Полный текст (1 631 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
سنة ١٣١٥ ه ـ
في محرّم هذه السنة تم الصلح بين الدولة العثمانية واليونان على غرامة حربية تدفعها الثانية للأولى قدرها أربعة ملايين ليرة، وأن يرد إلى اليونان جميع البلاد التي أخذت منها في هذه الحرب، وبقيت جزيرة كريد تحت حماية الدول العظمى ريثما يتفقون على طريقة في شأنها، ثم اتفقوا على أن تكون لليونان.
قصيدة من نظم الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي الحلبي «١» ، نوّه بها بذكر ما أحرزه العثمانيون من الظفر في حربهم مع اليونان وما فتحوه عنوة من البلدان والمواقع:
الحمد لله حقّ النصر والظفر ... وأقبل الدهر في ذا الفتح يفتخر
وأصبحت دولة الإسلام سائدة ... وسيفها في قفا الأعداء مشتهر
ودولة العسكر اليونان خائفة ... مثل الشيّاه إذا أسد الشرى نظروا
والجيش سدّ عليهم كل ناحية ... حتى تخيّل أن الناس قد حشروا
لله درّ جيوش المسلمين فقد ... أبدت فعالا لها طول المدى سير
هم الليوث إذا نار الوغى استعرت ... والواردون إذا عنها العدى صدروا
أقلّهم يلتقي الآلاف مبتسما ... تحت الغبار بقلب دونه الحجر
أمسى تلذّذهم، والحرب دائرة، ... صوت المدافع، والتصهال، لا الوتر
يقودهم كلّ ندب، حسن سيرته ... يثني عليها قضاء الله والقدر
وكلّ شهم مشير لا نظير له ... يكاد يعطيه كنه العبرة النظر
هانت بهمّتهم كلّ الصعاب كما ... دانت لحزمهم الأمصار والقطر
يا يوم (لاريس) «٢» والأبطال غائرة ... هل أنت إلا على أعدائنا سقر
стр. 1332
حيث المدافع رعد والدخان به ... سحب وما قذفت من جوفها المطر
يوم به جاءنا عزّ ومنفعة ... وللأعادي أتاها الذلّ والضرر
و (طرنوى) أصبحت تهتزّ من جزع ... مثل النزيف الذي قد هزّه السّكر
لاقت رجالا تروع الأسد حملتهم ... ويرهب الجنّ لقياهم وهم بشر
باعوا نفوسهم لله وانتدبوا ... نحو الأعادي فما أمسى لهم أثر
حازوا غنائمهم والسلب أجمعه ... وأطلقوا السبي عفوا بعد ما أسروا
(ترحالة) خبّرينا ما نظرت فقد ... حارت بمخبرك الألباب والفكر
وحذّر «١» الروم من قوم جبابرة ... إذا نضوا سيفهم لا ينفع الحذر
فإن يظنّوا الجبال الشمّ تعصمهم ... إن الجبال لدى فرساننا مدر
يفضّلون المنايا في مقاصدهم ... على الدنايا ولا يثنيهم الخطر
يلقون أنفسهم في كل مهلكة ... كأنهم للقا الأعداء قد فطروا
و (غولس) صار بالتسليم مأمنها ... وزال عنه العنا والهمّ والكدر
وقد غدت في جيوش النصر زاهية ... زهو العروس التي قد زانها الخفر
والحرب حرب (ولستين) فتلك غدت ... ممّا يقصّر عنها الوصف والخبر
أحاطها الجند من بعد الهجوم لها ... حزنا وسهلا، فمنها لم يفز نفر «٢»
لله (لورس) ما لاقت وما نظرت ... من فعلهم وظلام الليل معتكر
قد هاجموها مساء والعدوّ بها ... ما أدبر الليل حتى أقبل الظفر
أمسوا تذمّهم الأعداء وتمدحهم ... أهل الشجاعة حتى السّبع والنّمر
قولوا لمن ظنّ أن العجز أقعدنا ... عن ردّهم حينما في عهدهم غدروا
هلا سمعت بما قد قلت من مثل ... لا يحمد القطف حتى يوجد الثمر
دوموا أيا عصبة الأعداء في قلق ... والدمع منهمر والقلب منفطر
فإنّ أوطارنا تقضى بهمّتنا ... لا بالخيانة منا يبلغ الوطر
سلوا (زراقا) و (كروانا) فقد شهدا ... فعال أبطالنا والحرب تستعر
стр. 1333
تخبّرا عن رجال ليس يأخذهم ... فيما يرومونه أين ولا ضجر «١»
(فرسالة) نبّئينا عن فوارسنا ... هل عاقهم عنك ذاك المسلك الوعر
أم هل حصونك أجدت يوم حملتهم ... نفعا، وهل صدّهم عن أخذك البهر «٢»
يومان قد ظلّ فيها الطعن متصلا ... حتى توالت على أعدائنا الغير
هيا (لدومكة) وانظر معالمها ... فالعين تشهد ما لا يشهد الخبر
حلّوا ذراها وساروا نحو (أرمية) ... بعارض هطله النيران والشرر
أروا عدّوهم حربا فسالمهم ... لمّا تحقق لا منجى ولا وزر
وقائد الجيش قسطنطين حين رأى ... جيوشه نكّسوا الرايات وانكسروا
ولّى ولم يلتفت خوفا إلى أحد ... من بعد ما زاغ منه القلب والبصر
لا غرو إن مرّ وانشقّت مرارته ... فمن فوارسنا الأطواد تنفطر
يا أدهم الاسم يا قاني الحسام ويا ... مردى أعاديك إن قلّوا وإن كثروا
أنت المشير الوزير الفارس البطل ... م الليث الغيور الكميّ الصارم الذكر
تركت فعلا لدى اليونان مشتهرا ... متى جرى ذكره أودى بها الذعر
جزاك ربّك عنّا كلّ مكرمة ... فليس منا يفيك الحمد والشكر
يا للبرية ما هذا المشير وما ... تلك الفوارس والأبطال والبشر؟
أولئك الحزب حزب الله من شهدت ... بحسن حزمهم الأرماح والبتر
مظفّرين بعزم من مليكهم ... عبد الحميد الذي تزهو به العصر
ربّ السياسة منشي العدل مالكه ... بحر الدراية سامي القدر معتبر
أفكاره شهب أقواله قضب ... إنعامه سحب تهمي وتنهمر
من فضله عامل الأعداء مذ كسروا ... بالصفح عن عظم ذنب ليس يغتفر
كم من مليك قبيل الحرب أنذرهم ... خوفا عليهم فما أغنتهم النذر
خليفة الله دم فالنصر مقتصر ... عليك إذ أنت في الشدّات مختبر
يا معشر الناس هنّوا ذا المليك فقد ... أضحى بتاريخه «٣» من دأبه الظفر
стр. 1334
وعظّموا همة منه قد اشتهرت ... يقول تاريخها «١» من دأبها الظفر
إلى آخره. وهي قصيدة طويلة اكتفينا منها بهذا القدر.
رجعنا إلى تتمة حوادث هذه السنة: في أواخر محرّمها تم بناء مستشفى الغرباء تحت القلعة. وفيها عمر في مدينة الرقة جامع ومكتب وبعض خلوات للطلبة وكانت النفقة على ذلك- وقدرها ١٥٦٥٠٠ قرش- من أموال الخزانة الخاصة. وفي هذا الشهر أيضا كان الاحتفال بمنتزه السبيل المتقدم ذكره بالغا حدّ الغاية من الرونق والبهاء. وفي صفر منها الموافق تموز سنة ١٣١٣ أحيت الحكومة في المكتب الإعدادي ليلة طرب وعزف، صرفت مجموع دخلها على تجهيز هدية لجرحى الجنود العثمانية في حرب اليونان وأيتام شهداء الجنود وأراملهم. وكانت تلك الليلة بالغة منتهى الرونق والبهاء، وكان مجموع دخلها ١٠١٥ ليرا عثمانية و ٢٤٨٧٥ قرشا.
وفي شهر جمادى الثانية منها الموافق تشرين الأول سنة ١٣١٣ وقع في جهات السويدية مطر يتخلله برد، الواحدة منه في ثقل ٣٣ درهما تقريبا، مستمرا ذلك نحو خمسين دقيقة، فحطم عروق الأشجار وقتل كثيرا من الطيور وانقضّ في خلال ذلك عدة صواعق لم تعقب ضررا. وفي رجب منها وردت الأوامر بأن يؤخذ على كل شاة تذبح أربعون، وعلى كل معزاة ثلاثون، وعلى كل بقرة مائة وعشرون بارة، يؤخذ ذلك وقتيا إعانة لمحاويج مسلمي كريد المهاجرين. وعليه صار هذا الرسم يؤخذ في مسلخ حلب، وهو فوق ما كان يؤخذ من الرسم قديما باسم الذبحية من جهة البلدية. وقد انقضت حادثة كريد وعاد مهاجروها إليها وبقيت هذه الإعانة تؤخذ على الوجه المذكور، إلا أنها صارت تصرف بعد رجوع المهاجرين إلى أوطانهم، نصفها على مكتب الصنائع ونصفها الآخر على المكاتب الابتدائية، وكان يبلغ مجموعها في السنة نحو مائة ألف قرش. وفيها في كانون الأول توالت الأمطار في مرعش بضعة أيام فانهدم فيها جامع آراسته عن آخره ولم يبق منه سوى منارته. وفيها عمر تجاه منتزه السبيل مخفرة عسكرية بإعانة جمعت من أهل الخير.
وفيها- في كانون الأول- بينما كانت قافلة كبيرة تسير إلى مرعش إذ هبت عليها- وهي قرب قمة جبل آخور- عاصفة ثلجية وقفتها عن السير، وكادت تهلك عن
стр. 1335
آخرها لولا أن اتصل خبرها بمرعش وترسل الحكومة لإنقاذها عددا من العساكر وأهل البلدة، ومع ذلك فقد هلك فيها ١٣ حمارا و ٦ شياه. وفيها- في كانون الثاني- ورد من مرعش أن الثلوج تتساقط عليها مدة ثلاثين ساعة متوالية فتكاثفت في الجبال قدر ذراعين. وفي مدينة مرعش قدر ذراع، وأنه هلك في عواصف الثلج مسافر وسبعة دواب معه، وانقطع من كثرة الثلوج سير القوافل بين مرعش والبستان والزيتون وأندرين، وهلكت دابة البريد وصقع «١» في مرعش طفل رضيع، وأتى البرد القارس على كثير من الوحوش والضواري. وورد من معرة النعمان أن الثلج فيها كثير والقرّ شديد. وجاء من عينتاب ما يشعر بذلك وأنه صقع في إحدى الطرق المؤدية إليها رجل. وورد من إدلب أن شدة البرد قتلت في إحدى ضواحيها رجلا، وأنه لم يحدث في إدلب نظير هذا البرد منذ خمسين سنة.
وفيها فتحت جادة الخندق الممتدة بين العوينة وباب حديد بانقوسا، وهدم خان الدلال باشي وصار بعضه جادة. وفيها- في آذار- شعر الناس في حلب بهزّة أرض، وحدث مثلها في أورفه ومرعش وعينتاب وكلّز وإسكندرونة وبيلان والجسر وإدلب والبيرة والباب والزيتون والبستان وأرسوز لكنها لم تعقب ضررا. وفي آذار هاجت عندنا العواصف، وقرس «٢» البرد وكثر المطر والثلج. وفيها في نيسان كثر تهطال الأمطار على القرى القريبة من عينتاب، وتساقط معها برد كثير، وانقضّ صاعقة على جدار فهدمته وقتلت عشرين شاة، وجرف السيل من قرية أولو معصرة وحصانا «٣» و ٣٦ ماعزا ومن قرية أخرى نيفا وأربعمائة شاة، وراعيا. وأفسد البرد كثيرا من الزروع. وفيها أحضرت البلدية من أوروبا دولابا للماء يدور بالهواء نصبته على بئر في منتزه سبيل الدراويش، وهو أول دولاب أحضر من أوروبا على هذا الطرز.
