Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
المركوبلي على ما أبداه من الرأي والإشارة إلى هدم زابوقي «١» سوق الذراع وسوق الباطية لقطع الطريق على النار منعا لها من الوصول إلى سوق العطارين، فإنها لو اتصلت به لانعدمت حلب حرقا وهدما، لما اشتمل عليه هذا السوق من أنواع البضائع الملتهبة كالبارود والنفط والسّندروس «٢» والزفت والقير وغير ذلك، بحيث كان فيه من هذه البضائع قناطير مقنطرة.
وقد اختلف الناس في أسباب هذا الحريق العظيم: فمنهم من قال إنه مفتعل من الحكومة بقصد التمكن بعده من توسيع هذه الأسواق لأنها كانت غاية في الضيق. ومنهم من زعم أن السبب نار تركها بعض الصاغة في كانونه، فطارت منها شرارة على مفرش فيها وعلقت «٣» . والله أعلم بحقيقة الحال. وفي الساعة السابعة والدقيقة العاشرة من الليلة الخامسة عشرة من جمادى الأولى ابتدأ القمر بالخسوف وكمل انجلاؤه في الساعة العاشرة والدقيقة العاشرة. وفي هذه السنة كان تشكيل كثير من أقضية حلب وألويتها.
ميت عاش:
في رمضان هذه السنة توفي لرجل يقال له الشيخ محمد- من سكان محلة مستدام بك في حلب- ولد صغير عمره ثمانية أعوام، فجهز وحمل إلى المقبرة، وبينما الحمالون سائرون به لم يشعروا إلا وقد تحرك وأخذ بالبكاء. فرجعوا به إلى بيت أبيه وعاودته الصحة. وفيها كان الشتاء شديدا والمطر غزيرا، ولا سيما في شباط، فقد طغت فيه الأنهار وضجر الناس من كثرة المطر والثلج والجليد والبرد القارس. وفي أواخر محرّم سنة ١٢٨٥ وصل إلى حلب واليا عليها ناشد باشا. وفي اليوم الرابع عشر صفر خرج الوالي مع الهيئة المرتبة لترميم القناة وكاشفوا أحوالها ورتبوا عملها. وقد تكلمنا على ما كان منه في قناة حلب عند الكلام عليها في الجزء الأول فراجعه.
وفيها صدرت إرادة سنية بجواز زرع التبغ بشرط أن يأخذ الزرّاع رخصة من إدارة الرسومات. وفيها أمر الوالي بتوسيع حجرة الميقاتي بإضافة حجرة أخرى إليها على باب
стр. 1297
الجامع من جهة سوق الطيبية، وأمر بجلب ساعة كبيرة توضع فيها. وفي جمادى الأولى أمر الوالي بتبديل سقوف أسواق حلب بالسقوف المعروفة بالجملون، وكانت قبلا من الحصر المنسوجة من البردي والقصب، كثيرة الاستعداد للالتهاب. فشرعوا بذلك مبتدئين من باب النصر. وفي هذا الشهر كان تعديل الأوزان ورسمها بطابع البلدية. وفيه كان افتتاح دار الإصلاح المعروفة باسم إصلاحخانة.
سفر الوالي إلى طريق إسكندرونة وما أجراه من الإصلاح:
وفي أواخر جمادى الثانية سافر الوالي لمشارفة طريق إسكندرونة. وفي التاسع والعشرين منه ورد منه إلى وكيله حسني باشا الفريق العسكري محرّرات، مثالها أن الطريق المذكور تبلغ مسافته ٣٢ ساعة، وفيه عدة محلات تحتاج إلى جسور وخنادق، ومنها عفرين فإنه محتاج إلى جسر يعسر بناؤه. قال: ولذا عوّلنا على سلوك طريق آخر هو بالجانب الفوقاني من ذلك الطريق في مسافة ٢٢ ساعة، ويكون تمديده من جهة قلعة الكوبة لي، وبسلوكه تقرب المسافة عشر ساعات ويكتفى بجسر جزئي على عفرين، ثم قال: ووجدت الجبل الكائن فوق خان العسل المتوسط بين عدة قرايا كالأثارب وإبزمو وتلعدة، على مسافة سبع ساعات من حلب، خاليا من الشجر، فحملنا أهل تلك القرى على غرسه بشجر التين والعنب والزيتون وأخذنا منهم كفلاء على ذلك. ووجدت إدارة الريحانية غير منظمة لخلوها عن مركز حكومة واستبداد أغواتها، فعزمنا على بناء مركز للحكومة في تلك الجهة ورفعنا عنها سلطة أغواتها وفرقنا أراضيها المملوكة لهم بحق عن غيرها، ومكنت الفقراء من العمل فيها.
وفي هذه السنة فرش مقدار كبير من أزقة حلب بالبلاط على نسق الجملون. وهذه أول مرة فرش فيها البلاط على هذه الصفة. وفي اليوم الثاني عشر من شعبان رجع الوالي إلى حلب. وفي شوالها بدأ الوالي أن يجعل «١» بعض الخرائب الكائنة تجاه باب القلعة منتزها عاما وأناط إجراء ذلك بحسني باشا. فغرست الأشجار وحوّط بدائر، وحفر لسقايته دولاب في شرقي باب القلعة على غلوة منه فلم يمض سنة إلا وتعطّل وأهمل وعاد كما كان. وفي
стр. 1298
الساعة التاسعة من الليلة الخامسة عشرة ذي «١» الحجة هطلت السماء في مرعش بالأمطار الغزيرة وأعقبها زلزال انهدم به هناك منزلان.
تولي الحكومة بريد إسكندرونة:
وفي اليوم الرابع عشر ذي القعدة أنيط البريد- الذي كان يتردد من حلب إلى إسكندرونة- بالحكومة العثمانية. وكان قبلا يسافر عن يد قنصل فرنسة المقيم في حلب. وفي ذي الحجة قصدت جماعة البغّالة- من الفرقة النظامية- الأعراب بسبب كثرة فسادهم، وأوقعت بعشيرة المهيد وهريب والشميلات والعجاجرة والسباعة. وكانت الوقعة في مفاوز الزور فانخذل الأعراب، واستولى العسكر على نحو عشرين ألف رأس غنم ومئة وخمسين جملا، وأتوا بها إلى حلب. وفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ١٣٨٦ سافر الوالي إلى جهة المعرة التي ألحقت في تلك الأيام بولاية حلب، فرتّب أمورها وكاشف قراها، وكانت قبلا ملحقة بولاية دمشق مضافة إلى حماة. وفي الساعة التاسعة من ليلة الاثنين، غرّة شوال المصادف اليوم الحادي والعشرين من كانون الأول سنة ١٢٨٥ رومية حصل زلزلة بحلب مرتين من الشمال إلى الجنوب، فانهدم بها بعض جدران في ظاهر حلب مشرفة على الخراب، ولم يحدث منها ضرر غير ذلك. وفي هذه السنة ولي حلب درويش باشا.
ابتداء العمل في محلة العزيزية:
وفيها كان ابتداء تأسيس الأبنية في حارة العزيزية على جبل النهر. وسببها أنه لما فتحت دار الإصلاح المتقدم ذكرها أرادت الحكومة أن تجعل لها جهة دخل تقوم بالنفقات التي صرفت عليها، فباعت جبل النهر لجماعة من المسيحيين، وعمروه محلة لهم على نسق جديد من الأبنية وسعة الشوارع. وفي هذه السنة كان الجدب مستوليا على حلب وبرّها بحيث لم ينبت فيها حبّة ولا نزل من السماء قطرة، واشتد الغلاء حتى بيع رطل الخبز بتسعة قروش ونصف القرش، بدل قرش وربع القرش. واستمر هذا الحال إلى دخول سنة ١٢٨٧.
стр. 1299
زلزلة أنطاكية:
في آذار الرومي هذه السنة (١٢٨٧) في ضحوة يوم من أيامه زلزلت حلب زلزلة قوية بحيث أيقظت من كان نائما وسقط بها بعض شرفات من سور القلعة وعدة جدران متوهنة.
ولم يمض غير بضع ساعات حتى ورد من أنطاكية للوالي تلغراف يفيد أنه في الوقت المذكور حدث هناك زلزال قوي أتى على جميع أبنية أنطاكية، بحيث لم يبق منها إلا القليل النادر، فانهدمت البيوت والجوامع والخانات وبعض الحمّامات، ومات تحت الردم خلق كثير، والأحياء كلهم خرجوا على وجوههم إلى الصحراء ليس عندهم قوت ولا خيمة يأوون إليها مسلمين أنفسهم لحر الشمس وبرد الليل. ثم أخذ يتوارد من التجار وغيرهم المقيمين في أنطاكية تلغرافات، مثالها ما ذكر. فشاع الخبر عند الحلبيين فضجوا واضطربوا، وخرج كثير منهم إلى البساتين والبرية، فمنهم من ضرب خياما وأقام تحتها هو وأهله وولده، ومنهم من باشر عمل بيوت من الخشب ليقيم بها كذلك. ثم بعد ليلة أو ليلتين في أواسط الليل اهتزت الأرض مرة ثانية هزة خفيفة لم يحدث منها ضرر.
وهكذا استمر الحال في كل بضع ليال تهتزّ هزة خفيفة دون أن يحصل منها ضرر.
وكانت في أنطاكية كلما اهتزت أضرّت، حتى بقي أهلها في أسوأ حالة. وأخذت الحكومة تتدارك لهم الإعانة من القوت والخيم وأرسلت ذلك إليهم، إلى أن فرّج الله عن عباده، ودخل شهر نيسان وانقطع الزلزال واطمأن الناس ورجع أكثرهم إلى منازلهم وباشر أهل أنطاكية تعمير بيوتهم. وفي سنة ١٢٨٨ ولي حلب ثريّى باشا ثانية. ثم في سنة ١٢٨٩ وليها الحاج علي باشا، ثم سامح باشا. وفي سنة ١٢٩٠ وليها كورد أحمد باشا. وفي سنة ١٢٩١ وليها رشدي باشا الشرواني، الصدر الأسبق، فلم يلبث غير تسعة أيام واليا وصرف عنها إلى ولاية الحجاز، وصحبني معه إماما. وولي حلب مكانه محمد رشيد باشا ثانية وكان وليها سنة ١٢٧٥ وفي سنة ١٢٩٢ وليها سامح باشا ثانية، ثم أسعد مخلص باشا.
انقضاض صاعقة:
وفي نيسان الرومي من هذه السنة انقضت صاعقة في محلة البياضة فقطّت «١» نحو
стр. 1300
النصف من منارة جامع الحموي، وكأنما انفصل منها شظيّة فصدمت جدار قبلية الجامع المذكور من أعلاه، فغاصت به وثقبته ثقبا منتظما، وخرجت من نجف الشباك وأصابت رجلا يصلي المغرب فقتلته دون أن يبقى لها أثر به، وأصابت رجلا في رجله فلم يمت لكنه بقي في رجله أثر كأنه كي نار. وكانت المنارة قد سقطت على سّواس مارا «١» من تحت القلعة فقتلته أيضا. وفي سنة ١٢٩٣ ولي حلب أمين باشا وفيها حصل بحلب هيضة «٢» ابتدأت من شعبان واستمرت إلى أواخر شوال وبلغت وفياتها اليومية مئة وخمسين نسمة.
وفي ٢٧ ربيع الأول من هذه السنة خلع السلطان عبد العزيز وجلس مكانه السلطان مراد خان، فبقي سلطانا ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ثم خلع وجلس بدله على عرش السلطنة السلطان عبد الحميد خان الثاني. وفي محرّم سنة ١٣٩٤ رفعت رتبة كامل باشا إلى الوزارة وعين واليا على قوصوه. وقبل أن يسافر إليها حوّل إلى ولاية حلب، فقدم عليها في اليوم ال ١٤ صفر واستقام بها سنتين وشهرا. ذكر ذلك في ترجمة حاله وغلط في السالنامة إذ ذكر ولايته سنة ١٢٩٥ وقد اختارني إماما له في صلاة التراويح.
