Полный текст (1 089 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر رضى الله عنهما يوصى بذلك.. والله أعلم.
الوظيفة التاسعة: الدعاء للمزور، لأنّ الدعاء تحفة الميت من زائريه..
روى عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «ما الميت فى قبره إلا كالغريق المتغوّث «١» ينتظر دعوة تلحقه، أو صدقة تلحقه من ابنه «٢» ، أو أخيه، أو صديق له «٣» ، فإذا لحقته كانت أحبّ إليه من الدنيا وما فيها» .
[فإذا جزت على المقابر فلا تبخل بقراءة آيتين، فإنها صدقة سهلة] «٤» قال العلماء: هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار.
قال بشّار بن غالب النجرانى: رأيت رابعة العدوية فى النوم، وكنت كثير الدعاء لها، فقالت: يا بشّار بن غالب «٥» ، رأيت هداياك تأتينا على أطباق من نور، مخمّرة «٦» بمناديل الحرير!! قلت: وكيف ذلك؟ قالت:
هكذا دعاء المؤمنين الأحياء، إذا دعوا للموتى يؤتى به إلى الميت على أطباق من نور، مخمّر بمناديل الحرير، فيقال «٧» له: هذه هدية فلان.
стр. 72
قال بشر بن منصور: لمّا كان زمن الطاعون كان رجل يختلف إلى الجبانة «١» فيشهد الجنائز فيصلى عليهم، وإذا أمسى «٢» وقف على المقابر فقال:
«آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن سيّئاتكم، وقبل حسناتكم» ، لا يزيد على هذه الكلمات.. قال الرجل: فأمسيت «٣» ذات ليلة فانصرفت إلى أهلى ولم آت المقابر فأدعو بما كنت أدعو به، فبينما أنا نائم إذا بخلق كثير قد جاءونى، فقلت: من أنتم؟ وما حاجتكم؟ قالوا: إنك كنت تدعو فى كل يوم عند انصرافك إلى أهلك بدعوات دعوت لنا بها.. قلت:
فإنى أعود. فما تركتهن بعد «٤» .
وعن عبد الرحمن بن العلاء «٥» عن أبيه، أنه قال لولده: إذا أنا متّ وأدخلتمونى فى اللحد فهيلوا «٦» علّى التراب وقولوا: بسم الله، وعلى ملّة رسول الله، ﷺ ، وسوّوا علّى التراب، واقرءوا عند رأسى بفاتحة الكتاب وفاتحة البقرة، إلى قوله: [تعالى] «٧» : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
«٨» ، وخاتمتها «٩» من قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
«١٠» ، فإنى سمعت ابن عمر، رضى الله عنه، يستحب ذلك.. رواه الطبرانى فى معجمة «١١» .
стр. 73
وقال الشعبى «١» : سنّة كانت فى الأنصار: إذا مات الميت لم يدفن حتى يقرأ عند رأسه سورة البقرة. وبعد هذا، فكل ما يفعله الإنسان من أنواع البرّ والخير يصل إليهم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ
«٢» .. وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
«٣» .. فلو لم تكن الصلاة والدعاء «٤» يصلان إليهم، وكذلك الاستغفار، لم يخبر الله عنهم بذلك، فكذلك الصدقة وقراءة القرآن والدعاء، ينفعهم ويصل إليهم. وقد صلى النبي ﷺ على جماعة من الصحابة والنجاشى، وهو غائب «٥» ﷺ وهو بالمدينة لمّا صلى عليه.. وكذلك لمّا صلّى على خبيب «٦» بن عدىّ، أحد أصحابه- ﷺ حين صلب بمكة، والنبي ﷺ بالمدينة، والأدلة أكثر من أن تحصى.
стр. 74
وعن إبراهيم بن محمد بن سلامة الموصلىّ قال: سمعت بعض الصالحين من مشايخ الرحبة يقول: إنه رأى فى منامه كأنه اجتاز بمقبرة الرحبة، فرأى أهل المقبرة جلوسا فى أكفانهم وعليهم النور والبهاء، وهم يتشاجرون وقد ارتفعت أصواتهم كأنهم يقتسمون شيئا، فسألتهم عن ذلك، فقالوا: اجتاز بنا [بالأمس] «١» فلان- وسمّاه لى رجل من الصالحين من أهل الرحبة- فعثر فى رجله «٢» ، فانقطع ظفر إصبعه الإبهام، فأغمى عليه، ووجد لذلك ألما شديدا، فقال: اللهمّ إن كان فى هذه العثرة وهذا الألم ثواب «٣» فقد أهديته لأهل هذه المقبرة.. فكلّنا من أمس نقتسم ثواب ذلك وما فنى.. قال: فلما أصبحت أتيت إلى دكّانه فى السوق، فسلمت عليه وسألته أن يرينى رجله، فأبى وقال: رجلى مثل أرجل الناس، ما عليك منها؟! فقلت: لى فيها غرض، فكشف لى عن رجله الصحيحة ... فقلت: أريد أن تكشف لى عن الأخرى، فأبى، فأقسمت عليه حتى كشفها لى، وأصبعه الإبهام مشدودة بخرقة، فقلت:
هذا قصدى.. فسألنى عن ذلك، فحدثته بما رأيت فى منامى.. فأقسم علىّ ألّا أحدّث بذلك فى حياته، وحتى مات- ﵀.
ويشهد لصحة هذه الرؤيا، ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: «يثاب المؤمن «٤» حتى بالشوكة تصيبه، وبالعثرة يعثرها» .
وحدّث بعض شيوخ الحرم أنه زار المقبرة التى بأم القرى «٥» وقرأ:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
إحدى عشرة مرة، ثم أهدى إليهم ثوابها، ثم إنه رأى
стр. 75
حفّارين يحفرون قبرا «١» ، فسألهم عن القبر، لمن هو؟ قالوا: لرجل غريب، فقلت فى نفسى: أقف حتى يأتوا «٢» بالجنازة وأصلّى عليها، وأغتنم الأجر والثواب فى ذلك، لما روى عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «من صلّى على جنازة كتب له قيراط «٣» من الأجر، فإن تبعها كتب له قيراطان..» الحديث.
فاستندت إلى قبر من تلك القبور، فنمت، فرأيت أهل المقبرة جلوسا وهم يتشاجرون فيما بينهم، ورأيت صاحب ذلك القبر الذي كنت مستندا إليه شيخا على وجهه نور «٤» وهو يكلمنى ويقول: يا أخى، تتّكىء على القبر وقد قال رسول الله: «لو أنّ أحدكم جلس على جمرة فتحرق ثوبه حتى تصل إلى جلده لكان أهون عليه من أن يطأ قبر مسلم» . فقلت: اجعلنى فى حلّ [قال: أنت فى حلّ] «٥» .. فسألته عن مشاجرة أهل المقبرة، فقال: إنهم يقتسمون ثواب إحدى عشرة «٦» مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
التى «٧» قرأتها..
