بذكاء. وفي سنة ٣٠٢ ولى المقتدر الشام ومصر مؤنسا الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس بن المقتدر، فاستناب مؤنس الخادم عنه في حلب أبا العباس أحمد بن كيغلغ في هذه السنة، وهو الذي مدحه المتنبي بقوله (كم قتيل كما قتلت شهيد) «١» .
وكان أحمد المذكور أديبا ظريفا. ومن شعره قوله:
قلت له والجفون قرحى ... قد أقرح الدمع ما يليها:
ما لي في لوعتي شبيه ... قال: وأبصرت لي شبيها؟
ثم ولّى مؤنس الخادم على حلب في هذه السنة أبا قابوس محمودا بن جك الخراساني، وكان جبارا عنيدا منحرفا عن أهل البيت. وفي سنة ٣١٢ عزل مؤنس الخادم أبا قابوس، وولى مكانه وصيفا البكتمري الخادم. وفي سنة ٣١٦ عزل وصيفا وولّى مكانه هلالا ابن بدر أبا الفتح غلام المعتضد.
стр. 1031
وفي سنة ٣١٧ عزل هلالا وولى مكانه وصيفا، ثانية، فمات في حلب يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة منها، وكان كاتبه عبد الله والد أبي العباس أحمد بن عبد الله الشاعر المعروف بابن الكاتب. وفي سنة ٣١٨ ولى على حلب الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية. وفي سنة ٣١٩ ولّى على حلب غلام مؤنس الخادم، وهو طريف بن عبد الله السبكري الخادم، وكان شهما كريما حاصر بعض حصون اللاذقية وقهر أهلها وأحضرهم معه إلى حلب مكرمين، وأضيفت إليه حمص مع حلب.
حوادث أيام القاهر
وفي سنة ٣٢١ قبض الخليفة القاهر مولاه مؤنس الخادم، وولى حلب ودمشق بشرى الخادم، فأقر بشرى طريفا على عمله وسار إلى حمص لقتال ابن طغج فكسر بشرى وأسر وخنق، ووصل الأمير ابن كيغلغ إلى حلب واتفق مع محمد بن طغج.
حوادث أيام الراضي الخليفة
وفي سنة ٣٢٤ قلّد الراضي حلب وأعمالها بدرا الخرشني، فبلغ خبره طريفا وكانت حلب وأعمالها بيده فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة ليتوسل له بتجديد العهد وبذل له عشرين ألف دينار، وكان الخرشني وصل إلى حلب فدافعه طريف رجاء أن يقضي أربه، فزحف الخرشني على طريف في أرض حلب فانهزم طريف. وتسلّم حلب الخرشني فأقام بها مدة ثم طلبه الخليفة فسار إليه واستناب طريفا وقلده حلب وأعمالها. وفي أواخر هذه السنة قلد الراضي أبا بكر الإخشيد محمدا بن طغج مصر وأعمالها مضافا إلى ما بيده من الشام.
وفي سنة ٣٢٥ استناب الإخشيد بحلب أبا العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي، وفيها وردت بنو كلاب من نجد وأغاروا على المعرة وأسروا واليها وأكثر جنوده، فخرج إليهم أبو العباس والي حلب وخلص منهم والي المعرة.
وفي سنة ٣٢٧ دخل حلب واليا عليها أبو بكر محمد بن رائق، وقيل كان دخوله إليها سنة ٣٢٨ ولما وصل إليها استناب بها خاصة محمد بن يزداذ وسار لقتال الإخشيد، فهزم الإخشيد وسلّم دمشق إلى ابنه مزاحم. ثم جرى بين أبي بكر وبين الإخشيد وقعة ثانية
стр. 1032
في «الحفار» أسر فيها مزاحم، فرجع ابن رائق وخلّص ولده فقتل أخو الإخشيد فكفنه ابن رائق ووضعه في تابوت وبعث به إلى الإخشيد أخيه مع ابنه مزاحم الذي كان مأسورا وقال: ما أردت قتل هذا، وهذا ولدي لتقيده «١» به. فأحسن الإخشيد إلى محمد المذكور ورده على أبيه.
حوادث أيام المتقي
استيلاء الدولة الإخشيدية على حلب وحوادثهم فيها:
وفي سنة ٣٢٩ سيّر الإخشيد كافورا من مصر ومعه عسكر ضخم، وفي مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي. فوصل إلى حلب هو وكافور والتقيا مع محمد بن يزداذ والي حلب من قبل رائق، فكسراه وأسراه وأخذا منه حلب، وتولاها مساور بن محمد الرومي ممدوح المتنبي بقوله:
أمساور أم قرن شمس هذا ... أم ليث غاب يقدم الأستاذا «٢»
يريد بالاستاذ كافورا. وإلى كسرة بن يزداذ أشار بقوله:
هبك ابن يزداذ حطمت وصحبه ... أترى الورى أضحوا بني يزداذا «٣»
ومساور هذا هو صاحب الدار التي كانت تعرف بدار ابن الرومي بالزجّاجين بحلب، وتعرف أيضا بدار مستفاد، وهي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق، وتنسب إلى بني العجمي.
ثم إن الإخشيد اتفق مع ابن رائق على أن يبقي بيد ابن رائق حمص وحلب ويحمل إلى الإخشيد مالا معلوما ويزوجه ابنته. وفي سنة ٣٣٠ قتل أبو بكر بن رائق المذكور، وكان شهما مقداما سخيا لكنه عظيم الكبر مستبد برأيه غير موفق للصواب، وكان نائبه بحلب أحمد بن علي بن مقاتل ومعه مزاحم بن رائق.
стр. 1033
حوادث أيام المتّقي وابتداء أمر بني حمدان في حلب:
ولما قتل ابن رائق، كان أمير الأمراء، عند المتّقي الخليفة العباسي، ناصر الدولة بن حمدان، أخو سيف الدولة، فقلد ناصر الدولة ديار مضر عليا بن خلف وأنفذ معه عسكرا وكتب إلى يانس المؤنسي أن يعاضده وكان واليا على ديار مضر من قبل ناصر الدولة.
فسارا إلى أحمد بن مقاتل ومزاحم وانتصرا عليهما في وادي بطنان وملكا منهما حلب.
ثم إن عليا بن خلف سار إلى الإخشيد وصار وزيرا عنده، ثم عتا عليه فاعتقله الإخشيد ومات في حبسه. وبقي يانس واليا على حلب سنة ٣٣١ واتفق مع الإخشيد ودعا له على المنابر. وفي هذه السنة في ربيع الآخر منها وصل الروم إلى قرب حلب ونهبوا وخربوا البلاد وسبوا خمسة عشر «١» ألف نسمة.
سنة ٣٣٢ وابتداء أمر بني حمدان في حلب وأعمالها:
وفي هذه السنة تقرر بين «تورون» أحد قواد الخليفة وبين ناصر الدولة بن حمدان أن يكون للأول أعمال البصرة وما إليها، وللثاني الموصل وأعمال الشام. فاستعمل ناصر الدولة على طريق الفرات وديار مضر، وجند قنسرين والعواصم وحمص، أبا بكر محمدا ابن علي بن مقاتل ثم استبدله بابن عمه أبي عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان. فأقبل هذا من الموصل ومرّ في طريقه على الرّقّة، فمنعه أهلها فقاتلهم وظفر بهم وأحرق بعض البلدة وأسر أميرها محمد بن حبيب البلزمي. ثم سار إلى حلب، وكان فيها يانس المونسي وأحمد بن العباس الكلابي من قبل الإخشيد، فهربا إلى حمص. واستولى أبو عبد الله على هذه البلاد وأقام في حلب ووافاه الإخشيد أبو بكر محمد بن طغج فأجفل عنه أبو عبد الله إلى الرّقة لضعفه عن لقائه.