صدور جريدة في حلب:
وفيها صدر في حلب جريدة عربية عنوانها «الشهباء» لصاحب امتيازها السريّ الماجد الحاج هاشم العطار المعروف أيضا بالخراط. وقد تولى تحريرها الكاتب البارع المرحوم عبد الرحمن أفندي الكواكبي بمساعدة جماعة من أدباء حلب. غير أن الجريدة ما لبثت سوى أيام قلائل حتى أمر بإبطالها والي حلب كامل باشا المعروف بكراهية صحف الأخبار.
النفير العام:
في هذه السنة ١٢٩٤ أعلنت الدولة العثمانية في بلادها النفير العام لمحاربة روسيا.
فحشدت العساكر من جميع بلادها، ومن جملتها حلب التي جندت منها عددا عظيما حتى كادت تخلو من الشبيبة. ولذا أصبحت الحكومة تخشى من قيام الغوغاء للنهب والسلب،
стр. 1301
فجعل كامل باشا شيخنا محمد آغا المكانسي كمتسلّم لحلب لأجل حفظها، فجمع محمد آغا عصابة من شبيبة محلة باب النيرب وجعل يطوف بهم ليلا في شوارع حلب ومحلاتها إلى أن انتهت الحرب، وعاد المتجندون إلى أوطانهم ولم يحصل في حلب ما يخل بالسلام.
شتاء شديد:
في سنة ١٢٩٥ كان الشتاء شديدا وتوالى سقوط الثلج على حلب وأكثر أعمالها نحوا من أربعين يوما، حتى هجمت الظباء والذئاب على العمران وانقطعت الطرق والمواصلات ومات في البر عدة أوادم وهلك ألوف من الغنم والمواشي.
تشكيل عدلية حلب:
وفي هذه السنة (١٢٩٥) شكلت عدلية حلب. وقد أسلفنا ذكر (محكمة البداية) في الجزء الأول من هذا الكتاب. وفي سنة ١٢٩٦ ولي حلب غالب باشا ثم سعيد باشا.
غلاء شديد:
وفيها ارتفع سعر الحبّ في تشرين الأول، واستمر إلى حزيران، واشتد الغلاء وبيع رطل الخبز باثني عشر قرشا بدل قرش ونصف، وارتفع سعر بقية المأكولات على هذه النسبة كالرز والعدس والبرغل واللحم، فاضطرب الفقراء وثاروا في أحد الأيام، ومشى منهم جمهور إلى السوق الكبير المعروف باسم (المدينة) وأخذوا يتخطفون المأكولات من سوق العطارين، وبعض البضائع من بقية الأسواق، فأسرع الناس إلى إغلاق حوانيتهم وخيف من حدوث ثورة عامة. وكان الفريق على الجندية جميل باشا ابن نامق باشا، فنزل من الثكنة العسكرية مع ثلّة من الجنود وهددوا الثوار فارتاعوا وسكنت الثائرة.
وهذا أول عمل اشتهر به جميل باشا بين الحلبيّين فأحبوه ومالت نفوسهم إليه، وقدموا له محضرا عاما يتضمن طلبهم منه أن يكون واليا عليهم. وكان سعيد باشا يرى ولاية حلب دون مرتبته فكان قيامه بأمور الولاية قياما يصحبه سآمة وفتور. ثم لما علم بميل الناس إلى جميل باشا الفريق العسكري استقال من خدمته. وكان جميل باشا قد أرسل محضر أهل حلب- الناطق بطلبه واليا عليهم- إلى استانبول فقبله الباب العالي وجعله واليا على
стр. 1302
حلب علاوة على وظيفته الفريقية العسكرية، فجمع بين الوظيفتين وكان ذلك في سنة ١٢٩٧.
صدور جريدة في حلب:
في هذه السنة صدر في حلب جريدة عنوانها (الاعتدال) أحد وجهيها عربي والآخر تركي، لصاحب امتيازها السيد هاشم الخراط السالف الذكر. وقد تولى تحريرها المرحوم عبد الرحمن أفندي الكواكبي وسعيد بك ابن علي باشا شريف، أحد أدباء حلب فلم تلبث الصحيفة غير قليل حتى أمر جميل باشا بتعطيلها.
حريق في مرعش:
في ليلة الجمعة ثالث شوال سنة (١٣٠١) شبت النار من أحد أفران مدينة مرعش وسرت إلى ما جاوره، وكان الهواء شديدا فقوي استعارها ولم تخمد إلا بعد أن التهمت ألفا ومائتي دكان، وأربعين دارا وخمسة جوامع وحماما وخانين والرباط العسكري ودائرة البلدية وقدرت قيمة ما أتت عليه هذه النار بمائة وخمسين ألف ذهب عثماني. وقد تدارك أهل حلب جمع إعانة وافرة لإسعاف المنكوبين من أهل مرعش بهذا الحريق.
سقوط نيزك من الجو:
في يوم الخميس ثالث عشر ذي الحجة من هذه السنة ١٣٠١ المصادف الحادي والعشرين أيلول سنة ١٣٠٠ رومية، في رادة «١» الساعة الثانية عشرة منه صباحا، سقط حجر من الجو على تل قريب من قرية قره دينك في بعد خمس ساعات عن عينتاب، وعند سقوطه كان الجو خاليا من الغيم بالكلية والهواء معتدلا. وقبله بنحو عشر دقائق سمع له دوي شديد كأنه رعد قاصف، ولما سقط غاص في الأرض نحو نصف ذراع فلما أرادوا إخراجه على أثر سقوطه لم يتمكنوا من القبض عليه لشدة حرارته، فلمسه بعضهم بثوبه فأحرقه. وهو حجر أسود صلب شديد شكله على هيئة السلحفاة، وثقله نحو ألف وثمانمائة درهم. وقد أرسل من عينتاب إلى حلب، وشاهدته ثم أرسل إلى استانبول.
стр. 1303
فتح الجادة العظيمة:
وفي هذه السنة كان افتتاح الجادة العظيمة المعروفة بجادة باب الفرج بحلب. وكان في العزم أن يجعلوها مسامتة طريق العربية، مبتدئة من جسر الناعورة ثم تقطع بمرورها بستان الكلاب حتى تتصل بالخندق الكبير فتمتد مستقيمة إلى محلة العوينة، ومنها تنعطف حتى تنتهي إلى تجاه دار الحكومة. ثم إن هذا العزم لم يتيسر إنفاذه وفتحت الجادة المذكورة من جسر الناعورة إلى باب الفرج فقط.
وفي ليلة الأربعاء ثالث عشر صفر سنة ١٣٠٢ المصادف اليوم الحادي والثلاثين من تشرين الأول سنة ١٣٠٠ رومية هطلت السماء بالأمطار الغزيرة وانكفأت كأفواه القرب في جهات الجوم، ثم حملت على جسر عفرين فهدمت منه قنطرتين، وكان السيل قد اقتلع ألوفا من الشجر وساقها، وهدم طاحونين عن آخرهما، وأغرق شخصين وبعض جمال. وفي هذه الليلة أيضا حمل نهر الذهب وأغرق شخصين ومقدارا عظيما من الحبوب والأمتعة. ودخل السيل طاحونا في قرية من أعمال منبج يقال لها «عرب حسن» فهدمه عن آخره بعد أن اختطف منه سبعين عدلا من الدقيق والحبوب.
إنشاء جامع منبج:
في هذه السنة كمل تعمير الجامع الحميدي في قصبة منبج وكانت نفقاته من الخزينة الخاصة بالسلطان عبد الحميد خان الثاني، وتوجه للحضور في حفلة افتتاحه والي الولاية ورؤساء الحكومة وإدارة الجفتلك السلطاني، فاجتمع هناك جمّ غفير من الأكابر والأعيان وسكان القرى المجاورة، وأحرقت الملاعب الناريّة، ودارت كؤوس المرطبات. وفي اليوم الخامس والعشرين رمضان المصادف لمثله من حزيران سنة ١٣٠١ وقع مطر خفيف وانتشر معه جراد كثير من الشمال إلى الشرق، وهذا الجراد لم يزل يتردد على حلب وبلادها إلى سنة ١٣٠٨ وفي ليلة السبت ٢٨ صفر سنة ١٣٠٣ المصادف الثالث والعشرين تشرين الثاني سنة ١٣٠١ رومية في رادة الساعة الخامسة منها، سطع شيء في السماء كالكوكب المحترق، ثم أخذت الكواكب الصغار تتطاير ألوفا، ثم انعكس الهواء بغتة واشتد إيماض البرق وانكفأت السحب كأفواه القرب. وفي شهر ربيع الأول سبق رديف ولاية حلب إلى جهة الروملّي الشرقي وقدره أحد عشر طابورا.
стр. 1304
تقديم كتاب المجلة إلى القاضي:
وفي اليوم ٢٦ من هذا الشهر أهدى أعيان حلب من المسلمين والنصارى نسخة من كتاب مرآة المجلة إلى حسين توفيق أفندي، حاكم الشريعة الغراء في حلب، مكافأة له على عدله في أحكامه واستقامته وعفّته. وكان جلد هذه النسخة من المخمل الأحمر مزركشا بالقصب الذهبي، وفيه صورة قمر ونجمة مرصعة بالماس مكتوب تحتها بالزركشة هذه العبارة: «تهدى لحضرة الفقيه العلامة فضيلتلو حسين توفيق أفندي، حاكم الشريعة الغرّاء تذكرة من أهالي الشهباء لالتزامه جانب العدل والاستقامة في مدة مأموريته في حلب سنة ١٣٠٣» .
وفي ربيع الآخر من هذه السنة كانت حفلة افتتاح طريق إسكندرونة. وفي غرة جمادى الأولى ورد وسام الامتياز من رتبة مدالية إلى والي الولاية جميل باشا مكافأة له على إكمال تمهيد طريق الإسكندرونة، فجرت له حفلة عظيمة في ذلك اليوم. وفي اليوم الثامن والعشرين رجب المصادف اليوم السابع عشر نيسان سنة ١٣٠٢ رومية وقع في جهة قلعة الروم مطر شديد وبرد كبار، حصل منه سيل أتى على اثنتي عشرة قرية فهدمها، وأهلك سبعين رأسا من البقر وخمسة خيول، ومئة وأربعين من الغنم والمعز، وهدم ثمانية طواحين.
وفي شهر شعبان كان الشروع بتمهيد الطريق الكائن بين كلّز وطريق إسكندرونة وأوله من قرية قاطمة من أعمال كلّز.
عزل جميل باشا من حلب وما يتعلق به:
في يوم الثلاثاء ثالث وعشرين ذي الحجة سنة ١٣٠٣ قدم إلى حلب صاحب بك رئيس دائرة المحاكمات في شورى الدولة، ومعه معاون مدعي العموم في تمييز شورى الدولة، وأحد كتاب محكمة تمييز الحقوق في دائرة العدلية. والسبب في قدومهم هو أن الوالي جميل باشا شدّد على جماعة من أغنياء حلب- ومن جملتهم آل الكتخدا- بطلب إعانة لتسديد بدل تحويلات الاستقراض الداخلي، فامتنعوا عن دفع المبلغ المطلوب منهم لأنه فوق ما طلب من أمثالهم، فتوصل بذلك لحبسهم وضيّق عليهم لغرض يقصده، فلم يفعلوا ورفعوا قصتهم إلى الباب العالي والسلطنة السنية، وورد الأمر بإطلاقهم فأطلقوا. ثم انضم إليهم عدة أفراد واسترحموا من الدولة أن تتكرم عليهم بإرسال حكم ينظر في أحوالهم مع الوالي،
стр. 1305
ويقف على حقيقة الظالم من المظلوم، فأجابت الدولة استرحامهم وصدرت إرادة سنية بإرسال «صاحب بك» ومن معه لأجل ما ذكر. ولما وصلوا إلى حلب أخذوا بتحقيق المسائل واستقصاء الأحوال، وأقبل المتظلمون عليهم يقدّمون إليهم اللوائح في ظلاماتهم إلى أن مضى عليهم شهران ولم يظهر أثر لفعلهم.
