Полный текст (1 089 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فصل فى ذكر روّاد هذا الجبل وفضل القرافة «١»
قال ذو النون المصرى «٢» : وصف لى رجل بالجبل المقطم، فقصدته، فمكثت معه مدة تزيد على أربعين يوما «٣» ، ثم استخرت الله فى سؤاله، فقلت له: فيم «٤» النجاة؟ قال: فى التقوى والمراقبة «٥» . قلت: زدنى. قال:
فرّ من الخلق ولا تأنس بهم «٦» . قلت: زدنى. قال: إنّ لله عبادا خافوه، فسقاهم كأسا من محبته، فهم فى شربهم «٧» عطاش، وفى عطشهم أروياء..
قلت: زدنى. قال: هم أقوياء فى توكّلهم «٨» .. ثم تركنى ومضى. قيل: إنما سمّيت هذه البقعة المباركة «القرافة» «٩» لأن من قصد إليها يلق رأفة (انتهى) .
стр. 37
فصل فى ذكر المقبور فيه من الصحابة «١»
إذا أردت أن تعرف شرف الأرض، فانظر إلى المدفونين بها.. قال الله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
«٢» .
قال الإمام الجليل العالم عبد الله بن وهب «٣» رضى الله عنه: قبر فى مقبرة المقطم ممّن عرف من أصحاب رسول الله، ﷺ ، خمسة نفر: عمرو ابن العاص السّهميّ، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدىّ، وعبد الله بن حذافة السّهميّ، وأبو بصرة الغفارىّ، وعقبة بن عامر الجهنيّ، رضى الله عنهم، وحشرنا فى زمرتهم تحت لواء سيد المرسلين «٤» .
وقد روى التّرمذىّ فى الحديث «٥» من طريق أبى طيبة، عن عبد الله بن
стр. 38
مسلم، عن عبد الله بن بريدة «١» ، عن أبيه، رفعه: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: «ما من أحد من أصحابى يموت بأرض إلّا بعث قائدهم «٢» يوم الجمع» - وفى رواية: يوم القيامة- وفى رواية: قائدا ونورا» .
ولله درّ من قال:
هنيئا لزوّار القرافة إنهم ... يزورون أرضا قد أجلّت قبورها
قبور عليها هيبة وجلالة ... إذا جبتها ليلا بدا لك نورها
سقى الله من ماء الجنان ترابها ... ونجّى بها من جاء قصدا يزورها
وقال آخر «٤» :
يمّمه تحيا بالهدى معمورا ... ترجع بأنواع العطا مغمورا
زر بالقرافة كلّ حيىّ مشرق ... تشهد بحورا إذ تزر وقبورا
سفح المقطّم روضة إن لم تنل ... ثمر المنى منها نشقت زهورا «٥»
هى ساحة حلّ الجلال بأرضها ... وجمالها البادى تزايد نورا
стр. 39
وقال آخر:
نور تلألأ بالقرافة إذ أضا ... وسنا بها، عمّ الرّحاب مع الفضا «١»
بشرى غراس جناب جنّات الرّضا ... ممّن يجيء، وسابق فيما مضى
بنجاته من حرّ نيران الغضا ... ونعيم خلد لا يشاب بالانقضا «٢»
وقال آخر:
سفح تقدّس بالغراس فنوره ... ملأ البطاح وما له من مشبه «٣»
فترى بريه ووارديه ومن به ... كلّ الهناء، وكل ما قد يشتهى «٤»
وقال آخر:
قراف مصر صانها سفح الجبل ... قد قدّس الوادى لمن قد فيه حل
يا فوز من بفناء ذيّاك المحل ... حطّ الرّحال مع الرّجال وما ارتحل «٥»
وأقام يعقوب ﵊ بها ثلاث سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس، فدفن عند آبائه «٦» . ودفن يوسف ﵇ بها، وبالجيزة، وبمحل المقياس، نقل من القرافة إلى الجيزة، ونقل من الجيزة إلى رأس الروضة، فى المحلّ المعروف الآن بالمقياس ... وقد كان- ﷺ لمّا دفن بالقرافة نبت العشب والكلأ بالجهة القبلية، ولم ينبت بالجهة البحرية شىء،
стр. 40
فنقل ودفن بالجيزة بمحلّ هناك، فنبت العشب والكلأ على عادته بالجهة البحرية، ولم ينبت بالجهة القبلية شىء، فنقل ودفن فى صندوق من الرخام بمحل المقياس، وهو وسط النيل، لتعم بركته الجانبين، فأقام بهذا المحل مدة، نحوا من ثلاثمائة سنة، إلى أن حمله موسى ﵇ [بعد أن قال له بنو إسرائيل: إن يوسف] «١» ، لمّا حضرته الوفاة أخذ علينا موثقا من الله ألّا نخرج حتى ننقل عظامه معنا.. قال: فأين قبره؟ قالوا: علمه عند امرأة عجوز من بنى إسرائيل.. فبعث إليها، فأتته، فقال لها: دلينى على قبر يوسف.. فقالت له: لا أدلّك على قبره حتى تسأل لى ربك أربعة أشياء: تسأله أن يطلق لى رجلاى، ويردّ علىّ بصرى، وشبابى، وأن أكون معك فى الجنة..
فكبر ذلك عليه، فأوحى إليه أنّ الله أعطاها ما سألته.. ففعل، وردّ الله عليها بصرها، وشبابها، وإطلاق رجليها، فتوجهت بهم إلى المحل المذكور ليلا، فاستخرجوا الصندوق، فلما فتحوه طلع القمر وأضاء الأرض مثل النهار، فحملوه معهم، ودفن فى قبر عند آبائه بالأرض المقدسة، وكان هذا الأمر معجزة لموسى ﵊.
