← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ضريح الإمام العالم محمد بن سيد الناس* وبجوار حوش عبد الله بن أبى جمرة من الجهة البحرية يوجد مقام الإمام العالم فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس الفقيه الشافعى، الحافظ اليعمرى، أبو الفتح. أصله ومولده وأساتذته: أندلسى الأصل من أشبيلية، ولد فى مصر سنة ٦٧١ هـ، وكان حافظا بارعا، وأديبا بليغا، حسن المحاورة، لطيف العبارة، لا تملّ محاضرته، كريم الأخلاق، زائد الحياء، حسن الشكل، وهو من بيت رياسة وعلم، سمع، وقرأ، وارتحل، وكتب، وحدّث، وأجاز. أخذ علم الحديث عن والده وابن دقيق العيد، ولازم ابن دقيق العيد سنين كثيرة، وتخرج عليه، وقرأ عليه أصول الفقه، وقرأ النحو والعربية على ابن النحاس، وولى دار الحديث بجامع الصالح، وخطب بجامع الخندق، وارتحل إلى دمشق سنة ٦٩٠ هـ، فكاد يدرك الفخر بن البخارى، ففاته بليلتين، وسمع من الكندى وغيره. وكتب الخط المغربى والمصرى فأتقنهما. قال الشيخ شمس الدين: ولعل مشيخته تقارب الألف «١» .

стр. 842

مكانته العلمية ومصنفاته: لقد اشتغل الإمام فتح الدين بالعلم فبرع فيه، وساد أقرانه فى علوم شتى من الحديث، والفقه، والنحو، وعلم السير، والتواريخ، وغير ذلك من الفنون، وله الشعر الرائق الفائق، وشعره رقيق سهل التركيب، منسجم الألفاظ، عذب النظم بلا تكلف، وله مدائح فى رسول الله ﷺ حسان «١» . وكان أحد الأعلام الحفاظ، إماما فى الحديث، ناقدا فى الفن، خبيرا بالرجال والعلل والأسانيد، عالما بالصحيح والسقيم، ولم يكن فى مصر فى مجموعه مثله فى تلك الفنون. لقد صنف- ﵀ كتبا نفيسة، منها: السيرة الكبرى والصغرى، وسماها: عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير «٢» ومختصره «نور العيون» . وكتاب «بشرى اللبيب فى ذكرى الحبيب» «٣» . و «تحصيل الإصابة فى تفضيل الصحابة» . و «المقامات العلية فى الكرامات الجلية» . و «النفح الشّذىّ فى شرح جامع الترمذى» «٤» . وفاته: وكان حسن الطويّة، صحيح العقيدة، وكانت وفاته فى يوم السبت فى الحادى عشر من شهر شعبان سنة ٧٣٤ هـ، وصلى عليه من الغد، وكانت جنازته حافلة، ودفن عند ابن أبى جمرة- رحمهما الله تعالى- فى القرافة الكبرى «٥» . ***

стр. 843

مسجد السادات الوفائية وما به من الأضرحة* وفى سفح الجبل المقطم، وبالقرب من ضريح سيدى أحمد بن عطاء الله السكندرى، وضريح أبى السعود بن أبى العشائر، يوجد مسجد السادات الوفائية الذي يضم مجموعة كبيرة من أضرحة الأقطاب والعلماء والمتصوفة من الأسرة الوفائية «١» . وقد أقيم هذا المسجد مكان زاوية تعرف باسم «زاوية السادات أهل الوفا» تنفيذا للفرمان الذي أصدره السلطان عبد الحميد سنة ١١٩١ هـ «٢» .