فقلت: وكم أصاب كل واحد من ثوابها؟ فقال: خير كثير.. فقلت: ما الذي أصابك؟ فقال: أنا آثرتهم بحصتى، لأنهم ليس لهم أحد يهدى إليهم «٨» ،
стр. 76
وأنا لى ولد صالح خيّاط «١» بباب الندوة يتصدق [عنى] «٢» كل يوم بدانقين، ويهدى إلىّ كل ليلة قبل أن ينام إحدى عشرة «٣» مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
.. فقلت: وما اسمه؟ قال: محمد.. فقلت له: أتأذن لى أن أبشّره؟
قال: إن فعلت ذلك فلك علىّ منّة كبيرة.. سلّم عليه وقل له: يقول لك «٤» أبوك: يا ولدى لم تركتنى الليلة أوّل الليل؟ [ولكن] لما انتبهت «٥» وقرأت وبكيت وأهديت، وصل إلىّ.. فجزاك الله خيرا، ورضى الله عنك برضاى «٦» .
قال: فمضيت إليه، وعرّفته الحال، فقال لى: من أنت؟ إن والدى له- منذ مات- عشرون سنة «٧» ! فحدّثته بما رأيت وقلت: الساعة جئت «٨» من عنده.. فقال: صدقت «٩» ، كذا كان، وفرح بذلك.
وقد حكى «١٠» أنّ قافلة مرّت بمقبرة فى الليل، فأخرج رجل رأسه من المحمل وقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
إحدى عشرة «١١» مرة وأهداها لأهل المقبرة، فنام فرأى رجلا وهو يقول له: جزاك الله خيرا.. كنت فى أشدّ العذاب، فلما أهديت لنا هذه الهدية ابنى منها ثواب بعض حروف، فنجوت.
стр. 77
وقد روى أنّ رجلا كان يخص ابنه بالهدية، فجاء يوما إلى قبره وقرأ:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وقال: اللهم اجعل ثوابها لولدى.. فنام، فرأى فى النوم رجلا من جيران ولده وهو يقول: كأنّك بخلت علينا.. لقد نزل ثوابها فعمّنا لمّا قرأتها «١» .
قال الشافعى- رحمه الله تعالى- فى الأم «٢» : يلحق الميت من فعل غيره الحجّ إذا أدّاه «٣» عنه، والدّين إذا قضاه عنه، والدعاء إذا دعا له.. فأمّا الحج «٤» ، فإن مات وعليه حجّ واجب وله مال، حجّ عنه من صلب ماله، وإن لم يخلف شيئا يجب على الوارث أن يحج عنه، فإن تطوّع أجنبىّ فحجّ عنه أجزاه، وأمّا التطوع فإن لم يكن بوصية لم يجز فعله، وإن أوصى ففيه قولان.. وأمّا الدّين فيجب قضاؤه من صلب ماله، فإن لم يكن له مال فتطوّع وارثه، أو غيره فقضاه، أجزاه.. وأمّا الصّدقة، فإذا تصدّق الوارث أو غيره عن الميت لحقه ثواب الصّدقة.. وواسع من فضله- تعالى- «٥» أن يثيب المتصدق..
وأما الدعاء، فإذا دعا للميت ولده أو غيره، وصل ثوابه.
قال صاعد «٦» : كنت ممّن «٧» حضر جنازة عبد الله بن الفرج، فرأيته
стр. 78
فى النوم كأنه جالس على قبره ومعه صحيفة، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال:
غفر لى ولكل من تبع جنازتى «١» .. فقلت: أنا ممّن تبع جنازتك، فقال:
هذا اسمك فى الصحيفة.
وقد بلغنا أنّ أرواح المؤمنين يأتون كل جمعة إلى سماء الدنيا فيقفون بحذاء قبورهم، وينادى كلّ واحد منهم: يا أهلى، يا جيرانى، اعطفوا علينا بشىء يرحمكم الله، واذكرونا «٢» ولا تنسونا، فنحن قد بقينا فى سجن وثيق، وغم طويل، ووهن شديد، فارحمونا قبل أن تصيروا أمثالنا.. الأموال «٣» التى فى أيديكم أموالنا، والدور دورنا.
فإذا تصدق الإنسان عن ميته جاء ملك من الملائكة بطبق من نور، والهدية على ذلك الطبق، ولها نور ساطع فى سبع سموات، فيقوم على شفير القبر وينادى: عليك «٤» السلام يا صاحب هذا القبر الغريب، إنّ أهلك أهدوا إليك هذه الهدية، فاقبلها.. فيدخلها فى قبره، فينوّر له قبره، ويوسع عليه.
قال عثمان بن سودة، وكانت أمّه من العابدات، يقال لها «راهبة» لكثرة عبادتها: لمّا احتضرت رفعت رأسها إلى السماء وقالت: يا ذخرى وذخيرتى، لا تفضحنى عند الموت، ولا توحشنى فى قبرى.. فكنت آتى قبرها فأقرأ كلّ ليلة جمعة «٥» وأستغفر لها.. فرأيتها ليلة فى منامى، فقلت: يا أمّاه، كيف أنت؟ قالت: يا بنّى أنا بحمد الله فى برزخ محمود، نتوسّد فيه الريحان والسّندس.. فقلت: ألك حاجة؟ قالت: نعم، لا تدع زيارتنا والدّعاء لنا، فإنى آنس بمجيئك يوم الجمعة، إذا أقبلت من أهلك يقال لى: هذا ابنك قد أقبل، فأسرّ، ويسرّ من حولى من الأموات.
стр. 79
وقد «١» نقل عنه، ﵊، أنه قال: «من قال: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ* وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
«٢» وقال: اللهم اجعل ثواب هذه الآية «٣» لأبوىّ، فقد أدّى حقهما» .
وقد نقل عن الشيخ أبى القاسم بن الحباب أنّ الأرواح ترجع إلى الأجساد يوم الجمعة من بعد العصر، ويوم السبت، ويوم الاثنين، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، ويوم السبت إلى طلوع الشمس «٤» .
