Полный текст (1 631 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
جبل آخور المعروف هناك بجبل بيوقلي ممتدة إلى الوادي الذي في جنوبه.
ولها للمقبل عليها من ناحية عزاز منظر بهيج فيراها مدينة منبسطة في الجبل والسهل قد حفتها من جهاتها الأربع البساتين والزيتون والكروم وارتفعت مناراتها في العلاء وقامت مبانيها بين الأشجار الباسقة والحياض المتدفقة. وأهل كلز متعصبون بالدين وفيهم أولو أدب وظرف وأخلاق كريمة وجود وسخاء. وفي سنة ٩٥٠ بنى فيها علي آغا متسلم البلدية تكية للطريقة المولوية. ثم في سنة ٩٦١ عمر فيها علي باشا جانبولاد بك جامعه الشهير الشبيه بجامع العدلية في حلب.
هذا القضاء مشهور في جهاتنا بكثرة الزيت وجودته وكثير من الناس من يفضله على زيت جزيرة كريد. ويخرج منه مقادير عظيمة من الرز. ويطبخ في كلز الصابون الجيد ويباع في البلاد الشمالية ويعمل فيها الجلد المعروف باسم كوسله وتنسج فيها الأقمشة القطنية والصوفية. ويجلب من العزية التي كانت إحدى نواحيها إلى حلب وغيرها من الفحم الجيد ما يكلّ عنه قلم الواصف.
وقبل وجود إدارة انحصار الدخان المعروفة باسم (ريجي) كان يخرج من ناحية الجوم تبغ هو على غاية ما يكون من اللذة والجودة. وفي مدينة كلّز (٢٧) جامعا و (١٢) مسجدا و (٤) مدارس و (٤) زوايا و (٣) كنائس و (٥) حمامات و (٧٤٠) دكانا و (٣) أسواق لبيع البزّ. منها سوق كبير من آثار جانبولاد بك و (١٠) حياض و (٧) خانات للتجار ونزول القوافل و (١١) فرنا و (١٢٠) منوالا و (١٥) بيت قهوة و (٣) حانات و (٥٥) معصرة للزيت وصيدلية ومستودع لإعتاد الجند، ونحو ألفي بستان للزيتون والكروم ونحو مئة بستان للثمار المتنوعة. وهي رخيصة أسعار المأكولات كثيرة الخيرات صحيحة التربة جيدة الهواء غزيرة المياه تنصب إليها من عيون في جبل آخور المتقدم ذكره. غير أنها شديدة البرد صعبة الشتاء يكثر فيها الثلج وكان يحمل منه إلى حلب قبل وجود معامل الجليد فيها قناطير مقنطرة في فصل الصيف. وفي سنة ١٣٢٨ عمرت فيها الحكومة في شرقيها بين البساتين مكتبا ابتدائيا إعداديا جميلا له بستان عظيم فيه حوض يفيض ماؤه ليلا ونهارا.
أهل كلّز يتكلمون بالتركية. وفيهم العربي والكردي والأرمني. وكنائس الملل المسيحية فيها مغلقة الآن إذ لا يوجد في المدينة أحد من المسيحيين سوى قليل من الأغراب.
стр. 282
في هذا القضاء من المزارات الشهيرة مقام شمعون في محلة نور الدين في مدينة كلز ومقام أوريا في قرية زيتوتلك في ناحية شقاغي. وذكر الهروي في كتاب الإشارات أن قبر أوريا في قورص وقال: وفي جبل برصايا من أعمال عزاز قبر برصيصا العابد وقبر شيخه برصايا. اه. ومن المزارات المشهورة في قضاء كلّز مقام داود في قرية دويبق في ناحية عزاز تركمان ومرقد عبد الرحمن بن عوف في قرية قريبة بناحية الجوم. ومرقد الشيخ محمد الأنصاري في المحلة الجديدة بكلّز. ومرقد شرحبيل ابن حسنة خارج مدينة كلّز على بعد ربع ساعة منها. وغير ذلك من المقامات المحترمة. ومن المزارات في هذا القضاء المقصودة من الجهات: مزار الشيخ ريح في قرية يل بابا في ناحية عزاز تركمان. والناس يقصدونه من أماكن بعيدة يشربون من ماء ينبع في جانب قبره فيبرؤون من علة الريح. ولزيارته موسم معلوم من السنة وذلك من حزيران إلى أيلول. يمر من هذا القضاء نهر حلب ونهر عفرين ونهر ثالث يقال له الصافي. المعارف في كلز متأخرة غير أنه يوجد فيها عدة مكاتب للإناث هنّ في نجاح عظيم من جهة الصنائع النسائية اليدوية. وكانت كلّز قبل قرن مشحونة بالعلماء والمتعلمين.
الأسر الشهيرة في كلّز
من الأسر الشهيرة في هذه البلدة أسرة صالح أفندي. ومن وجهائها الحاج عصمت أفندي ومصطفى أفندي والمرحوم محمد أفندي الذي سعى بافتتاح عدة مكاتب للإناث وكان سخيا وفيا ﵀. وأسرة الحاج حافظ أفندي ومن وجهائها مسعود أفندي ومحمود أفندي وأسرة خواجه زاده. ومن وجهائها خالد فخري أفندي وأحمد جودت أفندي وعبد الرحمن لامع أفندي. ومن هذه الأسرة عبد الله أفندي صاحب التآليف الشهيرة في علم المنطق وغيره وطاهر أفندي أحد علماء عصره. وأسرة خلفه ومن وجهائها محمد منير الذي كان مدير مدرسة القضاء في استانبول. وأسرة سليم آغا ووجيهها سعيد أفندي.
وأسرة يوسف آغا ووجيهها عثمان أفندي. وأسرة طوبال ووجيهها نشأت «١» أفندي وأسرة يواشجي ووجيهها أحمد مختار أفندي وأسرة صاغر زاده ووجيهها محرم أفندي المفتي.
стр. 283
وأسرة أمين جلبي ووجيهها الدكتور محمود بك. وأسرة بيطار زاده ووجيهها محمود أفندي وأسرة موسى خواجه ووجيهها موسى كاظم أفندي وأسرة جانبولاد ووجيهها سليم بك وهي من الأسر القديمة التي كان لها شأن في التاريخ وأسرة خطاط ووجيهها عبد الله أفندي.
وأسرة أحمد خاكي أفندي ووجيهها محمود أفندي. ومن مشاهير رجالها الحاج مصطفى أفندي الذي كان من جملة نواب مجلس المبعوثين في الحكومة العثمانية وهو على غاية ما يكون من الذكاء وحدة الخاطر.
الأماكن التي لها شهرة في التاريخ من هذا القضاء
قورص أو قورس
بلدة شهيرة في التاريخ طولها ٦٤ درجة وعرضها ٣٥ دقيقة داخلة في الإقليم الرابع بخمس وأربعين دقيقة. وكان فتحها صلحا عن يد عياض بن غنم تحت إمرة أبي عبيدة ابن الجراح سنة ١٥ ثم إن عياضا بث خيله فغلب على جميع أرض قورس وفتح عزازا.
وكان سليمان بن ربيعة الباهلي في جيش أبي عبيدة فنزل في حصن قورس فنسب إليه وعرف بحصن سليمان.
أقول: لعل كلمة قورس محرفة عن قورش وهو اسم ابن لدارا ملك الفرس فلعل هذه البلدة سميت باسمه لاستيلائه عليها.
ويذكر أن القديس مارون متبوع الطائفة المارونية المتوفى في أوائل القرن الخامس م كان في هذه البلدة. وكنت سئلت عن موقعها من قبل مستشرق في باريس فلم أقدر أن أجيبه عن ذلك بغير ما ذكره المؤرخون عنها بأنها كانت كمسلحة لأنطاكية وقلت: لعلها قرب أنطاكية. ثم سافرت إلى أنطاكية لأجل البحث عنها فلم أحصل من بحثي على طائل وسافرت إلى مدينة كلّز وبعد البحث الطويل عنها وتكبدي مشقة زائدة في السفر إلى تلك النواحي ظفرت بالمطلوب فإذا هي المدعوة الآن باسم قرية (الشيخ خوروز) في ذيل قلعة الشيخ خوروز في الغرب الشمالي من كلّز على بعد ثلاث ساعات منها. ورأيت في هذه القرية آثارا باقية ومسجدا معمور الشعائر وفيها مزار أوريا يقصده الناس للزيارة ويسمونه الشيخ خوروز أي (الشيخ ديك) وما هو إلا تحريف الشيخ قورص أي شيخ مدينة قورص.
стр. 284
مدينة عزاز
عزاز بلا همزة في أوله «١» . تبعد عن حلب ٤٥ ميلا كانت بلدة مشهورة ظاهرة المحاسن واسعة الفناء تعرف قديما بتل اعزاز. وكانت قلعتها مبنية باللّبن والمدر «٢» . وقد بقيت بأيدي المسلمين إلى سنة (٣٥١) فاستولى عليها الروم مع جملة الحصون التي استولوا عليها. ثم استعادها سعد الدولة أبو المعالي بن سيف الدولة. وفي سنة (٣٦٣) حدثت زلزلة دمرت قلعتها. ثم ملكها الفرنج الصليبيون واستردها منهم نور الدين محمود بن زنكي سنة (٥٤٦) ثم في سنة (٦٥٨) خربها التتار الجنكزيون ودكوا قلعتها وكان الملك الظاهر بناها بالكلس والحجارة وشيدها وحصنها. ولما خربها التتار نزح أهلها عنها إلى كلّز وغيرها من البلاد. ومن ذلك اليوم أخذت بالاضمحلال حتى أصبحت قرية.
قال ياقوت في معجم البلدان: والعزاز الأرض الصلبة. وهي بلدة فيها قلعة ولها رستاق شمالي حلب بينهما يوم واحد وهي طيبة الهواء عذبة الماء لا يوجد بها عقرب وإذا أخذ ترابها وترك على عقرب قتله فيما يحكى. وليس بها شيء من الهوام. ولإسحاق الموصلي:
إن قلبي بالتلّ تلّ عزاز ... عند ظبي من الظباء الجوازي «٣»
شادن يسكن الشآم وفيه ... مع ظرف العراق نطق الحجاز «٤»
قلت: هذه المدينة لا يوجد فيها عقرب كما حكاه ياقوت ولا يعرف أهلها العقرب أما هوامّها فكثيرة وهواؤها صحيح ما لم يجر فيها مسيل معلوم وتكثر في ضواحيها المستنقعات في بعض السنين فتكثر فيها الأمراض القتالة وهي غزيرة المياه وليست كلها طيبة.
وفيها جامع قديم يعرف عند أهلها بالجامع الكبير وهو صحن واسع فسيح في شماليه رواق وفيه مئذنة ضخمة وفي وسطه حوض يهبط إليه بدركات تجري فيه قناة جرها إليه
стр. 285
(إسماعيل بن عبد الله العزازي) المتوفى سنة ٧٤٨ وفي جنوبي صحن الجامع قبلية طولها نحو ٥٠ في عرض ١٥ ذراعا سقفها قباب محمولة على أعمدة ضخمة. مكتوب على باب الجامع المتجه إلى الغرب: (بسم الله الرحمن الرحيم في سنة ٦٤٤) [أمر بعمله مولانا السلطان العالم العادل الملك الناصر صلاح الدنيا والدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي بن أيوب ناصر أمير المؤمنين خلد الله ملكه] .
وبقيت عزاز بعد خرابها شبه قرية لا يتجاوز عدد أهلها ١٥٠٠ نسمة إلى سنة ١٣٤٠ وفيها فك ارتباطها عن كلّز وألحق بها عدة قرى من قضاءي كلز وجبل سمعان وجعلت مركز قضاء يتولى شؤونها قائمقام ملحق بدولة حلب تمتد حدوده إلى ضاحية مدينة كلّز.
وفي سنة ١٣٤١ سعى قائمقامها سعاد بك ابن فهيم باشا بفتح جادة عظيمة تتصل بطريق العربات وتنتهي إلى سوقها ووسّع السوق. وجوّد فيه عدة حوانيت على الطرز الحديث وأنشأ فيها للحكومة دارا فخمة جميلة لا عيب فيها سوى خلوها من بهو تمس الحاجة إليه حين إلقاء خطبة أو اجتماع حافل لمذاكرة. وشرع بتعمير دار لسكنى القائممقام في غربي تلّها جميلة جدا ألحقها بأملاك بلديتها على أن تدفع أجرتها إليها وهو عازم على أن يعمر فيها مستشفى ومكتبا ابتدائيا جميلا وينشئ فيها منتزها عاما وأن ينورها بالكهرباء. وقد غرس في جهة تلّها عددا كبيرا من شجر الزيتون ووطد نفسه على إحداث وجوه كثيرة من الإصلاح والتحسين بحيث تعود بعد بضع سنوات إلى أحسن ما كانت عليه قبل سبعمائة سنة. وقد كثر سكانها بعد أن صارت مركز قضاء. وقصدها السوقة والتجار من حلب وغيرها، واتسعت فيها حركة الأخذ والإعطاء وقدم عليها عدد كبير من مهاجرة الأرمن فبنوا في غربيها بيوتا من اللّبن واتخذوها مساكن لهم وقد عظم سوقها. وربما بلغ عدد الدكاكين فيه نحو مئة دكان. وعدد سكانها نحو ٤ آلاف نسمة وفيها الآن مطحنة تتحرك بقوة الغاز الفقير. فيها معمل صغير للجليد.