стр. 844

الشيخ محمد النجم جد الأسرة الوفائية: هو أول من أتى إلى ديار مصر من هذه الأسرة، وهو مغربىّ الأصل. ولد بمدينة صفاقس (فى تونس) ونزح إلى ثغر الإسكندرية فى شبابه، وكان- كما يقول عنه السخاوى- من أصحاب الأحوال الباهرة، والكرامات الظاهرة.. اجتمع الشيخ محمد النجم بالقطب إبراهيم الدسوقى، وأخذ كلّ منهما عن صاحبه، روى ذلك أكثر من واحد من الأعيان. وقد طابت للشيخ محمد نجم الإقامة بالإسكندرية، ورزق فيها بابنه سيدى محمد الأوسط- والد السيد محمد وفا- وكان محمد الأوسط- كما جاء فى جمهرة الأولياء- مشهورا بالولاية، عرف بعلمه وفضله، وتوفّى شابّا عن ولده محمد وفا، ودفن بزاويته المعروفة بالزاوية النجمية بالإسكندرية «١» . سيدى محمد وفا- رأس الوفائية ووالدهم بمصر «٢» : مولده ونشأته: هو القطب الكبير ابن محمد الأوسط بن محمد النجم، رضى الله عنهم، ولد بمدينة الإسكندرية سنة ٧٠٢ هـ، ونشأ منذ نعومة أظفاره ورعا تقيّا، محبّا

стр. 845

للعلم، وقد سلك طريق الشيخ أبى الحسن الشاذلى، وذلك على يد الإمام داود ابن باخلا، واجتمع بياقوت العرشى «١» . وتوجّه محمد وفا إلى أخيم، فتزوج بها، وأنشأ بها زاوية كبيرة، ووفد عليه الناس أفواجا، ثم سار إلى مصر، وأقام بالروضة عاكفا على العبادة، مشتغلا بذكر الله تعالى، وطار صيته فى الآفاق. كراماته: وذكر ابن فهد سبب تلقيبه بوفا أنه مدّة إقامته بالروضة توقّف النيل سنة، فأمر السلطان خاصة أهل البلد من العلماء والصّلحاء بالتوجّه إلى المقياس والدعاء به إلى الله تعالى فى وفائه، فذهبوا إليه، فلم يعل النيل، فاضطرب الناس، وأخبر السلطان عن سيدى محمد وفا وانجماعه «٢» عن الناس، وصلاحه وتقواه، فأرسل إليه أن يتوجّه إلى المقياس ويدعو الله به، ففعل، ولم يلبث أن صعد الماء «٣» وظهر الوفاء، وصار الناس يقولون: وفا، وفا، وخوطب حينئذ بذلك، وصار علما عليه «٤» . ومن القصص التى يرويها الشعرانى لإظهار كرامات الشيخ محمد وفا: «أنه لمّا دنت وفاته خلع منطقته (أى: شارة مشايخ أصحاب الطرق الصوفية)

стр. 846

على «الأبزارى» صاحب الموشحات، وقال له: هى وديعة عندك حتى تخلعها على ولدى «علىّ» . ويضيف الشعرانى فيقول: وقد ألّف «الأبزارى» وقت أن كانت عنده منطقة الشيخ محمد وفا أحسن الموشحات وأظرفها، إلى أن كبر سيدى «علىّ» ولد محمد وفا، فخلع عليه منطقة والده. ولكن «الأبزارى» أصبح لا يعرف أن يعمل موشحا واحدا» «١» . سبب تسمية أولاده وأحفاده بالسادات: أمّا عن نعت أولاده وأحفاده بالسّادات، فلم يتسمّ بذلك غير ذرّيّته، وذلك لما لهم من فضل تليد، وعزّ قديم، وشرف رفيع، فقد عرفنا من نسبهم أنهم ينتمون إلى الأدراسة الأشراف الذين ينتهى نسبهم إلى الإمام الحسن بن الإمام علىّ- كرّم الله وجهه ورضى عنه. مؤلفاته: يقول الشعرانى عنه فى طبقاته عن محمد وفا ومؤلفاته: «كان سيدى محمد وفا من أكابر العارفين، وكانت له مؤلفات كثيرة ألفها فى صباه وهو ابن سبع سنين أو عشر، فضلا عن كونه كهلا، وله رموز فى منظوماته ومنثوراته مطلسمة إلى وقتنا هذا (أى: وقت الشعرانى، فى القرن العاشر الهجرى) لم يفك أحد- فيما نعلم- معناها» . ومن مؤلفاته: «نفائس العرفان من أنفاس الرحمن» ، و «الأزل» ، و «شعائر العرفان فى ألواح الكتمان» ، و «العروس» ، و «المقامات السّنيّة المخصوص بها السادة الصوفية» . وله ديوان شعر عظيم.

