Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
صلب حبيب بن عربو:
وفي هذه السنة صلب تحت القلعة الأمير حبيب بن عربو، من طائفة معتبرة من أمراء القصير، من أهل السنة والجماعة، لاتهامه بأنه جمع بين تسعة نسوة في آن واحد.
قتل طومان جماعة السلطان سليم:
وفي سنة ٩٢٣ أرسل السلطان سليم خان جماعة من الأمراء والقضاة إلى طومان باي في مصر بالأمان فقتلهم عن آخرهم. وكان من جملتهم أبو بكر بن عبد البر بن محمد، ويتصل نسبه بمحب الدين بن الشحنة.
نفي جماعة من الحلبيين إلى طربزون «١» :
وفي سنة ٩٢٥ ورد أمر السلطان لوالي حلب بسوق ستين رجلا من تجار حلب إلى طربزون، فحصل القبض عليهم في ليلة واحدة بحيث صاروا يأتون بالرجل وهو لا يشعر بما أريد فيه، ثم سيقوا إلى طرابزون. ثم ورد أمر آخر بنفي من في حلب من الأعاجم إلى القسطنطينية فسيقوا إليها. وبرز أمر آخر بسوق أهل بيوت القلعة لاتهامهم بأنهم أخفوا خزانة مال الغوري بعد ما كان السلطان أقر القلعيين على ما كانوا عليه من المكث فيها، فسيقوا إلى القسطنطينية أيضا.
الاستئذان عن عقود الأنكحة:
وفي هذه السنة صدرت أوامر القضاة إلى العلماء أن يأخذوا إذنا منهم إذا أرادوا عقد نكاح، وذلك بقصد أخذ رسوم معلومة جعلوها لصندوق المحكمة الشرعية.
هبوب عاصفة شديدة:
وفيها هبت ريح عاصفة ذهبت برأس منارة زاوية الاطغاني «٢» ، وطرابزون جامع الصيفي وبعض حجارتها وتاج الشرافة الكائنة فوق باب قبلية جامع الأموي بحلب، وبعض
стр. 1192
جدران متوهنة. وقلبت كثيرا من الأشجار العظام ورفعت رجلا كان في الفلاة قدر ذراعين عن الأرض ثم ألقته في مكان آخر.
إشهار جان بردي العصيان وقتله:
وفي سنة ٩٢٦ أشهر العصيان جان بردي الغزالي ابن عبد الله الجركسي، وكان واليا على دمشق من قبل الدولة العثمانية. وقد خلصه السلطان سليم من أيدي الغوريين وولاه دمشق فلم يظهر معه هذا المعروف العظيم، بل عندما توفي السلطان سليم وجلس مكانه ابنه السلطان سليمان نبذ العهود والمواثيق وتجاهر بالعصيان وتسلم قلعة دمشق. ثم وجه جماعة مع مملوكه قانصوه المقرفع فقبض على والي حمص وقتله. ثم دخل حماة وقد فرّ قاضيها وواليها إلى حلب، وأوقع الحمويّين في أمر مريج. ثم حضر جانبردي بنفسه وجمع من الأعراب والتركمان جمعا عظيما وأخذ في محاصرة حلب، وكان واليها قراجا باشا المتقدم ذكره.
فلم ينل من فعله هذا طائلا، وآل أمره إلى أن حزّ رأسه في سنة ٩٢٧ في معركة كانت بينه وبين قراجا باشا المرسل بعسكره إليه قبلا. ولما حز رأسه اشترته زوجته بمال جزيل ودفنته.
عزل قراجا باشا عن حلب وبيان أغلاط في سالنامة سنة ١٣٠٣:
وفي أواخر هذه السنة أعني سنة ٩٢٦ عزل عن ولاية حلب قراجا باشا وأمره السلطان سليمان بسوق السفن إلى جهة بلغراد. فساقها وقتل على حصار بلغراد شهيدا سنة ٩٢٨ ذكر هذا في درّ الحبب «١» .
تنبيه: لم نعلم من ولي حلب بعد قراجا باشا المذكور؟ وما ذكره في سالنامة الولاية المطبوعة في حلب سنة ١٣٠٣ من أن الوالي بعده خسرو باشا سنة ٩٥٢ فهو غلط محض «٢» لما عرفت من أن قراجا باشا توفي في سنة ٩٢٨ اللهم إلا أن تكون حلب بقيت بدون وال طول هذه المدة. على أن خسرو باشا نقل من ولاية حلب إلى مصر سنة ٩٤١ كما أفاده في درّ الحبب.
стр. 1193
واعلم أن مثل هذا الغلط الفاحش وقع كثيرا في السالنامة المذكورة، وفي ذكر أسماء الولاة العثمانيين، بحيث قدّم بعضهم على بعض، وذكر منهم من لم يتولّ حلب بالمدة «١» ، وأهمل من تولاها زمنا طويلا. ولهذا لم نعول عليها في ذكر الولاة إلا من لم نقدر على تحرير زمنه ذكرناه وعزوناه إليها لتكون العهدة عليها. وبعد أن حررنا أسماء الولاة على قدر ما في وسعنا صححنا جدول الولاة في سلنامة الولاية على مقتضى ما حررناه، وذلك منذ فتح حلب إلى يومنا هذا. ومن يراجع السالنامة المطبوعة سنة ١٣٠٣ وما قبلها يظهر له ذلك جليا.
وفي سنة ٩٣٠ حدث طاعون مهول لم يبق ولم يذر.
صلب نائب حلب أي قاضيها:
وفي سنة ٩٣١ دخل إلى حلب- مجتازا منها إلى آمد- إبراهيم باشا ابن عبد الله باشا الرومي، وأمر بصلب نائبها محمد بن حمزة لما بلغه عنه من الظلم والتجاهر بالرشوة وشرب الخمر وحضوره إلى المحكمة ورائحته مشمومة منه.
مقتل قرا قاضي:
في سنة ٩٣٤ كان قرا قاضي علي بن أحمد علاء الدين الرومي متوليا على خطة تفتيش أوقاف حلب وأملاكها والنظر على الأموال السلطانية. فبالغ في جمعها وتثميرها حتى أخرج حكما سلطانيا بمنع توريث ذوي الأرحام من الشافعية بخصوصهم، وضبط التركة لبيت المال. وأراد أن يجعل ملح المملحة المضبوط لبيت المال أغلى من الفلفل، زاعما أن الناس أحوج إلى الملح منه، ومنع بيع حنطة كانت مخزونة للسلطان سليمان خان مع أن السنة كانت مجدبة والقحط والغلاء مستوليين.
ولما اجتمعت هذه الأسباب وأراد الله إنفاذ أمره فيه حضر لصلاة الجمعة خامس شعبان من السنة المذكورة في الجامع الكبير، فقام عليه غوغاء الناس وأسافلهم وكثر لغطهم فيه، ثم كبّروا ووثبوا عليه وقتلوه ضربا بالنعال ورجما بالحجارة وقتلوا معه أحمد بن أبي بكر الأصلي العريقي الحلبي لأنه كان يعضده في أعماله. ومن العجب أن قصابا شق بطن أحمد
стр. 1194
المذكور وأخذ من شحمه شيئا بيده والناس يرونه ولم يردعه أحد عن فعله. وقد سحبوه إلى تلة عائشة بالقرب من السفاحية ليحرقوه، فترامى عليه أهله وسحبوه وخلصوه. كما أن السفلة المذكورين جرّوا جثة قرا قاضي وجردوه من ثيابه ليحرقوه، فخلصه جماعة من أهل الخير وخبئوه في الميضأة إلى ثاني يوم ثم غسلوه ودفنوه.
ولما بلغت هذه الفعلة مسامع الدولة أرسلت للتفتيش على قاتليه- والانتقام منهم- عيسى باشا حفيد إبراهيم باشا المتقدم ذكره. وعندما قارب حلب حصل للناس فزع عظيم وقلق جسيم، وذلك أنه نزل بالميدان الأخضر في غرة محرم سنة ٩٣٥ ودعا إليه سائر الأكابر والأعيان والتجّار وحبس مشايخ المحلات وأئمتها إلا من عصم الله. ثم أطلق الأئمة وقبض على بعض الموظفين بالجامع الكبير وشدد عليهم ووضع بعضهم في السلاسل وأخذ في الفحص عن المتهمين، فمنهم من أقرّوا ومنهم [من] «١» اضطرب، ومنهم من عرّاه ليضربه فلم يقرّ. ثم استخرج من السجلات أسماء آخرين وجمع المتهمين عن آخرهم وأمر بتقييد جميع الحاضرين من الخواص والعوام. ثم عفا عن الخواص إلا أنه لم يطلق منهم أحدا بل كلهم باتوا عنده في الميدان، ورجعت خيولهم إلى دورهم لا يدرون ما يفعل بهم.
ولم يزل العسكر متسلحين واقفين بين يديه حتى ظن أنه يضرب أعناق الجميع. وفي ثاني يوم أرسل شرذمة من العسكر إلى سجن حلب وأحضروا منه بضعا «٢» وعشرين إنسانا من المتهمين بهذه الحادثة فقتلهم في نهار واحد وسجن الباقين. وبقي الأكابر من العلماء وغيرهم عنده إلى عصر اليوم الثاني وهم في وجل عظيم بحيث لا يجسر أحد من المتخلفين من أهل حلب على أن يأتي بخبر المرسم عليهم عنده أو يصل إليهم من بعيد. ثم أطلق طائفة منهم وأخرى من المتهمين وأبقى عنده العلماء ليلة ثانية لكن مع الإكرام والاحترام في الغداء والعشاء. ثم أمر أن يسجن في سجن القلعة وجامعها طائفة من العلماء وغيرهم بعد أن عيّن معهم طائفة من عسكره متسلحين، يسوقونهم إلى القلعة ما بين ماش مربوط اليدين وآخر مسلسل العنق على وجه، لا يعلمون عاقبة أمرهم، ثم كان مآله أن نفى أكثرهم إلى رودس وأقاموا بها أعواما حتى أطلق سراحهم بشفاعات وكفالات إلا البعض منهم.
стр. 1195
عيسى باشا وحالته:
وفي سنة ٩٣٥ استقر عيسى باشا واليا في حلب، وكان عالما فاضلا في عدة فنون حتى في الطب إلا أنه كان عنده قوة غضبية بحيث إذا اشتد غضبه خمش يديه بيديه فأدماها.
وهو لا يشعر بذلك، فإذا سفك دم المغضوب عليه سكن ما به. وكان يعتاد لبس الثوب الأحمر يوم الغضب كما كان ذلك عادة لبعض المتقدمين من الجراكسة. ولم أعلم من تولى حلب بينه وبين قراجا باشا.
وفي سنة ٩٣٩ حدث طاعون شديد أهلك خلقا كثيرا.
مجيء السلطان سليمان إلى حلب:
وفي سنة ٩٤٠ عاد السلطان سليمان خان من فتح تبريز، ومرّ بطريقه على حلب وطاف على مزاراتها، وكان بركابه إبراهيم باشا الوزير الأعظم المتقدم ذكره. وفي سنة ٩٤١ نقل خسرو باشا من ولاية حلب إلى كفالة مصر، ولم أر من صرّح بتاريخ دخوله واليا على حلب. ويفهم من در الحبب أن والي حلب قبله موسى بك، المشهور بابن أسفنديار الخالدي «١» . وعلى هذا فيكون موسى بك بين خسرو باشا وبين عيسى باشا.
وفهم من در الحبب أيضا أن الوالي على حلب بعد خسرو باشا حسين بك. قال «٢» :
«وكان كثير القتل بغير سجل شرعي، سفاكا للدماء على صورة قبيحة من تكسير الأطراف والإحراق بالنار والمحرق حيّ متناولا للرّشا «٣» لا نفع له. توفي وهو وال على حلب في جمادى الأولى سنة ٩٤٩ ودفن خارج الكلاسة» ، ولم أقف على من تولى حلب بعده إلى أن دخلها واليا مصطفى باشا البيوقلي، كما يأتي. وفي سنة ٩٥٠ حدث طاعون جارف لم تعلم وفياته اليومية. وفي سنة ٩٥١ دخل حلب واليا عليها مصطفى بن بيوقلي باشا الرومي، فتتبع قطاع الطريق ليلا ونهارا بنفسه وعسكره، وأظهر سطوته في اللصوص وربما جاءه النذير عن طائفة من دعّار الأكراد وغيرهم من مكان كذا، فركب عليهم في الحال بثياب البذلة.
стр. 1196
حريق:
وفي هذه السنة وقع الحريق ليلا بالحوانيت الكائنة تجاه جامع الأطروش والسوق الذي وراءه. فحضر الوالي بنفسه ووقف ونادى مناديه ألّا يقرب الحوانيت إلا أربابها وقطع النار عنها. ثم نادى أن يرفع أهل حلب السقائف المعمولة من البواري «١» لسرعة عمل النار فيها وأن يعملوا السقائف من الخشب. ففعلوا وجدّد في أيامه سقائف لم تكن قبلا حتى ارتفع ثمن الخشب لكثرة العمل بحلب.
طاعون وغلاء وغيرهما:
وفي هذه السنة وقع طاعون جارف توفي فيه ما لا يحصى من الأشراف والأعيان والعلماء. وحصل مع هذا الطاعون غلاء عظيم. واحترق نهر قويق بحيث صار الناس يمرون به، وخاف الناس من اللصوص خوفا شديدا بسبب سطوة مصطفى باشا والي حلب، وقامت زوبعة عظيمة قصمت ظهور الناس رعبا. ووقع مطر غزير في عينتاب والناس في صلاة الجمعة فلم يشعروا إلا والسيول حفّت بهم وأغرقت كثيرا من بيوتهم.
