Полный текст (1 089 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
الموضوع الصفحة قبر الشيخ محمود بن سالم بن مالك الطويل ٦٠٣
قبر الفقيه المحدّث أبى الحسن بن مرزوق الرّدينىّ ٦٠٥
قبر القاضى يونس الورع ٦٠٦
صحة قبر معاذ بن جبل ٦٠٦
قبر الفقيه العالم أبى السّمراء الضّرير ٦٠٨
قبر المرأة الصالحة خيزرانة المكاشفة ٦٠٨
قبر الفقيه الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن محمد ٦٠٩
قبر الشيخ أبى البقاء صالح بن الحسين ٦١٤
صحة قبر الصحابى سارية ٦١٨
قبر القارئ أبى حفص العمروشىّ ٦١٩
تربة القاضى الفاضل ٦٢٠
قبر القاضى الأشرف بن القاضى الفاضل ٦٢٨
قبر الإمام الشاطبى- القاسم بن فيّره الرّعينى ٦٣٠
قبر الفقيه أبى المعالى مجلّى ٦٣٢
تربة الشيخ أبى عبد الرحمن رسلان ٦٣٤
قبر الفقيه أبى القاسم عبد الرحمن بن رسلان ٦٣٦
قبر الفقيه أبى عبد الله محمد بن رسلان ٦٣٧
قبر الإمام أبى محمد بن أبى الفتح الكتامى الشارعى ٦٣٧
قبر أبى المنيع رافع بن دغش الأنصارى ٦٣٨
قبر الشيخ أبى غلبون رجاء ٦٤٠
قبر الشيخ أبى الغنائم كليب بن شريف ٦٤١
قبر الشيخ عبد الله بن برّى ٦٤٢
قبر خلف الصّرفندى ٦٤٦
قبر الشيخ عبد الرحمن المصينى ٦٤٦
قبر الشيخ أبى الفتح بن بابشاذ ٦٤٨
стр. 807
الموضوع الصفحة قبر الأمير أحمد بن طولون ٦٤٩
قبر الشيخ عفّان بن سليمان الخياط ٦٥٦
مشهد محمد بن أبى بكر الصديق ٦٦١
فهارس الكتاب ٦٦٥
فهرس الآيات القرآنية ٦٦٧
فهرس الأحاديث النبوية ٦٧٤
فهرس القوافى ٦٨٣
فهرس الأعلام ٦٩٥
فهرس الأماكن والبلاد والبقاع ٧٣٥
فهرس الجماعات والقبائل والأمم والطوائف ٧٥٥
مراجع التحقيق والتعليق ٧٦٣
فهرس المحتويات ٧٧١
стр. 808
[الجزء الثانى]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
«تقديم»
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
فإننى بعد أن انتهيت- بعون الله وتوفيقه- من تحقيق «مرشد الزوار» وفقنى الله- إلى أن أضيف إليه هذا الذليل الذي يتناول بعض الأضرحة والمزارات التى بالقرافة الكبرى والصغرى، والتى لا تزال قائمة إلى الآن، ويقبل الناس على زيارتها، برغم أن بعضها قد قارب على الاندثار، أو بحالة يرثى لها، كضريح العز بن عبد السلام، وضريح أبى السعود بن أبى العشائر بسفح المقطم، وغيرهما، ونظرا لأن أصحابها من متأخرى الوفاة الذين لم يدركهم الموفق بن عثمان صاحب كتاب «مرشد الزوار» ، فإن الله هدانى إلى أن أضيف هذه الأضرحة إلى الكتاب المذكور كذيل له، وأن أترجم لأصحابها من الأولياء والزهاد والعلماء والصالحين ترجمة وافية- قدر الاستطاعة- وأذكر منزلتهم ومآثرهم وكراماتهم وبعض أقوالهم ومأثور كلامهم، حتى يقف القارئ على مكانتهم العلمية، وما وصلوا إليه من فتوح ربّانية. فشرح الله صدرى لهذا العمل، فبدأت فيه وانتهيت منه بالصورة التى بين يديك، وكان هذا توفيقا من الله ، فله الحمد على ذلك أولا وأخيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
«طالب عفو ربه الكريم»
محمد فتحى أبو بكر
стр. 809
[بعض الأضرحة والمزارات التى بالقرافة الكبرى والصغرى التى لا تزال قائمة إلى الآن]
ضريح شيخ الإسلام وقاضى القضاة العزّ بن عبد السلام*
سلطان العلماء- مولده وشيوخه:
هو عز الدين بن عبد السلام بن عبد العزيز بن أبى القاسم، شيخ الإسلام، وسلطان العلماء، ولد سنة ٥٧٧ هـ، أو سنة ٥٧٨ هـ، وتفقه على الفخر ابن عساكر، وأخذ الأصول عن السيف الآمدىّ، وسمع الحديث عن عمر بن محمد بن طبرزد، وغيرهم، وبرع فى الفقه والأصول العربية. يقول الذهبى فى العبر: «انتهت إليه معرفة المذهب مع الزهد والورع، وبلغ رتبة الاجتهاد» .
قدومه إلى مصر:
قدم مصر فأقام بها أكثر من عشرين سنة ناشرا العلم، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر. يغلظ على الملوك فمن دونهم. ويضيف الذهبى: «إنه لمّا دخل مصر استقبله الشيخ زكى الدين المنذرى وبالغ فى الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، قائلا: كنّا نفتى قبل حضوره، وأمّا بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه» .
стр. 810
شدته فى الحق:
أما عن سبب ترك العز بن عبد السلام «سوريا» وحضوره إلى «مصر» ، فيقول المقريزى فى كتابه «السلوك» فى حوادث سنة ثمان وستمائة: «أذن الملك الصالح إسماعيل للفرنج فى دخول «دمشق» ، فأنكر المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء فاستفتوهم، فأفتى العزّ بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنج، وقطع من الخطبة- بالجامع الأموى بدمشق- الدعاء للصالح إسماعيل، وصار يدعو فى الخطبة بدعاء، منه: «اللهم أبرم لهذه الأمّة إبرام رشد، تعزّ فيه أولياءك، وتذلّ فيه أعداءك، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك» . والناس يضجون بالدعاء.
عزله عن الخطابة واعتقاله:
وكان الملك الصالح إسماعيل غائبا، فكتب إليه رجاله بذلك، فورد كتابه بعزل ابن عبد السلام عن الخطابة، واعتقاله مع الشيخ أبى عمرو بن الحاجب، لأنه شارك ابن عبد السلام فى استنكاره. فلما عاد الصالح إلى دمشق أفرج عنهما، وألزم ابن عبد السلام بملازمة داره، وألّا يفتى، ولا يجتمع بأحد البتة. ولكن ابن عبد السلام استأذنه فى صلاة الجمعة، والذهاب إلى الطبيب أو المزيّن (أى:
الحلاق) إذا احتاج إليهما، وأن يعبر الحمّام، فأذن له فى ذلك.
خروجه من دمشق:
ويكمل السيوطى قصة خروجه من دمشق فيقول: واستطاع ابن عبد السلام والشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب الخروج إلى الديار المصرية، فأرسل الصالح إسماعيل إلى عز الدين- وهو فى الطريق- رسولا يطلب إليه العودة إلى دمشق، فاجتمع به، وقال له: ما نريد منك شيئا إلّا أن تنكسر
стр. 811
للسلطان وتقبّل يده لا غير! فردّ عليه ابن عبد السلام: يا مسكين، ما أرضاه أن يقبّل يدى فضلا عن أن أقبّل يده، ياقوم، أنتم فى واد وأنا فى واد، والحمد لله الذي عافانا ممّا ابتلاكم.