стр. 1336
سنة ١٣١٦ ه ـ
فيها نقلت دار حكومة قضاء حارم من قصبة حارم إلى قرية كفر تخاريم، وبنيت فيها دار حكومة بإعانة جمعت من أهل ذلك القضاء. وفي شهر صفر منها خسف القمر مبتدئا بالخسوف في نحو الساعة الثالثة ليلا، وتكامل خسوفه نحو الساعة الرابعة والنصف، ثم في نحو الساعة السادسة انتهى انجلاؤه. وفي أثناء خسوفه أخذ الناس يطلقون البنادق ويضربون على النحاس ويدقون بالهاونات جريا لعاداتهم حين خسوف القمر من قديم الزمان، زاعمين أن خسوف القمر سببه حوت يبتلعه وأنه إذا سمع أصوات البنادق وتلك الأصوات المزعجة يخاف فيمجّ القمر «١» . وفي هذا الشهر بوشر بتعمير المخفرة الكائنة في سفح جبل البختي، تجان منتزه السبيل من شرقيه، وقد عمرت من إعانة جمعت من أهل الخير.
وفيها حدث في أنطاكية أن امرأة أحبت شابا فاحتالت على زوجها وأطعمته كبّة نيئة وضعت فيها شيئا من الشك المعروف بطعم الفار، وأكل معه على غير قصد منها بنت وولد لها، فلحقت الولد وأخرجت اللقمة من فمه فلم يلحقه ضرر، وأرادت أن تخرج اللقمة من فم البنت فلم تتوفق، وابتلعت البنت الطعام وبعد ساعة ماتت البنت وأبوها من السم.
وشاعت هذه الحادثة في أنطاكية وحكم على المرأة بالقتل قصاصا. وسيأتي بقيّة خبرها.
وفيها وضع أساس منارة الساعة في حضرة باب الفرج، في موضع قسطل كان يعرف بقسطل السلطان. وقد جرى لوضع هذا الأساس احتفال باهر حضره الوالي والأمراء والأعيان والوجهاء، فكلفني الوالي إلقاء خطبة في هذا الموضوع فقلت على الفور والبديهة بعد البسملة:: الحمد لله مبدع الكائنات، خالق الأوقات والساعات، منشئ الأملاك ومسيّر
стр. 1337
الأفلاك، الملك الوهاب، جاعل الشمس ضياء والقمر نورا، وقدّره منازل لنعلم عدد السنين والحساب. أما بعد فإن أولى ما يفتتح به الكلام في هذا المقام رفع أكفّ الضراعة والابتهال إلى المولى المتعال، مانح النوال وسامع السؤال، بدوام أيام مولانا إلخ. وهو دعاء طويل سلكنا فيه على أسلوب ذلك الزمن. ثم قلت بعد ذلك: هذا وإن بلدتنا الشهباء لم يمض عليها غير ردح من الزمن تحت ظل عناية هذا السلطان الأعظم حتى استبدلت خرابها بالعمار، ووحشتها بالأنس وخمولها بالانتباه وخوفها بالأمن، فاتسعت فيها الشوارع وكثرت المهايع «١» وأقبل الناس بكل جد ونشاط على تملك الأراضي، واتسع نطاق العمران وأصبحت الشهباء بسعتها وضخامتها ضعفي ما كانت عليه. كل ذلك في برهة من الزمن يصعب على من كان غائبا عن حلب أن يتصورها.
بلغت هذه الغاية العظيمة بأقل من نصف قرن. وها هي الآن يتعزز جمالها ويتتوج هام كمالها بتاج يحلو للعيون منظره، ويلذّ للآذان خبره، ويعمّ نفعه البعيد والقريب، ويشمل شرفه الوطنيّ والغريب، به تفصل الشهور والأعصار، وتعلم الأوقات من الليل والنهار، ألا وهو الساعة التي كانت ولادتها في الشرق وحضانتها في الغرب فما أحرى بالوالد أن يحضن ولده وبالممدّ أن يتفقد مدده، وهذا هو أسّ منارتها التي ستكون بعظمتها ناطقة بهمم الرجال أولي المجد والإقبال إلخ.
وقد أرخها الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي بقوله:
قد شاد «٢» بالشهبا منارة ساعة ... تزهو بإتقان وحسن صناعة
في دولة الملك الحميد المرتجى ال ... ثّاني الذي ساس الورى بدراية
وبهمة الوالي الرؤوف أخي الحجا ... وصنيع قوم من أعاظم سادة
فهم رجال قد روى تاريخهم: ... لعلائهم حتى قيام الساعة
وقال أيضا:
لقد شيد في الشهبا منارة ساعة ... بعصر حميد عن علاه غدت تروي
стр. 1338
وجاءت كما يهواه رائف أرّخوا: ... تنبّه للأوقات من كان في لهو
وفيها عمر مستودع للرديف في قصبة كفر تخاريم تبرّع بالإنفاق عليه جماعة من متموّلي القضاء. وفيها بلغنا أن امرأة من قرية تغله، في قضاء كلّز، بينما كانت جالسة في بيتها إذ دخل عليها شاب من أهل القرية شاكي السلاح يريد مواقعتها، فاستغاثت به على أن يكف عنها فلم يفعل، وحينئذ قامت إلى بندقية مزدوجة معلقة بالجدار وأخذتها وأطلقت عيارها عليه فأصابت رصاصتها كبده، فما كان منه إلا أن أطلق عليها عياره فأصاب كبدها ووقعا قتيلين. وفي ذي الحجة منها توفي في مدينة إسكندرونة غلام في سن الخامسة عشرة وهو ابن فضل الله زريق، وقد حضر إليه- وهو على النعش- أحد أقاربه المسمّى قيصر، فأكبّ عليه يقبّله، ولفرط حزنه عليه فاضت روحه ولحق به في الحال.
فيها تم بناء منارة الساعة.
стр. 1339
سنة ١٣١٧ ه ـ
وفي صفر منها الموافق حزيران سنة ١٣١٥ بوشر بتجفيف مستنقع إسكندرونة، فبي عليه سد عظيم طوله خمسمائة متر، وتقرر أن يكون طوله ٩٥٠ مترا ثم فترت الهمة وبقي المستنقع على ما كان عليه. وفيها هدم مسجد كان عند باب حديد بانقوسا توسعة للطريق، وبني بدله في موضعه مسجد بديع الطّرز مع مكتب ابتدائي في قربه. وفيها وصل إلى حلب دولاب طولمبة «١» يدور بقوة الهواء فنصب عند العوينة وعمر له في قربه حوض عظيم ينفذ ماؤه إلى كيزان مطمورة في الأرض ممتدة إلى قرب باب الفرج، قد جعل لها منافذ لولبية يوضع فيها خرطوم للرش، وقد استعمل مدة قليلة ثم تعطل الدولاب، وكانت البلديّة صرفت على ذلك زهاء ثلاثة آلاف ذهب عثماني. وقد نصب نظير هذا الدولاب في محلة الجميلية وبعض البساتين فلم ينجح.
وفيها تم بناء العمارة على عين الموقف في إسكندرونة وجرت لها حفلة فائقة. وفي جمادى الأولى منها قدم على حلب سيف الدولة ابن شاه إيران قاصدا زيارة مقامات أهل البيت النبوي في حلب وغيرها من البلاد الشامية، فاستقبلته الحكومة استقبالا باهرا ونزل ضيفا عند شهبندر «٢» دولة إيران فبقي بضعة أيام ثم سافر إلى جهة مقصده. وفيها تم عمل خريطة لمدينة حلب اعتنى بوضعها منهدس الولاية شارتيه أفندي وراغب بك ابن رائف باشا والي الولاية، وقد أخذت في الفوطغراف على مقياس جزء من أربعين جزءا، وهي أول خريطة وضعت لمدينة حلب وجاءت غاية بالضبط والإتقان. وفيها نجز فتح جادة العطوي ووصلت بطريق المركبات الآخذ إلى إسكندرونة المارّ قرب محلة السليمية- المعروفة بالجميلية- وهي تبتدىء من مزار السهروردي آخذة إلى طريق المركبات،
стр. 1340
من وسط بستان باقي جاويش وبستان إبراهيم آغا مارة على الجسر الجديد الذي تم بناؤه في هذه الأيام وهو من أحسن جسور نهر قويق وأفخمها.
وفي هذه السنة كان الشتاء شديدا وكثرت فيه الثلوج والأمطار وغرق في السيول كثير من الناس والدواب في حلب وغيرها، وكثر الهدم- خصوصا في عينتاب- وقرس البرد ولا سيما في البلاد الشمالية، فقد تعددت فيها حوادث توقف القوافل في الطرقات وموت الكثيرين من الناس والدواب بالقرّ. وفي ضاحية كلّز هجم وحش شبيه بالكلب على صغار يمرحون فاختطف منهم بنتا وغاب بها وبعد أن تعقبه جماعة من الشجعان وجدوا رأس البنت وذراعها على سفح جبل ولم يظفروا بالوحش.
стр. 1341
سنة ١٣١٨ ه ـ
عزل رائف باشا عن ولاية حلب:
فيها عزل المرحوم رائف باشا عن ولاية حلب، وكان وزيرا شهما جمع بين القوة والأمانة. وقد أثر في حلب آثارا حسنة، منها منتزه السبيل وبرج الساعة والجادة الكبرى الممتدة من حضرة مزار السهروردي إلى محطة الشام، والجسر العظيم المضروب على نهر قويق في هذه الجادة الذي تضاف إليه. وله في حلب غير ذلك من الآثار التي يثني عليه لسان حالها مدى الأدهار. وكان السلطان عبد الحميد يحذره ويسيء به ظنونه، لاعتقاده به أنه يسير في الدولة على منهاج مدحت باشا بطل الدستور العثماني، لأنه كان معاونا له في ولايته على بغداد.
ولما عزل الآن عن ولاية حلب أسرع الرحيل عنها إلى وطنه استانبول فتوجه إليها بحرا عن طريق إسكندرونة. ولما وصل إلى المحل المعروف باسم قرق خان قرب مدينة بيلان وصل إلى وكيل الوالي بحلب- علي محسن باشا- رسالة بالبرق فحواها أنه صدرت إرادة سنيه بتوقيف رائف باشا عن السفر إلى استانبول. فبلّغه وكيل الوالي هذه الرسالة وهو في قرق خان، فبقي هناك مدة كالمنفيّ. ثم وردت رسالة أخرى بعوده إلى حلب فعاد إليها ونزل ضيفا كريما في منزل المرحوم أحمد أفندي كتخدا. وكان سبب توقيفه عن السفر أن بعض كبار الأتراك المنفيين في حلب سعوا به سرا لدى السلطان عبد الحميد وألصقوا به تهمة الطعن والتنديد بالسلطان، وأنه أزال أثرا عظيما من آثار السلطان سليمان خان، وهو القسطل المعروف باسم قسطل السلطان- الذي أسلفنا الكلام عليه في محلة بحسيتا من الجزء الثاني- وأنه بعد أن محا أثره بنى في موضعه برج الساعة الذي هو من بدع الفرنج. وأنه فعل غير ذلك من الأمور التي لا تنطبق على أحكام الشرع الشريف،
стр. 1342
ولا تروق للسلطان عبد الحميد الذي كان مبدؤه التظاهر بالأعمال الدينية إرضاء للرعية، فيتوخى كلّ عمل يلائم أفكارهم.