قصد زيرون اغتيال الوالي:
وفي يوم الثلاثاء سادس عشر صفر سنة ١٣٠٤ وهو اليوم الحادي عشر تشرين الثاني سنة ١٣٠٢ بينما كان الوالي متوجها من دار الحكومة إلى منزله في جنينة البلدية قرب العبارة، وذلك في الساعة الحادية عشرة ونصف مساء اليوم المذكور، إذ وثب عليه- وهو في ظاهر باب الفرج على بعد نحو مئة قدم منه- رجل يقال له زيرون جقماقيان المرعشي، وخاطبه بقوله: «قف كيف تتخلص مني؟» ثم أطلق عليه الرصاص من مسدس كان بيده فأخطأه، فأطلقه ثانية وثالثة فأخطأه أيضا. وكان قد هجم عليه ياور الوالي وجاويشيّته فقبضوا عليه وأرسلوه للسجن.
وذكر بعض من كان حاضرا هذه الحادثة أن زيرون المذكور لم يطلق الرصاص على الوالي، إنما الوالي لما رأى بيده المسدس خاف منه وأمر جنديا كان معه أن يطلق عليه الرصاص تهديدا له، ففعل فظن الناس أن الرصاص خرج من المسدس. قال: والدليل على ذلك أن جماعة الوالي لما أخذوا المسدس من زيرون وجدوا جميع عويناته مملوءة مع أنه لم تسنح له فرصة بإملائها.
أما السبب في وثوب هذا الرجل على الوالي فهو أنه كان أحد وكلاء الدعاوي في عدلية حلب، وكان مشهورا بالعلم والصدق والاستقامة، فصادف أن بعض الناس وكلّه في خصام بينه وبين الوالي فاغتاظ منه الوالي ومنعه من وكالة الدعاوي في حلب، فسافر إلى بلده مرعش فمنعه من وكالة الدعوى أيضا. فترك مرعش وسافر أنطاكية فكاتب الوالي الحكومة فيها بمنعه من الوكالات أيضا. ولما رأى هذا الرجل أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت ولم يبق له وجه يسترزق به، خولط في عقله وزينت له الماليخوليا «١» أن يعترض
стр. 1306
للوالي ويهدده بالقتل لعله ينفك عنه. ففعل ذلك فأخفق سعيه واتسع الخرق عليه، لأنه بعد أن بقي مدة محبوسا في حلب نقل إلى دمشق وحكم عليه بالحبس مدة خمس عشرة سنة فمات محبوسا بعد ثلاث سنين من حبسه.
ثم إن الوالي بعد أن مرّت عليه هذه الحادثة في ذلك اليوم توجه إلى منزله وأقبل عليه الناس يهنّونه بالسلامة وأمر بإيقاع القبض على جماعة من الوجهاء كانوا يتصدون لمناضلته، وقد زعم أنهم هم الذين أغروا زيرون وحملوه على ما فعل. فوقع القبض عليهم في تلك الليلة وهم في منازلهم لم يبرحوا منها، لأنهم كانوا على غفلة لا يدرون الخبر، فأودعوا السجن وأمر الوالي بالتضييق عليهم وأن يوضع كل واحد منهم في حجرة على حدته، وأن لا يدخل إليه أحد من ظاهر السجن ولا من داخله ولا من رفقائه، ولا يمكّن من أداة كتابة ولا من أخذ خبر من ظاهر الحبس، لا كتابة ولا شفاها. فكان خدمة الحبس يشقّون رغيف الخبز المبعوث إلى المحبوسين المومأ إليهم خوفا من أن يكون فيه ورقة، ويفتشون جميع ما يدخل إليهم من الطعام والملبوس. وكان الوالي قد أحضر من الثكنة عساكر نظامية أمرهم بأن يقف على كل حجرة من حجر المحبوسين المذكورين جنديان متأبطان سيوفهما معتقلان بنادقهما.
ولما اطلع «صاحب بك» على هذه الأحوال عرف بها استانبول وأظهر أنه عازم على السفر من حلب لينظر ماذا يكون من الوالي. فسار إلى تكية المولوية لينام ليلته هناك ويتوجه من الصباح إلى جهة استانبول. فلما سمع الوالي خبر سفره ظنه صحيحا فاغتنم الفرصة وأمر بإحضار دوابّ المكارية «١» ليركب عليها المحبوسين وينفيهم، وحينئذ فهم «صاحب بك» نيته وأظهر أنه عدل عن السفر فتوقف الوالي عن نفي المشار إليهم، لكنه لم يبرح عن إصراره في حبسهم والتضييق عليهم، بل كان يزيدهم تضييقا يوما فيوما. فلما كان اليوم السابع من ربيع الأول من هذه السنة (١٤٠٤) أبرق «صاحب بك» للدولة يقول:
أنا عازم على الشخوص لاستانبول لأنني لا أستطيع البقاء في بلدة لا يعرف فيها النظام ولا القانون. وأبرق قائد الجندية النظامية في النهار المذكور للدولة يقول ما معناه: إنني غير مسئول إذا حدث في حلب ما يخلّ بالسلام لأنني لم يبق لي نفوذ على القوة العسكرية.
стр. 1307
فلما اطّلعت الدولة على هاتين الرسالتين رأت أن الأمر قد أخذ بالتفاقم، وحينئذ اتفق رأي أولياء الأمور على تلافي القضية وصرف جميل باشا عن حلب، وأنفذت إلى شاكر باشا- أحد الفرقاء في دمشق- أن يسافر إلى حلب في أسرع مدة ويتسلم بها زمام العسكرية ويعرّف استانبول. فركب شاكر باشا في الحال وذلك في صباح اليوم الثامن من ربيع الأول وتوجه إلى جهة حلب، فوصلها بغتة عشية يوم الثلاثاء ثاني عشر ربيع الأول، ونزل في رباط الشيخ يبرق رأسا وتسلّم زمام العسكرية وعرّف بذلك استانبول.
وكان الخبر بلغ جميل باشا فأمر العسكر الذين كانوا يحافظون المحابيس بالصعود إلى الرباط.
ثم في صبيحة يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول ورد التلغراف من استانبول بأن يكون جميل باشا واليا على ولاية الحجاز، وعثمان باشا والي الحجاز يكون واليا على حلب، ويكون شاكر باشا وكيلا عنه إلى أن يحضر الوالي. في الحال حضر وكيل الوالي المشار إليه وصاحب بك، وخلّيا سبيل المحبوسين، وبعد يومين ورد الأمر إلى جميل باشا بتعجيل الانصراف عن حلب، فبارحها يوم الخميس سادس وعشرين ربيع الأول متوجها إلى مكة المكرمة.
ثم في يوم الخميس تاسع عشر ربيع الثاني وصل إلى حلب عثمان باشا واليا عليها. وفي يوم الاثنين سابع جمادى الأولى أزمع صاحب بك الرحيل من حلب إلى استانبول، فأسف الناس على فراقه ودعوا بسلامته.
تأسيس محلة الجميلية:
وفي هذا الشهر ورد الإذن بإحداث محلة في أرض الحلبة، مما يلي طريق عربية إسكندرونة، وأن تسمى بمحلة السليميّة، نسبة إلى نجل السلطان عبد الحميد خان الثاني.
فأخذ الناس بشراء الأراضي هناك وتأسيس الدور. وكان قد أقيم بها قصران عظيمان في السنة الماضية، أحدهما لجميل باشا وثانيهما للمرحوم علي محسن باشا، القائد العام فوق العادة على حلب وأطنه وضواحيها. وهو أول قصر عمر في هذه المحلة. وفي هذا الشهر- أعني شهر جمادى الأولى- كان الشروع بتسليط ماء رأس العين إلى قصبة إسكندرونة، وهي على مقربة من إسكندرونة وتعرف باسم (بيكار باشي) فأجريت إلى الإسكندرونة بكيزان من الحديد وبنيت لها الحياض والقساطل، وكانت النفقة عليها من سكان إسكندرونة.
стр. 1308
التباس بين مولودين:
في شهر جمادى الثانية اتفق أن امرأتين من اليهود وضعتا في بيت وآن واحد طفلين ذكرين. وكانت القابلة ومن حضر من النسوة يشتغلن بأمهاتهما، فلما فرغن منهن وطلبت كل واحدة ولدها التبس عليهن تعيين كل ولد إلى أمه، ولم يظهر لهن ذلك إلا بعد مشقة زائدة.
وفي هذه السنة جمع مقدار وافر من بزر الجراد. وفي الساعة السابعة والدقيقة الخامسة عشرة من يوم السبت حادي وعشرين محرم سنة ١٣٠٥ سادس والعشرين أيلول سنة ١٣٠٣ رومية، وقع في حلب، وعينتاب وكلّز ومرعش، والبستان وأورفة وسروج، زلزال من الغرب إلى الشرق، وامتد نحو نصف دقيقة دون أن يحدث منه خطر. وفي هذا الوقت نفسه حصل زلزال شديد في بعض قرى عينتاب فهدمت عدة دور وهلك بها تحت الردم طفلان وبعض مواش. وفي أوائل صفر كان قدوم حسن باشا والي حلب وسفر سلفه عثمان باشا.
حريق في مرعش وبيادر حلب:
وفي السادس والعشرين حزيران سنة ١٣٠٤ حدث في مرعش حريق عظيم قوّم ضرره باثني عشر ألف ذهب عثماني، التهمت ناره (٥٢٠) دكانا و ٢١ دارا و ١١ فرنا وقسما من جامع وخان وتكية المولوية بتمامها. وفي يوم الخميس ١٧ ذي القعدة و ١٤ تموز شبت النار في بيادر قارلق بحلب فأحرقت ٢١٧ بيدرا.
تفشّي حمى التيفوس في المحابيس:
وفي رجب الفرد سنة ١٣٠٦ وشباط سنة ١٣٠٤ فشا بالمحابيس في سجن الحكومة حمّى قتّالة يقال لها حمى تيفوس، وصار يموت بها كل يوم بضعة محبوسين. فعيّنت لهم الحكومة مستشفى في جبل الغزالات أفردتهم به. وبعد ثلاثة أشهر صرفها الله عنهم. وفي شهر ذي القعدة وحزيران شبّت النار في إحدى محلات مرعش ولم تخمد حتى أتت على عشرين دارا، وامرأة وطفل. وفي اليوم الحادي والعشرين رمضان سنة ١٣٠٦ الثالث عشر أيار سنة ١٣٠٥ بين الصلاتين، وقع في حلب وأطرافها مطر غزير يصحبه برق ورعد
стр. 1309
وصواعق وبرد كبار في شمالي حلب، حتى حملت السيول وساقت عدة مواش من بساتين حلب وأراضيها وأغرقت محلة الوراقة، واختنق بها بضعة أوادم.
وفي أوائل ربيع الثاني سنة ١٣٠٧ المصادف شهر تشرين الثاني سنة ١٣٠٥ ورد الأمر من النظارة الصحية بإقامة منطقة الحجر الصحي في حدود الولاية، مما يلي الموصل، لما شاع من ظهور الهيضة «١» في الموصل، فأقيمت المنطقة المذكورة في جهة الرّها وحرّان والبيرة والرقة خمسة عشر يوما على كل مارّ من هناك إذا لم يكن معه تذكرة مشعرة بنظافته.
وفي هذا الشهر قدم من استانبول إلى حلب الشيخ وفا ابن الشيخ بهاء الدين ابن الشيخ «محمد وفا الرفاعي» ومعه من حلية رسول الله ﷺ شعرة أعطته إياها امرأة من أكابر نساء استانبول. فتلقاه الناس بالتكريم، ووضعت الشعرة في زاوية الشيخ تراب المتصلة بجامع خسرو باشا. وفي الساعة الثامنة بعد ظهيرة يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان المعظم من هذه السنة المصادف لليوم ٢٧ آذار سنة ١٣٠٦ بدأ المطر ينهلّ كأفواه القرب، واستمر بهذه القوة العظيمة إلى الساعة الأولى ليلا، حتى طافت الشوارع وبعض جوامع وحمّامات ودكاكين، وأغرق نحو ثلاثين حملا من الأرزّ والملح وغيرهما في خانات باب الجنان، وخسفت الأزقّة، وسقط صاعقة في محلة ساحة بزّة فصدّعت أربعة جدران.
وفي يوم الخميس ١٢ رمضان سنة ١٣٠٧ وصل إلى حلب واليا عليها عارف باشا.