استقبال السلطان نجم الدين أيوب له، وتوليه قضاء مصر واصطدامه بأمرائها وحكامها:
فلما وصل إلى مصر استقبله سلطانها الصالح نجم الدين أيوب (آخر سلاطين الدولة الأيوبية) وأكرم وفادته، وولّاه قضاء مصر.. إلّا أنه سرعان ما اصطدم فى مصر كذلك بأمرائها وحكّامها، ولكنه لم يلن، ولم يخش فى الحق لومة لائم، فقد حدث أن استادار (المشرف على شئون القصر) السلطان الصالح نجم الدين- ويدعى فخر الدين عثمان، وهو الذي كان إليه أمر المملكة- عمد إلى أحد مساجد القاهرة وعمل على ظهره «طبلخانة» ، وبقيت تضرب هناك، فاستاء أهل الحىّ من هذا الطبل، وخاصة أنه داخل بيت من بيوت الله، فلما ثبت هذا عند الشيخ عز الدين حكم بهدم بناء الطبلخانة، وأسقط فخر الدين، كما عزل نفسه من القضاء، ولكن منزلته لم تسقط عند السلطان «١» .
وكان للمواقف المشرفة التى وقفها الشيخ ابن عبد السلام ضد المنتهكين لحرمة الإسلام والمسلمين، غير عابىء بما يتعرض له من أذى أو اضطهاد- أثر كبير، ليس فى مصر فحسب، بل فى جميع أنحاء العالم الإسلامى. لقد ظن الاستادار فخر الدين وغيره أن حكم العز بن عبد السلام لا يتأثر به فى الخارج، فاتفق أن جهّز السلطان الصالح نجم الدين رسولا من عنده إلى الخليفة العباسى «المستعصم» ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان ووقف بين يدى الخليفة، وأدّى الرسالة له، سأله: هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟ فقال:
стр. 812
لا، ولكن حمّلنيها عن السلطان فخر الدين استاداره. فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه بن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته. فرجع الرسول إلى السلطان حتى شافهه بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد وأدّاها.
تمسكه بالحق ودقة أحكامه:
ومن الأحكام القضائية التى قضى بها ابن عبد السلام، والتى سجّلها له التاريخ كرمز للعدل والدقة فى تطبيق أحكام الشريعة، حتى صار يضرب به المثل، ولقّب بحقّ: «سيد الرجال» بيعه لأمراء المماليك، إذ لم يثبت عنده أنهم أحرار، ووضع ثمنهم فى بيت مال المسلمين، وصمّم الشيخ على أنه لا يصح لأمراء المماليك بيع ولا شراء ولا نكاح، وتعطلت مصالحهم لذلك، واحتدم الأمر، وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستثار غضبا، فاجتمعوا وأرسلوا إلى ابن عبد السلام، فقال: نعقد لكم مجلسا وننادى عليكم لبيت مال المسلمين. فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه، فلم يرجع، فأرسل إليه نائب السلطنة بالملاطفة، فلم يفد فيه، فانزعج النائب وقال: كيف ينادى علينا هذا الشيخ ويبيعنا ونحن ملوك الأرض؟! والله لأضربنّه بسيفى هذا.
فركب بنفسه فى جماعته، وجاء إلى بيت الشيخ والسيف مسلول فى يده، فطرق الباب، فخرج ولد الشيخ، فرأى من نائب السلطنة ما رأى، وشرح لأبيه الحال، فما اكترث لذلك وقال: يا ولدى، أبوك أقلّ من أن يقتل فى سبيل الله ... ثم خرج، فحين وقع بصره على النائب يبست يد النائب وسقط السيف منه، وأرعدت مفاصله، فبكى، وسأل الشيخ أن يدعو له، وقال: يا سيدى إيش نعمل؟ فقال: أنادى عليكم وأبيعكم. قال: ففيم تصرف ثمننا؟ فقال:
فى مصالح المسلمين. قال: من يقبضه؟ قال: أنا. فتمّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحدا واحدا، وغالى فى ثمنهم، فلم يبعهم إلّا بالثمن الوافى، وقبضه وصرفه فى وجوه الخير «١» .
стр. 813
شجاعته الأدبية:
ومن المواقف التى تشهد له بالشجاعة الأدبية النادرة ما حكاه القاضى عبد الرحمن البكارى، من أنّ الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرّة بشىء، ثم ظهر له أنه خطأ، فنادى فى مصر (أى الفسطاط) والقاهرة على نفسه:
من أفتى له ابن عبد السلام بكذا فلا يعمل به، فإنه خطأ.
ويقول ابن كثير عنه: كان فى آخر عمره لا يتقيد بالمذهب، بل اتسع نطاقة، وأفتى بما أدّى إليه اجتهاده. ولمّا عزل الشيخ نفسه عن القضاء تلطّف السلطان فى ردّه إليه، فباشره مرة، ثم ثانية، وتلطف مع السلطان فى إمضاء عزله، فأمضاه وأبقى جميع نوابه من الحكام، وكتب لكل حاكم تقليدا، ثم ولّاه التدريس بمدرسته التى أنشأها فى القصر الفاطمى الشرقى، والتى تعرف باسم المدرسة الصالحية «١» .
تلاميذه الذين أخذوا عنه:
ومن تلاميذه الذين رووا عنه: شيخ الإسلام ابن دقيق العيد- وهو الذي لقّب الشيخ عز الدين «سلطان العلماء» ، والإمام علاء الدين أبو الحسن الباجيّ، والشيخ تاج الدين بن الفركاح، والحافظ أبو محمد الدمياطى، والحافظ أبو بكر محمد بن يوسف بن مسدى، والعلّامة أحمد أبو العباس الدّشناوىّ، والعلّامة أبو محمد هبة الله القفطىّ، وغيرهم.
стр. 814
تصانيفه:
ومن تصانيفه- رحمه الله تعالى: «القواعد الكبرى» ، وكتاب «مجاز القرآن» ، وهذان الكتابان شاهدان بإمامته وعظيم منزلته فى علوم الشريعة. وله كتاب «شجرة المعارف» وكتاب «الدلائل المتعلقة بالملائكة والنبيين ﵈، والخلق أجمعين» ، وكلا الكتابين بديع وحسن جدّا. وله «مختصر صحيح مسلم» ، و «مختصر رعاية المحاسبى» ، و «الإمام فى أدلّة الأحكام» ، و «الفرق بين الإيمان والإسلام» ، و «فوائد البلوى والمحن» ، و «الفتاوى الموصلية» ، و «الفتاوى المصرية» وغير ذلك من المصنفات «١» .
تصوّفه وكراماته:
هذا عن تصانيفه، أمّا عن كراماته، فقد ذكر السيوطى أن كرامات ابن عبد السلام كثيرة.. فقد لبس خرقة التصوف من الشّهاب السّهروردىّ، كما كان يحضر عند الشيخ أبى الحسن الشاذلى الذي يقول عنه: ما على وجه الأرض مجلس فى الفقه أبهى من مجلس الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
ويقول عنه القطب اليونينى: كان- ابن عبد السلام- مع شدته وصلابته حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار، يحضر السماع (الذّكر) ويرقص فيه ...
ويختم ترجمته بشهادة تلميذه القاضى ابن دقيق العيد: كان ابن عبد السلام أحد السلاطين العلماء. وكانت وفاته فى جمادى الأولى سنة ٦٦٠ هـ، ودفن بالقرافة الكبرى «٢» .
стр. 815
وصف ضريحه:
يقع ضريح العز بن عبد السلام بسفح المقطم فى منطقة البساتين، بالقرب من جبانة التونسى وجبانة الإمام الليث «١» ، وهو الآن بحالة خربة، وإن كانت بقاياه تدل على أنه يشبه إلى حدّ كبير- من الناحية المعمارية- القباب التى أقيمت فى أوائل العصر المملوكى، مثل قبة شجرة الدر، وقبة الأشرف خليل ابن قلاوون، وقبة الخلفاء العباسيين، وكلها ترجع إلى النصف الثانى من القرن السابع الهجرى.
ويتكون الضريح من مربع كبير بيبلغ طوله ١٥ مترا، ومن المرجح أنه مغطّى بقبّة مرتفعة مثل القباب سالفة الذكر. وبحائط القبلة توجد خمسة محاريب، أكبرها يتوسط الحائط، واثنان على كل جانب، وفى وسط الضريح توجد مقبرة عليها بناء مرتفع، لعله كان مغطّى بتابوت خشبى، كما هى العادة فى ذلك الوقت.