وفي سنة ٩٥٢ «٢» قدم إلى حلب عمر بن محمد بن محمد الحصكفيّ الأصل متوجها إلى الباب العالي بقطعة من خشب، ذكر أنها من قدح النبي ﷺ ، وأخبر أن القدح كان في بيت أبيه برمّته فأخذ منه السلطان الغوري نصفه وسيباي نائب دمشق ربعه وبقي منه ربع شرب به بعض أركان الدولة الرومية مستغيثا «٣» به من فالج اعتراه فشفي، فأخذ منه قطعة ثمّ وثمّ «٤» ، إلى أن بقي منه أحد عشر قيراطا طلبها من أبيه السلطان سليمان خان، فأرسلها معه بعد أن رفقه بحجة شاهدة بصحّة أنها من القدح الشريف. ودخل بها الشيخ المذكور إلى الحضرة السلطانية ثم عاد وهو منعم عليه ذاكرا أن ربع القدح الذي كان أخذه سيباي وصل إلى الخزائن المعمورة السليمانية، وجعل في رأس رايته التي تصحبه للجهاد.
وفي أثناء هذه السنة عزل عن ولاية حلب مصطفى باشا ووليها سنان باشا بن عبد الله الخادم الرومي، كان في أول أمره خادما عند السلطان سليم خان.
стр. 1197
توريث ذوي الأرحام من الشافعية:
وفي هذه السنة حكم قاضي حلب بتوريث ذوي الأرحام من الشافعية من مورثهم مخالفا للحكم السلطاني الذي أخرجه قرا قاضي المتقدم ذكره. وفي سنة ٩٥٦ عاد السلطان سليمان خان من غزو بلاد العجم ودخل حلب وأمر بعمارة القسطل المنسوب إليه في ظاهر باب الفرج بحلب. وكان مع السلطان ولده جهانكر فمرض بحلب وتوفي بعد أيام من مرضه. فأمر والده بغسله فغسل وصلّي عليه تحت القلعة وأم بالناس إمام السلطان الذي كان معه، ثم ساروا بالنعش إلى الفردوس تفاؤلا بأن يسكنه الله جنة الفردوس، وهناك شقوا بطنه وجوفوه ودفنوا أمعاءه ووضعوه في صندوق، فساروا به إلى القسطنطينية فدفنوه بها.
قدوم كوهر ملكشاه إلى حلب:
وفي سنة ٩٥٩ قدمت إلى حلب كوهر ملكشاه ابنة عائشة السلطانة بنت السلطان بيازيد خان، وكان قدومها من الحج الشريف على ولدها محمد باشا ابن توقه كين والي حلب، صاحب جامع العادلية. فخرج الحلبيون لملاقاتها وأدخلوها حلب في أبهة زائدة ومشهد عظيم. ثم توفيت في السنة نفسها «١» ودفنت ببيت اشتراه لها ولدها المذكور قرب السفاحية. ثم حصل بجواره بعد خرابه مسجد رتب فيه ثلاثون قارئا يقرءون في كل يوم ختمة، ولكل قارىء درهم.
والمفهوم من هذه الحادثة أن والي حلب في هذه السنة هو محمد باشا عادلي «٢» وغلط في السالنامة المتقدم ذكرها، إذ ذكره في سنة ٩٧٢ فإنه في هذه السنة لم يكن حيا، فضلا عن كونه واليا في حلب، فقد توفي بالروم سنة ٩٦٤ كما نبّه على ذلك في در الحبب.
ولم أقف على من كان بينه وبين سنان باشا من الولاة، ولم أطلع على تاريخ انفصال سنان باشا وابتداء ولاية محمد باشا في حلب.
وفي سنة ٩٦٠ ولي حلب بيربك بن خليل أخو قباد باشا الآتي ذكره قريبا. وفي سنة ٩٦١ ولي حلب قباد باشا بن خليل بن رمضان القرماني.
стр. 1198
طاعون:
وفي سنة ٩٦٢ حدث طاعون جارف أهلك العباد وأطار الرقاد وتلف فيه ما لا يعدّ ولا يحصى. وقدر بعضهم أنه هلك فيه عشر سكان حلب.
إحضار ماء السمرمر إلى حلب:
وفي سنة ٩٦٤ أرسل قباد باشا والي حلب رجلا أعجميا إلى ما وراء أصبهان لإحضار ماء السمرمر «١» إلى حلب بسبب جراد مهول كان بها، وحقيق عوده إليها. وحسّن قباد باشا لأرباب الأموال أن يجمعوا للرسول مالا فجمعوا له ما ينوف على مائتي دينار سلطاني، ودفعوا له بعضها ووعدوه بالباقي إذا عاد بالمراد. فذهب وعاد في سنته ومعه الماء فخرج الناس إلى لقائه ودخلوا به بالتهليل والتكبير.
ولما كان من تمام خاصّة هذا الماء ألّا يدخل تحت سقف- كما زعموا- كان مستصحبه إذا وصل إلى بلدة يسحبه بحبل من فوق بابها، حتى وصل إلى حلب، فسحب من فوق سور باب قنّسرين إلى أن أريد سحبه من أعلى سور القلعة فعارض دوز دارها «٢» ومنع ذلك. وعندها وضعوه على قبة التكية الخسروية، وكان الجراد قد غرس في الأرض، فأخذت الحكومة بجمعه من أطراف حلب وهو كالذباب «٣» فجمعوا منه- بضبط قاضي حلب- مائتي ألف كيل استانبولي، على كل بيت كيلان فيما زعموا، وألقوه في الحفر والآبار المهجورة. فلم يمض القليل من الزمان إلا وكبر ما بقي وزحف على البساتين، فحرّك الماء المذكور ليجيء السمرمر بتحريك الشيخ محمد الكواكبي ومعه مريدوه فلم يفد، فزعم الناس أن خاصيته انقطعت إذ لم يكن الوارد به من أهل الصلاح والشرط أن يكون منهم.
قلت: أدركنا في زماننا أن جماعة من الدراويش المنسوبين إلى الطريقة البكداشية يحضرون إلى البلاد الشامية في أكثر السنين التي يشيع فيها غرس الجراد، ويحضرون معهم
стр. 1199
أباريق من الصفيح ضمنها ماء السمرمر، فيعلقونها على جبهة منبر الجامع الكبير ويأخذون عليها من ولاة حلب عطية جرت العادة على أخذها منهم. وقد لاحظتها في سنين كثيرة فلم أر منها أقل فائدة.
غدر والي حلب بالحلبيين:
وفي هذه السنة أيضا انفصل قباد «١» باشا. فسرّ الناس بذلك سرورا عظيما إذ تخلصوا من ظلم صوباشيّه «٢» . وأظهر واحد من الحلبيين لقاضي حلب أمرا بالتفتيش على الصوباشي المذكور، فأرسله القاضي مع الأمر صحبة المحضرباشي «٣» إلى قباد باشا، وتبعه باقي المدعين على الصوباشي وجماعة من غوغاء الناس، ينتظرون ماذا يؤول إليه حال المتخاصمين، ووقفوا بباب دار الحكومة ودخل المدعي المذكور والمحضرباشي إلى قباد باشا، فأمسكه عنده يومين ثم جدع أنفه وأطلقه، وأظهر أن القاضي أشار إليه بذلك مع المحضرباشي، وأنه لو لم يفعل به ذلك لهجم الناس عليه وقتلوه كما قتلوا قرى قاضي السالف ذكره. ثم كتب قباد باشا إلى الباب العالي أن الحلبيين اجتمعوا متسلحين بباب الحكومة ليقتلوه ويدخلوا منزل الحضرة السلطانية الذي حلّ ركابها فيه قديما.
وأما قاضي حلب فإنه حامى عن الحلبيين وكتب عكس ما كتب الوالي، غير أن عرض الوالي وصل إلى الباب العالي قبل عرض القاضي، وشاع في حلب أنه سينفي منها جماعة إلى بغداد. ولما وصل عرض القاضي طلب المحضرباشي إلى الباب العالي، فأحضره القاضي لديه وأشهد على إقراره جماعة ثقات بأنه لم ير أحدا متسلحا بباب الحكومة. ثم توجه إلى الباب العالي وبرّأ الحلبيين عن تهمة قباد باشا ثم أمر الباب العالي فرهاد باشا أن يسير إلى حلب ويفحص عن حقيقة هذه المادة فحضر وفحصها من دوزدار القلعة وغيره، وظهر له أن الحلبيين مظلومون فيها.
وفي هذه السنة استقر فرهاد باشا واليا في حلب. وكان عادلا عفيفا ظريفا مطّرح الكلفة، له ولع بالحديث حتى إنه كان يقول: أنا أحفظ ثلاثمائة حديث. إلا أنه أكب
стр. 1200
على صنعة الكيمياء. ولما كان يوم الجمعة بعد دخوله إلى حلب صلى الجمعة بالجامع الكبير، وبعد فراغ الصلاة طلب الخطيب وأمره أن يذكر في الخطبة الحسن والحسين قبل الستة الباقين من العشرة فاضطرب الناس لذلك.
خروج الجراد:
وفي سنة ٩٦٥ شاع أن الجراد خرج في بعض القرى فخرج بعض الناس لجمعه بأمر فرهاد باشا. وكان الناس في قحط عظيم وصل فيه رطل الخبز إلى عشرة دراهم. وبينما هم على هذه الحالة إذ نادى مناد من قبل الوالي بخروج أهل حلب إلى ظاهر المدينة لاستقبال ماء السمرمر فخرج الناس إلى قرية بابلّي ورجعوا كأنهم جراد منتشر مع الماء، فرفع إلى مئذنة القلعة دون أن يدخل تحت سقف لئلا تزول خاصيته، وبات أهل حلب في سرور عظيم. وبعد أيام ظهر الجراد في بعض معاملات حلب، فخرج الوالي بنفسه إليه وأخرج خلائق كثيرة ما بين عوامّ يجمعونه وخواص يناظرونهم. وبقي الجمع نحو أسبوع إلى أن دفنوا منه بالحفر والآبار ما لا يدخل تحت حصر، وانتفع الناس بذلك منفعة بالغة.
وفي سنة ٩٦٧ ظهر جراد صغير في حلب العتيقة، فنادى القاضي أحمد بن محمود ابن عبد الله الخالدي بالصيام ثلاثة أيام والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء لرفعه، بعد أن خرج والي حلب فرهاد باشا إلى المكان الذي هو فيه، في خلائق من أهل حلب ونواحيها يزيدون على عشرة آلاف رجل، يجمعون الجراد في قلاع التوت والبسط ويدفنونه في الأرض بعد قتله. وبقوا هناك نصف شهر وهم في مسافة نصف يوم، وعندهم سوق وبينهم لهو ولعب. وبينما هم كذلك إذ مطرت السماء لا على ناحيتهم بل على ناحية حلب بردا كالبندق والعفص، وربما وقعت واحدة نحو وقية في ساعة كادت الصواعق تقع بها، فأتلف كثيرا من الخضر والبقول وما بدا انعقاده من الفواكه. وفي سنة ٩٧٢ ولي حلب أرناود سنان باشا كما في حديقة الوزراء.
تنبيه: لم أظفر بمادة تسفر عن حوادث حلب من سنة ٩٦٨ إلى سنة ٩٨٨ أما ولاة حلب في هذه المدة فإني ذاكرها نقلا عن سالنامة الولاية، وإن كان بعضها خطأ فإن العهدة على مرتبها.
حرر في سالنامة سنة ١٣٠٣ أن والي حلب سنة ٩٧٣ عاد إلى محمد باشا وقد علمت
стр. 1201
ما فيه. قلت: ذكر المجبّي في الخلاصة أن حسن باشا ابن محمد باشا صرف من كفالة حلب إلى دمشق سنة ٩٨٥ ولعل والي حلب سنة ٩٨٧ ألوند علي باشا، كما يستفاد مما كتب على الباب الشمالي، أحد أبواب الجامع الكبير. وفهمت من كتاب وقف جامع البهرمية أن بهرام باشا كان واليا في حلب سنة ٩٩١ ولم أعلم متى عيّن ثم متى انقضت ولايته. اه.
قال في السالنامة المذكورة: وفي سنة ٩٩٤ ولي حلب رضوان باشا. وفي سنة ٩٩٥ حسن باشا. وفي سنة ٩٩٩ الحاج أحمد باشا. وفي سنة ١٠٠٢ محمد باشا. اه.
الشركة الشرقية في حلب:
قال في محلة المقتطف: وفي سنة ٩٨٩ تشكلت الشركة الشرقية بأمر الملكة إليصابات الإنكليزية، وبعد ذلك بزمن يسير فتحت محلا للتجارة في حلب مع بلاد فارس والهند في الطريق البري، وعيّن للدولة الإنكليزية قنصل عرفه السلطان مراد خان الثالث. وكان في حلب وغيرها من الممالك العثمانية كثير من المحلات التجارية الفرنسوية. اه.
وفي سنة ١٠٠٨ كانت وفاة «أحمد بن موتياب باشا» أمير الأمراء بحلب وواليها، ودفن بمحلة الجلوم.
حريق في حلب وفساد من العرب:
وفي إبّان ولاية «موتياب أحمد باشا «١» » وقع الحريق في سوق العطارين وذهب للناس أموال كثيرة. قيل: سببه أن بعضهم نسي في الكانون بعض النار. وقيل: إن جماعة الباشا فعلوا ذلك ليغرّموا الناس بالأموال. والأول أولى. وفي أيام هذا الوالي أيضا وقع من العرب فساد كثير لم يعهد مثله. وقد بنى الوالي المشار إليه مدرسة وشرط لمدرّسها في اليوم عشر قطع فضية، وقيل عشرين عثمانيا صحيحا، ورتب ثلاثين قارئا يختمون في كل يوم ختما، وبنى له مدفنا ووقف على ذلك خانا وبعض دكاكين. اه. ذكر ذلك كله الشيخ أبو الوفا العرضي في معادن الذهب، ولم يذكر متى ولي الباشا المذكور حلب، ولا عيّن مكان
стр. 1202
مدرسته وما وقفه عليها وعلى المدفن. وفي هذه السنة أعني سنة ١٠٠٨ عين واليا على حلب أمير الأمراء الحاج إبراهيم باشا.