стр. 1034
حوادث أيام المتّقي بالله والمستكفي «١» بالله سنة ٣٣٣
ولما وصل أبو عبد الله إلى الرقة وجد فيها الخليفة المتقي بالله فلم يأذن لأبي عبد الله بالدخول إليها، واستدعى المتّقي الإخشيد، فأتى إليه وأكرمه، كما أن الإخشيد برّه، ووصله، ثم كتب الخليفة له عهدا على الشام ومصر على أن يكون له ولابنه أبي القاسم أنوجور إلى ثلاثين سنة. وعاد الإخشيد إلى حلب.
استيلاء سيف الدولة على حلب
وفيها «٢» سار الإخشيد إلى مصر، وولّى حلب أبا الفتح عثمان بن سعيد الكلابي.
فحسده إخوته الكلابيون واستدعوا سيف الدولة عليا بن حمدان ليولّوه على حلب. فقدم إليها سيف الدولة برضاء أخيه ناصر الدولة وقد عرف اختلاف الكلابيين وضعف أبي الفتح عن لقائه، فاستولى على حلب وهو الاستيلاء الأول في هذه السنة، ولم ير كيدا من الكلابيين ولا من غيرهم. ولما دخل إلى حلب عزل قاضيها ابن ماثل وولّى مكانه ابن الهيثم الرقّي، وكان ظالما يأخذ تركة من مات إلى سيف الدولة.
غزو سيف الدولة أرض الروم:
فيها غزا سيف الدولة أرض الروم فهتك بلد الصفصاف وعرسوس، وغنم وعاد.
قصد جيوش الإخشيد حلب واستيلاؤه عليها:
وما كاد سيف الدولة يستقر في حلب بعد عوده من غزو أرض الروم حتى بلغه زحف جيوش الإخشيد على حلب مع قائده وخادمه كافور ويانس المونسي، فبدرهما سيف الدولة وهما في الرّستن وأوقع بهما وبعساكرهما، وأسر منهم أربعة آلاف وغنم جميع ما معهما.
ثم أطلق الأسرى وتوجه إلى دمشق، ثم خرج منها إلى الأعراب، ولما عاد إليها منعه أهلها
стр. 1035
فبلغ الإخشيد ذلك فقصده فخام «١» سيف الدولة عن لقائه لقلة عسكره، لأن أكثرهم استأمن إلى الإخشيد. ثم تواقعا بأرض قنسرين فدارت الدائرة على سيف الدولة وولّى منهزما إلى الرقة، ودخل الإخشيد حلب وعاث أصحابه في نواحيها وقطعوا أشجارها الكثيرة وبالغوا بإيذاء الناس لميلهم إلى سيف الدولة.
سنة ٣٣٤ عود سيف الدولة إلى حلب وهو الاستيلاء الثاني:
ثم في ربيع الأول من هذه السنة تقرر الصلح بين الأميرين على أن تكون حلب وحمص وأنطاكية لسيف الدولة، ودمشق للإخشيد، على أن يدفع عنها إلى سيف الدولة إتاوة سنوية «٢» .
استيلاء سيف الدولة على دمشق:
ثم إن سيف الدولة اغتنم فرصة خلوّ دمشق من الحامية، لانسحاب جيوش كافور وأنوجور منها إلى مصر لكفاح المغربي الذي استولى عليها. فتوجه سيف الدولة إلى دمشق واستولى عليها. ثم تبين فيها لأهلها أمارات الطمع فكاتبوا كافورا فحضر إليهم ومعه أنوجور ابن الإخشيد.
سنة ٣٣٥ حرب سيف الدولة مع كافور:
فتحارب في هذه السنة سيف الدولة في أكسال مع كافور، فانكسر سيف الدولة وولّى منهزما إلى حمص، فحشد وعاد إلى مرج عذراء وتواقع فيه مع كافور فانكسر أيضا وانهزم إلى الرقة. ودخل كافور إلى حلب وولّى عليها يانس المونسي.
الفداء بالثغور بين المسلمين والروم:
فيها كان الفداء بين المسلمين والروم على يد عامل سيف الدولة في الثغور، وكان عدد الأسرى ٢٤٨٠ وفضل للروم على المسلمين ٢٣٠ أسيرا، فوفّاهم سيف الدولة من ماله.
стр. 1036
سنة ٣٣٦:
وفي شهر ربيع الآخر من هذه السنة أقبل سيف الدولة إلى حلب وكبس يانس المونسي فانهزم إلى سرمين. فأرسل سيف الدولة إليه من يتعقبه فانهزم وحده إلى أخيه بميّافارقين.
ثم تجدد الصلح بين سيف الدولة وابن الإخشيد على الصفة التي كانت بينه وبين الإخشيد دون الإتاوة السنوية. واستقر سيف الدولة بحلب، وهو الاستيلاء الثالث، وعمر داره في أرض الحلبة وأجرى إليها الماء من قويق.
وفيها كان الغلاء بالشام وأكلت الحمير والهررة والصبيان، ومات خلق كثير.
سنة ٣٣٧ غزو سيف الدولة الروم وانكساره وغير ذلك:
فيها غزا سيف الدولة الروم فانكسر، وأخذ الروم مرعش وأوقعوا بأهل طرسوس.
وفيها ملك سيف الدولة حصن برزيه. وفي ذلك يقول أبو الطيب «وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه» «١» . وفيها استنقذ سيف الدولة أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان لما أسره الخارجي الذي نجم في شعبان هذه السنة. وفي ذلك يقول أبو الطيب «إلام طماعية العاذل» «٢» .
سنة ٣٣٩ غزو سيف الدولة الروم:
فيها غزا سيف الدولة الروم وأوغل وفتح حصونا كثيرة وسبى وغنم. ثم أخذ الروم عليه المضايق فهلك من كان معه، ونجا سيف الدولة في عدد يسير.
سنة ٣٤٠ موت يماك التركي:
فيها مات يماك التركي مملوك سيف الدولة وكان مقدم مماليكه، وكانوا أربعة آلاف مملوك شراء ماله. ورثاه أبو الطيب بقوله «لا يحزن الله الأمير فإنني» «٣» .
стр. 1037
سنة ٣٤١ قصد الروم مدينة سروج:
فيها قصد الروم مدينة سروج وسبوا وغنموا وخربوا مساجدها وانصرفوا. فتبعهم سيف الدولة وظفر بهم وبنى مرعش. وفي ذلك يقول أبو الطيب «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا» «١» .
مدّ نهر قويق:
وفي شتاء هذه السنة مدّ نهر قويق حتى أحاط بدار سيف الدولة، ودورها سبعة آلاف ذراع، وسماها السيفية. فخرج أبو الطيب من عنده فبلغ الماء إلى صدر فرسه فقال في ذلك الأرجوزة التي مطلعها: «حجّب ذا البحر بحار دونه» «٢» .
