Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
الملوك والجبابرة، وهو من غلاة الشيعة وكان في ابتداء أمره يقطع السبيل هو ورفقاء له فظفر بهم حاكم هراة «١» السلطان غياث الدين، فضرب تيمور وأمر بصلبه، فشفع به ولده وأخذه ووكل به من داوى جراحه حتى برىء وقربه إليه وزوّجه شقيقته. ثم إن تيمور غاضبها في بعض الأيام فقتلها وخرج على السلطان واستصفى ممالك ما وراء النهر ثم صاهر المغل وقصد مخدومه الملك غياث الدين ليدخل في طاعته فظفر به وقتله في الحبس جوعا لأنه حلف له ألّا يريق له دما. ثم عاد إلى خراسان ووضع السيف في أهل سجستان فأفناهم عن بكرة أبيهم، وخرب المدينة واستخلص جميع ممالك العجم، واستولى على بغداد وقتل أهلها وبنى من رؤوسهم مآذن، ولم يترك كبيرا ولا صغيرا ولا ذكرا ولا أنثى إلا قتله. ثم خرب المدينة بعد أن نهبها ثم مشى منها إلى الجزيرة وديار بكر وإلى الفرات.
واستعد الظاهر برقوق لمدافعته ونزل تيمور بالرها وأخذها ونهبها. وبلغه أن طقتمش خان سلطان دشت قفجق في جهات القريم قد وصل في جموع المغل إلى الأبواب فأحجم تيمورلنك وتأخر إلى قلاع الأكراد وأطراف بلاد الروم وأناخ على قره باغ ما بين أذربيجان والأبواب، ثم قوي على طقتمش وأخذ بلاده وانضمت جموع التتر إليه. ثم مشى على الهند واستولى عليها، وبلغه خبر وفاة الملك الظاهر برقوق ووفاة أحمد حاكم سيواس، فاستناب في الهند وقصد بلاد الإسلام فأتى بغداد وفتحها ثانيا وقصد سيواس وفتحها عنوة وحلف لأهلها أنه لا يريق لهم دما، فغدر بهم وألقى منهم في الحفر نحو ثلاثة آلاف إنسان.
ثم نهب البلد وخربها ومشى إلى بهسنى فحاصر قلعتها مدة طويلة وفتحها صلحا مع ما هو عليه من العتوّ والعناد. ولذلك سببان أحدهما متانة القلعة وحصانتها وثانيهما أن نائب قلعة المسلمين التي كانت تعرف بقلعة الروم- وهو الناصري محمد بن موسى بن شهري- كان يخرج للغارات على معسكر تيمور عندما كان مقيما على حصار قلعة بهنسى. وكان الناصري المذكور ذا قوة وشجاعة ورأي وتدبير، فلم يسع تيمور إلا الانصراف عن قلعة بهسنى إلى قلعة المسلمين فكاتب نائبها الناصري المذكور بقوله: إني أتيت من أقصى بلاد سمرقند ولم يقف أحد أمامي وسائر ملوك الأرض حضروا إليّ، وأنت سلّطت على جموعي من يشوّش عليهم ويقتل من ظفر بهم، والآن قد مشينا عليك
стр. 1157
بعساكرنا فإن أشفقت على نفسك ورعيّتك فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة ما لا مزيد عليه وإلا نزلنا عليك وخربنا بلدك، وقد قال تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
فاستعدّ لما يحيط بك إن أبيت الحضور.
فلم يلتفت الناصري إلى كلامه وحبس رسوله. فمشى إليه تيمور وبرز له الناصري في أوائل عسكره وقاتله قتالا شديدا رأى فيه تيمور من الناصري شدة حزم، فرجع عن محاربته وأخذ في مخادعته فطلب منه الصلح وأن يرسل له مالا وخيلا فلم ينخدع وتنازل معه إلى أن طلب منه جانبا فلم يعطه، وعاد عنه تيمور خائبا وعساكر الناصري في أواخر عسكر تيمور قتلا ونهبا وأسرا مع أنهم كانوا زهاء ثمانمائة ألف عسكري. كل ذلك وباب قلعة الناصري لم يغلق يوما واحدا وفيه يقال:
هذا الأمير الذي صحّت مناقبه ... ليث الوغى عمّت الدنيا مفاخره
ولّى تمرلنك مكسورا أوائله ... منه فارا ومذعورا أواخره
كان الناصري من السلالة العمرية ذا مروءة وصدق ودين وعلم. ثم إن تيمور استولى على حلب ودمشق، وما بينهما على الوجه الذي نبسطه، ثم رجع إلى ممالك الروم فكاتب سلطانها السلطان با يزيد خان الغازي فلم يلتفت إلى كتابه وتوجه لقتاله وجمع العساكر على ميل من مدينة أنقرة، ونشبت الحرب بينهم وكانت وقعة عظيمة انكشفت عن أسر السلطان يلدرم با يزيد خان ولما أيقن بالهلاك قال لتيمور: أوصيك ألّا تترك التتر بهذه البلاد فإنهم يفسدونها وألّا تقتل رجال الأروام فإنهم ردء الإسلام، وألّا تخرب قلاع المسلمين، ولا تجلهم عن مواطنهم.
قال هذا وهو مكبل بقفص من حديد قد فغر الموت له فاه لابتلاع حياته بعد سويعات، فلم يذهله هذا الموقف الرهيب عن المحاماة عن رعيته، ولم تضطره الأثرة بروحه إلى التوسل بالدفاع عنها دون الدفاع عن رعاياه.
وقد قبل منه تيمور تلك الوصايا. وبعد سويعات توفي السلطان با يزيد في قفصه ورجع تيمور إلى بلاده فمرض في مدينة أنزار وجعل يشرب من عرق الخمر إلى أن تفتت كبده ومات في ليلة الأربعاء سابع عشر شعبان سنة ٨٠٧ وحملوا عظامه إلى سمرقند وعمره فوق
стр. 1158
الثمانين، وخلّف ولدين أمير شاه وشاه رخ، ولم يكونا معه. فجلس على سرير الملك حفيده خليل بن أمير شاه، وكان أبوه واليا على ممالك تبريز فقتله قره يوسف حاكم أذربيجان ولما مات خليل المذكور تولّى الملك عمه الشاه رخ. ثم سطا على ملكهم الفاتحون وتلاشت دولتهم سوى بعض أعقاب لتيمور كانوا سلاطين في جهات من الهند.
والناس في أمر تيمور مختلفون: فمنهم من يعدّه كافرا باغيا لإفراطه بإراقة دماء المسلمين، وتسلّط جيوشه على نهب الأموال والأرواح وهتك الأعراض. ومنهم [من] يقول بإسلامه ويعدّه عاصيا ويكل أمره إلى الله تعالى. ومنهم من يزعم أنه مصلح كبير لم يقصد من غاراته على بلاد المسلمين غير ردع ملوك الإسلام وجهادهم كي يكفوا عن مظالمهم التي كانوا يعاملون بها رعاياهم، ويرعووا عن قتل بعضهم البعض، حتى إنني سمعت من بعض علماء الأتراك القاطنين في بخارى- وقد جمعتني وإياهم باخرة كنت ركبتها في سفري إلى جهات غزّة- أن عددا كبيرا من علماء تركستان وخواصهم يعدّون إيقاع تيمور بالبلاد الإسلامية جهادا مقدسا، ويعتقدون فيه الولاية والكرامة ويترضون عنه كما يترضون على أولياء الله وأصفيائه، وأن ما كان يصدر من جيوشه وعساكره من قتلهم البريئين وهتك أعراض المخدّرات لم يكن عن علم منه ولا رضاء به.
وقد وضع العلماء والمؤرخون كتبا قيمة وأخبارا طوالا في سيرة تيمور وترجمته، أكثرها مطبوع متداول، وأعمّها كتاب «عجائب المقدور في أخبار تيمور» لابن عربشاه. وقد اقتصرنا على ذكر هذه النبذة في الكلام عليه طلبا للإيجاز.
مجيء تيمور إلى حلب وما أحله فيها من الويل والصخب
هذه الحادثة من أعظم الحوادث التي دهت حلب قديما وحديثا وأضرّت بها ضررا مخلّدا، محت آثارها وأطفأت أنوارها وأخذ بها تيمور من الأموال وأفنى من النفوس، وأسر من العلماء وأرباب الحرف والصناعات ما لا تحصيه الأقلام ولا يعلم عدده إلا العليم العلام، وذلك أن تيمور بعد أن أقلع عن قلعة الروم- كما حكيناه- تقدّم إلى عينتاب فأجفل أهل القرى بين يديه وجفل أهل البلاد الحلبية. ثم اجتاز بمرج دابق، وفي يوم الخميس تاسع ربيع الأول سنة ٨٠٣ نازل حلب، وكان نائبها المقرّ السيفي دمرداش الخاصكي
стр. 1159
وقد حضرت إليه عساكر الملكة الشامية كعسكر دمشق مع نائبها سودون، وعسكر طرابلس مع نائبها المقرّ السيفي شيخ الخاصكي، وعسكر حماة مع نائبها دقماق، وعسكر صفد وغزّة فاختلفت آراؤهم فمن قائل: ادخلوا المدينة وقاتلوا من الأسوار، وقائل:
اخرجوا إلى ظاهر البلد تلقاء العدو بالخيام.
فلما رأى نائب حلب اختلافهم أذن للناس في إخلائها والتوجه حيث شاؤوا، وكان نعم الرأي لو فعلوا، فلم يوافقوا على ذلك وضربوا خيامهم في ظاهر البلد تلقاء العدو، وحضر قاصد تيمورلنك فقتله نائب دمشق قبل أن يسمع كلامه، وبئسما فعل. ثم إن النواب ومعهم بعض العساكر والعامة خرجوا إلى جهة بابلّي تحت مشهد الشيخ فارس، وسمع بعضهم دمرداش وهو يقول للتتر: إنا إذا حملتم أنكسر، أو كلاما مثل هذا. ولما وقف الحلبيون والتقى الجيشان قرأ ابن القلعيني قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ
الآية وكان صيّتا. واستمر القتال يوم الخميس والجمعة.
ولما كان يوم السبت حادي عشر الشهر المذكور ركب تيمور وجمع وحشد، والفيلة تقاد بين يديه وهي ثمانية وثلاثون فيلا وزحف على حلب فانخذل دمرداش وانحاز إليه سرا يعلمه المخازي، وانهزم المسلمون بين أيدي التتر وجعلوا يلقون أنفسهم من الأسوار والخنادق، والتتر في أثرهم يقتلون ويأسرون وقد أحالت العساكر بالحوافر أجساد العامة، وجرى من دخول المنهزمين بالأبواب من فساد الأجساد وذهاب المهج ما أذهب العقول.
وأما سودون نائب دمشق فإنه قاتل على باب النيرب قتالا عظيما وحمل عليه معظم جيش تيمور وهو ثابت صابر، إلا أنه لما شاهد الغلبة دخل حلب. ودخلها جيش تيمور ينهبون الأموال ويحرقون المباني ويخربونها ويقتلون الكبار والصغار ويفتضّون الأبكار، ويأخذون المرأة ومعها ولدها الصغير على يدها فيلقونه من يدها ويفسقون بها. فلجأ النساء عند ذلك إلى الجامع الكبير ظنا منهنّ أن هذا يقيهنّ من أيدي الكفرة، وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء يشوّه محاسنها، فيأتي ذلك العلج إليها ويغسل وجهها ويتناولها ويتمسح بالأوراق الشريفة. ودام هذا الحال من يوم السبت إلى يوم الثلاثاء. ومع ذلك فإن طائفة من عساكر التتر لم يزالوا يشتغلون بنقب القلعة وبها جميع النواب وخواص الناس وأكثر أموالهم ونفائس أمتعتهم.
стр. 1160
وفي يوم الثلاثاء المذكور- وهو رابع عشر ربيع الأول- أخذ تيمور القلعة بالأمان، ونزل إليه دمرداش، وخلع تيمور عليه وصعدها في اليوم الثاني فدخل مقام الخليل وأسفّ رأسه «١» عند عتبته وقبّلها. ثم جلس في المقام وطلب علماء حلب وقضاتها، فحضر إليه القاضي شرف الدين موسى الأنصاري، والعلامة محب الدين بن الشحنة.
وكمال الدين بن العديم، وعلاء الدين أبي الحسن «٢» علي بن خطيب الناصرية وغيرهم فوقفهم ساعة ثم أمر بجلوسهم وطلب من كان معه من أهل العلم وقال لأميرهم وهو المولى عبد الجبار ابن العلامة نعمان الدين الحنفي، وكان والده من العلماء المشهورين بسمرقند:
قل لهم إني سائلهم عن مسألة سألت عنها علماء سمرقند وبخارى وغيرهما من البلاد التي فتحتها، فلم يفصحوا عن جوابها فلا تكونوا مثلهم، ولا يجاوبني إلا أعلمكم وأفضلكم، وليعرف ما يتكلم فإني خالطت العلماء ولي بهم اختصاص وألفة، ولي في العلم طلب قديم.