وقد أحسن من قال:
زر والديك وقف على قبريهما ... فكأنّنى بك قد نقلت إليهما
بشراك لو قدّمت فعلا صالحا ... وقضيت بعض الحقّ من حقّيهما «٥»
وقرأت من آى الكتاب بقدر ما ... قد تستطع وبعثت ذاك إليهما «٦»
لو كنت حيث هما وكانا فى البقا ... زاراك حبوا لا على قدميهما «٧»
ما كان ذنبهما إليك فطالما ... منحاك صفو الودّ من نفسيهما
كانا إذا [ما] أبصرا بك علّة ... جزعا لما تشكو وشقّ عليهما «٨»
كانا إذا سمعا أنينك سيّلا ... دمعيهما أسفا على خدّيهما «٩»
فلتلحقنّهما غدا أو بعده ... حتما كما لحقا هما أبويهما
стр. 80
ولتقدمنّ على فعالك مثلما ... قدما هما [أيضا] على فعليهما «١»
فاحفظ حفظت وصيّتى واعمل بها ... فعسى تنال الفوز من برّيهما
وتكثر من قراءة القرآن.. ومن الدعاء، دعاء الزيارة.. وينبغى إذا عزمت على الزيارة فى بكرة «٢» الجمعة أن تبتدئ بركعتين عند طلوع الشمس، تقرأ فيهما ما تيسر من القرآن «٣» ثم تقول: «اللهم صلّ على محمد وعلى آله، واعزم بى على خير عزمت فيه على أحد من عبادك الذين دعوتهم فأجابوك، وأمرتهم فأطاعوك، وعملوا عملا صالحا ولم يشركوا بعبادتك أحدا.
اللهم من تأهّب فى هذه الساعة فأخذ زينته، وأظهر لبسته «٤» لقصد أحد من عبادك، فإننى خارج إليك، ووافد عليك «٥» ، وطالب ما لديك..
لم أخرج أشرا «٦» ، ولا بطرا، ولا رياء، ولا سمعة، [وإنّما] «٧» خرجت زائرا لمن أحببته فيك «٨» ، وأحسنت الظّنّ به لما علمته من طاعته لك..
اللهم فعرّفنى بركة هذا المخرج، ويسّر لى نجح هذا المقصد، وشفّع فىّ عبادك الصّالحين، واجعلنى محسنا، فإنك مع المحسنين. وصلّى الله على سيدنا محمد، إمام الأتقياء، وشافع الشفعاء، وعلى آله الطاهرين» .
ثم تأخذ فى طريق، وتحرص على ألّا يجفّ لسانك من تلاوة كتاب الله، فإن عاقك عائق عن التلاوة- من رفيق يشغلك، أو من تقصير فى حفظ ما تحفظه
стр. 81
- فأكثر من التسبيح والتحميد والتهليل «١» ، ولو فى أثناء كلام مسايريك «٢» ، وتجعل ذلك عادة للسانك، واعلم أنك إنما تهدم سيئة وتبنى حسنة، فلا تقصّر.
وعليك بالاستغفار والتحميد، فإنّ العبد بين أمرين: بين ذنب يستغفر الله منه «٣» ، وبين نعمة يحمد الله عليها.
وتبدأ فيمن تزور بأهل بيت النبي، ﷺ ، والمشاهد الصحيحة النسب إلى أهل البيت الطاهرين، صلوات الله وسلامه عليهم، وتدعو بحاجتك من أمر الدنيا والآخرة، وتجتهد «٤» فى أن تستفتح قبل هذا الدعاء بسورة من القرآن، صغيرة كانت أو كبيرة «٥» .. ثم تزور من فى الجبّانة من السادة الأخيار، والصّلحاء الأبرار، فإن قبورهم مظنّة الدعاء والإجابة «٦» .. تقعد عند كل قبر وتقرأ سورة، وتدعو بدعوة صالحة: إمّا محفوظة أو ما يفتح «٧» الله به على قلبك.
وكلما دخلت الجبّانة تستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وتسلم عليهم، وتقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وتهديها لأهل الجبّانة، فقد ورد فى ذلك خبر، أنه إذا فعل ذلك عمّهم بالزيارة، وتقول: سلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين «٨» - أو: السلام عليكم دار قوم مؤمنين- وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون..
اللهم [ارحم] «٩» المستقدمين منّا والمستأخرين، عبيدك الفقراء النازلين بك،
стр. 82
الراحلين «١» إليك.. رحلوا من طيب الدنيا ونعيمها إلى ظلمة القبر وما هم لاقوه: وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
«٢» . أطاعوك فى أحبّ الأشياء إليك، وهى شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا عبدك ورسولك «٣» .. اللهم فاغفر لهم ما سوى ذلك من فوارط الغفلة «٤» ، وبوادر الغرّة «٥» ، فإنهم فقراء إلى رحمتك، وأنت غنّى عن عذابهم، فأعطهم ما هم فقراء إليه، وسامحهم ممّا أنت غنّى عنه، واجعلهم فرطا «٦» وسلفا لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، وقدمنا على ما قدموا عليه..
وتختم بزيارة أهلك «٧» ، فإن كان فيهم أحد من والديك فقد علّمك الله ما تقول: رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
«٨» .. وإن كانوا من أهل بيتك فدعوة نوح ﵇: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
«٩» .
وأكثر من قراءة القرآن عند الأهل، وخصّ كلّ قبر بسورة، وتمثّل أحوالهم التى هم عليها فى قبورهم، من تقطيع أكفانهم، وبلاء أبدانهم، وتفرّق أوصالهم، وتغيّر ما كان يعهد من أحوالهم «١٠» ، وتعلم أنك لا محالة حيث صار
стр. 83
القوم صائر إليهم، وأنك إن لم تنزل بالمحل فأنت على الطريق سائر.. وتغتنم ما يودّه كلّ مقصّر منهم فلا يقدر عليه، من زيادة حسنة لا يقدر عليها، ومن نقص سيئة لا يصل إليها «١» . ثم أشدّ تلهّفهم على كلمة تسبيح لا يقدرون أن ينطقوا بها، أو على ركعة لا يقدرون «٢» أن يحصلوا عليها.
فاستكثر ما أمكنك من الخير «٣» ، ومن الصلاة على النبي، ﷺ ، فإنّ مع كل صلاة دعوة مستجابة، وكانوا يستحبّون أن يكون الدعاء بين صلاتين على النبي، ﷺ ، فيستفتح بالصلاة، ثم يسأل الحاجة، ثم يختم بالصلاة..
جاء فى الخبر أنّ الله يسمع الصلاتين فيستحيى- جلّت قدرته- ألّا يجيب الدعوة بينهما.. وأبواب الخير كثيرة، ومن فتح عليه باب خير فقد أريد به خير كثير، ودفع عنه شر غزير.
قال بشّار بن غالب «٤» : مات لى أخّ، فرأيته فى المنام، فقلت له:
كيف حالك حين وضعت فى قبرك؟ فقال: أتانى «٥» آت بشهاب من نار، فلولا أنّ داعيا دعا لى لرأيت أنه سيضربنى به «٦» .
الوظيفة العاشرة: الصلاة على النبي ﷺ بين المقابر.