سنة ٣٤٢ خروج سيف الدولة إلى ديار مضر وإيقاعه بالدمستق، وأسره ابنه:
في حاشية من ديوان للمتنبي مخطوط، محفوظ عندي، ما صورته: «فيها رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر لاضطراب البلاد بها. فنزل حرّان فأخذ رهائن بني عقيل وقشير وعجلان، وحدث له بها رأي في الغزو فعبر الفرات إلى دلوك، إلى قنطرة صنجة، إلى درب القلّة، فشنّ الغارة على أرض عرقة وملطية، وعاد ليعبر الفرات من درب موازد فوجد العدو قد ضبطه عليه فرجع، وتبعه العدو فعطف عليه فقتل كثير من الأرمن. ورجع إلى ملطية وعبر قباقب، وهو نهر، حتى ورد المخاض على الفرات تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى نهر هنريط وسمنين، ونزل بحصن الران، ورحل إلى سميساط فورد عليه بها من خبّره أن العدو في بلد المسلمين. فأسرع إلى دلوك وعبرها، فأدركه راجعا على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه. وكان الإيقاع به يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادى الآخرة من هذه السنة «لياليّ بعد الظاعنين شكول» «٣» .
стр. 1038
سنة ٣٤٣ سير سيف الدولة إلى الحدث وإيقاعه بجيوش الدّمستق:
وفي الحاشية المذكورة ما صورته:
«في هذه السنة سار سيف الدولة نحو حصن الحدث لبنائها، وكان أهلها أسلموها بالأمان إلى الدمستق سنة ٣٣٧ فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة من سنة ٣٤٣ وبدأ في يومه فخطّ الأساس وحفر أوله بيده ابتغاء ما عند الله تعالى.
فلما كان يوم الجمعة نازله ابن النقاس، دمستق النصرانية، في نحو خمسين ألف فارس وراجل من جموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب والخزرية. ووقعت المصادمة يوم الاثنين انسلاخ جمادى الآخرة من أول النهار إلى وقت العصر، وإن سيف الدولة حمل عليه بنفسه في نحو خمسمائة من غلمانه وأصناف رجاله فقصد موكبه وهزمه وظفر به وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته وأسر خلقا من استخلاديّته وأراخيته، فقتل أكثرهم واستبقى البعض، وأسر نوذس الأعور بطريق سمنذوا والقنذوا، وهو صهر الدمستق على ابنته، وأسر ابن بنت الدمستق، وأقام على الحدث إلى أن بناها ووضع آخر شرافة منها بيده في يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب. فقال أبو الطيب في ذلك وأنشده إياها بعد الوقعة بالحدث: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم» .
أقول: هذه النبذة ساقها العكبري في شرح هذه القصيدة مع تصرف قليل ببعض ألفاظها. وقد غلط ابن الأثير فذكر أسر ابن الدمستق في هذه الواقعة. ولعل الذي أوقعه بهذا الوهم قول المتنبي في هذه القصيدة:
وقد فجعته بابنه وابن صهره ... وبالصهر حملات الأمير الغواشم
على أن الفجع بابنه في هذا البيت لا يستلزم حصوله في هذه الوقعة، إنما هو إخبار عنه في الوقعة الأولى.
وقد غلط بعض المؤرخين في هاتين الوقعتين غلطتين، إحداهما: توهّمه أنهما وقعة واحدة، وثانيهما: فهمه من عبارة العكبري أنها أفادت أن ابن الدمستق أسر في هذه الوقعة.
مع أن عبارة العكبري لا يستفاد منها أنه أسر ولا قتل في هذه الوقعة كما يظهر ذلك بداهة
стр. 1039
لمن قرأها. على أن ذكر أسره في قصيدة المتنبي التي أنشدها في الوقعة الأولى صريح حيث يقول:
على قلب قسطنطين منه تعجّب ... وإن كان في ساقيه منه كبول «١»
إيقاع سيف الدولة ببني كلاب:
وفيها أحدث بنو كلاب حدثا بنواحي بالس «٢» ، وسار سيف الدولة خلفهم فأدركهم بعد ليال على بعد ١٢٠ ميلا من حلب، فأوقع بهم ليلا فقتل وملك الحريم وأبقى وأحسن. فقال أبو الطيب «بغيرك راعيا عبث الذئاب «٣» » .
سنة ٣٤٤ ورود رسول ملك الروم:
في محرّم هذه السنة ورد على سيف الدولة فرسان طرسوس وأذنة والمصيصة ومعهم رسول ملك الروم في طلب الهدنة والفداء، فقال أبو الطيب «أراع كذا كلّ الأنام همام» «٤» .
خروج سيف الدولة إلى الأعراب وإيقاعه بهم:
في الحاشية المذكورة ما خلاصته:
في هذه السنة تجمعت عامر بن صعصعة وعقيل وقشير والعجلان، أولاد كعب بن ربيعة بن عامر، بمروج سلمية وكلاب بن ربيعة ومن ضامّها، بماء يقال له الزرقاء بين خناصرة وسورية، وتشاكوا بما لحقهم من سيف الدولة وتضافروا على حربه وكانوا في كثرة من عددهم وعددهم، وقد زين لهم ذلك قواد من كعب كانوا في عسكر سيف الدولة، فركضوا على أعماله فقتلوا صاحبه بناحية زعرايا يعرف بالمربوع من بني تغلب
стр. 1040
وقتلوا الصباح بن عمارة والي قنّسرين.
ثم إن سيف الدولة اشتغل عن النهوض إليهم بوفود طرسوس فتمادت أيام مسيره وزاد ذلك في طمع البوادي. ثم قدّم مقدّمة إلى قنّسرين في يوم السبت لليلة خلت من صفر هذه السنة. فأقامت المقدمة أحد عشر يوما أملا أن ترعوي البادية فلم يرتدعوا. فبرز سيف الدولة إلى ضيعة يقال لها الراموسة على ميلين من حلب في يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر، وسار عنها في يوم الأربعاء فنزل تل ماسح وراح منه فاجتاز بمياه الحيار فطواها وتلقته مشيخة من بني كلاب وغيرهم فطرحوا نفوسهم بين يديه وسألوه قبول تسليمهم إليه.
وقصد سلمية فلما كان سحر يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من صفر تجمعت الأعراب، كعب ومن ضامّها من اليمن، في عدّتها وعدّتها، وحبسوا ظعنهم بماء يقال له حيران، على نحو مرحلة من سلمية، وبعضهم بماء يقال له القرقلس وراءه. ووافت خيولهم مشرفة على عسكر سيف الدولة من كل ناحية. فركب لهم ووقع الطراد فلم يمض إلا ساعات حتى ركب أكتافهم وولّوا واستحر القتل والأسر بآل المهيا ووجوه عقيل وقوادها، وأسر خويلد بن عوسجة بن منصور بن المهيا، وشداد النعمي، وجه بني نعمة. فأطلق جمعهم منّا عليهم مع عدد كبير وأسروا وأطلقوا، وقتل من جمعهم نيّفا وخمسين رجلا، وأخذ منهم نحو مائتي فرس، ودروع من كان عليها.