قال ابن الشحنة: وكان بلغنا عنه أنه يعنّت العلماء في الأسئلة ويجعل ذلك سببا لقتلهم أو تعذيبهم، فقال القاضي شرف الدين عن ابن الشحنة: هذا شيخنا ومدرّس هذه البلاد وفقيهنا اسألوه والله المستعان. فقال عبد الجبار لابن الشحنة: سلطاننا يقول إنه بالأمس قتل منّا ومنكم فمن الشهيد: قتيلنا أم قتيلكم؟ فوجم الجميع وقالوا في أنفسهم: هذا الذي بلغنا عنه من التعنّت. فسكت القوم. قال ابن الشحنة: وفتح الله عليّ بجواب سريع بديع وقلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله ﷺ وأجاب عنه، وأنا مجيب بما أجاب به رسول الله ﷺ .
قال ابن الشّحنة: قال لي صاحبي القاضي شرف الدين بعد انقضاء الحادثة: والله العظيم، لما قلت: هذا سؤال سئل عنه رسول الله ﷺ وأجاب عنه، وإنك لمحدّث زماننا وعالمنا، قد اختل عقله. وهو معذور؛ فإن هذا سؤال لا يمكن الجواب عنه في مثل هذا المقام. ووقع في نفس عبد الجبار مثل ذلك، وألقى تيمور سمعه وبصره إلي، وقال لي:
عبد الجبار يسخر من كلامي كيف سئل رسول الله ﷺ وكيف أجاب؟ قلت: جاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الرجل يقاتل حميّة ويقاتل شجاعة ويقاتل ليعرف مكانه، فأيّنا في سبيل الله؟ فقال ﵇: من قاتل لتكون كلمة الله هي
стр. 1161
العليا فهو في سبيل الله، ومن قاتل منّا لإعلاء كلمة الله فهو الشهيد. فقال تيمور: خوب.
وقال عبد الجبار: ما أحسن ما قلت. وانفتح باب المؤانسة، وقال تيمور: إني رجل نصف آدمي وقد أخذت بلاد كذا وكذا وعدد سائر ممالك العجم والعراق والهند وسائر بلاد التتر. فقلت: اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة ولا تقتل أحدا. فقال:
إني والله لم أقتل أحدا قصدا وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب، وو الله لا أقتل منكم أحدا وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.
وتكررت الأسئلة منه والأجوبة منّا، وطمع كل أحد من الفقهاء الحاضرين، وجعل يبادر إلى الجواب ويظن أنه في المدرسة، والقاضي شرف الذين ينهاهم ويقول: اسكتوا ليجاوب هذا الرجل فإنه يعرف ما يقول. يريد بالرجل ابن الشحنة. وآخر سؤال سأل عنه: ما تقولون في عليّ ومعاوية ويزيد؟ فأسرّ شرف الدين إلى ابن الشحنة- وكان إلى جانبه- أن أعرف كيف تجاوبه فإنه شيعي. فلم يفرغ ابن الشحنة من سماع كلام تيمور إلا وقد قال القاضى علم الدين بن القفصي الصيفي المالكي كلاما معناه أن عليا اجتهد وأصاب وله أجران، ومعاوية اجتهد وأخطأ وله أجر واحد. فتغيظ تيمور لذلك. ثم أجاب القاضي أبو البركات موسى الأنصاري الشافعي بأن معاوية لا يجوز لعنه لأنه صحابي.
فقال تمرلنك: ما حدّ الصحابي؟ فأجابه: إنّه «١» كل من رأى النبي ﷺ فقال تمرلنك:
فاليهود والنصارى رأوه. فأجابه: بشرط أن يكون [الرّائي «٢» ] مسلما. وأجاب شرف الدين أيضا بأني رأيت حاشية على بعض الكتب أنه يجوز لعن يزيد فقط. فتغيظ لذلك ووعدهم بالقتل وقال: علي على الحق ومعاوية ظالم ويزيد فاسق وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيديون قتلوا الحسين.
فأخذ ابن الشحنة في ملاطفته بالاعتذار عن المالكي بأنه أجاب بشيء وجده في الكتاب لا يعرف معناه. قال في كنوز الذهب: فلم يقبل وقال: أريد منكم مالا وأنتم أعلم ببعضكم بعضا. فأخذوا الورقة وكتبوا فيها أسماء من عليهم المال، وقدر ما على كل واحد. وقصد بذلك أن يعلم درجتهم في المال. ثم أخذ بعد ذلك في مصادرة الناس وعقوبتهم. ثم إن
стр. 1162
تيمور عاد حلمه في ذلك المجلس. قال ابن الشحنة: وأخذ عبد الجبار يسأل مني ومن شرف الدين، فقال عن ابن الشحنة: هذا عالم مليح، وعن شرف الدين: هذا رجل فصيح. قال ابن الشحنة: فسألني تيمور لنك عن عمري فقلت: مولدي سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقد بلغت الآن أربعا وخمسين. وقال للقاضي شرف الدين: كم عمرك؟ قال:
أنا أكبر منه بسنة. فقال تيمور لنك: أنتم في عمر أولادي، أنا عمري اليوم بلغ خمسا وسبعين سنة.
وحضرت صلاة المغرب وأقيمت الصلاة وأمامنا عبد الجبار وصلّى تيمور لنك إلى جانبي قائما يركع ويسجد ثم تفرقنا. وفي اليوم الثاني غدر بكل من في القلعة وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والأقمشة والأمتعة مما لا يحصى. قال ابن الشحنة: أخبرني بعض كتابه أنه لم يكن أخذ من مدينة قطّ مثل ما أخذ من هذه القلعة ولا ما يقاربه، وعوقب غالب المسلمين بأنواع العقوبات وحبسوا بالقلعة ما بين مقيّد ومزنجر ومسجون ومرسم عليه. ونزل تيمور لنك من القلعة بدار النيابة وصنع وليمة على زي المغل ووقف سائر الملوك والنواب في خدمته وأدار عليهم كؤوس الخمر، والمسلمون في عقاب وعذاب وسبي وقتل وأسر، وجوامعهم ومساجدهم ومدارسهم وبيوتهم في هدم وحرق وتخريب ونبش إلى آخر ربيع الأول.
ثم طلبني ورفيقي القاضي شرف الدين وأعاد السؤال علينا فقلت له: الحق كان مع علي، وليس معاوية من الخلفاء، فإنه صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وقد تمت بعلي. فقال تيمور لنك: قل على عليّ الحق ومعاوية ظالم. فقلت:
قال صاحب الهداية: يجوز تقلّد القضاء من ولاة الجور، فإن كثيرا من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق لعلّي في نوبته. فانسرّ لذلك وطلب الأمراء الذين عينهم للإقامة بحلب وقال لهم: إن هذين الرجلين نزول عندكم بهذه البلدة فأحسنوا إليهما وإلى ألزامهما وأصحابهما ومن ينضم إليهما ولا تمكّنوا أحدا من أذيتهما ورتّبوا لهما علوفة ولا تدعوهما في القلعة بل اجعلوا إقامتهما بالمدرسة، يعني السلطانية التي تجاه القلعة. وفعلوا ما أوصاهم به إلا أنهم لم ينزلونا من القلعة، وقال لنا الذي ولي الحكم منهم بحلب الأمير موسى ابن الحاجب طغاي: إني أخاف عليكما، والذي فهمته من نسق تيمور أنه إذا أمر بسوء فعل بسرعة ولا محيد عنه، وإذا أمر بخير فالأمر فيه لمن وليه.
стр. 1163
وفي أول يوم من ربيع الآخر برز إلى ظاهر حلب متوجها نحو دمشق، وثاني يوم أرسل يطلب علماء البلد، فرحنا إليه والمسلمون في أمر مريج وقطع رؤوس، فقلنا: ما الخبر؟ فقيل: إن تيمور يطلب من عسكره رؤوسا من المسلمين على عادته التي كان يفعلها في البلاد التي أخذها. فلما وصلنا إليه أرسلنا رسولا يقول له: إننا قد حضرنا وهو حلف ألّا يقتل أحد منا صبرا. فعاد إليه ونحن ننظره وبين يديه لحم سليق في طبق يأكل منه، فتكلم معه يسيرا ثم جاء إلينا شخص بشيء من ذلك اللحم فلم نفرغ من أكله إلا وزعجة قائمة، وتيمور صوته عال، وساق شخصا هكذا وآخر هكذا وجاءنا أمير يعتذر ويقول:
إن سلطاننا لم يأمر باحضار رؤوس المسلمين وإنما أمر بقطع رؤوس القتلى وأن يجعل منه قبة إقامة لحرمته على جاري عادته، ففهموا عنه غير ما أراد وإنه قد أطلقكم فامضوا حيث شئتم.
قلت: وحكى القرماني عن بعض الثقات أنه شاهد بظاهر حلب قد بني شبه المآذن من رؤوس الرجال مرتفعة البناء، دورها نيّف وعشرون ذراعا وعلوّها في الهواء نحو عشرة أذرع بارزة وجوهها تسفي عليها الرياح وعدّتها عشرة. ثم قال ابن الشحنة: وركب تيمور لنك من ساعته وتوجه نحو دمشق فعدنا إلى القلعة ورأينا المصلحة في الإقامة بها.
وأخذ الأمير موسى في الإحسان إلينا وقبول شفاعتنا وتفقد أحوالنا مدة إقامته بحلب وقلعتها، وتأتينا الأخبار بأن السلطان الملك الناصر فرج قد نزل إلى دمشق وأنه كسر تيمور، ومرة نسمع بالعكس، إلى أن انجلت القضية عن توجه السلطان إلى مصر بعد أن قاتل تيمور قتالا شديدا أشرف منه تيمور على الكسرة والهزيمة.
ولما كان سابع عشر شعبان المعظم من السنة المذكورة وصل تيمور عائدا من الشام إلى الجبّول شرقي حلب ولم يدخل حلب بل أمر المقيمين بها من جهته بتخريب القلعة وإحراق المدينة ففعلوا ونزلوا من القلعة، وطلبني الأمير السيد عز الدين، وكان من أكبر أمرائه وقال: إن الأمير «تيمور قان» يسلم عليك ويقول: إن عنده مثلك كثيرا وهذه البلاد باب مكة وليس بها عالم فلتكن أنت بها، وقد رسم بإطلاقك ومن معك من القضاة، فاطلب من شئت وأكثر لأروح معكم إلى مشهد الحسين وأقيم عندكم حتى لا يبقى من عساكرنا أحد. وكان القاضي شرف الدين لا يفارقني، وطلبنا من تأخر من القضاة في القلعة واجتمع منا نحو ألفي مسلم، وتوجّهنا صحبة المشار إليه لمشهد الحسين وأقمنا به
стр. 1164
ننظر إلى حلب والنار تضرب في أرجائها. وبعد ثلاثة أيام لم يبق من التتر أحد ونزلنا إلى بيوتنا بالمدينة فاستوحشنا منها ولم يقدر أحد منا على الإقامة ببيته من النّتن والوحشة، ولم يمكن السلوك في الأزقة من ذلك، كما قال:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر «١»
قال أبو ذر في تاريخه: وأما الجامع الكبير فكانت القتلى فيه من الباب الشرقي إلى البركة، وصار الناس يمشون على القتلى إلى بعد ذهاب هذه المحنة فدفنوا بالحجازية «٢» من الجامع.
قال ابن خطيب الناصرية في تاريخه: وقال الشعراء في هذه الحادثة المدلهمة عدة قصائد، فمن ذلك ما قاله بعض أهل الأدب:
يا عين جودي بدمع منك منسكب ... طول الزمان على ما حلّ في حلب
من العدوّ الذي قد أمّ ساحتها ... ناح الغراب على ذاك الحمى الخرب
ويلاه ويلاه يا شهبا عليك وقد ... كسوتني ثوب حزن غير منسلب
من بعد ذاك العلا والعزّ قد حكمت ... بالذل فيك يد الأغيار والنّوب
وحين جاء قضاء الله ما دفعت ... عنك الجيوش ولا الشجعان بالقضب
وأصبح المغل حكّاما عليك ولم ... يرعوا لجارك ذي القربى ولا الجنب
وفرقوا أهلك السادات وانتشروا ... في كلّ قطر من الأقطار بالهرب
وبدّلوا من لباس اللين ذا خشن ... نعم، ومن راحة الأبدان بالتعب
وكلّ ما كان من مال لديك غدا ... في قبضة المغل بعد الورق والذهب
وخرّبوا ربعك المعمور حين غدوا ... يسعون في كل نحو منك بالنكب
وخرّقوا من بيوت الله معظمها ... وحرّقوا ما بها من أشرف الكتب
كذا بلادك أمست وهي خالية ... وأصبحت أهلها بالخوف والرعب
لكن مصيبتك الكبرى التي عظمت ... سبي الحريم ذوات الستر والحجب
من كل آنسة لا شمس تنظرها ... ولا يراها سوى أم لها وأب
يأتي إليها عدوّ الدين يفضحها ... ويجتليها على لاه ومرتقب
стр. 1165
غلّت يمينك يا من مدّها لسنا ... ذاك الجمال وشلّت منك بالعطب
ولا نقول سوى سبحان من نفذت ... أحكامه في الورى حقا بلا كذب
قضى وقدّر هذا الأمر من قدم ... بحكم عدل جرى في اللوح والكتب
فنسأل الله بالمختار سيدنا ... محمد ذي التقى والطهر والحسب
أن لا يرينا عدوا ليس يرحمنا ... ولا يعاملنا بالمقت والغضب
صلى عليه إله العرش خالقنا ... والآل والصحب سادات الورى النجب
قال ابن الشحنة: وكانت نواب الشام مع تيمور مأسورين فانفلتوا منه أول بأول.