وفي صيف هذه السنة ظهر في حلب ونواحيها مرض وافد سماه الناس باسم «أبي الرّكب» وكان وفوده من الممالك الإفرنجية، وكانت أعراضه في حلب أن يبتدئ مع الإنسان بقشعريرة خفيفة تارة وسخونة أخرى، ثم تطبق السخونة ويلزم المريض الفراش، ويشتد معه وجع الرأس والصداع والغثيان بضعة أيام، ثم يشعر بوجع في مفاصله وفي ركبه إلى أن يمضي عليه نحو خمسة عشر يوما تقريبا، فينقه من مرضه. وفي شتاء هذه السنة أيضا انقلب هذا المرض إلى علّة سماها الناس «الفولانزا» وفدت من البلاد الإفرنجية، وهي نزلة صدرية شديدة يصحبها سخونة في الجسم، تستمر نحو عشرين يوما وتنتهي بالشفاء غالبا.
стр. 1310
وفي يوم الثلاثاء ٢٩ شوال المصادف اليوم الخامس حزيران سنة ١٣٠٦ في الساعة الرابعة والدقيقة الثالثة والثلاثين ابتدأت الشمس بالكسوف وانتهى الكسف في الساعة الخامسة والدقيقة الرابعة والثلاثين، وبدأ بالانجلاء في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والثلاثين، فكانت مدة الكسوف من الابتداء إلى انتهاء الانجلاء ساعتين ودقيقتين، ومقدار ما انكسف من قرص الشمس تسع أصابع من اثنتي عشرة أصبعا.
стр. 1311
سنة ١٣٠٨ ه ـ
في يوم الخميس ٢٦ محرّم هذه السنة ٢٩ آب سنة ١٣٠٦ تواردت الأخبار من جهة مسكنة بأنه أصيب فيها بالهيضة خمسة عساكر بواسطة ثلاثة أفراد من البدو، وقدموا إلى مسكنة من بلد الجزيرة، المنتقل إليها هذا المرض من ديار بكر فبغداد فالبصرة فالهند. ثم في يوم السبت ٢٨ محرم أصيب بالمرض المذكور بضعة أشخاص من النصارى في زقاق أبي ناصر في محلة قسطل الحرامي بحلب. وفي ثاني يوم مات أكثرهم فوضعت الحكومة الحجر على هذا الزقاق عشرة أيام، وفشا المرض في أنطاكية وحمص وحماة وكلّز وعينتاب والبيرة، ولم تزد وفياته اليومية على خمسين نسمة في حلب.
فاهتمت الحكومة بالأسباب التحفظية وبالغت بنظافة البلد، وحظرت بيع الخضر والبقول المضرة، ووضعت في عدة جهات داخل البلد مقدارا عظيما من الزبل اليابس.
ثم في الساعة الحادية عشرة من يوم الاثنين ٢٨ ربيع الأول أمرت أن تضرم النار في هذا الزبل، فعلا الدخان إلى طبقات الجو وانتشر ريحه في جميع البلدة. وكان الغرض من ذلك تنقية الهواء به من المكروبات التي يزعم الأطباء أنها السبب في مرض الهيضة. ثم نبهت الحكومة على مختاري المحلات أن يحملوا كل ساكن في محلتهم على أن يبخّر بيته كل يوم بالقطران والكبريت، ويطرح في المراحيض مقدارا من الزاج والكلس، ويرشّ البيوت بروح الفحم، ويحرق عند باب داره مساء كل يوم مقدارا من الزبل. فامتثل البعض منهم الأمر، فلم يفد ذلك شيئا. إلى أن كان أواخر كانون الثاني تقلّص ظل هذا المرض الذي وقف دولاب التجارة ورفع أسعار العقاقير الافرنجية كالقينا وروح الفحم والكونياك، لانقطاع جلبها من أوروبا، لعدم مجيء البواخر إلى ميناء إسكندرونة بسبب الحجر الصحي المضروب فيما بين أنامور وإسكندرونة برا وبحرا. وكانت مدته خمسة أيام، واستمر ذلك إلى اليوم الثاني والعشرين من كانون الثاني، فألغي الحجر وعادت التجارة إلى ما كانت عليه، ورجع الناس من هربهم. على أن السبب الأعظم لتكرر هذا الداء الوبيل في حلب
стр. 1312
ماء قناتها ونهرها. يؤيد ذلك فتكه بسكان المحلات التي تشرب من ماء القناة والنهر أشدّ من فتكه فيمن يشرب من ماء غيرهما.
وفي آذار هذه السنة انجس المطر عن بلاد حلب، حتى عدم نصف الموسم. وفي شوال هذه السنة أعني ١٣٠٨ المصادف شهر مايس، عادت الهيضة إلى حلب وأنطاكية والعمق، وضرب النطاق الصحي على حلب وبلادها. وفي رابع عشر مايس سنة ١٣٠٧ وقع في البيرة برد واحدته في حجم البيضة واستمر سقوطه نحو ربع ساعة، فكسر زجاجات البيوت وأضرّ بالزروع وحمل سيله فاقتلع بلاط محلّة وادي جنك، وهدم بضعة جسور، ونحو عشرة بيوت، وقتل أربعة أوادم وأهلك مقدارا عظيما من الدوابّ والأمتعة. وفي هذا اليوم وقع نحو هذا في الحمّام الغربي وقرية أربه لي، من قضاء بيلان، فأتلف جميع الزروع، وانقضّت صاعقة فقتلت دابتين وإنسانا. وكذا وقع في عدة قرى من قضاء عينتاب فأتلف زروعها وهدم بيوتها وأهلك كثيرا من دوابها.
وفي حزيران هذه السنة كان الجراد في ولاية حلب كثيرا أكل فيها مبلغا عظيما من زروعها، فاجتمع في هذا العام الوباء على الناس والبرد والجراد على الزرع، فارتفعت أسعار القوت وتعطلت التجارة. وفي ذي الحجة من هذه السنة بعث قائمقام قضاء أنطاكية إلى ولاية حلب عاديّات وجدت قرب الجبل بالموضع المعروف هناك باسم «بين الخراب» يبعد عن أنطاكية مسافة ربع ساعة، وهي تمثال من الصّفر يمثل متصارعين، وشمعدان عليه صورة رأسين مقطوعين متصلين ببعضهما من طرفيهما. وقد فحصها بعض العارفين بالعاديّات فزعم أنها مضى على وجودها في الدنيا ثلاثة آلاف سنة، وقد أرسلت إلى نظارة المعارف.
стр. 1313
سنة ١٣٠٩ ه ـ
في محرّم هذه السنة خفّت وطأة الهواء الأصفر في حلب وحارم وأنطاكية. بعد أن بلغت وفياتها اليومية في حلب مائة شخص وزيادة، ولكنها في هذا الشهر أيضا فشت في عينتاب وكلّز. وفي محرّم هذه السنة أيضا بوشر بستر مجرى المياه القذرة في الخندق الكبير، الذي صار جادة عامة بعد أن قطعت منه الأشجار وثقّف «١» بالتراب من باب حديد بانقوسا إلى حضرة مزار السهرودي. وفي هذا الشهر أيضا فشت علة الهيضة في أورفة فأخذت تحت المنطقة الصحية. ثم في شهر ربيع الأول فشت في إسكندرونة. وفي أواخر شهر رجب تقلص ظل الهيضة من سائر بلاد الولاية ورفع الحجر الصحي عنها. وفي آذار منها وصل إلى حلب جراد كثير طبّق السهل والجبل وملأ قناة حلب وأفسد ماءها، فطبّقتها البلدية بالحجارة الكبيرة من قرية هيلانة إلى قرب ناحية بعادين، منعا لسقوط الجراد فيها.
وقد ترك من القناة بعض مواضع مكشوفة للشرب والوضوء. وطول ما طبق منها ثلاثة عشر ألف ذراع معماري، وجمع من بزر الجراد- قبل أن ينقف- زهاء ستة ملايين أقّة.
وفي هذه السنة بلغت رسوم عدّ الغنم عن سنة ١٣٠٨ رومية في ثلاثة عشر قضاء ملحقة بحلب (٧١٩٣٢٤٢) قرشا موزعا هذا المبلغ على رأس كل شاة ومعزى: ثلاثة قروش ونصف القرش عملة أميرية، سعر الذهب العثماني مئة قرش. وفي ذي القعدة من هذه السنة بوشر بتنظيم جادة الخندق من باب دار الحكومة إلى باب الفرج. وفيها فتح مستشفى الغرباء تحت القلعة قرب سوق الضرب، وسمي مستشفى الغرباء الحميدي، وفرش من أموال إعانة جمعت من أهل الخير. وفيها طبق كثير من مجاري المياه القذرة في حلب، وكانت مكشوفة تنبعث منها الروائح الكريهة وتشوه مناظر الشوارع.
стр. 1314
سنة ١٣١٠ ه ـ
في محرّم هذه السنة مات ولدان من أهل محلة أقيول، لأكلهما لب عجو المشمش، لسمّ يوجد فيه يقال له حامض الكيالوس. وفي صفر هذه السنة شرع بتعمير المدرسة الحلوية عن يد لجنة خصوصية بنقود مجموعة من أحكار أراضي التلل خارج باب الفرج، قرب السّهروردي. وكانت تعرف قبلا بمناشر الزبل، وهي من جملة أوقاف الحلوية التي وقفها نور الدين الشهيد، وكانت قبلا تلالا عظيمة كالجبال لا يشتريها أحد بقرش واحد.
فلما كثر الناس بحلب وانتشر الأمان خارج سورها أخذ الناس يشترون كل ذراع مربع من التلل المذكورة من متولي المدرسة بعشرين قرشا. ثم تصاعد السعر حتى بيع الذراع على طريقة التحكير الشرعية بذهبين عثمانيين، فأثرى وقف المدرسة المذكورة وكثرت عقاراته، وعمرت المدرسة ظاهرا وباطنا. ومن هذا التاريخ أخذت محلة التلل بالسعة والعمران حتى أصبحت في هذه الأيام من أجمل محلات حلب وألطفها موقعا وأغلاها قيمة.
وقد أسلفنا ذكرها في الكلام على محلة الصليبة الصغرى من الجزء الثاني.
وفي اليوم الخامس من شهر ربيع الأول حدث في سوق رأس الجسر من مدينة أنطاكية حريق أتى على ٦٥ بناء ما بين دار ودكّان. وفيه أيضا كان ستة أشخاص من السامسونيين يشتغلن في طاحون في جهات كلّز أكلوا نباتا يعرف بالفطر فمات منهم ثلاثة. وفي رجب بوشر بتعمير مستودع لزيت البترول المعروف بالكاز في مدينة إسكندرونة. وفيها حول المكتب الإعدادي الملكي في حلب إلى ليلي فبلغت طلبته نيفا وثمانين. وفيها قبضت الحكومة على رجل يستخرج من قرية قرق مغارة (أربعين مغارة) ملح البارود فصادرته وحبسته.
وفي شعبان- المصادف شباط الرومي- حدث عدة هزات أرضية في حلب والرّها ومرعش والبستان وعينتاب والبيرة. وفيها ارتفع سعر التنباك بسبب دخوله تحت شركة الانحصار، فصار المدخنون بالماربيج يستعملون فيه بدل التنباك حب الرز وعرق السّوس، ويزعمون أنه يغني عن التنباك. فلم يقيموا على ذلك غير القليل ثم عادوا إلى التنباك.
стр. 1315
وفي ربيع هذه السنة كانت الأمطار كثيرة غزيرة في جميع الجهات، فكبست السيول بعض المنازل في الرّها وأنطاكية وغيرهما من البلدان، وطغت المياه على سهول العمق فأغرقت كثيرا من قراه، وكان ذلك ناشئا عن ضيق مصائد السمك المبنية في نهر العاصي، المعروفة في أنطاكية باسم (داليان) . وفيه قذف بحر السويدية قرب «الجوليك» حوتا عظيما طوله- عدا رأسه- ثلاثون ذراعا معماريا، فأخذ الأرمن هناك رأسه واستخرجوا منه مقدارا عظيما من الدهن. وفيها وزعت الحكومة على بعض الزراع حب ذرة صفراء وبيضاء أحضرت من أميركا قصد تجربة محصولها فلم تنجح.