حكى أنّ امرأة جاءت إلى الحسن البصرى فقالت: إنّ ابنتى ماتت وأحبّ «٧»
стр. 84
أن أراها [فعلّمنى صلاة أصليها لعلّى أراها] ، فعلّمها صلاة، فرأت ابنتها وعليها لباس القطران، والغل فى عنقها «١» ، فارتاعت لذلك، وأخبرت الحسن، فاغتمّ لذلك، فلم تمض مدة حتى رآها الحسن وهى فى الجنة على سرير، وعلى رأسها تاج، فقالت له: يا شيخ، أما تعرفنى؟ قال: لا.. قالت: أنا بنت تلك المرأة التى علّمتها الصلاة ورأتنى فى المنام ... فقال لها «٢» : ما سبب أمرك؟ قالت «٣» : مرّ بمقبرتنا رجل فصلّى على النبي، ﷺ ، وكان فى المقبرة خمسمائة وخمسون إنسانا فى العذاب، فنودى أن قفوا العذاب عنهم ببركة الصلاة على النبي «٤» ﷺ .
الوظيفة الحادية عشرة «٥» : الدعاء لنفسه.
وينبغى للزائر أن يدعو لنفسه عند قبور الأنبياء والصالحين، فقد أمرنا بالدعاء عند رقة القلب، وهاهنا يرقّ القلب غالبا.
ومن أبلغ الأدعية: «اللهم إنّى أسألك بما سألك نبيّنا محمد، ﷺ ، وأعوذ بك ممّا استعاذ «٦» منه نبيّك محمد، ﷺ ، وأسألك العفو والعافية، فعافنى واعف عنى «٧» . اللهم إنك عفوّ تحب العفو فاعف عنى» . فهذه الدعوات مروية عن النبي، ﷺ ، وصحيحة، والأدعية كثيرة.
стр. 85
وكان من أدعية عطاء السّلمى «١» رضى الله عنه: «اللهمّ ارحم غربتى فى الدنيا، ومصرعى عند الموت، ووحدتى فى القبر، ومقامى «٢» بين يديك» .
قال بعضهم:
وإنّى لأدعو الله والأمر ضيّق ... علىّ فما ينفكّ أن يتفرّجا
وربّ فتى سدّت عليه وجوهه ... أصاب لها لمّا دعا الله مخرجا
وإيّاك أن تستبطىء الإجابة، وارجع إلى إصلاح نفسك.
وما أحسن قول القائل:
نحن ندعو الإله فى كل كرب ... ثمّ ننساه عند كشف الكروب
ولا يحملنّك التقصير على ترك الدعاء.
الوظيفة الثانية عشرة: ذكر محاسن الميت «٣» عند قبره.. ففى ذلك نشر لمحاسنه، وترغيب للسامعين فى زيارته، وتشويق للطالبين فى الدخول فى زمرة العالمين.
الوظيفة الثالثة عشرة: الإكثار من زيارة الأقارب، فقد روى أنّ الرجل يموت والداه وهو عاقّ لهما، فيدعو لهما بعدهما، ويزورهما كل جمعة، فيغفر له ويكتب بارّا.
стр. 86
الوظيفة الرابعة عشرة: التّصبّر عند معاينة قبر أقاربه «١» وترك الجزع.. عندما مات «٢» ذرّ، مرّ أبوه على قبره فقال: أما والله يا ذرّ لقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك، ليت شعرى، ما الذي قلت؟ وماذا قيل لك «٣» ؟! ولقد أحسن القائل:
لست أبكيك لنفسى ... إنّما أبكيك لك
ليت شعرى ما الذي ... قلت وماذا قيل لك
وفى الحديث «٤» : «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلّا كانوا له جنّة «٥» من النار.. فقالت امرأة: واثنان؟ ... » «٦» .
وفى حديث آخر عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم» «٧» .
стр. 87
الوظيفة الخامسة عشرة: ترك النّياحة، ولطم الخدود، وشقّ الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية. [قال رسول الله، ﷺ : «النّياحة من عمل الجاهلية» وروى ابن مسعود، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود، وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» ] «١» .
نعم يجوز البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة.. ورد أنّ النبي ﷺ زار قبر أمّه فبكى وأبكى من حوله.. [وروى أنه قيل له: يا رسول الله، أتبكى وقد نهيت عن البكاء؟ فقال: إنما نهيت عن النّوح] «٢» . وروى جعفر بن محمد عن أبيه، عن فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، أنها كانت تزور قبر عمّها حمزة فتبكى عنده.
الوظيفة السادسة عشرة: الجلوس عند قبر من يعرفه من أخ أو صديق، وقراءة القرآن، وإهداء ذلك له، والسلام عليه إذا حضرت وإذا انصرفت «٣» .
فقد روى أنه: من زار قبر أخيه وجلس عنده استأنس به، وردّ عليه، حتى يقوم.
الوظيفة السابعة عشرة: الكفّ عن الشماتة إذا رأى قبور أعدائه، وليمنعه من ذلك أنه لا حقّ بهم وإن طالت الأيام.
روى عن بعض الحكماء أنه قال عند موت الإسكندر: سيلحقك من سرّه موتك أيها الملك، كما لحقت من سرّك موته.
قال الشّاعر «٤» :
إذا ما الموت حلّ بدار قوم ... فأفناهم أناخ بآخرينا
فقل للشّامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
стр. 88
الوظيفة الثامنة عشرة: الإعراض عن الضحك فى المقابر، فإنّ البكاء بهذا الموضع أليق، ووضع الشيء فى غير موضعه نهاية فى النقصان، وكذلك فى الجنائز، كما روى عن بعض الصالحين أنه رأى رجلا يضحك فى جنازة، فحلف ألّا يكلمه ثلاثة أيام.
الوظيفة التاسعة عشرة: لا يصلّى فى المقبرة، لما روى عن ابن عمر، رضى الله عنه، قال: قال رسول الله، ﷺ : «سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة: فى المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمّام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة» «١» . وروى عن أبى سعيد الخدرىّ، رضى الله عنه، أنّ النبي ﷺ قال: «الأرض كلّها مسجد، إلّا المقبرة والحمّام» «٢» . فإن فعل فى المقبرة فله ثلاثة أحوال «٣» :
الحالة الأولى: أن تكون قد تكرر نبشها، فلا تصح صلاته، لاختلاط صديد الموتى بالأرض.
الحالة الثانية: أن تكون جديدة، فقد فعل مكروها، لأنها مدفن للنّجاسة «٤» ، وصلاته صحيحة، لأن الذي باشر الصّلاة طاهر.
الحالة الثالثة: أن يشكّ: هل نبشت أم لا؟ فالأصل فيها طهارة الأرض، ولكن عارضه الشك فى نجاستها.. وللشافعى فى هذه المسألة ونظرائها ممّا يعارض الأصل فيها الظاهر قولان:
стр. 89
أحدهما: بطلان الصّلاة، لأن بقاء الفرض فى ذمّته وهو شاكّ فى إسقاطه، والفرض لا يسقط بالشك «١» .