وألصق به هؤلاء المنفيون غير ذلك من التهم التي هو براء منها والتي لم يقصد من عملها سوى خدمة الوطن وتحسين أحوال البلدة. وكان الباعث لهؤلاء الطغمة الشريرة على وشايتهم به أنه كان مدة ولايته في حلب يعارضهم في أعمالهم الاستبدادية، ويمنعهم عن تداخلهم في شؤون الحكومة، وكان أسلافه الولاة يهابونهم ولا يعارضونهم في تداخلهم، أما هو فإنه ضرب على أيديهم ووقف تيار استبدادهم وأعلمهم بأنهم هم منفيون ليس لهم من الأمر شيء.
بقي رائف باشا ضيفا كريما في منزل أحمد أفندي كتخدا مدة تزيد على شهرين، وهو في أثنائها في ضنك عظيم يتوقع كل لحظة صدور أمر السلطان بجعله من جملة المنفيين، غير أن السلطان تحقق في هذه المدة بواسطة جواسيسه الصادقين أن رائف باشا من المخلصين في ولائه وأن جميع ما ألصقه به أعداؤه من التهم كذب وبهتان، فأصدر إرادة سنية ترخّص له الحضور إلى استانبول، فتوجه إليها. وفي يوم خروجه من حلب خفّ لوداعه عدد عظيم من العلماء والأعيان إلى منتزه السبيل، فجلس هناك برهة من الزمن ثم استأنف المسير إلى جهة إسكندرونة، فأسف عليه الناس أسفا عظيما ودعوا له بالسلامة وطول البقاء.
ولاية أنيس باشا في حلب:
وقبل سفر رائف باشا إلى استانبول بأيام قلائل، حضر إلى حلب أنيس باشا واليا عليها فنزل في دار البلدية وأقبل الناس عليه للسلام. وفي ثاني يوم من وصوله نزل إلى الجامع الكبير وزار المرقد الشريف، وطاف في البلدة وزار مراقد الأولياء والصالحين وعاد إلى منزله. ومضى على قدومه إلى حلب عدة أيام ولم تزره قناصل الدول المعظمة. ثم شاع عنهم أنهم يطلبون من السلطان تبديله وأنهم لا يعترفون بولايته على حلب زاعمين أنه هو الذي أغرى الأمة في ولاية ديار بكر- حينما كان واليا عليها- بالقيام على الأرمن وقتلهم. ولما أصر القناصل على عدم الاعتراف بولايته على حلب ورد إليه أمر مرموز بأن يبقى مختبئا في منزله لا يظهر إلى أحد حتى يأتيه أمر آخر يوضح له ما يجب عليه عمله.
فبقي هذا الوالي المسكين مختبئا في منزله كالمحبوس مدة شهرين أو أكثر لا يظهر لأحد،
стр. 1343
وقام بأمور الولاية بدله علي محسن باشا القائد العام على حلب وأطنه وما والاهما. ثم ورد له الأمر بالظهور ومباشرة العمل.
رأى السلطان عزل أنيس باشا عن ولاية حلب- لمجرد رفض القناصل ولايته عليها- وهنا في سطوته وإخلالا بشرف سلطنته، فأبقاه مختبئا تلك المدة مغالطة وإيهاما بأنه قد عزله. ثم استرضى السفراء على إبقائه واليا في حلب فبقي أمره نافذا ولم ينكسر للأجانب، وعدّ تدبيره هذا من جملة دهائه ونبوغه في فنون السياسة.
وفي جمادى الأولى منها تم بناء مستودع المواد النارية العسكرية- المعروف باسم جبخانة- خارج حلب في شرقيها إلى الشمال قرب تكية الشيخ أبي بكر الوفائي وكانت المواد النارية قبلا تحفظ في مستودع داخل القلعة وبعضها يحفظ في مستودع داخل الثكنة العسكرية المعروفة بقشلة الشيخ يبرق، فخيف من حدوث حريق يتصل بهذين المستودعين فينجم عنه أضرار عظيمة فنقل ما فيهما إلى المستودع الجديد. وفي هذه السنة كان الشتاء شديدا والثلوج كثيرة وأخبار الهالكين بالقرّ والصقيع وفيرة، خصوصا في جهات مرعش والبستان وتلك الجهات.
وفي ذي القعدة منها تمّ إنشاء حديقة محلة العزيزية المعروفة بالمنشية، وركب على بئر- حفر فيها- دولاب هوائي يرفع الماء إلى برميلها ثم ينحدر إلى حوض مهندم في الحديقة كأنه حوض طبيعي. وقد جاءت الحديقة غاية باللطافة وحسن المنظر. وفي هذا الشهر كان الاحتفال بتأسيس الثكنة العسكرية في مدينة إسكندرونة. وفيها انتهت جميع متممات مستشفى الغرباء الكائن تحت القلعة قرب سوق الضرب، وفرش بالأسرة ودخلت إليه المرضى من الفقراء وهو مستشفى حافل يقل نظيره في البلاد العثمانية، قد اشتمل على غرف للرجال وأخرى للنساء وخلوات للممرضين والأطباء وأماكن للتشريح والأعمال الجراحية وأهراء «١» للمؤنة وغير ذلك.
стр. 1344
سنة ١٣١٩ ه ـ
وفي صفر منها فتح في حلب مكتب للصنائع، وهي النجارة والخياطة وعمل الأحذية- المعروفة بالقندرات- ونسج الأقمشة الغزلية ونسج الجوارب. والنفقات الأولية لهذا المكتب جمعت من دخل مسارح التياترو والنفقات الدائمة من إعانة وضعت على اللحم قبل بضع سنوات باسم إعانة مهاجري كريد، وقد وليت إدارته فأسست صنائعه ورتبت أموره وبقيت مديرا فيه مدة أربع سنوات. وفيها حضر إلى حلب آلة لحفر آبار شبيهة بالأرتوازية، وحضر مع الآلة أستاذان فباشرا مهنتهما في جهة من جادة الخندق- بين باب النصر والسهروردي- وعملا هناك بئرين فما مضى عليهما غير قليل من الزمن حتى تعطلا، وانصرف الأستاذان من حلب بما معهما من الآلات. على أن هذه الآبار يستخرج منها الماء بواسطة طلنبة «١» مركبة على فوّهة الأنبوب الذي يخترق الأرض ويصل إلى منبع الماء.
وفي فصل الربيع من هذه السنة الموافقة سنة ١٣١٧ رومية تساقط على ولاية حلب برد كثير- لا سيّما في جهات مرعش والبستان- وكان كبير الحجم، بعضه في حجم البيضة، وقد قتل عدة أوادم ومواشي «٢» ، وأفسد كثيرا من الزروع. وفيها ورد من البستان أن سبعة أشخاص أكلوا نوعا من الفطر فماتوا كلهم، واتصل الخبر بحكومة ذلك القضاء فأصدرت أمرا يقضي بمنع بيع الفطر. وفيها- في التاسع والعشرين أيار- سقط في إسكندرونة صاعقة على زاوية غرفة في الطابق العلوي من شرقي فندق فهدمت جانبا من الزاوية ودخلت الغرفة فصدمت قائمة سرير حديدي كان نائما عليه رجل فاحترقت حاشية السرير ولم يتضرر النائم بشيء من جسمه، ثم خرجت من الغرفة وصدمت قنطرة
стр. 1345
في جهة النهر فهدمت أكثر من نصفها، ورفعت حصانا كان هناك وألقته على بعد عشرة أمتار من موضعه فهلك.
وفي ليلة الخميس عشرين من جمادى الثانية- في نحو الساعة السادسة منه- شبّت النار من دكان روّاس في سوق العرصة من عينتاب وسرت إلى ما جاورها فأتت على ثلاث دور ومائتين وسبعين دكانا واثني عشر فرنا وسبعة بيوت قهاوي وثمانية مخازن ومطحنة وأتت على جانب عظيم من خان وعشرين دكانا ثم خمدت. وفي آذار السنة الرومية- بعد العشاء الأخيرة- انقضّ على ردهة دار بني صولا- أحد بيوتات المسيحيين التليانيين في محلة الجلوم الكبرى بحلب- صاعقة دخلت من داخن الموقد المعروف بالصوبا، وكانت الردهة خالية من الناس، فحطمت الصاعقة شيئا من زجاج النوافذ، وصدمت بعض عقود قناطرها فنفر من اللطمة قدر قيراطين، ثم خرجت الصاعقة من النافذة التي حطمت زجاجها ودرجت على الزنك الذي هو سقف الدرج وصدمت قنطرة باب الدار الذي غلقه من الحديد فأبقت في القنطرة أثرا دخانيا وتطايرت المسامير المغروسة في باب الحديد، وهكذا انتهت حركتها. وفيه هاج في اسكندرونة إعصار دمر منها عدة منازل على البحر. على أن هذه المدينة لا تكاد تسلم من الإعصار في مثل هذه الأيام كل سنة.
стр. 1346
سنة ١٣٢٠ ه ـ
فيها كان افتتاح مربى الخيل المعروف باسم حارة في جهة الحمرة. فقام الوجهاء وأكابر المأمورين يتزلفون إلى السلطان بإهداء الخيول الأصائل التي تربّى في ذلك المحل. وفي مدة وجيزة نجح المربى نجاحا باهرا ثم أخذ يتقهقر إلى أن اضمحل في بضع سنوات ولم يبق له ذكر. وفيها نصب على قنّة جبل البختي- تجاه منتزه السبيل في ظاهر حلب- طاحون يدور بالهواء على الطرز الجديد، فاشتغل مدة ثم تعطلت آلاته وبطلت حركته.
وفي هذه السنة- في كانون الأول- توالت الأمطار على حلب وعينتاب وأنطاكية، فحملت السيول وطغت الأنهار طغيانا عظيما وانبسطت على الحقول والعمران، فهدمت البيوت وأتلفت الزروع، وأغرقت عدة أوادم ودوابّ. وفيها عزل والي حلب أنيس باشا من ولايته وكان عفيفا متدينا محبا للخير، وقد بذل ما في وسعه لنجاح مكتب الصنائع وغيره من المباني الخيرية. وقد ولي حلب بعده مجيد بك.
وفيها- في كانون الأول- أنبأت حكومة دمشق أن الهواء الأصفر قد تفشّى فيها، فأرسل من حلب ضابط ومعه عدد كاف من الجندرمة «١» الفرسان إلى كل موضع من المواقع الكائنة وعلى حدود ولاية دمشق، وهي خان شيخون والهبيط وقلعة المضيق والحمراء، لتكون هذه القرى تحت نظارة الضابط ومن هو في صحبته من الجنود. ثم فتح في خان شيخون محجر صحي، فيه الأطباء وأدوات التبخير لفحص من يمرّ من هناك قاصدا جهات حلب، وضرب على قرية الهبيط والمضيق والحمراء نطاق صحي. وفيها انتهى تعمير مخفرة في السويدية من أعمال أنطاكية عمرت من إعانة جمعت من أهل الخير.