وفي صيف هذه السنة في آب منه اشتد الحر في حلب حتى صعد الزئبق في مقياس السنتغراد في الظل الشمالي إلى الدرجة الأربعين. وفيها تواردت الأخبار من الرقّة بأنه فشا في غنم بعض قراها مرض سببه دودة في كبدها تحصل من رعيها حشيشة اسمها البور.
وفيها عاد لدين الإسلام عشيرة فلجلو في قضاء بازارجق، بعد أن صارت إباحية من الطائفة المعروفة باسم قزل باش (الرأس الأحمر) . وفي يوم الثلاثاء ١٥ جمادى الثانية وصل إلى حلب واليا عليها الحاج عثمان باشا، وهي ولايته الثانية، وكان كسيحا يحمل بين يدي الرجال ويوضع في عربته ويحمل منها إلى محل جلوسه. وهو من أعظم وزراء الدولة عند السلطان عبد الحميد، محبوبا لديه، لأنه هو الذي سعى بقتل بطل تركيا الفتاة مدحت باشا حينما كان محبوسا في الطائف، وعثمان باشا واليا في الحجاز. وكان هذا الوالي في منتهى درجات السخاء إلا أنه أيضا كان في منتهى درجات قبول الرشوة. وفيها نقل مركز قضاء جبل سمعان إلى قرية خان تومان.
стр. 1316
سنة ١٣١١ ه ـ
في ربيع الثاني منها تم افتتاح جادة الخندق، وبدأ الناس يسيرون فيه بكل سهولة.
وكان هذا الخندق بستانا كما بينا ذلك في الكلام على أسوار حلب. وفيه تم بناء القنطرتين المضافتين إلى جسر الناعورة تعريضا له. وفيه ورد من قضاء إدلب أن رجلا في قرية «شلاية» في ناحية «ريحا» ذبح ماعزا مريضة وباع لحمها فكلّ من أكل منه مرض، ومنهم ثلاثة ماتوا. وفيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى الرقة على طول ١٨٠ ميلا (كيلومتر) . وفيها وضع أساس مسجد وتكية في قرية «حيش» من أعمال قضاء المعرة لزعم مرقد لوليّ هناك اسمه علي خزام. وفيها أحدث في حلب مكتب للإناث تدفع نفقاته من جهة المعارف. وفيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى دير الزور.
стр. 1317
سنة ١٣١٢ ه ـ
في سادس محرّمها توفي الشيخ حسن وادي، ودفن في حجرة غربي قبلية مسجد الزاوية تحت القلعة، قرب باب محلة ألطون بغا. وفي ١١ محرّم منها ولي حلب حسن باشا الأشقودري ثانية. وفي جمادى الأولى منها المصادف تشرين الثاني سنة ١٣١٠ احترق سوق بيلان. وفيها كان تأليف كتائب الحميدية من عشائر البوادي مضاهاة لعساكر القوزاق عند الدولة الروسية لأنهم من عشائر بواديها. وفيها جعل مركز قضاء حارم في قرية كفر تخاريم تفاديا من وخامة هواء حارم وضيقها، ورغبة في جودة هواء كفر تخاريم وسعتها. وقد تعهد جماعة من أهلها أن يعمروا فيها من أموالهم دارا للحكومة ومستودعا للرديف ومحلا للتلغراف، فوفوا بوعدهم.
عصابات الأرمن:
وفيها استفاضت الأخبار من أنطاكية وإسكندرونة وجسر الشغر أن جماعة من عصابات الأرمن ظهروا في الجبال المتوسطة، بين ناحية السويدية في قضاء أنطاكية وبين ناحية أرسوز في قضاء إسكندرونة، وأنهم تحرشوا ببعض قرى المسلمين والمسيحيين وتعدّوا على أهلها.
فلم يلتفت الوالي- وهو حسن باشا الأشقودري- إلى هذه الأخبار وأراد أن يبقي هذه الحادثة في حيّز الكتمان لغرض لا نعلمه. ولكن هذه القضية لم تقف على حدّ يمكن كتمانها عنده فقد عادت تلك العصابة الأرمنية إلى تعدّيها واشتهر أمرها ثم تعلقت بشعف الجبال «١» وسلكت منها في الشعوب والمضايق حتى وصلت إلى الزيتون من أعمال مرعش.
ولما بلغ الحال هذا المبلغ لم يسع الوالي أن يتغاضى عنه، فندب للتحقيق عن هذه القضية رجالا من حلب أشخصهم إلى جهة السويدية، فتبين لهم أن جماعة من ناشئة الأرمن قدموا على ثغر السويدية من أميركا بقصد الترؤّس على طوائف الأرمن في البلاد العثمانية والقيام
стр. 1318
على الحكومة لينالوا الاستقلال، وأنهم- بعد أن أهاجوا الفتن والقلاقل في جهات السويدية وأضرموا فيها نار الثورة- تسلقوا الجبال وقصدوا جهة الزيتون ليجعلوها مقرا لحركاتهم الحربية. فلم ترق هذه الأخبار بعين الوالي بل مسخها وشوّه وجه حقيقتها وأذاعها في صحيفة الفرات. والظاهر أن الوالي كان يخشى أن يتطير السلطان منه لحدوث هذه المسألة في أيام ولايته.
ثم إنه لم يمض سوى مدة يسيرة حتى اشتهر الحال وظهر الاختلال في جهات الزيتون حيث انضم إلى تلك العصابة ألوف من الأرمن وثاروا بغتة، وكان من أمرهم ما سنذكره في حوادث السنة التالية. وكان سبب تفاقم أمرهم تغاضي حسن باشا الوالي عن أخبارهم في مبدأ أمرهم، ولذا نقم عليه السلطان وعزله عن ولايته فسافر إلى استانبول وبعد مدة وجيزة أدركته الوفاة. وفيها وضع في مسجد مشهد الحسين بحلب منبر وجرت فيه خطبة في الجمعة والعيدين. وفيها ظهرت علة الهواء الأصفر في حلب وبلغت أقصى وفياتها في اليوم نحو الثلاثين.
стр. 1319
سنة ١٣١٣ ه ـ
في شوّالها الموافق آذار سنة ١٣١٢ ورد من قضاء جسر الشّغر أن الغنم في الجبل الوسطاني قد فشا فيه مرض قتّال، سببه تراكم قراد على أديمه «١» . وبعد أن أشخص إلى تلك الجهة المأمور البيطري وفحص المرض قال: إن علاجه إزالة القراد على الدابة بالنظافة إن كان القراد قليلا، ومسحه بمزيج مركب من جزء من روح الترمنتينا وجزءين من الماء إن كان كثيرا. فاستعمل هذا العلاج ونجح. وفيها ورد من قضاء حارم أن بقرة لعثمان من أهل قرية «أفيز» ولدت عجلا ميتا له رأسان وأربع عيون وأربع آذان وفمان وأربع قوائم. وفيها- في ذي القعدة- وردت الأخبار من جهات السويدية وأنطاكية أن جمعا عظيما من الأرمن الأغراب وفدوا على السويدية وجبل موسى وما جاورهما من القرى الأرمنية، وانضم إليهم شرذمة من زعانف الأرمن الوطنيين، وأخذوا يعيثون بالأرض فسادا. فأشخص إليهم من مركز الولاية جماعة من الثقات للفحص عنهم والتنكيل بهم بعد أن يتبين لهم فساد طريقتهم، ففحصوا الحقيقة وتبين لهم أن تلك الطائفة ومن انحاز إليها هم من الثوار، فقبضوا على بعضهم وهرب البعض الآخر وتشتت شمل تلك العصابة.
وفي ١١ جمادي الثاني «٢» منها وصل إلى حلب واليا عليها مصطفى ذهني باشا، ثم عزل وولي حلب رائف باشا فوصل إليها في خامس شعبان منها.
تمرد الأرمن في الزيتون:
في شعبان من هذه السنة أيضا أخذت الأخبار تتوارد من الزيتون بأن الأرمن هناك تمردوا على الحكومة وشهروا السلاح على المسلمين وقتلوا وسبوا واستولوا على الثكنة العسكرية وفتكوا بالعسكر والضباط وقتلوا نساءهم وأطفالهم ومثلوا بهم تمثيلا فظيعا
стр. 1320
فاهتمت الدولة بأمرهم وجهزت جيشا من حلب وآخر من أطنه تصحبهم الأرزاق والمهمات الحربية وكان الوقت شتاء والأمطار غزيرة والثلوج متراكمة في الطريق المؤدية إلى الزيتون فلقيت العساكر بالوصول إليها الشدائد من البرد والثلج والجوع مات منهم بسبب ذلك عدد غير قليل. وأخذت البلدية في حلب من الناس عددا عظيما من الدواب كالجمال والبغال والخيل لتحمل عليها المهمات إلى الزيتون على أن تعوض أصحاب الدواب قيمتها بعد انقضاء تلك الحادثة فلم تعوض عنها سوى نحو عشرها وضاعت بقية الدواب على أهلها.
ولما علم الأرمن الثائرون في الزيتون أن العساكر سائرة إليهم جزعوا واضطربوا وتحققوا أن لا قبل لهم في النصرة عليهم فأخذ زعماؤهم يخابرون لجانهم الكبرى في البلاد الأوربية فاستغاثت تلك اللجان بالدول الأجنبية وطلبت منها السعي بإنقاذ أولئك الثوار وانتشالهم من مخالب العساكر التركية. فأصدرت كل من دولة إنكلترا وألمانيا وفرانسة وإيطاليا أمرا إلى قنصلها في حلب بأن يتوجه إلى الزيتون ويتوسط الصلح بين الحكومة العثمانية وبين الأرمن الثائرين. وفي أسرع وقت سافرت القناصل إلى الزيتون ولقوا من الطريق برحا من شدة البرد وقد استمروا في الزيتون زهاء ستة أشهر إلى أن أخلد الثوار إلى الطاعة وصدر العفو عنهم وتقرر بأن يكون القائممقام في قضاء الزيتون مسيحيا وله معاون مسلم. وفي هذه السنة حدثت المشاغب الأرمنية في مدينة أورفه ومرعش وعينتاب وكلز وبيره جك من ولاية حلب ووان وبتليس وغيرهما من بقية البلاد العثمانية وقتل من الأرمن في هذه المشاغب على رواية مائة ألف نسمة. وكان الباعث على هذه المشاغب قيام الأرمن على الحكومة وإقلاقهم راحتها في طلب انفصالهم عنها وبقائهم دولة مستقلة أو تحت نفوذ دولة روسيا أو إنكلترة. ونحن لا نشك أن تلك المشاغب كانت بإشارات خفية وأوامر برقية مرموزة من السلطان عبد الحميد إلى ولاته وأمرائه العسكرية في ممالكه رغما عما كانت الحكومات تختلق لكل مشغبة سببا غير معقول لدى أرباب العقول. على أن جميع البلاد السورية بل سائر البلاد العربية لم يحدث فيها شيء من تلك المشاغب والسبب في هذا عدم الإيعاز من قبل السلطان عبد الحميد إلى أهلها بإحداث تلك المشاغب لعلمه أن أهلها لا يلبون طلبه ولا يلبث أن يذيعوا ذلك السر الذي لا يخفى عليهم.