لهذه البلدة منظر أنيق يراها القادم عليها من أي جهة كانت محفوفة بالبساتين وشجر الزيتون وهي رخيصة أسعار المأكولات كثير الفواكه والبقول.
стр. 286
قلعة الراوندان
ومن الأماكن التي لها ذكر في التاريخ في قضاء كلّز (قلعة الراوندان) في ناحية منبج الفوقاني. وكانت قلعة صغيرة على رأس جبل منفرد في مكان لا يحكم عليه منجنيق ولا يصل إليه نبل وكان لها ربض صغير في لحف «١» جبلها ويطيف بالقلعة واد من جهة الشمال والغرب كالخندق لها وفيه نهر جار.
جندرس
من الأماكن الشهيرة في التاريخ في هذا القضاء (جندرس) وهي الآن قرية في ناحية الجوم. وكانت بلدة مشهورة آثارها باقية حتى الآن.
دابق
ومن تلك الأماكن (دابق) في ناحية عزاز الفلاح فقد اشتهرت بحادثة تيمورلنك ثم بحادثة السلطان سليم خان مع السلطان قانصوه الغوري فإن محاربتهما كانت في مرج القرية المذكورة. وتقدم الكلام عليها في باب الحوادث. ومحل هذه القرية بين حلب وكلّز تبعد عن حلب ست ساعات وعن كلّز أربع ساعات وعند هذه القرية مرج معشب نزه كان ينزله بنو مروان. وكان سليمان بن عبد الملك قد عسكر بدابق وعزم ألا يرجع حتى يفتح القسطنطينية أو تؤدى إليه الجزية. فشتّى بدابق شتاء بعد شتاء إذ ركب ذات يوم عشية من يوم الجمعة فمر بالتل الذي يقال له تل سليمان فرأى عليه قبرا فقال: من صاحب هذا القبر قالوا: هذا قبر عبد الله بن مسامع «٢» بن عبد الله الأكبر فقال سليمان يا ويحه لقد أمسى قبره بدار غربة.
قال: ومرض سليمان في أثر ذلك ومات ودفن إلى جانب قبر عبد الله المذكور. وقيل في وفاته إنه شهد جنازة بدابق قد دفنت في حقل فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ويقول ما أحسن هذه التربة وأطيبها فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب القبر. وكان مشهورا
стр. 287
بالنهم وكثرة الأكل إلا أنه كان فصيحا بليغا جميل المنظر. لبس يوما عمامة خضراء وحلة خضراء ونظر في المرآة فقال: أنا الملك الفتى. فما عاش بعد ذلك جمعة. ونظرت إليه جارية فقال ما تنظرين؟ فقالت:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما علمته فيك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
وكان الناس يقولون: سليمان مفتاح الخير، ذهب عنهم الحجاج وولي سليمان فأطلق الأسرى وأخلى السجون وأحسن إلى الناس واستخلف عمر بن عبد العزيز ﵁.
ولسليمان أخبار جميلة وخطب بليغة ذكر بعضها المسعودي في مروج الذهب وابن عبد ربه في العقد الفريد فراجعها. ودابق هذه ورد ذكرها في عدة أشعار منها قول عيسى بن سعدان الحلبي:
ناجوك من أقصى الحجاز وليتهم ... ناجوك ما بين الأحصّ ودابق
أمفارقي حلب وطيب نسيمها ... يهنيكم أن الرقاد مفارقي
والله ما خفق النسيم بأرضكم ... إلا طربت إلى النسيم الخافق
وإذا الجنوب تخطرت أنفاسها ... من سفح جوشن كنت أول ناشق
وأنشد أعرابي:
لقد خاب قوم قلّدوك أمورهم ... بدابق إذا قيل العدوّ قريب
رأوا رجلا ضخما فقالوا: مقاتل ... ولم يعلموا أن الفؤاد نجيب
قبر أخي داود
قال في كتاب الإشارات للهروي: إنه يوجد في قرية شحلا من عزاز قبر أخي داود ﵇.
تلّ ارفاد
ومما جاء ذكره في حروب ملوك بابل الأقدمين مع ملوك سوريا الحثيين تل ارفاد فقد ذكر أن سلمناصر ملك بابل انتصر على بيزرين ملك سوريا عند مدينة أرباد (تل أرفاد)
стр. 288
محل يبعد ست ساعات نحو الغرب الشمالي عن مدينة حلب وفيها استدعى سلمناصر جميع ملوك سوريا فأتوه صاغرين. وكان انتصاره في هذه الحرب بعد حصار تل أرفاد مدة سنتين. قلت: تل أرفاد هذه هي الآن قرية. وفي سنة ١٣٣٨ جعلت مركز قضاء.
ثم في سنة ١٣٤٠ نقل المركز إلى عزاز. والأتراك سموها تل رفعت. وقد جعل عندها محطة لسكة الحديد بغداد. وهذه القرية طيبة المناخ عذبة المياه تربتها حمراء مشهورة بجودة البطيخ الأخضر. وفيها كروم وبساتين. وقبل بضع سنوات وضع فيها مطحنتان تتحرّكان بالكاز الفقير.
انتهى الكلام على قضاء كلّز.
قضاء اسكندرونة
مدينة الاسكندرونة وأسماء المحلات الموجودة فيها
الكنيسة ٤٤ الكنيسة ا ٣٧٦ القسطل ٢٥١ وا ١٩١ ور ١٥٧ وك ٦٨ ود ١٣ جاكي ٣١٣ وا ١٢٨ ايكي شهر ر ١٢٠ وا ٤٧ وك ٧٥ وج ٦١.
قرى اسكندرونة
قره أغاج ١١٣٥ نركزلك ١٩٨ قره حسينلي ٤١١ وا ٢٧ ور ٢٢ برنجلك ١٠٥ ور ٥٨ عشقر بكلي ٨٩ عباجلي أوغرلي ٦٧٧ عباجلي كوزللي ٤٠٢ آق جاي ٣٦ جرطمان ١٤٠ حبكه ١٣٣ ساقط ٣٦٨.
ناحية أرسوز
جنكان ٢٦٩ أكبر ٢٣١ بك كوي ١٧٦ قره كوز وكردباغي ٢١٠ حاجي أحمدلي ٢٩٤ هيوك ٢٣٢ عرب كديكي ١٦٨ كسريك خيمه ٢٢٤ كسريك ٧٧٩ قاب أو ٧٧ وا ٢٤٨ جفتلك ٣٣٠ الهوب ٤٦٩ جتلك ١٥٤ أغجه لي ٨٤٦ كوميدان ١٥٢ كنيسة أوكي ٢٤٥.
стр. 289
فجملة سكان هذا القضاء ١٤٩٤٤ نسمة ما بين ذكر وأنثى.
هذا القضاء غربي حلب ومركزه وهو اسكندرونة يبعد عن حلب ٧٠ ميلا على خط مستقيم وعن أنطاكية عشرين ميلا، وعرضها درجة و ٣٥ دقيقة شمالا وطولها ٣٦ درجة شرقا. وهي فرضة في آسيا على ساحل بحر الروم على الجانب الشرقي من جنوبها. واسمها في الفرنسية ألكسندرت وبالإنكليزية ألكسندريا. وكان القدماء يسمونها ألكسندريا وكانت تعد من سواحل فينيقية. واسمها الفينيقي غير معلوم إلا أن اليونانيين كانوا يسمونها في الأعصار القديمة (ميل أندروس) أي ألف بيت.
قيل: وكانت تسمى (ألكساندر ياجتور) أو (ألكسندريا أدسوم) وكان موضعها قديما فوق القلعة الكائنة عند رأس عينها فإن حلقات الحديد التي كانت تربط بها السفن لم تزل باقية حتى الآن وآثار البناء في القلعة دليل على أن البلدة كانت فوقها. ونهر هذه البلدة كان يعرف عند اليونان باسم كرسوس. وكان في جنوب هذه البلدة مدينة تعرف باسم جرباندوس وهي مدينة فينيقية على البحر ذات تجارة وملاحة وسفن كثيرة ولم تزل هذه المدينة تسمى بميل أندروس بعد أن انضمت إلى مملكة فارس مع باقي المملكة الفينيقية إلى أن انتصر إسكندر المقدوني في المحاربة العظيمة التي كانت بينه وبين دارا الثاني الفارسي سنة ٣٣٣ قبل المسيح فجددها إسكندر ونسبها إليه تذكارا لانتصاره واسكندرون تصغير اسكندرية وكان انتصاره المذكور في شمالي سهل أسوس وهي بلدة لا وجود لها الآن وقد تسمى بها الخليج الواقعة عليه اسكندرونة فيقال له خليج سينوس أسيكوس. وقد عاثت بها الأيام حتى أتت عليها.
وحين دخول المسلمين إليها لم يكن لها ذكر في الفتوحات إلى أن كانت دولة هارون الرشيد بنتها زبيدة زوجته حصنا. ثم في خلافة الواثق جدده أحمد بن أبي داود ولم تزل ممرا لعدة فاتحين يجتازون منها فيما بين الشرق والغرب ومحطا للتجارة الواسعة إلى أن كانت حروب الصليبيين واستولى عليها منهم تنكريد وفقد الأمان من تلك الجهات بسبب تعدي المحاربين من الصليبيين بحرا فتحولت تجارتها إلى لاذقية العرب وطرابلس وعادت خرابا بلقعا إلى حدود الألف.
وفي تلك الأيام رفع الفرنج المتوطنون بحلب معروضا للدولة العثمانية واحتالوا ببذل
стр. 290
الأموال إلى أن عملوها ميناء حلب وصارت تأتي بضائعهم إليها وتجلب منها. وكان الباعث لهم على ذلك أمران أحدهما ظلم حكام طرابلس الذين كانوا يتعدون على تلك البضائع.
وثانيهما قربها لحلب وحسن موقع مينائها الطبيعي. وفي سنة (١٢٣٨) حدث بها زلزلة دمرت معظمها فرممت وجعلت مخزنا عاما لجماعة من تجار الإنكليز لتكون محطة للهند وعمر بها خان لم تزل آثاره باقية حتى الآن.
وفي سنة (١٢٤٦) نقل إليها إبراهيم باشا المصري مهماته الحربية التي احتاج إليها في هذه الجهات وقطع من الغابات المجاورة لها الأخشاب العظيمة لينشئ فيها دار صناعة.
فعلا شأنها واتسعت تجارتها وصارت شبه قرية مكونة من عدة عشش يسكنها جماعة من سكان قرى قضاء بيلان. ثم صارت محط تجارة ولاية حلب وديار بكر وبغداد والموصل والأناضول. وحينما شكلت الحكومة ولاية حلب جعلتها مركز مأمور من قبل الضابطة ثم لما رأت أن قناصل الدول والسفن والتجار تزداد عليها تواردا يوما فيوما جعلتها مديرية وذلك في سنة ١٢٨٢ وفي سنة ١٢٩٥ رومية ألحقت بها ناحيتي أرسوز وعباجلي، وكانت من أعمال قضاء بيلان وجعلتها مركز قائمقامية قضاء.
وفي سنة ١٢٩٤ حدث بها حريق كبير أضرّ بها ضررا عظيما. وبالجملة فإن لهذه المدينة شأن عظيم «١» بالتجارة لأن ميناءها منها تخرج محاصيل حلب والموصل والقسم الشمالي من سوريا وقسم كبير من ولايات الأناضول. وفي سنة ١٣٠٣ ثم افتتاح طريق المركبات منها إلى حلب كما حكيناه في باب الحوادث وقد خطر لأهل الثروة من الإنكليز أن يمدوا منها إلى وادي الفرات سكة حديد ومنه تتصل بخليج العجم وأن يمدوا بعد ذلك خطا من السكة المذكورة إلى الشمال الغربي لتصلها بالقسطنطينية فسبقهم إلى ذلك الألمان.
والخلاصة أن هذه المدينة لو كانت جيدة المناخ لبلغت أضعاف ما هي عليه الآن. وماء عينها الكائنة على بعد نصف ساعة جيد جدا.