*** حكاية: قال مالك بن دينار «٢» : مررت ببعض أودية الجبل المقطم، فرأيت إنسانا سائحا، فظننت أنه مجنون، فنادانى هاتف من بين الجبال: ليس الأمر
стр. 41
كما ظننت، إنّما هو ولّى من أولياء الله تعالى، عظمت زفرته، واشتدت حسرته، وارتفع صوته، وعلا نحيبه.. قال مالك: فلما سمعت الهاتف الذي هتف بى هدأ روعى، وردّت إليّ روحى، وعدت إلى طريقى راجعا، وإذا أنا بشابّ قد أذابته العبادة حتى عاد كالخلال «١» ، فسلمت عليه، فردّ علّى، فأخبرته بعطشى، وقد لحقنى منه هيبة عظيمة، فنظر إليّ وقال: يا مالك، أما وجدت فى البريّة نقطة ماء؟ ثم قام إلى صخرة فى الجبل فضرب بها برجله وقال: اسقنا ماء بقدرة من يحيى العظام وهى رميم، فإذا أنا بالماء، فشربت حتى رويت، ثم قلت له: أوصنى بشىء أنتفع به.. فقال: يا مولاى، كن لمولاك فى الخلوات حتى يسقيك الماء من الصخرة فى الفلوات.. ثم أنشد وجعل يقول:
أهل المحبّة ما نالوا الذي قصدوا ... حتى لمولاهم فى الخلوة انفردوا
تراهم الدّهر لا يمضون من بلد ... إلّا ويبكى عليهم ذلك البلد
لا يعطفون على أهل ولا ولد ... ولا ينامون إن كان الورى رقدوا
فالذّكر مطعمهم، والشّكر مشربهم ... والوجد مركبهم من أجل ذا سعدوا
لا يبرحون على أبواب سيّدهم ... ولا يريدون إلّا من له عبدوا
فالشّوق يضرم نارا فى قلوبهم ... ونارهم فى ظلام اللّيل تتّقد
مساجد الله مأواهم ومسكنهم ... وعيشهم فى حماه طيّب رغد
حكى عن ذى النون المصرى رضى الله عنه، أنه قال: وصفت لى جارية متعبدة، فأحببت لقاءها، فخرجت إلى الجبل أطلبها، فلم أرها، فلقيت جماعة من المتعبدين، فسألتهم عنها، فقالوا: تسأل عن المجانين وتترك العقلاء؟ قال ذو النون: فقلت لهم: دلّونى عليها، فإن كانت مجنونة تركتها. فقالوا: إنّا نراها مرّة تجوز بنا تقع، ومرة تقوم، ومرة تصيح، ومرة تضحك، ومرة
стр. 42
تبكى.. قال ذو النون: فدلّونى عليها.. فذهبت، فلما أشرفت على الوادى التى هى به، سمعت لها صوتا ضعيفا حزينا.. قال: فتتبّعته، فإذا أنا بجارية ما تكاد تبين من الجوع والنّحول، وهى جالسة على صخرة عظيمة، فسلمت عليها، فقالت: يا ذا النون، مالك وللمجانين؟! فقلت لها: أنت مجنونة؟! قالت: لم أكن كذلك، إنما نودى علّى بالجنون. فقال ذو النون: وما الذي جنّنك؟ قالت: يا ذا النون، حبّه «١» جنّنى، حبّه هيّمنى، ووجده أقلقنى.
قال ذو النون: فقلت لها: يا جارية، وأين محلّ الشوق منك؟ قالت:
يا ذا النون، الحب فى الحشا، والشوق فى الفؤاد، والوجد فى السر.. قال ذو النون: فقلت لها: يا جارية، قالت: لبيك.. قلت: الفؤاد فى القلب؟
قالت: نعم، الفؤاد نوره القلب، والسر نوره الفؤاد، فالقلب يحب، والفؤاد يشتاق، والسر يجد الحق.. قال ذو النون: فقلت لها: وكيف يجد الحق؟
قالت: يا ذا النون، وجدان الحق بلا كيف.. قال ذو النون: فقلت لها: أوصينى يا أمة الله بشىء أنتفع به.. فقالت: يا ذا النون، حبّ مولاك ولا تبتغ به بدلا.. قلت: زيدينى يرحمك الله.. قالت: يا ذا النون، إن قدرت أن تخطو إلى الآخرة خطوة فافعل ولو أدركك فى ذلك مشقة، فإن المنازل والدرجات لا يوصل إليها إلا بالمشقّات.. ثم قالت: يا ذا النون، إن كنت رجلا فى محبتك صادقا «٢» ، وفى عشقك لسيدك واثقا «٣» فمت كما أموت.. ثم صرخت صرخة عظيمة وقالت: هذا موت الأخيار من المحبين الصادقين. فغشى عليها، ووقعت على وجهها، فتقدمت إليها، وحرّكتها، فإذا هى ميتة، فطلبت شيئا أحفر به «٤» قبرا، فلم أجد شيئا..
стр. 43
قال ذو النون: فالتفتّ إليها فلم أجدها، فبقيت متحيرا فى أمرى، وإذا بهاتف يهتف بى: يا هذا، اذهب راشدا، فهو يتولى الصالحين.. فمضيت إلى حال سبيلى.. رضى الله تعالى عنها، ونفعنا ببركاتها «١» .
***
стр. 44
فصل فى ذكر المساجد التى على الجبل المقطم
المسجد المعروف بالتّنّور «١» :
قيل هو تنّور فرعون، كان يوقد عليه «٢» بالطّرفاء، فإذا رأى النار أهل مصر عرفوا بركوبه، فاجتمعوا واتخذوا له ما يريد. وكذلك إذا ركب منصرفا من عين شمس، والله أعلم «٣» .. وقيل: كان يوقد عليها بالطّرفاء، واللّبان، والصّندر «٤» ليرفع عن أهل مصر الوباء.
قال القضاعى: وجدت فى كتاب قديم أن يهوذا بن يعقوب أخا يوسف، ﵈، لما دخل على أخيه يوسف مع إخوته- فى قصة الصّواع- تأخر عن إخوته، فأقام «٥» فى ذروة الجبل المقطم فى هذا المكان، وكان مقابلا لتنّور فرعون الذي كان يوقد له فيه النار. [ثم خلا] «٦» ذلك الموضع إلى زمان أحمد بن طولون، فأخبر بفضل الموضع وبمقام يهوذا فيه، فقام «٧» بعمارة هذا
стр. 45
المسجد والمنارة التى فيه، وجعل فيه صهريجا يخزن فيه الماء، وأوقف عليه «البيمارستان» «١» بمصر، والعين التى بالمعافر «٢» ، وأنشأه أحمد فى شهر صفر بخير، سنة ٢٥٩ هـ «٣» .