والثانى: عدم بطلان الصلاة، لأن الأصل فيها طهارة الأرض، فلا يحكم بنجاستها بالشك.. وقال أحمد: لو صلّى فى المقبرة لم تصح.. وقال مالك:
لا تكره الصلاة فيها ... وقد استوفيت الكلام فى كتابى الذي سمّيته «غاية المدرسين بالمشارق والمغارب فى الأربعة مذاهب» «٢» .
ويكره أن يبنى القبر مسجدا، بحيث يكون وجه المصلّى إليه، لما روى أبو مرثد «٣» - بفتح الميم والثاء المثلثة- أنّ النّبيّ ﷺ نهى أن يصلّى إليه..
وقال ﷺ : «لا تتّخذوا قبرى مسجدا «٤» ، فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .. وفى بعضها: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها» . قال الشافعى- رحمه الله تعالى: «وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا، مخافة الفتنة عليه، وعلى من يعوده من الناس» .
واختلف أصحاب الشافعى فى وقت جواز الصلاة على القبر على أربعة أوجه:
أحدها: يصلّى عليه إلى شهر، لما روى أنّ النّبيّ، ﷺ ، صلّى على أمّ سعد ابن عبادة بعد ما دفنت بشهر.
стр. 90
والثانى: يصلّى عليه ما لم يبل، لأنه إذا بلى لم يصلّ عليه.
والثالث: يصلّى على «١» من كان من أهل الفرض عند موته، لأنه كان من أهل الخطاب بالصلاة.
والرابع: يصلّى عليه أبدا، لأن القصد من الصلاة على الميت الدعاء، والدعاء جائز فى كل الأوقات.
الوظيفة العشرون: أن يسطّح القبر ويوضع عليه الحصباء «٢» ، لأن النبي ﷺ سطّح قبر إبراهيم ووضع عليه من حصباء العرصة «٣» .
وقال أبو على الطبرى: الأولى فى زماننا أن يسنّم «٤» ، لأنّ التسطيح صار من شعار الرافضة، وهذا لا يصح، لأن السّنّة فيه قد صحّت، فلا تصير بموافقة الرافضة فيه بدعة «٥» .
وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: السّنّة التسنيم، فإن قيل: قد روى عن النخعى أنه قال: أخبرنى من رأى قبر النبي ﷺ وصاحبيه مسنّمة، قلنا:
هو مرسل «٦» . وقد سطّح النبي، ﷺ ، قبر إبراهيم، ورشّ عليه الماء، لما روى جابر، أن النبي ﷺ رشّ على قبر إبراهيم- ﵇ الماء، ولأنه إن لم يرش عليه الماء زال أثره فلا يعرف.
ويستحبّ أن يجعل عند رأسه علامة، من حجر أو غيره، لأنّ النبي،
стр. 91
صلى الله عليه وسلم، دفن عثمان بن مظعون، رضى الله عنه، ووضع عند رأسه حجرا، وقال: أعلّم بهذا قبر أخى، وأدفن عنده من مات من أهلى «١» .
ويكره أن يجصّص القبر «٢» ويكتب عليه، سواء كان «٣» فى المقبرة المسبّلة «٤» أو الملك، لما روى جابر، أنّ النبي ﷺ نهى أن يجصّص القبر، وأن يعقد عليه «٥» ، وأن يكتب عليه، لأن ذلك من الزينة، وليس الحال حال زينة. وأمّا ما يبنى «٦» على رأس القبر من بيت أو قبة، فإن كان فى المقبرة المسبّلة لم يجز للخبر. قال الشافعى، رضى الله عنه: وقد رأيت من الولاة بمكة من يهدم ما يبنى بها.. قال: ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك.
ولأن فيه تحجيرا «٧» على الناس وتضييقا.. وإن بنى فى ملك جاز، كما يجوز أن يبنى لغير ذلك. ورأى ابن عمر على قبر عبد الرحمن فسطاطا «٨» ، فقال:
انزعه يا غلام، فإنما يظلّه عمله.
وقد رخّص قوم فى تطيين القبر «٩» ، منهم الحسن البصرى.. وقال الشافعى: لا بأس أن يطيّن القبر، حكى ذلك البغوى فى شرح السّنّة «١٠» .
стр. 92
ويحكى أنّ سفح المقطم سبّله عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ولم يوجد لفظ التّسبيل فى كتاب يوثق به، وإن وجد لفظ فليس هو اللفظ الذي يشترطه الفقهاء.. والله أعلم.
*** وقد كان الأوائل يكتبون على التّرب «١» ما فيه موعظة للميت ومنفعة للأريب «٢» .
وقد وجد مكتوبا «٣» على قبر:
يا أيها الناس كان لى أمل ... قصّر بى عن بلوغه الأجل
فليتّق الله ربّه رجل ... أمكنه فى حياته العمل «٤»
ها أنا مثل نقلت حيث ترى ... كلّ إلى مثله سينتقل «٥»
ووجد على قبر مكتوبا:
نزلت بجار لا يخيّب ضيفه ... أرجّى نجاتى من عذاب جهنم
وإنّى على خوف من الله واثق ... بإنعامه والله أكرم منعم
ووجد على قبر «٦» :
قالت لى النفس أتاك الرّدى ... وأنت فى بحر الخطايا مقيم
فأين حسن الزّاد؟ قلت اقصرى ... فهل يعدّ الزّاد ضيف الكريم؟
стр. 93
ووجد على قبر «١» :
يمرّ أقاربى بجناب قبرى ... كأنّ أقاربى لم يعرفونى «٢»
ذوو الميراث يقتسمون مالى ... وما يألون ألّا يذكرونى «٣»
وقد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فى الله أسرع ما نسونى «٤»
ووجد أيضا على قبر مكتوبا «٥» :
هذى منازل أقوام عهدتهم ... فى ظلّ عيش عجيب ماله خطر
صاحت بهم حادثات الدهر فارتحلوا ... إلى القبور، فلا عين ولا أثر «٦»
ووجد أيضا على قبر بعض الكرام «٧» :
الناس للموت كخيل الطّراد ... فالسّابق السّابق منها الجياد «٨»
стр. 94
والله لا يدعو إلى داره ... إلّا من استصلح من ذى العباد
العمر كالظّلّ لا بدّ أن ... يزول ذاك الظّلّ بعد امتداد
والموت نقّاد على كفّه ... جواهر يختار منها الجياد
أرغمت يا موت أنوف الرّدى ... كأنّما فى كلّ قلب رماد
طرقت يا موت كريما فلم ... يقنع بغير النّفس للضّيف زاد
قصفته من سدرة المنتهى ... غصنا، فشلّت يد أهل العناد
ووجد على قبر:
ذهب الذين تكمّلوا آجالهم ... ومضوا، وحان لآخرين ورود
يمضى الصغير إذا انقضت أيّامه ... إثر الكبير، ويولد المولود
والناس فى قسم المنيّة بينهم ... كالزّرع، منه قائم وحصيد
[ووجد على قبر] غيره:
لا بدّ من فقد ومن فاقد ... هيهات ما فى الناس من خالد «١»
كن المعزّى لا المعزّى به ... إن كان لابد من الواحد
وقال ابن المعتز «٢» :
ألم تر أنّ الدّهر يوم وليلة ... يكرّان من سبت عليك إلى سبت
فقل لجديد العيش لا بدّ من بلى ... وقل لاجتماع الشّمل لا بدّ من شتّ «٣»
стр. 95
ووجد على قبر مكتوبا «١» :
حملوه على الرّقاب ابتدارا ... ثم واروه فى التراب دفينا