وفي حدود سنة ١٣٠٧ رخصت الحكومة لبعض الشركات أن تجر في هذه العين قناة توزعها في البلدة. فجرّتها بكيزان «٢» من الحديد وأعطت منها المنازل التي رغب أصحابها
стр. 291
بأجرة سنوية معلومة وقد اشتملت اسكندرونة الآن على عدد وافر من المقاهي والخانات والدكاكين والفنادق المعروفة بالأوتيلات وزهاء ثلاثمائة دكان ومكان واسع للكمرك ودار حكومة جميلة وعدة كنائس وعدد وافر من الحانات. ومعظم محاصيل قضائها في هذه الأيام البرتقال والليمون والحرير. ويزرع فيه القمح والشعير ويخرج من بحرها سمك لذيذ يعرف بالمرجاني. وكانت في أيام الدولة العباسية تشتمل على مقدار عظيم من النخيل. وأكثر سكان اسكندرونة أغراب من الفرنج. والمتوطنون أكثرهم نصيرية ثم أروام ثم إسلام وكلهم يتكلمون بالعربي والتركي والرومي.
لم تزل هذه المدينة وخيمة الهواء رديئة المناخ قلما يخلو سكانها من الحميات، وسبب ذلك هو الأجمات الموجودة في قربها ومنشؤها عارض لا أصلي وهو أن البحر كان ممتدا إلى القلعة السابق ذكرها ثم لما جزر عنها شيئا فشيئا أخذت تنسحب وراءه الرمال بكثرة تموجه ثم تراكمت بالقرب من ضفته فانسدت المجاري النافذة إليه وترقرقت المياه وراء ضفته في الأرض التي بقيت مسامتة له فإذا هطلت الأمطار في فصل الشتاء اجتمعت تلك المياه إلى ذلك الرقراق وصارت مستنقعا عظيما تتصاعد منه الأبخرة الفاسدة وتخلّ بمناخ البلدة.
وقد فتحت عدة منافذ وخنادق لجريان ماء هذا المستنقع إلى البحر فلم يحصل منها فائدة بسبب مسامتة أرضه سطح البحر كما ذكرنا. وكثيرا ما ينعكس البحر إلى تلك المجاري في أوقات هيجانه فيرجع ماؤه القهقرى ويضاف إلى تلك المياه ويزيد الضرر ويعظم الخطر.
ولما رأت الحكومة التركية أن لا سبيل إلى استئصال تلك الأجمات وإزالتها بالكلية إلا بتعبئتها وردمها بالتراب أصدرت بذلك أمرها سنة (١٣٠٥) رومية فأخذت حكومة إسكندرونة منذ تلك السنة تهتم بهذه المسألة وشرعت تستحضر من أوروبا الأوائل «١» اللازمة لحفر التراب ونقله، كالمساحي والعجلات. وباشرت ردم هاتيك الأجمات فأزالت منها مساحة عظيمة ولم تزل دائبة في العمل كما تمكنت منه حسب مساعدة الفصل. وقد اطلعت على دفتر مرسوم في بيان النفقات التي تصرف على ردم هذه الأجمات مقدرة تلك النفقات على سبيل الظن والتخمين فآثرت إيراده لعدم خلوه عن فائدة. وهذه صورته:
стр. 292
مجموع القروش/ نفقة كل دونم مساحة الأجمة بالدونم/ مساحتها بالذراع المكعب/ موقعها ونوع تربتها
٤٠٠٠٠٠/٢٠٠/٠٠٠/٣٢٠٠٠٠٠/أرض موجية بأطراف الاسكندرونة
٣٧٥٠٠٠٠٠/٢٥٠/١٥٠٠/١٨٠٠٠٠٠/أرض رملية بيضاء بأطراف الاسكندرونة
٣٠٠٠٠٠/٣٠٠/١٠٠٠/١٢٠٠٠٠٠/أرض رملية معرضة للبحر في أطراف الاسكندرونة ٢٥٠٠/هذا المبلغ علاوة بنسبة عشرة في المئة لما عساه أن يظهر من النفقات ١١٢٧٥٠٠/جمع الجموع على أن يومية العامل قد اعتبرت أربعة قروش من ١٠٠ جزء التي هي أجزاء الذهب العثماني. ولذلك كانت النفقات غير باهظة بالنسبة إلى غير بلاد. وفي سنة ١٢٩٦ رومية ضرب على كل دابة تمر من بيلان عشرون بارة أميرية ليصرف ما يتحصل من هذه الضريبة على ردم الأجمات المذكورة فلم يمض إحدى عشرة سنة إلا واجتمع من هذه الضريبة ١٢٦١٢٤٨ قرشا. وهو المبلغ الذي يتكفل بردم الأجمات وزيادة، على حسب ما قدر لها من النفقات كما تقدم بيانه.
الأسر الشهيرة في الاسكندرونة
أسرة آل عبد الباقي ووجيهها ثريّى بك ابن حسني بك أول من اتخذ اسكندرونة وطنا.
وهو حلبي الوطن من أعيان الأسرة المعروفة باسم باقي زاده. وأسرة بيازيد ووجيهها أحمد أفندي بيازيد الحلبي الأصل وهو أول من اتخذ اسكندرونة وطنا. انتهى الكلام على قضاء اسكندرونة.
стр. 293
قضاء أنطاكية
مدينة أنطاكية وأسماء محلاتها
جمالية ٣١٨ قنوات إسلام ٣٨٨ سكاكين ١٧٧ آغبابا ٢٥٦ عمران ٣١٩ دبوس ٢٠٩ خوجه عبدي ٦٣٢ درت أياق إسلام ٨٤٢ شيخ علي ٤٥٥ ميدان ٥٧٨ تابع صوفيلر إسلام ٥٥٥ دقيق ٢٨٤ ركابية ٣١٢ جامع كبير ٥٢١ شنبك ٤٩٣ جنجي بلوكي ٤٠٥ مقبل ١٩٢ وآ ١١٢ صاري محمود ١٠٠ وآ ٢٢٦ شرنجة ٥٣٣ أورج بلوكي ٣٤٤ كونك عرب ٢٥١ وآ ١٢٢ كونجان ٢٥١ قسطل ٨٧ محسن عرب ٤٩١ وآ ٢٤١ تابع محسن عرب ١٧٢ قيوبلوكي ٢٤١ قنطرة ٧٤٠ وآ ١٢٦ ساحة ١٥٩ تابع صوفيلر عرب ٢٣٩ قره علي بلوكي ٢٨٥ توت ديبي ٤٧٤ ود ٢٢١ تابع ركابيه ١٢٨ جديد ٧٧٠ قنوات عرب ٦٦٥ درت إياق عرب ٨١٣ و ٥٠ ور ٢٣٣ صالحية إسلام ٦٥ وآ ٨٥ صوفيلر عرب ٤٠٣ محسن إسلام ٥٦ وقف ر ٢٠٣ جنينه آ ١١٨ ورد آ ٤٦ أغراب ١٠٣.
ناحية القصير
بازليجه ١٧٠ المنصورية ٨٩ كوكجه كوز ١٩٤ تلحبش ١٣١ آق جرن ٣١٣ تبرين ١١٠ صبوحيه ٢٤١ بوزهيوك ٨٠ بدنبه ٢٣٠ عبيدية د ٧ جسر الحديد ١٠٤ تليل الشرقي ٥٠ بخشين ١٩٧ عفصيه ٣٩٣ كورد مزرعة ١٤٥ طبراق حصار ٣٤٨ فرزله ١٧٨ بتاتين ٢٠٠ الزيارة ٢١٣ قلانس ٢٨٢ مغدله ٤٧٢ عنصو ٢٠٦ كشكند ٥٩٠ بقانوس ٤١٦ قبب ٣٥ الدير ٣٧٤ بابطرون ٣٦٦ قارصو ٥٨٧ تركمان مزرعة ١٧٩ ذومع برديه ١١٧ بايره ١٥٦ الأكندا ٢٠٩ بيوك برج ٣٠٦ ميراث ٩٨ طانشمه ٢٧٢ قورليجه ٤٣ بابتره ٢٨٢ بصليقه ٤١٤ أرمنجو ٤٣٣ فنك ٣١٥ قلبزان ١٣ مسخانو ٦٦٨ قلعة القصير ١٢٧ قنابريه ٣٤٥ صوفيلر ٣٤٥ أوقجيلر ٤٧٦ شيخ ١٠٤٢ قرصبول ٢١٩ جداليه ٤٥٨ طرفينده ٣٧٥ جفتلك إسماعيل أفندي ٤٨ خانيو ٣٧١ مارصو ١٤٩ سلقينه ١٧٨ أوسقياط ١٨٦ فرفرى ٢٠٣ زرزور ٢٥٩ قربياز ٤٨٢ هتيه ٤٤٥ عين ثلاث ٣٦ باشرب ٢٥٩
стр. 294
باسب ٩٣ عين فوار ٢٥٩ جوم ٢٣٢ مقابر ص ٧٧٩ السفريه ٣٨٧ كفر عايد ١٢٦ فلينجار ٣٤٣ الفاتكيه ٤٩٠ قوريه ١٠٩ إيلجه ٣٥ تل عمار ١٣٥ جنيدو آ ٢٦٩ صورى آ ٣٤٢.
ناحية الحربية
العامورية ٧٩ بين الخراب ٤٦ عين الجاموس ٢٩٦ الدرويشية ٨٤ جبرائيل ١٢٣ داليان ١٠٢ الإسماعيلية ١٣٠ الحربية ٣٧٦ البغدادية ٢٣٤ قربه ٤٤٩ المعشوقية ١٩٦ دار الماشطا ٣٥٧ السنانية ٩٦ العبارة ٢٢٩ علوان ١٣٤ بستان الراس ١٢٣ الجرداقية ١٤٤ الخالصية ١٨٧ الدوير ٧٥٩ فليت ٥١ الدرسونية ٥٣٢ الدرعوزية ٢٦٥ يقطو ٥٦٢ بدوي ١١٣.
ناحية قره مورط
بدركه ٢٠ دير السعدان ٧٨ قره قبه ٣٩٩ جفتلك بركات زاده ٧٦ عرب محله ١٢٢ ميدانجق ٣٨ تليل حب الآس ٩٧ وليلرد ٤٩ حميدية جركسي قبه ١١٨ حوقاق ١٥٥ منكوليه ٣٦٣ عاقلية ٢٠٥ زلفكنلي ٤٦ سلطانية جركسي ٢٦ علاء الدين ١٣٦ كالديران ١١٢ طوله ٨٨ طراشيه ٧٠ اللذي ٣٨ جامورلي جركسي ١٧ عرب خان ١٣٥ داليان مظلوم باشا ٣٩ يارم تبه ١٠٢ الشيخ حسن ٤٢ عايدي تحتاني ١٩٧ ديكمجه ١١٣ جانجغاز ٦٧ يايلاجق ١٤٨ سونبري ١٨٦ جاي تلى جركسي ١٠٨ جاتلجه ٣٧٣ كليسه جك ١٤٢ سردانيه تابعة الأخان ١١٠ عواقيه ١٣٩ تليل حب الآس ٤٣٦ حسن ١٥٨ طاوقلي ١٠١ جكمجه ٣٤٩ بربرونه ٧٧ كوزل برج ١١٠ سرايجق ١٩ سوسيه صغيرة ٤٣ أورخانيه ١٥٧ سوسيه كبيرة ٦٣ قواسيه ١٥٢ طورنجلي ١٣١ المهاجرين في المجيدية ٦٤ عايدي فوقاني ٢٦٤ سلديران ٦٨٠ النهر الصغير ٨٩٠ كمورجقوري ٥٣٨ عواقيه جركسي ٥٥ كولباشي ٣١٥ مرعش بوغازي ٧٦ تليل قزح ٨٩.
ناحية السويدية
زيتونة ٣٦٦ وآ ١٠٥٣ وك ١٢ قورت دره ٢٦٤ قباقلي ١٤٦ جديدة ٨٠٤ مغارجق ٢٦٦ لوشيه ١١٦٦ وآ ٢٣٩ وادي جرب ٦٥٩ مغيرون ١٠١٠ زيزانا ٩١ النهر الكبير
стр. 295
١٢٣٨ نعير ٥٨٩ بتباس ر ١٥١ وو ١٣٧ يغون آق ر ٣٨٦ و ٧٠ خضر بك ر ٣٢٩ كبوسيه ر ٢٤٢ حاجي حببلو ٥١٦ عدد الأغراب ٢٦.
فجملة سكان قضاء أنطاكية ١٢٢٩٥٢ نسمة ما بين ذكر وأنثى.