استطراد في الكلام على الأرمن ومدينة الزيتون:
نورد في هذا الاستطراد بعض ما وقفنا عليه من الأحوال الروحية والتقاليد القومية،
стр. 1321
التي سارت على سننهما الهيئة الاجتماعية من الطائفة الأرمنية التي مضى على مجاورتنا إياها بضع سنوات غبّ أن هاجرت إلى حلب بعد الحرب العالمية، وقد أصبح فيها منهم العدد الكبير الذي يقدر بستين ألف نسمة، فنقول:
الأرمن- مهما اختلفت أجناسهم وتباينت أقطارهم- أمة نشيطة جدية عاملة منصرفة عقليتها إلى الماديات دون المعنويات، وهي ثابتة في مقاصدها قوية الإرادة في منازعها، تمارس من صعاب الأمور ما يعجز عنه غيرها من أمم الشرق، لا تعتمد إلا على نفسها ولا يعوقها عائق في سبيل غاية تطلبها. ترى كل فرد من أفرادها- ذكرا كان أم أنثى، كبيرا كان أم صغيرا- مكبّا على عمله مهرولا إلى حانوته مبكرا لمزاولة مهنته التي ارتضتها له قوة جسمه وسعة مداركه، فمنهم التجار بأنواع البضائع الشرقية والغربية، ومنهم الصيدلي والطبيب والمحامي، والمهندس والصرّاف والخادم والكاتب، والميكانيكي والخياط والحائك، والنجار والحداد والحجّار، والمعمار والطاهي واللحّام، وصاحب المقهى والمنزل، وبائع الخضر والبقول، وغير ذلك من المهن التي لا تخلو واحدة منها، شريفة كانت أم حطيطة، إلا والمشتغلون بها من الأرمن عدد كبير يزاولونها باعتناء وإتقان لا مزيد عليهما. وهم- على اختلاف مهنهم وحرفهم- يقنعون بالربح اليسير ويقتصدون بالإنفاق على أنفسهم، الأمر الذي أكسد سوق نظرائهم من الحلبيين وضيّق عليهم أسباب معايشهم، لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير لتعوّدهم على التوسع بالإنفاق دون الاقتصار على ضروريات الحياة.
كل فرد من أمة الأرمن- ذكرا كان أم أنثى- لا يرضى أن يكون عاطلا عن العمل متقاعدا عن الاحتراف، ولذا لا ترى منهم متسوّلا ولا متشردا، ولا من هو عيلة على غيره، سوى من أعجزته العاهات والزّمانات «١» عن النهوض بعمل ما، وسوى الأيتام الذين ليس لهم مال ولا أولياء ينفقون عليهم، فإن هؤلاء الجماعة قد تكفلت بإعاشتهم الجمعيات الخيرية الأرمنية المؤلفة في حلب وغيرها من بلاد أميركا وأوربا، ففتحت لهم دور العجزة والمياتم والمدارس، وأغنتهم عن الحاجة إلى غيرهم وعنيت بأمورهم أحسن عناية.
стр. 1322
أما نساء أمة الأرمن فإنهن يرين للرجل حق السيطرة عليهن، فهن بهذه العقيدة من أطوع نساء العالم لأزواجهن، وهن بعيدات (إلا ما شذّ منهن) عن معانقة الأزياء الغربية في لباسهن وزخارفهن، إذ قلما تجد على أرمنيّة ثوبا يبدو منه الذراعان إلى قرب الكتف ويظهر منه الكاهل والنحر وأعالي الصدر. كما أنك لا تجد فيهن واحدة تستعمل في وجهها وشفتيها- وما بدا من يديها- التمويه بالبياض والحمرة. قد اعتضن عن ذلك كله بنظافة بشرتهن واعتدن على الاغتسال بالحمّام والتردد إليه من حين إلى آخر، والتزمن في لباسهن جميعا زيا واحدا، وهو ثوب بسيط بأكمام، يستر المرأة من رقبتها إلى ما تحت ركبتيها ساترة ساقيها بجورب منتعلة بحذاء (قندرة) له كعب عال، فاتحة على رأسها شبه طيلسان «١» أسود اللون مثلث الشكل، قد أرسلت خلفها زاويته الوسطى تستر بها ظهرها وضفيرتها.
ومنهن من تفتح على رأسها منديلة صفيقة سوداء، ترخي منها ذؤابة على ظهرها تخالط بها شعرها، فلا يفرق الناظر إليه بينه وبين ذؤابة المنديلة. على أن هذا النسق من اللباس والطيلسان لا يكاد ينقص عن الإزار الشرعي سوى عدم ستره جميع الشعر. وقلّ منهن من تلبس القبعة (البرنيطة) في رأسها.
ما تؤاخذ به أمة الأرمن:
إن هذه الأمة على ما هي عليه من المزايا الحسنة لم تتنزه عن بعض هنات تستوجب عليها المؤاخذة وهي:
(١) التعصب المفرط الخارج عن دائرة الاعتدال، فإن كل واحد من الأرمن يرى الصواب كله فيما هو عليه من العقيدة والتقاليد والعادات، وأن ضد ذلك فيما هو عليه غيره. على أن هذه العقيدة هي التي تجعل الأرمني بعيدا عن معاشرة غيره منكمشا عن صحبة الناس، غير مؤتلف ولا مختلط معهم.
(٢) التهوّر وقصر النظر وقلة التبصر بالعواقب، وعدم وزن القدرة في القيام على طلب الاستقلال الذي طالما جلب على أمة الأرمن البوار والدمار، وأفنى منها ما يعدّ بألوف الألوف، دون الحصول على ما تبتغيه، غير متعظة بقول الحكيم:
стр. 1323
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وكيف تريد أن تدعى حكيما ... وأنت لكلّ ما تهوى تبوع؟
(٣) الإلحاح بالانتقام من عدوهم إذا ظفروا به، حتى إنهم ليبطشون ببعضهم إذا طرأ بينهم خصام ونزاع، فترى سورة الغضب في أحدهم تحمله على أقصى ما تجود به قوته من الضرب والبطش.
إن التهور وقلة التبصر في العواقب قد كلّفا الأرمن أن يريقوا من دمائهم بحارا دون أن يحصلوا من ذلك على جدوى.
إن من تصفح التاريخ ونقّب فيه عن حوادث الزيتون والأرمن، وعما طرأ على مرعش من الخراب المتكرر، يظهر له جليا أن قيام الأرمن وتمردهم على الحكومات الإسلامية لم يخل منها زمن من الأزمان، يقومون على الحكومات تارة بأنفسهم وأخرى بواسطة الروم الذين يشنون الغارات على جهات الأناضول بإغراء الأرمن والالتجاء إليهم، ينضمون إلى الصليبيين تارة وإلى التاتار أخرى، فلا ينالون من ذلك سوى الفشل الذي كان الأحرى بهم أن يقودهم إلى العيش مع جيرانهم بالمسالمة والوفاق كما يعيش غيرهم من بقية الطوائف المسيحية التي تعيش في غبطة من السلام والوئام.
انظر إلى ما كتبناه في الكلام على مرعش يظهر لك أن هذه البلدة خربت بمشاغب الأرمن خمس مرات، أعاد بناءها في المرة الأولى معاوية، وفي الثانية العباس بن الوليد، وفي الثالثة الوليد بن هشام، وفي الرابعة صالح بن علي- في خلافة المنصور- وفي الخامسة سيف الدولة بن حمدان. ثم تنقلت عليها الولاة المسلمون حتى استولى عليها كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي، وكأنه استصعب حفظها والقيام بها فوهبها لبعض طهاته، وهو حسام الدين، ثم انتقلت عنه لأولاده إلى أن كانت سنة ٦٥٦ فعجز عماد الدين- آخر من تولاها من أولاد حسام الدين- عن ضبطها لتواتر غارات الأرمن عليها، فعرضها على كيكاوس صاحب الروم فأباها، فعرضها على السلطان صلاح الدين فأباها أيضا، فرحل عنها وتسلمها الأرمن حتى أخرجهم منها سنة ٩٠٠ علاء الدولة بك أحد أمراء الدولة ذي القدرية «١» وعمرها في موضعها الحالي وأجلى الأرمن عنها إلى أن
стр. 1324
كانت سنة ٩٢٨ دخلت تحت سلطة الدولة العثمانية، وكان جاليتها الأرمن ومن اختاروا التوطن في ضواحي قلعة الزيتون الخربة التي هي في وسط جبال وعرة المسالك جدا، تحصّنا وتمنعا عن الحكومة التي تهددهم بقوتها إذا حاولوا التمرد عليها.
ونقلت من كتاب «فظائع الأرمن» التركيّ العبارة ما خلاصته أن الأرمن في حدود سنة ٩٥٢ هـ رأسوا منهم أربعة أشخاص سموهم (إيشخان- برنس) وقسموا مدينة الزيتون بينهم أربعة أقسام، أقاموا على كل قسم منها واحدا يحكمها من هؤلاء الأربعة، وعقدوا جمعية سموها (فه أودال) جعلت وظيفتها السعي وراء تأييد السلطة الأرمنية على أهل تلك النواحي المجاورة لهم. فاستفحل أمر هذه الجمعية وامتدت سلطتها إلى القرى المجاورة لها، حتى صارت تجبي الضرائب من أهلها بواسطة جباة ينصبونهم، حتى إن كثيرا من القرى الإسلامية القريبة من الزيتون خربت وجلا أهلها عنها فرارا من ظلم الزيتونيين وتعدّيهم، وكانوا كثيرا ما يتمردون على الحكومة بدعوى كثرة ضرائبها عليهم، حتى إنهم قاموا مرة عليها بزعم أن ضرائبها البالغة في السنة ١٥ ألف قرش لا يقدرون على دفعها، ثم إنهم لما رأوا أن لا مناص لهم من دفعها أذعنوا للطلب ودفعوها ثم تجاهروا بالعصيان وقاموا عليها في سنة ١١٩٧ ثم تكرر منهم هذا التمرد في كل من سنة ١٢٠١ و ١٢٢٣ و ١٢٢٤ و ١٢٤١ و ١٢٤٧ و ١٢٥٨.
وفي سنة ١٢٧٠ حضر إلى الزيتون قسيس اسمه (ملكيان أورزروفي) ليكون عضوا عاملا في العصابة العصيانية. وعندها انتخب الإيشخانيون القسيس (ديراسويان) مشاور الحكومة، فنصبوه حاكما عاما على الأرمن في تلك النواحي. فتوجه هذا إلى دولة روسية ليؤيد حاكميته الموهومة. وبينما هو في الطريق إذ ألقي القبض عليه في مدينة أرضروم وحضر إلى الزيتون شابّ اسمه (هاروتيون جاقريان) وهو زيتوني الأصل، وكان من مأذوني مكتب الأرمن في «غلطة» فتعين عضوا عاملا في جمعية الزيتون، فنفخ هذا الشاب في أدمغة الأرمن روح استقلال الأرمن وانفكاكهم عن الدولة العثمانية.
ومن ذلك الوقت أخذوا يشدّدون الوطأة على من حولهم من أهل القرى المسلمين، وأخذوا يستعطفون أمة الأرمن ويطلبون منهم المدد والمعونة على مشروعهم فصارت الإعانات ترد إليهم تباعا من أميركا ومصر وغيرهما، حتى إن أرمنيا اسمه (مياسيال أنيكه)
стр. 1325
الزيتوني المقيم في مصر، تبرع على هذه الجمعية بأربعمائة ليرا، وأرسل إلى مكاتب الأرمن في الزيتون معلمين خصوصيين، وصار يحضر إلى الزيتون- من غير أهلها- جماعة تمكنت فكرة الاستقلال من رؤوسهم، منهم رجل أعطوه لقب (برنس) حرروا له محضرا عاما ليقدمه بنفسه إلى نابليون الثالث إيمبراطور فرانسة، قالوا فيه إنهم يسترحمون من حضرة الإمبراطور باسم سبعين ألف بطل أرمني أن يظاهرهم على الاستقلال. فاهتم الإمبراطور بهذا الطلب أولا ثم لما تأمل المحضر وعلم ما فيه من المبالغة في العدد والتظلم طرحه وراء ظهره.
قال في الكتاب المذكور: وفي سنة ١٢٨٢ سرى تمرد الزيتونيين إلى استانبول بواسطة مرخّصي الأرمن الزيتونيين. وفي تلك الأثناء عينت الحكومة للزيتون قائمقام، فقام بعضهم يطلبون من البطركية رفعه، وظهر واحد من شجعانهم اسمه (بابيك باشا) وصار يتعاطى الدعارة وقطع الطريق إلى أن مات. وفي سنة ١٢٩٧ بدأ الاختلال في تلك الجهة وكان زعيمه رجلا اسمه بابيك، وقد دام هذا الاختلال إلى سنة ١٣١٣ وقد حدث في هذه المدة عدة وقائع أهمها الواقعة التي تقدم ذكرها، التي بدأت سنة ١٣١٣ وقد اشترك في هذه الواقعة عامّة الأرمن الجبليين، سوى أفراد قليلين منهم. واستغرق هذا الاختلال مدة خمسة وأربعين يوما. ثم تداخلت القناصل ووقفت هذا الاختلال كما قدمناه.