وقد أشارت الدكتورة سعاد ماهر فى السبعينيات «٢» بأن مصلحة الآثار تقوم مع وزارة الأوقاف بإعادة بناء الضريح تقديرا لهذه الشخصية الفذة التى لا تخشى فى الله لومة لائم، ولكن إلى الآن لا يزال الضريح كما هو، بل ازداد سوءا، فنرجو من الله، ونكرر دعاءنا أن يهدى الله وزارة الأوقاف، أو مصلحة الآثار- أو غيرهما- للقيام بهذا الواجب النبيل.
***
стр. 816
ضريح ابن عطاء الله السكندرى بالقرافة الكبرى- بجبل المقطم*
أصله ومولده:
هو الإمام العارف، والعالم الزاهد، صاحب الإشارات والكرامات، الكبير القدر، تاج الدين، أبو الفضل، أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى، الجذامى نسبا، المالكى مذهبا، الشاذلى طريقة، وهو من أصل عربى، فأجداده من الجذاميين من قبيلة كهلان التى ينتهى نسبها إلى بنى يعرب ابن قحطان، من العرب العاربة الذين وفدوا إلى مصر، واستوطنوا مدينة الإسكندرية بعد الفتح الإسلامى.
ولد ابن عطاء الله بمدينة الإسكندرية حيث تقيم أسرته، وحيث كان جده يشتغل بالتدريس، ولم تذكر المراجع التى ترجمت له تاريخ مولده صراحة، غير أن الدكتور التفتازانى استطاع أن يستنتجه من خلال سرد ترجمة حياته، إذ يقول: إن مولده يقع بين سنتى ٦٥٨ هـ، و ٦٧٩ هـ «١» .
وقد تتلمذ ابن عطاء الله على أشهر فقهاء الإسكندرية فى ذلك العصر، ومنهم الفقيه ناصر الدين المنير الجذامى الإسكندرى. وكانت الإسكندرية فى عصر ابن عطاء الله مركزا هامّا من المراكز العلمية بمصر، إذ كان بها كثير من خيرة العلماء فى الفقه، والتفسير، والحديث، والأصول، وسائر العلوم العربية والإسلامية، هذا بالإضافة إلى أنها كانت زاخرة بعدد وفير من شيوخ الصوفية وأولياء الله الصالحين.
стр. 817
وكان والده عطاء الله معاصرا للشيخ أبى الحسن الشاذلى، مؤسس الطريقة الشاذلية، فقد ذكر ابن عطاء الله فى كتابه «لطائف المنن» مايلى: «أخبرنى والدى- رحمة الله عليه- قال: دخلت على الشيخ أبى الحسن الشاذلى، رضى الله عنه، فسمعته يقول: والله قد تسألوننى عن المسألة لا يكون لها عندى جواب، فأرى الجواب مسطرا فى الدواة، والحصير، والحائط ... » .
وكان أفراد الأسرة التى نشأ فيها ابن عطاء الله مشتغلين بالعلوم الدينية وتدريسها، لأن جده لوالده كان فقيها معروفا فى عصره، ولأن ابن عطاء الله نشأ- كجده- فقيها مشتغلا بالعلوم الشرعية، فكان يطمع إلى بلوغ منزلته.
ويذكر ابن عطاء الله فى كتابه السابق أن جده كان ينكر على الصوفية، وأن هؤلاء كانوا يصبرون على أذاه، وقد وضح ذلك فى القصة التالية: «قال الشيخ أبو العباس المرسى لأصحابه: إذا جاء ابن فقيه الإسكندرية- يقصد ابن عطاء الله- فأعلمونى به، فلما أتيت وعلم بى قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله، ﷺ ، ومعه ملك الجبال حين كذّبته قريش، فسلم عليه ملك الجبال وقال: يا محمد، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين فعلت. فقال رسول الله، ﷺ : لا، ولكن أرجو أن يخرج من أصلابهم من يوحّده ولا يشرك به شيئا، فصبر عليهم رسول الله ﷺ رجاء من يخرج من أصلابهم، كذلك صبرنا على جد هذا الفقيه- يقصد جد ابن عطاء الله- لأجل هذا الفقيه» «١» .
أطوار حياته:
تقسم كتب التراجم حياة ابن عطاء الله إلى ثلاثة أطوار، الأول: أمضاه بمدينة الإسكندرية طالبا للعلوم الدينية فى عصره، من تفسير، وحديث، وفقه،
стр. 818
وأصول، ونحو، وبيان، وغيرها، من خيرة أساتذتها فى ذلك الوقت، وفى هذا الطور من حياته كان متأثرا إلى حد كبير بآراء جدّه فى إنكاره على الصوفية إنكارا شديدا، تعصبا لعلوم الفقهاء، وقد ذكر ذلك فى كتابه «لطائف المنن» إذ يقول: «وكنت أنا لأمره- أى لأمر أبى العباس المرسى- من المنكرين، وعليه من المعترضين، حتى جرت مقابلة بينى وبين أصحابه، وذلك قبل صحبتى إيّاه، وقلت لذلك الرجل: ليس إلّا أهل العلم الظاهر، وهؤلاء القوم- أى المتصوفون- يدّعون أمورا عظيمة، وظاهر الشرع يأباها» .
ويبدأ الطور الثانى من حياته سنة ٦٧٤ هـ عند التقائه بأبى العباس المرسى واصطحابه له، وينتهى بارتحاله إلى القاهرة، وفى هذا الطور نلاحظ زوال إنكاره للصوفية حين لقى أستاذه المرسى، إذ أعجب به إعجابا كبيرا، وأخذ عنه طريق الصوفية، وقد كان السبب فى تحوّله الواضح من الإنكار الشديد إلى التصوف أنه أحسّ بأزمة نفسية شديدة، خشى معها أن يكون منكرا على الشيخ أبى العباس المرسى من غير حق، وفى ذلك يقول: «وكان سبب اجتماعى به (بأبى العباس) أن قلت لنفسى بعد أن جرت المخاصمة بينى وبين ذلك الرجل: دعنى أذهب أنظر إلى هذا الرجل، فصاحب الحق له أمارات، ولا يخفى شأنه. فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم فى الأنفاس التى أمر الشارع بها، وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض إلهى، فأذهب الله ما كان عندى» .
ومما هو جدير بالذكر أن ابن عطاء الله لم ينقطع عن طلب العلم بسلوكه طريق الصوفية، وإنما ظل يطلب هذه العلوم بتوجيه شيخه له، فقد ظن فى بادئ الأمر أنه لن يستطيع أن يسلك طريق طريق الصوفية إلّا إذا انقطع عن اشتغاله بهذه العلوم، وتفرغ بالكلية لصحبة شيخه. ويذكر ابن عطاء الله كيف كان أبو العباس المرسى يرسم لكل واحد من تلاميذه طريقا خاصّا فيقول: «ودخلت أنا عليه- أى على أبى العباس المرسى- وفى نفسى ترك الاشتغال بالعلم الظاهر، فقال لى من غير أن أبدى له شيئا: صحبنى بقوص إنسان يقال له ابن ناشئ،
стр. 819
وكان مدرّسا بها ونائب الحاكم، فذاق من هذا الطريق شيئا على أيدينا، فقال:
يا سيدى، أأترك ما أنا فيه وأتفرغ لصحبتك؟ فقلت له: ليس هذا شأننا، ولكن امكث فيما أقامك الله، وما قسم لك على أيدينا هو إليك واصل. ثم قال: وهكذا شأن الصديقين، لا يخرجون عن شىء حتى يكون الحقّ هو الذي يتولى إخراجهم. فخرجت من عنده وقد غسل الله تلك الخواطر من قلبى، وكأنها كانت ثوبا نزعته، ورضيت عن الله فيما أقامنى فيه» .