الكلام على هذا القضاء وما فيه من الأماكن الشهيرة
هو قضاء في غربي حلب ويبعد مركزه عنها وهو أنطاكية أربعا وعشرين ساعة وهو قضاء واسع معمور كثير الخيرات وافر البركات غزير المياه عظيم المنتزهات متعدد الجهات فيه السهل والوعر وفي كل منهما من الخصب والغلّات ما لا يوجد في غيرهما. والغالب على أهله الثروة لأن لهم من حقوله عدة مواسم من الحبوب والحرير والزيتون والبرتقال والرمان والتين والعنب والتفاح وبقية الفواكه اللذيذة وكلها تنتقل إلى البلاد شرقا وغربا وتباع بأثمان عظيمة.
وأهل أنطاكية اليوم أهل رقة وذكاء وكرم وعلم وسياسة ورياسة. وهي الآن تشتمل على دار للحكومة وثكنة سلطانية و (٢٤) جامعا و (٢٨) مسجدا و (٥) مدارس وتكيتان أحدها «١» لأهل الطريقة المولوية على طرف العاصي أحدثها الأستاذ الشيخ عبد الغني البوشي سنة ١٢٦١ و (٣) كنائس وكنيسة لليهود و (١١٧) حوضا للماء و (٣) سبلان و (٥) حمامات و (١٤٥١) دكانا و (٣٥) مخزنا و (٢٠) خانا و (٥) طواحين على الماء و (٢٥) فرنا و (١٤) منوالا لنسج الأقمشة و (٦) دباغات للجلود و (١٤) حانة و (١٥) مصبنة و (٤١) معصرة للزيت و (٤) بيوت لشرب الخمر ولعب القمار تعرف بالكازينو و (٣) للطعام تعرف باللوكانطه و (١١) صيدلية و (١٥) بيت قهوة ومطبعة قماش.
واللغة العامة في قضاء أنطاكية التركية ثم العربية ثم الكردية ثم الأرمنية والرومية ويوجد في كل أمة منهم من يعرف لغة مواطنيه. وهواء أنطاكية جيد لولا ما فيه من الرطوبة وذلك لأن مهبه من الجهة الغربية فيمر على البحر أولا ثم على السويدية وعلى ما فيها من العيون والمياه ثم على نهر العاصي. ولهذه الأسباب يكتسب رطوبة ظاهرة الأثر على الثياب وقلما يبيت الطعام المطبوخ في أنطاكية وهي كثيرة الأمطار والرعود والبروق والصواعق وربما
стр. 296
حصل ذلك في الصيف أيضا وكثيرا ما تتلبد سماؤها بالغيوم في إبان الحر ليلا أو نهارا فيحبس الريح ويشتد الحر وينتشر البعوض ويبقى الإنسان في اضطراب عظيم. وشرب سكان أنطاكية من العاصي أو من العيون المنحدرة إليها من جبل حبيب النجار.
وكان لمدينة أنطاكية خمسة أبواب مشهورة هي باب بولس وباب الكلب وباب دوكه وباب العاصي وباب الحديد وسورها العظيم باق حتى الآن لكنه في غاية التوهن ويبلغ محيطه ١٢ ميلا وذلك مسيرة ثلاث ساعات تقريبا وهو محيط بها من جهة الشرق والجنوب والعاصي من شمالها وغربيها.
ومما ورد في فضل أنطاكية ما نقله ابن الشحنة عن ابن العديم أنه قال: قرأت بخط القاضي أبي عمرو عثمان بن إبراهيم الطرسوسي وذكر سندا إلى ابن عباس وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «ليلة أسري بي إلى السماء رأيت قبة بيضاء لم أر أحسن منها وحولها قباب بيض كبيرة فقلت: ما هذه القباب يا جبريل؟ قال:
هذه ثغور أمتك، فقلت ما هذه القبة البيضاء فإني ما رأيت أحسن منها. قال هي أنطاكية، هي أمّ الثغور وفضلها على الثغور كفضل الفردوس على سائر الجنان. الساكن فيها كالساكن في البيت المعمور يحشر إليها خيار أمتك وهي سجن عالم من أمتك وهي معقل ورباط وعبادة يوم فيها كعبادة سنة ومن مات فيها من أمتك كتب الله له يوم القيامة أجر المرابطين» «١» .
قلت: هذا الحديث غريب وإن كان لا يخلو من الدلالة على فضل هذه المدينة. وفي مسودة تاريخ ابن الملا عن ابن عباس أن الكنز الذي جاء ذكره في القرآن كان بأنطاكية وهو لوح من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: لا إله إلا الله الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وكان في الجانب الآخر: عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح وعجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك وعجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها وعجبا لمن أيقن بالحساب غدا كيف لا يعمل. اه.
فأما الكلام على تاريخ أنطاكية فقد جعلناه نبذتين الأولى فيما قاله فيها الفرنج والثانية فيما قاله فيها العرب.
стр. 297
وخلاصة ما قاله فيها الفرنج أنها مدينة من مدن سوريا على (٣٦) درجة و (٤٨) ثانية من الطول الجنوبي على الضفة الجنوبية من نهر العاصي تبعد ٢٥ ميلا عن البحر من وادي النهر و (٥٥) ميلا عن حلب وهي في غربيها وأول من أسسها سلقوس نيكاتور الذي استولى على سوريا من بعد تقسيم مملكة المكدوني سنة (٣٠٠) قبل المسيح وكان ذلك في العصر الذي تسابق به الناس إلى بناء مدن جديدة على طرز مدينة الاسكندرية فاقتدى سلقوس بمعاصريه وعوضا عن أن يسكن في أنتيغوني عاصمته مزاحما أنتيغون الذي غلبه في إيبوس فقد اختار بقعة أخرى بقصد محو اسمه أو لأنه فضل هذه البقعة على أنتيغوني أو اتباعا لما حصل معه من الأوهام، فقد نقل عنه أنه بينما كان يقرب للتمثال جوبيتر سيرونيان قربانا انقضّ عليه نسر واختطف أحشاء القربان وطار بها إلى جبل سيليبوس الذي أمر سلقوس أن يبنى عليه حصن (وصورة هذا النسر مرسومة على بعض أوسمة أنطاكية) .
ثم بنى سلقوس بأسفله هذه المدينة الجديدة غير ممتدة لضفة النهر تماما خشية عليها من طغيانه وجعل مهندس العمل رجلا اسمه كسينوس وسماها أنطيوخية أو أنطاكية تشريفا لاسم أبيه أنطيوخوس.
وكان إقبال السكان عليها من مدينة أنتيغوني التي دمرها الحرب أو من بعض القرى التي على ضفة العاصي حيث كان الاسكندر شيد هيكلا للوثن جوبيتر بونيوس. وكان الغرباء القادمون إلى تلك المدينة حتى اليهود يعاملون أحسن معاملة والأغراب المكدونيون واليونانيون اختصوا منها بعدة محلات وكان إنشاء المدينة ابتداء على ثلاثة شوارع. ثم أخذت تعظم وتتزايد حتى فاقت جميع البلدان سوى رومة والقسطنطينية. وبلغت سكانها في عهد السلوقيين (٧٠٠) ألف نسمة وانتهت للغاية القصوى من الجمال وحسن الموقع وعظمة التاريخ وكثرة التماثيل والآثار وانفردت بغزارة المياه.
وأما سورها فهو مما تحيرت به العقول إذ كان من الصخر الذي له رؤوس. وهو حصن قوي متين مبني بحسب الهندسة الحربية بدور على ما هبط وما ارتفع من الجبل من أسفله إلى قمته. وهناك أي في قمة الجبل يتألف منه إكليل بديع الشكل غريب المنظر. ويقال إن هذه المدينة كانت في أقدم تاريخها تسمى إيبغانيه باسم إيبغان الذي حكمها منذ سنة ١٧٥ إلى سنة ١٦٤ ق. م وسميت أيضا أنطاكية العاصي لتميزها عن خمس عشرة مدينة من بناء سلوقوس نيكاتور كانت تسمى بأنطاكية.
стр. 298
وسميت أيضا أنطاكية دفنة أنطاكية دفنة نسبة إلى غابة قديمة العهد شهيرة عند الأقدمين مختصة بعبادة الوثن أبولون ولقبها بلينسيوس مملكة الشرق. وكانت تحسب عاصمة ثالثة للمملكة الرومانية. وكان داخل سور أنطاكية صخور بارتفاع ٧٠٠ قدم وصخور رملية وشلالات ومجار للمياه. وفي وسط ذلك كله بساتين بديعة ورياض أنيقة كأن من نفحات أزهارها طابت قرائح أولئك المشاهير الذين نشؤوا في أنطاكية كيوحنا فم الذهب وليباتيوس وجلياتوس.
ووراء الضفة اليمنى من العاصي سهول واسعة محاطة في إحدى جهاتها بجبل اللكام وبقية الجبال المتفرعة من جبال البياري. ومن الجهة الأخرى محاطة بآكام سلسلة جبال النصيرية.
وكان سلقوس حينما شاد المدينة بنى في غابة دفنة المعروفة الآن بطواحين بيت الماء هيكلا لأبولون التمثال المحبوب عند السلوقيين. ثم رفع ابنه سوتر في وسط المدينة قوسا عظيما كان منصوبا فوقها «١» تمثال جسيم لأبولون. ولم تزل أنطاكية في عهد السلوقيين والرومانيين تعظم وتزداد حسنا وجمالا وحضارة وعمرانا وتكثر فيها الهياكل والشوارع والبساتين والتماثيل والحمامات حتى بلغت غاية يكلّ عنها قلم الوصف. وبعد خراب كنائس اليهود وظهور الديانة المسيحية أخذت تعمر فيها الكنائس المسيحية. وهي أول مدينة أسست فيها كنيسة مسيحية. وأول كنيسة بنيت فيها كانت في أيام قسطنطين وقد بني فيها هذا القيصر عدة بنايات عجيبة. وآخر القياصرة الذي «٢» اعتنوا بتجميلها كان القيصر بالاتس.
وقد توالت على هذه المدينة الجميلة العظيمة نكبات الدهر وانصبت إليها طوارق الحدثان واستولت الزلازل عليها استيلاء لا ينقطع أمده ولا يتناهى مدده واحترقت مرات. وأول زلزال عراها كان قبل المسيح ﵇ بمائة وثمان وأربعين سنة. ثم في سنة (١١٥) قبل المسيح في عهد القيصر تراجان تعاقبت عليها الزلازل المهولة حتى حولت مجاري أنهارها وهلك بها خلق كثير. ثم لم تزل تعاودها الزلازل إلى أن كانت سنة ٥٢٦ وسنة ٥٢٧ مسيحية فدهمتها زلزلة دمرت معظمها وأهلكت من سكانها (٢٥٠) ألف إنسان فغيروا
стр. 299
أسسها وسموها تيوبوليس أي مدينة الله أملا أن يصرف عنها البلاء. ثم في سنة ٥٨٧ و ٥٨٨ مسيحية عاودها الزلزال فأهلك من عالمها ٦٠ ألف نسمة.
وفي سنة (١١١٥) مسيحية وسنة ٥٠٩ هـ عاودها أيضا فدمرها عن آخرها. ثم في سنة ١٢٣٧ هـ وسنة ١٨٢١ م حدث بها زلزال آخر فلم يكن أقل وبالا مما سبق وآخر زلزال أصابها سنة ١٢٨٧ هـ وسنة ١٨٧٠ م فدمر نصفها. وكانت هذه الزلازل العظيمة لم تكن وحدها سببا لدمارها بل كان يحدث فيها ثورات وفتن وحروب تأتي على بقية ما يدمره الزلزال. منها ثورة حدثت بها سنة (١٤٥) قبل المسيح فقد ذبح فيها اليهود مائة ألف من السوريين ونهبوا أنطاكية وسنة (٨٣) قبل المسيح استولى عليها ديكرانوس الأرمني.
وبقيت في أيدي الأرمن إلى سنة ٦٩ قبل المسيح فعادت إلى السلوقيين.
وفي سنة ٦٤ قبل المسيح استولى عليها الرومانيون وأحرقوها. وفي سنة (٢٥٠) مسيحية بغتها سابور وأوقع بسكانها على حين غفلة ثم نهبها وأحرقها ورحل عنها.
وبالجملة فإن مدينة أنطاكية هي مدينة بولس أحد رسل المسيح صلوات الله عليه وأساقفتها ارتقوا إلى رتب البطاركة وصار لهم حق الجلوس بجانب أساقفة الإسكندرية ورومة والقسطنطينية. وفيها تسمت أتباع المسيح بالمسيحيين. وعلى عهد هرقيليوس استولى عليها المسلمون ولم تكن حينئذ إلا بلدة في حالة الإدبار والقهقرى أو عاصمة مملكة خربت.
هذا خلاصة ما قاله مؤرخو الفرنج في مدينة أنطاكية.
وأما خلاصة ما قاله فيها مؤرخو العرب فهو أن أول من بني هذه المدينة أنطيخس وهو الملك الثالث بعد الاسكندر. وقيل بناها بعد السنة السادسة من موت اسكندر ولم يتمها فأتمها بعده سلوقوس وهو الذي بنى اللاذقية وحلب والرها وأفامية وبنى أنطاكية على نهر أورنطس وسماها أنطيسوخيا. ثم كملها سلوقوس وزخرفها.