فتك إبراهيم باشا بالانكشارية وذكر شيء من فظائعهم:
وفي ربيعها الآخر فتك إبراهيم باشا بالانكشارية الدمشقيين، وكانوا قد استطالوا على فقراء حلب وأفحشوا في ظلم الرعايا جاعلين وسيلة ذلك تحصيل الأموال السلطانية فيتوصلون إلى أغراضهم الفاسدة، حتى تزوجوا النساء في حلب وصارت لهم قرى وأملاك. فعرض الوالي ذلك إلى السلطان فورد أمره بإجلائهم عن حلب إلى بلادهم دمشق، فأمرهم بالرحيل فلم يرحلوا وجمعوا جموعهم بالقصير واستعدوا للمحاربة ونهبوا الأموال، فتمكن إبراهيم باشا منهم وقتل سبعة عشر من أعيانهم ورفع رؤوسهم على الرماح.
ثم عرض على الدولة أن تجعل قولا- أي جيشا- لمدينة حلب، فلم تجبه، وعزل عن ولاية حلب في اليوم الحادي عشر شوال سنة ١٠٠٩ صرح بعزله مصطفى نعيما في تاريخه «الروضتين» .
وبعد أن عزل إبراهيم باشا من ولاية حلب ولي مكانه علي باشا، وكانت الدولة استصوبت رأي إبراهيم باشا- الذي سبق ذكره- بتخصيص حلب بقسم من الجنود.
ولما دخل حلب علي باشا الجديد كتب «القول» الجديد ورتبه على هيئة «قول» الشام وغيرها فلم يجد ذلك نفعا، وزاد الدمشقيون في عتوّهم وغلوائهم وبقيت في أيديهم خدمة الدفتردار ودار الوكالة وأبواب قناصل الإفرنج. وكان من جملة أعمالهم الفظيعة أنهم يعطون مال السلطنة عن القرية ويأخذون من أهلها أضعافا مضاعفة، وتبقى أهل القرية جميعا خدمة لهم يأخذون منهم جميع محاصيلهم. ولما وصل ضررهم إلى هذه الرادة جمع علي باشا زعماءهم بمحضر من العلماء والأمراء وأمرهم بالخروج من حلب، ونادى الناس عليهم ألّا يستوطنوا بحلب. فخرجوا وقوي عليه الحلبيون وطردوهم وأساؤوا إليهم، حتى إنهم قتلوا منهم عسكريا.
فتوجه الدمشقيون إلى الشام وحشدوا وجمعوا واستعانوا ورجعوا إلى محاربة الحلبيين.
وفي أثناء غيابهم عيّن واليا على حلب بشير باشا، ثم سعى بولاية حلب شريف باشا كافل دمشق، فعيّنه إليها السردار حسن باشا ورفقه بعساكر دمشق وسيّره معهم إلى حلب.
стр. 1203
فوصل شريف باشا إليها ودخلها من باب المقام وخرج من باب بانقوسا إلى الميدان. فوجد بشير باشا والعساكر الحلبية ناصبين خيامهم هناك وهم على عزم التوجه إلى حسن باشا، السردار المذكور- وكان في دمشق- فنزل شريف باشا مع الدمشقيين في قرية بابلّي، وإذا بالمساء ورد تقرير بشير باشا بولاية حلب من جانب السردار المذكور متأخر التاريخ.
ففي اليوم الثاني وقعت محاربة عظيمة بين الأميرين واتخذ كل منهما متاريس وأمر بشير باشا بإطلاق المدافع من قلعة حلب على شريف محمد باشا والدمشقيين فتوقف شريف باشا عن المحاربة وارتحل بعسكره ليلا.
ولما وقعت هذه الفتنة عرض بشير باشا إلى حسن باشا السردار واقعة الحال وطلب منه الاستعفاء، فأجابه إلى ما طلب وأرسل إلى حلب متسلما من قبل شريف باشا. وكان الدمشقيون رجعوا إلى دمشق وتقوّوا وعادوا إلى حلب ومعهم نحو عشرة آلاف عسكري، ولم يكن عند الحلبيين سوى نحو ألف وخمسمائة عسكري، فخرج الحلبيون لمحاربة الدمشقيين وهم في قرية الراموسة، ودام الحرب بينهم من الصباح إلى قرب العصر، فانكسر الحلبيون ورجعوا وأكثرهم مثخن بالجراح. وفي الليل دخل الدمشقيون إلى المحلات الخارجة عن السور. فلما طلع النهار أغلق الحلبيون أبواب المدينة- سوى باب قنسرين- ووضعوا عليها المدافع. واتخذ الدمشقيون المتاريس عند باب النصر وباب بانقوسا وصاروا يرمون بعضهم بالمدافع. وفي كل ثلاثة أيام يخرج الحلبيون إلى جانب باب قنّسرين ويحاربون الدمشقيين. وقد خرج غالب أكابر حلب إلى القلعة خوفا من هجوم الدمشقيين على أسوار حلب. وكان معظم ذلك في شهر رمضان سنة ١٠١٠.
ولما قدم حلب يحيى أفندي ابن بستان- قاضيا عليها- أنزله الدمشقيون عندهم خارج البلد ونسبوا الحلبيين إلى العصيان على السلطان، فأحضر القاضي علماء حلب وأمراءها وكتبوا محضرا إلى حسين باشا الجانبلاط- كافل كلّز- يطلبون حضوره ليصلح بينهم وبين الدمشقيين. فحضر بعد ثلاثة أيام بعساكر كثيرة ودخل الجامع الكبير وأحضر العلماء والأعيان وقال: هذه فتنة لا تنطفىء إلا بقتل خليل كيخيه كبير «القول» الحلبي، ومحمد جاويش من الشوربجية، وجمال الدين منهم أيضا. فأبى الحلبيون أن يعطوا واحدا منهم، وطال الكلام وكثر اللغط حتى رضي الدمشقيون بوضع الثلاثة في القلعة ساعة من النهار إهانة لهم وإطفاء للفتنة. فرضي الحلبيون بذلك وحلفوا بالله على المصحف
стр. 1204
أن الدمشقيين الذين لهم دور في حلب يقيمون في دورهم، ومن لم يكن له دار منهم يرجع إلى وطنه.
ثم فتحوا باب الفرج لقضاء حوائج الدمشقيين ووقف به ثلاثون رجلا من «القول» الحلبي حرسا ورقباء على من دخله من الدمشقيين بسلاح. وفي ثالث يوم هجم الدمشقيون وقتلوا من كان بباب الفرج وأخذوا في نهب دار محمد جاويش المتقدم ذكره. فثار الحلبيون وخرجوا إلى القلعة. فأرسل يقول لهم حسين باشا الجانبلاط: كان عند الدمشقيين حرارة فانطفأت بنهب دار محمد جاويش وعفا الله عما مضى. فانخدع الحلبيون وسكنوا. أما الدمشقيون فإنهم زادوا في طغيانهم واستطالوا على نهب دور الحلبيين. ولما رأى حسين باشا أن الداء عضال ولّى إلى كلّز وقال: سلّط الله الكلاب على البقر. وأخذ الدمشقيون في محاصرة القلعة ووضعوا المتاريس في سوق السراجين، وكان الحلبيون يهجمون على الدمشقيين ويقتلون منهم. فدخل الدمشقيون ليلا من تحت القسطل المقارب لباب القلعة ووضعوا النفط والقطران وأحرقوا جسر باب القلعة. وعجز الحلبيون بعده من الوصول إلى الدمشقيين.
وفي غضون ذلك ورد حلب واليا عليها حسن باشا ابن علي باشا ألوند، فرشاه الدمشقيون بخمسين ألف قرش فأمر برفع القتال حتى يصدر أمر الدولة باستخدام أحد القولين في حلب. ثم لما نزل الحلبيون من القلعة ورأوا دورهم متهدمة وأموالهم منهوبة وأمارات الغدر تلوح على الدمشقيين، قالوا في أنفسهم: تغدّوا بهم قبل أن يتعشّوا بكم.
فهجموا عليهم وأثخنوهم بالجراح والقتل ثم وقع الفشل فيهم وعادوا إلى حصار قلعتهم، وشدد الدمشقيون الحصار عليهم حتى رضوا بترك الخدمة بالكلية إلى الدمشقيين. فرفع الدمشقيون عنهم الحصار وأمنّوهم إذا نزلوا. فانخدع الحلبيون ونزلوا من القلعة فلم يشعروا إلا والدمشقيون قد هجموا عليهم وأخذوا في قطع رؤوسهم بحضور الوالي والقاضي وهما ساكنان، حتى جمعوا من رؤوس الحلبيين مقدار القبة وكان ذلك في يوم عرفة من السنة المذكورة وهي سنة ١٠١٠ وصفا الوقت للدمشقيين، وأخذوا استخدام بيت القاضي وبيت الصّوباشي وبيت القنصل وبيت الدفتردار، واستولوا على حلب أكثر من استيلائهم الأول، وتزوجوا ببنات أعيان حلب، وعاد ظلمهم وعسفهم.
стр. 1205
وفي أوائل سنة ١٠١١ قدم حلب واليا عليها نصوح باشا المشهور بناصيف باشا فأخذ يمهد أسباب إزالة ضرر الدمشقيين سرا ويستعدّ لكبتهم خفية، لأنهم صاروا أولي قوة ومنعة، وطغوا وبغوا وخافهم الكبير والصغير من أهل حلب، واستولوا على أكثر قراها بحيث قلّت الأموال السلطانية وصار أهل القرى كالأرقّاء لهم. ولما استحكم نصوح باشا من أمره واستعد لكبحهم أخذ في رفع أيديهم عن القرى وإجلائهم إلى بلادهم، وحصل بينه وبينهم وقعة عظيمة وكان مساعده عليهم حسين باشا كافل كلّز، ففروا بين يديه هاربين إلى حماة ثم جمعوا وحشدوا وجاؤوا إلى كلّز وحاصروها وخربوا ما حواليها من القرى كالباب وعزاز وقرى حلب ونهبوا الأموال وهتكوا النساء وافتضت عدة أبكار، ودخل بعض أشقيائهم بكلّز الحمّام وفعلوا أفاعيل جاهلية. ثم تلاقوا مع نصوح باشا وابن الجانبولاط خارج كلّز يوما واحدا ثم انهزموا وعادوا إلى دمشق.
ثم رجعوا إلى قرب حماة وتظاهروا بقطع الطريق وضربوا على حمص وحماة ضرائب من المال، واعترضوا القوافل وجرّموهم. فتقدم إليهم نصوح باشا وأطلق عليهم المدافع، فلم يكن غير ساعة حتى انهزموا وعادوا إلى دمشق ونهبوا قراها وعاثوا خلالها في الفساد.
وكان ذلك في سنة ١٠١٢ ولما استهلت سنة ١٠١٣ تفرقوا عن بعضهم لعجزهم وانقطع أمرهم عن حلب، وكفى الله المؤمنين القتال.
تبييض القلعة: وفي هذه السنة بيض نصوح باشا قلعة حلب وأجرى عليها بعض الترميم، فقال بعضهم مؤرخا:
يمينا قلعة الشهباء أضحت ... عروسا عرفها مسك يفوح
وقالت: أرّخوا، أعني بياضي ... فأرّخها مبيّضها نصوح
قيام نصوح باشا على حسين باشا الجانبولاط وما جرى بينهما:
ولما صفا الوقت لنصوح باشا والي حلب صار يشيع بين الناس أنه يريد قتل حسين باشا الجانبولاط والي كلّز زاعما أنه عاص على الدولة، مع أن حسين باشا المذكور لا يستحق من نصوح باشا هذا الجزاء بعد أن ساعده على انكشارية دمشق، وليس هو
стр. 1206
عاص «١» على الدولة- كما زعم نصوح باشا- بل كانت الدولة تراعيه نظرا لما عنده من الشهامة والشجاعة، وبقاؤه في كلّز واليا زمنا طويلا لا لعصيانه على الدولة إنما كانت الدولة ترى في عزله بعض الصعوبة، وتخشى من وقوع فتنة من عشيرة الجانبلاط إذا هي عزلته، فكانت تغضي عنه الطرف وتقنع منه بالمال وهو في غاية الطاعة. ولما بلغه تهديد نصوح باشا إياه أخذ في جمع العساكر فسمع بذلك نصوح باشا وخرج بعساكره جريدة إلى كلّز فقابله حسين باشا بعساكره الكثيرة وكسره كسرة شنيعة، وانهزم نصوح باشا في عسكر قليل إلى حلب.
وبعد أيام قلائل أخذ في الاستعداد ثانيا لمحاربة حسين باشا وبذل الأموال وحشد الأبطال. وبينما هو كذلك إذ ورد على حلب قبجي باشي من قبل السردار سنان باشا ابن جفال يخبر نصوح باشا بالأوامر السردارية أنه قد صار حسين باشا كافل الممالك الحلبية، وعزل نصوح باشا منها. فغضب لذلك نصوح باشا غضبا شديدا وامتنع عن تسليم حلب لحسين وقال: إذا ولّوا حلب عبدا أسود فإني أطيعه إلا ابن الجانبولاط. وكتب إلى الدولة أن أمراء العشائر لا تصلح أن تكون ولاة للدولة. فما مضى أسبوع إلا وقد أقبلت عساكر حسين باشا إلى قرية هيلانة فاستقبلهم نصوح باشا فانكسر وعاد إلى حلب.
ونزل حسين باشا مع عساكره في محلات حلب خارج السور، وأغلق نصوح باشا أبواب المدينة وسدّها بالأحجار وفتح باب قنّسرين وحرسه بعساكر وقفهم هناك، وقطع حسين باشا الماء عن حلب ومنع الميرة والطعام عن داخل حلب ونصب المتاريس على أسوار البلد، وحفّ نصوح باشا عساكره على الأسوار مع المدافع، وقام بين الفريقين حرب مهولة وأخذ حسين باشا في حفر اللّغوم والاحتيال على أخذ البلد، وأخذ نصوح في حفر السراديب لدفع اللغوم، وعمّ الحلبيين أنواع الكدر من المبيت على الأسوار وحفر السراديب ومصادرة الفقراء والأغنياء كل يوم لطعام السكبانية وعلافتهم «٢» ، وإغلاق الدكاكين وتعطل الصناعات وحرق الأخشاب للطعام والقهوة بسبب قطع حسين الميرة حتى الحطب، ونزل البلاء من جانب السماء على حلب، فبيعت الحنطة: المكوك بمائة
стр. 1207
قرش ريالي، وجرّة الشيرج بثمانية قروش، ورطل لحم الخيل الكدش بنصف قرش، والتينة الواحدة بقطعة، وأوقية بزر البطيخ بأربع قطع. وأعظم من في البلد يجد أكل البصل والخل من أحسن الأطعمة. وكان بعضهم يأخذ الشمع الشحمي ويضعه في طعام الأرز والبرغل، وكانت العساكر لا تجد التبن بل كانوا يأخذون الحصر وينقعونها في الماء ويطعمونها للخيل.