وفيها- في شباط- زالت علة الهواء الأصفر من دمشق ورفعت المحاجر الصحية
стр. 1347
(الكورنتينة) من خان شيخون والهبيط والمضيق والحمراء. وفيها عملت الحكومة إحصاء مواليد ووفيات في الجهات الآتي ذكرها، في غضون ستة أشهر من هذه السنة، فكانت كما يأتي «١» :
وفيات/ مواليد الإناث/ الذكور/ الإناث/ الذكور/ جمع الوفيات/ جمع المواليد/ اسم/ القضاء ٩٥/٦٠٤/٥٦٥/٩٢٦/٧٠١/١٤٩١/قضاء أنطاكية ٤٣٤/٤٦٤/٤٣٢/٦٠١/٨٩٨/١٠٣٣/- حارم ٣٣/٧٢/١١٢/١٣٦/١٠٥/٢٨٨/- إسكندرون ٣٢٢/٨٨٨/١٦٥/٨٤٨/١١١٠/١٤٩٤/- كلّز ٧٩/١١١/١٧٩/١٨٧/١٩٠/٣٦٦/- المعرة ١٥٦/٣٠٧/٣٨٤/٤٨٢/٤٦٤/٨٦٦/- جسر الشغور ٨٤٨/٥٩٧/٦٠٦/٧٧٧/١٣٤٥/١٣٨٤/- إدلب//// ٤٨٨٣/٦٩٢٢/٩٦٠/١٦٨٧/٢٥٧٥/٣٠٤٨/٢٦٤٧/٥٦٢٣/لواء مرعش//// ٧٤٢٠/١٢٥٤٥ وأحصيت المواليد والوفيات في لواء مرعش في غضون ستة الأشهر المذكور، فبلغت مواليده ٥٦٢٣ الذكور منهم ٣٠٤٨ والإناث منهم ٢٥٧٥ ووفياته ٢٦٤٧ الذكور منهم ١٦٨٧ والإناث منهم ٩٦٠ نسمة. وفيها ورد من متصرفية مرعش أن بقرة في قرية جلكي- في قضاء البستان- ولدت ثلاثة عجول في بطن واحد وبعد أربعة وعشرين ساعة هلكت العجول وأمّهم «٢» .
стр. 1348
سنة ١٣٢١ ه ـ
فيها مدّ السلك البرقي من حلب إلى الباب. وفيها- في أوائل آب- فتح في المكتب الإعدادي الملكي- الكائن في محلة الجميلية ظاهر حلب- معرض عام لتشهير البضائع التجارية والصناعية الوطنية: كالمنسوجات القطنية والحريرية والقصبية الفضية، والمصنوعات التطريزية والغلات الزراعية والحيوانية، والمصوغات الفضية والذهبية، والعروض الخفافية والسراجية والحديدية والنحاسية، والنجارية والترابية والدباغية والعطرية، من حلب وأكثر البلدان الكبار في ولايتها كعينتاب والرها ومرعش. وزيّن المكتب داخلا وخارجا بالرايات وأنواع السجّاد- الذي هو من مصنوعات حلب- والقطع الجميلة، وأنير في الليل بالأضواء الساطعة، وأقيمت في رحبته الألعاب التريّضية المعروفة باسم (جيمنستق) ، وفي الليل الخيالية المعروفة باسم (سينه توغراف) وهرع إليه الناس من حلب وغيرها، واستمر مفتوح الأبواب كذلك مدة شهر وزيادة، والبضائع التي حازت فيه قصب السبق وصارت محل إعجاب الجميع هي منسوجات حلب. وقد أخذت فيه غرفة لعرض مصنوعات مكتب الصنائع، فأقبل الناس على شرائها باليانصيب فراجت وربحت. ثم زاحمني على الغرفة نجيب بك ابن الوالي، أخذها مني لرجل يعينه على فجوره، فاستأت من هذا العمل واستقلت من مديرية المكتب. وبلغ الخبر والده فاستاء منه وزجره واسترضاني فعدت إلى إدارة المكتب.
وفيها في آب سنة ١٣١٩ ظهر في حلب مرض مشكوك به ثم تحقق الأطباء أنه مرض الهواء الأصفر، وكان قبلا ظهر في دمشق وفتك في أهلها فتكا ذريعا، وزحفت جراثيمه إلى حماة ومنها إلى جسر الشغر وإدلب والبيرة وكلّز وعينتاب، ثم ظهر في حلب وأحصي عدد من مات فيها في برهة أسبوع فكانوا أحد عشر شخصا. فاهتمت الحكومة في قضية الكنس والرشّ وتنظيف الشوارع والأزقة من القمامات والأقذار. وكان قبل أيام من ظهوره وصل إلى حلب طبيب ألماني اسمه فونسكي أفندي، ومعه عدد من الأطباء أمر
стр. 1349
السلطان بإشخاصهم إلى حلب للاهتمام بالأسباب الواقية من تطرق هذا المرض إلى حلب من البلاد التي ظهر فيها في الولاية وغيرها. فأوعز هؤلاء الأطباء إلى البلدية بأن تعزز وسائط النظافة وتلتفت إلى الفواكه المضرّة فتمنع بيعها، وأن تعمر على كل حوض مكشوف في المساجد وغيرها جدارا يمنع تناول الماء من الحوض رأسا منعا للتلويث، بل يكون تناول الماء من الحوض بواسطة مبذل «١» .
فقامت البلدية بجميع ما أمرها به الأطباء، ولكن مع هذا كله ما برح هذا المرض يفتك في النفوس حتى أوائل تشرين الثاني من سنة ١٣١٩ إلا أنه كان خفيف الوطأة بحيث لم تزد وفياته اليومية في شدّة بحرانه «٢» على خمسين نسمة. ثم إنه بعد أيام تقلص ظلّه من إدلب وعينتاب وبيره جك وإسكندرونة وحماة وحمص وطرابلس الشام وبقية بلاد سورية، ورفعت عنها مناطق الحجر الداخلية والخارجية وعادت مياه الصحة إلى مجاريها. وفيها- في حادي عشر تشرين الثاني- هطلت أمطار غزيرة على عينتاب وضواحيها، فحملت منها السيول على قرية «تنب» القريبة من عينتاب وأتت على قرباط هناك تحت بيوت الشعر فأغرقت منهم ثلاثة وعشرين إنسانا وثلاثة حمير وثلاث رمكات «٣» . وبعد أن انحسر الماء عن ذلك الموضع التقطت جثث الغرقى ودفنت.
وفاة علي محسن باشا:
وفي أول يوم من شوال هذه السنة توفي في حلب الفريق علي محسن باشا ابن كل حسن باشا، أحد ياوري «٤» السلطان عبد الحميد، ووكيل القائد العام فوق العادة في حلب وأطنة (آذنة) وضواحيهما. أمضى في حلب نحو خمس عشرة سنة. وحينما حضر إليها كان برتبة القائممقام، ثم حاز رتبة الفريق، ثم في حادثة الزيتون صار وكيل القائدية العامة المذكورة ليكون واقفا لحوادث الأرمن بالمرصاد، وهي وظيفة وقتية ألغيت بعد انقلاب الحكومة العثمانية إلى الحكومة الدستورية. وكان علي محسن باشا جوادا كريما حلو الشمائل
стр. 1350
محسنا للحلبيين متلطفا بهم محبا لصالحهم، كما أن أهل حلب كانوا يحبونه كثيرا. وقصره في محلة السليمية- المعروفة بالجميلية- هو ثاني قصر بني فيها. ولما توفاه الله بلغ منهم الأسف عليه مبلغا عظيما رجالا ونساء، ومشى في جنازته منهم زهاء ثلاثين ألف شخص، سوى من كان واقفا منهم على أسطحة البيوت الكائنة في ممر الجنازة من محل سكناه في السليمية إلى التكية المولوية خارج باب الفرج حيث دفن. وقد عمل على قبره الرخام الأبيض المؤزر البديع الصنعة وكان مولده سنة ١٢٦٨ وهذا العدد يوافق عدد حروف (علي محسن) وهو اسمه.
وفي هذه السنة اهتم يحيى بك ألاي بك الجندرمة الدمشقي- من بني الشمعة- بافتتاح مكان في منزله في محلة «الجديدة» لنسج السجاد الذي كان لا يوجد من صنّاعه في حلب سوى شخص أو شخصين. وقد أحضر يحيى بك صناعا من البلاد الشمالية، وعمل في ذلك المحل مكانين أحدهما للرجال والآخر للنساء، فما مضى غير زمن قليل حتى ظهر من المتعلمين بارعون في هذه الصنعة واستغنوا عن المعلمين، وفشت هذه الصنعة في أكثر محلات حلب وصار السجاد الحلبي مما يتنافس فيه أهل الولع في السجاد. على أن هذه الصنعة كانت معروفة في حلب منذ دهر قديم ثم فقدت إلى أن جددها يحيى بك المومأ إليه.
стр. 1351
سنة ١٣٢٢ ه ـ
فيها تم تعمير مستشفى الغرباء في اسكندرونة وسمي المستشفى الحميدي، وهو مشتمل على ثمانية مخادع، كبرى سفلى وعليا، وعلى سبعة مخادع صغرى، والقسم العلوي منه يستوعب اثنين وخمسين سريرا. ويشتمل أيضا على قاعة كبرى تعرف بالصالون وكانت النفقة على تعميره من بلدية اسكندرونة. وفيها كان الشروع بإحصاء سكان ولاية حلب، فقسمت مدينة حلب إلى أربعة «١» مناطق، عينّ لكل منطقة منها لجنة تتجول في محلاتها وتحصي أهلها. وفيها كان الشتاء شديدا والبرد قارسا، وكثرت أخبار الغرق والهدم وسقوط الصواعق وموت الناس والدوابّ بالبرد في شمالي الولاية. وفيها عزل مجيد بك عن ولاية حلب ووليها عثمان كاظم بك، وكان مجيد بك عفيفا عاقلا غير أن ولده نجيب»
كان سفيها مسلطا على المستخدمين بأخذ أموالهم بالتخويف والتهديد، وكانت أفعاله سببا لعزل والده.
стр. 1352
سنة ١٣٢٣ ه ـ
فيها عزل عثمان كاظم بك عن ولاية حلب ووليها ناظم باشا الشروع بأعمال سكة حديد حلب- حماة
فيها تم الاتفاق بين الحكومة العثمانية وبين شركة سكة حديد حماة وحلب على أن تدفع الحكومة للشركة ثلاثة عشر ألفا وستمائة وستة وستين فرنكا باسم تأمينات عن كل كيلومتر من الخط المذكور الذي تقرر مده من حماة إلى حلب، والمسافة بينهما ١٤٣ كيلومتر.
وشاع أن الشركة مزمعة على أن تجعل محطة حلب في غربي البلدة، أي في محلة السليمية بعد أن كانت مصممة على جعلها في محلة قارلق. فقام أهل المحلات الشرقية من حلب وقعدوا وخابروا قائدية العسكرية ووعدوه بإعطاء أراض كثيرة في جوار المحطة التي تكون في ضاحية محلاتهم، فوعدهم بأنه سيجعل المحطة في قارلق. فعارض بذلك أهل المحلات الغربية وكثر اللغط، وحينئذ رأى الوالي ناظم باشا بأن يجمع عددا وافرا من أهل الزراعة والتجارة ويرى أيّ الفريقين أكثر، القائلين بجعل المحطة في قارلق أم القائلين بجعلها في السليمية؟ فانتخب نحو خمسين شخصا وكلفهم الاجتماع عنده وبيان رأيهم لديه.
فاجتمعوا في دار الحكومة نهار الثلاثاء عشرين رجب. وكان قبل الاجتماع بساعة تولّد في هذه المسألة رأي جديد، وهو جعل المحطة في خراب تحت القلعة. فلما اجتمع الناس في ذلك اليوم تبين أن القائلين بجعل المحطة في قارلق ثمانية وفي السليمية ثلاثة وعشرون، وفي خراب تحت القلعة واحد وعشرون شخصا. فأنهى الوالي بذلك إلى المراجع العليا، وتهافت كل حزب على التلغراف يرفعون فيه الرسائل بطلب جعل المحطة في الموضع الذي أراده. فلم يفدهم ذلك شيئا لأن الشركة والمراجع الاختصاصية متفقون منذ بضع سنوات على جعل المحطة في السليمية.