ورحل سيف الدولة ضحوة نهار الجمعة متبعا لهم فأسرعوا لترحيل بيوتهم فوافى ماء حيران بعد الظهر فوجد آثار جفلتهم، وسار إلى ماء القرقلس وأمر بالنزول عليه. ثم عنّ له رأي في اتّباعهم فرحل لوقته إلى ماء الغنثر يوم السبت النصف من صفر، وتسع بقين من حزيران، وقدّم خيلا فلحقت ما لهم وحازته، فنزل على الغنثر قبل نصف الليل وقد امتلأت الأرض من الأغنام والجمال والهوادج والرحال، وقد تفرقت خيولهم واشتبهت عليهم الطرق، فوقع أصحابه على عدة منهم فقتلوهم. وسار وقت السحر إلى تدمر فنزل ماء الجباه على سبعة وعشرين ميلا من الغنثر، وتفرقت خيله في طلب الفلول فساقت الماشية وقتلت عدّة، وسار سيف الدولة من تدمر نحو السماوة فقتل وأسر وصفح عما ملكه من الحريم، ثم رجع من السماوة شفقة عليهم من الاستئصال لأن الكثير منهم يموتون عطشا وجوعا. وقد قصد فريق منهم جهة القلمون مما يلي دمشق. ثم عاد سيف الدولة إلى
стр. 1041
معسكره ومر بطريقه على جماعة من تلك الجموع أسروا وعجزوا عن الهرب فبرّهم وزوّدهم. وأقام بتدمر يومين وبثّ الخيل ليتعرف أخبارهم فظفرت خيوله بمال منقطع وأقوام فصفح عنهم ورحل نحو أركة ثم نحو السخنة ثم نحو عرض والرصافة والرقة فتلقاه أهلها. ثم نحو حلب فوصل إليها يوم الجمعة لست خلون من شهر ربيع الأول من هذه السنة فقال أبو الطيب يمدحه ويذكر ما جرى: «تذكّرت ما بين العذيب وبارق» «١» .
مسير سيف الدولة إلى الدّمستق في حصن الحدث:
في جمادى الأولى من هذه السنة نهض سيف الدولة إلى الثغر لما ورد عليه من الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلوا على حصن الحدث ونصبوا عليه مكايد، وقد أنجدهم ملكهم بأصناف العسكر من البلغر والروس والصقلب في عدد وعدد، فسار سيف الدولة من حلب فلما قرب من الحدث رحل العدو إلى حصن رعبان. وخرج أهل الحدث وأخذوا آلة سلاح العدو وأعدّوه في حصنهم، وعاد سيف الدولة إلى حلب فقال أبو الطيب «ذي المعالي فليعلون من تعالى» «٢» .
أقول: ذكر العكبري أن هذه الحادثة كانت في سنة ٣٤٠ وهو غلط والصواب أنها كانت في هذه السنة وهي سنة ٣٤٤.
سنة ٣٤٥ غزو سيف الدولة الروم:
في الحاشية المذكورة ما خلاصته:
أن سيف الدولة غزا من حلب ومعه أبو الطيب، وقد أعدّ الآلات لعبور أرسناس، فاجتاز بحصن الران ثم اجتاز بحيرة سمنين ثم بهنريط. وعبرت الروم والأرمن أرسناس وهو عظيم الجرية والبرد، فسبح الخيل حتى عبرته خلفهم إلى تل بطريق وهو مدينة لهم، فغرق جماعته وأحرق تل بطريق وقتل من وجد فيها. وأقام أياما وعقد بها سمريّات «٣» ليعبر السبي
стр. 1042
فيها ثم أقفل، فاعترضه البطريق في الدرب بالجيش، وارتفع في ذلك الوقت سحاب عظيم وجاء مطر جود «١» ، ووقع القتال تحت المطر ومع البطريق نحو ثلاثة آلاف قوس، فابتلّت أوتار القسيّ فلم تنفع فانهزم أصحابه. ثم انهزم بعد أن قاتل وأبلى، وعلقت به الخيل فجعل يحمي نفسه حتى سلم.
واتصل بسيف الدولة خبر يانس، سبط الدمستق شمشقيق البطريق، في متابعته الغارة على أطراف ديار بكر وتقديره أنه آمن ببعد سيف الدولة. فسار سيف الدولة في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من محرّم سنة ٣٤٥ ولما وصل إلى حرّان لقيته وجوه بني نمير لائذين به وسألوه العفو عن كل شيء كان أنكره عليهم، فأجابهم إلى ذلك وتنكّب طرق الجادة وأخذ على حصن الران إلى حصن الحمة إلى حصن بارقبين، وجميعها له وفي يده، ودخل منه غازيا في يوم السبت لأربع بقين منه. وقد كان البطريق ومن تجمع إليه من البطارقة ورد الدرب للغارة على بلد آمد، فلما أشرف سيف الدولة ولّوا منهزمين ونزل سيف الدولة بشاطئ بحيرة سميساط وخيوله تركض وتأسر وتحرق وتسبي.
ثم سرى في يوم الأحد بغلامين من غلمانه إلى شط أرسناس وسار في أثرهما فنزل ضيعة تعرف بأنحى في لحف «٢» حصن زياد. وعادت سريته غانمة سالمة. وبكّر فسار إلى شط أرسناس فنزل على حصن أشوان بإزاء مدينة يقال لها الأشكونية وهي مسكن البطريق وكان أخذ معه سفنا مخلّعة وأطوافا، فلما خيّم بشاطئ النهر يوم الاثنين لليلتين بقيتا من المحرم عبر بعض خيوله سابحة إلى ناحية الأشكونية فسبت وغنمت، وابتدأ بعمل السفن والأطواف ففرغ من عدّة منها في بقية يومه وباكر تعبير «٣» الرجال فيها في يوم الخميس، فقصد مدينة تل البطريق فأحرقها وانكفأ إلى أخرى يقال لها أسفوان فألحقها بأختها، وشنّ الغارات في تلك الأطراف، وبلغ ذلك من الروم مبلغا عظيما وعاد إلى سواده وعسكره ظافرا غانما، ورحل يوم السبت لثلاث خلون من صفر فقصد بلدا يقال لها هورى فأحرقه وما اجتاز به من بلاد الروم وسبى وقتل.
стр. 1043
ورحل في يوم الأحد فنازل حصنا يقال له دارم وفيه مقاتلة للروم من يوم الثلاثاء إلى يوم الخميس حتى قارب فتحه، فبلغه تجمّع الروم في عددهم ومددهم وأخذهم الدروب وتقديرهم اعتراضه في يوم الجمعة فنزل منزلا ببطن سمنين بعد عبره عقبة هاموته وبكر في يوم السبت لعشر خلون من صفر قافلا إلى الدرب المعروف بدرب باقسايا. فلما توسط وظهرت قوافل أعدائه أنفذ إليهم من ناوشهم فاستظهر عليهم ثم كرّوا وصبروا. وأمر سيف الدولة بضرب خيمة بموضعه وصعد إلى جموعهم وهم عند أنفسهم مستظهرون في مواضعهم فخمل عليهم فولوا ووضع السيف فيهم فقتل فيما قتل أربعة آلاف رجل، منهم ابن بلنطس البطريق، وابن فشير فارس النصرانية، وزروان مرح قلزور وأرجوزان وعدد يطول ذكرهم وغنم الرجال ما يفوق الإحصاء من الدوابّ والبغال والحلي والديباج. وسار طالبا لفلّهم «١» في طبراش وصعوده وهبوطه واحتاج في بعضه إلى الترجل والمشي. وكان انصرافه عن الفل بعد العصر، وسار نحو آمد فدخلها في آخر نهار يوم الأحد لعشر خلون من صفر سنة ٣٤٥ فأنشده أبو الطيب في آمد قصيدته التي مطلعها «الرأي قبل شجاعة الشجعان» «٢» .