وكان كل فقير يغرّم في اليوم قرشين والمتوسط عشرة والغني عشرين.
واستمر الحصار نحو أربعة أشهر، وأيام كل ذلك كان في سنة ١٠١٣ وبينما كان الحال كذلك إذ قدم إلى حلب قاضيا عليها السيد محمد المشهور بشريف أفندي، فنزل خارج المدينة وأخذ يسعى في الصلح فتم على يده، ولم يثق نصوح إلا بأيمان السّكبانية وعهودهم، فحلّفهم جميعا بالسيف على أن يكون آمنا على نفسه وأمواله، وأنه إذا تعرض لها حسين باشا يقاتلونه معه. ثم أمر القاضي نصوح باشا أن يذهب بنفسه إلى حسين ويصالحه فأجابه، وتوجه نصوح إلى منزل حسين فأكرمه وسقاه شربة سكّر بعد أن شرب منها حسين أمامه تأمينا له، فشرب نصوح ثم خرج من البلد بعساكره وطبوله وزموره دون أن يتعرض له أحد بسوء. واستولى حسين باشا على ولاية حلب وشحنها بالسكبانية وصادر الأغنياء والفقراء لأجل علوفتهم.
قتل حسين باشا:
وفي سادس عشر جمادى الآخرة سنة ١٠١٤ كانت كسرة الوزير سنان باشا ابن جفال ببلاد العجم، وكان قد أرسل إلى حسين باشا بالتوجه إليه ليكون معه في محاربتهم، فتثاقل حسين باشا عن التوجه وتباطأ. ولما رجع سنان باشا من الكسرة تلاقى مع حسين باشا في «وان» فاتهمه بالمخامرة على الدولة وخنقه في الحال وقطع رأسه. وكان ذلك في السنة المذكورة.
عصيان علي باشا على الدولة وما آل إليه أمره:
ولما سمعت عشيرته بحلب أنه قتل ظلما وعدوانا ثارت فيهم الحمية وقاموا على قدم وساق، لا سيما ابن أخي المقتول علي باشا، فإنه استشاط غضبا وتحرّق غيظا، وكان هو وكيل غيبة المقتول، فحشد إليه أخلاط الناس وغوغاءهم وتغلّب على حلب. ولما
стр. 1208
اتصل الخبر بالدولة أرادت أن تتدارك الخرق وتجبر الكسر، فأرسلت بمنشور إيالة حلب إلى علي باشا فازداد عتوا، وجمع جمعا عظيما من السّكبان حتى صار عنده ما يزيد على عشرة آلاف فارس، ومنع المال المرتّب عليه ونهب في تلك الأطراف، ودبّر على قتل والي حلب حسين باشا، وكان ولاه السلطان عليها لما بلغه خروج علي باشا عن الطاعة. وكان حسين باشا المذكور وصل إلى أذنة فأرسل علي باشا إلى حاكمها الخارجي أيضا المعروف بجمشيد أن يصنع لحسين باشا ضيافة ويقتله فيها، ففعل.
ونما خبره إلى الأقطار واستمر علي في حلب يظهر الشقاق إلى أن أرسل الأمير يوسف ابن سيفا صاحب عكا إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها أن يكون أميرا على عسكر الشام، والتزم بإزالة ابن الجانبولاط عن حلب. فجاءه الأمر على ما التزم. فجمع عساكره والتقى مع ابن الجانبولاط في قرب حماة فانكسر ابن سيفا، واستولى ابن الجانبولاط على أثقاله وفرّ ابن سيفا إلى دمشق. وسار ابن الجانبولاط إلى طرابلس واستولى عليها وضبط ما وجده فيها من الأموال. وفي يوم السبت من أواسط جمادى الآخرة سنة ١٠١٥ التقى ابن الجانبولاط بعسكره مع عساكر دمشق في وادي دمشق الغربي، فما مرّ مقدار جلسة خطيب إلا وانكسر عسكر دمشق وتقدم ابن الجانبولاط لنهب دمشق. ثم صالحوه على مائة وعشرين ألف قرش ورحل عنهم عائدا إلى حلب. وفي طريقه صالح ابن سيفا وصاهره ثم سار إلى حلب وجاءته الرسل من جانب السلطنة تقبّح عليه ما فعله بالشام، فكان تارة ينكر فعله وتارة يحيل الأمر على عسكر الشام. وشرع بسد الطرقات وبقتل من يعرف أنه سائر إلى طرف السلطنة، وأخاف الخلق ونفذ حكمه من آذنة إلى نواحي غزة.
وانقطعت أحكام السلطنة من البلاد المذكورة سنتين ووقعت الوحشة وانقطعت الطرقات، إلى أن أمر السلطان وزيره الأعظم قويجي مراد باشا السردار بالمسير إلى ابن الجانبولاط وغيره من العصاة في نواحي آذنة وسيواس وغيرهما. فخرج الوزير من «إسكدار» ومعه من العساكر الرومية ما يزيد على ثلاثمائة ألف، ما بين فارس وراجل.
فمر في طريقه على الخوارج المذكورين وأبادهم. ثم قصد جهة حلب ولما بلغ خبره مسامع ابن الجانبولاط وضع أثقاله بقلعة حلب وحصّن أسوار البلد وتأهب لملاقاة العساكر، وأرسل فرقة من أجناده لتحصين جبل بقراص ليمنعوا العساكر من المرور. غير أن مراد باشا لم يأت من هذا الطريق الضيق إنما أتى من جبل قاز فلم يشعر ابن الجانبولاط إلا وعساكر
стр. 1209
الوزير قد دهمته، وكان الحرب نهار الثلاثاء ثالث رجب سنة ١٠١٦ بأرض مرج دابق من أعمال قنّسرين، وكان مع ابن الجانبولاط من العسكر زهاء أربعين ألفا، وقد انضم إلى الوزير ذو الفقار رستم باشا حاكم مرعش ومعه عساكر ذي القدرية «١» . فلما اشتبك الحرب بين الفريقين كادت تكون الغلبة لابن الجانبولاط ثم عادت الكرة عليه وقتل من عسكره نحو سبعة وعشرين ألفا وولى منهزما لا يلوي على أحد حتى وصل إلى مسقط رأسه كلّز. فلم يقرّ له قرار فيها وجاء إلى حلب وصادر عدّة من أغنيائها وصعد القلعة ومعه بعض رؤساء عسكره فاستقام ليلة ونزل منها معوّلا على الفرار. فخرج من باب بانقوسا فصاحت عليه النساء من الأسطحة بالويل والثبور وعظائم الأمور وصرن يقذفن عليه القذر والنجاسات. وبعد أن خرج من حلب اختفى ببعض بساتينها.
أما مراد باشا فإنه في ثاني يوم من الوقعة توجه إلى حلب واجتاز بطريقه إلى كلّز للتفتيش على ابن الجانبلاط فلم يره، فضبط جميع أمواله لبيت المال، وتوجه منها إلى حلب فوصل إليها في التاسع عشر رجب وضرب خيامه في الميدان الأخضر، واستقبله أعيان البلدة ووجهاؤها وهنّؤوه بالظفر والنصر. ثم التفت الوزير إلى استخلاص القلعة من أيدي بعض أعوان الجانبولاط فرام محاصرتها، فتحقق من فيها بأن كل محصور مأخوذ فطلبوا من الوزير الأمان فأنزلهم بأمانه، وكانوا نحو ألف رجل وكان منهم نساء ابن الجانبولاط. فلما نزلوا بادروا إلى تقبيل ذيل الوزير فأشار إلى النساء أن يسكنّ في مكان معلوم، وفرق الرجال على أرباب المناصب، وطلع إلى القلعة ورأى فيها ما لا يدخل تحت الحصر من أموال ابن الجانبولاط فضبطه كله إلى بيت المال. ثم شرع يتجسس في حلب على الأشقياء وأتباعهم فقتل منهم جماعة، وقرر الراحة في حلب وولّى عليها حسين باشا وولّى قضاءها جشمي أفندي قاضي العسكر. ونظم أمور العسكر وأكمل الشتاء في حلب ثم أقلع عنها.
وأما ابن الحانبولاط فإنه هرب إلى ملطية ثم سار منها إلى الطويل الخارج على الدولة في بلاد الأناطولي، وأراد أن يتحد معه فقال له الطويل: أنا وإن كنت مسمّى بالعاصي لكني ما وصلت في العصيان إلى رتبتك. فرحل عنه بعد ثلاثة أيام وسار إلى العبد السعيد ومعه ابن قلندر، فتلقوه وعظموه وأرادوا أن يجعلوه رئيسا عليهم فشرط عليهم شروطا
стр. 1210
لم يقبلوها فخرج من عندهم وتوجه إلى «برصة» ودخلها ليلا واتصل بحاكمها وعرّفه بنفسه، فتحير منه وقال له: ما سبب وقوعك؟ فقال: ضجرت من العصيان، فأوصلني إلى السلطان. فوصله وسأله السلطان بقوله: ما سبب عصيانك؟ فقال ما أنا بعاص إنما اجتمعت عليّ فرق الأشقياء وما خلصت منهم إلا أن ألقيتهم في فم جنودك وفررت إليك فرار المذنبين، فإن عفوت فإنت أهل لذلك، وإن أخذت فحكمك الأقوى. فعفا عنه وأعطاه حكومة طمشوار داخل بلاد الروم، فبقي بها سنة ثم عاد إلى ديدنه الأول وتجاهر بالعصيان فبرز الأمر بقتله وأرسل رأسه إلى باب السلطنة، وكان ذلك في حدود ١٠٢٠.
قال مصطفى نعيما الحلبي في تاريخ الروضتين: إن عشيرة الجانبولاط من عشائر الأكراد في سنجق كلّز في قرب حلب، وإن حسين باشا المقتول- عمّ علي باشا المذكور- هو أكبر رجالهم، وكانت له أعمال تستحق الذكر لأن الدولة العثمانية كانت تأمره بالسفر شرقا وغربا فيسرع الإجابة هو وعشيرته ويبلي في عدوها بلاء حسنا.
قلت: ذكر في «درّ الحبب» في ترجمة أحد أجداد المذكور- على ما أظن- أن أصل هذه العشيرة من جبال القصير وأنهم كانوا في مبدأ أمرهم منحرفين عن السنّة. ذكر في السالنامة أن الوالي في حلب سنة ١٠١٧ حسن باشا، والظاهر أنه تحريف حسين باشا الذي عينه مراد باشا السردار كما تقدم. وذكر في السالنامة أن الوالي على حلب في السنة المذكورة ملك محمد باشا.
قتل ملحد:
وفي سنة ١٠١٨ قتل في حلب أبو بكر الأرمنازي، شهد عليه جماعة بالكفر فضربت عنقه تحت القلعة، وجاء الناس بالنفط والقطران وحرقوه حتى صار رمادا. وفيها ولي حلب سنان كجك باشا. وفي سنة ١٠١٩ توفي سنان باشا المذكور بحلب. وفي أوائل سنة ١٠٢٠ ولي حلب قره دده باشا. وفي سنة ١٠٢٤ في شعبان وصل إلى حلب داماد محمد باشا الوزير الأعظم السردار متوجها إلى «وان» فبقي في الميدان هو وعسكره إلى انقضاء الشتاء. وفي ابتداء الربيع رحل عنها وكان ذلك في ربيع الآخر سنة ١٠٢٥ وفيها ولي حلب كمكجي أحمد باشا. ثم في سنة ١٠٢٦ وليها محمود باشا. ثم في سنة ١٠٢٧ وليها قره اقش محمد باشا. ثم في سنة ١٠٢٨ وليها حسن باشا. وفي سنة ١٠٢٩ قدم
стр. 1211
حلب منفيا داماد محمد باشا المتقدم ذكره، فتوفي بها ودفن في تكية الشيخ أبي بكر. وفي سنة ١٠٣٠ ولي حلب يوسف باشا. وفي سنة ١٠٣٣ وليها كوسا مراد باشا.
شغب الإنكشارية:
وفي سنة ١٠٣٥ طغت الإنكشارية في حلب وقد حضر إليها حافظ باشا، وكان في ديار بكر، فتواطئوا على قتل رئيس كتابهم مالقوج أفندي، فعوّل على الفرار وسعى في تهريبه من بين أيديهم أحمد آغا المعروف بقره مذاق من الرجال الأقدمين في الوجاق الواقفين أنفسهم في خدمة السلطان عثمان. فوثب الإنكشارية وحزّوا رأسه بالموسى وطرحوا جسده في مزبلة الخندق. وفيها أعني سنة ١٠٣٥ ولي حلب مصطفى باشا. ووليها في سنة ١٠٣٧ سليمان باشا. وفي سنة ١٠٣٩ محمد باشا مرة ثانية. وفي سنة ١٠٤٠ مرتضى نوغاي باشا. وفيها وصل إلى حلب السردار الأعظم محمد باشا فتلقاه واليها مرتضى نوغاي باشا إلى قرب قلعة بقراص، وعمل له ضيافة حافلة عند جسر مراد باشا. وبعد سبعة أيام من دخوله إلى حلب رتب في دار الحكومة ديوانا حضره أعيان البلدة وأركان استانبول وألقى خطابا بيّن فيه حسن قيام مرتضى نوغاي باشا بخدمة الدولة والملّة إلا أنه اتهمه بقصور كان منه في تأخير بعض جماعة أمر السلطان بقتلهم. ثم في الليلة الثالثة من مجيئه إلى حلب قتل رجلا أمر السلطان بقتله وأرسل رأسه إلى استانبول، ثم عزل نوغاي باشا عن حلب ووجه رتبة الوزارة إلى أحمد باشا أحد الأغوات السلحدارية، وجعله واليا في حلب.