стр. 847

من أقواله ومأثور كلامه: ومن كلامه فى كتابه «فصول الحقائق» : «أعوذ بالله من شياطين الخلق والكون، وأبالسة العلم والجهل، وأغيار المعرفة والنكرة. اللهم إنى أعوذ بك وبسبق قدمك من شرّ حدودك، وبظلمة ذاتك من نور صفاتك، وبقوة سلوبك من ضعف إيجادك، وبظلمة عدمك من نور تأثيراتك، وأعذنى اللهم بك منك فى كل شىء» . وله كلام دقيق لا يدركه إلّا أهل الولاية والتحقيق، وله أيضا- رضى الله عنه- لسان عجيب قد بهر الأولياء والعلماء ببلاغته وفصاحته وجزالته ورجاحته فى الثناء على الله ودعائه ومناجاته، فى حزب الفتح، يقول- رضى الله عنه: «اللهم إنى أومن بك، وبملائكتك، وكتبك، ورسلك، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرّه، وأقرّ بوحدانيتك، وأستعينك، وأتوكل عليك، وأستغفرك، وأتوب إليك، وأخشى سطوتك وأرجو رحمتك، يا مؤمن، يا باعث، يا وارث، يا واحد، يا معين، يا كافى، يا غفّار، يا توّاب، يا قهار، يا رحمن، يا رحيم، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. اللهمّ إنه ليس لى عليك حقّ فأطلبه منك، ولك علىّ حقّ فلم أستطع كمال تأديته إليك، ولكنّى أقف بوصف الذلّ والفقر والفاقة لوسيع عطائك، يا عزيز، يا غنىّ، يا كريم، يا واسع، يا معطى. اللهمّ هب لنا الخلوة معك والعزلة عمّا سواك، واملأ أسماعنا بلذيذ خطابك، وصمّت ألسنتنا عن مخاطبة غيرك، واقصر أرجلنا عن السّعى فى غير طاعتك، واجعل نفوسنا مطيعة لأمرك، وقلوبنا مطمئنّة بذكرك، وعقولنا مسترشدة بعلمك، وأبداننا هيّنة ليّنة لطاعتك، وهب لنا المداومة على ذلك على بساط العلم والمراقبة، والتوسّط بين الخوف والرجاء، وأيّدنا فى استغراق رؤية ذلك بنور المعرفة والمشاهدة.