стр. 1353
ثم في أوائل رجب بدأ العملة يشتغلون بحفر الأسس وتمهيد الأرض في محلة السليمية عند المحطة الحالية. وتتابع العمل، وفي برهة وجيزة من الزمن ارتفعت المباني وتحقق الناس أن المحطة لا تكون إلا في هذه المحلة. وفيها تم إحصاء النفوس في حلب وملحقاتها فزاد فيه عدد أهل حلب بالنسبة إلى الإحصاء السابق ١٤٥٨٥ شخصا، ومع ذلك لم يكن الإحصاء مدققا فإن الناس الذين أخفوا أنفسهم من التسجيل في حلب- ولا سيما في ملحقاتها- لا يقلون عن الثلاثين في المائة، عدا سكان البوادي الرحل فإنهم لم يسجل من عددهم عشرة في المائة. وفيها ورد من قائمقام قضاء إدلب وحارم إلى والي حلب أن بغلة شقراء عند أحمد الحمودي من عشيرة البقّارة وأهل قرية «عري» في قضاء حارم، وبغلة أخرى عند صون آغا تومي- من قرية بقسمتة في قضاء إدلب- ولدت كل واحدة منهما بغلا، وقد أحضر فلو «١» إحدى البغلتين إلى حلب وشاهده كثير من الناس.
ضريبة جديدة:
وفيها ورد الأمر بفرض ضريبة جديدة على الناس اسمها «ويركو شخصي» وذلك بأن يطرح على كل ذكر بالغ صحيح الجسم مقدار من المال يدفعه عن كل سنة إلى جهة الحكومة، بحيث يكون ملحوظا في مقدار المال حالة الشخص من جهة الفقر والغنى، على أن تكون أقل المراتب خمسة عشر قرشا في السنة وأكثرها مائتي قرش، وأن المستخدمين في الحكومة يحسم عن كل واحد منهم في السنة من راتبه الشهري راتب يومين إن كان راتبه يبلغ خمسمائة قرش في الشهر، وراتب أربعة وعشرين يوما إن كان راتبه فوق خمسمائة قرش. وقد استاء الناس من هذا الأمر ولا سيما الفقراء منهم، وانتدب كثير من أهل الجد والنشاط يرفعون شكاياتهم إلى السلطان ويسترحمون منه مسامحتهم عن هذه الضريبة الجديدة فلم يلتفت إلى استرحامهم.
وكانت الحكومة باشرت جمع هذه الضريبة في جهات الأناضول، فهاج أهل أرزروم وماجوا وامتنعوا عن دفع الضريبة وهجموا على الوالي وأهانوه وكادوا يوقعون به. وتفاقم الأمر في تلك البلدة فخافت الحكومة سوء العاقبة وصدر الأمر بإبطال هذا المكس الجديد
стр. 1354
الذي لم تمتنع الرعية عن دفعه إلا لعلمها بأنه سيكون من جملة ما يصرف على الخونة والمستبدين والجواسيس اللائذين بقصر يلديز، فقد كان القسم الأعظم من مداخيل الدولة تدخل هذا القصر وتختفي فيه، وما يبقى منها خارجه يصرف في سبيل الفسق والفجور، وجنود الدولة وحماتها والمستخدمون فيها ومن له راتب على وظيفة شرعية يتململون على نار الفقر والفاقة لتأخر رواتبهم وحبس جراياتهم عنهم بسبب فقر بيت المال، وما فيه من فقر ولكن الظالمين كانوا متسلطين عليه. وفي هذه السنة كان الجراد في ملحقات حلب كثيرا ولا سيما في قضاء الباب. ولما كان فصل الشتاء اهتمت الحكومة بجمع بزره وإتلافه فجمع من ذلك القضاء فقط ٣٣٩٥ شنبلا حلبيا ومجموع ذلك ١٦٩١٥٠ أقة.
стр. 1355
سنة ١٣٢٤ ه ـ
فيها- في آذار- كان البرد في ولاية حلب شديدا والأمطار غزيرة، وقد تواردت الأخبار من أورفة وإدلب وجسر الشغور بموت عدة أشخاص على الطرقات من شدة البرد وكثرة الأمطار وزوابع الثلج. وفي هذه السنة قدم على حلب عدد عظيم من مهاجري قافقاسيا وداغستان وغيرهما من الأمم الإسلامية الذين هم تحت حكم الدولة الروسية، وقدم آخرون من مهاجري جزيرة كريد، فاهتمت الحكومة بإسكانهم في ولاية حلب، وخصصت لهم في أكثر أقضيتها جهات عمرت لهم فيها المنازل، وأعطت كل ذي عائلة منهم قدر ما يكفيه من الأراضي ليزرعها ويعيش من خيراتها. والجهات المذكورة هي قرية خناصر- في قضاء منبج- وقرية رعده لى في قضاء كلز، وقطعة أرض من مدينة إسكندرونة، وقرية بالطه جي في قضاء أنطاكية، وقطعة أرض في مدينة الرقة.
وصول قطار سكة الحديد إلى حلب:
وفي يوم الخميس ١٢ جمادى الثانية الموافق ٢٠ تموز سنة ١٣٢٢ رومية وصل إلى محطة شمندوفر «١» حلب وحماة- المتقدم ذكرها- قطار من واغونات (عجلات) العمليات، وهي أول عجلات سكة حديدية وصلت إلى حلب، وكان الناس قبل أيام يخرجون إلى المحطة ألوفا مؤلفة للتفرج على مدّ قضبان الحديد، ومنهم من يتوجه إلى جهة جسر الحج للتفرج على أعمال السكة، إلى أن كان مساء يوم الخميس المذكور أقبل القطار المتقدم ذكره وهو مزين بأنواع الرايات، وحوله في المحطة ألوف من الناس يشاهدون وصوله.
ثم في يوم الخميس ١٦ شعبان الحادي والعشرين من أيلول سنة ١٣٢٢ رومية جرى
стр. 1356
الاحتفال بتدشين سكة حديد حلب وحماة على صفة باهرة، فحضر الوالي وقائد العسكرية ومن دونهما من المأمورين والأمراء والأعيان والوجهاء، وبعض أدباء حلب وبيروت وتلامذة المكاتب، فتليت الخطب وعزفت الموسيقى العسكرية، ثم ذبحت القرابين ودخل عظماء الناس إلى حجرة من من حجرات المحطة أعدّت فيها أنواع من الأطعمة الباردة فأكلوا ثم ركبوا عجلات الشمندوفر وهي مزدانة بالرايات العثمانية. وكان واقفا على طول الخط من المحطة إلى قرب جبل الجوشن صف من الناس يعدون بالالوف، وركب جوق الموسيقى العسكرية عجلة أخرى وطفق يترنّم باللحن الحميدي والأنغام المطربة. ثم سار القطار إلى قرية الوضيحي التي تبعد عن حلب مسافة خمسة عشر (كيلومتر) وهناك استراح الركاب قدر نصف ساعة ثم عاد بهم القطار إلى حلب وهم يشنّفون أسماعهم بأنغام الموسيقى.
ولما وصل إلى المحطة أكرم الحاضرون بالمرطبات والقهوة وانصرفوا إلى أماكنهم.
وفيها ألحق بقضاء أنطاكية عدة قرى كانت من أعمال جسر الشغر، وهي: جقصونية وجوقاق وسيلوه، وشمره جق وجيله وجوراق، وميادون وباملكه وحاجي باشا، وكولي وطاملاينه وعاقليه ودوايته، وأوج أغز وجقور أوراق، وقارلق وباسيه وعين فوار. وألحق بقضاء الجسر عدة قرى كانت من أعمال قضاء أنطاكية وهي: زرزور وهبته وعين ثابت، وبيرون ودوز أغاج والحمام، ودستور فوقاني وعين سماق وعين الخنزير، وأستاريه وتروف وكوجوك كين، وباغ ببلي وموبلين وزنباقيه وحسيني قرب. وفيها اهتمت البلدية بفرش البلاط على الجادة الكبرى الممتدة من باب دار الحكومة إلى حضرة السهروردي. فاختل بعد مدة وجيزة وأكلته بكرات العجلات فقلبته البلدية وفرشت الجادة بحجر أسود فاستقام أمره. وفيها- في كانون الثاني- كثر تساقط الثلوج على مرعش وضواحيها واشتد القرّ فهلك بسبب ذلك عدد من الناس والدوابّ.
стр. 1357
سنة ١٣٢٥ ه ـ
مصابيح لوكس:
فيها أحضرت البلدية من مصنع لوكس نحو سبعة مصابيح وركزتها في أشهر فسحات حلب، وهي أول مرة استصبح فيها بحلب بالمصابيح المذكورة، والناس في حلب يسمونها الكهرباء.
وفيها- في حزيران- خصصت الحكومة في المكتب الإعدادي بحلب مكانا لأعمال تربية دودة القز، وأباحت الدخول إليه كلّ من أراد أن يشتغل بتربية الدودة المذكورة، ووعدت السابق منهم بنوط «١» ونقود. فأقبل على ذلك المكان صنّاع القز من حلب وأنطاكية وأعطت السابق منهم الجائزة الذي وعدت بها. وفيها في أيلول أجرت الحكومة سباق الخيل في أرض الحلبة ووعدت من يحوز قصب السبق بجائزة نقدية قدرها ليرتان إلى خمس وعشرين ليرا، أدنى السابقين ليرتان وأعلاهم خمس وعشرون ليرا. وكان ذلك اليوم مشهودا حضره الأمراء وعظماء المأمورين والوجهاء والأعيان وألوف من الناس. وهي أول مرة أجرت الحكومة العثمانية في حلب سباق الخيل.
وفيها وضع في خان أقيول مطحنة إفرنجية عظيمة قوة محرّكها ٥٨ حصانا تنقّي الحبوب وتغسلها وتطحنها وتنخلها، وهي تدور بقوة تسمى الغاز الفقير، يتولد من الفحم الحجري أو النباتي. وهي أول مطحنة من هذا النوع وضعت في حلب، وكان وضع قبلها بسنة في برية المسلخ مطحنة بقوة خمسة وأربعين حصانا يدور محركها بقوة زيت البترول المعروف بالكاز. وقبلها وضع في حلب وغيرها من بلدانها مطاحن عديدة من هذا النوع، وهي ومعامل الجليد آخذة بالزيادة يوما فيوما.
стр. 1358
سنة ١٣٢٦ ه ـ
فيها- في حزيران- ورد من الجهات الشرقية جراد طيّار نزل في حلب وضواحيها وكثير من مضافاتها، فأكل الزروع الصيفية كالقطن والسمسم والبطيخ، وما يوجد في بساتين حلب من الخضر كالباذنجان والخيار والقثاء، حتى غلت أسعارها وعزّ وجودها.
وكان يتهافت على قناة حيلان ونهر قويق تهافت الفراش على النار، ففسد ماؤهما وخيف من ضرره، فقطعت البلدية ماء القناة عن حلب وصرفته إلى النهر، وكان الحر شديدا فاشتد احتياج الناس إلى الماء وصاروا يتكبدون في الحصول عليه مشقة عظيمة. وفي محرّم هذه السنة قدم على حلب والدة شاه العجم وأخوه ناصر الدين ميرزاخان واحتفلت الحكومة باستقبالهما وإكرامهما.
النداء بالدستور وقلب الحكومة العثمانية من الحالة المطلقة الاستبدادية (الأتومقراطية) إلى حالة المشروطية المقيدة (الدمقراطية)
في تاسع تموز سنة ١٣٢٤ رومية المصادف شهر جمادى الثانية من هذه السنة ورد من استانبول بلسان البرق رسالة بتوقيع سعيد باشا الصدر الأسبق، مآلها أنه تعيّن الآن لمسند الصدارة. ثم في ثاني يوم ورد منه بلسان البرق رسالة أخرى تشعر بأن السلطان قد أمر بإعادة مجلس النواب- المعروف بمجلس المبعوثان- الذي مضى على إغلاقه بضع وثلاثون سنة. ثم أخذت الرسائل البرقية والكتب المرسلة مع البريد تتوارد كل يوم مذيعة أنه نودي في الآستانة بالحرية والمساواة.