وفي اليوم التاسع عشر من السنة المذكورة وصل إلى حلب أحمد باشا المذكور وتسلم زمام الأمور.
شغب الإنكشارية:
وفي عشرين شعبان اجتمعت الإنكشارية بوسيلة طلب أرزاقهم ورفضوا عدة مستخدمين، منهم آغاتهم محمد آغا الكوسه وكاتبهم وكتخداهم. ثم تجمهروا وهجموا على المأمورين المذكورين وقتلوا آغاتهم المذكور. ثم كفّ شرهم وقتل بعض زعمائهم ورد كيدهم في نحورهم.
стр. 1212
إبطال التدخين بالتبغ:
وفي سنة ١٠٤٥ وردت الأوامر السلطانية المشددة بإبطال التدخين بنوعي التتن والتنباك ونودي على من يشربهما بجزاء القتل.
استطراد في الكلام على هذه الحشيشة:
قيل إن وصول هذه الحشيشة الخبيثة إلى البلاد الشامية كان في حدود سنة ١٠٠٠ ويستدل القائل على ذلك ببيتين هما:
قال خلّي عن الدّخان أفدني ... هل له في كتابكم إيماء
قلت: ما فرط الكتاب بشيء ... ثم أرخت يوم تأتي السماء
جملة «يوم تأتي السماء» تبلغ بالجمّل (١٠٠٠) أو (٩٩٩) إذا لم تحسب الهمزة.
أما منشأ هذا النبات فهو جزيرة اسمها (تبغو) في أميركا أحضر بزره منها إلى بلاد البورتكيز بعض نوتية الإسبان، ثم نقل منها إلى فرنسا بواسطة رجل اسمه (ثيفت) فزرع في فرنسة إلا أن الناس لم يلتفتوا إليه لأن النساء تكره ريحته. وبعد عشرة أعوام قدم إلى فرنسة إلا أن الناس لم يلتفتوا إليه لأن النساء تكره ريحته. وبعد عشرة أعوام قدم إلى فرنسة سفير البورتكيز- واسمه يوحنا ثيكوت- وأهدى الملكة كاترينا شيئا من بزر هذا النبات، وزعم أن التدخين به له فوائد عجيبة. فأقبل الناس في فرنسة على استعماله وذلك في سنة ١٥٦٠ من الموافقة سنة ٩٦٨ هـ وسماه الناس حشيشة الملكة، أو حشيشة السفير، أو حشيشة الرئيس الأعظم، أو حشيشة الصليب، أو الحشيشة المقدسة. فلم ترق هذه الأسماء للرجل (ثيفت) واحتج على دار الفنون بتسميته باسم السفير دون اسمه مع كونه هو أول من أحضره إلى فرنسة. وحينئذ ألغى الفرنسويون اسمه ثيكوت وسموه تبغا باسم الجزيرة التي هي منشؤه. ثم حرف هذا الاسم إلى تباكو عند التليان وتبا عند الفرنسيس، وتوبوكو عند الإنكليز، والتبغ عند العرب، وتنباكو عند الفرس، وتوتون عند الأتراك، وتتن أو دخان عند عامة العرب. اه.
وفي سنة ١٠٤٥ عزل عن حلب أحمد باشا ووليها يوسف باشا ابن أمير كونه، فأساء السيرة في أهل حلب واستنفر قلوبهم يصبروا له واضطربوا منه لأنه صادر كثيرين منهم، فسمعت الدولة بذلك وعزلته وأعادت أحمد باشا المتقدم ذكره. وكانت ولاية يوسف
стр. 1213
باشا لحلب شهرين. وفي سنة ١٠٤٧ كان والي حلب بويني أكري محمد باشا صاحب الوقف المشهور به في حلب. وفي سنة ١٠٤٨ في حادي عشر ربيعها الأول وصل إلى حلب السلطان مراد خان وبقي فيها ستة عشر يوما ثم رحل عنها إلى استانبول. وكان قدومه إلى حلب من بغداد. وفيها قتل في حلب عشرون شخصا أحس بهم الحاكم أنهم يشربون الدخان سرا.
وفي سنة ١٠٥٠ ولي حلب حسين باشا نصوح باشا زاده. وفي سنة ١٠٥٣ عزل عن حلب حسين باشا المذكور، وسبب عزله أنه صار ذا ثروة عظيمة فحسده بعض أقرانه وأشاع لدى الحضرة السلطانية بأنه عازم على العصيان فعزله عن حلب وجرى له بعد عزله مصافّ في قرب «أسكدار» مع العساكر السلطانية. انكسر عسكره وقتل. وولي حلب بعده سبارش باشا. فبقي في حلب أياما وأساء السيرة جدا حتى جهز الحلبيون وفدا إلى استانبول للشكاية عليه، فعزل عن حلب في رمضان هذه السنة، ووليها جعته لرلي عثمان باشا. وفي سنة (١٠٥٤ هـ) قدم السلطان إبراهيم خان إلى أدرنة وولي حلب إبراهيم باشا سلحدار الخاصة.
فساد العرب والإيقاع بهم:
وفيها كثر فساد العرب في نواحي حلب وانقطعت السابلة، وكان أمير هؤلاء العرب المتمردة الأمير عساف، وكان له من قبل الدولة راتب معلوم. ولما زاد طغيانهم أراد إبراهيم باشا والي حلب أن يعمل الحيلة في القبض على عسّاف المذكور، وكان يريد أن يعزله عن إمرة العرب إلا أنه رأى ذلك لا يجديه نفعا فإن عسافا لا يعترف بالعزل في ذلك الحين.
ثم إن إبراهيم باشا خطر له أن يرسل إلى عساف رسولا يدعوه إلى ضيافة يصنعها له في حلب، فقال له الرسول: إن عرب البادية لا تأوي المدن بل ولا ما قاربها. فأمر إبراهيم باشا أن تصنع وليمة حافلة في قرب حلب على بعد خمس ساعات منها تقريبا. ثم سار الباشا إلى محل الضيافة بالمهمات والعساكر ومعه الهدايا، وأشاع أن هذه الوليمة مصنوعة إلى سلطان البر يعني به عسافا.
وكان الرسول قد سبق إلى الأمير عسّاف ودعاه إلى هذه الضيافة فأجابه إليها بعد أن استوثق منه على عدم الغدر، وعاد الرسول إلى ابراهيم باشا وأخبره وحذّره من الغدر بالأمير
стр. 1214
عساف في خصوص هذه الضيافة. وكان الأمير عساف قد تجهز للقدوم على هذه الضيافة ومعه جمّ غفير من العربان خوفا من أن يغدر به الباشا. ولما وصل إلى محل الضيافة غدر به الباشا وأراد أن يقتله، فاستدرك الفرط «١» وانفلت من قبضته وعاد إلى أشد ما كان عليه من الإفساد وقطع الطريق. ولما سمعت الدولة بغدر إبراهيم باشا وعدم وفائه وسوء تدبيره عزلته عن حلب وولّت مكانه درويش باشا المعزول عن ولاية بغداد. فقدم حلب وتلافى خطر العربان الذي كان من أهم الأمور في ذلك الزمان، وأرسل من قبله رسولا يدعو عسافا بالرفق واللين إلى طاعة السلطان، وجهز معه هدايا ثمينة لعساف. وكان الرسول في ذلك علي آغا كجك، جدّ مصطفى نعيما الحلبي صاحب تاريخ الروضتين (وجدّ الأسرة الشهيرة في حلب باسم راغب زاده القاطنة في محلة السفاحية) .
فوصل الرسول المذكور إلى عساف وبسط له الكلام وتلطف به ووبخه على عصيانه وعظّم من أمره وأمر هذه العشيرة المعروفة بعشيرة أبي ريش، وقال له: لا ينبغي ولا يليق بأدنى فرد من أفراد هذه العشيرة أن يشهر على السلطان العصيان. فأجابه عساف بقوله:
يا علي والله ما لي ذنب في هذا العمل وإنما الذنب فيه لإبراهيم باشا. ثم إن عسافا استدعى بثلاثة دروع كان لبسها في يوم الضيافة وصار يري علي آغا الثقوب التي حصلت من إطلاق الرصاص، وكانت إحدى الرصاصات قد ثقبت الدرع ووصلت إلى بدنه، فحلف له الأمير عساف أن جرح هذه الرصاصة بقي يبصق منه الدم شهرين. فسلّاه علي آغا وذكر له أن الدولة لم تعزل إبراهيم باشا إلا لما أجراه معك من الغدر. فرضي حينئذ عساف وتعهد لعلي آغا بالأمن والأمان، وأهداه مقدار عشرة خيول وجهز معه إلى الدولة عدة خيول وأعطاه حوالة على حلب بألفي ذهب للدولة.
وفي سنة ١٠٥٦ ولي حلب ملك أحمد باشا كما يفهم من حديقة الوزراء. وفي شعبان سنة ١٠٥٧ ولي حلب أحمد باشا الدباغ كتخدا موسى باشا. وفي أواخر هذه السنة ولي حلب أبشير باشا، نقل إليها من دمشق فبقي بها أشهرا، ثم صرف عنها في أوائل سنة ١٠٥٨ وولي مكانه موستاري مصطفى باشا. وفي ذي الحجة سنة ١٠٦٠ ولي حلب أبشير باشا وهذه هي الولاية الثانية، ولم يتيسر له أن يتناول منشور الولاية إلا في أوائل سنة ١٠٦١
стр. 1215
وعند ما أخذه كان في استانبول فتوجه إلى حلب ودخلها في ربيع الأول من السنة المذكورة.
قال نعيما في وقائع سنة ١٠٦٢ ما معناه: إن أبشير باشا كان في مبدأ أمره على جانب عظيم من الصلاح حتى كان يظن فيهه أنه ولي من أولياء الله تعالى، ومع هذا فقد كانت أتباعه غاية في الظلم والجور ولاقى الناس في زمانه من الجور والعسف ما لم تلقه في زمن غيره.
ثم إن أبشير باشا سرى مسرى أتباعه وشغب في جمع المال وصادر الناس، وساءت سيرته واشتهر ظلمه وانعكست أفكاره وصار يظهر منه حمق عجيب، وفشا الظلم في أيام ولايته الصدارة العظمى، وجارت الولاة ولاقت حلب من طيار باشا ظلما عريضا.
وفي سنة ١٠٦٥ قتل أبشير باشا بعد أن ولي الصدارة، وكان على جانب عظيم من الغنى والثروة بحيث لم يكن له مثيل في عصره. ومع هذا فلم يبق له أثرا غير الوقف الذي أسلفنا ذكره في الكلام على محلة الشمالي من الجزء الثاني. ولم يزل أبشير باشا واليا بحلب حتى اجتمعت رجال الدولة على أن يكون صدرا أعظم وذلك في أواخر سنة ١٠٦٤ ووافق السلطان على ذلك وأرسل إليه الختم مع أمنائه، فوصلوا إلى حلب في غرة محرم سنة ١٠٦٥ وفي أواخر محرّم توجه إلى دار السعادة وتقلد منصب الصدارة، وعندما رحل من حلب ولي عليها مكانه مصطفى باشا طيار زاده بدراهم أخذها منه لنفسه ولغيره.
حصار السيد أحمد باشا حلب:
وفي سنة ١٠٦٦ ولي الصدر الجديد حلب السيد أحمد باشا، وكان من المشهورين بالجور والظلم. فسمع به الحلبيون ولم يقبلوه وزادهم فيه بغضا مصطفى باشا والي حلب الذي لم يبرح منها، فإنه لما سمع بقدوم السيد أحمد باشا إلى حلب جمع إليه أعيان البلدة ورؤساءها وكبارها وصغارها وحذرهم من السيد أحمد باشا وخوّفهم من ظلمه وجوره ومصادرته الناس، وذكر لهم غير ذلك مما انطوى عليه من الأمور المنفّرة للقلوب. فنفروا من السيد أحمد باشا ووعدوه بالمساعدة والمعاضدة عليه. أما أحمد باشا فإنه أرسل متسلّما من طرفه إلى حلب فطرده الحلبيون عنها وشحنوا القلعة بالمهمات والعدّة والعدد واستعدوا لمدافعته أو تذهب أرواحهم. وكان أحمد باشا قد وصل إلى حلب فأخبره متسلّمه عن جميع ما فعله الحلبيون فغضب غضبا شديدا وحاصر حلب وقطع القناة وضايقها مضايقة شديدة وخرب أكثر مباني البلدة الخارجة عن السور وأحرق شيئا كثيرا من البساتين وكان
стр. 1216
يقاتل حلب قتال مكتف مؤنة الأكل والشرب وغيرهما، والحلبيون يقاتلونه قتال مضطر إلى شربة ماء فضلا عن الطعام.
وامتدت المحاصرة شهرين كاملين فاضطرب الحلبيون اضطرابا عظيما وقد أصبحت الأمور قوضى في حلب، وقام الدعّار ينهبون الدكاكين ويتعرضون لبعض البيوت، وكان رؤساء البلدة قد كتبوا إلى الدولة يلتمسون منها غير هذا الوالي ويشتكون من فعله معهم، فكتبت الدولة إليه تردعه عن هذا الفعل القبيح فلم يرتدع وزاد في طغيانه، فكتب الحلبيون إلى الدولة ثانيا يتضجرون منه ويرجون غيره. فكنت إليه الدولة بالانصراف عن حلب وولّته سيواس وولت حلب مرتضى باشا المنفصل عن بغداد. وفي نصف ربيع الآخر من سنة ١٠٦٧ نقل مرتضى باشا إلى دمشق فامتنع أهلها من تسليمها إليه، فولّي ديار بكر وولّي حلب مكانه جلالي أبازه حسن باشا، وهو من أولاد السباهية، وكان ظالما غاشما وكان حاكم التركمان قبل أن يولى حلب.