وطولها ٦٩ درجة وعرضها ٣٥ دقيقة لا تحت اثنتي عشرة درجة من السرطان وثلاثين دقيقة يقابلها مثلها من الجدي. وهي في الإقليم الرابع. وقيل أول من بناها وسكنها بنت الروم ابن اليقن ابن سام أخت أنطالية. باللام، وهي من أعيان البلاد ومهماتها موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخيرات.
стр. 300
وقال ابن بطلان في بعض رسائله: وخرجنا من حلب لأنطاكية وبينهما يوم وليلة مسافة عامرة لا خراب فيها أصلا وهي أراض تزرع حنطة وشعيرا تحت شجر الزيتون. قراها متصلة ورياضها مزهرة ومياهها متفجرة يقطعها المسافر بال رخي وأمن وسكون.
ولأنطاكية سور وفصيل وللسور ٣٦٠ برجا يطوف عليها بالنوبة أربعة آلاف حارس ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك يضمنون حراسة البلدة سنة ويستبدل بهم.
وشكل البلدة كنصف دائرة قطرها يتصل بالجبل والسور يصعد من الجبل إلى قلّته فتتم دائرة. وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها عن البلد صغيرة. وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية. وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب وفي وسطها بيعة القسيان، وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده بطرس رئيس الحواريين وهو هيكل طوله ١٠٠ خطوة وعرضه ثمانون وعليه كنيسة على أساطين. وكان يدور على الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة «١» ومتعلمو النحو واللغة. وعلى أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان للساعات يعمل ليلا ونهارا دائما اثنتي عشرة ساعة وهو من عجائب الدنيا وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين ومناظر حسنة تخرج منها المياه. وعلة ذلك أن الماء ينزل عليها من الجبل المطل على المدينة وهناك من الكنائس ما لا يحدّ، كلها معمولة بالذهب والفضة والزجاج الملون والبلاط المجزّع «٢» .
وفي البلد بيمارستان يراعي البطريك المرضى فيه بنفسه ويدخل المجذومين الحمام في كل سنة فيغسل شعورهم بيده ومثل ذلك يفعل الملك بالضعفاء كل سنة. ويعينه على خدمتهم الأجلاء من الرؤساء والبطارقة التماس التواضع. وفي المدينة من الحمامات ما لا يوجد مثله في مدينة أخرى لذاذة وطيبة لأن وقودها الآس ومياهها تسعى سيحا بلا كلفة.
وفي بيعة القسيان من الخدم المسترزقة ما لا يحصى ولها ديوان لدخل الكنيسة وخرجها فيه بضعة عشر كاتبا.
وبين أنطاكية والبحر نحو فرسخين ولها مرسى في بليد يقال له السويدية ترسي «٣» فيه مراكب الفرنج ويرفعون أمتعتهم إلى أنطاكية على الدواب وكان الرشيد العباسي قد دخل
стр. 301
أنطاكية في بعض غزواته فاستطابها جدا وعزم على المقام بها فقال له شيخ من أهلها: ليست هذه من بلدانك يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر فيها يتغير حتى لا ينتفع به والسلاح يصدى «١» فيها ولو كان من قلعي الهند. فصدق ذلك وتركها ودفع عنها.
وقال المسعودي في كتابه مروج الذهب في الكلام على بطليموس «٢» : (وكان ملك الشام يومئذ أنطيخس وهو الذي بنى مدينة أنطاكية وكانت دار ملكه وجعل بناء سورها أحد عجائب العالم في البناء على السهل والجبل. ومسافة السور اثنا عشر ميلا وعدة الأبراج فيه ١٣٦ برجا وجعل عدد شرفاته ٢٤ ألف شرفة. وجعل كل برج من الأبراج بتولية بطريق أسكنه إياه برجاله وخيله، وجعل كل برج منها طبقات والبطريق في أعلاه وجعل كل برج منها كالحصن عليها أبواب حديد وأظهر فيها مباها من أعين وغيرها لا سبيل إلى قطعها من خارجها وجر إليها مياها في قنيّ منخرقة إلى شوارعها ودورها.
قال: ورأيت فيها في هذه المياه ما يتحجر «٣» في مجاريها المعمولة من الخزف فيتراكم الماء المتحجر طبقات ويمنع الماء من الجري بانسداده فلا يعمل في كسره الحديد. وهو مما يولد في أجساد أهلها وأجوافهم وما يحدث في معدهم «٤» من الرياح السوداوية الباردة. اه.
قلت: هذه المياه التي ذكرها المسعودي غير معروفة الآن.
وأما فتحها فإن أبا عبيدة بن الجراح سار إليها من حلب وقد تحصن بها خلق كثير من جند قنسرين فلما صار بمهرويه على فرسخين من أنطاكية لقيه جمع من العدو ففضهم وألجأهم إلى المدينة وحاصر أهلها من جميع نواحيها وكان معظم الجيش على باب فارس والباب الذي يدعى بباب البحر. ثم إنهم صالحوه على الجزية والجلاء فجلا بعضهم وأقام بعض منهم فآمنهم ووضع على كل حالم دينارا وجريبا ثم نقضوا العهد فوجه إليهم أبو عبيدة عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول.
стр. 302
ويقال بل نقضوا بعد رجوع أبي عبيدة إلى فلسطين فوجه إليها عمرو بن العاصي من إيليا ففتحها ورجع ومكث يسيرا حتى طلب أهل إيليا الأمان والصلح. ثم انتقل إليها قوم من أهل حمص وبعلبك مرابطة، منهم مسلم بن عبد الله جدّ عبد الله بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي. وكان مسلم قتل على باب من أبوابها فهو يعرف بباب مسلم إلى حدود سنة ٦٠٠ وذلك أن الروم خرجت من البحر فأناخت على أنطاكية وكان مسلم على السور فرماه روميّ بحجر فقتله. ثم إن الوليد بن عبد الملك بن مروان أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل وصيّر لهم الفلز بدينار ومدي قمح «١» فعمروها وجرى ذلك لهم وبنى حصن سلوقية. والفلز مقدار من الأرض معلوم كفدّان وجريب.
ثم لم تزل بعد ذلك أنطاكية في أيدي المسلمين وثغرا من ثغورهم إلى أن ملكها الروم سنة (٣٥٣) بعد أن ملكوا الثغور: المصيصية وطرطوس وآذنه. واستمرت في أيديهم إلى أن استنقذها منهم سليمان بن قتلمش السلجوقي سنة ٤٧٧ وكتب سليمان إلى السلطان جلال الدولة ملكشاه بن الب ارسلان بخبر فتحها فسرّ به وأمر بضرب البشائر فقال الأبيوردي يخاطب ملكشاه:
لمعت كناصية الحصان الأشقر ... نار بمعتلج الكثيب الأحمر
وفتحت أنطاكيّة الروم التي ... نشزت معاقلها على الإسكندر
وطئت مناكبها جيادك فانثنت ... تلقي أجنّتها بنات الأصفر «٢»
فاستقام أمرها وبقيت بأيدي المسلمين إلى أن ملكها الفرنج الصليبيون من واليها بغى سنان التركي كما ذكرناه في حوادث سنة ٤٩١ واستمرت في أيدي الصليبيين إلى أن استردها منهم الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة ٦٦٦ على ما حكيناه في حوادث هذه السنة.
وبقيت في أيدي المسلمين إلى يومنا هذا تتداولها الدول الإسلامية دولة بعد دولة.
مقتطفات في أنطاكية: قال ابن الشحنة: وأنطاكية في شعر المتنبي مشددة الياء في قصيدته التي مدح بها محمد بن زريق:
стр. 303
وحجبتها عن أهل أنطاكيّة ... وجلوتها لك فاجتليت عروسا «١»
وأنكر عليه ذلك بعض العلماء. قلت: وكذا الأبيوردي شدد الياء في شعره المتقدم ذكره. والظاهر جواز ذلك لما علمت أن هذه اللفظة معربة عن أنطوخية ومعلوم أن العرب إذا عربت كلمة تصرفت بها كيفما شاءت.
ونسب إلى أنطاكية جماعة كثيرة من أهل العلم وغيرهم منهم عمر بن علي بن الحسن العتكي الأنطاكي الخطيب صاحب كتاب المقبول، سمع عدة محدثين بدمشق وقدم مرة أخرى في سنة ٣٥٩ مستنفرا فحدّث بها وبحمص عن جماعة كثيرة وروى عنه عدة محدثين من الأفراد الكبار، مات في أنطاكية سنة (٣٨٢) . ومنهم إبراهيم بن عبد الرزاق أبو يحيى الأزدي ويقال العجلي الأنطاكي الفقيه المقرئ. له كتاب في القراءات الثمان وحدث عن جماعة ومات بأنطاكية سنة (٣٣٨) . ذكر المسعودي في مروج الذهب في الكلام على البيوت المعظمة عند اليونانيين أن البيوت المضاف بناؤها إلى من سلف من اليونانيين ثلاثة بيوت، فبيت منها كان بأنطاكية من أرض الشام على جبل بها داخل المدينة والسور محيط بها وقد جعل المسلمون في موضعه مرقبا لينذرهم من قد رتّب فيه من الرجال بالروم إذا وردوا من البر والبحر، وكانوا يعظمونه ويقربون فيه القرابين فخرب عند مجيء الإسلام.
وقد قيل إن قسطنطين الأكبر ابن الملكة هيلانة المظهرة لدين النصرانية هو المخرب لهذا البيت وكانت فيه الأصنام والتماثيل من الذهب والفضة وأنواع الجواهر.
وقد قيل إن هذا البيت هو بيت في مدينة أنطاكية على يسرة الجامع إلى «٢» اليوم سنة (٣٣٢) وكان هيكلا عظميا والصابئة تزعم أن الذي بناه سقالانيوس وهو في هذا الوقت سنة (٣٣٢) يعرف بسوق الجزارين. وقد كان ثابت بن قرّة بن كرايا الصابئي الحرّاني، حين وافى المعتضد في سنة ٢٨٩ في طلب وصيف الخادم، ابن ثابت «٣» ، أتى هذا الهيكل وعظمه وأخبر من شأنه ما وصفنا.
стр. 304
في مروج الذهب أيضا في الكلام على الهياكل أن في أنطاكية هيكل يعرف بالديماس على يمين مسجدها الجامع مبني»
بالآجر العادي والحجر عظيم البنيان. وفي كل سنة يدخل القمر عند طلوعه من باب من أبوابه من أعاليه في بعض الأهلة الصيفية. وقد ذكر أن هذا الديماس من بناء الفرس حين ملكت أنطاكية وأنه بيت نار لها. اه.
والنصارى يسمون أنطاكية مدينة الله ومدينة الملك وأم المدن لأن بها كان مبدأ ظهور النصرانية وبها كان كرسي البطريرك الأعظم وكان بأنطاكية كنيسة بربارة وبها كنيسة أخرى تدعى شمونيت ولها عيد معظم عند المسيحيين. وكذلك كان بها كنيسة لبولس تعرف بدير البراغيث وهو مما يلي باب فارس وكان بها كنيسة لمريم العذراء صلوات الله عليها وهي مدورة وبنيانها من إحدى عجائب الدنيا في التشييد والرفعة اقتلع منها الوليد أعمدة عجيبة من المرمر والرخام إلى مسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحل دمشق وبقيت فيه وكان قسطنطين ابتنى بأنطاكية هيكلا ذا ثمان زوايا على اسم السيد مريم، وابتنى في مدينة بعلبك بيعة أخرى. وهو الذي ابتنى كنيسة القسيان في أنطاكية أيضا. وكان يرسل إليها في كل سنة ستة وثلاثين ألف مدّ «٢» من القمح ولما زلزلت أنطاكية سنة ٥٢٦ وسنة ٥٢٧ مسيحية هلك تحت الردم أربعة آلاف وثمانمائة وسبعون رجلا وكل الذين تبقوا من هذا الردم هربوا ومضوا إلى أماكن أخرى. ثم أشار على أهل المدينة رجل عابد بأن يكتبوا على أبواب بيوتهم بلغتهم ما معناه (المسيح معنا) وأن يسموا المدينة مدينة الله.
ولما فتحها سابور الفارسي أمر فصورت له على ما هي عليه من الشوارع والبيوت ومواقعها ومناظرها وعدد منازلها وعلوها وسفلها وبعث بالصورة إلى خليفته بالمدائن وأمره أن يبني له مدينة على صورتها ووصفها حتى لا يكون بينها وبين أنطاكية في منظر العين فرق. فبنيت المدينة وسماها أنطاكية ونقل إليها أهل أنطاكية حتى يسكنوها فلما صاروا إليها ودخلوا من باب المدينة مضى كل أهل بيت منهم إلى شبه منزله كأنهم خربوا من أنطاكية وعادوا إليها.