العفو عن المنفيين:
وعقيب ذلك بأيام قلاقل وردت الأوامر إلى الحكومة بصدور العفو العام عن المنفيين
стр. 1359
في جميع جهات البلاد العثمانية، الذين كان نفيهم لجرائم سياسة (المراد هنا بالجرائم السياسية غضب السلطان عبد الحميد عليهم بسبب مسّهم إياه بكلمة، أو إشارة إلى بعض مظالمه) .
وكان منهم في حلب زهاء خمسين منفيا، عدا من كان يوجد منهم في بقية بلاد حلب، وهم ما بين أمير ملكي وقائد عسكري، وأديب وكاتب، ومهندس وطبيب. فسرّوا من هذا الخبر سرورا عظيما، وأخذوا يسافرون إلى أوطانهم زمرة بعد زمرة حتى لم يبق منهم واحد. وكان أكثرهم مقيما في محلة الجميلية، ففرغت منهم المنازل التي كانوا يسكنونها وهبطت أجورها، وبقي الكثير منها فارغا مدة طويلة.
صدور الأمر بإطلاق السجناء:
وفيها ورد الأمر بصدور العفو عن السجناء المحكومين بجرائم سياسية. وفي ثاني يوم من ورد هذا الأمر اجتمع تجاه دار السجن جماعة من كبار الموظفين الملكيين والعسكريين، وأخرج من السجن نحو عشرين شخصا محكومين بجرائم سياسية وأكثرهم من الأرمن، فألقيت عليهم الخطب الحبيّة، وخوطبوا بالإخاء وبنوة الوطن، والتوجع والأسف على ما كان من حبسهم واضطهادهم ظلما وعدوانا في أيام الاستبداد الحميدي. ثم عانقهم أكثر الحاضرين وودعوهم وانصرفوا إلى أوطانهم وكان ذلك الموقف مؤثرا لم تملك العيون فيه دموعها. وفي هذا اليوم جرى مثل ذلك في جميع سجون الولاية من الألوية والأقضية.
إبطال التجسس:
وفي هذه الأيام أبطلت الجاسوسية المعروفة باسم: خفية. وفيها- في ٢٤ تموز- ورد بلسان البرق أن كامل باشا الصدر الأسبق قد تبوأ مسند الصدارة بدل سعيد باشا.
صدور الترخيص بالسفر:
وفي هذا التاريخ ورد من نظارة الداخلية بلسان البرق صدور الإذن العام لكل عثماني أراد السفر من بلده إلى بلدة أخرى من البلاد العثمانية أو غيرها من البلاد الأجنبية. فسرّ الناس من هذا الإذن سرورا زائدا، خصوصا طائفة الأرمن وبقية الطوائف المسيحية، وذلك أن من كان يريد السفر من بلده في أيام الاستبداد الحميدي فرارا من الظلم والجور يتكبد عرق القربة بالحصول على تذكرة المرور. هذا إذا كان سفره لغير أميركا، أما إذا
стр. 1360
كان سفره إليها فإنه يكاد يستحيل عليه أن يسافر إليها إلا هربا، خصوصا إذا كان من جماعة الأرمن، حتى إنه كان يوجد في كثير من ثغور البحر الأبيض- كبيروت وحيفا وصيدا- شركات لتهريب المسافرين إلى البلاد الأميركية، فكانت الشركة تأخذ ممن يريد السفر إلى تلك الجهات ليرتين إلى عشر ليرات، وتهرّبه بواسطة زورق تحمله فيه من فرضة عسرة المسلك أو بعيدة عن العمران. وكثيرا ما كان ولاة بيروت ورجال الدرك فيها يأخذون من تلك الشركات شيئا معلوما على كل مسافر فيجتمع لهم من ذلك مقدار عظيم من المال.
وفي أوائل رجب منها قرر أمراء العسكرية وضباطها- ومن انضم إليهم من موظفي الحكومة والأعيان في حلب- بأن يحتفلوا بزينة وإحياء ليلة لسماع الموسيقى وآلات الطرب وإلقاء الخطب التي موضوعها التنويه بالحمد والشكر على المناداة بالقانون الأساسي، وعود مجلس المبعوثان، وانتشار راية الحرية والعدل والمساواة بين جميع العناصر العثمانية، على أن يكون إحياء تلك الليلة في بستان الشاهبندر ليلة الاثنين ٦ رجب الموافق ٢٢ تموز الرومي. وفي مساء يوم الأحد أقبل الناس إلى البستان المذكور، ولما انتظم عقد المدعوين قام الخطباء يتلو بعضهم بعضا يلقون الخطب باللغتين التركية والعربية، مآلها ما ذكرناه، وهي أول خطب ألقيت في حلب بعد قرون طويلة لم ينقل إلينا التاريخ في أثنائها أن أحدا ألقى في حلب خطبة سياسية على رؤوس الأشهاد، فيها بيان خطأ سلطان أو خليفة أو أمير، حتى زالت هذه الملكة من علماء حلب وكتّابها، وصار يعسر على النابغة منهم إيراد خطبة ولو على المنبر خصوصا في أيام السلطان عبد الحميد. ولذا كانت تلك الليلة مما دهش له الناس حينما سمعوا الخطباء تنطق ألسنتهم في مدح العدل والحرية والمساواة والتنديد بالظلمة والمستبدين. غير أن بعض من لا خلاق لهم من العامة أصبحوا بعد تلك الليلة يتظاهرون بالفسق والفجور وعدم المبالاة بالحكومة، لفهمهم بأن الحرية التي نودي بها هي عبارة عن الرخصة لكل إنسان أن يعمل كل ما يريده دون قيد أدبي أو ديني.
وبعد هذه الليلة بدأ الحزب المتقهقر قبل إعلان الحرية يطلقون ألسنتهم علنا بذكر مظالم السلطان عبد الحميد وتنفير القلوب منه، وذكر مساوىء حاشيته وأعوانه وجواسيسه ويصرّحون بشتمهم ولعنهم. فارتاع لذلك أهل الصيّال قبل الإعلان المذكور في حلب وغيرها، وظهر على عظمائهم وعتاتهم الذل والانكسار، فانزووا عن الناس ولزموا بيوتهم.
стр. 1361
ثم بعد أيام قليلة تألّف في المكتب الإعدادي الملكي جمعية عظيمة قوامها الضباط وبعض المأمورين وجمهور من أهل البلدة، فاختاروا من الحاضرين جماعة سموّهم جمعية الاتحاد والترقي العثماني، وألقي في ذلك الاحتفال الخطب التي مآلها مدح الحرية والمساواة وبيان مظالم بعض الأسر الحلبية وكثرة جورهم وتعديهم. وقد جعلت هذه الجمعية فرعا لجمعية الاتحاد والترقي العثماني في سلانيك المنعقدة تحت رياسة أنور بك ونيازي بك بطلي هذا الانقلاب. وقد تحالفت هذه الجمعية بجميع فروعها على التفاني والتهالك في سبيل المحافظة على تنفيذ أحكام القانون الأساسي والضرب على يد كل من خالفها وحاول المروق عنها.
وجعل لهذه الجمعية فروع في جميع ألوية الولاية وأقضيتها أسوة بأمثالها من الولايات العثمانية، وعمل لها زينة في كل لواء وقضاء، وعين لها مكان للاجتماع يسمى (كلوب) .
وأول شيء قامت به هذه الجمعيات هو السيطرة على المأمورين وتدقيق أحوالهم فكانت الجمعية متى سمعت بموظف يميل إلى الرشوة والمحاباة ترسل إليه من يتهدده ويتوعده فلا يلبث غير قليل حتى يستقيل من وظيفته. وبهذه الواسطة استقال نحو نصف الموظفين الذين كانوا متخذين الوظيفة وسيلة لجمع المال، غير مبالين- في سبيل الوصول إلى رغائبهم- من تضييع الحقوق وتخريب البيوت وتخليد الأبرياء في السجون. على أن كثيرا من ذوي الأغراض والمقاصد السيئة صاروا ينسبون أنفسهم إلى هذه الجمعية الحرة ويتسلطون على الحكّام والموظفين البريئين من دنس الجرائم. ولهذا بدأ الناس ينقمون على الجمعية بعض أعمالها وينددون بانحرافها عن جادة العدل التي لم تنعقد الجمعية إلا لأجل السلوك عليها.
وقد جرى نظير ذلك في الآستانة وأكثر البلاد العثمانية، حتى فطن مركز الجمعية الكبرى في سلانيك بأعمال هؤلاء المتطفلين عليها، فصارت ترسل إنذاراتها إلى الولاة وتحذرهم من مجاراة أولئك المتطفلين، وتظهر تبرّؤها منهم ومن أعمالهم. غير أن الولاة كانوا لا يقدرون على منعهم والتعرض إليهم فوقعوا تحت نير تسلطهم وصاروا مغلوبين على أمرهم مغلولة أيديهم عن مباشرة إصلاح أحوال ولاياتهم وتنظيم أمورها، فأصبحت الحالة بسبب ذلك شبيهة بالفوضى، وكثر التجاهر بالمعاصي والفجور، ونهض أهل الدعارة واللصوص في المدن والقرى يتصدّون لقطع الطرق وسلب أموال الناس، وقام القرويون يطردون من قراهم أصحابها وينتهبون مدخرات حبوبهم وأصبح الناس في أمر مريج.
стр. 1362
وفيها- في أواخر فصل الربيع- قدم على حلب والجهات الشرقية من ولايتها جراد كثير أتى على ما في البساتين من الخضر والبقول، وأكل ما في القرى من الزروع الصيفية كالبطيخ والقطن والسمسم، ثم غرز في الجهات المذكورة، فخاف الناس ضرره في العام التالي وضنّ أهل الثراء من المزارعين والمحتكرين بما عندهم من الحبوب فحبسوها عن البيع، فارتفعت أسعارها ارتفاعا فاحشا، وبيع شنبل الحنطة بمائة وعشرة قروش بدل ثمانين قرشا.
وكان شمندوفر «١» حلب وحماة ينقل من حلب كل يوم إلى ثغر بيروت نحو خمسمائة شنبل، فقام فقراء الناس وغوغاؤهم واجتمعوا، وأقبلوا جماهير على دار الحكومة يطلبون منها منع تسفير الحبوب بالشمندوفر. فلم تلتفت الحكومة إلى طلبهم مستندة على قاعدة (التجارة حرة) وحينئذ اجتمع من عامة الناس جمهور عظيم.
وفي ضحوة يوم الخميس ٢٤ رجب والسابع من آب هاجوا وماجوا وتراكضوا في الأسواق والشوارع، ينهبون ما يجدونه في الدكاكين والخانات من الأموال والأقوات ويصيحون ويضجون، فأجفل الناس من أمامهم وأسرعوا لقفل حوانيتهم، ووقع الفزع في قلوبهم فتراكضوا إلى منازلهم. ونمي الخبر إلى الوالي ناظم باشا والقائد العسكري باكير باشا فأسرعا الكرّة نحو باب الجنان لردع هؤلاء الغوغاء وصدّهم عن خانات الحبوب الموجودة هناك، وصحبا معهما عددا كافيا من العساكر فلم يبال الدّعّار بذلك ظنا منهم أن الحرية تبيح لهم هذا العمل، فظلوا منهمكين بنهب الحبوب والتطاول على الناس. وحينئذ أمر القائد بعض الجنود بإطلاق الرصاص عليهم تهديدا وتخويفا، فأطلقوا عياراتهم فخافت تلك العصابة من هجوم العساكر عليهم فوقفت عن حركتها، ثم هرب بعضها وألقي القبض على آخرين وزجّوا في السجن. ثم تتبعت الحكومة المنهزمين وقبضت عليهم وزجّتهم في السجون، وبعد الفحص والتحقيق عنهم أطلقت البريء منهم ونفت المتعدّي إلى البستان وغيرها. حتى إذا كانت أوائل شوال هذه السنة أطلقت سراحهم من المنفى.