والطور الثالث من حياته يبدأ من وقت ارتحاله من الإسكندرية ليقيم بالقاهرة، وينتهى بوفاته سنة ٧٠٩ هـ، وهو طور نضجه واكتماله من الناحيتين:
الفقهية والصوفية، والإفادة منهما فى التدريس. وفى هذه المرحلة من حياته فرّق ابن عطاء الله بين العزلة والخلوة، وأعطانا وصفا مميزا لكل منهما. ويرى ابن عطاء ضرورة اصطناع العزلة عن الناس والخلوة فى مكان بعيد، وفى ذلك يقول الغزالى فى إحياء علوم الدين: «والذين يستندون فى هذا المسلك إلى أساس من اعتزال النبي ﷺ وتحنثه فى غار حراء قبل نزول الوحى، حتى صفت نفسه وتهيّأ لنور النبوّة» . والعزلة عند ابن عطاء تعنى الانقطاع المعنوى لا الحقيقى عن الخلق، بحيث يكون السالك مراقبا نفسه على الدوام، ومحاذرا أن يشغل ذهنه بالعالم، فإذا أحكم الصوفى عزلته، وألفت نفسه الوحدة دخل الخلوة.
ويعرّف الخلوة بأنها وسيلة للوصول إلى سر الحق، فهى تبتّل إلى الله، وانقطاع عن غيره- . ويصف ابن عطاء الله البيت الذي يختلى فيه المتصوف فيقول: «فأمّا بيت الخلوة فله هيئة خاصة، فيكون ارتفاعه قدر قامة الرجل، وطوله قدر سجوده، وعرضه قدر جلسته، ولا يكون فيه ثقب ينفذ الضوء منه إلى الخلوة، وأن يكون بعيدا عن الأصوات، وبابه وثيقا قصيرا فى دار معمورة بالناس» «١» .
стр. 820
قيامه على الطريقة الشاذلية بعد وفاة أبى العباس المرسى واشتغاله بالوعظ والتدريس:
لقد أصبح ابن عطاء الله بعد وفاة شيخه أبى العباس المرسى سنة ٦٨٦ هـ، القائم على طريقته، والداعى لها من بعده، هذا بالإضافة إلى قيامه بالتدريس بمدينة الإسكندرية، فلما رحل إلى القاهرة اشتغل بالتدريس والوعظ، فقد تولى ابن عطاء الله التدريس بأكبر الجامعات الإسلامية فى ذلك العهد، وأعنى بها الجامع الأزهر، وفى ذلك يقول ابن حجر: «وكان ابن عطاء يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسى (أى: أستاذ بكرسى) بكلام يروح النفس، ويمزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم، فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير» . ويقول ابن تغرى بردى: «كان ابن عطاء الله رجلا صالحا، يتكلم على كرسى، ويحضر ميعاده خلق كثير، وكان لوعظه تأثير فى القلوب، وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق» «١» . وقام ابن عطاء الله أيضا بالتدريس فى المدرسة المنصورية، التى أنشأها السلطان المنصور قلاوون بحى الصّاغة. وقد تخرج على يدى ابن عطاء الله عدد كبير من الفقهاء والصوفية، من أشهرهم الإمام تقي الدين السّبكى، والد تاج الدين السّبكى صاحب طبقات الشافعية الكبرى.
خصومته لابن تيمية:
وكان ابن عطاء الله معاصرا للشيخ تقي الدين بن تيمية، الذي شدّد النكير فى عصره على الصوفية، وصنف عدة رسائل فى الرد عليهم، وبالغ فى عداوته لهم فى كثير من الأحيان، لهذا كان من الطبيعى أن تقوم خصومة متبادلة بين ابن تيمية وابن عطاء الله، فالأول خصم لدود للصوفية، والآخر يعدّ الممثل الأول للصوفية، والمتحدث بلسانها فى عصره «٢» .
стр. 821
كراماته:
وكما جرت العادة أن ينسب لكل ولىّ أو صوفىّ كرامات، كذلك ذكرت كتب الطبقات بعض الكرامات التى تنسب إلى ابن عطاء الله، وعددها دالّ على منزلته كصوفىّ كامل واصل إلى الله، وفى هذا المقام يروى ابن حجر العسقلانى القصة التالية: «يقال: إن ثلاثة قصدوا مجلسه، فقال أحدهم: لو سلمت من العائلة لتجردت. وقال آخر: أنا أصلى وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرّة.
وقال الثالث: أنا صلاتى ما ترضينى فكيف ترضى ربى؟ فلما حضروا مجلسه قال فى أثناء كلامه: ومن الناس من يقول كذا وكذا، وأعاد كلامهم بعينه» .
وقد ذكر لنا المناوى فى كتابه «الكواكب الدرية» واقعتين أخريين خارقتين للعادة، وعدّهما من قبيل الكرامات، ففى الأولى يقول: إن الشيخ الكمال ابن الهمام زار قبره، فقرأ عنده سورة هود حتى وصل إلى قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
* فأجابه ابن عطاء الله من القبر بصوت عال: يا كمال، ليس فينا شقى! .. فأوصى أن يدفن بجواره.. والواقعة الثانية: أن رجلا من تلاميذ ابن عطاء الله حجّ، فرأى الشيخ (ابن عطاء الله) فى المطاف، وخلف المقام، وفى المسعى، وفى عرفة، فلما رجع سأل عن الشيخ: هل خرج من البلد فى غيبته فى البلاد الحجازية؟ قالوا: لا، فدخل إليه وسلّم عليه، فقال له:
من رأيت فى سفرتك من الرجال؟ قال: يا سيدى رأيتك. فتبسّم وقال: الرجل الكبير يملأ الكون، لو دعى القطب من حجر لأجاب «١» .
إنتاجه العلمى ومصنفاته:
أمّا عن إنتاج ابن عطاء الله العلمى، فقد ترك لنا عددا كبيرا من
стр. 822
المصنفات، تختلف من حيث الموضوع والغرض اللذين وضعت من أجلهما، وكلها تعكس بوضوح ثقافة صاحبها، فمنها التصانيف الأدبية، ومنها المؤلفات الصوفية التى عالج فيها أدق أحوال النفس الإنسانية فى حال سلوكها إلى الله، ومنها ما وضع فى الفقه والنحو والمنطق والفلسفة، ومنها ما يعكس صورته خطيبا واعظا يرشد عامّة الناس إلى طريق الله بعباراته القوية النافذة، ومنها: التنوير فى إسقاط التدبير، والحكم العطائية، ولطائف المنن، وتاج العروس فى تهذيب النفوس، ومفتاح الفلاح، والقصد المجرد فى الاسم المفرد، وغيرها.. وقد حازت جميعها الإعجاب والتقدير من العلماء والمحققين.
ومن كلامه فى الحكم العطائية:
- «من علامة الاعتماد على العمل، نقصان الرّجاء «١» عند وجود الزّلل» .
- «ادفن وجودك فى أرض الخمول، فما نبت ممّا لم يدفن لا يتم نتاجه» «٢» .
- «من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك» .
«من بورك له فى عمره- أدرك فى يسير من الزمن- من منن الله تعالى- ما لا يدخل تحت دوائر العبارة، ولا تلحقه الإشارة» .
стр. 823
- «أنت من الأكوان ما لم تشهد المكوّن، فإذا شهدته- كانت الأكوان معك» .
- «المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون- لنفسه- شاكرا، وتشغله حقوق الله عن أن يكون- لحظوظه- ذاكرا» .
- «لا تترك الذّكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشدّ من غفلتك فى وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عمّا سوى المذكور وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
*.
- «من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلته من وجود الزّلّات» .
- «العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان» «١» .
- «إن أردت ألّا تعزل فلا تتولّ ولاية لا تدوم لك» .
- «لا تنفعه طاعتك، ولا تضرّه معصيتك، وإنما أمرك بهذه ونهاك عن هذه لما يعود عليك» .
стр. 824
- «كفى من جزائه إيّاك على الطاعة أن رضيك لها أهلا» .
- «الأكوان ظاهرها غرّة، وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر غرّتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها» .
- «إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه» .
- «ربما فتح لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب، فكان سببا فى الوصول» .