وذكر في كنوز الذهب أن تيمور عرض أسرى بلد الشام ونواحيها فكانوا ثلاثمائة ألف أسير وستين ألف أسير. قال ابن الشحنة: وكان السيفي دمرداش الخاصكي حين انفلت منه من حماة- حال توجهه إلى نحو دمشق- توجّه نحو السلطان واتفق معه وجاءه تقليد شريف من السلطان باستمراره في نيابة حلب، فدخلها وأخذ في عمارتها ورمم دار النيابة وسكن بها وتراجعت الناس.
نزول أمير العرب على حلب
وفي هذه السنة نزل على حلب الأمير نعير بن جبار- أمير العرب- قاصدا إخراج الأمير دمرداش منها لوحشة سبقت بينهما. فحاصرها مدة أيام وضايقها. وغلا السعر وحصل لأهل حلب شدة عظيمة، وكان العسكر بحلب قليلا جدا فاستنجد الأمير دمرداش بأحمد بن رمضان أمير التركمان فلباه وأقبل إليه بخيله ورجله، وجاء حلب ودخلها من باب النصر وخرج من باب قنسرين لأن القتال بين الحلبيين وبين العرب كان فيما بين حلب وجبرين. فاشتد القتال بين الفريقين وأشرف الحلبيون والتركمان على النصرة فحال الليل بينهم، فرجع الحلبيون والتركمان إلى المدينة وعوّل نعير أمير العرب على الهزيمة. ولما أصبح الحلبيون والتركمان خرجا للقتال فلم يروا أحدا. فتتبع التركمان آثار العرب فلم يظفروا بهم غير أنهم صادفوا بعض أغنام استاقوها ودخلوا بها إلى حلب.
وفي سنة ٨٠٤ ولي حلب دقماق عوضا عن دمرداش لأنه أظهر العصيان بحلب، فأرسل السلطان عسكرا مع دقماق وحاربه وقبض عليه وأرسله إلى القاهرة.
стр. 1166
وسنة ٨٠٦ ولي حلب الأمير علاء الدين أقبغا الجمالي الهذباني، عائدا إليها، فأقام بها أربعين يوما ومات ودفن بتربة أنشأها بسوق الخيل. واستقر في نيابة حلب السيفي دمرداش عائدا إليها.
قتال فارس بن صاحب الباز
وفيها استفحل أمر فارس بن صاحب الباز التركماني- أمير التركمان- بناحية العمق فاستولى على أنطاكية والقصير ودركوش، فخرج إليه دمرداش ومعه العساكر الحلبية ووصل إلى جب الحيّات في العمق بين القصير وأنطاكية والتقى الفريقان هناك، فكسر الأمير دمرداش وقتل من عسكره وأمرائه جماعة وعاد إلى حلب بكرة عيد الأضحى، وقوي أمير التركمان جدا. ثم جمع دمرداش العسكر وتوجه إلى أنطاكية لقتاله، وكتب إلى الأمير علي باك بن دلغادر، وإلى أحمد بن رمضان مقدّمي التركمان في البلاد يستنجدهما عليه، فوافياه وهو على أنطاكية وابن صاحب الباز بها ومعه الأمير جكم. فأقام العسكر عليها مدة فلم يظفروا بطائل ورجعوا عنه خائبين.
واستفحل أمره وعظم خطره واستولى على البلاد الغربية بأسرها ووصل إلى جبل سمعان، وتوجه إليه من حلب جماعة أقاموا عنده لأجل إقطاعاتهم، واستولى على جانب من بلاد طرابلس كصهيون وصار له من باب الملك إلى صهيون وأطراف بلد سرمين.
وبقي نواب حلب ليس لهم حكم في تلك البلاد بالكلية وصاروا كالمحصورين، فإن هذه البلاد التي استولى عليها هي التي كانت عامرة من أعمال حلب وهي: أنطاكية والقصير والشّغر ودير كوش وحارم وبغراس والحلقة وسائر أعمالها وبرزيه وصهيون واللاذقية وجبلة وتلك النواحي، وعجز النواب عن دفعه، للخلف بينهم وقلة العساكر فيهم، وصار ابن صاحب الباز في عسكر عظيم إلى أن قدّر الله كسره على يد جكم حينما تولى نيابة حلب، فاستنقذ منه البلاد وأراح منه العباد، ثم تبعه إلى أنطاكية وقطع جسر الحديد ونزل شرقيّه واستمر يحاصره أياما، ثم شرع في حفر نهر لتحويل العاصي إليه ففر التركماني إلى جهة القصير، وتبعه الأمير «جكم» بمن معه حتى حاصره في قلعة هناك فطلب الأمان فأعطاه فنزل، ثم سلمه إلى عدو له فقتله. وكان على شجاعة عظيمة محبا للخير، بنى بحضرة سيدي حبيب النجار بأنطاكية مدرسة.
стр. 1167
قصد دمشوخجا بلد حلب
وفي هذه السنة أعني سنة ٨٠٦ نزل على حلب دمشوخجا بن سالم التركماني- نائب قلعة جعبر- فأفسد القرى ونهبها وقطع السبل، وعاقب الرجال ببلد عزاز وارتكب أمورا عظيمة من المفاسد، ولم يأخذه رأفة على المسلمين. فقدم عليه عدوه نعير ابن جبار بن مهنا أمير العرب من ناحية الشرق، واشتبك القتال بينهما أياما فانتصر نعير عليه وفرق حزبه ونهب أمواله ومزقه كل ممزق. وكان دمشوخجا من المفسدين في الأرض رئيس اللصوص وقطاع الطريق، فأراح الله منه البلاد والعباد.
زلزال عظيم:
وفي صبيحة يوم الخميس عاشر شعبان من هذه السنة زلزلت حلب زلازل كثيرة، منها واحدة مزعجة أخربت كثيرا من الأماكن والمساجد بحلب، وأخربت كثيرا من مدينة الشّغر ولم يعهد من قديم الزمان زلزلة مثلها، فاجتمعت الفتن والزلازل.
تملك جكم:
وفي سنة ٨٠٧ هرب «جكم» من السجن في قلعة دمشق وتوجه إلى حلب وأقام بها مدة يسيرة. فلما قويت شوكته قبض على دمرداش نائب حلب وعلى الحاجب وعلى نائب القلعة، وملك المدينة وقلعتها وقطع اسم الملك الناصر من الخطبة، وركب بشعار السلطنة، وباس له الأمراء الأرض بحلب وتلقب بالملك العادل.
تواتر الزلازل:
وفيها زلزلت حلب يوم الجمعة ثالث جمادى الأولى وقت الاستواء زلزلة عظيمة فزع الناس لها ولجؤوا إلى الله تعالى، ثم سكنت بعد لحظة. ثم زلزلت زلازل كثيرة في السنة المذكورة ولطف الله بعباده.
وفي سنة ٨٠٨ ثار نائب القلعة بحلب والحاجب وجماعة من التركمان على «جكم» وأخرجوه من حلب، فبلغ السلطان ذلك وأرسل تقليدا إلى علان اليحياوي بنيابة حلب. وفي جمادى الآخرة أتى «جكم» وهجم على حلب وقتل دقماق المحمدي الذي كان نائبا بها قبلا ونهبها
стр. 1168
وملك قلعتها. وسمع السلطان ذلك فأرسل له تقليدا بنيابة حلب ونيابة طرابلس مضافة لنيابة حلب فعدّ ذلك من النوادر. وفي رمضان هذه السنة تحارب جكم مع الباز التركماني الذي سلف ذكره في حوادث سنة ٨٠٦ فملك جكم جميع أمواله وقبض جكم على العجل ابن النعير أمير العرب بعد أن جرى بينهما مقتلة عظيمة عند قرية زيتان على النهر، وولى جكم على العرب ابن العجل.
أصل قبيلة آل المهنا:
كانت هذه القبيلة من العرب تعرف بآل المهنا، وينتهي نسبه إلى بدر بن ربيعة. وكانت مساكنهم صحراء حلب وحماة وبعض صحراء الخابور. وكانوا أولي شوكة وصولة، كثيرا ما كان نواب حلب وحماة ودمشق يستعينون بهم على من عاداهم فيجدون منهم قوة ونجدة فوق مأملهم. وقد ذكر ابن الخطيب عدة رجال منهم يستحقون الذكر لما عندهم من الشجاعة والكرم والشهامة.
وفي ذي القعدة من هذه السنة ولي حلب دمرداش عوضا عن جكم. وفي سنة ٨٠٩ وصل السلطان إلى حلب وقرر في نيابتها جركس القاسمي، فلما خرج السلطان من حلب رجع «جكم» إليها وملكها وفرّ القاسمي. ثم ملك «جكم» دمشق وتلقب بالملك العادل. فعند ذلك تحرك عليه قره بلك نحو آمد فتبعه «جكم» في عسكر قليل ودخل مضيقا لا يسعه الفرار فيه، فسقط عن فرسه فقبض عليه بعض التركمان وقطع رأسه وجهزه إلى مصر.
قصد ابن دلغادر حلب:
وفي سنة ٨١٠ قدم إلى حلب علي بن خليل بن قراجا بن دلغادر، الشهير بعلي باك التركماني، أمير التركمان ببلاد مرعش وما والاها. قدم إليها لإنقاذ ولده المحبوس بقلعتها من قبل الأمير جكم فصادف وقت قدومه خلو حلب عن نائب، لأن نائبها جكم كان قد قتل ولم يقم مكانه نائب. ولما وصل ابن خليل إلى دابق سيّر إليه أهل حلب بالرجوع عنهم فطلب ولده منهم، ثم جاء إلى الميدان الأخضر شمالي حلب ونزل بمن معه من جموع التركمان الأزرعية والبياضية وغيرهم- وكانوا زهاء خمسة آلاف نفر- فخرج أهل حلب
стр. 1169
لقتاله وجرت بينهم وقعة انكسر بها أهل حلب ودخلوا البلد. واستمر يحاصر حلب وكان بالقلعة جماعة عصوا ووافقوا ابن خليل المذكور وجعل الحلبيون يقاتلون ابن خليل والتركمان خارج السور، ويقاتلون أهل القلعة داخله، وأهل القلعة يرمون الحلبيين. وأصر ابن خليل والتركمان على حصار حلب أياما فجهزوا إليه ولده فلم يفد شيئا ولم يزده إلا بغيا، فنهب القرى التي حول حلب وأفسد في البر فسادا كبيرا، ثم انتقل من الجهة الشمالية ونزل قبليّ حلب على السعدي وما حوله وجدّ في الحصار واشتد أهل حلب لقتاله ولم يكن عندهم من الجند سوى عشرين فارسا، وحصل لأهل حلب ضيق عظيم وطال عليهم ذلك نحو اثنين وأربعين يوما حتى فرج الله عليهم بقدوم نجدة لهم من طرف حماة وانهزم ابن خليل.
قتال أمير التركمان:
وفي هذه السنة ولي حلب تمربغا المشطوب. وفيها عظم شأن كردي باك أمير التركمان بالعمق، فتوجه لقتاله تمربغا المشطوب نائب حلب وقاتله أياما فانكسر ورجع خائبا.
وتمادى كردي باك في غلوائه حتى خرج عليه الملك المؤيد شيخ فقاتله بالقرب من بقراص- تحت جبل اللكام- فغلبه وكسره كسرة شنيعة وعاد المؤيد شيخ ظافرا غانما.
وفي ربيع الأول سنة ٨١١ استقر في نيابة حلب الأمير دمرداش. وفي هذه المرة أكمل بناء جامع الأطروش الذي قدمنا ذكره في الكلام على محلة الأعجام من الجزء الثاني.
إبطال مكس البيض:
وفيها نقش على جدار الجامع الأموي ما صورته: «لما كان بتاريخ سنة ٨١١ ورد المرسوم الكريم العالي المولوي كافل المملكة الحلبية الملك دمرداش بإبطال مكس البيض من المملكة الحلبية، وملعون ابن ملعون من يعيده ويجدده» .
وفي أوائل سنة ٨١٣ جاء إلى حلب شاهين بن عبد الله من قبل ملك الأمراء شيخ فنزل ببانقوسا يوم الجمعة وزحف على المدينة وبها نواب الأمير دمرداش وحاصرها إلى أن أخذها ثاني يوم نهار السبت في العشر الأول من المحرم، واستمر بها حاكما إلى العشر الأول من ربيع الأول من السنة المذكورة، فصالح شيخ الأمير نوروز وجاء نوروز إلى حلب
стр. 1170
من قبل شيخ لأنه ملك الشام جميعه. وكان سلطان مصر ولّى حلب نوروز المذكور سنة ٨١٢ إلا أنه لم يستطع أن يدخلها خوفا من شيخ. وفي ربيع الآخر من السنة المذكورة أعني سنة ٨١٣ قرر السلطان في نيابة حلب قرقماش بعد أن قهر شيخ ونوروز وغلبهما.