стр. 305
وفي أنطاكية عدة مقامات عالية منها قبر حبيب النجار المذكور في سورة ياسين على قول. وقبر عون بن أرميا النبي. وفي الحديث مرفوعا أن فيها التوراة وعصا «١» موسى ورضراض الألواح من مائدة سليمان بن داود ﵉ ومحبرة إدريس ومنطفة شعيب وبرد نوح. ويقال إنه كان في كنيسة القسيان منها كف يحيى ﵇.
ولمدينة أنطاكية أخبار طوال في الحروب وأحاديث عن رجالها يطول شرحها وقد أضربنا «٢» الصفح عنها اكتفاء بما لخصناه منها في باب الحوادث وخشية من التطويل الممل.
وهنا نورد حكاية عن صاعقة حكاها ياقوت عن ابن بطلان ذكر أنها سقطت على أنطاكية وفعلت أمورا غريبة. وقد اخترنا إثباتها ليطلع القارئ على ما في عجائب القدرة وما أودعه الله من القوة الغريبة في الصاعقة. قال في آخر سنة ١٣٦٣ للاسكندر الواقعة في سنة ٤٤٢ للهجرة تكاثرت الأمطار وتواصلت أكثر أيام نيسان وحدث في الليلة التي صبيحتها يوم السبت الثالث عشر من نيسان رعد وبرق أكثر مما ألف وعهد وسمع في جملة «٣» أصوات رعد كثيرة مهولة أزعجت النفوس ووقعت في الحال صاعقة على صدفة مخبأة «٤» في المذبح الذي للقسيان ففلقت من وجه النسرانية قطعة تشاكل ما قد نحت بالفاس والحديد الذي تنحت به الحجارة وسقط صليب حديد كان منصوبا على علو هذه الصدفة وبقي في المكان الذي سقط فيه وانقطع من الصدفة أيضا قطعة يسيرة ونزلت الصاعقة من منفذ في الصدفة وتنزل فيه «٥» إلى سلسلة فضة غليظة يعلق فيها الثميوطون وسعة هذا المنفذ أصبعان فتقطعت السلسلة قطعا كثيرة وانسبك بعضها ووجد ما انسبك منها ملقى على وجه الأرض وسقط تاج فضة كان معلقا بين يدي مائدة المذبح.
وكان من وراء المائدة في غربيها ثلاثة كراس خشبية مربعة مرتفعة ينصب عليها ثلاثة صلبان كبار فضة مذهبة مرصعة، وقلع قبل تلك الليلة الصليبان «٦» الطرفيّان ورفعا إلى
стр. 306
خزانة الكنيسة وترك الوسطاني على حاله فانكسر الكرسيان الطرفيان وتشظيا وتطايرت الشظايا إلى داخل المذبح وخارجه من غير أن يظهر فيها أثر حريق كما ظهر في السلسلة، ولم ينل الكرسي الوسطاني ولا الصليب الذي عليه شيء.
وكان على كل واحد من الأعمدة الأربعة الرخام التي تحمل القبّة الفضية التي تغطي مائدة المذبح ثوب من ديباج ملفوف على كل عمود فتقطّع كل واحد منها قطعا كبارا وصغارا وكانت هذه القطع بمنزلة ما قد عفن وتهرأ ولا يشبه ما قد لامسته نار ولا ما احترق ولم يلحق المائدة ولا شيئا من هذه الملابس التي عليها ضرر ولا بان فيها أثر. وانقطع بعض الرخام الذي بين يدي مائدة المذبح مع ما تحته من الكلس والنورة كقطع الفاس ومن جملته لوح رخام كبير طفر من موضعه فتكسر وطارت قطعه «١» إلى علو تربيع القبة الفضة التي تغطي المائدة وبقيت هناك على حالته «٢» وتطافر بقية الرخام إلى ما قرب من المواضع وبعد. وكان في المجنّبة التي للمذبح بكرة خشب فبها حبل قنّب مجاور للسلسلة الفضة التي تقطعت وانسكب «٣» بعضها معلّق فيها طبق فضة كبير عليه فراخ قناديل زجاج بقي على حاله ولم ينطف شيء من قناديله ولا غيرها ولا شمعة كانت قريبة من الكرسيين الخشب ولا زال منها شيء.
وكان جملة هذا الحادث مما يعجب منه وشاهد غير واحد في داخل أنطاكية وخارجها في ليلة الاثنين الخامس من شهر آب من السنة المتقدم ذكرها في السماء شبة كوّة ينور منها نور ساطع لامع ثم طفىء وأصبح الناس يتحدثون بذلك.
وتوالت الأخبار بعد ذلك بأنه كان في أول نهار يوم الاثنين في مدينة غنجرة «٤» وهي داخل بلاد الروم على تسعة عشر يوما من أنطاكية زلزلة مهولة تتابعت في ذلك اليوم وسقط منها أبنية كثيرة وخسف موضع في ظاهرها. وكان هناك كنيسة كبيرة وحصن لطيف غابا حتى لم يبق لهما أثر ونبع من ذلك الخسف ماء حار شديد الحرارة كثير النبع المتدافق «٥» ،
стр. 307
وغرق منه سبعون ضيعة وتهارب خلق كثير من تلك الضياع إلى رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة العالية فسلموا وبقي ذلك الماء على وجه الأرض سبعة أيام وانبسط حول هذه المدينة مسافة يومين ثم نضب وصار موضعه وحلا.
وحضر جماعة ممن شاهد هذه الحالة فحدثوا بها أهل أنطاكية وحكوا أن الناس كانوا يصعدون أمتهتهم إلى رأس الجبل فيضطرب من عظم الزلزلة فيتدحرج المتاع إلى الأرض «١» .
ومن الأماكن التي لها شهرة في التاريخ القديم مكان يقال له (دفنة) في غربي أنطاكية على بعد نصف ساعة منها ويعرف الآن ببيت الماء أو بطواحين بيت الماء وبعضهم يقول بيت المال وهو في شرقي العاصي.
يقال بناها سلقوس نيكاتور منتزها له والصحيح أنها أقدم من سلقوس باني أنطاكية وأن الذي بناها اسمه أبيدفن. غير أن سلقوس حسنها كثيرا ففتح شوارعها وعمر فيها مسارح للتياترو وعمل بها عدة مناظر ومنتزهات. وكان في هذه المدينة هيكل يقال له أبولون معبود السلوقيين، وكان معمولا من السرو الجبلي. وعلى بعد غلوة «٢» من دفنة بين البساتين كان يوجد مسرح شائق لتمثيل الروايات المعروف بالتياترو. وأبولون المذكور كان عند اليونانيين إله الصنائع والأدبيات والطب وضياء الشمس. وكان على مثال شاب جميل الصورة قد استرسل شعره إلى الأرض وحمل في يده قوسا. وقد بقي هذا الوثن يعبد على وجه الأرض (١١٧٨) سنة وذلك من مبدأ عمله إلى عام احتراقه.
والخلاصة أن موقع دفنة على غاية من جودة الهواء وعذوبة الماء ولطافة المناظر حتى إن سكان أنطاكية ولا سيما الأغنياء منهم لا يستغنون عن التريّض بهذا الموضع ولا يصبرون فيه عن دواعي تعاطي الطرب كالغناء والشرب والملاهي.
ولما قدم الملك بونيانوس إمبراطور استانبول في الجيل الثالث بعد الميلاد لزيارة هذا الهيكل رأى أن المسيحيين لا يوجبون احترامه فغضب عليهم وهدم سائر كنائسهم الموجودة في دفنة وأخرج منها عظام بعض مقدسيهم وأحرقها. وفي ذلك الأثناء قامت فتنة بين أهل
стр. 308
أنطاكية لاستيلاء القحط عليهم وأحرقوا هذا الهيكل. وفي سنة ٦٢٥ مسيحية زلزلت تلك الجهات وانهدمت دفنة عن آخرها. ومحلها الآن ظاهر للعيان وهو واد بين جبلين فسيح موجه غربا تنبع المياه من قمة هذين الجبلين وتسيح على أباطحها فيرى لها منظر بديع جدا كأنها سلاسل فضة مدلّاة من علو وهي في غاية العذوبة والصفاء وقد نصب على شلالاتها وهي في الجبل نحو عشرة أرحاء «١» تدور بقوة المياه وبعد نزولها إلى وادي دفنة تجري إلى عدة بساتين فترويها ثم تصب إلى نهر العاصي.
وبالجملة فإن دفنة لم يبق لها الآن أثر ولا يدل عليها طلل فسبحان الدائم بعد فناء البلاد والعباد.
ومن الأماكن المشهورة في قضاء أنطاكية ناحية (السويدية) في شمالي سورية وغربي أنطاكية على بعد ستة أميال منها في موضع صخري مقبل على البحر المتوسط في لحف جبل بيروس، ويقال له أيضا جبل موسى. وهي من أنزه نواحي أنطاكية وأعمرها قد اشتملت على ما لا يحصى كثرة من العيون العذبة والبساتين الحاوية من كل ثمرة وفاكهة.
وقد زعم بعض المؤرخين أنها كانت بلدة فينيقية يقال لها (أولبياهيريا) وأنها كانت محط تجارة بعض الفينيقيين في زمن إقبالهم كاسكندرونة. والصحيح أن الذي اختطها سليقوس نيكاتور جعلها فرضة «٢» لأنطاكية وكانت تسمى في عهد السلوقيين سلوقية.
وتمتاز عن غيرها بإضافتها إلى بيروس وكان يسمى باسمها تسعة بلدان. ويروى أن بانيها مدفون في موضع منها.
وقد استمرت في أيدي خلفاء سلوقوس إلى أن انتزعها منهم بطليموس الثالث ثم استعادها أنطيوخوس الكبير ثم استولى عليها تكران ملك الأرمن ولم تلبث معه غير قليل حتى ملكها منه الرومان فانحطت للغاية. وأما ميناؤها فقيل إن الذي حفرها هو القيصر طيباريوس وقيل بل هي قديمة وإنما هذا القيصر أصلحها بعد خللها.
واستمرت مدينة السويدية عامرة بعد انحطاطها إلى سنة (٥٢٦) وفيها زلزلت الأرض هناك وانهدم معظم المدينة. ثم في سنة (٥٢٨) زلزلت مرة أخرى فأتت على بقية مبانيها
стр. 309
وهدمتها بالكلية. وأما ميناؤها فكانت من أحسن المواني على البحر المتوسط وهي من عمل الصناعة. تبلغ مساحتها ميلا في مثله بعيدة عن البحر مقدار غلوة كانت تدخل إليها السفن من البحر بمعبر عظيم وتبقى فيها آمنة من كل غائلة. وقد استمرت مستعملة إلى أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري الذي استرد أنطاكية وما جاورها من البلاد من أيدي الفرنج الصليبيين. ودفعا لغائلة عودهم إلى تلك الجهات من الميناء المذكورة أمر بإبطالها فأبطلت وردمت بالتراب وزال الانتفاع منها. والآن يقدم على البحر تجاهها بعض سفن تجارية شراعية وقليل من البواخر فلا تتمكن هذه السفن والبواخر من الأخذ والعطاء إلا بمشقة زائدة.
قال ياقوت: وقد أقطع الوليد الوليد بن عبد الملك جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل وصير عليهم الفلز (وهو بسيط من الأرض معلوم كالفدّان والجريب) بدينار ومدي قمح فعمروها وجرى ذلك لهم وبنى حصن سلوقية. ولعل السيوف السلوقية والكلاب السلوقية منسوبة إليها. وفي بعض الكتب: كان في جبال الشغر الجارح والكلاب السلوقية الموصوفة من بلاد السلوقية فنسبا إليها، وهو صحيح. والكلب السلوقي يعرف بدقة الرأس وطول الأنف والرقبة وضمور الصدر وطول القوائم ودقتها «١» وصغر الأذنين وتدليهما عند طرفيهما فقط وطول الذنب ودقته كثيرا. وهو يسبق الخيل بعدوه ويصيد بالشّمّ لا بالنظر.
علاوة نذكر فيها ما علمناه في أنطاكية وبعض نواحيها
زرت مدينة أنطاكية مرات عديدة وعرفت شيئا من أخلاق أهلها ومحاسن بلدهم ومساويها وجلت في نواحيها وقراها وجبالها وسهولها وأحطت خبرا بما اشتملت عليه من العمران وبما تدرّ على قطانها من الخيرات والبركات فلم أر مدينة ولا صقعا من الأصقاع يضارع أنطاكية وأصقاعها في خيراته ومنتزهاته وطيب مائه وجودة هوائه.