وفي سنة ١٠٦٨ خرج على الدولة أبازه حسن باشا ووافقه عدة ولاة. ثم اجتمعوا في صحراء قونيه وحشدوا إليهم عسكرا ضخما من مشاة وفرسان وعاثوا وأفسدوا وصادروا الغني والفقير، فتداركت الدولة ردعهم وولّت حلب أدرنه لى سوخته محمود باشا في السنة المذكورة، وطرد الحلبيون متسلم أبازه ومن معه من العساكر إلى خارج المدينة وتلقوا محمود باشا بالترحاب. ثم سيرت الدولة لردع أبازه وحزبه مرتضى باشا السردار وكان أبازه ومن معه في بلاد قونيه فقصدهم مرتضى باشا بعسكره ولما سمعوا بقدومه رجعوا نحو حلب وخيموا في عينتاب فوصل السردار إلى حلب وتوسط الصلح بين أبازه وجماعته وبين مرتضى، مفتي عينتاب، فحضر أبازه بمن معه إلى حلب لإتمام الصلح وعقد شروطه، فتمكن منهم السردار وقتلهم عن آخرهم داخل حمام في السراي وقطع رؤوسهم وحشاها تبنا وأرسلها إلى استانبول ورمى جثثهم أمام قسطل السلطان خارج باب الفرج. وممن قتل في هذه الوقعة أبازه حسن باشا وأحمد باشا ابن الطيار وأخوه مصطفى باشا، وصاري كنعان باشا وكتخدا مصطفى باشا وعبد الوهاب قاضي معسكر أبازه، وغيرهم ما ينوف عن ثلاثين رجلا. وكان قتلهم في سنة ١٠٦٩ وكان معه السردار مرتضى باشا قوناقجي علي باشا، صحبه معه من الأناضول، وبعد قتل المذكورين ولاه حلب وعزل عنها سوخته محمود باشا المتقدم ذكره.
стр. 1217
وفي سنة ١٠٧٠ ولي حلب خصكى محمد باشا وذلك بعد أن حصّلت الدولة منه سبعمائة كيس من الدراهم كانت في ذمته من مال بغداد ومصر، وكان ولي عليهما. وفي هذه السنة طغى نهر قويق وهطلت السماء بالمطر الغزير حتى طافت أكثر المحلات المجاورة للنهر وغرقت البساتين وتهدمت عدة بيوت داخل البلد وخارجها. وفي سنة ١٠٧١ عزل عن حلب خاصكى محمد باشا وأشخص إلى استانبول. وسبب عزله أنه غش سكة النقود التي كان يضربها بحلب وسعى في رواجها بين الناس، فتداولتها الأيدي وفشا الفساد وتعطلت التجارة واختل نظامها. فعرض الصدر الأعظم ذلك على مسامع السلطان فأمر بعزل الوالي المذكور وإحضاره إلى استانبول فعزل وأحضر. وفي عشرين شوال منها ضربت عنقه وعنق كتخدا كاتب ديوانه وصرّافه أمام قصر الموكب في استانبول. وفيها حصل غلاء كبير في حلب بيع فيه رطل الخبز بست بارات.
ذكر في سالنامة الولاية أن والي حلب في هذه السنة: أبو النور محمد باشا. ورأيت في بعض المجامع أن واليها في هذه السنة ميراخور يوسف باشا، وفي سنة ١٠٧٥ صاري حسين باشا، وكان في هذه السنة مع المحاصرين قلعة قندية على ما حكاه راشد في تاريخه.
وفي سنة ١٠٨٠ كان بحلب طاعون كبير، أحصى بعضهم الجنائز التي خرجت من باب المقام في أحد أيامه فقط فكانت ألف جنازة إلا واحدة، فعلق بعض الناس على باب المقام كلبا ليكون تمام الألف. وفيها ولي حلب إبراهيم باشا وكان يعرف بإبراهيم آغا وعين سلفه حسين باشا سر عسكر، وكان إبراهيم باشا مع المحاصرين قلعة قندية فأرسل إلى حلب متسلما كسلفه. ثم في أواخر هذه السنة ولي حلب حسين باشا سلحدار السلطان وولي سلفه مصر.
وفي أوائل ذي الحجة سنة ١٠٨٢ ولي حلب قبلان مصطفى باشا وكان مع العساكر في محاربة القرم فعين متسلما من طرفه كأسلافه. وفي سنة ١٠٨٣ عين سردارا أكرم علاوة على ولاية حلب. وفي سنة ١٠٨٥ ولي حلب إبراهيم باشا نقل إليها من دمشق، وولى سلفه قبلان مصطفى باشا ديار بكر ولا أعرف متى عزل إبراهيم باشا المذكور عن حلب غير أن واليها في ابتداء سنة ١٠٨٩ كان حسين باشا وكان ظالما غاشما. وفيها حررت بيوت الأشراف واليكجرية ولم أحقق عددهما. وفي أواخر هذه السنة ولي حلب قره محمد باشا وكان يعرف بقره محمد بك.
стр. 1218
فساد العربان والتنكيل بهم:
وفي سنة ١٠٩٣ كثر فساد العرب في برية دمشق وحلب، وعظم ضررهم وأفحشوا بالسلب والإغارة على القوافل حتى ضجت منهم الولايات، وصدرت أوامر الدولة إلى وإلى حلب ودمشق وبغداد وطرابلس أن يبذلوا جهدهم بالقبض على أميرهم ملحم. فعندها عزم قره محمد باشا والي حلب على أن يأخذ ملحما بالحيلة، فوسّط حاكم المعرة أخا شريف مكة بينه وبين ملحم، فاجتهد المذكور في إحضار ملحم إلى حلب وحلف له على أنه يطلب له العفو من السلطان ويجعله أميرا على العربان. وكان حاكم المعرة داهية وكان متهما بأنه يقاسم الأمير ملحما بالغنائم ويسعى له في بيع ما يلزمه منها، فأراد أن ينفي الظنة عن نفسه بمكيدة ملحم وسعى في إحضاره واجتهد غاية الجهد، إلى أن رضي معه ملحم للحضور بعد أن استوثق منه بالأيمان المغلظة. فحضر معه إلى قرية جبرين، وكان قد أرسل إلى الوالي يخبره بذلك، فأنفذ له الوالي خلعة وخيلا ليغريه بالدخول إلى حلب على أنه يحلف له فيها على ما تقدم.
فركب ملحم إلى حلب، ولحقه من عشيرته خمسون فارسا ينهونه عن الدخول إلى حلب وألحوا عليه بالرجوع، فقبل منهم ورجع إلى مخيمه، وقال لأخي الشريف المتقدم ذكره: لا سبيل إلى دخولي المدينة فإني آليت على نفسي ألّا أدخل بين الجدران وتحت السقوف لأنها تضيق صدري، فاذهب وقل للوالي إن كان يريد محالفتي فليأت إلى هنا.
ولما لم ينجح سعي أخي الشريف في إقناع ملحم رجع إلى الوالي وأخبره بما جرى، وحين رجوعه أصحبه ملحم باثنين من بني عمه وبمستشاره- وهو أعرابي طاعن في السن- فلما تمثلوا بين يدي الوالي قابلهم بالبشاشة وخلع عليهم وأحسن مثواهم، ثم أرسلهم إلى بيت أخي الشريف وركب في الليل سرا ومعه خمسمائة عسكري بالعدّة الكاملة وقصد مخيّم ملحم في جبرين وكان ملحم قد رحل من مخيمه وأبقى فيه خمسين من قومه، فحاربهم الوالي وبعد أن دافعوا عن أنفسهم دفاع الأبطال قتل بعضهم وأسر منهم ثمانية عشر وفر الباقون.
ثم استدل الوالي من الفلاحين على الأمير ملحم وتبع أثره إلى أن دهمه بغتة عند الصبح في واد بين جبلين بحيث لم يره الأمير إلا عند ما وصل إليه، وكان مع الأمير عدد يسير
стр. 1219
من جماعته، فأركن إلى الفرار وأراد أن يجتاز من نهر هناك فتوحلت به فرسه فتوكأ على رمحه لانتشالها من الوحل فانكسر الرمح. وكان الوالي قد أدركه والبندقية في يده وأحاطت به العسكر وقبضوا عليه وساقوه أسيرا إلى حلب، فكبلوه بالحديد ومن أسروا معه من قومه. ثم قتلوا الجميع صبرا سوى الأمير. وكانوا عندما يقتلون أحدهم يخرقون أكتافه ويغرسون فيها فتائل مشعلة مصنوعة من المرخ «١» والشمع ويطوفون به البلد ثم يقطعون رأسه ويرمون جثته في مستنقع الخندق. واتفق أن واحدا من هؤلاء الأسراء كان شاعرا عند الأمير ملحم لم يغمس يده في دم ولم يشنّ غارة قط، فبينما كانوا يطوفون به على تلك الحالة إذ لمح ضابطا سبقت له يد عنده فذكّره بها وقال له: إنني لم أكن لصا ولا قاطع طريق، إنما كنت شاعرا عند الأمير، فتضرع له الضابط عند الوالي وخلّصه من العقاب والقتل. ثم إن الوالي أرسل ملحما إلى أدرنة حيث كان السلطان إذا ذاك، فبعد أن نظر السلطان إلى ملحم مليا أمر بقتله وقد صعب ذلك على رجال الدولة لأنهم كانوا يرجون خلاصه والعفو عنه ليكون كافلا قمع غارات العرب حسب شجاعته المفرطة.
وفي هذه السنة أعني سنة ١٠٩٣ كملت عمارة خان الوزير. وفيها نقل قره محمد باشا إلى ديار بكر ومحمود باشا والي ديار بكر إلى حلب. ثم في هذه السنة نفسها ورد الأمر إلى محمود باشا بالحضور إلى استانبول ليكون قائم مقام الصدارة في استانبول، وولي حلب قره بكر باشا. وفي سنة ١٠٩٤ كان قره بكر باشا مع المجاهدين في بلاد بلغراد وله متسلم في حلب. وفي سنة ١٠٩٦ ولي حلب مع السردارية مصطفى باشا قره حسين باشا وكان في حرب بلغراد فجعل متسلما في حلب. وفي سنة ١٠٩٦ ولي حلب مع الوزارة إبراهيم باشا محافظ إيالة بدون، وكان مع المجاهدين في بلغراد فجعل متسلما في حلب.
غلاء، وقتل ابن حجازي:
وفي هذه السنة حصل غلاء بحلب وارتفع سعر اردبّ الحنطة إلى خمسة وعشرين قرشا.
فنادى المتسلم أن يباع الإردبّ «٢» بخمسة قروش. وكان عبد الله بن محمد حجازي- نقيب الأشراف- قد ارتشى من المحتكرين بألف قرش على أن يباع الإردبّ بخمسة
стр. 1220
وعشرين قرشا. فلما نادى المتسلّم بما ذكر أسرّها له في نفسه. وبعد أيام قلائل دعا المتسلم إلى منزله وسقاه شرابا مسموما مات منه المتسلم بعد ثمانية أيام. فخرج ابن حجازي في جنازته إلى مقبرة الصالحين، وكان الناس قد سئموا من ابن حجازي لظلمه وجوره، فبينما هو منصرف من الجنازة إذ صاحت امرأة: هذا قاتل المتسلم. فتبعها رجل من العوام واتصل الصوت بالرجال والصبيان والنساء، وضربه رجل بحجر أصاب رأسه وعثرت به فرسه فانكب على وجهه، فهجم الناس عليه وقتلوه رجما بالحجارة في قرب المكان المعروف بقبّة الصوت شمالي مقبرة الصالحين، وذهب دمه هدرا وذلك في يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة.
وفي سنة ١٠٩٧ ولي حلب عبدي باشا. وفيها حصل في حلب طاعون خفيف لم تطل مدته. وفيها شبّت النار بسوق بانقوسا، وامتد الحريق من باب بانقوسا إلى المكان المعروف بالورشة حتى أصبحت هذه المسافة من الجانبين رمادا. وفي سنة ١٠٩٨ ولي حلب الوزير سباوش باشا وكان في محاربة القرم وله متسلم في حلب. وفيها صار الوزير سباوش باشا صدرا أعظم، وولي حلب عثمان باشا. وفي سنة ١١٠٠ احترق روشن القلعة «١» وكانت ساعة مفزعة جدا. ولا أعرف متى عزل عثمان باشا غير أن والي حلب سنة ١١٠١ كان خليل باشا وكان مع العسكر في حصار قلعة شهر كوي وله متسلم في حلب. وفي سنة ١١٠٢ حصل بحلب طاعون عظيم بلغت فيه الوفيات اليومية نحو سبعمائة نسمة. وفي سنة ١١٠٤ ولي حلب جعفر باشا محافظ بغداد وله بحلب متسلم. ثم في هذه السنة وليها مكانه طورسون محمد باشا فعيّن له متسلما في حلب.
وضع حدّ لقرى المقاطعات:
وفي هذه السنة صدرت أوامر الدولة إلى ولاتها- في حلب ودمشق وديار بكر وماردين وأذنة وملطية وعينتاب وغير هذه الولايات من بقية الممالك العثمانية- أن تكون قرى المقاطعات الأميرية كالملك لذويها مدة حياتهم. ويجوز لمن أراد منهم بيع قرية من قراه ممن شاء فتوجه على المشتري بمنشور سلطاني، وإذا مات أحد منهم يقع ما يملكه منحلّا
стр. 1221
فيعرض للمزايدة العلنية وتقدم أولاد الميت على غيرهم إذا تساويا بالقيمة. وقد جعلت الدولة على كل قرية من القرى المذكورة مالا مقطوعا سنويا يأخذه صاحبها من أهل القرية على ثلاثة أقساط وكان هذا العمل من الدولة مساعدة عظيمة للفلاحين واستنفاذا لهم من الظلم والجور لأن أرباب المقاطعات كانوا يدفعون مقاطعاتهم في كل سنة التزاما لمن رغب ذلك منهم فيخرج الملتزم إلى القرية ويتسلط على أموال أهلها فلا يبقي ولا يذر.
وفي سنة ١١٠٧ ولي حلب ثانية جعفر باشا محافظ بلغراد، وعيّن سلفه طورسون محمد باشا إلى سيواس. وفي سنة ١١٠٨ ولي جعفر باشا محافظة طمشوار وولي حلب مكانه عثمان باشا قائم مقام استانبول. ثم في هذه السنة نفسها ولي حلب عثمان باشا والي دمشق وهو غير عثمان باشا القائم مقام.