على أن الحكومة بعد انقضاء هذه الحادثة رأت طلب الناس منع إخراج الحبوب إلى خارج الولاية صوابا، فأصدرت أمرها إلى البلدية بمنع تسفير الحبوب بالسكة الحديد، وأقامت الخفراء لمنع التسفير على محطة حلب والوضيحي، وبو الظهور، وأمّ ارجيم
стр. 1363
والحمدانية. فانقطع تسفير الحبوب ووقفت أسعارها عن التصاعد. وكان هذا المنع صوابا لأن الجراد الذي كان غارسا في جهات الولاية لم يأت عليه شهر نيسان حتى نقف وأخذ يزحف على الزروع، فأكل جميع حقول الشعير، ونحو ثلاثة أرباع حقول الحنطة والقطاني، فارتفعت الأسعار ارتفاعا فاحشا وبيع شنبل الحنطة بمائة وخمسين إلى مائة وثمانين بدل مائة وعشرين قرشا. هذا مع منع تسفير الحبوب ومجيء الحبوب والدقيق من حماة ودمشق كل يوم. ولولا ذلك لعدمت الأقوات وأكل الناس بعضهم، وقد تبعت أسعار الأقوات بعضها فارتفع سعر الزيت من ١٥ إلى ٣٠ وسعر السمن من ٣٥ إلى ٧٠.
خطبة عامة في الجامع الكبير:
وفي أواخر شعبان هذه السنة قدم من استانبول على حلب رجل من أذكياء علماء كركوك يقال له الشيخ عناية الله أفندي، وكانت جهة مقصده الموصل وهو عضو سيّار في جمعية الاتحاد والترقي العثماني. وفي يوم قدومه إلى حلب قصد منزل الوالي ناظم باشا واستدعى بواسطته طائفة من علماء حلب فأطلعهم على منشور عضويته، وكلفهم أن يسعوا بحشد الناس وجمعهم في مكان فسيح ليلقي عليهم خطبة أمرته الجمعية بإلقائها في جميع البلدان التي يتجول بها. فقر الرأي على حشد الناس في الغد في الجامع الكبير. وفي صبيحة الغد خرج أشخاص ينادون في الأسواق بما معناه: (معاشر الناس من كل ملة ودولة، سيلقى بعد الظهر في الجامع الكبير خطبة فاحضروا لسماعها) .
وبعد ظهر ذلك اليوم أقبل الناس إلى الجامع الكبير مسلمين ومسيحيين وإسرائليين وإفرنج حتى غصت بهم رحبة الجامع، وكان الشيخ عناية الله واقفا على الدكّة الحجرية في وسط رحبة الجامع، ومعه الوالي وجماعة من أهل العلم. فاعتلى كرسي الخطابة وافتتح خطبته بصوت جهوري وما زال يتلوها مرتلة حتى أتى على آخرها، وقد استغرفت تلاوتها نحو نصف ساعة، وخلاصتها: حمد الله تعالى وشكره على نعمة الحرية والمساواة والعدالة والاتحاد، ومدح هذه الخلال وبيان فضائلها والحثّ على التزامها وعدم الحياد عنها، وأن تكون الأمة العثمانية على تمام الوفاق والتحابب مع بعضها مهما اختلفت مذاهبها ومشاربها، وأن هذه الأمور هي أقصى غايات جمعية الاتحاد والترقي العثماني التي سعت بقلب الحكومة العثمانية من الحكومة المطلقة إلى الحكومة المقيدة المعروفة بالمشروطية، وأن المشورة من
стр. 1364
المسائل التي أمرت بها الشرعية «١» المحمدية بلسان القرآن العظيم، وأن مجلس المبعوثان هو عبارة عن مجلس الشورى وأن الواجب على الأمة ألّا تنتخب لهذا المجلس إلا من عرف بالعلم والاستعداد والصلاح والتقوى إلخ ما قال.
افتتاح نادي جمعية الاتحاد:
وفي أواخر شعبان أيضا فتح في فندق خان قورت بك مكان سمي منتدى جمعية الاتحاد والترقي العثماني ويعرف عند الأتراك باسم (كلوب) ، يجتمع فيه أعضاء الجمعية المذكورة للمذاكرة والمفاوضة. وقد أقبل الناس عليه يسجلون أسماءهم بدفتر الجمعية، وبعد أن يحلفوا للجمعية يمين الإخلاص تعتبرهم من حزبها. وفي يوم افتتاح هذا المنتدى حضر الوالي والقائد العسكري وجمهور من العلماء والأعيان ولفيف من كهنة الطوائف المسيحية وتليت فيه الخطب باللغة التركية والعربية، وكلها ترمي إلى غرض واحد وهو مدح المشروطية والحرية والاتحاد والعدل والمساواة.
انتهاء مرمّات الجامع الكبير:
وفي رمضان من هذه السنة انتهت مرمّات الجامع الكبير التي كان الشروع فيها منذ سنة، وهي تجصيص أكثر جدران الجامع داخلا وخارجا وترميم الرواق الشرقي من جهة الحجازية، وتوسيع باب الحجازية المذكورة وتوسيع شبّاكها وفرشها بالرخام، وتجديد رخام الرواق الشرقي والرواق القبلي، وتوسيع باب قبلية الأحناف من جهة الغرب وتوسيع باب القوافين وغير ذلك، ورفع طرابزون كان يتوسط القبليتين ويقطعهما شطرين طولا من الشرق إلى الغرب، ونقل سدّة قبلية الأحناف إلى محلها الحالي، وفرش هذه القبلية بالسجاد الجديد وتنويرها بمصابيح لوكس وغير ذلك.
وقد بلغت النفقات على هذه الإصلاحات زهاء ثلاثمائة ألف قرش هي بدل أحكار معجّلة عن أراض ظهرت جديدا في جهات التلل قرب محلة العزيزية وكانت قبلا غير معروفة أنها من جملة أوقاف الجامع. وكان العمدة في هذا الترميم مفتي حلب الشيخ محمد العبيسي
стр. 1365
الحموي. وللوالي ناظم باشا في هذا الترميم واستحصال الأرض سعي يستحق أن يذكر فيشكر.
وفي هذا الشهر أيضا ورد على حلب وفد من جمعية الاتحاد والترقي العثماني، فاحتفلت الحكومة باستقبالهم وأنزلتهم في فندق دوبارك في بستان الشاهبندر، على نفقة البلدية التي عملت لهم ضيافة حافلة حضرها الوالي والقائد العسكري وغيرهما من كبار الموظفين، وتليت الخطب وعزفت الموسيقى العسكرية، وكانت ليلة حافلة.
إبراهيم باشا ابن معمو التمّو:
وفي هذا الشهر أيضا مات إبراهيم باشا ابن معمو التمّو الكردي، في الموضع المعروف بتل شرّابة، بين قضاء نصيبين ولواء الزور، وهو من عشيرة كردية يقال لها عشيرة الملية تبلغ زهاء أربعمائة بيت، تقيم تحت خيام الشعر في جهات «ويران شهر» من أعمال قضاء رأس العين التابعة لواء الزور. والرجل المذكور شيخها ورئيسها، وكان والده توفي في حلب في حدود سنة ١٢٩٥ ودفن في زاوية الشيخ جاكير خارج باب النيرب فخلفه ابنه هذا في المشيخة على عشيرته، وكان يعرف إذ ذاك بإبراهيم آغا. وبعد أن صار شيخ العشيرة المذكورة اقتفى أثر آبائه وأجداده في شن الغارة على العشائر الكردية والعربية وأسرف بالنهب والسلب، خصوصا في عشيرة قره كج فإنه لم يبق لها سبدا ولا لبدا «١» .
ولما كثر تشكي هذه العشائر منه أمسكته حكومة ولاية ديار بكر ونفته إلى سوارك، فبقي فيها إلى حدود سنة ١٢٩٧ وفيها استغاث بوالي حلب جميل باشا وقدم له تقدمة جزيلة، فسعى باستقدامه إلى حلب فحضر إليها ومعه الخيول المطهّمة «٢» العربية هدية خص بها الوالي المشار إليه، فشفع به عند السلطان عبد الحميد وصدر العفو عنه وعاد إلى وطنه «ويران شهر» . ولما تألفت الكتائب الحميدية من سكان البوادي مضاهاة لكتائب القوزاق في دولة روسية، جعل إبراهيم آغا مقدّم مائة ثم مقدّم ألف ثم أمير لواء، ومن ذلك الوقت صار يدعى إبراهيم باشا. وقد كثرت أتباعه وشيعته واستقدم إلى الآستانة لعرض كتيبته فشخص إليها مع عدد وافر من عشيرته الجند «الحميدي» البالغ حد النهاية بحسن البزّة
стр. 1366
والرونق. وقدّم إلى السلطان عبد الحميد من الخيول العربية والسّمن العربي ما جعله يعتقد أنه من خواصّ محبّيه ومواليه. واتصل بوالدة السلطان وقدّم لها مبالغ طائلة فسرّت منه أيضا ودعته بقولها: أنت ابني. وأحسن إليه السلطان بالأوسمة العظيمة وأمر بأن يبلّغ سلامه.
ثم عاد إبراهيم إلى وطنه فازدادت سطوته وعظمت نكايته وصارت أتباعه تشنّ الغارة على العشائر المجاورة له، والقرى التي هي من أعمال أورفه وولاية ديار بكر. حتى خرب الكثير منها بسبب جلاء أهله عنه وضرب على القفول والكروان «١» التي تمر من تلك النواحي ضريبة من المال تدفع إليه وإلا سلّط أتباعه عليها وانتهبوها. فضج أهل تلك الجهات من جوره وواصلوا الشكايات عليه لحكوماتهم مدة طويلة فلم يجدهم ذلك نفعا، لأن الولاة كانوا لا يجسرون على الإيقاع به لعلمهم بالتفات السلطان إليه. ولشدة اشتهار أتباعه ومواليه بالنهب والسلب صار كثير من الدعّار والشطّار الأجانب عنه يقطعون الطرقات ويتسمّون بأسماء أتباعه وأعوانه. فعظم ضرر الناس من ذلك وأخذوا يوالون التشكي عليه إلى الدوائر الكبرى في الآستانة: كالباب العالي، ونظارة الداخلية والكتابة الأولى في «المابين» «٢» . وشخص جماعة من بلاد الرها إلى الآستانة للتشكي عليه وبذلوا في إزالة ضرره النفيس والغالي، فلم يحصلوا على طائل ورجعوا بالخيبة لأن تلك الدوائر كانت تعلم أيضا أن إبراهيم ملحوظ السلطان وأحد منابع استفادته.
ثم شرع الناس يتشكون منه لذات السلطان على لسان البرق مخاطبين إياه بلهجة عنيفة غير مبالين بما كان عليه من الشدة والجبروت، وتجهز منهم جماعة من أهل الثراء وسافروا إلى الآستانة بقصد التظلم من أعمال هذا الرجل وصرفوا على نوال غايتهم المبالغ الوفيرة والأعوام العديدة فأخفق سعيهم وعادوا خائبين. وكان هذا الرجل لا يفتر شهرا واحدا عن تقديم الهدايا إلى السلطان ووالدته وكبار جواسيسه ومطبخه وإصطبله، يقدّم إلى السلطان ووالدته وبعض جواسيسه النقود الكثيرة، وإلى المطبخ صناديق السمن، وإلى الإصطبل الخيول الأصائل. وبهذه الواسطة كان السلطان لا يسمع فيه وشاية ولا يصغي
стр. 1367
لشكوى أحد منه. ثم لما تمادى الرجل على بغيه وعدوانه هاج الناس وماجوا في ولاية ديار بكر وحلب وأخذوا يوالون فيه الرسائل البرقية المشتملة على أشد العبارات التي يخاطب بمثلها ذلك السلطان العظيم. وقد ساعدهم والي حلب ووالي ديار بكر وأيّدا شكاويهم وجعلاها مصبوغة بصبغة سياسية.