- «معصية أورثت ذلّا وافتقارا، خير من طاعة أورثت عزّا واستكبارا» «١» .
- «متى أوحشك من خلقه، فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به» .
- «مطالع الأنوار- القلوب والأسرار» .
ولحكم ابن عطاء الله قيمة تصوفية كبيرة إلى جانب قيمتها الأدبية والفنية، فهى من أعظم ما صنّف فى علم التصوف، وهى مثل عال للفكر الصوفى النقى، الخالص من الشوائب، والمتلائم مع الكتاب والسنّة، وأقوال الصحابة وسلوكهم، وهى إلى جانب هذا تضىء لنا صفحات مشرقة من التصوف الإسلامى، وتخاطب
стр. 825
وجدان المسلم، وتسمو بروحه، وتطهر نفسه وتعلو بها إلى أسمى درجات النقاء والطهر والكمال الروحى، فيرتفع فوق شهواته، ويعلو بغرائزه، فلا يكون عبدا لها، ومن هذا المنطلق يتخلص من المادية البغيضة، ومن ثم يسمو بسلوكه ويرقى بمجتمعه ويوجهه نحو حياة أفضل «١» .
وقد وجدت هذه الحكم طريقها إلى الفقهاء من علماء الأزهر وغيرهم، وكانت تدرّس فيه وفى المساجد الأخرى، وقد شرحت هذه الحكم العطائية شروحا كثيرة فى أزمنة مختلفة، وفى أقطار كثيرة، وبلغات أجنبية أحيانا، كالتركية والمالوية، وغيرهما.
وفاته:
وتوفى ابن عطاء الله سنة ٧٠٩ هـ، وكانت وفاته بالمدرسة المنصورية التى كان يدرّس بها، وكانت جنازته حافلة بجمهور كبير من أهل القاهرة الذين شيعوه إلى قبره فى القرافة الكبرى تحت جبل المقطم.
حوش ابن عطاء الله ومن به من الأولياء والصالحين:
يذكر ابن الزيات «٢» والسخاوى «٣» أن بحوش ابن عطاء الله جماعة من الأولياء «٤» والعلماء، والصلحاء والأشراف، والقرّاء، والفقهاء، والمحدّثين،
стр. 826
منهم القاضى محيى الدين المغربى صهر ابن عطاء الله، والشيخ شمس الدين بن عبد الملك بن عبد الغنى الزركشى، وولده تاج الدين، وأخوه الشيخ محب الدين، ومعه فى الحوش أيضا الشيخ عبد الرحمن بن موسى، المعروف بالروضى، ومعهم فى الحوش أيضا قبر الشيخ نجم الدين البالمى، والشيخ جمال الدين يوسف المالكى. ومن وراء الحائط القبلى قبر الشيخ عبد النور. ويذكر ابن الزيات أنه بحوش بغير سقف، يسلك إليه من عند ابن الحاج، وكان به تابوت خشب مكتوب عليه اسمه- أى الشيخ عبد النور- ووفاته، فسرق، وهو الآن كوم تراب، وبينه وبين ابن عطاء الله شباك من جهة القبر اليمنى.
وفى حوش ابن عطاء الله أيضا الشيخ بهاء الدين بن محمد الحبّاك، شيخ القرّاء، ومعهم فى الحوش الشيخ عبد الله اليمنى الذي كان مقيما بجامع الحاكم، وإلى جانبه قبر الشيخ محمد الفصيح، والشيخ سعد الدين، والشيخ سعيد، ومعهم فى التربة قبر الشريف السمرقندى، قريب من ابن عطاء الله، ومعهم فى الحوش أيضا الشيخ الحجازى، وهذا المكان عليه هيبة وجلالة، ويعرف بإجابة الدعاء.
إقامة مسجد يحمل اسمه:
وقد وصل ضريح ابن عطاء الله إلى حالة سيئة للغاية إلى أن قام الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ عبد الحليم مجاهد بالاهتمام به، وإقامة مسجد يحمل اسم هذه الشخصية الإسلامية الفذة. وبداخل المسجد- فى غرفة مستقلة- ضريح ابن عطاء الله بصورة تليق بصاحبه وفضله ومكانته العلمية والدينية، فجزاهما الله على ذلك خير الجزاء.
***
стр. 827
ضريح قاضى القضاة تقي الدين بن دقيق العيد*
فى القرافة الكبرى أيضا، وبجوار ابن عطاء الله السكندرى يقع ضريح قاضى القضاة تقي الدين بن دقيق العيد، فمن هو؟!
أصله ومولده:
هو القاضى العلّامة، تقي الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ مجد الدين أبى الحسن على وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيرى، ولد بالبحر الأحمر تجاه «ينبع» عندما توجّه والده لتأدية فريضة الحج، فى يوم السبت الخامس عشر من شعبان سنة ٦٢٥ هـ، فلما دخل الكعبة أخذه والده على يده وطاف به، ودعا له أن يجعله الله عالما عاملا.
ويقول الأدفوى فى سبب تسمية جده «دقيق العيد» : إنه كان عليه يوم عيد طيلسان شديد البياض، فقال بعضهم: كأنه دقيق عيد، فلقّب به- رحمه الله تعالى.
وأمضى تقي الدين طفولته فى قوص، حيث كان يقوم والده بالتدريس فى المدرسة التى بناها النجيب بن هبة الله سنة ٦٠٧ هـ، وتتلمذ على يد والده
стр. 828
الذي كان يدرس الفقه على مذهب الإمام مالك، والإمام الشافعى. وكانت أمّه من قوص، فهى بنت الشيخ الإمام تقي الدين المظفر بن عبد الله بن على ابن الحسين، فأصلاه كريمان، وأبواه عظيمان.
وجاء فى الدرر الكامنة لابن حجر، أن تقي الدين نشأ فى قوص على حالة واحدة من الصمت والاشتغال بالعلوم، ولزوم الصيانة والديانة، والتحرز فى أقواله وأفعاله، والبعد عن النجاسة، متشددا فى ذلك، حتى حكت زوجة أبيه قالت: بنى علىّ والده، والشيخ تقي الدين ابن عشر سنين، فرأيته ومعه هاون وهو يغسله مرات زمنا طويلا، فقلت لأبيه: ماذا يفعل الصغير؟ فقال له: يا محمد، أى شىء تفعل؟ فقال: أريد أن أركّب حبرا، وأنا أغسل هذا الهاون «١» .
رحيله فى طلب العلم وشيوخه:
وابتدأ تقي الدين بقراءة كتاب الله العظيم حتى حصل منه على حظ وافر، ثم رحل فى طلب العلم والحديث إلى دمشق والإسكندرية بعد أن تفقه وسمع الحديث من والده وغيره من فقهاء وعلماء قوص التى كانت تشغل مركز الصدارة فى صعيد مصر فى ذلك الوقت. وكان يقول: البهاء معلمى. وقرأ العربية على الشيخ شرف الدين محمد بن أبى الفضل المرسى وغيره، وقرأ الأصول على والده، وحضر عند القاضى شمس الدين لمّا كان حاكما بقوص، كما تفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وسمع من ابن المقيّر، وابن رواح، وابن عبد الدائم، وغيرهم.
стр. 829
نشاطه العلمى ومؤلفاته:
وكان- ﵀ كثير الاطلاع، حتى قيل: إنه لا يوجد كتاب فى مكتبات المدارس التى درس أو درّس بها فى القاهرة أو قوص إلّا وعليه تأشيرات بخطه. أمّا تأليفه فيقول حاجى خليفة فى «كشف الظنون» : «ولو لم يكن له إلّا ما أملاه على (العمدة) لكان عمدة الشهادة بفضله، والحكم بعلو منزلته فى العلم والنبل» فكيف بشرح (الإلمام) وما تضمّنه من الأحكام، وما اشتمل عليه من الفوائد النقلية والقواعد العقلية، والأنواع الأدبية، والنكت الخلافية، والمباحث المنطقية، واللطائف البيانية، والملح التاريخية، والإشارات الصوفية؟
وله كتاب «اقتناص السوانح» أتى فيه بأشياء غريبة ومباحث عجيبة. وله إملاء على «مقدمة» كتاب عبد الحق- وكتاب فى علوم الحديث يعرف «بالاقتراح فى معرفة الاصطلاح» . وله خطب وتعاليق كثيرة.