أىّ نجم هوى أصاب به الدّه ... ر قلوبا منكوبة وعيونا «٢»
كم رأيناه معطيا ومنيلا ... ثمّ أضحى من بعد ذاك رهينا
وعلى آخر مكتوب:
تناجيك أجداث وهنّ سكوت ... وسكّانها تحت التراب خفوت «٣»
أيا جامع الدّنيا لغير بلاغة ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
وعلى آخر مكتوب «٤» :
قد أناخت بك روحى ... فاجعل العفو قراها «٥»
هى ترجوك وتخشا ... ك فلا تقطع رجاها
ورأيت على ضريح سعد بن عبادة «٦» - بدمشق المنيحة- رضى الله تعالى عنه، مكتوبا:
ولمّا أتينا قبر سعد نزوره ... عرفناه لمّا فاح طيب ترابه
سقى الله من ماء الجنان ترابه ... ونجّى به من زاره من عذابه «٧»
стр. 96
ووجد على قبر فقيه «١» :
أيا حجّة الإسلام مذ غبت بغتة ... غدت للأعادى حجّة ومناقب «٢»
ألم تر أنّ الشمس إن غاب ضوؤها ... تلألأ فى جوّ السماء الكواكب «٣»
ووجد على قبر آخر «٤» :
وعمرى كل يوم فى انتقاص ... وذاك النّقص لقّب بازدياد
ولى حظّ وللأيام حظّ ... وبينهما مباينة المداد «٥»
فأكتبه سوادا فى بياض ... وتكتبه بياضا فى سواد «٦»
ووجد على قبر بخط النسخ «٧» :
وقفت على الأحبّة حين صفّت ... قبورهم كأفراس الرّهان
فلمّا أن بكيت وفاض دمعى ... رأت عيناى بينهم مكانى
ووجد على قبر آخر «٨» :
يا هاجرى إذ جئتنى زائرا ... ما كان من عاداتك الهجر «٩»
يا صاحب القبر الجديد ومن ... قد حال دون لقائه القبر
دعنى أعلّل فيك جارحة ... ثكلى وقلبا مسّه الضّرّ
جزنا عليك فإن تطاول بى ... من الفراق فحالتى نكر «١٠»
стр. 97
وكتب على قبر أحمد بن طولون «١» :
عبرت على قبر ابن طولون مرّة ... فأنكرت فيما كان من عظم قدره
ولم أر ممّا كان يملك كلّه ... تبقّى له شيئا سوى لوح قبره
وما ينفع الإنسان ممّا يحوزه ... إذا فارق الدّنيا سوى طيب ذكره
ووجد على قبر مكتوبا:
وما الدّهر والأيّام إلّا كما ترى ... رزيّة مال أو فراق حبيب
وإنّ امرءا قد جرّب الدّهر لم يخف ... تقلّب عصريه لغير لبيب
وعلى آخر مكتوب:
أيا موت ما هذا التّفرّق عنوة ... رويدك لا تسرع لكل خليل «٢»
أراك بصيرا بالذين أحبّهم ... أظنّك تمضى نحوهم بدليل
وعلى آخر مكتوب:
قبر عزيز علينا ... لو أنّ ما فيه يهدى
أسكنت قرّة عينى ... ومنية النّفس لحدا
ما جار خلق علينا ... ولا القضاء تعدّى
والموت أحسن ثوب ... به الفتى يتردّى «٣»
وعلى آخر مكتوب:
وقلت: أخى، قالوا: أخ من قرابة؟ ... فقلت: نعم، إنّ الشّكول أقارب «٤»
نسيبى فى عزّى ورأيى ومنصبى ... وإن باعدتنا فى الدّيار المناسب «٥»
стр. 98
عجيب لصبرى بعده وهو ميّت ... وقد كنت أبكيه دما وهو غائب
على أنّما الأيّام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وعلى قبر مكتوب:
أمّا القبور فإنّهنّ أوانس ... بجوار قبرك والدّيار قبور
عمّت مصيبته فعمّ هلاكها ... فالناس فيه كلهم مأجور «١»
ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنها من نشرها منشور «٢»
وتمثّل سيدنا علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، وقد دفن فاطمة، رضى الله عنّا بها، وصلّى وسلّم على أبيها سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وعترته أجمعين:
أقول وقد فاضت دموعى غزيرة ... أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب
أخلّائى لو غير الممات أصابكم ... جزعت، ولكن ما على الدهر معتب
وقال أيضا، رضى الله عنه:
ذكرت وما أدرى فبتّ كأننى ... بردّ الأمور الماضيات وكيل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي قبل الفراق قليل
وإنّ افتقادى واحدا بعد واحد ... دليل على ألّا يدوم خليل
أرى علل الدّنيا علىّ كثيرة ... وصاحبها بعد الممات عليل
وأنشد عبد العزيز الدّيرينى «٣» على قبر ابنته حين دفنها:
أحبّ بنيّتى ووددت أنّى ... دفنت بنيّتى فى قعر لحدى
وما بى أن تهون علىّ لكن ... مخافة أن تذوق البؤس بعدى
стр. 99
وأنشد آخر:
الموت أخفى سترة للبنات ... ودفنهم يروى من المكرمات
أما ترى الله- تعالى اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات؟
و [قيل] فى المعنى أيضا «١» :
لكلّ أبى بنت على كلّ حالة ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر
فزوج يراعيها، وجدر تصونها ... وقبر يواريها، وخيرهم القبر
وقيل فى هذا المعنى أيضا «٢» :
ولم أر نعمة سترت كريما ... كنعمة عورة سترت بقبر
وقال إبراهيم الخوّاص «٣» فى الصبر على المكروه:
صبرت على بعض الأذى خوف كلّه ... فدافعت عن نفسى لنفسى فعزّت
وجرّعتها المكروه حتّى تأدّبت ... ولو لم أجرّعها أذى لاشمأزّت
ألا ربّ ذلّ ساق للنفس عزّة ... ويا ربّ نفس بالتّعزّز ذلّت
стр. 100
إذا ما مددت الكفّ التمس الغنى ... إلى غير من قال اسألونى فشلّت
سأصبر جهدى، إنّ فى الصبر عزّة ... وأرضى بدنياى وإن هى قلّت
وقال آخر أيضا:
سأصبر كى ترضى وأتلف حسرة ... وحسبى أن ترضى فيفرحنى صبرى
صبرت ولم أطلع هواك على الصبر ... فأخفيت ما بى منك عن موضع السّرّ
مخافة أن يشكو ضميرى صبابتى ... إلى أدمعى سرّا فتجرى وما أدرى
وقال سمنون المحب، رضى الله عنه «١» :
تدرّعت صبرى والتحفت صروفه ... وقلت لنفسى: الصبر أوفى ولو أسا «٢»
خطوب لو انّ السّمر زاحم خطّها ... لمات ولم يدرك لها الكفّ ملمسا «٣»
وقال آخر، عفا الله عنه:
ما أحسن الصّبر فى الدنيا وأجمله ... عند الإله وأنجاه من الجزع
من شدّ بالصّبر كفّا عند مؤلمة ... ألوت يداه بحبل غير منقطع «٤»
стр. 101
وقال آخر:
إذا لم تسامح فى الأمور تعسّرت ... عليك، فسامح وامزج الصّبر بالسّرّ
فلم أر أوفى للبلاء من الشّفا ... ولم أر للمكروه أشفى من الصّبر
وقال آخر:
ينال الرّضا عبد يقابل نعمة ... بشكر، ويلقى الصّبر فى العسر ناصره
ومن رضى الرّحمن عنه فإنّه ... سعيد بفضل الله دنيا وآخره