وفي ذي القعدة منها تصالح شيخ مع السلطان وتولى شيخ من قبل السلطان نيابة حلب، ونوروز نيابة دمشق. وفي ربيع الآخر سنة ٨١٤ اتفق شيخ ونوروز على العصيان وخرجا.
وفي سنة ٨١٥ وصل السلطان لدمشق لمحاربتهما وصار يطردهما من بلد إلى بلد، وكان مع هذا منغمرا في السكر فأعيت العسكر وشغبت عليه العامة وخلعوه وقتلوه في دمشق.
وكان في هذه البرهة قد ولي دمرداش حلب، فأتى إليها نوروز في الربيع الآخر وهرب منه دمرداش وعّين نوروز لنيابة حلب يشبك بن يزدمر. وكان بين نوروز وشيخ عهود، منها أن يكون شيخ أتابك العساكر بمصر، والخليفة هو السلطان، ونوروز هو نائب البلاد الشامية. ثم لما تسلطن شيخ وخان العهود أظهر نوروز العصيان فحاربه السلطان في دمشق وقتله وسار إلى حلب وولى نيابتها إينال الصصلاقي وذلك سنة ٨١٧ وفي سنة ٨١٨ أظهر العصيان نائب دمشق قاني باي، ووافقه الصصلاقي نائب حلب. فحضر السلطان إلى حلب وكان النائبان المذكوران فيها ففرا منه فتبعهما إلى العمق وقبض عليهما وذبحهما.
ثم ولى نيابة حلب أقباي الدوادار وذلك كله في السنة المذكورة.
وفي سنة ٨٢٠ سافر نائب حلب «أقباي» إلى القاهرة وكان أشيع عنه العصيان ففرح به السلطان وقرره في نيابة دمشق وقرر في نيابة حلب الأمير قجقار القردمي. ثم في رجب هذه السنة تغير خاطر السلطان على قجقار القردمي فسجنه وقرر في نيابة حلب يشبك اليوسفي، وقرر في نيابة قلعتها شاهين الأعور شاوي. وفي هذه السنة قتل علي عماد الدين النسيمي بحلب. وقد تكلمنا عليه في باب التراجم.
стр. 1171
قصد قرا يوسف حلب
وفي سنة ٨٢١ قصد قرا يوسف التركماني- ملك بغداد- غزو قره بلك أحد أمراء التركمان في نواحي الموصل وما والاها، فجفل منه قرا بلك. وجاء الخبر إلى حلب فجفل أهلها. ثم إن قرا بلك قطع الفرات فساق خلفه قرا يوسف جريدة «١» وكبسه على عينتاب فنهبها وأحرقها. ووصل الخبر بذلك إلى حلب فخاف أهلها خوفا شديدا وخرجوا جرائد على وجوههم النساء والأولاد مشاة حفاة. ومنهم من اعتصم في القلعة وسير نائب حلب إلى السلطان يخبره بذلك فتهيأ السلطان لمدافعة قرا يوسف والتوجه إلى الشام. وأما قرا يوسف فإنه وصل بنفسه إلى ناحية تل باشر ووصل قسم من عسكره إلى حلب- وكانت خالية- فتلقاهم الأمير يشبك في شرقي بابلّي وهو في نحو أربعين فارسا وهم في نحو الخمسمائة، فنصر الله الأمير يشبك على عسكر قرا يوسف ورجع إلى حلب منصورا.
ثم أرسل قرا يوسف إلى حلب رسولا يقول لهم: إني لم أرد حلب وإنما أطلب قرا بلك.
فأخبره أهل حلب أن المذكور توجه من حلب منذ أيام، وعندها أقلع عن حلب ورجع الحلبيون إلى أوطانهم.
مجيء الأمراء إلى حلب وقتل يشبك اليوسفي
وفي سنة ٨٢٣ دخل ألطنبغا القرشي الأمير يوسف حلب وصحبته عدة أمراء مظهرين أن السلطان جهزهم إليها لحفظ البلاد من قرا يوسف، لأن السلطان بلغه أن قرا يوسف جمع من العساكر ما لا يحصى وقصد محاربة نائب حلب. فاستوحش منهم يشبك اليوسفي نائب حلب وتحفظ منهم ولم يجسروا عليه. ولما كان يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة ٨٢٤ ورد هجّان «٢» وبيده كتاب يخبر بوفاة السلطان الملك المؤيد شيخ. فاضطرب ألطنبغا وجماعته وتوجهوا إلى جهة مصر وخرجوا من حلب من باب المقام، والأمير يشبك اليوسفي يراهم ولم يخرج لتوديعهم. ولما أبعدوا عن حلب قليلا ركب اليوسفي في أثرهم فلما بصروا به رجعوا عليه وتقاتلوا ساعة، فانتصر الأمير ألطنبغا وانكسر اليوسفي وقتل
стр. 1172
وجيء برأسه وعلق على باب القلعة. ومن العجيب أن السماط الذي أعده اليوسفي لغدائه صار غداء الأمير ألطنبغا وجماعته. واستقر ألطنبغا في نيابة حلب.
وفيها عزل ألطنبغا عن نيابة حلب ووليها إينال الجكمي. ثم في رجب منها وليها تغري ويردي. ثم في رابع ذي الحجة منها عزل تغري ويردي لأنه شاع عنه العصيان وولي نيابة حلب مكانه قان بك، فتسلم حلب في المحرم سنة ٨٢٥ بعد أن حصل بينه بين تغري ويردي حرب شديدة وانكسر تغري ويردي وهرب. وفي سنة ٨٢٦ ولي حلب جارقطلو.
وفي ربيع الآخر سنة ٨٣٠ ولي نيابة حلب قصرو، وهو الذي احتفل بمشهد عبد الله الأنصاري الذي أسلفنا ذكره في الكلام على محلة الكلاسة في الجزء الثاني. وفي سنة ٨٣٣ كان الوباء بحلب والشام ومصر وما بينهما، وتلف فيه خلق كثير وبلغت فيه الوفيات اليومية في مصر عشرة آلاف نسمة، ثم صرفه الله بفضله ولطفه.
وفي سنة ٨٣٦ سار السلطان من الديار المصرية إلى الديار الشامية إلى حلب ودخلها في يوم مشهود، وخلع على القاضي محب الدين بن الشحنة وأقرّه في قضائه. ثم توجه نحو البيرة ونزل على آمد وجرى بينه وبين «قرا بلك» وقعة عظيمة. ثم بلغ السلطان أن قرا بلك سار إلى جهة حلب ليأخذها على حين غفلة من السلطان فجهز له عسكرا وأدركوه بالقرب من الفرات فحصل بينهم وقعة عظيمة ورجع قرا بلك وعاد السلطان.
وفي سنة ٨٣٧ في رجب ولي حلب قرقماش الشعباني حاجب الحجاب. وفي سنة ٨٣٩ ولي حلب إينال الجمكي ثانية ثم في رجبها وليها تغري ويرمش التركماني. وفي أواخر هذه السنة سار تغري ويرمش ومعه ثمانية مقدّمين «١» - وكان من جملتهم الأمير جقمق الذي صار بعد سلطانا- ساروا جميعا إلى طرد ابن دلغادر عن البلاد الحلبية، فطردوه ثم عادوا إلى حلب. ثم عاد الأمراء إلى الديار المصرية حسب المرسوم السلطاني.
وفي سنة ٨٤٢ أظهر العصيان تغري ويرمش نائب حلب. وفي شعبانها ثار عليه أهل حلب ورجموه بالحجارة ونهبوه وأخرجوه. والسبب في ذلك أن تغري ويرمش حاصر القلعة واطلع على أن أهل حلب مائلون مع نائبها، فنادى مناديه بنهب البلد فثاروا عليه.
ثم في شوال سارت العساكر إلى حلب لقتال تغري ويرمش نائبها، فلما وصلوها وجدوه
стр. 1173
في جموع كثيرة من التركمان، فوقع بينهم مقتلة عظيمة. ثم قبض بعض التركمان الذين مع تغري ويرمش عليه وكاتبوا السلطان بذلك، فأمر بقتله فقتلوه وأرسلوا رأسه للقاهرة.
وفي شوال هذه السنة ولي حلب الأمير جلبان. ثم في سنة ٨٤٣ وليها قانباي الحمزاوي ثم نقل منها إلى دمشق.
إبطال مكس الكتان وتكسير الخوابي
وفي سنة ٨٤٦ نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ سابع عشر ربيع الآخر سنة ٨٤٦ ورد المرسوم الشريف السلطاني من الملك الظاهر جقمق- خلّد الله ملكه- بإبطال مكس الكتّان من خان الكتّان، وملعون من يجدده» . ونقش أيضا: «لما كان بتاريخ سابع وعشرين ربيع الآخر سنة ٨٤٦ ورد المرسوم الشريف السلطاني من الملك الظاهر جقمق- خلد الله ملكه- بإبطال ما كان يؤخذ من أهل مدينة سرمين عن تكسير الخوابي إبطالا دائما ابتغاء لوجه الله تعالى، والله يجزيه الثواب العظيم» .
وفي سنة ٨٤٩ ولي حلب تغري ويردي الجركسي. وفيها حدث بحلب طاعون عظيم لم تعلم وفياته اليومية. وفي سنة ٨٥١ تقرر في نيابة حلب آق ويردي الساقي الخاصكي، ثم استبدل بقان بك البهلوان فتوفي في ربيع الأول، وولي حلب برسباي الناصري فتوفي في جمادى الآخرة وولي حلب «تنم» . وفي سنة ٨٥٢ أعيد قان باي الحمزاوي إلى نيابة حلب.
إبطال ما كان يؤخذ من الدلالين:
وفيها نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ جمادى الأولى سنة ٨٥٢ ورد المرسوم من الدولة الشريفة العالية الظاهرية مولانا الملك جقمق- خلّد الله ملكه- كافل المملكة الحلبية المحروسة، أعز الله أنصاره، في إبطال ما كان يؤخذ ظلما من الدلالين في سوق الحراج وأن لا يتعرض لهم أحد من خلق الله. وملعون ابن ملعون من يجددها أو يعيدها أو يسعى بها» .
طاعون:
وفي مسودة كنوز الذهب ما خلاصته: في هذه السنة حدث في حلب وأطرافها طاعون
стр. 1174
سرت جراثيمه إلى غدير خندق القلعة فأفنى ما فيه من السمك، وطفت جثثه على وجه الماء، وفتك في المحلات الخارجة عن السور، لا سيما محلة الكلاسة وبانقوسا أكثر مما فتك في سكان غيرهما من محلات حلب الداخلية وكثرت الوفيات منه في القرى القريبة من حلب حتى نتن هواؤها وبلغت وفياته اليومية في حلب نحوا من خمسمائة نسمة.
إبطال مكس الزيتون من قرى عزاز:
وفيها نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ خامس شهر ربيع الأول سنة ٨٥٧ رسم المقرّ الكريم العالي يوسف الخاقاني- بإشارة مخدومه المقرّ الكريم العالي السيفي المنصوري، مولانا الملك الآمر أعز الله أنصاره- بإبطال مكس الزيتون من قرى عزاز ومعاملتها وملعون ابن ملعون من يعيدها أو يجددها» .
وفي سنة ٨٥٩ ولي حلب جانم الأشرفي.
احتفال الناس بماء السمرمر:
قال في مسودة كنوز الذهب ما خلاصته: في هذه السنة ٨٥٩ احتفل الناس بوصول ماء السمرمر إلى حلب، أحضر إليها من عين ماء في واد من بلاد العجم وهو محفوظ في إبريق من الصفيح، فوضع على مئذنة جامع القلعة زعما بأنه يجلب طير السمرمر، الذي هو عدوّ الجراد. قلت: سيأتي لنا في حوادث سنة ٩٦٤ ما فيه البيان لبطلان هذا الزعم.
وفي سنة ٨٦٣ ولي حلب إينال اليشبكي.
طاعون جارف:
وفيها وقع طاعون بحلب أهلك الحرث والنسل، وأقفل دورا كثيرة ومحى عدة بيوت، وتوفي فيه حم غفير من العلماء والأعيان. ومات فيه بحلب وضواحيها زيادة عن مائتي ألف نسمة.
إبطال خانية قلعة القصير:
وفي سنة ٨٦٤ نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ سلخ شهر محرّم سنة ٨٦٤ رسم حضرة مولانا السلطان الملك الأشرف إينال- خلد الله ملكه- بإبطال
стр. 1175
ما تجدّد على المصعة بقلعة القصير عن كل خانية عشرة دراهم وأن لا يؤخذ منهم سوى كل خانية درهم واحد، على جري عادتهم في الزمان القديم. وملعون ابن ملعون من جدد هذه المظلمة» .
وفي سنة ٨٦٥ توفي إينال اليشبكي نائب حلب ووليها جاني بك التاجي.