ويقال: إن تنور فرعون لم يزل فى الموضع بحاله إلى أن خرج إليه قائد «٤» من قواد أحمد بن طولون يقال له «وصيف» ، فهدمه، وحفر تحته، وقدّر أنّ تحته مالا «٥» فلم يجد شيئا تحته، وزال رسم التنور وذهب «٦» . ويقال:
إن ابن طولون وجد تحته كنزا، وأنه عمر به الجامع، ووجد فيه العشارىّ* الذي على رأس منارته.
المسجد المعروف بمقام المؤمن:
قيل: إنه أقام فيه مؤمن آل فرعون، ولم يوجد ذلك فى كتاب.
المسجد المعروف بالمحرم:
قيل: إنّ قوما كانوا فيه تطوى بهم الأرض، كانوا يحرمون منه ثم يحجون ويعودون إليه، وهو فى علو مغارة ابن الفارض ٨.
стр. 46
أودية الجبل المقطم:
وأوديته- يعنى المقطم «١» : وادى المستضعفين، وادى الملك، وادى اللّبلابة «٢» ، وادى الدجلة القرقوبى، وبه مسجد «٣» على قرنة الجبل المطل على كهف السودان، بناه أبو الحسن القرقوبى الشاهد، وكيل التجار بمصر «٤» سنة ٤١٥ هـ.
وكان فى موضعه محراب حجارة يعرف [بمحراب ابن الفقاعى، الرجل الصالح، وهو] «٥» على يسار المحراب.. وقبة الخضر.. وكهف السودان «٦» مشهور هناك، لا يعلم من أحدثه، ولا فى أى زمان أحدث «٧» ، ويقال إن قوما من السودان نقروه وتعبدوا فيه، ويقال له كهف العبادة «٨» ، ثم بناه الأندلسى البزاز «٩» ، وزاد فى أسفله مواضع نقرها، وبنى علوّها «١٠» ، ويقال إنه أنفق فيه أكثر من ألف دينار، ووضع «١١» المجاز الذي يسلك إليه منه،
стр. 47
وعمل الدّرج (النّقر) التى يصعد عليها إلى المسجد، والدرج التى «١» يصعد عليها إلى الوادى.
وكان ابتداؤه بالبناء مستهل المحرم سنة ٤٢١ هـ، وفرغ منه فى شعبان من السنة المذكورة.
مساجد الوادى
المسجد المعروف بالجيوشى «٢» :
وهو المطل على وادى موسى المنشأ على قرنة الجبل البحرية.. أنشأه الإمام المستنصر بالله «٣» أمير المؤمنين، فى أيام الجناب السيد الأجلّ أمير الجيوش سيف الإسلام، رفق المستنصر «٤» فى شهر المحرم الحرام سنة ٣٨٧ هـ «٥» . والدعاء مجاب بهذا المكان، وليس له نظير.
стр. 48
مسجد موسى:
بناه الوزير جعفر بن الفرات «١» .
مسجد الصخرة:
يرى عليه النور فى الليالى المظلمة.
مسجد الدّيلمى:
وهو الذي بقرب مقام الليث بن سعد الفهميّ «٢» وقد خطب به زمانا طويلا، ولم نقف على ترجمة بانيه.
مسجد الشريف الجرجانى «٣» .
مسجد الزبير «٤» :
هو الذي كان بيد الشريف أحمد الحسينى، وهو أحد المسجدين المتقابلين فى أصل عقبة موسى ﵇ «٥» ، التى يتوصّل منها إلى مغارة ابن الفارض.. قال القضاعى: يقال لها مغارة ابن الفارض، وهو أبو بكر أحمد بن مسلم القارئ، الذي كان نقر المغارة وأنفق عليها، ثم عمرت بأمر الحاكم بالله، وأنشئت فيها المغارة «٦» .
стр. 49
مسجد اللؤلؤة «١» :
كان مسجدا خرابا، مشهورا بإجابة الدعاء، فلما علم الحاكم ببركة الموضع بناه فى سنة ٤٠٦ هـ، وسمّاه اللؤلؤة «٢» .
المسجد المعروف بالدعاء:
قال القضاعى: هو ما بين اللؤلؤة و مسجد محمود «٣» ، وهو مسجد قديم يتبرّك به وبالصلاة فيه والدعاء، ويعرف بمسجد الإجابة أيضا.
مسجد اليسع وروبيل .
مسجد محمود.
وسنذكر قصة محمود عند ذكر قبره.
***
стр. 50
فصل نذكر فيه ما ورد فى زيارة القبور من الآثار
روى ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها.. ونهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم.. ونهيتكم عن التّنبّذ إلّا فى سقاء، فاشربوا من الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا» «١» .
وروى أبو هريرة، رضى الله عنه، قال: «زار النبي، ﷺ ، قبر أمّه، فبكى وأبكى من حوله» . قال البغوى فى شرح السّنّة: «كان قبر أمّه بالأبواء، فمرّ به عام الحديبية، فزارها» . وروى أنه زار قبر أمّه فى ألف مقنّع، أى: فارس مغطّى بالسلاح «٢» .. وقال ﷺ : «استأذنت ربى فى أن أستغفر لها فلم يأذن لى، واستأذنته أن أزورها فأذن لى، فزوروا القبور، فإنها تذكّر الموت» «٣» .
стр. 51
وعن سليمان بن بريدة «١» عن أبيه، قال: قال رسول الله، ﷺ :
«قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد فى زيارة قبر أمه فزوروها، فإنها تذكّركم الآخرة» .
وروى عن فاطمة رضى الله عنها، أنها كانت تزور قبر عمها حمزة فى الأيام، وتبكى عنده.