سنة ٣٤٧ الزيادة في الأذان:
قال المقريزي في الخطط المصرية: أول من أذّن بالليل: «محمّد وعليّ خير البشر» :
الحسين، المعروف بأمير أشكنبة، ويقال أسكنبة، وهو اسم أعجمي معناه الكرش، وهو ابن علي بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وكان أول تأذينه بذلك في حلب أيام سيف الدولة سنة ٣٤٧ ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه: «حيّ على خير العمل، ومحمد وعليّ خير البشر» إلى أيام نور الدين محمود زنكي. فلما فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلوية استدعى أبا الحسن عليا بن الحسن بن محمد البلخي إليها فجاءه ومعه جماعة من الفقهاء وألقى بها الدروس، فلما سمع الأذان أمر الفقهاء أن يصعدوا المنارة وقت الأذان، وقال لهم: مروهم أن يؤذّنوا الأذان الشرعي، ومن امتنع منهم كبّوه على رأسه. ففعلوا ما أمرهم به وبطلت هذه الزيادة.
стр. 1044
قلت: سيأتي ذكر هذا في حوادث سنة ٥٤٣ وذكر ابن الوردي حادثة ابتداء الزيادة في الأذان سنة ٣٦٩ أيام سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة، لا في أيام أبيه، كما ذكره المقريزي، فليحرر.
أما زيادة الصلاة والسلام عقيب كل أذان فقد التزمت في حلب سنة ٧٩٢ قال أبو ذر في تاريخه، في ترجمة الملك الظاهر برقوق الجهاركسي: وفي أيامه سنة ٧٩٢ أحدثوا في حلب السلام على النبي ﵇ عقيب كل أذان، ويقال إن ذلك عن أمره، وكان هذا قد أحدث في العام الأول. ثم قال: وأخبرني والدي أنهم كانوا يصلون على آدم عقيب الأذان، وسببه أن شخصا زعم أنه رأى في منامه آدم، فقال له: أنا أبو كم ولا تذكروني ولا تصلّون عليّ. فأخبر بذلك الحاكم فأمر بالصلاة عليه. اه.
سنة ٣٤٨ غزو الروم طرسوس والرّها:
في هذه السنة غزت الروم طرسوس والرّها فقتلوا وسبوا وعادوا سالمين.
سنة ٣٤٩ غزو سيف الدولة الروم:
فيها غزا سيف الدولة الروم فأبلى فيهم وفتح عدة حصون وسبى وأسر وغنم وبلغ خرشنة. ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق واستردوا جميع ما معه ووضعوا السيف في أصحابه، وتخلص هو في ثلاثمائة رجل بعد جهد ومشقة. وفي ذلك يقول المتنبي «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع» «١» .
الجليد والبرد:
وفيها جاء الجليد والبرد حتى جمد الفرات والقدور على النار، ويبس الزيتون في المعرة وكفر طاب. وفي سنة ٣٥٠ خرج كمين من الروم على قفل «٢» بين أنطاكية وطرسوس فأخذ الرجال وقتل كثيرا منهم، وكان معهم صاحب أنطاكية فتخلص منهم.
стр. 1045
سنة ٣٥١ استيلاء الروم على عين زربة:
فيها زحف الدمستق بجيوشه الجرارة على مدينة عين زربة، وتسلّمها من أهلها بعد أن أمّنهم، ثم غدر بهم فقتل الرجال والنساء والصبيان ومات كثير من أهلها في الطرقات، ونهب الروم جميع أموالهم واستولوا على أربعة وخمسين حصنا. ثم انصرف الدمستق على أن يعود بعد عيده، وخلّف جيشه بقيسارية. وكان ابن الزيات صاحب طرسوس خرج في أربعة آلاف طرسوسي، فقتل الدمستق أكثرهم وقتل أخا ابن الزيات.
فعاد ابن الزيات لطرسوس وكان قطع بها الخطبة لسيف الدولة فأعادها أهل البلد له وراسلوه وعلم ابن الزيات بذلك واشتد عليه هذا الأمر، فصعد إلى روشن «١» في داره وألقى منه نفسه إلى النهر تحته وغرق. وراسل أهل بغراص الدمستق وبذلوا له مائة ألف درهم فأقرهم وترك معارضتهم.
وفي هذه السنة أعاد سيف الدولة بناء عين زربة. وفيها بعد أن انصرف الدمستق إلى بلاده وقضى صومه وعيده بها، خرج إلى قيسارية جريدة ولم يعلم به سيف الدولة.
استيلاء الدمستق على حلب:
فتوجه الدمستق إلى حلب وكبسها، وقد أعجل الأمر سيف الدولة عن الجمع والاحتشاد فخرج إليه بمن معه فقاتله ولم يكن له به قبل لقلة عسكره، فقتل أكثرهم وقتل جميع أولاد داود بن حمدان، وانهزم سيف الدولة في نفر يسير، وظفر الدمستق بدار سيف الدولة المعروفة بالدارين «٢» خارج حلب، فوجد فيها لسيف الدولة ثلاثمائة بدرة «٣» دراهم، وأخذ له ألفا وأربعمائة بغل، وسلاحا لا يحصى، وخرب الدار وملك الحاضر وحاصر المدينة فقاتله أهلها من ثلمة من السور ثلمها الروم، فقتل من الروم خلق كثير وفي الليل عمر الحلبيون هذه الثلمة فتأخر الروم إلى جبل الجوشن «٤» .
ثم إن رجال الشرطة قصدوا منازل التجار لينهبوها فلحق الناس أموالهم ليمنعوها وخلا
стр. 1046
السور منهم، فاغتنم الروم الفرصة وتسوروا ونزلوا وفتحوا الأبواب ودخلوا البلد بالسيف يقتلون من وجدوا حتى ضجروا وتعبوا. وكان في حلب ألف وأربعمائة أسير رومي، فخلصوهم وجمعوا السلاح وسبوا بضعة عشر ألف صبي وصبية وأخذوا من الأموال ما قدروا على حمله وأحرقوا المساجد والجامع الأعظم واحترق معه مكتبته التي كانت تشتمل على عشرة آلاف مجلد في فنون شتى. وكانت عدة عسكره في هذه الواقعة مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألف مدرّع وثلاثون ألفا للهدم وإصلاح الطرقات وتنحية الثلوج عنها، وأربعة آلاف بغل تحمل الحسك «١» من الحديد.
ولما دخل الروم البلد قصد الناس القلعة فمن دخلها نجا بنفسه. وأقام الدمستق تسعة أيام وأراد الانصراف عن حلب، ثم بدا له أن ينزل على القلعة فأنفذ ابن أخت الملك وكان معه، وبقي الدمستق بعسكره على باب البلد، فتقدم المذكور ومعه سيفه وترسه وتبعه الروم. ولما قرب من باب القلعة ألقي عليه حجر فسقط ورمي بخشب فقتل، فأخذه أصحابه وعادوا إلى الدمستق فلما رآه قتيلا قتل جميع من كان معه من أسرى المسلمين وكانوا ألفا ومائتي أسير، وعاد إلى بلاده ولم يعترض لسواد حلب، وأمر أهله بالزراعة والعمارة ليعود إليه في العام الثاني.