وحينئذ خشي السلطان عاقبة الإغضاء عنه إلى ذلك الحد فأصدر إرادته بتأليف لجنة من عدة أشخاص للفحص عن أحوال هذا الرجل على أن يكون محل اجتماع هذه اللجنة في مدينة ديار بكر وأن يكون ثلاثة أشخاص من هذه اللجنة من مدينة حلب وشخص من مدينة حماة وآخر من أورفة وبقية أعضاء اللجنة من ديار بكر ورئيسها واليها. فاختار مجلس إدارة حلب أن يعيّن لهذه اللجنة من ديار بكر، ورئيسها واليها. فاختار مجلس إدارة حلب أن يعيّن لهذه اللجنة مرعي باشا الملاح والشيخ حسين أفندي الأروفه وي وأحمد أفندي ميسّر. وبعد أن أخذوا نفقات طريقهم وفرض لكل واحد منهم يومية كافية، سافروا إلى ديار بكر واجتمعوا مع باقي إخوانهم وشرعوا يفحصون أحوال هذا الرجل فحصا مدققا، فظهر لهم صدق شكاوي الناس عليه وأنها غير مبالغ فيها، إلا أنهم رأوا أن تمام التحقيق عنها متوقف على استجوابه عما نسب إليه لعله يدلي به عذرا، فأرسلوا بطلبه فلم يحضر وأرسل يعتذر بأنه منحرف الصحة، فلم يجسروا على إحضاره قسرا لعدم الرخصة لهم بذلك. ولما لم يروا فائدة من مثابرتهم على التحقيق عن أحواله حلّوا عقدة اجتماعهم وعاد الغرباء منهم إلى أوطانهم بعد أن غابوا عنها زهاء ستة أشهر.
ثم في شعبان هذه السنة أصدر السلطان إرادته بإشخاص إبراهيم باشا المذكور إلى الحجاز لينضم إلى الجنود السلطانية المخيّمة هناك ويعاونهم على ردع قبيلة عوف وهوازن وغيرهما من القبائل العربية التي قامت تعارض الدولة في مدّ السكة الحديدية من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة. فامتثل إبراهيم الأمر ونهض من محلّه «ويران شهر» وقصد الحجاز من طريق حلب فوصل إليها في بضعة أيام، ونزل هو وعساكره الحميدية في الميدان الأخضر تحت خيام قدمت لهم مع الأطعمة والعلف من قبل الثكنة العسكرية. وقد استقبله الوالي والقائد العسكري واحتفلت الحكومة بنزوله احتفالا باهرا. وبعد أن بقي في حلب بضعة أيام بارحها إلى جهة دمشق على قطار السكة الحديدية، وما كاد يستقر في دمشق قراره إلا وحدث الانقلاب ونودي بالدستور، فارتاع إبراهيم باشا من ذلك وخاف أن يلقى القبض
стр. 1368
عليه لما يعلمه من نفسه بأنه أول من يستحق العقوبة والتنكيل على سابق أعماله، فأظهر للمشير في دمشق أنه يريد الرجوع إلى حلب ليحضر بقية جنوده. وقبل أن يأذن له المشير بالرجوع إلى حلب نهض من دمشق في الليل وكرّ راجعا إلى وطنه من طريق حلب إلا أنه لم يدخلها بل توجه إلى جهة «ويران شهر» من خارج حلب.
وحينما تحققت الحكومة هربه أرسلت في طلبه الجنود من حلب يقتفون أثره فلم يدركوه إلا في جهات ماردين معتصما في جبل هناك، فشددوا عليه الحصار مدة شهر، ولما علم بأن لا مناص له من سطوة الجنود ركب جواده وقصد أن يسلم نفسه طائعا مختارا. وكان التعب والسهر قد أنهكا جسمه واستولى عليه الهم والغم، وبينما هو راكب جواده إذ وقف ونزل إلى الأرض وفي برهة دقائق فاضت نفسه. والمروي عن هذا الرجل أنه كان يوجد عنده نحو مليونين من الليرات وأنه عمل نفقا خفيا في الأرض وكنزها فيه، وأن المعمار الذي عمل له هذا النفق قتله حالما فرغ من عمله كيلا يخبر عنه. وقيل إن هذا النفق لا يدري مكانه سوى ولده الكبير والله أعلم. وعلى كل حال فإن إبراهيم باشا كان على جانب عظيم من السخاء والدهاء والشجاعة، يتكلم باللغة الكردية التي هي لغة آبائه وأجداده وعشيرته، وباللغة العربية التي هي لغة أمه وزوجته، وباللغة التركية التي هي لغة الدولة.
ويذكر أنه أنشأ في سواريك مكانا شبه تكية يطعم فيها الفقراء والمسافرون ﵀.
الشروع بانتخاب النواب المعروفين بالمبعوثان:
وفيها في رمضان وردت المضابط من مراكز أقضية الولاية تفيد بأن عدد ذكور الولاية الذين أعمارهم فوق الخامسة والعشرين ٢٨٤١٠٢ نسمة، فاتضح من ذلك أن عدد المبعوثين الذي يجب انتخابهم من ولاية حلب ستة أشخاص لكل خمسين ألف ذكر تقريبا شخص.
تنازل السلطان عن أملاكه ومزارعه:
في هذا الشهر تنازل السلطان عبد الحميد خان إلى بيت المال عن دخل جميع المسقّفات المعروفة باسم الأملاك السنية، والقرى والمزارع المعروفة باسم الجفاتلك الهمايونية في سائر البلاد العثمانية. وكان دخلها يقدر بربع دخل جميع المملكة العثمانية، وكان السلطان يستأثر
стр. 1369
به وحده علاوة على رزقه من بيت المال الذي كان لا يقل عن تسعين ألف ذهب عثماني في الشهر.
ما هي الأملاك السنية والجفاتلك الهمايونية ؟
لما استولت الدولة العثمانية على هذه البلاد كان العمار غالبا على برّها، والزراعة سائدة في أكثر أنحائها، ثم لم تلبث غير قليل بسبب سوء إدارة حكامها إلا وأخذ العمار ينزح عنها ويحل محله الخراب حتى كاد يعم جهتي الجنوب والشرق من ولاية حلب. وكانت جهة الجزيرة في منتهى درجات العمار بحيث كانت ولاية عظيمة عاصمتها الرقة، ولما دخلت تحت استيلاء الدولة العثمانية اعتبرتها أيضا ولاية واستمرت ترسل إليها واليا يحكمها على انفرادها، إلى أن أخذ عمرانها بالانحطاط صارت تعهد بالولاية عليها إلى والي حلب وتسمّيه والي حلب والرقة. وما زال الخراب يشن عليها غاراته حتى ألقى فيها جرانه «١» وخلت من السكان الحضر، ولم يبق من أرضها معمورا سوى واحد في المئة وخلت مدينة الرقة من الحكومة وأصبحت عاصمة الرشيد قرية يسكن أهلها تحت مضارب الشعر مستمرة على هذه الحالة نحوا من قرن ونصف.
ولما جلس السلطان عبد المجيد خان على العرش العثماني ألفت نظره إلى جميع ما في المملكة العثمانية من القفار الواسعة والمفاوز الشاسعة، خصوصا ما كان من ذلك في الشام والجزيرة والعراق، فاعتبر السلطان هذه البراري، مواتا وعزم على إحيائها لتكون ملكا له بحكم:
«من أحيا مواتا فهي له» «٢» . فعمل لأجل هذه الغاية ديوانا خاصا جعل وظيفته السعي والاهتمام بإحياء هذه الأراضي، وأمده بشيء من ماله لينفقه في هذا السبيل ودعا هذا الديوان (جفتلك همايون إداره سى) إدارة المزارع السلطانية، وفوضه أن يشتري له مسقّفات وأملاكا في البلاد العثمانية. فباشر هذا الديوان وظيفته واشترى له عدة أملاك وعقارات في حلب وغيرها كالخانات والحمامات والبساتين. ومن جهة أخرى بذل الديوان اهتمامه بإحياء الأراضي واستعان على إعمارها بالولاة والأمراء العسكريين، وبعد العناء الطويل
стр. 1370
تمكن الديوان من تحضير بعض العشائر البدوية وإسكانها في قرى حقيرة بنيت لهم في تلك البراري. ومن ذلك اليوم عادت روح العمار تدبّ رويدا رويدا في جهتي الشرق والجنوب من ولاية حلب، وجهة الجزيرة التي عاصمتها الرقة.
ولما جلس السلطان عبد الحميد خان على كرسي المملكة العثمانية سنة (١٢٩٣) اهتم بهذه المسألة اهتماما عظيما وأسس لها في استانبول ديوانا خاصا سماه (خزينه خاصه نظاره سى) نظارة الخزينة الخاصة. وجعل له فرعا في كل بلدة يوجد في برّها أراض موات، سماه إدارة الجفتلك الهمايوني. فاجتهدت هذه الإدارة بإعمار القرى على أطلالها القديمة وأسكنتها جماعة من العربان وقدّمت لهم ما يحتاجونه من الدواب والمؤنات وآلات الحراثة، وسامحتهم من الجندية وسائر الضرائب الأميرية سوى رسوم عدّ الغنم التي توجد في هذه القرى أو التي تمر منها، وسوى الأعشار وكومة الطابو، فإن الإدارة جرت في أخذها من الزراع على قاعدة سمّتها التخمين، وهي أن يقدر أهل الخبرة البيدر- قبل أن يدرس- بقدر معلوم من الحب ويكتب على صاحبه سبعة عشر في المئة من مجموع الحبّ المقدر، عشرة من هذه السبعة عشر هي العشر الشرعي، والباقي- وهو سبعة أجزاء- أجرة الأرض وتسمى كومة الطابو، وبعد أن تتم دراسة البيدر ويتمحض الحب يحمل صاحبه القدر المفروض عليه إلى المستودع المعين لناحيته ويسلّمه إلى حافظ المستودع ويأخذ به وصلا. وكانت إدارة الجفتلك هذه تأخذ العشر الشرعي أيضا لنفسها مع أن العشر حق بيت المال كما لا يخفى.
وقد نجحت هذه الفروع في أعمالها، وجد في ولاية حلب قرى كثيرة يربو عددها على الخمسمائة، وكثر عدد سكان الرقة واستعمل عليها حاكم صغير باسم مدير، ثم زاد العمار في جهاتها وأنشأ فيها السلطان جامعا وجعلت مركز قضاء وتعين لها قائمقام. وهكذا كان العمل في منبج. وقد بلغ دخل السلطان من هذه القرى التي هي في شرقي الولاية وجنوبها سبعين ألف ذهب عثماني في السنة المتوسطة بين الخصب والجدب، وذلك عدا رسوم الأغنام التي كان يستأثر بها السلطان أيضا. ولما خلع هذا السلطان وضعت الحكومة يدها على سائر الأملاك والمزارع المذكورة وسمتها الأملاك المدورة ثم الأملاك الأميرية وصارت تجبي غلاتها على قاعدة التخمين السالفة الذكر إلى جهة خزانة الحكومة، وألغيت النظارة الخاصة في استانبول وفروعها في خارجها وأنيط النظر في الأملاك المذكورة بدواوين مالية الدولة
следующие страницы →