وقال عبد الله بن أبى مليكة»
: توفى عبد الرحمن بن أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنهما بالحبشة، فحمل إلى مكة ودفن بها، فلما قدمت أم المؤمنين عائشة، رضى الله عنها، أتت إلى قبره فقالت «٣» :
وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدّهر حتى قيل لن يتصدّعا «٤»
وعشنا بخير فى الحياة وقبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى وتبّعا
فلما تفرّقنا كأنّى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
стр. 52
فصل فى استماع الميت للحى إذا تولّى عنه
روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ العبد إذا وضع فى قبره وتولّى عنه أصحابه أنه ليسمع قرع نعالهم، قال: فيأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول فى هذا الرّجل؟ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله.. فيقال له: انظر مقعدك من النار، قد أبدلك الله مقعدا من الجنة.. قال النبي ﷺ : فيراهما جميعا» «١» .
***
стр. 53
فصل فى كراهة المشى بين القبور فى النّعلين
روى خالد بن سمير «١» عن بشير «٢» بن نهيك، عن بشير بن الخصاصية «٣» ، قال: «كنت أمشى مع النبي ﷺ على قبور المسلمين، فقال: لقد سبق هؤلاء خير كثير «٤» ، وحانت منه التفاتة، فرأى رجلا يمشى بين القبور فى نعله، فقال: يا صاحب السّبتين، ألقهما» «٥» .
قال البغوى «٦» فى شرح السّنّة: قيل إنّ أهل القبور يرعدون «٧» بصوت
стр. 54
النعال.. قال: والعامة على أنه لا كراهة فى المشى بها، والأمر بالنزع إنما كان على سبيل أنّ أكثر أهل الجاهلية كانوا يلبسونها غير مدبوغة، إلّا أهل السّعة منهم، فأمروا بنزعها لنجاستها.
وقال أبو سعد: أراد أمره بذلك لقذارة فى نعليه، فكره منه أن يطأ بهما القبور.. كما كره أن يحدث بين القبور.
وقال أبو سليمان الخطابى: يشبه أن يكون إنما كرهها لما فيه من الخيلاء، وذلك أنّ النعال السّبتيّة من لباس أهل التّرفّه والتنعيم، فأحبّ- ﷺ أن يكون دخول المقابر على ذى التواضع ولباس أهل الخشوع. وقال بعضهم: على المحلوقة الشعر، وقد قال ﷺ عن الميت: «إنه يسمع قرع نعالهم» .
стр. 55
فصل فيما يقول إذا خرج إلى المقابر
روى القعنبيّ «١» عن مالك، عن العلاء، عن أبيه، عن أبى هريرة رضى الله عنه: «أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون» «٢» .
وعن سليمان بن بريدة «٣» عن أبيه، قال: «كان رسول الله، ﷺ ، إذا خرج إلى المقابر هو وأصحابه يأمرهم أن يقولوا: السلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا فرط «٤» ، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» «٥» .
стр. 56
وعن عبد الله بن مسعود قال: «كان رسول الله، ﷺ ، إذا دخل الجبّانة يقول: السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية، والأبدان البالية، والعظام النخرة، التى خرجت من الدنيا وهى بالله مؤمنة، اللهمّ أدخل عليهم روحا منك وسلاما منّى» «١» .
***
стр. 57
فصل فى آداب الزيارة*
ينبغى لمن عزم على الزيارة أن يتأدّب بآدابها، ويحضر قلبه في إعمال الفكر فيمن نزل بها، وكيف حالهم بعد السابغة ١ والنعيم، والحشم، والمراكب الفاخرة، والخدم بالأساندة العبيد ٢، ولا يكون حظّه الطواف ٣ على الأجداث والجدران، بل على آداب ٤ يجمعها عشرون وظيفة.
الوظيفة الأولى: إخلاص النية، فيقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت [بما يتلوه عنده من القرآن، والدعاء له، ولا يتجدّد قصده للحضور عند الميت] ٥ فى محفل من الناس، ليحكى أهل الميت وأقاربه بحضوره، على وجه المباهاة، ليستدعى بذلك حضورهم لزيارة من يموت من أقاربه ليكثر الجمع بهم، وهذا هو الغالب على الناس للحضور فى صحبته ٦.
стр. 58
وثالثة وتمام شهره على ما يتعارفه أهل كل بلد، ويصرح الداعى بأنّ قصدى بحضوركم الجمال وطلب زينة الدنيا، وهذا منهى [عنه] «١» شرعا، إذ الحالة ليست حالة زينة ولا مباهاة.. والفاعل «٢» لذلك شبه الذين قال الله فيهم:
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
«٣» إذ قدم على عمل «٤» من أعمال البرّ فقلبه بنيّته إلى أعمال الدنيا.
وكذلك أيضا من يزور قبور الصالحين ليدعو على أحد حتى يحصل له حظّ نفسه، وشفاء غيظه.. وأيضا أن يحضر الزيارة ونيّته حصول الأجر، إلّا أنّ له رغبة فى رؤية الضجر، أو الفرجة والتلذّذ والفرح، فهذا كمن «٥» توضّأ ونوى رفع الحدث، وأضاف «٦» إليه نيّة التبّرد والتنظّف «٧» ، وكمن حج ومعه تجارة «٨» .. وكمن يصوم لينتفع بالحمية «٩» مع قصد التقرب، أو يعتق عبدا «١٠» ليتخلص من مؤنته وسوء خلقه، ويحج فيصح مزاجه بحركة السفر، أو يتخلص من سوء يعرض له فى بلده، أو يغزو ليباشر الحرب ويعرف أسبابه..
أو يصلى باللّيل وله غرض فى دفع النعاس عن نفسه بالصلاة ليراقب أهله أو ماله، فهذا وأمثاله من المباحات غير مبطل للتقرّبات، نعم لا يكون ثوابه كثواب من تجرّدت نيّته عن أمثال ذلك.
стр. 59
الوظيفة الثانية: أن يعمد إلى الزيارة فى يوم الجمعة، فإنه روى عن محمد ابن واسع أنه كان يزور يوم الجمعة، فقيل له: لو أخرت إلى الاثنين، فقال:
بلغنى أن الموتى يعلمون بزوّارهم يوم الجمعة وما قبله وما بعده.. ويحكى عن الضّحّاك ذلك.