أول ما يتراءى للمقبل على مدينة أنطاكية من جهة حلب سفح جبل حبيب النجار
стр. 310
فيرى منحدرا فسيحا قامت فيه المنازل والعمائر ذات القصور الباسقة والمباني الشاهقة المنبثة بين الحدائق والبساتين. ثم لا يلبث القادم عليها حتى يسمع من جهتها نعر «١» النواعير الدائرة بقوة مياه العاصي الشبيهة بنواعير حماة. وقد يستقبل النسيم القادم إليها في إبان فصل الخريف بأرج الآس الذي غرسته يد القدرة في جبالها وهضابها القريبة منها والبعيدة عنها.
وبعد أن يجتاز إليها ذلك الجسر القديم يرى بلدا عظيما معمورا حسن المباني بعضها من الأخشاب وبعضها الآخر- هو الأكثر- من الحجارة المنهدمة قد تعلق في كثير من جدرانها سواق خشبية يجري فيها ماء النواعير إلى أماكن لكل منها قسطل معلوم.
إذا صعدت إلى بعض مرتفعات جبل حبيب النجار تراءت لك البلدة كنصف دائرة استدار عليها العاصي من شرقيها وشماليها وغربيها واعترضها الجبل من جنوبيها فصار قطرا لها. وترى هذا الجبل على عظمته وطول مسافته قد تمشّى في وديانه وقممه ذلك السور العظيم الذي أوله من قرب المكان المعروف بباب بولس وآخره قرب دفنة «٢» .
أهل أنطاكية متعصبون بالدين. والجمال غالب في نسائهم وقد اشتدت في وجهائهم وأعيانهم محبة الجاه والتقرب إلى الحكومة. وهم ميالون إلى العلوم والآداب والمعارف.
وفي طباعهم السخاء والإحسان إلى الضيف والتسابق إلى إكرامه.
التجارة في أنطاكية قليلة الجدوى، ولذا كان معظم الثروة التي لا يمكن للإنسان أن يملكها في أنطاكية يحرزها من قراها وبساتينها فأرباب الثراء من هذه الجهة هم الذين يزاحمون بعضهم بالتقرب إلى الحكومة ليتمكنوا من إخضاع مزارعيهم ويصونوا حقولهم وغلّاتهم منه ومن غيره أرباب الصيال والسطوة في البر. وهذا هو السبب الذي جعلهم في أكثر الأوقات منقسمين إلى فئتين كل منهما ينضم إليها فريق من أهل البلدة والأكثر أن تكون إحدى الفئتين غالبة والأخرى مغلوبة مبتعدة عن الحكومة عاجزة عن حفظ أرزاقها في البر.
مدينة أنطاكية تتصل بساتينها من جهة الغرب بناحية السويدية المشتملة على عدة نواح كالحسينية والزيتونية والميناء.
стр. 311
وناحية السويدية هذه مما لا نظير له في البلاد من جهة حسن مناظرها وغزارة مياهها ووفور غلاتها التي هي أنواع البرتقال والفواكه والزيتون والتين والرمان والحرير والحنطة والشعير والشوفان. ترى لكل أسرة من الأسر المقيمة في هذه الناحية لمعاناة الفلح والزرع والغراس قصرا مشيدا جميلا قائما بين الغابات من الأشجار المثمرة ينبع في طرف عنها عين خرّارة ماؤها على غاية ما يكون من الصفاء والعذوبة والبرودة.
والسويدية في أكثر مناحيها منحدرات من الشرق إلى الغرب وهي تستوعب مسافة طولها نجوا «١» من ثلاث ساعات في عرض مثلها. تنتهي من جهة الغرب وقسم من جهة الجنوب بالبحر. فإذا وقفت في أي بقعة من بقاعها تجلت لك مناظر مدهشة لأنك بعد أن تطل منها على مسافة بعيدة مشحونة بجنات تجري من تحتها الأنهار، ينتهي بصرك بذلك البحر العظيم الذي يتراءى لك فيه شبح جزيرة قبرص وما قاربها من الجزائر.
ناحية السويدية كلها مقاصف ومنتزهات غير أنه يوجد فيها بعض منتزهات تمتاز عن غيرها من جهة حسن مناظرها وجودة هوائها ومائها: من ذلك منتزه يعرف باسم (جوليك) ذلك المنتزه الوحيد الذي لا نظير له حتى في جزر الأرخبيل ولذا يقصده في كثير من السنين المصطافون من البلاد والغربية من الفرنسيس والإنكليز وغيرهم يقيمون عنده في مضارب يحضرونها معهم إذ لا توجد فيه مبان تصلح للإقامة.
ومن أحاسن منتزهات السويدية العديمة النظير جبل موسى المشتمل على قرى يسكنها الأرمن كقرية كبوسية وقرية خضر بك وقرية حاج حببلو فإن كل قرية من هذه القرى واقعة من هذا الجبل في سفح سترته المشاجر والغابات وجرت من قممه مياه العيون المتفجرة المنحدرة إلى وديان اتخذت حقولا لزرع الخضر والبقول كالطماطم والبطاطة التي يستغل منها ذووها مبالغ تسد عوزهم وتكمل لهم من أمر معاشهم ما ينقصهم من صنائعهم التي هي استخراج الحرير والحياكة والصياغة وطرق النحاس ظروفا وأواني وغير ذلك من الصنائع التي اتخذوها وهم في رؤوس تلك الجبال الشاهقة.
ومن نواحي أنطاكية العديمة النظير ناحية القصير المشتملة على سهول وجبال كلها مملوء بالغراس والحقول المستعدة لزرع الحبوب قد تدفقت مياهها وطاب نسيمها. تتوالى
стр. 312
على قطّانها مواسم غلاتها موسما تلو موسم: غلة الزيتون ثم غلة التين والعنب ثم غلة البطيخ وأنواع اليقطين ثم غلة الحبوب كالحنطة والشعير.
ومن نواحي أنطاكي «١» العامرة أيضا جبال قره مورط وهي شعاب من جبل اللكام غلب عليها غابات الأرز والسنديان والسرو الجبلي وغيرها ويزرع فيها التبغ فينجم منه ما هو الغاية باللذة. وفيها وديان لزرع الخضر والبقول والحبوب. وفي بعض جهات هذه الجبال أنواع من الأتربة التي تستعمل للصبغ.
يصاد من نهر العاصي أنواع من الأسماك تباع في أنطاكية بأرخص سعر. والغريب أن أهل أنطاكية يكرهون سمك السّلور المعروف في حلب باسم السمك الأسود فلا يأكله في أنطاكية غير الغرباء وهو يباع بأبخس ثمن.
من جملة منتزهات أنطاكية المنفردة بالمحاسن والعمائر منتزه ناحية الجربية الكائنة على مقربة من مدينة أنطاكية وهي ممتدة على سفح جبل تحدرت فيه مياه من عيون خرارة تسقي ما في الناحية من البساتين المتنوعة الثمار. في كل بستان منها على الغالب قصر منيف يسكنه في فصل الصيف صاحبه ويخال لمن كان فيه كأنه في جنة عالية قطوفها دانية تجري المياه من تحت القصر. وللساكن فيه من المناظر ما وصفناه من المناظر في ناحية السويدية ناهيك بمنتزه لم يرض عمرو بن العاص أن يبات فيه خشية افتتان الجند بمحاسنه إذا أصبحوا.
هذه المنتزهات هي غير منتزهات كثيرة قريبة من مدينة أنطاكية كالمنتزه المعروف باسم العين الطويلة أضربنا الصفح عن ذكرها «٢» إيجازا للكلام.
مدينة أنطاكية قد تقدمت في الأيام الأخيرة بالعمران وتجدد فيها على الضفة الشمالية من نهر العاصي مبان عظيمة آخذة نحو الطريق المؤدية إلى ناحية السويدية «٣» .
مما انفردت به مدينة أنطاكية من الفواكه المشمش العجمي المعروف عند أهلها باسم (شكر باره) والدرّاقن والسفرجل والأنكي دنيا وقصب السكّر والبرتقال والليمون وأنواع البطيخ الأصفر والعنب والرمان وحب الآس والعنّاب. وانفردت أيضا بلبن الجاموس وما
стр. 313
يعمل منه كالزبدة والجبن فهما مما لا نظير له في غير أنطاكية. وانفردت أيضا بالتبغ المعروف بالتتون والفلافل الحمراء التي يكثر الأنطاكيون من أكلها وينقل منها إلى حلب وغيرها قناطير مقنطرة طرية ومسحوقة. وانفردت أيضا بكثرة ما يعمل في مصابنها من الصابون وربما كان معادلا صابون حلب بالجودة والكثرة.
مساوىء أنطاكية
من مساوىء مدينة أنطاكية في الشتاء كثرة الأمطار والرعود والصواعق والزلازل.
وهي بالحقيقة في موقع جبلي بركاني يدلّك عليه موقع بيت المال ونبع المياه فيه من قمم الجبال، الأمر الذي يبرهن لك على أن هذه المياه الغزيرة لم يدفعها إلى تلك القمم صعدا سوى حركة بركانية أعقبت انفجار بركان عظيم.
ومن مساوئها أيضا انحباس النسيم عنها في بعض ليالي الصيف وكثرة الرطوبة وقد تقدم الكلام عليهما. وأحسن ما تكون أنطاكية في أيام الخريف. إذ يكون هواؤها في هذا الفصل لطيفا منعشا يحمل إليها من الجبال الكائنة في جوارها أريج الآس والمرسين «١» . وتطيب فيها الأثمار ويلذ السهر والسمر في المنتزهات المشادة على أطراف نهر العاصي كالفنادق والمطاعم.
الأسر الشهيرة في هذه المدينة
من الأسر الشهيرة في مدينة أنطاكية أسرة آل بركة وهي تعرف في أنطاكية باسم بركة زاده. جدها الأعلى من مدينة حمص من عشيرة بني خالد بن الوليد وهو أول من قدم إلى أنطاكية واتخذها وطنا.
وجيه هذه الأسرة فقيد الوطن المرحوم الحاج رفعت آغا أحد رجال عصره المعروفين بالوجاهة والذكاء والجاه والقبول لدى الحكام والعلوم والمعارف وكرم السجايا وطلاقة
стр. 314
المحيا وسخاء اليد وإقراء «١» الضيوف. وقد تقلب في عدة خدم مهمة في الحكومة العثمانية. وفي أيامه الأخيرة انتخب عضوا لمجلس المبعوثين.
كان يقرأ ويكتب باللغة التركية والعربية والفارسية والفرنسية، ويحسن من كل لغة من هذه اللغات أدبياتها وهو حسن اللهجة جميل المحاضرة.
أقمت في منزله زهاء ثمانية أشهر يجدد لي كل يوم منها إكراما واحتراما ولم أر في جميع هذه المدة الضيوف التي تجلس على مائدته يقل عددهم عن ثلاثين ضيفا يقدم إليهم في طعام العشاء وطعام الغداء أنفس المآكل والأطعمة يجلس معهم ويسامرهم بلطائفه وينظر إلى كل واحد منهم بوجه كله بشر وطلاقة مما يدل على سخائه ورحب صدره وعلو جنابه، وكان يستقضيه الناس مصالحهم ومهماتهم فلا يرد أحدا منهم إلا شاكرا له مثنيا عليه. وكان الحكام يحبونه ويهابونه سيما حكام أنطاكية فإنهم كانوا لا يخرجون عن إرادته ﵀.
أما وجيه هذه الأسرة الآن وعين أعيان أنطاكية بل هو من أجل أعيان سوريا حضرة صاحب الفخامة صبحي بك نجل المرحوم الحاج رفعت آغا السالف الذكر وهو رئيس اتحاد دولة سورية المنفرد بمزاياه الكرائم والمشار إليه بالبنان لما اتصف به من المحاسن والمكارم.
ومن رجال هذه الأسر المولى العالم الفاضل الأستاذ صفوت أفندي مفتي القضاء.
ومن الأسر الكريمة في أنطاكية أسرة آل خلف المعروفة باسم خلف زاده لر وهي أسرة عريقة بالمجد وجد منها عدة رجال أجلاء يستحقون المدح والثناء.
ومن الأسر الشهيرة في أنطاكية أسرة آل المفتي نسبة إلى السيد العالم العلامة الحاج يحيى أفندي مفتي أنطاكية الأسبق، كان من كبار علماء عصره وأفاضل أدبائهم، ينظم الشعر التركي والعربي والفارسي ويتكلم باللغات الثلاث. وحينما كنا معه في الحجاز تلقى صحيح البخاري بالرواية على العلامة المحدث الشيخ أحمد الدحلاني شيخ الإسلام في الديار الحجازية وصاحب كتاب الفتوحات الإسلامية. وكنت أقابل معه النسخة التي يتلقى بها الحديث عن الأستاذ المشار إليه. وبعد أن عاد من الحجاز إلى بلدته أنطاكية اختاره والي حلب وحاكمها الشرعي لأن يكون رئيس كتاب المحكمة الشرعية في حلب ونائب غيبة
стр. 315
الحاكم الشرعي فحضر إلى حلب وقام بالوظيفة نحو سنة أحسن قيام ثم بدا له أن يعود إلى وطنه فاستقال من وظيفته وعاد إلى أنطاكية ﵀.