وقال آخر- وهو عبد الله بن المعتز:
هو الدّهر قد جرّبته وعرفته ... فصبرا على مكروهه وتجلّدا
وما الناس إلّا سابق ثم لاحق ... نعم وابن ميت سوف يلحقه غدا
وقال آخر:
لا بدّ للانسان من ... فرج بأفراح وغم
ومن التّقلّب للفتى ... فى راحة وفى سأم
فإذا فرحت براحة ... فاشكر لوهّاب النّعم
وافزع إلى الصّبر الجمي ... ل إذا ألمّ بك الألم
وقال آخر:
ثق بالذى يحكم بين الورى ... واصبر، ففى الصبر حديث غريب
لعلّ يأتيك على بغتة ... نصر من الله وفتح قريب
وقال آخر:
تلقّ الأمور بصبر جميل ... وصدر رحيب وخلّ الحرج
وسلّم لربّك فى حكمه ... فإمّا الممات وإمّا الفرج
وقال آخر:
الصبر مفتاح كلّ خير ... وكلّ صعب به يهون
فاصبر وإن طالت اللّيالى ... فربّما أسعد الحزين
وربّما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون
стр. 102
وقال آخر: «١» :
غرّ جهولا أمله ... يموت من جا أجله «٢»
ومن دنا من حتفه ... لم تغن عنه حيله
وكيف يبقى آخر ... قد مات عنه أوّله «٣»
وقال آخر:
تفكّر فى مشيبك والمآب ... ودفنك بعد عزّك فى التّراب
وفى قبر إذا ألقيت فيه ... تقيم به إلى يوم الحساب
وفى أوصال جسمك كيف تبقى ... مقطّعة ممزّقة الإهاب
وأنّ الدّود يرعى منك جسما ... أرمّ بغير شكّ وارتياب «٤»
فما لك بالتّعلّى والتّعدّى ... ومالك بالتّغافل والغياب
وطلّق هذه الدنيا ثلاثا ... وبادر قبل موتك بالمتاب
فإنّك راحل عنها قريبا ... وظنّى أنّ رجلك فى الرّكاب «٥»
وعظتك فاستمع وعظى ونصحى ... ومثلك من يدلّ إلى الصّواب
إذا لاح المشيب على شباب ... فقد قرب الرّحيل إلى التراب
خلقت من التراب بغير ذنب ... وترجع بالذنوب إلى التراب
وقال آخر:
سأسكت صبرا واحتسابا فإنّ لى ... إلى الصبر سيفا ليس فيه فلول «٦»
стр. 103
وإنّ امرءا يشكو إلى غير نافع ... ويسخو بما فى قلبه لجهول
وقال آخر:
الدّهر لا ينفكّ عن حدثانه ... والمرء منقاد لحكم زمانه «١»
فدع الزّمان فإنّه لم يعتمد ... لجلاله أحد ولا لهوانه
لكن لباريه بواطن رحمة ... فى ظاهر الأضداد من ألوانه «٢»
وقال آخر:
إذا نزلت بساحتك الرّزايا ... فلا تجزع لها جزع الصّبىّ
فإنّ لكلّ نازلة عزاء ... بما قد كان من فقد النّبىّ
وقال آخر:
بنىّ إن عدمتك فى حياتى ... فلم أعدمك ذخرا فى المعاد
وكنت حشاشتى وجلاء همّى ... وإلفى والمفرّج عن فؤادى «٣»
ولذّة عيشتى وأنيس نفسى ... وقد أبليت بعدك بانفرادى
وقد أيقنت أنّى غير سال ... ولو ردّ اليفاع إلى التّناد «٤»
أعيش بعلّة وغليل صدر ... وقلبى يا بنىّ عليك غادى
إذا شبّان اجتمعوا للهو ... كويت بجمرة ذات اتّقاد
стр. 104
وقال آخر:
وإنّى لصبّار على ما ينوبنى ... وحسبك أنّ الله أثنى على الصّبر
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
وقال آخر:
اصبر لدهر نال من ... ك فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن مرّة ... لا الحزن دام ولا السّرور
وقال آخر:
كن عن همومك معرضا ... وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى
فلربّ أمر مسخط ... لك فى عواقبه الرّضا
ولربّما اتّسع المضي ... ق وربّما ضاق الفضا
الله يفعل ما يشا ... ء فلا تكن متعرّضا «١»
وقال آخر:
قدم العهد وأبلانى الزّمن ... إنّ فى اللّحد لمثلى والكفن
وكما تبلى وجوه فى الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن
وقال آخر:
كلّما أبلى الثّرى أوجههم ... بلى الحزن عليهم فانقشع
وقال آخر:
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
نزيل البلى فى كلّ يوم وليلة ... وتبلى كما تبلى وأنت حبيب
стр. 105
ووجد على قبر- مكتوبا- قد دفنت فيه أنثى:
ألا يا موت كنت بنا حفيّا ... فجدّدت السّرور لنا بزوره
حمدت لسعيك المشكور لمّا ... كفيت مئونة وسترت عوره
فأنكحنا الصّريح بلا صداق ... وجهّزنا العروس بغير شوره «١»
وقال آخر:
ألم تر أنّ الموت أدرك من مضى ... فلم ينج منه ذو جناح ولا ظفر
فلا ملكا أبقى ولم يبق سوقة ... ولا ذا غنى أبقى ولا ظاهر الفقر
أباد على الدّهر القرون التى خلت ... وجرّعهم كأسا أمرّ من الصّبر
وأخرجهم منها كأن لم يكن بها ... لهم ما اشتهوا فيها من المال والوقر «٢»
وسلّهم ممّا حووه جميعه ... كما من عجين سلّ واحدة الشّعر
فلم يغن عنهم ما اقتنوا من متاعها ... غداة أتاهم منه قاصمة الظّهر
كأن لم يكونوا زينة الدّهر مرّة ... ولا أهلكوا الأعداء بالذّلّ والقهر
ولا فاخروا فيها زمانا لأهلها ... ولا وضعوا فخر المفاخر بالفخر
ولا أكلوا ممّا اشتهوه تنعّما ... ولا قطعوا الأوقات بالشّرب والخمر
وقال آخر:
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
أو ما ترى أنّ المصائب رحمة ... وترى المنيّة للعباد بمرصد
من لا يصب ممّن ترى بمصيبة ... هذا طريق لست فيه بأوحد
وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... واذكر مصابك بالنبىّ محمّد
[وبينما كان] سيدنا حسان بن ثابت، رضى الله عنه، [جالس] «٣» وفى حجره صبّى له يطعمه الزبد والعسل إذ شرق الصبّى بهما فمات، فقال:
стр. 106
اعمل وأنت صحيح مطلق فرح ... ما دمت ويحك يا مغرور فى مهل
يرجو الحياة صحيح ربّما كمنت ... له المنيّة بين الزّبد والعسل «١»
стр. 107
فصل
ورد فى الحديث المرفوع: «كسر عظم الميت بعد مماته ككسره فى حياته» «١» .. وقال زيد بن أسلم «٢» : كان يمضى فى الزمن الأول أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة.. وعن ميمون بن مهران «٣» قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطائف، فلما وضع ليصلّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل فيها، والتمس فلم يوجد، فلما سوّى عليه التراب سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي
«٤» .