وقد «١» استحبّ أكثر الناس زيارة قبور الصالحين يوم الأربعاء، لأن فيه تخلو الجبانة.. وقد صحّ عن رسول الله، ﷺ : «أن الله خلق النور يوم الأربعاء» ، فزيارة القبور نور، والدعاء نور، فهذا نور على نور يغشى القبور من الزائرين..
وروى جابر بن عبد الله رضى الله عنه، قال: «دعا رسول الله، ﷺ بين الصّلاتين- الظهر والعصر- يوم الأربعاء، فعرفنا السرور فى وجهه..
قال جابر: فما نزل بى أمر قط إلّا ترجّيت تلك الساعة من ذلك اليوم، فدعوت فعرفت الإجابة» .
وروى عن رجل من آل عاصم الجحدرىّ، قال: رأيت عاصما فى منامى بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد متّ؟ قال: بلى. قلت: فأين أنت؟
قال: أنا والله فى روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابى، نجتمع كل ليلة جمعة وصبحتها إلى بكر بن عبد الله المزنى* فنتلاقى أخباركم، قلت:
أجسامكم أم أرواحكم؟ فقال: هيهات، بليت الأجسام، وإنما نتلاقى بالأرواح.. فقلت: هل تعلمون بزيارتنا؟ قال: نعم، عشية الجمعة ويومها، وليلة السبت ٢ إلى طلوع الشمس.. قلت: كيف ذاك دون الأيام؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمه.
стр. 60
ورأى بعض الصالحين رجلا ميتا، فقال: كيف أنتم؟ فقال: نجتمع كل ليلة جمعة عند قبر «عقبة» كما يجتمع الفقراء على باب الغنيّ.
الوظيفة الثالثة: اجتناب المشى بين القبور والجلوس عليها، كما روى أبو هريرة، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله، ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحترق «١» ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» . فثبت ذلك «٢» فى الجلوس على القبر، وقسنا مشيه عليه، لأنه فى معناه، فإن لم يكن له طريق إلى قبر من يزوره إلّا بالدّوس، جاز، لأنّه موضع عبور.
وعن عقبة بن عامر، رضى الله عنه: «لأن أطأ جمرة حتى تبرد، وسيفا حتى تنقطع رجلى، أحبّ إلىّ من أن أمشى على قبر رجل مسلم» «٣» .
وقد تأوّل بعض العلماء: الجلوس على القبر فى الحديث المتقدم بقضاء الحاجة «٤» ، فقال: وممّا ينبغى أيضا خلع النّعلين، فقد تقدم أن النبي، ﷺ ، التفت التفاتة، فرأى رجلا يمشى بين القبور فى نعليه، فقال: يا صاحب السّبتيّتين «٥» ألقهما- أو قال: انزعهما.. قال البغوىّ: كانت نعال أكثر أهل الجاهلية غير مدبوغة، لأهل السّعة، ويحتمل أن يكون رأى فيها قذرا.. وقيل:
إن النعال السّبتية كانت مدبوغة بالقرظ، محلوقة الشّعر، تلبس للزّينة، فكأنه كرهها، لأن ذلك الموضع لا يدخل إليه إلّا على زىّ التواضع ولباس أهل الخشوع.. وقيل: إن أهل القبور يؤذيهم صوت النّعال.. والله أعلم بالصواب «٦» .
стр. 61
الوظيفة الرابعة: توخّى قبور الأنبياء والصحابة والقرابة «١» ، فقد لزم قوم كثير زيارتهم «٢» ، فرأوا من عجائب صنع الله بهم ورحمته ببركة الزيارة «٣» مما لا يسعه كتاب.
الوظيفة الخامسة: أن يأتى من تلقاء وجه الميت «٤» ، فإنك فى زيارته كمخاطبته حيّا، فلو خاطبته حيّا استقبلته بوجهك «٥» ، وكذلك هاهنا.
الوظيفة السادسة: أن تسلّم على الميت كما تسلم على من تزوره من الأحياء، فقد كان ابن عمر، رضى الله عنه، لا يمر بقبر إلّا وقف وسلّم عليه.. وقال نافع: كان ابن عمر، رضى الله عنه، يجيء إلى القبور الشريفة فيقول:
السلام على رسول الله، ﷺ ، السلام على أبى بكر، السلام على أبى، وينصرف، رأيته يفعل ذلك أكثر من مائة مرة.
وقال سليمان بن سحيم «٦» : رأيت النبي ﷺ فى المنام، فقلت:
стр. 62
يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك «١» ويسلمون عليك، أتفقه سلامهم «٢» ؟
قال: نعم، وأرد عليهم.. وقال أبو هريرة، رضى الله عنه: إذا مرّ الرجل بقبر الرجل يعرفه، فسلم عليه، ردّ ﵇ «٣» ، وإذا مر بقبر لم يعرفه فسلم عليه، ردّ ﵇ «٤» . وإن لم يصل إلى القبر يسلم من بعيد.
وقال بعضهم على لسان ميّت:
وادنوا للسلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسلام على بعاد
فإن طال المدى وصفا حبيب ... سوانا، فاذكروا صفو الوداد «٥»
الوظيفة السابعة: اجتناب مس القبر وتقبيله، ومسحه على وجهه للتبرك، فإن ذلك من عادة النصارى، لم ينقل عن أحد من علماء المسلمين.. قال أبو أمامة: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النّبيّ، ﷺ [فوقف، فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلّم على النبي ﷺ ] «٦» ، ثم انصرف.
وكذلك يجتنب إلقاء نفسه على القبر والتّمعّك بترابه «٧» ، فإن ذلك ليس من الأدب.. بلغنا أن رجلا ألقى نفسه على قبر النبي، ﷺ ، فناداه شاب من ناحية المسجد: يا بن أخى، لو كان رسول الله ﷺ حيّا ثم أتيت تزوره، ما كنت صانعا؟ قال: أقف بين يديه وأسلّم عليه.. قال: كذلك فافعل.