ومن وجهاء أسرته في هذه الأيام نجله العالي محمد أفندي وهو صاحب منزل لإقراء «١» الضيوف وإكرامهم، ذو وجاهة وإقبال وكلمة نافذة عند الحكومة معروف بالوفاء والصدق والسخاء وكرم الأخلاق.
ومنها أسرة القصيري وهي مما تفرع من سلالة الأسرة الجندية التي لها فروع في حمص وحماة وإدلب ومعرة النعمان. وقد ذكرنا في الكلام على البلدة الأخيرة أنهم ينسبون إلى الأسرة العباسية.
ومنها أسرة المعصراني التي وجد منهم عدة أماثل يعانون التجارة ويعرفون بالأمانة والاستقامة.
ومنها أسرة آل المسكي وهي أسرة معروفة بالوداعة يرتزق أفرادها من التجارة ويعاملون الناس بالمعروف والحسنى ويحرزون ثناء من يعاملهم. ووجيه هذه الأسرة الآن عزت أفندي من خيرة الرجال الموصوفين بالأدب والكمال.
وفي أنطاكية غير ذلك من الأسر الكريمة يطول الكلام عليها وبهذا القدر كفاية. انتهى الكلام على قضاء أنطاكية.
стр. 316
قضاء المعرّة
مدينة معرة النعمان وأسماء محلاتها
الشمالية ٢١٧٥ القبلية ٣٠٤٦.
قرى القضاء
كفر رمان ٤٣٩ حاس ٤٧٧ كفر نبل ١٠١٨ كفر عويد ١٠٦ حزارين ٢٧٥ معرة حرمة ٣٨٥ جبالا ٦٩ معر تماتر ١٦٣ معر زيتا ١٥٢ بسقلا ١٦٥ حيش ٣٥٠ هبيطة ٣٧٧ خان شيخون ١٥٧٥ كفر سنجة ٤٧١ تمانعة ١٥٦ كفر ياسين ٢٢٩ الدير الغربي ١٠١ الدير الشرقي ١٤٦ تح ١٠٨ معر تشمارين ١١٢ معر شمشا ١٨٩ تل نمس ٦٠١ جرجناز ٥٥٠ معر شورين ٦٣٠ معصران ٢١١ دانه ٤٠٣ فطيرة ٨٢ فركيا ٦٦٠ أشنان ١٦٥ دير سنبل ٤٦.
فجملة عدد سكان هذا القضاء (٢٣٢٨٥) نسمة ما بين ذكر وأنثى.
على أن عددا كبيرا من القرى والمزارع في هذا القضاء لم يجر عليه قلم الإحصاء في هذا الجدول لخلوه من البناء وعدم تمكن الحكومة من عد سكانه لأنهم من عشائر الأعراب الموالي وغيرهم الرحّل النّزل الذين يقيمون في قراهم ومزارعهم أيام الزرع واستحصال الغلة فقط ثم يرحلون بماشيتهم إلى الصحراء يتتبعون الكلأ ومواقع القطر.
الكلام على هذا القضاء وما فيه من الأماكن الشهيرة
قال ياقوت في معجمه: المعرة تأتي بمعان مختلفة وهي الشدة وكوكب في السماء دون المجرّة وتلون الوجه من الغضب. والمعرة في الآية معناها جناية كجناية العرّ وهو الجرب.
وقيل المعرة العزم. اه.
стр. 317
قلت يحتمل أن تكون لفظة المعرة هنا سريانية معناها المغارة سميت بذلك لأن هذه المدينة مشتملة على كثير من المغاير وأن أصلها في السريانية معرتا فتصرّف بها العرب وقالوا معرة وتاؤها في اللغتين للتأنيث. والنعمان هو النعمان بن بشير صحابي اجتاز بها فمات له ولد فدفنه فيها وأقام عليه أياما فسميت به وقال ابن خلكان في تاريخه إن النعمان بن بشير تديّر المعرّة «١» فنسبت إليه وكان يقال لها قبله معرة حمص. اه.
وفي جانب سورها من قبل البلد قبر يوشع بن نون وقد جدد عمارته الملك الظاهر الغازي والحقّ أن قبر يوشع بأرض نابلس. وبالمعرة أيضا قبر محمد بن عبد الله بن عمار ابن ياسر قال ياقوت: وأظن أنها سميت بالنعمان الملقب بالساطع بن عدي بن غطفان ابن عمر بن بريج بن خذيمة بن تيم الله. وهو تنوخ بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن لحاف بن قضاعة. وهو مخالف لما قلناه ونقلناه عن ابن خلكان وربما كان هو الصواب لأن التنوخيين كانوا يقطنون هذه النواحي.
وكانت المعرة مدينة كبيرة من أعمال حمص بين حلب وحماة. ماء أهلها من الآبار وعندهم الزيتون الكثير والتين الوافر. ومنها أبو العلاء المعري العالم المشهور القائل:
فيا برق ليس الكرخ داري وإنما ... رماني إليها الدهر منذ ليال
فهل فيك من ماء المعرّة قطرة ... تغيث بها ظمآن ليس بسال
وقبر أبي العلاء المعري بهذه المدينة. وللناس فيه اعتقاد عظيم يبيتون على قبره شربة ماء ويستعملونها للبرء من الحمى. والمشهور أنه كان مكتوبا على قبره بوصية منه:
هذا جناه أبي عليّ م ... وما جنيت على أحد
وهذا البيت ليس له الآن وجود وإنما المكتوب على قبره هذان البيتان:
قد كان صاحب هذا القبر جوهرة ... نفيسة صاغها الرحمن من شرف
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها ... فردّها غيرة منه إلى الصدف
стр. 318
وزعم مؤرخو حلب أن في معرة النعمان عمودا فيه طلسم للبق تحته مغارة فيها صورة بقة نزل إليها رجل فبطلت خاصتها، وأن فيها عمودا هو طلسم الحيات يميل مع الريح القوية فيوضع تحته الجوز واللوز فيكسر.
قلت: والمشهور عند أهل المعرة أن الشيخ زين الدين عمر بن الودي مدفون في المعرة.
والذي ذكره ابن خطيب الناصرية أنه مدفون في حلب وعلى ذلك جرينا في ترجمته. وينسب إلى المعرة كثير من العلماء والمحدّثين وهذا القضاء في جنوبي حلب ويبعد مركزه عن حلب ٢٢ ساعة وقصبة المعرة الآن تشتمل على دار حكومة ومستودع رديف وقلعة متهدمة وستة عشر جامعا وخمسة عشر مسجدا ومدرستين وأربع حمامات وما يقرب من ٥٠٠ دكان وأربعة وعشرين مدارا «١» وخان واحد وأربعة أفران وعشرة «٢» معاصر زيت وعشرة بيوت قهاوي ومسلخ واحد.
وجامعها الأعظم عمري قديم له من الأوقاف ما فيه كفايته يضاف إليها الفاضل من غلة خان مراد جلبي وخان أسعد باشا. وفيها جامع آخر فيه مقام لسيدنا يوشع له منارة جميلة وأوقاف جليلة لعبت بها أيدي المتغلبين. وجامع آخر فيه غار يشتمل على قبر عطاء الله بن أبي رباح حامل لواء النبي ﷺ وعشر مسابغ «٣» .
واللغة في هذا القضاء العربية وهو قضاء واسع كثير الأراضي جيد التربة والهواء إلا أن أكثر أراضيه موات للخوف من الأعراب الرحّل. وكان قديما من أعمال حماة ثم ألحق بلواء حلب منذ عهد غير بعيد وكانت المعرة معروفة عند العرب بذات القصور إلى أن سميت بمعرة النعمان للسبب الذي تقدم ذكره.
وذكر ابن بطوطة في رحلته أنه كان يوجد في ضواحي المعرة مقدار عظيم من شجر الفستق أما الآن فلا أثر له هناك إنما يوجد فيها قليل من الكرم وماء أهلها من الصهاريج المطريّة وقد مر على المعرة عدة حوادث ذكرناها في باب الأخبار مرتبة على سنيها فأغنى عن ذكرها هنا.
стр. 319
كانت المعرة بلدة عظيمة تدل أطلال سورها على أن طولها ساعة في عرض مثلها.
وكان لها من جهة القبلة باب يسمى باب نصرة عنده تل كبير يذكر أن فيه كنزا. ومن جهة الغرب باب يدعى باسم السيد شيث يبعد عن قلعتها نحو عشر دقائق وكانت القلعة في وسط البلدة. ومن جهة الشمال باب يدعى باب ايلة عنده بناء ضخم يدل على أنه من بناء السريان. ومن جهة الشرق باب يدعى باب منّس لأنه يخرج منه إلى تل منس وهي الآن قرية معروفة كان ظهر فيها عاديات زجاجية وأسس ضخمة.
في شمالي المعرة أطلال عمران يدعى محلها رويحة. يظهر أنها كانت بلدة عظيمة فيها أبنية ضخمة من جملتها أربعة أقواس عالية جدا يذكر أن أحد الرعاة ضرب حلقة قوس منها فأطارها فإذا هي من ذهب. وفي غربي المعرة إلى الشمال على بعد ساعة عنها ثلاثة أطلال، أحدها يدعى حندوثين والآخر يدعى فركيا، عندها بناء ضخم يعرف بدار الملك والثالث يدعى أشنان، فيه قناة كلدانية تنفذ إلى البساتين. وعلى مقربة من هذه الأماكن أطلال تعرف باسم دير سنبل أو دار صمبل.
وفي غربي المعرة قرية تدعى حاث. في شماليها إلى الغرب أطلال مدينة كبيرة تدعى حاث. وفي هذه القرية آثار أبنية قديمة من جملتها بناء تام تحت الأرض يقال إنه كان وجد فيه مائدة من الرخام. وفي غربي المعرة أيضا قرية تدعى سفوهن «١» في قمة جبل عندها ميدان فسيح يليه تل كبير فيه آثار تدل على أنه كان قلعة. وفي الغرب من سفوهن»
قرية تدعى الفطيرة ذكر في بعض التواريخ أن أهلها مشهورون بالشر وشراسة الأخلاق وهم معروفون بذلك حتى الآن.
كان اكتشف في اسفوهن على «٣» صندوق حجري فيه منطقة «٤» من ذهب على عقودها بعض رسوم عادية بيع الواحد منها بخمسين ذهبا. وفي غربي سفوهن قرية تدعى فليفل على رأس تل، فيها آثار اكتشف فيها على «٥» على أعمدة حجرية ضخمة. ويوجد في تلك
стр. 320
النواحي غير ذلك من الآثار القديمة الحثية والكلدانية والرومانية مما يدل على أن تلك الجهات كانت من أجلّ البلدان عمرانا وأكثرها سكانا.
وفي هذا القضاء عدة آثار قديمة لها ذكر في التاريخ منها قرية خان شيخون وكان اسمها القديم خالس وهي من أعظم قرى هذا القضاء. ومنها كفر طاب وربما قيل لها كفر طوب وفيها يقول محمد بن سنان الخفاجي:
بالله يا حادي المطايا ... بين جبالي «١» وأرّضايا
عرّج على أرض كفر طاب «٢» ... وحيّها أحسن التحايا
وأهدها «٣» الماء فهي ممن ... يفرح بالماء في الهدايا
وقال عبد الرحمن بن محسن المعري:
أقسمت بالرب والبيت الحرام ومن ... أهلّ معتمرا من حوله وسعى
إن الألى بنواحي الغوطتين، وإن ... شطّ المزار بهم يوما وإن شعسا
أشهى إلى ناظري من كل ما نظرت ... عيني، وفي مسمعي من كل ما سمعا
ولا كفر طاب عندي بالحمى عوضا ... نعم سقى الله سكان الحمى ورعى
وهي الآن خالية من السكان ومحلها بين المعرة وخان شيخون في برية معطشة وليس لها شرب إلا ما يجمعونه من الأمطار. قال ياقوت: وبلغني أنهم حفروا نحو ثلاثمائة ذراع فلم ينبط «٤» لهم.
قلت: وسيأتي لنا في الكلام على «بالس» وهي «مسكنة» أن الفرات أعجز أهلها بحفرة أراضيها عكس كفر طاب فإن أهلها أعياهم الحفر على الماء فلم يجدوه. وإلى هذا أشار أبو العلاء في قصيدة له من اللزوميات حيث يقول «٥» :
أرى كفر طاب أعجز الماء أهلها ... وبالس أعياها الفرات من الحفر
следующие страницы →