стр. 848

اللهمّ استغرق أنفسنا وعقولنا وقلوبنا وأرواحنا وأسرارنا فى أنوار جمالك وجلالك، وألبسنا خلع الكمال، وأفننا فى نور التوحيد، وأبقنا بك، وأسمعنا منك، وفهّمنا عنك، وبصّرنا فى آلائك، وأحينا بروح القرب، وانفحنا بروح الشّوق، واحجب أبصارنا بأنوار جمالك عن مشاهدة الأغيار، وضيّق علينا بقربك حتى نشهدك أقرب إلينا من كلّ شىء، وتجلّ علينا بعظمتك حتى لا نخاف أحدا غيرك، وأشهدنا عظيم رحمتك حتى لا نرجو أحدا سواك. اللهمّ خذنا من كل شىء إليك، واجمعنا بك عليك. اللهم افتق رتقنا بنور معرفتك، وعمّر أطوارنا بأرواح حظيرة قدسك، واسقنا من شراب محبّتك، وفهّمنا عنك، وعلّمنا من علمك، وحقّقنا بنور توحيدك، وأيّدنا بروح منك، وزيّن ألسنتنا بالصّدق والعلم والحكمة وجوامع الكلم، وأسماعنا بالتصديق والوعى، وأنفسنا بالطّمأنينة والعبودية، وقلوبنا بالسّكينة والإيمان، وأرواحنا بالقرب والمشاهدة، وأسرارنا بالتحقيق والسّيادة، وامح صفاتنا بأنوار صفاتك، وكن لنا سمعا وبصرا ويدا ومؤيّدا، يا سميع، يا بصير، يا صادق، يا قريب، يا قوىّ، يا عليم، يا واحد، يا الله. اللهم اجمعنا على أهلى العلم والمعرفة، والولاية والخصوصيّة والاصطفائيّة بحسن الأدب، والإخلاص فى القصد، والتوفيق فى المطالب، واسلك بنا طريق السنّة، وجنّبنا طريق البدعة، ووفّقنا فى الفهم عنك، وحسن الاعتقاد فى الإيمان بأسمائك وصفاتك، وهب لنا فرقانا نفرّق به بين الحق والباطل، وأرنا الحقّ حقّا فنتّبعه، وأرنا الباطل باطلا فنجتنبه، وعلّمنا من علم اليقين، وأشهدنا بعين اليقين، وحقّقنا بحق اليقين، يا مولاى، يا واحد، يا دائم، يا علىّ، يا حكيم. إلهى، من أقوى منّى حولا وأنت حولى؟ ومن أولى منّى بوجد آماله وأنت مأمولى؟ ومن أعظم منّى قوّة وأنت قوّتى؟ ومن أحقّ منّى بالأمان وأنت عصمتى؟ أمرى وأمر كلّ شىء بيدك، يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا واحد، يا معبود، يا من دينه التوحيد.

стр. 849

مولاى، أنت بكل شىء عليم، فكفانى علمك، وأنت على كل شىء قدير، فحسبى قدرتك، أنت ربّى وربّ الذين أردت أن تمنّ عليهم وتجعلهم أئمّة وتجعلهم الوارثين، وتمكّن لهم فى الأرض، وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون، لك العصمة التى لا تضاهى، ولك النعمة التى لا تتناهى، وسلامك على عبادك الّذين اصطفيت، سبحانك من حيث أنت، والحمد لله ربّ العالمين» «١» . وفاته: وكانت وفاة سيدى محمد وفا، رضى الله عنه، بالقاهرة سنة ٧٦٥ هـ، ودفن بالقرافة بين ضريح الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر والشيخ تاج الدين ابن عطاء الله السكندرى، رضى الله عنهما بإشارة منه، إذ قال قبل وفاته: ادفنونى بين (سعد وعطا) . وبعد أن تم بناء المسجد الذي يحمل اسم الأسرة الوفائية تم عمل مقصورة حول قبره، وتضم أيضا ولدية على وفا وأحمد وفا، رضى الله عنهم أجمعين. الأستاذ الكبير والعلم الشهير سيدى على وفا «٢» : مولده ونشأته: هو القطب ذو الكرامات، والأحوال، والمقامات، ولد بالقاهرة سنة ٧٥٩ هـ «٣» ولمّا توفى الشيخ محمد وفا، رضى الله عنه، تركه هو وأخاه