стр. 63
الوظيفة الثامنة: القراءة، فلا بأس بقراءة القرآن على القبر، قال المروزى: سمعت أحمد بن حنبل، رضى الله عنه، يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، والمعوّذتين، واهدوها لهم، فإنها تصل إليهم. قال الحافظ عبد الغنى، رحمه الله تعالى: والذي رأيناه فى أمصار الإسلام، شاهدناهم حيث يموتون- أو يموت الميت منهم- يقرءون القرآن عنده قبل دفنه، وعلى قبره إذا دفن، ويجتمعون على ذلك ويحرصون عليه، ومن قدر على ذلك بنفسه فعله، أو استعان بمن يمكنه الاستعانة به على ذلك.. ومنهم من يقرأ القرآن على قبر قريبه، راجين من الله تعالى فى ذلك المثوبة والإحسان لهم ولميتهم، ومن لم يفعل ذلك رأوه مقصّرا، ولا ينكر ذلك منكر، بل يحبونه ويستحبونه، والله أكرم من أن يردّ قصدهم، أو يخيّب ظنهم، أو يمنعهم ما طلبوا.
وقد سمعت الحافظ أبا العز «١» عبد المغيث بن زهير الحربى يقول: لما قتل القاضى الشهيد أبو الحسن محمد بن محمد بن الفراء البغدادى، ﵀، ختم على قبره فى يوم واحد زيادة عن مائة ختمة، وهذا لا يكون إلّا من جمّ.
غفير «٢» ، ولتطابق «٣» مثل هذا القدر الكبير من الناس على مثل هذا وفعلهم له، ولا منكر ولا عائب، يصير كالإجماع.
روى عن عاصم، عن زيد بن عبد الله، قال: إنّ الله تعالى نظر فى قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وبعثه «٤» برسالته، ثم نظر قلوب العباد بعد قلبه [فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد بعد قلبه] «٥» ،
стр. 64
فجعلهم وزراء نبيّه، ﷺ ، يقاتلون عن دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيّىء.
قال أحمد بن عبد الجبار «١» : قال ابن عباس، وأنا أقول: إنهم رأوا أن يولّوا أبا بكر بعد رسول الله، ﷺ .. وعن أبى مسعود البدرىّ «٢» أنه خرج أصحابه معه يشيعونه إلى القادسية «٣» ، فلما ذهبوا يفارقونه قالوا: رحمك الله، قد رأيت خيرا، وشهدت خيرا، حدّثنا حديثا، عسى الله أن ينفعنا به.. قال:
أجل، رأيت خيرا، وشهدت خيرا، وقد رجوت أن أكون أخّرت لهذا الزمان لسوء يراد بى، فاتّقوا الله، وعليكم بالجماعة، فإن الله لم يجعل أمّة محمد ﷺ على ضلالة «٤» ، فاصبروا حتى يستريح برّ، ويشتراح من فاجر.
وقد روى عن سليمان التيمى، عن أبى عثمان، وليس بالنهدى «٥» [عن أبيه] «٦» ، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرءوا سورة يس على موتاكم» . أخرجه الترمذى فى السنن، كذا ورواه أبو القاسم الطبرانى فى سننه.
стр. 65
وروى الإمام أحمد فى مسنده عن معقل بن يسار، أن رسول الله، ﷺ ، قال: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
من تحت العرش، فوصلت بها- أى: سورة البقرة.. ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدّار الآخرة إلّا غفر الله له، فاقرءوها على موتاكم» .
قال الحافظ عبد الغنى: وقد روينا عن أبى المحاسن عبد الرزّاق بن إسماعيل ابن محمد بن عثمان القرمسانى بهمذان، أخبرنا الحافظ أبو شجاع شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمى، قال: سمعت أبا على أحمد بن مسعود «١» العجلى يقول: رأيت أمّى، أمّ الفرج بنت محمد بن عثمان القرمسانى، فى المنام فى قبرها، فقلت لها: أخبرينى ما رأيت.. كنت تقولين أخاف «٢» من أوّل ليلة فى القبر.. كيف كنت تلك الليلة؟ فقالت: رأيت من الخير والراحة ما لم أكن رأيته فى أيام حياتى.. فقلت لها: ما أبعثه إليك من الصّدقة، وما أدعو به،
стр. 66
هل يصل إليك فى القبر «١» ؟ قالت: نعم، الكل يصل إلىّ، لكن لم يكن ذلك مثلما تقرأ «٢» على رأس قبرى يس
، فإنى أجد راحة من ذلك أكثر من الصّدقة والدعاء «٣» .
وحكى عن محمد بن محمد المدنى، قال: مات قريب «٤» لى، فرأيت فى المنام كأنّ وجهه نور يتلألأ، فقلت له: ما هذا النور؟ فقال: جارنا فلان- وسمّاه باسمه- زارنا وقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات، وقسم ثوابها بين أهل القبور «٥» ، فأصابنى من النور ما ترى.
وروى أبو محمد السّمنانى قال: سمعت عبد الرحمن بن جمعة الكوفى يقول: رأيت فيما يرى النائم كأنى أمرّ فى مقبرة من المقابر «٦» ، فرأيتهم فى جلبة وتشويش، فقلت: ما هذا الذي أرى بكم؟ فقالوا: مرّ عبد من عباد الله فقرأ ثلاث مرات سورة الإخلاص، فقال: يا رب، قد جعلت أجرها لمن فى هذه المقبرة، فنحن نقتسم أجرها منذ أربعة أشهر فيما بيننا.
وروى عن الطّلائعى قال: كنت أزور قبر إبراهيم بن شيبان «٧» كل يوم
стр. 67
وأقرأ جزءا من القرآن، وأهب ثواب ذلك الجزء له، فجئت يوما وجلست عند قبره، وتفكرت فى حاله ودرجته عند الله تعالى ساعة، ثم قمت وما قرأت شيئا، فلمّا جنّ علىّ الليل رأيت فى المنام إبراهيم «١» فقال: يا أبا علىّ، كنت تقرأ شيئا وتجعل ثوابه لنا، فلم تركت اليوم؟ فقلت: يا شيخ، ومثلك يحتاج إلى ثواب قراءتنا؟ فقال: يا أبا علىّ، ومن يشبع من رحمة الله تعالى؟!.