إبطال مكس الزيت من قرى عزاز:
وفيها نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ سادس شهر ربيع الأول سنة ٨٦٥ رسم الكريم العالي المولوي الملكي المخدومي السيفي- كافل المملكة الحلبية الشريفة المحروسة- بإبطال مكس الزيت من قرى عزاز وتوابعها وملعون ابن ملعون من يجدده إلى يوم الدين» .
وفي سنة ٨٦٨ ولي حلب بردبك الجمدار. وفي سنة ٨٧١ ولي حلب يشبك البجاسي.
قتال أمراء ذي القدرية مع بعضهم:
وفي جمادى الآخرة سمع السلطان بمصر أن رستم بن دلغادر قد تحارب مع قريبه شاه سوار، كلاهما من أمراء الدولة الغادرية. فرسم السلطان أن يخرج عسكر حلب لمساعدة رستم، وهذا أول باب فتح للشر مع شاه سوار. وفي سنة ٨٧٢ قويت شوكة شاه سوار فقصده عسكر الشام وحلب فكسرهم وقتل كثيرين من الأعيان واستولى على عدة مدن وقلاع. وفي جمادى الأولى ولي نائب حلب عائدا إليها بردبك الجمدار. وفي سنة ٨٧٣ ولي حلب إينال الأشقر.
محاربة شاه سوار:
وفيها أمر السلطان أولاد الناس أن يخرجوا لمحاربة شاه سوار. لأنه عزم على أخذ حلب.
وأمر السلطان أن من لم يسافر لمحاربة شاه سوار فليحمل إلى بيت المال مائة دينار بدلا.
وفي شعبان هذه السنة سار العسكر من مصر لمحاربة شاه سوار، فلما وصلوا إلى حلب هرب منهم فتبعوه ودخلوا في مواضع ضيقة فخرج عليهم في سواده الأعظم وقتل منهم
стр. 1176
ومن أمرائهم ما لا يحصى، وكانت وقعة مشهورة. ثم رجع العسكر المصري في أسوأ حال.
وفي ٨٧٤ ولي حلب قانصوه اليحياوي. وفي سنة ٨٧٦ وصلت العساكر التي جهزها السلطان لمحاربة الشاه سوار فالتقوا معه وأخذوا منه عينتاب وغيرها. ثم في الآخرة التقوا معه ثانية وكسروه كسرة شنيعة حتى التجأ إلى قلعة زمنطوا فساروا إليه وحاصروه. ثم طلب أحد الأمراء ليخاطبه في الصلح فصعد إليه ومعه القاضي شمس الدين بن أجا، قاضي العسكر، وتكلما معه فيما قصد وضمنا له إن أصابه شيء. فلم ينزل فخرجا من عنده وأتيا المعسكر وضيقا عليه الحصار، فطلبهما ثانيا وتكلم معهما كلاما طويلا ونزل معهما، ثم غدر به نائب الشام وزنجره واستصفى بلاده وأمواله وسيّره معه إلى القاهرة، فشنقه السلطان مع عدة من أصحابه. وفي سنة ٨٧٨ ولي حلب قايتباي الحمزاوي.
إبطال مكس السلاح وغيره:
وفيها نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ أول رجب الفرد سنة ٨٧٨ رسم الكريم العالي السيفي خاير بك أمير السلاح المقر الكريم العالي السيفي قايتباي الحمزاوي- كافل المملكة الحلبية المحروسة- بإبطال مكس جميع السلاح في سوق السلاح. وملعون ابن ملعون من جدّد هذه المظلمة. ومن سعى بتجديدها كان الله ورسوله خصمه يوم القيامة» .
وفي سنة ٨٨٢ نقش ما صورته أيضا: «الحمد لله، لما كان بتاريخ رجب سنة ٨٨٢ رسم الأمير الشريف العالي المولوي الملكي الأشرفي قايتباي- خلّد الله ملكه وأدام اقتداره بمحمد وآله- بإبطال ما على الدباغين بدير كوش من المكس والمظلمة» .
ونقش أيضا ما صورته: «لما كان بتاريخ ثالث عشر ذي الحجة سنة ٨٨٢ ورد المرسوم الشريف من حضرة مولانا المقرّ العالي السلطاني الملكي الظاهري قايتباي الحمزاوي- كافل المملكة المحروسة أعز الله أنصاره- بإبطال مكس الملح الداخل مدينة حلب وملعون ابن ملعون من يتعرض له أو يعيده» .
وفي سنة ٨٨٤ ولي حلب أزدمر بن مزيد.
стр. 1177
البطش بالحوارنة:
وفي سنة ٨٨٥ بطش الحوارنة ببعض أعوان أزدمر، فصار يتبعهم ليقتلهم. فحصروه مرة بدار العدل فخشي شيخهم ابن سيرك عاقبة أمرهم فأمرهم أن يطردوه بالسلاح والحجارة صورة، ففعلوا فهرب إلى دار العدل وقال لأزدمر: إن لم تنادهم بالأمان قتلوك وقتلوني ومتى اطمأنوا فتتبّع واقتل. فناداهم أزدمر بالأمان، ثم أمسك منهم بعد مدة طائفة وأمر بإحضارهم إليه في يوم الموكب حيث القضاة الأربعة حضور عنده، وذلك ليوهم أن قتلهم كان شرعا. فأحضروا إليه في اليوم المذكور وأمر الجلاد بقتل واحد منهم فضربت عنقه، وكان القضاة قد شعروا بخداعه فعارضوا بقتل البقية وحقنت دماؤهم.
والحوارنة المذكورون هم طائفة من عتاد الأبطال كانوا بالدولة الجركسية ذوي بطش وسفك لدماء أعوان الظلمة. وكانوا يقولون: نحن نقتل فلانا ونعطي ديته معلاقا «١» ، لأنهم كانوا قصّابين، أو من «٢» ذريتهم ومساكنهم أطراف باب المقام وحارة القصيلة.
قلت: وإليهم تنسب حارة الحوارنة في ذلك السمت «٣» . وفي هذه السنة ولي حلب ورديش أحد المقدّمين. وفي ذي الحجة منها ثار أهل حلب فقتلوا نائب قلعتها لمظالم أحدثها، وقتلوا معه حاجب الحجاب.
محاربة علي دولات:
وفي سنة ٨٨٨ عين السلطان تجريدة لحلب لمحاربة علي دولات أخي شاه سوار بن دلغادر. ثم في سنة ٨٨٩ عين السلطان تجريدة ثانية تقوية للعسكر، فإنه بلغه أن المرحوم سلطان بيازيد خان الثاني العثماني قد أمد علي دولات بالعساكر العثمانية. وهذا أول تحرك السلاطين العثمانيين على السلطنة الجركسية. وفي ربيع الأول وقع الحرب بين علي دولات والعساكر الجركسية فانكسر العسكر الجركس وقتل منهم مقتلة عظيمة. ثم في شعبان خرج إلى علي دولات ورديش نائب حلب وتحارب معه، فانكسر العسكر الجركسي وقتل
стр. 1178
ورديش وغيره من الأمراء. ثم خرج إلى علي دولات الأمير تمراز ومعه عدة أمراء، فتحاربوا معه وكسروه واستولوا على ما كان معه من الألوية العثمانية ودخلوا بها حلب. وفي ذي القعدة ولي حلب عائدا إليها أزدمر أمير مجلس.
استرضاء السلطان المصري السلطان العثماني:
وفي ذي الحجة اتفق رأي السلطان وأمرائه أن يرسلوا رسولا إلى السلطان العثماني لإزالة الوحشة بينهما. فأرسلوا تقليدا من الخليفة بأن يكون مقام السلطان على بلاد الروم وعلى ما سيفتحه الله على يده. وقد شاع أن سبب الفتنة بين السلطانين أن أحد ملوك الهند أرسل على يد بعض التجار إلى السلطان العثماني هدية حافلة، من جملتها خنجر قبضته مرصعة بالأحجار الكريمة، فلما وصل التاجر بالهدية إلى جدّة احتاط عليها عامل السلطان في جدّة وأرسلها إلى مخدومه السلطان الجركسي فاستحوذ عليها. فحقد السلطان العثماني عند ما بلغه ذلك، ثم أمد علي دولات بالعساكر وجرى ما تقدم ذكره. غير أن السلطان الجركسي بعد ذلك أرسل الهدية والخنجر إلى السلطان العثماني واعتذر منه. وقيل: السبب في ذلك أن السلطان قايتباي الجركسي آوى «جم» أخا السلطان بايزيد الثاني، وكان «جم» قد خرج على أخيه فحقد على السلطان قايتباي وكان من أمره ما كان.
الحرب بين العسكرين العثماني والمصري:
وفي سنة ٨٩١ في صفر وقع القتال بين العسكر السلطاني العثماني والمصري، فانكسر العسكر العثماني وقبض على أحمد بيك بن هرسك قاضي العسكر العثماني وعلى عدة أمراء معه وسيّروا إلى القاهرة.
إبطال إقامة المكّاسين:
وفيها نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ عشر من جمادى الأولى سنة ٨٩١ رسم بإشارة الكريم العالي المولوي المالكي المخدومي الكافلي السيفي الأشرفي، كافل المملكة الحلبية المحروسة أعز الله أنصاره، بإبطال ما كان بمدينة حلب من إقامة المكّاسين. وملعون ابن ملعون من يجددها» .
стр. 1179
إبطال رسم الحنّة:
وفي سنة ٨٩٣ نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ رابع عشر شهر جمادى الآخرة سنة ٨٩٣ رسم مولانا المقر العالي السلطان المالكي الظاهري قايتباي الحمزاوي، مولانا الملك الآمر كافل المملكة الحلبية أعز الله أنصاره، بإبطال ما كان يأخذ ناظر الحنّة من سوق الحنّاوية وملعون من يجدده» .
وفي هذه السنة خرجت تجريدة من مصر لم يخرج منها مثلها فوصلت إلى أذنة وشرعت في حصارها لاستردادها من يد ابن عثمان، فقتل من الفريقين ما لا يحصى وأخذ العسكر المصري أذنة بالأمان.
الصلح بين السلطانين:
وفي سنة ٨٩٦ تم الصلح بين السلطان العثماني وبين المصري، وردّ العثماني جميع القلاع التي استولى عليها من المملكة المصرية، وأطلق المصري جميع أسراه. وفي شوال هذه السنة وقعت فتنة كبيرة بين أهل حلب وبين نائبها أزدمر، وقتل من مماليكه سبعة عشر مملوكا وقتل من الحلبيين خمسون رجلا، وأحرقوا جماعة من حاشية النائب، وكادت حلب تخرب عن آخرها لو لم يتدارك الأمر قانصوه الغوري صاحب الحجاب وقتئذ بحلب. وفي سنة ٨٩١ حدث طاعون عظيم بحلب لم تذكر وفياته. وفي سنة ٨٩٩ توفي أزدمر نائب حلب ووليها مكانه إينال السلحدار، نقل إليها من طرابلس.
منع السقي من ماء الساجور:
وفي سنة ٩٠١ نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ رابع جمادى الآخر سنة ٩٠١ ورد المرسوم الكريم العالي المولوي الملكي المخدومي الكافلي السيفي الأشرفي مولانا الملك الناصر كافل المملكة الحلبية بأن لا يسقى من ماء الساجور الواصل إلى حلب زرع حاسين وفافين وملعون من يزرع على ماء الساجور زرعا» .
إبطال مكس القطن وغيره من المكوس:
وفي سنة ٩٠٢ نقش على جدار الجامع ما صورته: «لما كان بتاريخ رجب الفرد سنة
стр. 1180
٩٠٢ رسم الجناب العالي المولوي الملكي المخدومي الكافلي السيفي الأشرفي مولانا الملك الناصر كافل مملكة حلب المحروسة- أعز الله أنصاره- بإبطال ما كان يؤخذ من مكس القطن من سوق القطن وملعون بن ملعون من يجدد غيره» .
ونقش أيضا في السنة المذكورة أمر بإبطال مكس المسك والزعفران، وآخر بإبطال مكس السّماق من خان السماق، وآخر بإبطال ما هو معيّن عن ختم القماش العراقي والدمشقي والقدسي، وآخر بإبطال ما كان يؤخذ من وقف نهر الساجور الواصل إلى حلب. وصورة كل هذه الأوامر على المنوال السابق فلا حاجة إلى ذكر نصها.
وفي سنة ٩٠٣ خرج آق بردي وهرب إلى دمشق وحاصرها ونهب ضياعها، ثم سار إلى حلب فنهب ضياعها وحاصرها نحوا من شهرين. فأراد إينال السلحدار صاحب حلب أن يسلمه المدينة فثار عليه أهلها ورجموه وطردوه عنها وحصنوها. فانضم إينال السلحدار نائب حلب إلى آق بردي وتوجّها إلى علي دولات والتجأ إليه. وفي ربيع الآخر من هذه السنة ولي حلب جان بلاط. وفي سنة ٩٠٤ ولي حلب قصروه بن إينال.