стр. 850

أحمد، وكان علىّ إذ ذاك صغيرا، فنشأ علىّ مع أخيه أحمد فى كفالة وصيّهما الشيخ محمد الزّيلعى، فأدّبهما وفقّههما، ولما بلغ على وفا من العمر سبعة عشر عاما جلس مكان أبيه فى زاويته، ولبس منطقته، فشاع ذكره فى البلاد، وكثر أتباعه ومريدوه. وكان الشيخ على وفا كثير الإقامة بمنزله بالروضة، وكان كثير التحجب هو وأخوه أحمد، لا يخرجان إلّا عند عمل الميعاد «١» . يقول المقريزى: «كان- أى سيدى على وفا- مهيبا، معظّما، تعددت أتباعه وأصحابه، ودانوا بحبه، وبالغوا فى ذلك مبالغة زائدة، هذا مع تحجّبه وتحجب أخيه التحجب الكثير، إلّا عند عمل الميعاد، والخروج لقبر أبيهما» «٢» . كراماته: وكان- رحمه الله تعالى- جميلا فى مظهره، متأنقا فى ملبسه، قال عنه الشعرانى: «لم ير فى مصر أجمل منه وجها ولا ثيابا» . ولكون مظهره غاية فى التجمّل كمظهر الملوك، أنكر عليه ابن زيتون الوزير، وقال فى نفسه: ما ترك هذا لأبناء الدنيا شيئا، فأين الفقر الذي هو شعار الأولياء؟ فالتفت إليه وقال: نعم، تركنا لكم ولأبناء الدنيا خزى الدنيا وعذاب الآخرة. وقال المناوى: ومن كراماته أن رجلا من أولياء العجم حضر سماطه «٣» ،

стр. 851

فطلب ليمونة، فلم يجدها، فاستحضر بسيدى على وفا، فمد يده فأتى بطاقية ولد العجمى من بلاده، وعرفها، فاعتذر وتاب. ولما حجّ عطش الحجيج حتى أشرفوا على التلف، فأتوه، فأنشد موشحه الذي أوّله: أسق العطاش تكرّما ... والعقل طاش من الظّما فأمطروا فى الحال كأفواه القرب. وله غير ذلك من الكرامات ذكرها النبهانى فى كتابه، وغيره «١» . مؤلفاته «٢» : ولسيدى علىّ مؤلفات ومصنفات شريفة، منها: «الوصايا» ، و «الباعث على الخلاص فى أحوال الخواص» ، و «الكوثر المترع من الأبحر الأربع» فى الفقه، و «المسامع الرّبّانية» فى التصوف، و «مفاتيح الخزائن العلية» ، وله ديوان شعر، وموشحات ظريفة سبك فيها أسرار أهل الطريق «٣» . وأعطى لسان الفرق والتفصيل زيادة على الجمع، وقليل من الأولياء من أعطى ذلك. وله كلام عال فى الأدب، وله أحزاب وأوراد وتوجّهات، وله وصايا نفيسة، نحو مجلدات، ذكر الشعرانى بعضها فى طبقاته، وقال: «طالعت كثيرا وقليلا من كلام الأولياء، فما رأيت أكثر علما، ولا أرقى مشهدا من كلامه» «٤» .

стр. 852

ومن أقواله: «الشيطان نار، وحضرة الرّبّ نور، والنور يطفئ النار، فجاهده بنور ربك» . وكان يقول: «لولا الواجب ما ظهر الممكن، ولولا الممكن ما ظهر الواجب واجبا، فلكل واحد أثر فى الآخر، كالعلة والمعلول، والفعل والمفعول، والعالم والمعلوم» . وكان يقول: «من علم أن لا إله إلّا الله لم يبق لأحد عنده ذنب» . وكان يقول: «لا تهجر ذات أخيك، ولكن اهجر ما تلبّس به من المذمومات، فإذا تاب من ذلك فهو أخوك، فافهم!» . وكان يقول: «من أعجب الأمور قول الحق لموسى ﵊: لَنْ تَرانِي «١» أى: مع كونك ترانى على الدوام، فافهم!» . من أدعيته وثنائه على الله تعالى: ومن كلامه الذي يأخذ بمجامع القلوب لفصاحته وعمق معناه وسهولة