وفي هذه السنة أسرت الروم أبا فراس الحمداني من منبج، وكان متقلدا لها.
امتناع أهل حران على عاملها:
وفي سنة ٣٥٢ امتنع أهل حرّان على صاحبها هبة الله بن ناصر الدولة الحمداني، وكان متقلدا لها ولغيرها من ديار مضر من قبل عمه سيف الدولة، فعسفهم وظلمهم. وكان هبة الله عند عمه بحلب حين قيامهم على نوابه، فسار إليهم سيف الدولة وابن أخيه وحصروهم واقتتلوا أكثر من شهرين. ثم لما رأى سيف الدولة شدة الأمر أجابهم إلى ما طلبوا ودخل هبة الله البلد.
стр. 1047
الإيغال في بلاد الروم:
وفيها دخل أهل طرسوس بلاد الروم غزاة. ودخل أيضا «نجا» غلام سيف الدولة من درب آخر، فأوغل أهل طرسوس في بلاد الروم حتى دخلوا قونيه وعادوا. وكان سيف الدولة ينتظر الغزاة على رأس درب من تلك الدروب ولم يسر معهم لأنه كان مريضا ولما صحّ خاف هبة الله وهرب إلى حرّان وأشاع أن عمه مات وتحالف مع أهلها على الحرب والسلم، فأرسل سيف الدولة غلامه «نجا» إلى حرّان وهرب هبة الله إلى الموصل ونزل «نجا» على حرّان وقبض أهلها وصادرهم على ألف ألف درهم وشرط عليهم تأديتها بخمسة أيام بعد الضرب المبرّح بحضرة عيالاتهم وأهليهم، فباعوا ما يساوي دينارا بدرهم لعدم وجود من يشتري غير أصحاب «نجا» . ثم افترق أهل حرّان وبقيت بلا وال وسار «نجا» إلى ميّافارقين حيث كان سيف الدولة.
سنة ٣٥٣ عصيان «نجا» على سيف الدولة:
فيها عصى «نجا» على سيف الدولة بطرا بما صار معه من الأموال التي أخذها من أهل حرّان، وانضم إليها ما أخذه بعد من أبي الورد المستولي على كثير من أرمينية حينما قصده «نجا» وقتله وأخذ أمواله وقلاعه وبلاده: خلاط، وملا ذكرد، وموش. فتمكن بهذه الأموال وأظهر العصيان على مولاه سيف الدولة، فقصده سيف الدولة ليقاتله على عصيانه فهرب منه واستولى سيف الدولة على بلاده ثم كاتبه يرغبه ويرهبه حتى حضر عنده فأكرمه وأعاده إلى مرتبته. ثم وثب عليه غلمان سيف الدولة لأنه تعرض إلى أحدهم، فقتلوه وطرحوه في مجرى الماء والأقذار إلى الغد ثم دفن.
سنة ٣٥٤ استيلاء نقفور على المصيصة:
فيها حاصر نقفور ملك الروم المصيصة وفتحها عنوة، ثم رفع السيف عمن بقي من المسلمين ونقلهم إلى الروم وكانوا مائتي ألف، ثم أمّن أهلها وكان بها أربعون ألف فارس، وسار أهلها عنها في البر والبحر، وجهز معهم من يحميهم إلى أنطاكية، ولقيهم أهل أنطاكية بالبكاء والنحيب وكان في مقدمة الطرسوسيّين «١» رجل يقرأ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ
стр. 1048
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
إلى قوله تعالى: رَبُّنَا اللَّهُ
«١» .
مخالفة أهل أنطاكية سيف الدولة:
وفيها أطاع أهل أنطاكية أحد مقدّمي الطرسوسيّين وخالفوا سيف الدولة. واسم المقدّم رشيق. فساروا إلى حلب وقاتلهم قرعويه غلام سيف الدولة وحاجبه وعامله بحلب، وكان سيف الدولة بميّافارقين فأرسل سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشارة وقاتلا رشيقا، فقتل رشيق وهرب أصحابه إلى أنطاكية. ولما عاد سيف الدولة إلى حلب اجتمع على حربه ابن الأهوازي، رجل كان يضمن الأرحاء «٢» بأنطاكية، وهو الذي كان أمدّ رشيقا بماله وزين له العصيان على سيف الدولة. وكان مع ابن الأهوازي في هذه الوقعة دزبر الديلمى خليفة رشيق، فقتل ابن الأهوازي ودزبر، وقتل من ولاتهما خلق كثير.
وفيها خرج مروان عامل سيف الدولة على السواحل وهو رجل من القرامطة كان استأمن إلى سيف الدولة فأمّنه واستعمله على السواحل، فلما تمكن قصد حمص وملكها وملك غيرها فسار إليه بدر، غلام قرعويه، وواقعه عدة وقعات. واتفق أن بدرا رمى مروان بنشّابة مسمومة وأن بدرا أسره أصحاب مروان، فخلص مروان من النشابة وقتل بدر. وبعد أيام مات مروان.
سنة ٣٥٥ الفداء بين سيف الدولة وبين الروم:
فيها تم الفداء بين الروم وبين سيف الدولة، فسار سيف الدولة بالبطارقة الذين هم في أسره إلى الفداء ففدى بهم أبا فراس وغلامه روطاس وجماعة من أكابر الحلبيين. ولما لم يبق معه من الأسرى أحد اشترى الباقين، كل نفس باثنين وسبعين دينارا، حتى نفذ «٣» ما معه من المال فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته الجوهر، المعدومة النظير. ثم لما لم يبق أحد من أسرى المسلمين كاتب نقفور الملك الرومي على الصلح. وهذه من محاسن سيف الدولة.
стр. 1049
سنة ٣٥٦ وفاة سيف الدولة وبقية حوادث دولته في حلب:
فيها مات سيف الدولة بحلب ونقل إلى ميّافارقين. وهو أول من ملك حلب من بني حمدان، أخذها من ابن سعيد الكلابي نائب الإخشيد كما تقدم. وملك البلاد بعده ابنه أبو المعالي سعد الدولة شريف. وفي ربيع الآخر سنة ٣٥٧ قتل الحارث أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة، كان مقيما بحمص فجرى بينه وبين أبي المعالي بن سيف الدولة وحشة وطلبه أبو المعالي فانحاز إلى «صدد» من قرى حمص فأرسل أبو المعالي عسكرا مع قرعويه إلى صدد وكبسوه وقتلوه.
وفي سنة ٣٥٨ دخل ملك الروم الشام بلا ممانع، وسار إلى طرابلس وأحرق حمص وكان أهلها أخلوها. وأقام بالشام شهرين وأتى على الساحل نهبا وتخريبا وملك ثمانية عشر منبرا وعاد بالأسرى والأموال. وفيها استولى قرعويه على حلب وأخرج ابن أستاذه أبا المعالي فأقام عند والدته بميافارقين ثم بحماة. وفي سنة ٣٥٩ ملك الروم أنطاكية بالسيف وقتلوا أهلها وسبوا عشرين ألف صبي وصبية وقصدوا حلب فتحصن قرعويه بالقلعة وملكوا المدينة، وكان أبو المعالي محاصرا حلب فتباعد عنهم. ثم حصروا القلعة فخرج إليهم جماعة من الحلبيين. وتوسطوا الصلح واستقر الأمر على هدنة مؤبدة على مال يحمله قرعويه إلى الروم وعلى ألّا يمكّن أهل القرى من الجلاء ليبتاع منهم الروم لوازمهم إذا مروا عليهم في الغزوات، وكان مع حلب حماه وحمص وكفر طاب والمعرة وأفامية وشيزر وما بين ذلك من الحصون والقرايا. وسلّم الحلبيون الرهائن إلى الروم وعاد الروم عن حلب وتسلمها المسلمون.