ولما قدم إلى القاهرة قام بالتدريس بعدة مدارس بها، كان أولها المدرسة الفاضلية التى أنشأها القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى بجوار المشهد الحسينى «١» ، ثم المدرسة الصلاحية التى أنشأها صلاح الدين الأيوبى بجوار مشهد الإمام الشافعى، والمدرسة الكاملية بالنّحّاسين، وبجوارها كان يسكن الشيخ تقي الدين، وانتهى بالتدريس بالمدرسة الصالحية التى أنشأها الصالح نجم الدين أيوب، آخر سلاطين الدولة الأيوبية.
توليه القضاء:
تولى تقي الدين بن دقيق العيد القضاء فى عهد السلطان «لاجين» «٢»
стр. 830
بعد امتناع شديد- كما يذكر الإسنوى فى الطبقات- حتى قالوا له: إن لم تفعل ولّوا فلانا وفلانا- لرجلين لا يصلحان للقضاء- فرأى أن القبول واجب عليه حينئذ. وقد عزل نفسه غير مرة ثم يعاد. ويصف السيوطى بعض أحواله عندما ولى القضاء فيقول: كان القضاة يخلع عليهم الحرير، فامتنع الشيخ تقي الدين من لبس الخلعة وأمر بتغييرها إلى الصوف، فاستمرت إلى الآن- أى إلى عهد السيوطى فى القرن التاسع الهجرى- ويضيف: أنه حضر مرة عند السلطان «لاجين» فقام إليه السلطان وقبّل يده، فلم يزد تقي الدين على قوله: «أرجوها لك بين يدى الله» .
أخلاقه وصفاته:
وكان الشيخ تقي الدين عزيز النفس، مترفعا فى معاملة الأمراء وعلية القوم، وفى ذلك يقول الأدفوى فى «الطالع السعيد» : إن الشيخ تقي الدين رأى الأمير «الجوكندار» أتى إليه، فتحرك له تحريكة لطيفة، وسكت زمانا، ثم قام إليه وقال: لعلّ للأمير حاجة؟ وكان مرّة متكئا فحضر الكمالى «أمير حاجب» برسالة، فكشف عن وجهه فسمعها وقال له: «هذا ما يعمل» ، فوقف الحاجب زمانا ثم قال: يا سيدى، ما الجواب؟ فقال: عجب! ما سمعت الجواب؟! وغطى وجهه. ولمّا عزل نفسه ثم طلب ليولّى، قام السلطان «لاجين» له واقفا لمّا أقبل، فصار يمشى الهوينى «١» وهم يقولون له:
السلطان واقف، فيقول: «أدينى أمشى» . وجلس معه على الجوخ حتى لا يجلس
стр. 831
دونه، ثم نزل فغسل ما عليه واغتسل، وقبّل السلطان يده، فقال: تنتفع بهذا «١» .
وكان الشيخ تقي الدين- مع ما اتصف به من حزم وورع وتقوى وترفع فى معاملة السلاطين والأمراء- خفيف الروح، لطيفا، يميل إلى المرح فى حياته الخاصة، على نسك وورع، يقول الأدفوى: أخبرونى بقوص أنه لعب الشطرنج فى صباه مع زوج أخته، فلما حان وقت صلاة العشاء قاما فصليا، ثم قال الشيخ: نعود، فقال له صهره: إن عادت العقرب عدنا لها، فلم يعد يلعبها «٢» .
وكان ﵀ لا يخشى فى الله لومة لائم، ومع ذلك كان عديم البطش، قليل المقابلة على الإساءة، وفى ذلك يقول الأدفوى: ومن مشهور حكاياته فى ذلك قضية قطب الدين بن الشامية، وأنه كلّمه بحضرة الناس كلاما تألم منه، وقام من المجلس، وظن الناس أنه سيقابل الإساءة بمثلها، فلم يفعل، وسألوه عن ذلك فقال: خشيت أن يغترّ بذلك. ويضيف الأدفوى فيقول: ومات الشيخ تقي الدين، وحصل لابن الشامية من الأمير ركن الدين بيبرس ظلم وجور، فكان كثير من الناس العارفين يقول: إن الله قد انتقم للشيخ منه.
ومما يروى فى هذا المقام ما حكاه الفقيه شرف الدين الأخميمى إذ قال: كنا بين يديه والموقعين وهو بمجلس الحكم بالكاملية، وإذا بشخص هجم وقصده، ومنعه الرسل منعا عنيفا، فرماهم بيده وقال بصوت قوىّ: من هذا حتى تمنعونى منه؟
أخليفة هو؟ فنظر الشيخ لحظة وعمل بيده، فأقبل يأتى، وفتح أصابعه.
وكان كريما، جوادا، سخيّا، كان يعطى فى كثير من الأحيان الذهب والفضة، وبرغم جوده وسخائه فإنه كان غالبا فى فاقة، فيحتاج إلى الاستدانة،
стр. 832
قال الأدفوى: حكى لى شيخنا قاضى القضاة أبو عبد الله محمد بن جماعة، أنه حضر عنده أمين الحكم بالقاهرة، وكان فيه اجتهاد فى تحصيل مال الأيتام، فأحضر عندى مرة ابن دقيق العيد، وادّعى بدين عليه للأيتام، فتوسطت بينهما، وقررت معه أن تكون جامكيّة «١» المدرسة الكاملية للدّين، والمدرسة الفاضلية لكلفه، ثم قلت له: أنا أشحّ عليك بسبب الاستدانة. فقال: ما يوقعنى فى ذلك إلّا محبة الكتب «٢» .
ويقول الشيخ تاج الدين محمد الدّشناوى: حضرت عنده ليلة وهو يطلب شمعة فلم يجد معه ثمنها، فقال لأولاده: فيكم من معه درهم؟ فسكتوا، فأردت أن أقول: معى درهم، فخشيت أن ينكر علىّ، فإنه كان إذ ذاك قاضى القضاة، فكرر الكلام: فقلت: معى درهم، فقال: ما سكوتك «٣» ؟!
كراماته:
ويقول السيوطى فى حسن المحاضرة «٤» : وكان لابن دقيق العيد نصيب مما ينسب للصالحين من الكرامات، وما يعزى إليهم من المكاشفات، فقد حكى شهاب الدين الزبيرى المحدث قال: كنت عند الصاحب زين الدين، ووالى مصر عنده، فحضر البريدى وناول الوالى كتابا، فقال: اطلبوا المقدم، فقال له الصاحب: ما بالك؟ فقال: طلب أن يقرأ البخارى بسبب التتار، وذكر الجيش،
стр. 833
فقال الصاحب: المقدم ما يقوم بهذا، أنا أتكفل لك بهذه القضية. وأخرج البخارى فى اثنى عشر مجلدا، وذكر الجماعة، فواعدنا واجتمعنا وقرأنا البخارى حتى ختمناه يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رأينا تقي الدين بن دقيق العيد بالجامع، فسلمنا عليه، فقال: ما فعلتم ببخاريكم؟ لقد انفصل الحال من أمس العصر، وبات المسلمون منتصرين. فقلنا: نخبر عنك؟ فقال: نعم. فجاء الخبر بعد أيام بذلك «١» .
وقال عن بعض الأمراء، وقد خرج من مصر: إنه لا يرجع، فما رجع.
وأساء رجل عليه الأدب، فأخبره أنه يموت بعد ثلاثة أيام، فوقع ذلك.
وتوجه فى شخص آذى أخاه، فسمع الخطاب أنه يهلك، فكان كذلك.
وغير هذا كثير «٢» .
قال السبكى: لم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف فى أنه هو المبعوث على رأس السبعمائة- يعنى أنه مجدد الدين فى القرن الثامن- وأنه أستاذ زمانه علما ودينا.