حصار آق بردي حلب:
وفيها رجع «آق بردي» إلى حلب وحاصرها أشد المحاصرة وأحرق ما حولها من الضياع وأشرف على أخذ المدينة، ثم تم الصلح بينه وبين الأمراء الذين قدموا لمحاربته من مصر إلى حلب، وفيها ولي حلب دولات باي بن أركماس. وفي سنة ٩٠٥ ولي حلب الأمير قرقماش بن ولي الدين. ثم في سنة ٩٠٦ وليها أركماس بن ولي الدين. وفي سنة ٩٠٨ ولي حلب سيباي بن عبد الله الجركسي المعروف بنائب سيس. وفي سنة ٩٠٩ حاصر القلعة سيباي المذكور لوقوع وحشة بينه وبين نائب القلعة، وخرق المدرسة السلطانية من جهتين: جهة للدخول، وأخرى جعلها نصب القلعة، فلم يقدر عليها. وبلغ فعله هذا الغوري فتغير عليه ثم عفا عنه. وفي سنة ٩١٠ ولي حلب خير بك أخو قانصوه البرجي.
هجوم الشيعي على منلا عرب:
في سنة ٩١٥ قدم إلى حلب محمد بن عمر الأنطاكي الواعظ، المعروف بالروم بمنلا
стр. 1181
عرب، ووعظ في جامعها الأعظم. وكان كثير القدح في شاه إسماعيل سلطان تبريز وفي شيعته. فحضر في مجلس وعظه شيعي متسلح من أصحاب سفير العجم الوارد إلى الغوري صاحب مصر، جاء من عنده إلى حلب فهمّ الشيعي بإشهار السيف ليقتل الشيخ المذكور فعاجله الحلبيون وقتلوه وأحرقوه. فاضطرب السفير وعرض الحال على الغوري وسبقه خيري بك وعرض على الغوري أنّ قتله أحمد فتنة عظيمة أوقدها السفير. فطاب خاطر الغوري ورضي عن الشيخ.
стр. 1182
نبذة من الكلام على دولة الأتراك المعروفة أيضا بدولة الأملاك، وعلى دولة الجراكسة في مصر والشام
دولة الأتراك
أكثر ملوك هذه الدولة مماليك لصلاح الدين الأيوبي ولأولاده من بعده. وهم يعرفون بالمماليك البحرية نسبة إلى بحيرة في أراضي مصر. وكان الباعث على تمليكهم ضعف أعقاب صلاح الدين وبلوغ دولتهم طور الشيخوخة والهرم، وشيوع أخبار التتر الجنكزيين ووشك قصدهم بلاد الشام. فخشي أهل الحل والعقد من المصريين سوء المغبة وسلطنوا المعزّ عز الدين أيبك مملوك الملك الأشرف بن صلاح الدين، وذلك في سنة ٦٤٨ فقتل سنة ٦٥٥ وتسلطن ولده الملك المنصور نور الدين علي وقتل سنة ٦٥٧ وتولى الملك بعده وزيره الملك المظفر قطمز المعزي وقتل سنة ٦٥٨ وتولى الملك بعده الملك الظاهر بيبرس البندقداري العلائي ومات سنة ٦٧٦ وتولى بعده ولده الملك السعيد محمد بركة خان وخلع نفسه سنة ٦٧٨ وتولى بعده أخوه الملك العادل سلامش فخلع نفسه وخلفه الملك المنصور قلاوون الصالحي النجمي ومات سنة ٦٨٩ وتولى بعده صلاح الدين خليل وقتل سنة ٦٩٣ وقام بعده أخوه الملك الناصر وخلع في سنة ٦٩٤ وخلفه الملك المنصور لاجين المنصوري وقتل سنة ٦٩٨ وتولي بعده الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون ثانية، وخلع نفسه سنة ٧٠٨.
وقام بعده الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير، فقبض عليه بعد أحد عشر شهرا. وتسلطن بعده الملك الناصر محمد ثالثة ومات سنة ٧٤١ وتولى بعده ولده الملك المنصور أبو بكر فخلع سنة ٨٤٢ وتولى بعده الملك الأشرف علاء الدين كوجك فخلع. وتولى بعده الملك الناصر شهاب الدين أحمد ومات سنة ٧٤٣ وتسلطن بعده أخوه الملك الصالح عماد الدين
стр. 1183
إسماعيل ومات سنة ٧٤٦ وخلفه أخوه الملك العادل شعبان ومات سنة ٧٤٧ وقام بعده أخوه الملك المظفر زين الدين حاجي وقتل سنة ٧٤٨ وخلفه أخوه الملك الناصر حسن، وخلع نفسه سنة ٧٥٢ وتولى بعده الملك الصالح صالح بن الملك العادل محمد بن قلاوون، وفقد سنة ٧٦٢.
وخلفه الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي بن محمد قلاوون، وخلع سنة ٧٦٤ وخلفه الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الناصر بن قلاوون وخنق سنة ٧٧٧ وتولى بعده أخوه الملك الصالح حاجي وخلع سنة ٧٨٤ وهو آخر ملوك دولة الأتراك المماليك، وبه كان انقراض دولتهم وكان ابتداؤها سنة ٦٤٨ وانتهاؤها سنة ٧٨٤ فكانت مدتها ١٣٦ سنة وعددهم ٢٥ ملكا، وقد بلغت طور الشيخوخة والهرم واستفحل أمر مماليكهم الجراكسة ونبغ منهم رجال بالبطولة والشجاعة وجودة التدبير، فانتقلت الدولة إليهم وعرفت ب دولة الجراكسة المماليك.
دولة الجراكسة
ابتدأ سلطان هذه الدولة في مصر والشام سنة ٧٨٤ وانقرضت سنة ٩٢٢ فكانت مدتها ١٣٨ وعدد ملوكها ٢٣ أولهم السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن نص العثماني الجركسي، تولى الملك سنة ٧٨٤ ثم قبض عليه في سنة ٧٩١ ثم أعيد إلى السلطنة سنة ٧٩٠ وفي سنة ٨٠١ تسلطن ولده الملك الناصر فرج. وفي سنة ٨٠٨ تولى ولده المنصور عبد العزيز. ثم في سنة ٨١٥ أعيد والده الملك الناصر فرج فقتل، وأضيفت السلطنة إلى الخليفة المستعين بالله العباسي فجمع بين الخلافة والسلطنة ستة أشهر، ثم خلع منهما وتسلطن الملك المؤيد شيخ.
وفي سنة ٨٢٠ حضر الملك المؤيد شيخ إلى حلب وأمر بعمارة سورها الجوّاني وكان خرب معظمه في حادثة تمرلنك. وقد جمع الملك المؤيد شيخ القضاة واستشارهم في أمر السور، وكان في ذلك خراب مساجد وجوامع وأسواق. قال علاء الدين بن خطيب الناصرية في تاريخه الدر المنتخب: فأشرت عليه ألّا يفعل فأصرّ على بناء السور الجوّاني ورسم به، ثم سافر نحو القاهرة ورسم بإخراج دراهم من حلب ومعاملتها وغيرها وجهز الدراهم لحلب لعمارة السور الجواني. فشرع بعمارته وعمر جانب كبير أشار به، ولما
стр. 1184
مات بطل العمل. مات الملك المؤيد شيخ سنة ٨٢٤ فتسلطن بعده ولده الملك المظفر أحمد وقبض عليه في هذه السنة. وتسلطن بعده الملك الظاهر ططر فمات في هذه السنة أيضا.
وتسلطن بعده ولده الملك الصالح محمد وخلع سنة ٨٢٥ وتسلطن بعده الملك الأشرف برسباي.
وفي سنة ٨٤١ عهد بالسلطنة إلى ولده الملك العزيز أبي المحاسن يوسف فخلع سنة ٨٤٢ وخلفه الملك الظاهر أبو سعيد جقمق وخلع نفسه سنة ٨٥٧ وتولى بعده ولده الملك المنصور عثمان. وخلع في هذه السنة وخلفه الملك الأشرف أبو النصر إينال. وفي سنة ٨٦٥ خلع نفسه وعهد بالسلطنة إلى ولده الملك المؤيد أبي الفتح أحمد. فخلع في هذه السنة وتولى الملك بعده الملك الظاهر أبو سعيد خوشقدم وهو غير جركسي توفي سنة ٨٧٢ وخلفه الملك الظاهر بلباي الأتابكي فخلع بعد مدة وتسلطن بعده الملك الظاهر أبو سعيد تمربغا الأتابكي وخلع بعد شهرين، وولي الملك بعده أبو النصر قايتباي المحمودي الظاهري سنة ٨٧٢ ومات سنة ٨٩١ فولي ولده الملك الناصر محمد بن قايتباي وقتل سنة ٩٠٤ وولى مكانه خاله الملك الظاهر أبو سعيد قانصوه فاعتقل، وولي بعده صهره الملك الأشرف جانبلاط سنة ٩٠٥ فقتل وتسلطن بعده الملك العادل طومان باي سنة ٩٠٦ فقتل.
فتولى بعده الملك الأشرف قانصوه الغوري وهو آخر ملوك الدولة الجركسية ولما أراد المماليك أن يولوه السلطنة شرط عليهم ألّا يقتلوه إذا أرادوا غيره بل يعلموه بإرادتهم فيخلع نفسه متى شاؤوا. وقد بقي في السلطنة إلى سنة ٩٢٢ وفيها كان مقتله في محاربة السلطان سليم العثماني على ما نبينه.
مقتل السلطان قانصوه الغوري واستيلاء السلطان سليم العثماني على مصر والشام:
في سنة ٩٢٢ تقدم السلطان سليم العثماني بجيوشه إلى البلاد الشامية ليستولي عليها ويستخلصها من يد السلطان قانصوه الغوري. وقد اختلف في أسباب قيامه فقيل: هي أن السلطان سليم «١» لما غزا العجم مرّ بعساكره على البيرة فمنع علي دولات أهل مرعش
стр. 1185
من أين يبيعوا الأقوات عساكر سليم، وأباح لأهل مرعش أن ينهبوا أحمال أقوات العساكر العثمانية، فمات أكثرهم جوعا، فاستاء السلطان سليم من ذلك وكتب إلى الغوري يستأذنه بحرب علي دولات فكتب إليه بأنك إذا أمكنك أن تقتله فافعل. وكتب إلى علي دولات يحرّضه على السلطان سليم. وكان قصده من تحريض الطرفين أن يتخلص من أحد عدوّيه.
ففطن السلطان سليم لذلك وقصد حرب الغوري.
وقيل: إن السبب هو أن السلطان قانصوه أظهر أن مجيئه إلى حلب لم يقصد منه سوى إيقاع الصلح بين السلطان سليم وبين الشاه إسماعيل الصفوي. وقد كتب إلى الشاه مع رسول بعثه خفية كتابا يعده فيه بالنجدة على السلطان سليم. فوقع الكتاب بيد السلطان سليم وتجرد لمحاربة الغوري.
وقيل: إن مجيء السلطان سليم إلى هذه البلاد كان باستدعاء من أهلها تخلصا من الحكومة المصرية لما كانت تجريه على أهل هذه البلاد من العسف والظلم ومصادرة الأموال، حتى كثرت العوانية «١» لكثرة ما يصغى إليهم، وسلب كثير من الأغنياء أموالهم حتى عادوا فقراء. وكانت التركات تأخذها الحكومة وتبقي ورثة الميت فقراء. وقد أشار إلى هذه المظالم القرماني في تاريخه، والشيخ زنبل، ورضي الدين الحنبلي في كتابهما «٢» ، وغيرهم من المؤرخين.
وقال بعض المفكرين من الأتراك: إن سبب مجيء السلطان سليم إلى البلاد الشامية والقطر المصري عارض، وإن السلطان سليم لم يكن في حملته هذه قاصدا فتح سورية، بل كان الغرض منها أن يقصد بها حرب الشاه إسماعيل ويزيل دولته ويستولي على مملكته لغرضين: أحدهما تخليص الناس من كفره وظلمه، وثانيهما- وهو المقصد الأعظم- فتح الطريق إلى الشرق الأقصى واستيلاؤه على ما فيه من الدويلات الإسلامية المتبعثرة، وجعل العالم الإسلامي جميعه تحت راية واحدة لا تقوى على تمزيقها عواصف الأيام والليالي مهما كانت عظيمة. هذا هو الذي كان يقصده من هذه الحملة وبقية الحملات التي كان
стр. 1186
يجهزها لغزو بلاد العجم. غير أنه لما تحقق أن السلطان الغوري حليف الشاه إسماعيل وظهيره، بدأبه قبل أن يبدأ بمقصده الأصلي لأنه عدّ سلطان مصر عقبة كؤودا «١» تعوق سيره إلى تلك البلاد. والله أعلم.