وقال محمد بن مهران بن مخلد:
كأنّى بإخوانى على حافتى قبرى ... يهيلونها فوقى وأدمعهم تجرى
стр. 108
فيا أيّها المذرى علىّ دموعه ... ستعرض فى يومين عنّى وعن ذكرى
عفا الله عنّى يوم أترك ثاويا ... مزارا فلا أدرى، وأجفى فلا أدرى «١»
ووجدت فى مقبرة: قال الضّحّاك بن سليمان:
ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافيه
وكلّ من عوفى فى جسمه ... فإنّه فى عيشة راضية
والمال حلو حسنه جيد ... على الفتى لكنّه عاريه
وأسعد العالم بالمال من ... أدّاه للآخرة الباقية
ما أحسن الدّنيا ولكنّها ... مع حسنها غدّارة فانيه
وتوفى رجل من بلدة، فكتب على قبره:
يا واقفين ألم تكونوا تعلموا ... أنّ الحمام بكم علينا قادم «٢»
لا تستعزّوا بالحياة فإنّكم ... تبنون والموت المفرّق هادم
لو تنزلون بشعبنا لعرفتم ... أنّ المفرّط فى التّزوّد نادم «٣»
ساوى الرّدى ما بيننا فأحلّنا ... حيث المخدّم واحد والخادم «٤»
وقال الحسن بن الحسن البصرى: حقّ لمن علم أنّ الموت مورده، ويوم القيامة مشهده، وبين يدى الله- موقفه، أن يطول فى الدنيا حزنه.
وقال شرف الدين بن أسد، ﵀ ورضى عنه:
يا من تملّك ملكا لا بقاء له ... حمّلت نفسك آثاما وأوزارا
وما الحياة مدى الدّنيا وإن عذبت ... إلّا كطيف خيال فى الكرى زارا «٥»
стр. 109
وقال آخر- يعنى شرف الدين:
عن قليل أصير مثوى ترابى ... ويقول الرّفاق هذا فلان
صار تحت التّراب عظما رميما ... وجفاه الأحباب والخلّان
وقال أيضا:
وغاية هذى الدّار لذّة ساعة ... ويعقبها الأحزان والهمّ والنّدم
وهاتيك دار العزّ والأمن والتّقى ... ورحمة ربّ الناس والجود والكرم
ووجدت على قبر ما صورته: ابن آدم، أين الماضون من الأوّلين والآخرين؟! أين نوح شيخ المرسلين؟! .. أين إدريس رفيع ربّ العالمين؟! .. أين عيسى روح الله وكلمته، رأس الزاهدين، وإمام السائحين؟! .. أين محمد خاتم النبيين؟! .. أين أصحابه الأبرار؟! .. أين الأولياء الأخيار؟! ..
أين الأمم الماضية؟! .. أين الملوك السالفة؟! .. أين القرون الخالية؟! .. أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟! .. أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟! .. أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب؟! .. أين الذين تمتعوا باللّذّات والمشارب؟! .. أين الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيّا؟! .. أين الذين راحوا فى الحلل بكرة وعشيّا؟! .. أين الذين اعتزّوا بالأجناد والسّلطان؟! .. أين أصحاب السطوة والأعوان؟! .. أين أصحاب الإمرة والولايات؟! .. أين الذين خفقت على رءوسهم الألوية والرّايات؟! .. أين الذين قادوا الجيوش والعساكر؟! .. أين الذين عمروا القصور والدّساكر «١» ؟! .. أين الذين أعطوا النصر فى مواطن الحروب والمواقف؟! .. أين الذين أمّنوا بسطوتهم كلّ خائف؟! .. أين الذين ملئوا ما بين الخافقين «٢» فخرا وعزّا؟! .. أين الذين تضعضعت بهم
стр. 110
الأرض هيبة وهزّا؟! .. هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا «١» ؟! .. أفناهم- والله- مفنى الأمم، وأبادهم مبيد الرّمم، وأخرجهم من سعة القصور، وأسكنهم فى ضيق القبور، تحت الجنادل والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، لم ينفعهم ما جمعوا، ولا أغنى عنهم ما اكتسبوا.. أسلمهم الأحبّة والأولياء، وجهزّهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم القرباء والبعداء، فأنسوا وأبعدوا، ولو نطقوا لأنشدوا «٢» :
مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلى راحلون بكل واد «٣»
كأنّى لم أكن لهم حبيبا ... ولا كانوا الأحبّة فى السّواد «٤»
فعوجوا بالسّلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسّلام على بعاد «٥»
وإن طال المدى وصفا خليل ... سوانا فاذكروا صفو الوداد «٦»
وقيل: لا فخر فيما يزول، ولا غنى فيما لا يبقى، وهل أهل الدنيا إلّا كما قال الأول: قدر يغلى، وكنيف «٧» يمتلى؟
следующие страницы →