وكان يخاطب عامّة الناس، السّلطان فمن دونه بقوله: يا إنسان. وإن كان المخاطب فقيها كبيرا قال: يا فقيه.
وفاته وضريحه:
وكانت وفاته- رحمه الله تعالى- يوم الجمعة، فى الحادى عشر من صفر
стр. 834
سنة ٧٠٢ هـ، ودفن بسفح المقطم، وكان ذلك يوما مشهودا، وأغلقت حوانيت مصر للصلاة عليه، ورثاه جماعة من الفضلاء والأدباء بالقاهرة وقوص.
ويقع ضريحه بجبانة التونسى حيث يوجد ضريح أستاذه العز بن عبد السلام، وابن عطاء الله السكندرى، والكمال بن الهمام، وعبد الله بن أبى جمرة وغيرهم من الأعلام. ومعه فى تربته جماعة من ذريته، والشيخ ولى الدين أبو محمد طلحة، والقاضى نجم الدين «١» .
***
стр. 835
ضريح العلّامة كمال الدين بن الهمام*
وبجوار ضريح سيدى أحمد بن عطاء الله اسكندرى من الغرب توجد قبة- خارج مسجد ابن عطاء الله- تحتها قبر العالم العلّامة، وحيد دهره وفريد عصره الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفى.
أصله ومولده:
هو كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسى «١» الأصل، ثم الإسكندرى، ثم القاهرى، الحنفى، المعروف بكمال الدين بن الهمام.
ولد بالإسكندرية سنة ٧٩٠ هـ «٢» ، ومات أبوه- وكان قاضى الإسكندرية- وهو ابن عشر سنين أو نحوها، فنشأ فى كفالة جدته لأمّه، وكانت مغربية خيرة، تحفظ كثيرا من القرآن، وقدم بصحبتها إلى القاهرة، فحفظ القرآن وتلقى العلوم، ونبغ فى القاهرة، وأقام بحلب مدة، وجاور بالحرمين، ثم كان شيخ الشيوخ بالخانقاه الشيخونية بمصر، وكان معظّما عند الملوك وأرباب الدولة.
стр. 836
شيوخه ومكانته العلمية ومصنفاته:
وكان- ﵀ عالما مجتهدا، ورعا، زاهدا، أصوليّا، محدّثا، حفظ القرآن الكريم عند الشهاب الهيثمى، وكان فقيه يصفه بالذكاء المفرط، والعقل التام، والسكون. وتلاه تجويدا على الزراتيتى، وحفظ القدورى، والمنار، والمفصّل للزمخشرى، وألفية النحو، وسمع الحديث عن الجمال الحنبلى، والشمس الشامى، وقرأ الهداية على الزين السكندرى، والمنطق على العز عبد السلام البغدادى، والبساطى، وعنه أخذ أصول الدين، وقرأ عليه شرح هداية الحكمة لملّا زادة، وأخذ التصوف عن الخوافى. وكذا أخذ عن همام الدين شيخ الجمالية وغيره، وأخذ الفقه عن السراج، قارئ الهداية، قرأها بتمامها عليه، ولازمه فى الأصول وغيرها، وبه انتفع «١» . وبالقاضى محب الدين ابن الشحنة أيضا.
ومن مصنفاته: شرح الهداية، فى فروع الفقه الحنفى، وسمّاه: فتح القدير للعاجز الفقير (فى ثمانى مجلدات) ، ومختصر الرسالة القدسية بأدلتها البرهانية، للغزالى، والمسايرة فى العقائد المنجية فى الآخرة، والتحرير فى أصول الفقه، وزاد الفقير، وغير ذلك من المصنفات «٢» .
وكان- ﵀ معظّما عند الفقهاء، والعلماء، وأعيان الدولة، والسلطان الملك الظاهر جقمق العلائى، وكان يعظمه ويسمع شفاعته. هذا وكان شديد التواضع مع الفقراء، حتى أنه جاء مرة لمجلس العلاء البخارى، وهو غاصّ بهم، فجلس فى جانب الحلقة، فقام إليه العلاء وقال له: تعال إلى جانبى فليس هذا بتواضع، فإنك تعلم أن كلّا منهم يعتقد تقدّمك وإجلالك، إنما التواضع أن تجلس تحت ابن عبيد الله فى مجلس الأشرف (برسباى) .
стр. 837
تصوفه وكراماته:
لقد تدرج الكمال- ﵀ فى درج الكمال إلى أن صار عالما مفننا، وعلّامة متقنا، درّس، وأفتى، وأفاد، وعكف الناس عليه، واشتهر أمره، وعظم ذكره، ولكنه عزل نفسه بعد أن خلع طيلسانه ورمى به قائلا: اشهدوا علىّ أننى عزلت نفسى من هذه المشيخة «الشيخونية» وخلعتها كما خلعت طيلسانى هذا. وتحوّل فى الحال لبيت فى باب القرافة، وبلغ ذلك السلطان فشقّ عليه وراسله يستعطف خاطره مع أمير آخور جقمق- الذي صار سلطانا- وغيره من الأعيان، فلم يجب، وآثر العزلة وحب الانفراد- مع المداومة على الأمر بالمعروف، وإغاثة الملهوفين، والإغلاظ على الملوك فمن دونهم «١» .
وكان لابن الهمام نصيب وافر ممّا لأرباب الأحوال من الكشف والكرامات- وكان تجرّد أولا بالكلية، فقال له أهل الطريق: ارجع، فإن للناس حاجة بعلمك- وكان يأتيه الوارد كما يأتى الصوفية، لكنه يقلع عنه بسرعة لأجل مخالطته بالناس، أخبر بعض الصوفية من أصحابه قال: إنه كان عنده فى بيته الذي بمصر، فأتاه الوارد، فقام مسرعا، قال الحاكى: وأخذ بيدى يجرنى وهو يعدو فى مشيه وأنا أجرى معه، إلى أن وقف على «المراكب» فقال:
مالكم واقفون هاهنا؟! فقالوا: أوقفنا الريح، وما هو باختيارنا. فقال: هو الذي يسيّركم، وهو الذي يوقفكم. قالوا: نعم. قال الحاكى: وأقلع عنه الوارد، فقال: لعلّى شققت عليك!! قال: فقلت: أى والله، وانقطع قلبى من الجرى. فقال: لا تأخذ علىّ فإنى لم أشعر بشىء مما فعلته «٢» .
ومما يعدّ من قبيل الكرامات أنه زار قبر أحمد بن عطاء الله السكندرى،
стр. 838
فقرأ عنده سورة هود حتى وصل إلى قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
، فأجابه ابن عطاء الله من القبر بصوت عال: «يا كمال، ليس فينا شقى» . فأوصى بأن يدفن هناك «١» .
وفاته وضريحه:
وكانت وفاته فى يوم الجمعة فى السابع من رمضان سنة ٨٦١ هـ، ودفن بالقرافة فى تربة- أو حوش- ابن عطاء الله- كما أوصى بذلك، وضريحه معروف ويزار، رحمه الله تعالى، ونفعنا به، وحشرنا فى زمرته «٢» .
***
стр. 839
ضريح العالم الكبير عبد الله بن أبى جمرة*
وبالقرب من ضريح سيدى أحمد بن عطاء الله السكندرى يوجد ضريح الإمام العالم أبى محمد عبد الله بن سعد بن سعيد بن أبى جمرة الأزدى الأندلسى «١» .
مكانته العلمية ومصنفاته:
كان- ﵀ من كبار العلماء المالكية، وكان عالما بالحديث والقراءات، أفتى، ودرّس، وصنف المصنفات، ومن كتبه: «مختصر الجامع الصحيح للبخارى» اختصر به صحيح البخارى، ويعرف بمختصر ابن أبى جمرة، أو «جمع النهاية» . و «شرح بهجة النفوس» فى سفرين. و «المرائى الحسان فى الحديث والرؤيا» .
وانتفع به جماعة، مثل الشيخ أبى عبد الله المعروف بابن الحاج، وغيره.
وكانت إقامته بخط باب البحر، وكانت له زاوية بين السورين، وكانت وفاته فى سنى السبعمائة «٢» .