وفيها صالح قرعويه ابن أستاذه أبا المعالي وخطب له. وكان أبو المعالي بحمص وخطب هو وقرعويه بحلب للمعز العلوي صاحب مصر. وفي سنة ٣٦٢ حدث في بلاد الشام زلزال هدم الحصون من أنطاكية وغيرها وهلك به خلق كثير. وفي سنة ٣٦٦ قوي أمر بكجور بحلب، وكان استنابه مولاه قرعويه فاستفحل أمره وقبض على مولاه قرعويه وحبسه في القلعة. فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي، وكان مقيما في حماة. فسار إلى حلب وحصر قلعتها أربعة أشهر ثم ترددت الرسل بين أبي المعالي وبكجور، واستقر الصلح بينهم على أن يكون بكجور أمينا ويوليه أبو المعالي حمص. فاستلم أبو المعالي القلعة وسيّر بكجور إلى حمص كما اتفقا.
стр. 1050
قلت: هذه الحادثة ذكرها في ذيل المختصر في حوادث سنة ٣٦٥ وفي سنة ٣٧٣ كتب بكجور إلى العزيز بمصر أن يوليه دمشق فأجابه. وتسلمها بكجور وانتقل إليها من حمص.
سنة ٣٧٨ عصيان بكجور وقتله، ووفاة أبي المعالي:
في هذه السنة عصى بكجور بدمشق، وأرسل العزيز عسكر العزلة، فهرب منها ثم أمّنه العزيز. فسار بكجور إلى الرقة واستولى عليها. وفي سنة ٣٨١ سار بكجور من الرقة لقتال أبي المعالي بحلب. فاقتتلا قتالا شديدا وانكسر بكجور وهرب، ثم أخذ أسيرا في بعض بيوت العرب وأحضروه إلى أبي المعالي فقتله. ثم سار أبو المعالي إلى الرقة وبها أولاد بكجور وأمواله، فحصرها فاستأمنوا فأمنّهم وحلف ألّا يتعرض إليهم ولا إلى مالهم.
فسلّموه الرقة فغدر بهم وأخذ أموالهم وعاد إلى حلب فلحقه فالج في جنبه الأيمن فأحضر الطبيب ومد إليه يده اليسرى، فقال الطبيب: هات اليمنى، فقال: ما تركت لي اليمين يمينا. ومات بعد ثلاثة أيام في هذه السنة، وعهد إلى ولده أبي الفضائل وجعل مولاه لؤلؤا مدبّر أمره.
وفيها استضعف العزيز بالله- خليفة الفاطميين في مصر- أبا الفضائل وطمع في تملك حلب منه، فجهز بقيادة منجوتكين جيشا جرارا، فكتب أبو الفضائل إلى ملك الروم يستعينه على جيش العزيز فأقبل إليه أحد قواده في خمسين ألفا. ولما التقى الجيشان لم يثبت جيش الروم وشدد الجيش المصري الحصار على حلب حتى اضطر أبو الفضائل إلى طلب الصلح من منجوتكين فصالحه على مال دفعه. ولما وصل خبر الصلح إلى الخليفة لم يرضه ذلك وأمر منجوتكين أن يعود إلى حصار حلب فاضطر أبو الفضائل أن يعود إلى الاستنجاد بملك الروم فأقبل إليه بجيش عظيم أجفل منه جيش الخليفة إلى دمشق. ومرّ ملك الروم بحلب فتلقاه أبو الفضائل بالإكرام ثم سار ملك الروم إلى بلاد الشام فهدم وأحرق وسبى.
٣٩٩ وفاة لؤلؤ وخلفه ابنه:
فيها توفي لؤلؤ مدبّر أمر أبي الفضائل، وخلفه مرتضى الدولة بن لؤلؤ، وكان ظالما.
стр. 1051
سنة ٤٠٢ انقراض دولة بني حمدان من حلب:
في هذه السنة أغار صالح بن مرداس في ٥٠٠ فارس على حلب وطالب مرتضى الدولة بجوائز الكلابيين مستضعفين إياه بسبب تسلط حكومة مصر عليه. فاحتال مرتضى الدولة على الكلابيين وأدخلهم إلى حلب وأغلق عليهم أبوابها وقتل منهم نحو ٢٠٠ وأسر ١٢٠ بينهم صالح، وتزوج «جابرة» امرأة صالح بإكراه أهلها على زواجها. وقيل: بل أكره صالح على طلاقها.
ثم إن صالحا نقب حائط السجن وألقى نفسه من سور القلعة وهرب واجتمعت عليه بنو كلاب ونزلوا على قرية تل حاصد فألف مرتضى الدولة جندا من أهالي حلب، فيهم اليهود والنصارى وأخلاط من الناس، ووقعت المصادمة عند تل حاصد فانكسر جيش مرتضى الدولة وأسر وقيده صالح بالقيد الذي كان في رجله ثم افتدى نفسه بمال وعاد إلى حلب.
سنة ٤٠٦ عصيان فتح على مولاه مرتضى الدولة:
فيها عصى فتح على مولاه مرتضى الدولة، وكاتب الحاكم وأظهر طاعته وخطب باسمه ولقب بمبارك الدولة، والتجأ مرتضى الدولة إلى الروم في أنطاكية.
стр. 1052
سنة ٤١٤ استيلاء المرداسيين على حلب
في هذه السنة ضعف أمر الدولة الفاطمية بمصر وطمع عرب البادية بالشام والجزيرة وتحالفوا على اقتسامهما فيما بينهم، على أن تكون حلب- إلى عانة- لصالح، والرملة إلى مصر لحسان بن مفرّج «١» الطائي، ودمشق وأعمالها إلى سنان بن عليان. فزحف صالح إلى حلب وقاتل عليها ابن ثعبان أو شعبان الكتامي، والي حلب من قبل المصريين، فاستولى صالح على حلب.
حوادث الدولة المرداسية في حلب سنة ٤١٥: دفن قاضي حلب حيّا:
في هذه السنة قبض صالح على قاضي حلب ابن أبي أسامة، ودفنه حيا في القلعة.
فقال بعضهم في ذلك:
وأد القضاة أشدّ من ... وأد البنات عمى وعيّا
أدفنت قاضي المسلمين م ... بقلعة الشهباء حيّا؟
سنة ٤١٦ إسناد صالح الوزارة إلى تاذرس النصراني:
فيها استوزر صالح بن مرداس تاذرس النصراني وكان عنده صاحب السيف والقلم.