قال الحافظ عبد الغنى «٢» ﵀، سمعت أخى أبا إسماعيل بن إبراهيم ابن عبد الواحد بن على المقدّسي يقول: رأيت خالى الشيخ الصالح أبا العباس أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى فى النوم، وكان عدّة من أصحابنا «٣» كل ليلة جمعة يختمون القرآن، ويجعلون ثوابه لأمواتنا وأموات المسلمين، فقلت له: ما نقرؤه يصل إليكم؟ فقال: نعم، ولكنكم تستعجلون فيه، كأنه أشار إلى استحباب الترتيل والتّثبّت فى القراءة.
وروى أيضا بإسناده إلى عائشة، رضى الله عنها، عن أبى بكر الصّدّيق، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زار قبر والديه كل جمعة، أو أحدهما، فقرأ عندهما، أو عند أحدهما، سورة «يس» ، غفر الله له بعدد كل آية أو حرف» .
стр. 68
قال الحافظ ﵀: حدثنى بعض أصحابنا من أهل الفقه والعلم، قال:
ماتت أمّى، وكانت صوّامة قوّامة، وكنت أقرأ كل ليلة ألف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وأقول: اللهم إنّى أسألك قبول ما قرأته، وأن تجعل ثوابه هدية منى لأمّى، أو والدتى «١» . فأقمت على ذلك خمس سنين، وكنت أشتهى أن أراها، فقرأت ليلة خمسمائة مرّة «٢» قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وأهديت ثوابها لها، فرأيتها فى منامى وعليها ثياب جدد، وهى فى أحسن صورة، فقلت لها: سلام عليك يا أمّاه، ماذا لقيت «٣» من الله؟ قالت: كل خير، جزاك الله عنى خيرا يا ولدى، والله يا ولدى «٤» لقد وصلت إلىّ هديتك، بالله يا بنىّ، [لا تسمع من هؤلاء الذين يقولون لا تصل الهدية إلى الأموات، والله لقد وصلت وخفّف عنّى بها شيئا كثيرا، فبالله يا بنىّ] «٥» إن لم يكن الكثير فليكن القليل، ولا تقطع عنى هديتك.
وكان لها ولد عندنا يقال له عبد الرحمن، فقالت: والله لا أتركه عندكم، فأخذته وحملته ومضت.. قال: فاستيقظت على أثر «٦» ذهابها، فما أقام الصبى إلّا ثلاثة أيام ثم مات، ﵀.
قال رسول الله «٧» ، ﷺ : «إذا مات ابن آدم «٨» انقطع عمله إلّا من
стр. 69
ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» . رواه مسلم والنسائى، ورواه أبو داود والترمذى.. وليست قراءة القارئ من بعده والهدية له من عمله، لأن الخبر يدل على انقطاع عمله، لا عمل غيره، ولا يمتنع أن يصل إليه من عمل غيره إذا عمله وجعل ثوابه إليه «١» . وأمّا قوله تعالى:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
فقال «٢» ابن عباس: نسخها قوله تعالى:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ..
«٣» . فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.
وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، ألا ترى إلى قوله فى أول الآية: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
«٤» . فأمّا هذه الآية فلهم ما سعوا وسعى غيرهم، لخبر سعد بن عبادة، رضى الله عنه، أنه سأل النبي، ﷺ : هل لأمّى أجر إن تطوّعت عنها؟ قال: نعم. وفى حديث أنّه حفر بئرا وقال: يا ربّ، هذه لأمّ سعد «٥» . وخبر المرأة التى سألت: إنّ أبى مات ولم يحج.. فقال: حجّى عنه.
وقال الربيع بن أنس، رضى الله عنه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
يعنى: الكافر.. فأما المؤمن فله ما سعى غيره.. قال مضارب بن إبراهيم: دعا عبد الله بن طاهر والى خراسان، الحسن بن الفضل، فقال: أشكلت علىّ
стр. 70
ثلاث آيات «١» : قوله فى وصف ابن آدم: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
«٢» ، وقد صح الخبر بأن الندم توبة.. وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
«٣» ، وصح الخبر بأن القلم قد جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة.. وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
فما بال الإضعاف؟ «٤» .. فقال الحسن بن الفضل:
يجوز أن يكون الندم توبة لهذه الأمة «٥» فإن الله سبحانه خصّها بخصائص لم يشرك فيها غيرهم. وقيل: إنّ ندم قابيل لم يكن على [قتل] «٦» هابيل، وإنما كان على جهله «٧» . وقوله [ ] «٨» : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
يعنى: من طريق العدل.. وأما قوله: [ ] : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
فإنها شئون يعيدها للاشئون يبيدها «٩» ، ومحا سوق المقادير إلى المواقيت.. فقام عبد الله بن طاهر فقبّل رأسه وسوّغه خراجه «١٠» .
وروى مبشّر بن إسماعيل «١١» عن عبد الرحمن بن العلاء «١٢» أنه أوصى
стр. 71
إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يوصى بذلك.. والله أعلم.
الوظيفة التاسعة: الدعاء للمزور، لأنّ الدعاء تحفة الميت من زائريه..
روى عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «ما الميت فى قبره إلا كالغريق المتغوّث «١» ينتظر دعوة تلحقه، أو صدقة تلحقه من ابنه «٢» ، أو أخيه، أو صديق له «٣» ، فإذا لحقته كانت أحبّ إليه من الدنيا وما فيها» .
[فإذا جزت على المقابر فلا تبخل بقراءة آيتين، فإنها صدقة سهلة] «٤» قال العلماء: هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار.