стр. 840
من فى حومته من العلماء والأشراف:
وبتربته جماعة من العلماء، ومعه فى التربة قبر المرأة الصالحة أم الخير بنت الشيخ عبد الله بن أبى جمرة، وبها قبر الشيخ على القروى، والشيخ سعد الدين الميمون وصهره الشيخ عماد الدين القفطى، ومعه أيضا الشيخ عمر السنباطى، وولده القاضى شرف الدين بن الصاحب، وابنه القاضى شمس الدين..
وخلف هذا الحوش حوش آخر فيه القاضى علاء الدين بن برهان الدين البرلسى المالكى المحتسب بالقاهرة، وإلى جانبه أبوه، وبه السادة الأشراف أولاد ابن ثعلب، ومعهم القاضى ضياء الدين أحمد بن قطب الدين البسطامى، والشيخ عز الدين الأصفهانى بن أبى بكر، سبط الشيخ أبى الحسن الشاذلى وغيرهم، ذكرهم ابن الزيات والسخاوى «١» .
وإلى جانبهم من الشرق مقبرة المغاربة (المعروفة بالشاذلية) وهى الجهة القبلية من ابن عطاء الله، بها جماعة من الأولياء والأقطاب، منهم الشيخ الإمام محمد بن محمد المغربى المالكى، المعروف بابن الحاج، صاحب كتاب المدخل فى البدع، وهو تلميذ عبد الله بن أبى جمرة الذي أشرنا إليه آنفا- وقبره داثر عليه عمود كدان.
وإلى جانبه قبر الشيخ أبى القاسم المغربى، وقبليه قبر الشيخ أبى عبد الله، المعروف بالهاوى، قيل: إن سيدى أبا السعود كان يكثر من زيارته، رضى الله عنه «٢» .
***
стр. 841
ضريح الإمام العالم محمد بن سيد الناس*
وبجوار حوش عبد الله بن أبى جمرة من الجهة البحرية يوجد مقام الإمام العالم فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الفقيه الشافعى، الحافظ اليعمرى، أبو الفتح.
أصله ومولده وأساتذته:
أندلسى الأصل من أشبيلية، ولد فى مصر سنة ٦٧١ هـ، وكان حافظا بارعا، وأديبا بليغا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، لا تملّ محاضرته، كريم الأخلاق، زائد الحياء، حسن الشكل، وهو من بيت رياسة وعلم، سمع، وقرأ، وارتحل، وكتب، وحدّث، وأجاز.
أخذ علم الحديث عن والده وابن دقيق العيد، ولازم ابن دقيق العيد سنين كثيرة، وتخرج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو والعربية على ابن النحاس، وولى دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وارتحل إلى دمشق سنة ٦٩٠ هـ، فكاد يدرك الفخر بن البخارى، ففاته بليلتين، وسمع من الكندى وغيره. وكتب الخط المغربى والمصرى فأتقنهما. قال الشيخ شمس الدين: ولعل مشيخته تقارب الألف «١» .
стр. 842
مكانته العلمية ومصنفاته:
لقد اشتغل الإمام فتح الدين بالعلم فبرع فيه، وساد أقرانه فى علوم شتى من الحديث، والفقه، والنحو، وعلم السير، والتواريخ، وغير ذلك من الفنون، وله الشعر الرائق الفائق، وشعره رقيق سهل التركيب، منسجم الألفاظ، عذب النظم بلا تكلف، وله مدائح فى رسول الله ﷺ حسان «١» . وكان أحد الأعلام الحفاظ، إماما فى الحديث، ناقدا فى الفن، خبيرا بالرجال والعلل والأسانيد، عالما بالصحيح والسقيم، ولم يكن فى مصر فى مجموعه مثله فى تلك الفنون.
لقد صنف- ﵀ كتبا نفيسة، منها: السيرة الكبرى والصغرى، وسماها: عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير «٢» ومختصره «نور العيون» . وكتاب «بشرى اللبيب فى ذكرى الحبيب» «٣» . و «تحصيل الإصابة فى تفضيل الصحابة» . و «المقامات العلية فى الكرامات الجلية» .
و «النفح الشّذىّ فى شرح جامع الترمذى» «٤» .
وفاته:
وكان حسن الطويّة، صحيح العقيدة، وكانت وفاته فى يوم السبت فى الحادى عشر من شهر شعبان سنة ٧٣٤ هـ، وصلى عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبى جمرة- رحمهما الله تعالى- فى القرافة الكبرى «٥» .
***
стр. 843
مسجد السادات الوفائية وما به من الأضرحة*
وفى سفح الجبل المقطم، وبالقرب من ضريح سيدى أحمد بن عطاء الله السكندرى، وضريح أبى السعود بن أبى العشائر، يوجد مسجد السادات الوفائية الذي يضم مجموعة كبيرة من أضرحة الأقطاب والعلماء والمتصوفة من الأسرة الوفائية «١» . وقد أقيم هذا المسجد مكان زاوية تعرف باسم «زاوية السادات أهل الوفا» تنفيذا للفرمان الذي أصدره السلطان عبد الحميد سنة ١١٩١ هـ «٢» .
стр. 844
الشيخ محمد النجم جد الأسرة الوفائية:
هو أول من أتى إلى ديار مصر من هذه الأسرة، وهو مغربىّ الأصل.
ولد بمدينة صفاقس (فى تونس) ونزح إلى ثغر الإسكندرية فى شبابه، وكان- كما يقول عنه السخاوى- من أصحاب الأحوال الباهرة، والكرامات الظاهرة..
اجتمع الشيخ محمد النجم بالقطب إبراهيم الدسوقى، وأخذ كلّ منهما عن صاحبه، روى ذلك أكثر من واحد من الأعيان.
وقد طابت للشيخ محمد نجم الإقامة بالإسكندرية، ورزق فيها بابنه سيدى محمد الأوسط- والد السيد محمد وفا- وكان محمد الأوسط- كما جاء فى جمهرة الأولياء- مشهورا بالولاية، عرف بعلمه وفضله، وتوفّى شابّا عن ولده محمد وفا، ودفن بزاويته المعروفة بالزاوية النجمية بالإسكندرية «١» .
سيدى محمد وفا- رأس الوفائية ووالدهم بمصر «٢» :
مولده ونشأته:
هو القطب الكبير ابن محمد الأوسط بن محمد النجم، رضى الله عنهم، ولد بمدينة الإسكندرية سنة ٧٠٢ هـ، ونشأ منذ نعومة أظفاره ورعا تقيّا، محبّا
стр. 845
للعلم، وقد سلك طريق الشيخ أبى الحسن الشاذلى، وذلك على يد الإمام داود ابن باخلا، واجتمع بياقوت العرشى «١» .
وتوجّه محمد وفا إلى أخيم، فتزوج بها، وأنشأ بها زاوية كبيرة، ووفد عليه الناس أفواجا، ثم سار إلى مصر، وأقام بالروضة عاكفا على العبادة، مشتغلا بذكر الله تعالى، وطار صيته فى الآفاق.
كراماته:
وذكر ابن فهد سبب تلقيبه بوفا أنه مدّة إقامته بالروضة توقّف النيل سنة، فأمر السلطان خاصة أهل البلد من العلماء والصّلحاء بالتوجّه إلى المقياس والدعاء به إلى الله تعالى فى وفائه، فذهبوا إليه، فلم يعل النيل، فاضطرب الناس، وأخبر السلطان عن سيدى محمد وفا وانجماعه «٢» عن الناس، وصلاحه وتقواه، فأرسل إليه أن يتوجّه إلى المقياس ويدعو الله به، ففعل، ولم يلبث أن صعد الماء «٣» وظهر الوفاء، وصار الناس يقولون: وفا، وفا، وخوطب حينئذ بذلك، وصار علما عليه «٤» .
ومن القصص التى يرويها الشعرانى لإظهار كرامات الشيخ محمد وفا:
«أنه لمّا دنت وفاته خلع منطقته (أى: شارة مشايخ أصحاب الطرق الصوفية)
следующие страницы →