غلاء عظيم:
وفيها كان الغلاء العظيم بحلب، وقلّت الأقوات، وصار الناس يزدحمون على الأفران لأخذ الخبز ازدحاما عظيما بحيث يؤذون بعضهم. فأمر الوالي بسدّ أبواب الأفران وأن يبقى فيها طاقة صغيرة يتناول الناس منها الخبز على قدر سدّ الرمق، فسمي «غلاء الطاقة» ، وامتد أربعة أشهر. وفي سنة ١١٠٩ عين عثمان باشا والي حلب لمحافظة قلعة الروملّي وولي حلب مكانه حسن باشا السلحدار قائم مقام أدرنة. وفي سنة ١١١٠ في غرة شعبان منها أبطل قاضي حلب محمد بن عبد الغني بدعة قديمة، وهي أن مشايخ قرى جبل سمعان كانوا يجمعون بأمر نائب محكمة جبل سمعان من القرى في كل ثلاثة أشهر مبلغا من الدراهم يشترون به دجاجا يقدمونها إلى مطبخ قاضي حلب. وفي هذه السنة ولي حلب حسن باشا والي قرمان. ثم في سنة ١١١١ وليها علي باشا.
وفي سنة ١١١٢ عين علي باشا لمحافظة البصرة وكان وقع فيها اختلال عظيم فسار إليها لإصلاح الخلل، وولي حلب يوسف باشا قائم مقام وفي جمادى الأولى سنة ١١١٥ ولي حلب جور ليلى علي باشا السلحدار- وكان في أدرنة- فسافر إلى استانبول ليتناول منشور الولاية فولاه السلطان على عمل خاص به، وولى حلب مكانه محمد باشا الجركس متصرف لواء القدس الشريف وفي سنة ١١١٦ ولي حلب الحاج قيران حسن باشا المعزول عن حانية وولي سلفه محمد باشا الجركس الرقة. ثم في هذه السنة ولي حلب أبازه سليمان
стр. 1222
باشا السلحدار وكان يعرف بسليمان آغا. وفي سنة ١١١٧ ولي حلب إبراهيم باشا والي شهر زور وولي سلفه أبازه سليمان باشا أغربيوز. وفي سنة ١١١٩ ولي حلب عبدي باشا والي سيواس وولي سلفه إبراهيم باشا أرضروم. وفي سنة ١١٢٠ ولي حلب تبراد محمد باشا الصدر السابق وولي سلفه عبدي باشا الأناطول. وفيها جدد مرقد نبي الله زكريا في أموي حلب. وفي شعبان سنة ١١٢٢ ولي حلب ثانية إبراهيم باشا السلحدار والي شهر زور.
وفي سنة ١١٢٥ ولي حلب والرقة معا طوبال يوسف باشا، وولّته الدولة عليهما ليتمكن من تنكيل نصوح باشا أمير الحاج لأنه كان عازما على مشاققة الدولة والخروج عليها. وفي أوائل سنة ١١٢٧ ولي حلب ثانية محمد باشا الجركس، ثم فيها طلب إلى استانبول وعين قائم مقام، وولي حلب علي باشا مقتول زاده وكان في استانبول فعين متسلما إلى حلب، وسافر هو للمحاربة في المورة بعد أن عين سردارا، وكان من معه في المحاربة عبد الرحمن آغا الحلبي باش جاويش، فأبلى هذا الرجل في العدو بلاء حسنا. وسمعت الدولة خبره فعينته واليا على حلب وولت سلفه علي باشا على الأناطول. وفي هذه السنة زحف على حلب من الشرق جراد عظيم أتلف الزروع وغلت الأسعار وعز القوت. وفي سنة ١١٢٨ ولي حلب مصطفى باشا وكان في محاربة المجر، فعين متسلما في حلب. ثم وليها في هذه السنة سليمان باشا السلحدار وهو الصدر الأسبق.
وفي سنة ١١٣٠ وليها عثمان باشا فسافر إلى أدرنة ومنها إلى موقع المحاربة في جهات صوفية وترك متسلما في حلب، وهو غير عثمان باشا صاحب المدرسة الرضائية المنسوبة إليه. وفي أوائل سنة ١١٣١ ولي حلب موره لى علي باشا. وفيها وقع في حلب طاعون جارف أهلك خلقا كثيرا واستمر مدة على حذو واحد، واختبأ الوالي وحاشيته. وفي أواخر هذه السنة حوّل الوالي المذكور إلى محافظة قندية، وولي حلب رجب باشا وكان في دمشق أميرا على الحاج، وقد ضجر الدمشقيون من ظلمه وجوره، وهو صاحب السراي في محلة بحسيتا، والبستان الكائن في شرقي الميدان الأخضر المشهور ببستان الباشا، وحوض الماء الذي بجانب البستان من غربيه.
وفي سنة ١١٣٣ زاد طغيان العرب المعروفين بالعباسيين في صحراء حلب وكثر ضررهم
стр. 1223
على السابلة وعسر على الولاة ردعهم فعيّن الباب العالي حسن باشا والي بغداد رئيس عسكر إلى شهر زور والموصل وديار، وعيّن علي باشا مقتول زاده والي الرقة رئيس عسكر إلى حلب وقرمان. ثم أنفذت إلى هؤلاء الولاة الأوامر المؤكدة بشن الغارات ومتابعتها على العربان المذكورين، فتناوشتهم العساكر من كل جانب وأذاقوهم أنواع المعاطب والمصائب فكفّ ضررهم ومنع خطرهم. وفي هذه السنة وقع في حلب طاعون كبير لم تذكر وفياته.
وفيها ولي رجب باشا مصر القاهرة فسافر إليها وبقي بها أشهرا ولم يستقم أمره فأعيد إلى ولاية حلب وولي في غيبته عارف أحمد باشا رئيس الكتاب. وفي سنة ١١٣٥ أصيبت حلب بزلزلة مهولة دمرت أكثر بيوتها وقتلت كثيرين من أهلها.
وفي سنة ١١٣٦ ولي رجب باشا تفليس وولي حلب مكانه كورد إبراهيم باشا نقل إليها من طرابلس الشام. وفي سنة ١١٣٧ ولي حلب علي باشا بن نوح أفندي رئيس الحكماء متصرف أدرنة، وشرطت عليه الدولة في توليتها إياه حلب أن يسافر مع العسكر إلى الجهة الشرقية أي ناحية تبريز في بلاد العجم. وولي سلفه إبراهيم باشا لواء «خوى» على هذا الشرط أيضا. وفي سنة ١١٣٨ رأت الدولة من علي باشا ما سرّها في سفره إلى جهة العجم وفتح تبريز، فأنعمت عليه بالوزارة وولته إيالة الأناطول، وولت على حلب مكانه محمد باشا سلحدار، سلفه في إيالة الأناطول. وفي ثامن جمادى الأولى من هذه السنة ولي حلب ثانية عارفي أحمد باشا، نقل إليها من ولاية سيواس، وشرطت عليه الدولة أن يبذل الجهد في تنظيم حالة الموالي العربان في ضواحي حلب ويتكفل في محافظة ما حول الرقة والقدس الشريف، وعينت سلفه محمد باشا السلحدار سر عسكرا.
وفي سنة ١١٤٠ وفد على حلب من الشرق جراد كثير أتلف الزروع وغلت الأقوات وعزّت البقول والخضر. وفي أواسط محرم سنة ١١٤١ ولي حلب علي باشا صهر الحضرة السلطانية. وفي سنة ١١٤٢ ولي حلب الوزير كوجك مصطفى باشا. وفي ربيع الآخر سنة ١١٤٣ وليها إبراهيم باشا والي أرزن الروم سابقا. وولي سلفه كوجك مصطفى باشا لواء إيج إيل. ولما ولي إبراهيم باشا المذكور ولاية حلب كان في استانبول، فاستثقل من بقائه بها الصدر الأعظم محمد باشا، واستحثّه على السفر إلى محله فعزم على ذلك وخرج من استانبول إلى اسكيدار بنيّة التوجه نحو حلب فاجتمع أكابر الدولة وأهل الديوان على أن يسند إليه منصب الصدارة وأجابهم السلطان على ذلك، وأرسل له ختم الصدارة وعين
стр. 1224
سلفه الصدر السابق محمد باشا واليا لحلب. وكان ذلك في اليوم الثالث عشر من رجب الفرد من السنة المذكورة. وفي هذه السنة تمت عمارة جامع الرضائية المعروف بالعثمانية وصار لذلك يوم مشهود. وفي شعبان سنة ١١٤٥ ولي محمد باشا ولاية ديار بكر. ولم أحقق من جاء بعده. وفيها وقع في حلب طاعون عظيم أقفل دورا كثيرة. وفي سنة ١١٤٦ نزلت صاعقة في بستان القبار وقتلت ثلاثة أشخاص.
غلاء شديد وقتل شيخ المداراتية:
وفي سنة ١١٤٧ كان الغلاء بحلب شديدا وهاج الناس وقاموا لنهب ما يرونه من الخبز في الأفران، وصادفوا خليلا المرادي شيخ المداراتية يقبض ثمن الطحين من الخبازين ومعه صرة دراهم، فطمعوا به ولحقوه لأخذها فأحس بمرادهم وحرّك دابته للهرب منهم، فلحقوه وأدركوه عند جامع قسطل الحرامي. ولما ضايقوه أراد الدخول للجامع ليحتمي به منهم، فمنعه قوّامه خوفا من أن يقتل فيسألوا عن دمه. فهرب إلى البرية فتبعوه وقتلوه رجما بالحجارة ولم يعلم قاتله. ثم في هذه السنة قدم إلى حلب واليا عليها أحمد باشا بولاد فاشتكى إليه أولاد خليل المقتول فأخذ بالفحص عن قاتليه ولم يظفر بهم، وآل أمره إلى أن أخذ جريمة وافرة من المحلة المذكورة. وفي سنة ١١٥٠ ولي حلب عثمان باشا المعروف بوقته بمحصّل حلب صاحب المدرسة الرضائية بحلب.
وصول سفير العجم إلى حلب:
وفي أوائل سنة ١١٣٥ ولي حلب يعقوب باشا وولي عثمان باشا أذنة. وفي شوال هذه السنة وصل إلى حلب سفير طهماس قولي المدعو بنادر شاه من مملكة إيران مجتازا منها إلى استانبول، واحتفلت له الدولة العثمانية إظهارا لأبهة السلطنة، ومعه تسعة أفيال على ظهورهم التخوت، فدخلوا من باب النيرب وشربوا من قسطل علي بك، وهم أمام السفير المذكور، كل هنيّة يقفون لسلامه، ويأمرهم الفيال فيطأطئون خراطيمهم حين السلام.
وكان يوم قدم سفير آخر من طهماس المذكور واجتاز بحلب عاشر شوال سنة ١١٤٥ لجمع الأسارى إلا أنه لم يكن بهذه الأبهة، وخرجت إليه نساء الأعاجم اللاتي أسرتهن الدولة العثمانية قبلا واستولدن في حلب وغيرها من الممالك المحروسة، فمنهن من أبى اتباعه ومنهن من تبعه لارتكاب القبائح علنا.
стр. 1225
النّزالة الإنكليزية في حلب:
وفي هذه السنة أعني سنة ١١٥٣ كانت النّزالة من الإنكليز في حلب. فكان لهم فيها قنصل وعشرة تجار وقسيس وكاتب أسرار وطبيب. وفي سنة ١١٥٥ ولي حلب حسين باشا. وفي هذه السنة كثر ظلم القاضي وتظاهر بالفسوق والرشوة فتألب عليه العامة وهجموا عليه وهو في المحكمة ورجموه ونهبوا المحكمة. وفي سنة ١١٥٦ وقع بحلب طاعون عظيم أهلك خلقا كثيرا، واشتد فساد العربان في البر. وفي ذي القعدة سنة ١١٥٧ ولي حلب الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق السر عسكر. وفي أوائل سنة ١١٥٨ قتل الباشا من اليكجرية «١» مقتلة عظيمة بسبب ظلمهم وفسقهم، وتحصن البهلوان في القلعة وبقي بها إلى أن ولي حلب علي باشا حكيم باشي زاده الصدر الأسبق، وهذه الولاية الثانية نقل إليها من بوسنة. وولى سلفه الحاج أحمد باشا إيالة الأناطول، فكان ذلك في هذه السنة أعني سنة ١١٥٨ ثم فيها أعيد لولاية حلب الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق لما ظهر للدولة من لزوم وجوده فيها لقمع العربان وتحرك العجم في ممالك إيران.
وفي شهر ذي الحجة سنة ١١٥٩ ولي حلب أحمد باشا كوبريلي زاده متصرف قندية، وولي سلفه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق قندية. وقبل أن ينتقل أحدهما لمحله الجديد صدرت إرادة سلطانية بإبقاء كل منهما في محله الأول، فبقي الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق في حلب، وبقي أحمد باشا كوبريلي زاده في قندية. وفي جمادى الآخرة سنة ١١٦٠ ولي حلب حسين باشا والي «وان» وولي سلفه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق ديار بكر.
وفي هذه السنة أمرت الدولة أن يجلب من أذنة إلى قلعة حلب ستون مدفعا. وفيها جاء إلى حلب «كور وزير» وقتل جمعا كثيرا من اليكجرية. ولم أحقق هل جاء كور وزير لقمع اليكجرية خاصة، أم جاء واليا في حلب بعد عزل واليها حسن باشا؟
وفي سنة ١١٦١ كسفت الشمس بين الصلاتين إلى وقت الغروب وظهرت عدة نجوم.