قال صاحب الكتاب المذكور: والغريب أن زعماء هذا الاختلال قاموا في أوله على قصد النهب والسلب، ثم بدا لهم أن يفرغوه في قالب سياسي، وبذلك اغتنموا فرصة جمع مبلغ عظيم من النقود، جمعوها من الأرمن ودلّوها في جيوبهم. وكان الغرض الحقيقي من هذه المشاغب الدعوى للمداخلة الأجنبية، وإضعاف الدولة العثمانية والتأمين على استقلال الزيتون. اه الاستطراد.
وفي هذه السنة ١٣١٣ استولى الخوف على الناس في حلب وصار لا يمرّ يوم وإلا ويقع فيه الرعب من الثورة، فيغلق الناس حوانيتهم ويتراكضون إلى بيوتهم. وفيها- في ثاني عشر آذار- سطع بين العشاءين ضياء دهش له الناس، استغرق نحو خمس دقائق. وقد انتبه له الناس من داخل خلواتهم وجعلوا ينظرون إليه، وبينما كانوا يرونه جرما ملتهبا آخذا بالهبوط، إذ بصروا به جرما عظيما كأنه قطعة سحابة نارية يتطاير منها شرر كثير كأنها
стр. 1326
جمرة تتلظى، ثم أخذ لونها بالبياض حتى عادت كأنها غمامة بيضاء استمرّت تشاهد في الجو نحو ساعتين. وقد ترك حين نزوله من العلوّ أثرا محمرا بقي قدر ساعتين. وشوهد هذا الحادث أيضا في جزيرة قبرص وقونية وأدرنة.
وفيها استتب الأمن في الزيتون وأقلعت عنها طوابير الرديف إلى مراكزها، فوصل منها في يوم الجمعة ١٩ ذي القعدة عدة كتائب سافرت في ثاني يوم إلى أزمير. وفيها عمر في قرية قره أغاج قرب مدينة إسكندرونة جامع على نفقة الخزينة الخاصة. وفيها أضيفت ناحية تركمان إلى ناحية حرّان، وجعلت قضاء سمّي «قضاء حرّان» ألحق بمتصرفية أورفة. وفيها صدر الأمر بأن يعمر على الساحل الممتد من بياس إلى السويدية إحدى عشرة مخفرة لتكون بالمرصاد على الأرمن الذين يقدمون من أميركا وأوربا إلى البلاد العثمانية بقصد تهييج المشاغب وطلب الاستقلال.
стр. 1327
سنة ١٣١٤ ه ـ
في صفر هذه السنة اهتم مجلسنا البلدي برحبة السقاية- المعروفة بسبيل الدراويش- في شمالي حلب على بعد ميلين منه، فعمر فيها غرفتان على طرز جميل، وأنشئ تجاههما بستان فسيح، وجعل ذلك المكان محلا لنزهة العموم. وفي ربيع الثاني منها تواردت الأخبار من الآستانة بأن عصابة من الأرمن أثاروا فيها وفي غيرها من البلاد مشاغب شديدة، فعوقبوا على عملهم وعاد الأمن والسلام إلى مجراه القديم، ودعت حكومة حلب علماءها وأعيانها ورؤساء الكهنة فيها وألقت عليهم النصائح اللازمة وحثتهم على الوفاق والمسالمة لبعضهم، وحذّرتهم عاقبة المخالفة. ثم فرقت الحكومة على الناس بواسطة عرفاء المحلات نشرة مآلها: أن بعض أولي الفساد من طائفة الأرمن العاملين على إثارة الفتن والقلاقل في الآستانة قد عقدوا النية على إثارة ذلك أيضا في عامة البلاد العثمانية، وغرضهم من هذا العمل إغضاب المسلمين ليوقعوا بالأرمن، فيبرهن الأرمن لأوروبا بأنهم مظلومون وأن المسلمين لهم ظالمون فتنهض أوروبا لإنقاذهم من ظلمهم وتقع الدولة العثمانية في خطر سياسي جديد. فالواجب على كل فرد من أفراد الرعية العثمانية أن يلزم جانب السكون والحياد ولا يتعرض إلى ما لا يعنيه، فإن الحكومة وحدها هي المسؤولة عن إخماد كل ثائرة وقطع دابر كل فساد.
وفي أيلول منها وقع في السويدية مطر غزير انقضّت في أثناء وقوعه صاعقة على زورق في الميناء حطمت ساريته. وفيها ورد الأمر بأن إحدى عشرة قرية- بعضها في قضاء حارم من أعمال ولاية حلب، وبعضها الآخر في قضاء الخاصة من أعمال ولاية أطنة- تسلخ عن هذين القضاءين وتضاف إلى قضاء بيلان، وهي: دده جنار، وبوز هيوك، وقره بابو، وبرته لى، وباصي بورت، وبلانقوز، وزنكي، وجام صاري، وطوسون هيوكي، وكوز كجه، وقره مان قاش. وفيها تم بناء الثكنة العسكرية في زيتون.
стр. 1328
حدوث حرب اليونان:
وفيها بدأت دولة اليونان تتحرش بجزيرة كريد وتثير فيها الفتن والقلاقل بواسطة عصابات يونانية تمدهم بالأموال والسلاح، فيقطعون السبل ويشنون الغارات على القرى وينهبون ويقتلون. وكان الحامل لدولة اليونان على هذا العمل اغتنامها فرصة اشتغال الدولة بحوادث الأرمن وعجز ماليتها عن الحرب. وفيها رأت الدولة العثمانية وجوب حرب اليونان وردعها لتماديها في غيّها. إلا أن مالية الدولة في عجز عظيم عن الإنفاق على هذه الحرب، فاضطرها الحال إلى أن تفرض على المملكة إعانة سمّتها إعانة التأسيسات العسكرية، قدرها ٥٨٥٢٢٥٠ قرشا. فلحق مدينة حلب منها ٩٤٧٧٥٠ قرشا وقضاء أنطاكية ٦٦٤٥٠٠ قرشا، وقضاء عينتاب ٧٦٢٧٥٠ قرشا، وقضاء كلّز ٧٥٩٧٥٠ وقضاء إدلب ٥٣١٢٥٠ وقضاء الباب ٢٣٠٧٥٠ وقضاء الجسر ٢٧٩٧٥٠ وقضاء حارم ٢٨٩٥٠٠ وقضاء بيلان ٨٢٠٠٠ وقضاء إسكندرون ١٤٤٠٠٠ وقضاء المعرة ١٧٣٧٥٠ وقضاء منبج ١٨٥٠٠ وقضاء الرقة ٦٩٧٥٠ وقضاء جبل سمعان ٢٥١٢٥٠ وشعب الأملاك السنية ٦٥٧٠٠٠ قرش.
وفيها عين السلطان عقيب حوادث الأرمن ومشاغبها مشيرا جوالا في الولايات الشاهانية ليفحص عن وجوه الإصلاح التي تحتاجها كل ولاية، وكان تعيين هذا المشير صوريا، الغرض منه التمويه على الدول الأجنبية التي تطلب حماية الأرمن وتطهير البلاد من الظالمين والمستبدين. والمشير المشار إليه: اسمه شاكر باشا، فطاف عدة ولايات وكتب ما رآه من وجوه الإصلاح اللازم إجراؤها في تلك الولايات. ثم في العشر الثاني من رمضان هذه السنة وصل إلى حلب قادما إليها من الرقة فخفّ لاستقباله إلى ناحية بابلّي في شمالي حلب قائد العسكرية أدهم باشا وعدد عظيم من الجنود الشاهانية وأعيان البلد، ونزل ضيفا كريما في منزل بني العادلي في محلة السفاحية، وكان معه حسيب أفندي مستشار السفارة العثمانية في طهران ومادر كورداتو أفندي معاون المشير، وغيرهم من الحاشية والمعاونين، فنزل كل واحد منهم في منزل واحد من أعيان حلب، وكانت زوجة المشير معه وهي مسيحية روسية تخرج للناس غير محتجبة. وبعد أن استراح بضعة أيام أعلن أنه يقبل كل لائحة تبحث في إصلاح حلب وجميع ولايتها. فأقبل عليه الكتّاب وأولو العقول الثاقبة باللوائح المتنوعة الطافحة بالفوائد الآيلة لإصلاح أحوال الولاية وتحسين أمورها، من تأسيس
стр. 1329
مكاتب علمية وصناعية وتجارية وزراعية، وافتتاح طرق ومعابر، وإحضار معامل وأوائل وتخفيض رسوم وتكاليف واحداث غيرها، وتأليف ضابطة من الملل الثلاث وغير ذلك.
فكان يتلقى تلك اللوائح بكل ارتياح ويظهر بها إعجابه. ويعد بتنفيذها مع أنه لم يظهر لها بعد ذلك أدنى أثر ولا خبر.
وفيها حوّل أدهم باشا قائد حلب إلى القائدية العامة في حدود اليونان لحرب المتعدّين على كريد، فبارح حلب على الفور متوجها إلى جهة الحدود المذكورة، وكان أدهم باشا صار بعد حادثة الزيتون قائدا عاما فوق العادة على حلب وأطنة وما جاورهما قصد استطلاع أخبار الأرمن ومراقبة أحوالهم. فلما تحول إلى حدود اليونان، خلفه في القائدية العامة المذكورة علي محسن باشا. وفي شوال هذه السنة المصادف شباط سنة ١٣١٢ تظاهرت دولة اليونان بالعداء على الدولة العثمانية، فجهزت دارعة (لورييورم) وشحنتها بالعساكر وأمرتهم أن يخرجوا إلى (كوكيمباري) فعارضتهم دارعة إنكليزية وساقت دارعتهم (لورييورم) مخفورة إلى خانية، وكانت الدولة العثمانية قد جهزت مائة واثنين وتسعين طابورا وعزمت أن تجعل هذه القوة مائتين وعشرين طابورا، وصدرت الأوامر للحامية العثمانية المرابطة في حدود ألاصونيا وتساليا بأن تكون على قدم الدفاع.
وفيها صدر الأمر بجمع إعانة اسمها إعانة المعابد الإسلامية، وبجمع إعانة أخرى اسمها إعانة مهاجري كريد المسلمين. وهكذا كان لا يمر في تلك الأعصار العجيبة شهر أو شهران إلا وتصدر الأوامر بجمع الإعانات على اختلاف أسمائها ومقاصدها، فكأن أموال الدولة على كثرتها كانت في تلك الأوقات ترمى في عرض البحار، كما أن تلك الإعانات- التي أضجرت الناس وأزعجتهم- كانت تدفن في الأرض. وفي شهر ذي القعدة الموافق نيسان سنة ١٣١٣ بدأت تتوارد الرسائل البرقية من الصدارة والنظارة الداخلية إلى ولاية حلب، نقلا عن القائد العام في جزيرة كريد، مبشرة بظفر العساكر العثمانية واستيلائهم على البلاد اليونانية وحصونها، بلدة بعد بلدة وحصن بعد حصن. وكان حضر إلى حلب عدد وافر من مسلمي جزيرة كريد مهاجرين منها فرارا من تعدي اليونان عليهم وإيقاعهم بهم، فقر رأي المرحوم والي حلب رائف باشا ومجلس إدارة الولاية على أن تلك الرسائل البرقية التي ترد تباعا تعرّب وتطبع وتباع وتصرف قيمتها المتحصلة في مصالح المهاجرين المذكورين، فكلفني الوالي المشار إليه بتعريبها حسبة، فصرت أعربها ثم تطبع في مطبعة
стр. 1330
الحكومة وتباع، ويصرف الحاصل من ثمنها في مصالح المهاجرين.
وفي يوم الخميس ٢١ ذي القعدة سافر من حلب شاكر باشا المشير المفتش العام المتجول في ولايات الأناضول وقد تقدم الكلام فيه. وفيها ورد أمر بجمع إعانة لمهاجري مسلمي كريد الذين وصلوا إلى الآستانة، ويبلغ عددهم مائة ألف وخمسة آلاف إنسان، منهم ٦٠ ألفا لا يملكون قوت يومهم. وفيها توالت انتصارات العساكر العثمانية وفشل الجنود اليونانية، ففتّ ذلك في عضد ملك اليونان فاستغاث بقيصر روسيا والتمس منه أن يتوسط بينه وبين السلطان ففعل.