سنة ٤١٨ خروج صالح إلى المعرة واجتماعه بأبي العلاء:
وفي هذه السنة خرج صالح إلى المعرة للإيقاع بأهلها لأنهم خربوا الماخور. فحضر إليهم صالح واعتقلهم وصادرهم واستدعى أبا العلاء إلى ظاهر المعرة. ومما خاطب به أبو العلاء صالحا قوله: مولانا السيد الأجل أسد الدولة ومقدّمها وناصحها، كالنهار الماتع
стр. 1053
اشتد هجيره وطاب إبراده، وكالسيف القاطع لان صفحه وخشن حدّاه، خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. فقال صالح: قد وهبتهم لك أيها الشيخ. فقال أبو العلاء بعد ذلك في اللزوميات هذه الأبيات:
تغيّبت عن منزلي برهة ... ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلّا الأقلّ ... وحمّ لروحي فراق الجسد
بعثت شفيعا إلى صالح ... وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع منّي سجع الحمام ... وأسمع منه زئير الأسد
فلا يعجبنّي هذا النفاق ... فكم نفّقت محنة ما كسد
سنة ٤٢٠ قتل صالح وولده الأصغر وولاية ابنه نصر حلب:
في هذه السنة جهز الظاهر صاحب مصر جيشا لقتال صالح صاحب حلب، وحسان صاحب الرملة. فاقتتلوا على الأردنّ عند طبرية وقتل صالح وولده وحمل رأسهما إلى مصر، ونجا ابنه نصر فحضر إلى حلب وملكها ولقب شبل الدولة.
وفي هذه السنة خرج الروم من أنطاكية للزحف على حلب، فحاربهم أهلها وهزموهم.
سنة ٤٢١ خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى حلب:
في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل، وقيل في ستمائة ألف، للزحف على الشام، معهم ملك البلغار وملك الروس والألمان والخزر والأرمن والبلجيك والفرنج. ولما اقتربوا من حلب لحقهم عطش شديد ووقع الخلف بين أمرائهم وملوكهم، فرحل الملك وتبعهم شبل الدولة والعرب وأهل السواد حتى الأرمن، يقتلون وينهبون حتى لم يسلم من أموالهم شيء، وأسر جماعة من أولاد ملوكهم. وكان اسم ملك الروم أرمانس. وفي ذلك يقول الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة المعرّي قصيدة طويلة، أنشدها شبل الدولة بظاهر قنّسرين، مطلعها:
ديار الحيّ مقفرة يباب ... كأن رسوم دمنتها كتاب
стр. 1054
سنة ٤٢٩ قتل شبل الدولة:
في هذه السنة زحف الدزبري (وهو قائد العلوي صاحب مصر) على حلب فتغلب عليها وقتل شبل الدولة.
سنة ٤٣٣ موت الدزبري واستيلاء أبي علوان على حلب:
فيها مات الذزبري بحلب، فأسرع إليها أبو علوان، ثمال بن صالح المرداسي الملقب بمعز الدولة وملكها. وفيها نقل رأس يحيى ﵇ من بعلبكّ إلى مقام إبراهيم في القلعة.
سنة ٤٤٠ وصول عساكر مصر إلى حلب:
فيها وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع عظيم فخرج إليهم «ثمال» بجموعه وقاتلهم إلى الليل ثم عاد إلى المدينة. ثم في الغد والذي بعده خرج إليهم وقاتلهم فرحلوا عن حلب ولولا رحيلهم في تلك الليلة لأغرقهم المطر.
سنة ٤٤١ زحف المصريين على حلب:
فيها وصل عسكر من مصر إلى حلب بقيادة «رفق» فهزمهم الحلبيون وأسر رفق ومات عندهم.
سنة ٤٤٩ تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين:
فيها تنازل ثمال عن حلب إلى المصريين فسلموها إلى الحسن بن ملهم.
سنة ٤٥٢ و ٤٥٣ و ٤٥٤:
فيها أساء ابن ملهم السيرة في أهل حلب فكاتبوا محمودا بن صالح المرداسي فحضر وتسلم حلب وسيّر المصريون إليها ناصر الدولة بن حمدان فجرح وأسر، واستتب ملك حلب وقلعتها لمحمود. وفي سنة ٤٥٣ استولى ثمال على حلب مرة ثانية بمعاونة المصريين.
ثم في سنة ٤٥٤ ملكها منه أخوه عطية فقصده ابن أخيه محمود بن نصر وغلبه عليها فملكها منه. وفيها جاءت برقة وتبعها صيحة سقط لها الناس لوجوههم، ومات فيها كثير من الطيور بمعرّة.
стр. 1055
وفي سنة ٤٥٧ أقطعت معرة النعمان للملك هارون بن خان ملك الترك فيما وراء نهر جيحون، أخذها حربا وخراجا فأقام بها يسيرا ثم انتقل إلى حلب وولى المعرة الأمير فارس الدولة يانس الصالحي. وفي سنة ٤٥٩ كان بالبلاد سوى الروم غلاء عظيم وموت لا سيما في حلب، فإنه مات فيها في رجب خاصة زهاء أربعة آلاف، ومات جماعة من ساداتها. وفي سنة ٤٦٠ فتح من الإفرنج حصن أرتاح على يد الملك هارون بن خان، حاصره خمسة أشهر، وهو فتح عظيم كانت أعماله بمقدار أعمال الشام من الفرات إلى العاصي، إلى أفامية إلى باب أنطاكية، إلى الأثارب. وأحصى قوم المفقودين من الفرنج في هذه السنة إلى رمضانها في الدرب إلى أفامية قتلا وأسرا، فكانوا ثلاثمائة ألف.
وفي سنة ٤٦١ أخذ ملك الروم حصن منبج وشحنه رجالا وعدّة. ثم وقف على عزاز ساعة ورحل عنها، وفتك في جماعته الموت والغلاء فرجع خائبا. وفيها جمع قبطان أنطاكية وقسّها المعروف بالبخت جموعا وطلع إلى حصن أسقوبا من قرى المعرة، حسّن له ذلك قوم من بني ربيع من أهل «الجوزق» ، ففتحوه وقتلوا وأسروا رجاله وواليه نادر التركي.
فبلغ الخبر الأمير عز الدولة محمود بن نصر المرداسي وهو يسير في ميدان حلب فسار إليهم ولم يدخل حلب ومعه نحو خمسين ألفا من الترك والعرب، وأخذه من النصارى وقتل منهم ألفين وسبعمائة نفس. وهذا الحصن عمره حسين بن كامل بن سليمان العمري المرشدي الكلابي، ومعه جماعة من المعرة وكفر طاب وضياعهما في سنة ٤٥٦ وأكمل عمارته بمدة يسيرة فتعجب الناس لسرعة عمارته.
ثم في سنة ٤٦١ اقترض محمود بن نصر المرداسي من الروم أربعة آلاف دينار ورهن ولده نصرا عليها وعلى هدم الحصن المذكور. فجمع الناس من المعرة وكفر طاب على هدمه وهدموه. فقال بعضهم:
وهدّوا بأيديهم حصنهم ... وأعينهم حزنا تدمع
عجبت لسرعة بنيانه ... ولكنّ تخريبه أسرع
وفي سنة ٤٦٢ استولى الروم على منبج وقتلوا أهلها ونهبوها ثم رحلوا عنها لجوعهم.
وفي سنة ٤٦٣ قطع محمود بن نصر المرداسي والي حلب خطبة المستنصر العلوي بمصر وخطب للقائم العباسي، فثار الشيعة في حلب ونهبوا حصر الجامع وقالوا: هذه حصر عليّ، فليأت أبو بكر بغيرها.
следующие страницы →