وفي سنة ١١٦١ ولي حلب إسماعيل باشا عثمان باشا زاده. وفي محرم سنة ١١٦٤ ولي حلب سعد الدين باشا ابن العظم، ونقل إليها من طرابلس الشام وولي سلفه إسماعيل باشا ولاية طرابلس المذكورة. وفي هذه السنة كان الغلاء بحلب شديدا حتى ثار الناس في يوم
стр. 1226
الجمعة وتعطلت الصلاة والأذان وطلعت النسوة إلى المآذن. وفي محرم سنة ١١٦٥ نقل سعد الدين باشا إلى صيدا ووليها على وجه المالكانه «١» ، وولي حلب مكانه السيد أحمد باشا والي صيدا وآغاة اليكجرية سابقا. ولما استقر بحلب أخذ بالظلم والجور وصادر كثيرين بلا حقّ، ونفى عددا وافرا من أعيان حلب إلى بيان لمعارضتهم إياه لظلمه، فاضطرب الحلبيون وحرروا به محضرا عاما إلى الدولة ذكروا فيه ظلمه وجوره والتمسوا تبديله ومجازاته، فأجابتهم الدولة إلى ما طلبوا وعزلته عن حلب وولته «القارص» تبعيدا له، وولّت حلب صاري عبد الرحمن باشا مير ميران، وذلك في شعبان السنة المذكورة. ثم في شوالها توفي عبد الرحمن باشا بحلب وعينت الدولة لتحرير تركته علي بك ميراخور مصطفى باشا زاده، وولّت حلب مكانه الحاج أحمد باشا الصدر الأسبق، نقل إليها من آذنة وهذه الولاية الرابعة.
وفي ثاني عشر شوال سنة ١١٦٦ توفي أحمد باشا بحلب وولي مكانه عبد الله باشا الصدر الأسبق. وفي أواخر سنة ١١٦٨ وليها راغب باشا العالم الكبير صاحب سفينة الراغب كما يفهم ذلك من تاريخ واصف. ثم في ربيع الأول سنة ١١٦٩ عين راغب باشا لمنصب الصدارة وجاءه ختمها إلى حلب، فسافر إلى استانبول. وولي حلب بعده أمير الحاج: الحاج أسعد باشا ابن إسماعيل باشا عظم زاده. ثم في سنة ١١٧٠ وليها عبدي باشا فراري. ثم في اليوم الثاني عشر رجب ولي حلب علي باشا قائم مقام الصدارة.
برد وغلاء:
وفي هذه السنة وقع في حلب برد شديد وجمد الماء واستقام الجليد من أول كانون الثاني إلى آخر آذار. وفيها كان الغلاء شديدا. وبيع شنبل «٢» الحنطة فيه بعشرة قروش، والشعير بسبعة، والحمّص والعدس بستة، ورطل الدّبس بنصف القرش، والعسل بقرش وربع، والسمن بقرش وثلاثة أرباع، والخبز باثنتي عشرة بارة.
قال في السالنامة: إن والي حلب سنة ١١٧١ حسين باشا عبد الجليل زاده. وهكذا
стр. 1227
رأيت في بعض المجاميع، لكن ذكر في حديقة الوزراء وفي تاريخ واصف أن واليها في السنة المذكورة محمد باشا محسن زاده، فلعله بدل واليان في هذه السنة.
وفي هذه السنة وقع في حلب كساد عظيم حتى لم يبق في المدينة سوى أربعة آلاف نول مشتغلا، وتعطل قدرها أضعافا مضاعفة. قال واصف: وفي شوال هذه السنة سافر محمد باشا والي حلب إلى استانبول ليكون زفافه على بنت السلطان. وفي عشرين من الشهر المذكور حول محمد باشا إلى ولاية ديار بكر وولي مكانه عبد الله باشا جتجي الصدر الأسبق ابن إبراهيم الحسيني الجرمكي، نسبة إلى جرمك، بليدة من أعمال ديار بكر، فوصل إلى حلب في محرم سنة ١١٧٢ ونزل بالميدان الأخضر ثم سافر إلى عينتاب وكلّز وعاد إلى حلب فعزل عنها إلى دمشق، وولي مكانه عبدي باشا فراري وهي الولاية الثانية.
غلاء عظيم:
وفيها اشتد الغلاء في ديار بكر وعم تلك الديار بل سرى إلى جميع البلاد، وبيع شنبل الحنطة بحلب بأحد عشر قرشا. وأما نواحي ديار بكر وأورفة وماردين فإنهم أكلوا الميتة بل أكل بعض الناس بعضهم. وثبت ذلك لدى الحاكم حتى إن قسطنطين الخوري الحلبي الطرابلسي ذكر في مجموع له أن جملة من مات جوعا في حلب (٨٧) ألف إنسان منهم ١٢ ألفا نصارى و ٥ آلاف يهودي والباقي مسلمون، سوى من ترك البلاد ونزح إلى غيرها. وفي أواخر هذه السنة ولي حلب مصطفى باشا الوزير محصل التوقيع في موره سابقا. ثم في رجب سنة ١١٧٣ ولي حلب عبد الله باشا فراري وهي الولاية الثالثة.
زلزال مهول:
وفي فجر يوم الثلاثاء من ربيع الأول من هذه السنة، المصادف لابتداء كانون الأول، حصل زلزلة عمّت جميع البلاد الشامية بحلب ودمشق وحمص وحماة وأنطاكية وشيزر وحصن الأكراد، وجميع بلاد الساحل كصيدا وصفد وغزة والقدس، فخربت البلاد وتدحرجت الصخور من أعالي الجبال، وانفتحت في الأرض الأخاديد، ونضبت عيون وانفتح أخرى، واضطربت السفن في مياه عكا حتى زحف بعضها إلى البر وخرجت الأسماك إلى الرمل ونقل منه الناس ما لا يحصى، وكان هذا الزلزال أخف ما يكون في
стр. 1228
حلب. وقد اتصلت الزلازل في كل أسبوع مرتين وثلاثة إلى ليلة الاثنين سادس ربيع الثاني فزلزلت بعد العشاء المحالّ المذكورة بأسرها واستقامت بدمشق ثلاث درج، وخرب غالب دمشق وأنطاكية وصيدا وقلعة البريج.
ولم تزل الزلازل متصلة إلى انتهاء السنة المذكورة. ثم أعقبها بدمشق وقراها- وما والاها- طاعون جارف غمرت غالب مساجد دمشق التي هدمتها الزلزلة من وصايا الأموات في هذا الطاعون «١» وفي سنة ١١٧٤ توفي عبد الله باشا فراري في حلب ودفن بتكية الشيخ أبي بكر، ووليها مكانه بكر باشا وكان يعرف ببكر أفندي أمين المطبخ.
وفي سنة ١١٧٥ ولي حلب مصطفى باشا الصدر الأسبق وكان مقيما في مصر بلا منصب، وولي مصر بكر باشا والي حلب قبله، وفيها وقع بحلب طاعون شديد بلغت وفياته اليومية مائة وتسعين نسمة. وفي الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ١١٧٧ أسند لمصطفى باشا منصب الصدارة فسافر إلى استانبول.
ولاية محمد باشا العظم حلب وإبطاله بدعة الدومان وغيرها:
وفي هذه السنة ولي حلب محمد باشا بن مصطفى باشا بن فارس بن إبراهيم، الشهير بعظم زاده، نقل إليها من ولاية طرابلس الشام ودخلها في رابع عشر شعبان. وكانت مجدبة فحصل بقدومه كثرة أمطار ورخاء أسعار ورفع عن أهلها من البدع ما كان ثلما في الإسلام. فأثلج بذلك الصدور وأحيا معالم السرور، منها منكر كان حدث بها سنة ١١٧١ وذلك أنه جرت العادة في بعض محلاتها أن تفتح حانات القهوة ليلا ويجتمع بها أوباش الناس إلى أن زاد البلاء وفجرت النساء، مع ما انضم إلى ذلك من شرب الخمور وفعل المنكرات وأنواع الفساد، فحانت منه التفاتة إلى ذلك فقصده متخفيا وأزاله في ثاني يوم، حيث نبه على الحانات ألّا تفتح ليلا.
ومن جملة ما رفع من المظالم بحلب أيضا بدعة الدومان عن حرفة الجزارين وكان حدوثه بحلب سنة ١١٦١ والدومان اسم لمال يجمع من ظلامات متنوعة، يستدان من بعض الناس بأضعاف مضاعفة من الربا ويصرفه متغلبو هذه الحرفة في مقاصدهم الفاسدة. وطريقتهم
стр. 1229
في وفائه أن يباع اللحم بأوفى الأثمان للناس من فقراء وأغنياء وتؤخذ الجلود والأكارع والرءوس والكبد والطحال بأبخس ثمن من فقراء الجزارين جبرا وقهرا. كل ذلك يصدر من أشقياء الجزارين ومتغلّبيهم إلى أن هجر أكل اللحم الأغنياء فضلا عن الفقراء وأعضل الداء. واتفق أنه في سنة ست وسبعين كان قاضيا بحلب المولى أحمد أفندي الكريدي فسعى في رفع هذه البدعة فلم تساعده الأقدار، فباشر بنفسه محاسبة أهل هذه الحرفة الخبيثة ورفعها، وكتب عليهم صكوكا ووثائق وسجلها في قلعة حلب، فلما عزل عاد كل شيء إلى ما كان عليه. فلما كان أواخر محرم سنة ١١٧٨ قبض الوالي المذكور على رئيسهم المعروف بكاور حجي وقتله وأبطل تلك البدعة السيئة وصار لأهل حلب بذلك كمال الرفق والإحسان وامتدحه شعراؤها بعدة قصائد ذكر المرادي بعضها.
وفي جمادى الأولى سنة ١١٧٧ ولدت امرأة من عشيرة الموالي طفلين ملتصقين ببعضهما، شاهده ألوف من الناس، ثم مات أحدهما وعاش الآخر ساعتين ومات. وفي السنة المذكورة أعني سنة ١١٧٨ اجتمع أكابر أهل حلب وقدموا للدولة محضرا في سوء حال قاضيهم مصطفى أفندي ابن أحمد أفندي داماد، غير المذكور آنفا، وبينوا فيه ظلمه وحرصه وارتكابه، وبرهنوا على ذلك، فعزلته الدولة عن حلب ونفته إلى قونية. وفي شوال هذه السنة ولي حلب أحمد باشا مير ميران وسماه في تاريخ ابن ميرو «محمد باشا» وقال إنه حاز رتبة الوزارة في حلب لظفره بعصاة من أهل بياس. وقد ولي سلفه عظم زاده ولاية الرقة. وفي خامس ذي القعدة منها هجم خنزير بري على المدينة نهارا ولما دخلها اشتد عدوه ولم يزل هكذا حتى دخل الجامع الكبير والناس والكلاب يركضون وراءه فأغلقوا أبواب الجامع وعاجلوه برجم الحجارة حتى قتلوه.
وفي جمادى الآخرة سنة ١١٧٩ أنعم حضرة السلطان برتبة الوزارة على أحمد باشا والي حلب. وفيها كان الغلاء شديدا بحلب، بيع فيه رطل الخبز باثنتي عشرة بارة. وفي شوال سنة ١١٨٠ ولي حلب علي باشا كور أحمد باشا زاده.
نفي نقيب الأشراف محمد أفندي طه زاده:
وفي محرّم هذه السنة صدر الأمر السلطاني بنفي السيد محمد طه زاده نقيب أشراف حلب. وسبب ذلك أنه بقي زمنا طويلا في نقابة حلب واكتسب شهرة عظيمة واتسعت
стр. 1230
دنياه، وصار نافذ الكلمة مسموع الأمر رئيسا بين أقرانه، فاعتصب عليه عدة من رجال حلب وأعيانها ورؤسائها، وزعموا أنه طغى وبغى وجار وظلم وعاقب وعذّب وسلب الأموال بغير حق، وفعل ما لم يكن جائزا في الشرع المطهّر. وقدموا في هذه المثالب محضرا إلى الدولة يلتمسون فيه من عدلها عزله ومجازاته على فعله. فصادف هذا المحضر قبولا وعزلته الدولة ومحت اسمه من جريدة الموالي- وكان حائزا باية «١» إزمير- ونفته إلى أدرنة. ولما صدر الأمر بنفيه كان والده أحمد أفندي في استانبول فأخذ يدافع عن ولده حسب الشفقة الأبوية، ويقيم الحجة على أخصامه في دحض ما زعموه في ولده حتى خيف من وقوع فساد بينه وبينهم، فأمرت الدولة أن يلحق بولده وينفى إلى أدرنة. وقد رأيت في بعض المجاميع أنه استقام في المنفى ستة أعوام ونقل فيه إلى عدة بلدان كقبرص وغيرها.
وفي ذي القعدة من هذه السنة ولي حلب حمزة باشا السلحدار وفوضت إليه التحصيلات فكان بحلب واليا ومحصّلا، وولي سلفه علي باشا محافظة القارص. وفي شوال سنة ١١٨١ ولي حلب باغلقجي زاده محمد أمين باشا. ثم في سنة ١١٨٢ ولي الصدارة وولي حلب مكانه رجب باشا. وفيها حصل وقعة عظيمة بين اليكجرية والدالاتية وخرب عدة محلات بهذه الوقعة. وفي سنة ١١٨٣ محت الدولة اسم رجب باشا من دفتر الوزارة ونفي إلى ديمتوقة. وسبب ذلك أنه لما دخل حلب استأجر دارا فسيحة وأسكنها خمسا وعشرين جارية واشتغل بهن ليله ونهاره، وأهمل أمر الحكومة وبقي الناس فوضى. وقد ولي حلب بعده محمد باشا أحمد باشا زاده متصرّف سلانيك سابقا. ثم بعد مدة قليلة نقل إلى محافظة ودين وولي حلب مكانه محمد باشا، نقل إليها من ولاية روملي.
فتنة بين الأشراف والإنكشارية:
وفيها حصل بين الأشراف واليكجرية وقعة عظيمة واشتد القتال والنهب، ونهبت قيسرية العرب تحت القلعة ونفيت عدة أشراف. وفي رمضانها المصادف لتموز وقع مطر غزير أخرب أماكن عديدة، من جملتها مكتب في محلة باحسيتا انهدم على عشرة أولاد من اليهود وحاخام وامرأة. وفي محرم سنة ١١٨٤ عين محمد باشا والي حلب سر عسكرا ووليها مكانه عبد الرحمن باشا فوصل إليها في رجب.
следующие страницы →