هذا وإن السلطان الغوري- قبل أن يخرج من مصر- أعدّ من جهاز السفر وآلات الحرب ولوازمه ما لم يسمع بمثله، بحيث كان عدد جيشه وعدد محاربيه يفوق عدد وعدّة الجيش العثماني أضعافا مضاعفة. ثم خرج السلطان الغوري من مصر- ومعه الخليفة والقضاة الأربع- يوم السبت ١٦ ربيع الآخر سنة ٩٢٢ وكان معه ٩٤٤ أميرا. وبينما هو في الطريق ورد عليه من نائب حلب خيري بك كتاب يقول فيه: إن ابن عثمان أرسل قاصدا ومعه كتاب لمولانا فأبقيت القاصد وأرسلت الكتاب. فلما فكّه السلطان وقرأه فإذا فيه عبارة حسنة وألفاظ رقيقة منها أنه أرسل يقول له: أنت والدي وأسألك الدعاء، وإني ما زحفت على بلاد علي دولات إلا بإذنك وإنه كان باغيا عليّ وهو الذي أثار الفتنة بين والدي والسلطان قايتباي حين جرى بينهما ما جرى، وإن البلاد التي أخذتها من علي دولات أعيدها لكم.
فانشرح الغوري وجماعته من هذا المكتوب واستبشروا بالصلح. وكان ذلك كله احتيالا من ابن عثمان. ثم ورد عليه من سيباي نائب دمشق كتاب آخر، فيه: إن العبد سمع بأن حضرة السلطان يريد السفر إلى قتال ابن عثمان، وإن المملوك يقوم بهذا الأمر وتمدّوه بالعساكر المنصورة، وإن خيري بك ملاح علينا، ومكاتيبه لا تنقطع من عند ابن عثمان في كل وقت. فلم يلتفت الغوري إلى مكتوب سيباي حذرا منه، لأنه كان له رمّال يقول له: يلي الحكم بعدك حرف السين فكان يحاذر من «سيباي» ظنا منه أنه هو المراد بالسين.
ولما دخل الغوري دمشق زيّنت له سبعة أيام، وفرش سيباي تحت حوافر فرسه شقق الحرير، وازدحمت عليه المماليك بسبب نثر الذهب والفضة. ثم رحل إلى حمص ومنها إلى حلب فدخلها يوم الخميس عاشر جمادى الآخرة سنة ٩٢٢ وكان دخوله إليها من باب المقام متوجها إلى الميدان الأخضر في موكب عظيم وأبهة زائدة، ومعه أمراؤه والقضاة
стр. 1187
الأربعة والخليفة المتوكل على الله العباسي، وجماعة من مشايخ الصوفية ذوي الأتباع ومعهم الأعلام، وخيري بك- كافل حلب- حامل بجانبه القبة والطير، فنزل بالميدان المذكور ثم حضرت إليه كفّال مملكته بعساكرها. ولما بلغ السلطان سليم «١» نزول الغوري إلى حلب عجب من ذلك وخفي عليه السبب، فأوفد على الغوري- لكشف خبره- قاضي عسكره زيرك زاده، وقراجا باشا، ومعهما هدية حافلة. ولما مثلا بين يديه سألهما عن السلطان سليم فقال له القاضي: هذا ولدك وتحت نظرك. فقال له الغوري: لولا أنه مثل ولدي ما جئت من مصر إلى هنا بأهل العلم حتى أصلح بينه وبين إسماعيل شاه، ثم أجزل عطاءه وصرفه.
ثم إن الغوري نادى بالرحيل لمقابلة السلطان سليم، ورحل في النصف الآخر من رجب من السنة المذكورة وقد أودع جميع أمواله وأموال أمرائه عند أهل حلب، وصحب معه قضاة حلب وجماعة من الصوفية ومعهم الربعات والأعلام، وأظهر أنه بصدد الإصلاح بين السلاطين. وكان الغوري قد أرسل مغلباي الدوادار قاصدا إلى السلطان سليم وصحبته عشرة عساكر من خيار عسكره لابسين أحسن الملابس وعلى رؤوسهم الخوذ، ومع مغلباي كتاب يتضمن طلب الصلح فيما بين السلطان سليم وشاه إسماعيل. فلما وصل القاصد المذكور إلى السلطان سليم ودخل عليه ومعه العساكر العشرة اغتاظ السلطان سليم وقال لمغلباي: ألم يكن عند أستاذك رجل من أهل العلم يرسله لنا؟ وإنما أرسلك بهؤلاء العشرة ليرعب بهم قلوب عسكري ويخوفهم، ولكن أنا أكيده بأعظم من هذا. ثم أمر بالعساكر العشرة فضربت رقابهم وحبس مغلباي. وبعد يومين أراد أن يلحقه بهم فشفع به متصرف عينتاب، فتركه حيا ولكنه حلق لحيته وأخلق ثيابه وأركبه على حمار معقور أعرج، وقال له: قل لأستاذك يجتهد جهده وأنا سائر إليه. ولم يقرأ كتاب الغوري لشدة غيظه.
ولما رجع مغلباي إلى الغوري على هذه الحالة عسر عليه ذلك وصمم على قتال السلطان سليم، وأمر كربتاي بأن يكشف خبر السلطان سليم ويرجع على الفور. فلما وصل كربتاي إلى قيصرية وجد أهلها قد قفلوا أبوابها وتأهبوا لقتال الجراكسة لما بلغهم عنهم ما فعلوه
стр. 1188
بحلب وأهلها، ووجد نائب عينتاب قد انحاز إلى السلطان سليم فرجع كربتاي وأخبر الغوري بعصيان قيصرية وعينتاب، وأن عسكر السلطان سليم قد أقبلت طلائعها. فارتج عسكر الجراكسة لمّا فشا فيهم هذا الخبر ووقع فيهم الخلل. وعند ذلك انتبه الغوري وجمع الأمراء والأعيان وتحالفوا على الصدق فيما بينهم، وقام من بينهم الأمير سيباي نائب دمشق وقبض على خيري بك نائب حلب وجرّه من طوقه بين يدي الغوري قال: يا مولانا إذا أردت الظفر بعدوك فاقتل هذا الخائن. فقام الأمير جانبردي الغزالي وقال: يا مولانا إن قتلته افتتن العسكر وقتل بعضهم بعضا وطمع العدوّ وضعفت شوكتكم. وكان هذا الكلام مكيدة من الغزالي.
ثم إن الغوري أمر أن ينادى بالرحيل والنزول على حيلان. وفي اليوم الحادي والعشرين رجب ركب الغوري وخرج من ميدان حلب وبات بمن معه في حيلان. وفي الغد أمر العسكر بالرحيل إلى مرج دابق حيث جعله موعدا للسلطان سليم. فرحلوا وأقاموا به.
فلما كان اليوم السابع والعشرين رجب لم يشعروا إلا وقد دهمتهم عساكر السلطان سليم.
وعندها ركب الغوري وصار يرتب العسكر بنفسه، وكان حوله أربعون مصحفا مغلفة بالحرير الأصفر على رؤوس جماعة من الأشراف، وفيهم مصحف بخط الإمام عثمان بن عفان (رضه) . وكان على الميمنة سيباي وعلى الميسرة خاير بك.
ثم التحم الفريقان للقتال فما كان غير ساعة حتى لاحت الغلبة على العثمانيين وأخذ الجراكسة منهم سبعة سناجق «١» . وكاد السلطان سليم يهرب أو يستأمن، غير أن الغوري أراد أن يمكر بالقرانصة الذين طالما حاول نكبتهم وهم جند الدولة العام، فنادى بمماليكه الجلبان (وهم عسكره الخاص) - الذين نوى في استحداثهم قهر القرانصة- أن يكفوا عن القتال ويتركوا القرانصة يقاتلون وحدهم. فكفّوا وقد شعر القرانصة بمكره فتغيرت نياتهم، وقد جدّ الجيش العثماني بإطلاق نيران المدافع فصارت تمطر على الجيوش المصرية وابلا من القنابل المهلكة فاضطربوا وخافوا وصاروا ينادون العثمانيين بأعلى أصواتهم: لسنا ممن كفر بالله حتى تحرقوننا «٢» بالنار.
стр. 1189
وبينما هم في هذا الاضطراب والارتباك إذا بالسلطان سليم قد رمح بجواده وشق الصفوف وبيده سيف عمر بن الخطاب (رضه) ، وصاح في أمرائه صيحة ردوا بها على الجراكسة كالبحر إذا سال بعرض الوادي. وما زال السلطان سليم وعسكره سائرين حتى جاؤوا إلى صف الغوري، وهرب خاير بك والغزالي ومن معهما، ونادوا بأعلى أصواتهم- تجاه خيام الغوري- بأن السلطان سليما قد أحاط بكم والغوري قد قتل وانكسر وانكسرنا. فتبعهم الجلبان وتشتت العسكر وظنوا أن الغوري قتل حقا. وكان هذا الفعل من خاير بك وصاحبه مكيدة للغوري. أما الغوري فصار ينادي الهاربين: يا سادات! الشجاعة صبر ساعة. فلم يلتفتوا إليه. ولما تحقق الغوري أن الكسرة عليه نزل عليه خلط فالج أرخى حنكه، فطلب ماء فأتوا به فشرب قليلا وألفت فرسه ليهرب فسقط على الأرض وطلع الدم من فمه. فأمر الأمير علان عبدا من عبيده أن يقطع رأسه ويرميه في الجب خوفا من أن يظفر به السلطان سليم فيمثّل به في البلاد. ففعل العبد ما أمره به الأمير علان.
وقيل إن الغوري لما شعر بنزول الخطب مات فجأة فمرّ به بعض عسكر السلطان سليم فحز رأسه وأحضره إلى السلطان فأمر بقطع رأس هذا العسكري وقال له: ليس لك أن تدخل بين الملوك.
وعلى كل حال فلم يعلم للغوري خبر ولم يوقف له على أثر. ولما شاع خبر موت الغوري زحف عسكر السلطان سليم على من كان حول الغوري وقتلوا عدة أمراء من الجراكسة وغيرهم، وفقد المصحف العثماني ونهب عسكر الغوري وجلس السلطان سليم في مخيم الغوري وأخذ جميع ما فيه، وكان شيئا يفوق العدّ والإحصاء من الذهب والفضة والملبوس وغير ذلك، وهو كالقطرة من بحر بالنسبة لما أبقاه الغوري وأمراؤه عند أهل حلب. ثم إن السلطان سليمان بقي ليلة في مرج دابق وذهب أكثر عسكر الغوري قاصدين حلب فمنعهم أهلها لما قاسوه منهم عند مجيئهم.
وأما خاير بك فإنه دخل حلب وزيّن لمحمد بن الغوري- وكان أبقاه أبوه على خزائنه بقلعة حلب- أن يسافر بالعسكر إلى مصر ويتبوأ موضع أبيه ووعده المساعدة على ذلك. وكان هذا من خاير بك تمام المكيدة ليأخذ حلب إلى السلطان سليم بغير حرب.
فصدقه محمد بن الغوري وتوجه بالعسكر قاصدين مصر، وسار معه خاير بك. فلما وصلوا حماة بقي بها خاير بك وفارق محمد بن الغوري معتذرا له. وأما السلطان سليم
стр. 1190
خان فإنه سار من مرج دابق إلى حلب وخرج أهلها لملاقاته عند الميدان الأخضر، ومعهم العلماء والصلحاء حاملين المصاحف على رؤوسهم يستقبلونه ويهنّونه بالفتح ويسألونه الرفق والصفح فقابلهم بالجميل.
حوادث الدولة العثمانية في حلب:
ودخل السلطان حلب في رجب سنة ٩٢٢ وتسلم قلعتها بالأمان وطلع إليها فرأى فيها ما أدهشه من الذهب والفضة وغيرهما. ثم جمع بأمره من تجار حلب مال كثير سموه «مال الأمان» وصاروا يبذلونه بطيب خاطرهم لخوفهم يومئذ على النفس. ولم يحصل بحلب- وجيشه مقيم عليها- من القحط أدنى شيء مع كثرة جيوشه. ورام منلا زيرك قاضي عسكره أن يعرض للسلطان في مدارس حلب لنزول العسكر، فلم يقبل منه السلطان عرضه بل أمرهم أن لا يبيت منهم بحلب ديّار. ثم برز أمره بالتفتيش على ودائع الجراكسة التي كانت عند بعض الناس فجمعوا منها ما لا يحصى واتهموا الأصيل صلاح الدين بن السفاح بشيء منها وعذبوه عليه. ولما كان يوم الجمعة نزل السلطان إلى الجامع الكبير وصلى فيه ودعا له الخطيب وسماه «حامي الحرمين» . ولما فرغ من صلاته أرسل إلى الخطيب يأمره بأن يبدل بعد هذا كلمة حامي «بخادم» ثم خلع عليه واستمرت عادة هذه الخلعة مع ولاة حلب إلى أواخر أيام العثمانيين في أول جمعة يصلونها بجامع حلب.