قال بشّار بن غالب النجرانى: رأيت رابعة العدوية فى النوم، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت: يا بشّار بن غالب «٥» ، رأيت هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمّرة «٦» بمناديل الحرير!! قلت: وكيف ذلك؟ قالت:
هكذا دعاء المؤمنين الأحياء، إذا دعوا للموتى يؤتى به إلى الميت على أطباق من نور، مخمّر بمناديل الحرير، فيقال «٧» له: هذه هدية فلان.
стр. 72
قال بشر بن منصور: لمّا كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبانة «١» فيشهد الجنائز فيصلى عليهم، وإذا أمسى «٢» وقف على المقابر فقال:
«آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن سيّئاتكم، وقبل حسناتكم» ، لا يزيد على هذه الكلمات.. قال الرجل: فأمسيت «٣» ذات ليلة فانصرفت إلى أهلى ولم آت المقابر فأدعو بما كنت أدعو به، فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى، فقلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: إنك كنت تدعو فى كل يوم عند انصرافك إلى أهلك بدعوات دعوت لنا بها.. قلت:
فإنى أعود. فما تركتهن بعد «٤» .
وعن عبد الرحمن بن العلاء «٥» عن أبيه، أنه قال لولده: إذا أنا متّ وأدخلتمونى فى اللحد فهيلوا «٦» علّى التراب وقولوا: بسم الله، وعلى ملّة رسول الله، ﷺ ، وسوّوا علّى التراب، واقرءوا عند رأسى بفاتحة الكتاب وفاتحة البقرة، إلى قوله: [تعالى] «٧» : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
«٨» ، وخاتمتها «٩» من قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
«١٠» ، فإنى سمعت ابن عمر، رضى الله عنه، يستحب ذلك.. رواه الطبرانى فى معجمة «١١» .
стр. 73
وقال الشعبى «١» : سنّة كانت فى الأنصار: إذا مات الميت لم يدفن حتى يقرأ عند رأسه سورة البقرة. وبعد هذا، فكل ما يفعله الإنسان من أنواع البرّ والخير يصل إليهم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
«٢» .. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
«٣» .. فلو لم تكن الصلاة والدعاء «٤» يصلان إليهم، وكذلك الاستغفار، لم يخبر الله عنهم بذلك، فكذلك الصدقة وقراءة القرآن والدعاء، ينفعهم ويصل إليهم. وقد صلى النبي ﷺ على جماعة من الصحابة والنجاشى، وهو غائب «٥» ﷺ وهو بالمدينة لمّا صلى عليه.. وكذلك لمّا صلّى على خبيب «٦» بن عدىّ، أحد أصحابه- ﷺ حين صلب بمكة، والنبي ﷺ بالمدينة، والأدلة أكثر من أن تحصى.
стр. 74
وعن إبراهيم بن محمد بن سلامة الموصلىّ قال: سمعت بعض الصالحين من مشايخ الرحبة يقول: إنه رأى فى منامه كأنه اجتاز بمقبرة الرحبة، فرأى أهل المقبرة جلوسا فى أكفانهم وعليهم النور والبهاء، وهم يتشاجرون وقد ارتفعت أصواتهم كأنهم يقتسمون شيئا، فسألتهم عن ذلك، فقالوا: اجتاز بنا [بالأمس] «١» فلان- وسمّاه لى رجل من الصالحين من أهل الرحبة- فعثر فى رجله «٢» ، فانقطع ظفر إصبعه الإبهام، فأغمى عليه، ووجد لذلك ألما شديدا، فقال: اللهمّ إن كان فى هذه العثرة وهذا الألم ثواب «٣» فقد أهديته لأهل هذه المقبرة.. فكلّنا من أمس نقتسم ثواب ذلك وما فنى.. قال: فلما أصبحت أتيت إلى دكّانه فى السوق، فسلمت عليه وسألته أن يرينى رجله، فأبى وقال: رجلى مثل أرجل الناس، ما عليك منها؟! فقلت: لى فيها غرض، فكشف لى عن رجله الصحيحة ... فقلت: أريد أن تكشف لى عن الأخرى، فأبى، فأقسمت عليه حتى كشفها لى، وأصبعه الإبهام مشدودة بخرقة، فقلت:
هذا قصدى.. فسألنى عن ذلك، فحدثته بما رأيت فى منامى.. فأقسم علىّ ألّا أحدّث بذلك فى حياته، وحتى مات- ﵀.
ويشهد لصحة هذه الرؤيا، ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «يثاب المؤمن «٤» حتى بالشوكة تصيبه، وبالعثرة يعثرها» .
وحدّث بعض شيوخ الحرم أنه زار المقبرة التى بأم القرى «٥» وقرأ:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
إحدى عشرة مرة، ثم أهدى إليهم ثوابها، ثم إنه رأى
стр. 75
حفّارين يحفرون قبرا «١» ، فسألهم عن القبر، لمن هو؟ قالوا: لرجل غريب، فقلت فى نفسى: أقف حتى يأتوا «٢» بالجنازة وأصلّى عليها، وأغتنم الأجر والثواب فى ذلك، لما روى عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «من صلّى على جنازة كتب له قيراط «٣» من الأجر، فإن تبعها كتب له قيراطان..» الحديث.
فاستندت إلى قبر من تلك القبور، فنمت، فرأيت أهل المقبرة جلوسا وهم يتشاجرون فيما بينهم، ورأيت صاحب ذلك القبر الذي كنت مستندا إليه شيخا على وجهه نور «٤» وهو يكلمنى ويقول: يا أخى، تتّكىء على القبر وقد قال رسول الله: «لو أنّ أحدكم جلس على جمرة فتحرق ثوبه حتى تصل إلى جلده لكان أهون عليه من أن يطأ قبر مسلم» . فقلت: اجعلنى فى حلّ [قال: أنت فى حلّ] «٥» .. فسألته عن مشاجرة أهل المقبرة، فقال: إنهم يقتسمون ثواب إحدى عشرة «٦» مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
التى «٧» قرأتها..
فقلت: وكم أصاب كل واحد من ثوابها؟ فقال: خير كثير.. فقلت: ما الذي أصابك؟ فقال: أنا آثرتهم بحصتى، لأنهم ليس لهم أحد يهدى إليهم «٨» ،
следующие страницы →