стр. 1331
سنة ١٣١٥ ه ـ
في محرّم هذه السنة تم الصلح بين الدولة العثمانية واليونان على غرامة حربية تدفعها الثانية للأولى قدرها أربعة ملايين ليرة، وأن يرد إلى اليونان جميع البلاد التي أخذت منها في هذه الحرب، وبقيت جزيرة كريد تحت حماية الدول العظمى ريثما يتفقون على طريقة في شأنها، ثم اتفقوا على أن تكون لليونان.
قصيدة من نظم الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي الحلبي «١» ، نوّه بها بذكر ما أحرزه العثمانيون من الظفر في حربهم مع اليونان وما فتحوه عنوة من البلدان والمواقع:
الحمد لله حقّ النصر والظفر ... وأقبل الدهر في ذا الفتح يفتخر
وأصبحت دولة الإسلام سائدة ... وسيفها في قفا الأعداء مشتهر
ودولة العسكر اليونان خائفة ... مثل الشيّاه إذا أسد الشرى نظروا
والجيش سدّ عليهم كل ناحية ... حتى تخيّل أن الناس قد حشروا
لله درّ جيوش المسلمين فقد ... أبدت فعالا لها طول المدى سير
هم الليوث إذا نار الوغى استعرت ... والواردون إذا عنها العدى صدروا
أقلّهم يلتقي الآلاف مبتسما ... تحت الغبار بقلب دونه الحجر
أمسى تلذّذهم، والحرب دائرة، ... صوت المدافع، والتصهال، لا الوتر
يقودهم كلّ ندب، حسن سيرته ... يثني عليها قضاء الله والقدر
وكلّ شهم مشير لا نظير له ... يكاد يعطيه كنه العبرة النظر
هانت بهمّتهم كلّ الصعاب كما ... دانت لحزمهم الأمصار والقطر
يا يوم (لاريس) «٢» والأبطال غائرة ... هل أنت إلا على أعدائنا سقر
стр. 1332
حيث المدافع رعد والدخان به ... سحب وما قذفت من جوفها المطر
يوم به جاءنا عزّ ومنفعة ... وللأعادي أتاها الذلّ والضرر
و (طرنوى) أصبحت تهتزّ من جزع ... مثل النزيف الذي قد هزّه السّكر
لاقت رجالا تروع الأسد حملتهم ... ويرهب الجنّ لقياهم وهم بشر
باعوا نفوسهم لله وانتدبوا ... نحو الأعادي فما أمسى لهم أثر
حازوا غنائمهم والسلب أجمعه ... وأطلقوا السبي عفوا بعد ما أسروا
(ترحالة) خبّرينا ما نظرت فقد ... حارت بمخبرك الألباب والفكر
وحذّر «١» الروم من قوم جبابرة ... إذا نضوا سيفهم لا ينفع الحذر
فإن يظنّوا الجبال الشمّ تعصمهم ... إن الجبال لدى فرساننا مدر
يفضّلون المنايا في مقاصدهم ... على الدنايا ولا يثنيهم الخطر
يلقون أنفسهم في كل مهلكة ... كأنهم للقا الأعداء قد فطروا
و (غولس) صار بالتسليم مأمنها ... وزال عنه العنا والهمّ والكدر
وقد غدت في جيوش النصر زاهية ... زهو العروس التي قد زانها الخفر
والحرب حرب (ولستين) فتلك غدت ... ممّا يقصّر عنها الوصف والخبر
أحاطها الجند من بعد الهجوم لها ... حزنا وسهلا، فمنها لم يفز نفر «٢»
لله (لورس) ما لاقت وما نظرت ... من فعلهم وظلام الليل معتكر
قد هاجموها مساء والعدوّ بها ... ما أدبر الليل حتى أقبل الظفر
أمسوا تذمّهم الأعداء وتمدحهم ... أهل الشجاعة حتى السّبع والنّمر
قولوا لمن ظنّ أن العجز أقعدنا ... عن ردّهم حينما في عهدهم غدروا
هلا سمعت بما قد قلت من مثل ... لا يحمد القطف حتى يوجد الثمر
دوموا أيا عصبة الأعداء في قلق ... والدمع منهمر والقلب منفطر
فإنّ أوطارنا تقضى بهمّتنا ... لا بالخيانة منا يبلغ الوطر
سلوا (زراقا) و (كروانا) فقد شهدا ... فعال أبطالنا والحرب تستعر
стр. 1333
تخبّرا عن رجال ليس يأخذهم ... فيما يرومونه أين ولا ضجر «١»
(فرسالة) نبّئينا عن فوارسنا ... هل عاقهم عنك ذاك المسلك الوعر
أم هل حصونك أجدت يوم حملتهم ... نفعا، وهل صدّهم عن أخذك البهر «٢»
يومان قد ظلّ فيها الطعن متصلا ... حتى توالت على أعدائنا الغير
هيا (لدومكة) وانظر معالمها ... فالعين تشهد ما لا يشهد الخبر
حلّوا ذراها وساروا نحو (أرمية) ... بعارض هطله النيران والشرر
أروا عدّوهم حربا فسالمهم ... لمّا تحقق لا منجى ولا وزر
وقائد الجيش قسطنطين حين رأى ... جيوشه نكّسوا الرايات وانكسروا
ولّى ولم يلتفت خوفا إلى أحد ... من بعد ما زاغ منه القلب والبصر
لا غرو إن مرّ وانشقّت مرارته ... فمن فوارسنا الأطواد تنفطر
يا أدهم الاسم يا قاني الحسام ويا ... مردى أعاديك إن قلّوا وإن كثروا
أنت المشير الوزير الفارس البطل ... م الليث الغيور الكميّ الصارم الذكر
تركت فعلا لدى اليونان مشتهرا ... متى جرى ذكره أودى بها الذعر
جزاك ربّك عنّا كلّ مكرمة ... فليس منا يفيك الحمد والشكر
يا للبرية ما هذا المشير وما ... تلك الفوارس والأبطال والبشر؟
أولئك الحزب حزب الله من شهدت ... بحسن حزمهم الأرماح والبتر
مظفّرين بعزم من مليكهم ... عبد الحميد الذي تزهو به العصر
ربّ السياسة منشي العدل مالكه ... بحر الدراية سامي القدر معتبر
أفكاره شهب أقواله قضب ... إنعامه سحب تهمي وتنهمر
من فضله عامل الأعداء مذ كسروا ... بالصفح عن عظم ذنب ليس يغتفر
كم من مليك قبيل الحرب أنذرهم ... خوفا عليهم فما أغنتهم النذر
خليفة الله دم فالنصر مقتصر ... عليك إذ أنت في الشدّات مختبر
يا معشر الناس هنّوا ذا المليك فقد ... أضحى بتاريخه «٣» من دأبه الظفر
стр. 1334
وعظّموا همة منه قد اشتهرت ... يقول تاريخها «١» من دأبها الظفر
إلى آخره. وهي قصيدة طويلة اكتفينا منها بهذا القدر.
رجعنا إلى تتمة حوادث هذه السنة: في أواخر محرّمها تم بناء مستشفى الغرباء تحت القلعة. وفيها عمر في مدينة الرقة جامع ومكتب وبعض خلوات للطلبة وكانت النفقة على ذلك- وقدرها ١٥٦٥٠٠ قرش- من أموال الخزانة الخاصة. وفي هذا الشهر أيضا كان الاحتفال بمنتزه السبيل المتقدم ذكره بالغا حدّ الغاية من الرونق والبهاء. وفي صفر منها الموافق تموز سنة ١٣١٣ أحيت الحكومة في المكتب الإعدادي ليلة طرب وعزف، صرفت مجموع دخلها على تجهيز هدية لجرحى الجنود العثمانية في حرب اليونان وأيتام شهداء الجنود وأراملهم. وكانت تلك الليلة بالغة منتهى الرونق والبهاء، وكان مجموع دخلها ١٠١٥ ليرا عثمانية و ٢٤٨٧٥ قرشا.
وفي شهر جمادى الثانية منها الموافق تشرين الأول سنة ١٣١٣ وقع في جهات السويدية مطر يتخلله برد، الواحدة منه في ثقل ٣٣ درهما تقريبا، مستمرا ذلك نحو خمسين دقيقة، فحطم عروق الأشجار وقتل كثيرا من الطيور وانقضّ في خلال ذلك عدة صواعق لم تعقب ضررا. وفي رجب منها وردت الأوامر بأن يؤخذ على كل شاة تذبح أربعون، وعلى كل معزاة ثلاثون، وعلى كل بقرة مائة وعشرون بارة، يؤخذ ذلك وقتيا إعانة لمحاويج مسلمي كريد المهاجرين. وعليه صار هذا الرسم يؤخذ في مسلخ حلب، وهو فوق ما كان يؤخذ من الرسم قديما باسم الذبحية من جهة البلدية. وقد انقضت حادثة كريد وعاد مهاجروها إليها وبقيت هذه الإعانة تؤخذ على الوجه المذكور، إلا أنها صارت تصرف بعد رجوع المهاجرين إلى أوطانهم، نصفها على مكتب الصنائع ونصفها الآخر على المكاتب الابتدائية، وكان يبلغ مجموعها في السنة نحو مائة ألف قرش. وفيها في كانون الأول توالت الأمطار في مرعش بضعة أيام فانهدم فيها جامع آراسته عن آخره ولم يبق منه سوى منارته. وفيها عمر تجاه منتزه السبيل مخفرة عسكرية بإعانة جمعت من أهل الخير.
وفيها- في كانون الأول- بينما كانت قافلة كبيرة تسير إلى مرعش إذ هبت عليها- وهي قرب قمة جبل آخور- عاصفة ثلجية وقفتها عن السير، وكادت تهلك عن
стр. 1335
آخرها لولا أن اتصل خبرها بمرعش وترسل الحكومة لإنقاذها عددا من العساكر وأهل البلدة، ومع ذلك فقد هلك فيها ١٣ حمارا و ٦ شياه. وفيها- في كانون الثاني- ورد من مرعش أن الثلوج تتساقط عليها مدة ثلاثين ساعة متوالية فتكاثفت في الجبال قدر ذراعين. وفي مدينة مرعش قدر ذراع، وأنه هلك في عواصف الثلج مسافر وسبعة دواب معه، وانقطع من كثرة الثلوج سير القوافل بين مرعش والبستان والزيتون وأندرين، وهلكت دابة البريد وصقع «١» في مرعش طفل رضيع، وأتى البرد القارس على كثير من الوحوش والضواري. وورد من معرة النعمان أن الثلج فيها كثير والقرّ شديد. وجاء من عينتاب ما يشعر بذلك وأنه صقع في إحدى الطرق المؤدية إليها رجل. وورد من إدلب أن شدة البرد قتلت في إحدى ضواحيها رجلا، وأنه لم يحدث في إدلب نظير هذا البرد منذ خمسين سنة.
وفيها فتحت جادة الخندق الممتدة بين العوينة وباب حديد بانقوسا، وهدم خان الدلال باشي وصار بعضه جادة. وفيها- في آذار- شعر الناس في حلب بهزّة أرض، وحدث مثلها في أورفه ومرعش وعينتاب وكلّز وإسكندرونة وبيلان والجسر وإدلب والبيرة والباب والزيتون والبستان وأرسوز لكنها لم تعقب ضررا. وفي آذار هاجت عندنا العواصف، وقرس «٢» البرد وكثر المطر والثلج. وفيها في نيسان كثر تهطال الأمطار على القرى القريبة من عينتاب، وتساقط معها برد كثير، وانقضّ صاعقة على جدار فهدمته وقتلت عشرين شاة، وجرف السيل من قرية أولو معصرة وحصانا «٣» و ٣٦ ماعزا ومن قرية أخرى نيفا وأربعمائة شاة، وراعيا. وأفسد البرد كثيرا من الزروع. وفيها أحضرت البلدية من أوروبا دولابا للماء يدور بالهواء نصبته على بئر في منتزه سبيل الدراويش، وهو أول دولاب أحضر من أوروبا على هذا الطرز.
следующие страницы →