وكان إطلاق كلمة «خادم الحرمين الشريفين» على السلاطين العثمانيين لأول مرة في مدينة حلب. وقد سر السلطان سليم من هذه الكلمة وتفاءل بها خيرا. وقد بقي في حلب عشرين يوما وجعل عليها أحمد بن جعفر- المشهور بقراجا باشا- واليا، وكمال الدين ابن الحاج الياس الرومي الحنفي- المعروف بابن الجكمكجي- قاضيا. وأمر كريم جلبي عبد الله باشا زاده أن يحرر أملاك لوائها ليعين ضريبة الأملاك بموجبها. ثم رحل السلطان من حلب إلى دمشق في العشرين من شعبان فلما وصلها تلقّاه أهلها كما فعل الحلبيون، فأمّنهم وصلى بها الجمعة وتصدق بها سرا وعلنا. ثم حسّن له خاير بك أن يتوجه إلى مصر للاستيلاء عليها. فسار نحوها واستولى عليها في خبر يطول شرحه. ثم عاد إلى دمشق وأمر ببناء التكيّة الصالحية ثم إلى حلب إلا أنه نزل بمرج دابق وأقام به نحو شهرين ثم سار إلى تخته قسطنطينية.
стр. 1191
صلب حبيب بن عربو:
وفي هذه السنة صلب تحت القلعة الأمير حبيب بن عربو، من طائفة معتبرة من أمراء القصير، من أهل السنة والجماعة، لاتهامه بأنه جمع بين تسعة نسوة في آن واحد.
قتل طومان جماعة السلطان سليم:
وفي سنة ٩٢٣ أرسل السلطان سليم خان جماعة من الأمراء والقضاة إلى طومان باي في مصر بالأمان فقتلهم عن آخرهم. وكان من جملتهم أبو بكر بن عبد البر بن محمد، ويتصل نسبه بمحب الدين بن الشحنة.
نفي جماعة من الحلبيين إلى طربزون «١» :
وفي سنة ٩٢٥ ورد أمر السلطان لوالي حلب بسوق ستين رجلا من تجار حلب إلى طربزون، فحصل القبض عليهم في ليلة واحدة بحيث صاروا يأتون بالرجل وهو لا يشعر بما أريد فيه، ثم سيقوا إلى طرابزون. ثم ورد أمر آخر بنفي من في حلب من الأعاجم إلى القسطنطينية فسيقوا إليها. وبرز أمر آخر بسوق أهل بيوت القلعة لاتهامهم بأنهم أخفوا خزانة مال الغوري بعد ما كان السلطان أقر القلعيين على ما كانوا عليه من المكث فيها، فسيقوا إلى القسطنطينية أيضا.
الاستئذان عن عقود الأنكحة:
وفي هذه السنة صدرت أوامر القضاة إلى العلماء أن يأخذوا إذنا منهم إذا أرادوا عقد نكاح، وذلك بقصد أخذ رسوم معلومة جعلوها لصندوق المحكمة الشرعية.
هبوب عاصفة شديدة:
وفيها هبت ريح عاصفة ذهبت برأس منارة زاوية الاطغاني «٢» ، وطرابزون جامع الصيفي وبعض حجارتها وتاج الشرافة الكائنة فوق باب قبلية جامع الأموي بحلب، وبعض
стр. 1192
جدران متوهنة. وقلبت كثيرا من الأشجار العظام ورفعت رجلا كان في الفلاة قدر ذراعين عن الأرض ثم ألقته في مكان آخر.
إشهار جان بردي العصيان وقتله:
وفي سنة ٩٢٦ أشهر العصيان جان بردي الغزالي ابن عبد الله الجركسي، وكان واليا على دمشق من قبل الدولة العثمانية. وقد خلصه السلطان سليم من أيدي الغوريين وولاه دمشق فلم يظهر معه هذا المعروف العظيم، بل عندما توفي السلطان سليم وجلس مكانه ابنه السلطان سليمان نبذ العهود والمواثيق وتجاهر بالعصيان وتسلم قلعة دمشق. ثم وجه جماعة مع مملوكه قانصوه المقرفع فقبض على والي حمص وقتله. ثم دخل حماة وقد فرّ قاضيها وواليها إلى حلب، وأوقع الحمويّين في أمر مريج. ثم حضر جانبردي بنفسه وجمع من الأعراب والتركمان جمعا عظيما وأخذ في محاصرة حلب، وكان واليها قراجا باشا المتقدم ذكره.
فلم ينل من فعله هذا طائلا، وآل أمره إلى أن حزّ رأسه في سنة ٩٢٧ في معركة كانت بينه وبين قراجا باشا المرسل بعسكره إليه قبلا. ولما حز رأسه اشترته زوجته بمال جزيل ودفنته.
عزل قراجا باشا عن حلب وبيان أغلاط في سالنامة سنة ١٣٠٣:
وفي أواخر هذه السنة أعني سنة ٩٢٦ عزل عن ولاية حلب قراجا باشا وأمره السلطان سليمان بسوق السفن إلى جهة بلغراد. فساقها وقتل على حصار بلغراد شهيدا سنة ٩٢٨ ذكر هذا في درّ الحبب «١» .
تنبيه: لم نعلم من ولي حلب بعد قراجا باشا المذكور؟ وما ذكره في سالنامة الولاية المطبوعة في حلب سنة ١٣٠٣ من أن الوالي بعده خسرو باشا سنة ٩٥٢ فهو غلط محض «٢» لما عرفت من أن قراجا باشا توفي في سنة ٩٢٨ اللهم إلا أن تكون حلب بقيت بدون وال طول هذه المدة. على أن خسرو باشا نقل من ولاية حلب إلى مصر سنة ٩٤١ كما أفاده في درّ الحبب.
стр. 1193
واعلم أن مثل هذا الغلط الفاحش وقع كثيرا في السالنامة المذكورة، وفي ذكر أسماء الولاة العثمانيين، بحيث قدّم بعضهم على بعض، وذكر منهم من لم يتولّ حلب بالمدة «١» ، وأهمل من تولاها زمنا طويلا. ولهذا لم نعول عليها في ذكر الولاة إلا من لم نقدر على تحرير زمنه ذكرناه وعزوناه إليها لتكون العهدة عليها. وبعد أن حررنا أسماء الولاة على قدر ما في وسعنا صححنا جدول الولاة في سلنامة الولاية على مقتضى ما حررناه، وذلك منذ فتح حلب إلى يومنا هذا. ومن يراجع السالنامة المطبوعة سنة ١٣٠٣ وما قبلها يظهر له ذلك جليا.
وفي سنة ٩٣٠ حدث طاعون مهول لم يبق ولم يذر.
صلب نائب حلب أي قاضيها:
وفي سنة ٩٣١ دخل إلى حلب- مجتازا منها إلى آمد- إبراهيم باشا ابن عبد الله باشا الرومي، وأمر بصلب نائبها محمد بن حمزة لما بلغه عنه من الظلم والتجاهر بالرشوة وشرب الخمر وحضوره إلى المحكمة ورائحته مشمومة منه.
مقتل قرا قاضي:
في سنة ٩٣٤ كان قرا قاضي علي بن أحمد علاء الدين الرومي متوليا على خطة تفتيش أوقاف حلب وأملاكها والنظر على الأموال السلطانية. فبالغ في جمعها وتثميرها حتى أخرج حكما سلطانيا بمنع توريث ذوي الأرحام من الشافعية بخصوصهم، وضبط التركة لبيت المال. وأراد أن يجعل ملح المملحة المضبوط لبيت المال أغلى من الفلفل، زاعما أن الناس أحوج إلى الملح منه، ومنع بيع حنطة كانت مخزونة للسلطان سليمان خان مع أن السنة كانت مجدبة والقحط والغلاء مستوليين.
ولما اجتمعت هذه الأسباب وأراد الله إنفاذ أمره فيه حضر لصلاة الجمعة خامس شعبان من السنة المذكورة في الجامع الكبير، فقام عليه غوغاء الناس وأسافلهم وكثر لغطهم فيه، ثم كبّروا ووثبوا عليه وقتلوه ضربا بالنعال ورجما بالحجارة وقتلوا معه أحمد بن أبي بكر الأصلي العريقي الحلبي لأنه كان يعضده في أعماله. ومن العجب أن قصابا شق بطن أحمد
стр. 1194
المذكور وأخذ من شحمه شيئا بيده والناس يرونه ولم يردعه أحد عن فعله. وقد سحبوه إلى تلة عائشة بالقرب من السفاحية ليحرقوه، فترامى عليه أهله وسحبوه وخلصوه. كما أن السفلة المذكورين جرّوا جثة قرا قاضي وجردوه من ثيابه ليحرقوه، فخلصه جماعة من أهل الخير وخبئوه في الميضأة إلى ثاني يوم ثم غسلوه ودفنوه.
ولما بلغت هذه الفعلة مسامع الدولة أرسلت للتفتيش على قاتليه- والانتقام منهم- عيسى باشا حفيد إبراهيم باشا المتقدم ذكره. وعندما قارب حلب حصل للناس فزع عظيم وقلق جسيم، وذلك أنه نزل بالميدان الأخضر في غرة محرم سنة ٩٣٥ ودعا إليه سائر الأكابر والأعيان والتجّار وحبس مشايخ المحلات وأئمتها إلا من عصم الله. ثم أطلق الأئمة وقبض على بعض الموظفين بالجامع الكبير وشدد عليهم ووضع بعضهم في السلاسل وأخذ في الفحص عن المتهمين، فمنهم من أقرّوا ومنهم [من] «١» اضطرب، ومنهم من عرّاه ليضربه فلم يقرّ. ثم استخرج من السجلات أسماء آخرين وجمع المتهمين عن آخرهم وأمر بتقييد جميع الحاضرين من الخواص والعوام. ثم عفا عن الخواص إلا أنه لم يطلق منهم أحدا بل كلهم باتوا عنده في الميدان، ورجعت خيولهم إلى دورهم لا يدرون ما يفعل بهم.
ولم يزل العسكر متسلحين واقفين بين يديه حتى ظن أنه يضرب أعناق الجميع. وفي ثاني يوم أرسل شرذمة من العسكر إلى سجن حلب وأحضروا منه بضعا «٢» وعشرين إنسانا من المتهمين بهذه الحادثة فقتلهم في نهار واحد وسجن الباقين. وبقي الأكابر من العلماء وغيرهم عنده إلى عصر اليوم الثاني وهم في وجل عظيم بحيث لا يجسر أحد من المتخلفين من أهل حلب على أن يأتي بخبر المرسم عليهم عنده أو يصل إليهم من بعيد. ثم أطلق طائفة منهم وأخرى من المتهمين وأبقى عنده العلماء ليلة ثانية لكن مع الإكرام والاحترام في الغداء والعشاء. ثم أمر أن يسجن في سجن القلعة وجامعها طائفة من العلماء وغيرهم بعد أن عيّن معهم طائفة من عسكره متسلحين، يسوقونهم إلى القلعة ما بين ماش مربوط اليدين وآخر مسلسل العنق على وجه، لا يعلمون عاقبة أمرهم، ثم كان مآله أن نفى أكثرهم إلى رودس وأقاموا بها أعواما حتى أطلق سراحهم بشفاعات وكفالات إلا البعض منهم.
стр. 1195
عيسى باشا وحالته:
وفي سنة ٩٣٥ استقر عيسى باشا واليا في حلب، وكان عالما فاضلا في عدة فنون حتى في الطب إلا أنه كان عنده قوة غضبية بحيث إذا اشتد غضبه خمش يديه بيديه فأدماها.
وهو لا يشعر بذلك، فإذا سفك دم المغضوب عليه سكن ما به. وكان يعتاد لبس الثوب الأحمر يوم الغضب كما كان ذلك عادة لبعض المتقدمين من الجراكسة. ولم أعلم من تولى حلب بينه وبين قراجا باشا.
وفي سنة ٩٣٩ حدث طاعون شديد أهلك خلقا كثيرا.
مجيء السلطان سليمان إلى حلب:
وفي سنة ٩٤٠ عاد السلطان سليمان خان من فتح تبريز، ومرّ بطريقه على حلب وطاف على مزاراتها، وكان بركابه إبراهيم باشا الوزير الأعظم المتقدم ذكره. وفي سنة ٩٤١ نقل خسرو باشا من ولاية حلب إلى كفالة مصر، ولم أر من صرّح بتاريخ دخوله واليا على حلب. ويفهم من در الحبب أن والي حلب قبله موسى بك، المشهور بابن أسفنديار الخالدي «١» . وعلى هذا فيكون موسى بك بين خسرو باشا وبين عيسى باشا.
وفهم من در الحبب أيضا أن الوالي على حلب بعد خسرو باشا حسين بك. قال «٢» :
«وكان كثير القتل بغير سجل شرعي، سفاكا للدماء على صورة قبيحة من تكسير الأطراف والإحراق بالنار والمحرق حيّ متناولا للرّشا «٣» لا نفع له. توفي وهو وال على حلب في جمادى الأولى سنة ٩٤٩ ودفن خارج الكلاسة» ، ولم أقف على من تولى حلب بعده إلى أن دخلها واليا مصطفى باشا البيوقلي، كما يأتي. وفي سنة ٩٥٠ حدث طاعون جارف لم تعلم وفياته اليومية. وفي سنة ٩٥١ دخل حلب واليا عليها مصطفى بن بيوقلي باشا الرومي، فتتبع قطاع الطريق ليلا ونهارا بنفسه وعسكره، وأظهر سطوته في اللصوص وربما جاءه النذير عن طائفة من دعّار الأكراد وغيرهم من مكان كذا، فركب عليهم في الحال بثياب البذلة.
следующие страницы →