стр. 853

عبارته، ذلك الثناء الجميل الذي اقتبساه من حزبه، حزب الثناء، الذي يتوجه فيه إلى الله تعالى بالدعاء والمناجاة، ويثنى عليه الثناء الجميل، ثناء الأولياء العارفين ... يقول، رضى الله عنه: «يا من توحّد بالأحديّة فى الأزليّة، وتفرّد بالوحدانيّة فى الأبديّة، لك سبحانك عزّ الفردانيّة، وملك الربوبيّة، وعظمة الألوهيّة، والصّفات القدسيّة، أنت سبحانك الواجب الوجود، وخالق الوجود، والواهب الودود، والرّب المعبود، أنت أهل الثناء والخير والحمد، والكبرياء والعظمة والتّمجيد والمجد، ما حواك مكان، ولا أحاط بك زمان، وأنت كلّ يوم فى شأن، تضع وترفع، وتعطى وتمنع، قدرتك قاهرة، وأحكامك باهرة، وأنوارك ظاهرة، وصفاتك طاهرة، وأنت مالك الدنيا والآخرة، ما عليك حجر، وحكمك عدل، وإحسانك فضل، لا إله الّا أنت، ما أجلّ وصفك! وأبدع فعلك! وأشرف ذاتك! تعاليت عن الشّبيه والنّظير، والمشير والوزير، سبحانك يا كبير، سبحانك يا قدير، سبحانك سبحانك، سبحانك ما أعظم شأنك! سبحانك من حيث أنت بما أنت على ما أنت! وسبحانك من حيث سبّحك المسبّحون، وقدّسك المقدّسون! وسبحانك من حيث لاعبارة تدلّ عليك، ولا إشارة تصل إليك. أنت الّذى سبحانك عجز عن إدراك كنه حقيقته العالمون والعارفون، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، ما قدر قدرك غيرك، ما علمك سواك، ولا مجّدك حقيقة إلّا أنت، لا إله إلّا أنت بما أنت على ما أنت، لا يكيّفك فكر، ولا يعلمك علم، ولا يلحقك وهم، وليس لك كمّ ولا كيف، ولا ظرف ولا أين، ولا جهة تسامتها الجهات، ولا جسم ولا حسّ، ولا قبل ولا بعد، باينت كلّ الخلق بوصفك القديم، أنت الواجب وسواك الجائز، استحال عليك النّقص، وثبت لك الكمال والجلال، والجمال والبهاء والعظمة، والتّقديس والتنزيه، والأحديّة والوحدانيّة، والفردانيّة والصمدانيّة

стр. 854

والديموميّة، والجبروت والرّحموت، والرّغبوت والرّهبوت «١» والملك والملكوت، استويت على العرش سبحانك استواء يليق بكمال التّنزيه بلا قرار ولا مماسّة ولا تشبيه، وتنزّلت بلا حركة ولا انتقال، تعاليت عن ذلك كلّه يا متعال. سبحانك، اختفيت وأنت الظّاهر، وظهرت وأنت الباطن، قبل كلّ شىء، وبعد كلّ شىء، وفى كلّ شىء، ومع كلّ شىء، أحاطت أسماؤك بكلّ حقائق الوجود من جواهر وأعراض وأحوال، وعقول وأرواح ووسائط، ومركّبات وبسائط، غيّبت علم ذلك عن علم كلّ عالم كان أو يكون، وتجلّيت بصفاتك، فعلّمتنا تنزيه سرّك المصون، وأبدعت بدائع الحكم بأفعالك المنزّهة عن الشريك فى كلّ الشئون، سبحانك ما أسمى أسماءك، وما أجلّ وأعظم مسمّاك، حجبت سبحانك الذّات بالصّفات، وسترت الصفات بالأفعال، وأتقنت بدائع الصنع، فأنت الفعّال، حكمتك بالغة لا تدركها العقول، كلّ ذرّة منها تغنى المستدلّ بها عليك، وتوصّله إليك، هذا إذا تجلّيت سبحانك، فى حجاب المظاهر، أمّا إذا تجلّيت سبحانك بكنه الذّات اضمحلّت الأغيار، وأظلمت الأنوار، وانقلبت المعرفة نكرا، والعلم جهلا، والفصاحة لكنة، والوجود عدما. كان الله ولا شىء معه، وهو الآن على ما عليه كان. قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «٢» . قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ «٣» . هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٤» . وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ

стр. 855

مُحِيطٌ* بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «١» . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ، لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى، يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . إلهنا، سبحانك تجلّيت بوصف الألوهيّة فتولّهت العقول، وانفطرت القلوب «٣» ، وهامت الأرواح، وحارت الأسرار، وذلّت النفوس. كلّ عزيز لسلطان عزّك ذليل، وكلّ جبّار متكبر لعظمة عظمتك حقير.. من ناديته إليك أقبل عليك، ومن حجبته عنك حرمته منك، ومن فتحت له باب الوصال لبس خلعة الكمال، ومن لم تسبق له منك المحبّة لا ينال من وصلك حبّة، فترى سيّدى نحن ممّن حكمت له السّابقة بسعادة العناية فى الأزل، وأغنيته بك عن كلّ علم وعمل؟ إلهنا، سبحانك، كم أهدى وصف ربوبيّتك لكلّ مربوب «٤» من إحسان، وكم والت نعمة إفضالك من وجود وامتنان، أنت الممدّ بالمدد- فى الأزل والأبد- بأمداد لا تحصى، ولا يحصرها العدّ فتستقصى، فتحت أبواب الجود فى كلّ نواحى الوجود. برحمة عامّة لكلّ موجود، هكذا يكون الكرم والجود يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهنا سبحانك فى سابق علمك القديم تعيّنت ذرّات العوالم، وبإرادتك خصّصتها، وبقدرتك أبرزتها، وبحكمتك رتّبتها، وبأمدادك أمددتها، ولولا ذلك تلاشت، وما دام لها الوجود وعاشت ... تجلّى فيض

стр. 856

إفضالك «١» مدهش، وإسباغ أنواء نوالك منعش «٢» . سعد من واجهه فضلك يا كريم، ورحمته رحمتك يا رحيم. إلهنا سبحانك، فى أمّ الكتاب كتبت أمر مشيئتك الّتى لا تتبدّل، وحكمت بها حكمك الّذى لا يحول ولا يتحوّل، ثمّ لطفت فى التّقدير، فنعم المولى أنت ونعم النّصير. سبحانك، عدلت فى الحكم، ونفذت المشيئة على وفق العلم القديم من غير شريك لك لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *. إلهنا سبحانك، نور جمال حضرتك القدسيّة هيّم أهل محبّتك فى البريّة «٣» ، وجلال سطوة عظمتك الكبير، خضع له كلّ كبير وصغير، وشأن ربوبيّتك عطّل الشّئون، وإحاطة علمك أحاطت بما كان وبما يكون، ما خرج شىء عن دائرة إرادتك المحيطة بالكلّيّات والجزئيات، لا إله إلّا أنت، ربّ الأرضين والسّماوات. إلهنا سبحانك، سبّحتك النواطق، وقدّستك العقول، ومجّدتك أنظار الأفكار السّليمة، وهاب سنا قدسك الأرواح النّورانيّة المستقيمة، وامتلأت القلوب العارفة بتعظيم جلالك، وغابت الأسرار فى بهاء عظيم جمالك، تجلّيت سبحانك بالأكوان وللأكوان وفى الأكوان، وقبل الأكوان وبعد الأكوان، ومع ذلك ما حللت فى كون ولا مكان ولا زمان، ولا حلّ بك حادث يا ديّان.

стр. 857

لك سبحانك كمال التّنزيه المطلق، والتّوحيد من غير إلحاق محقّق، جلّ جناب قدسك عن طارق النّقصان، وتعالى مجدك العزيز أن يكون محلّا للأكوان، أنت وحدك المليك، ما معك غير ولا شريك. إلهنا، سبحانك، إرادتك سابقة بما شئت من التّقدير على العباد من خير وشرّ، وسعادة وشقاوة، وهداية وضلالة، وإيمان وكفران، وطاعة وعصيان، وإذا كانت المشيئة- بحكم الإرادة سابقة، فما الحيلة فى التقدير؟ لكن أنت البصير والنّصير. يا من لا حجر عليه «١» فى الأكوان، كن لنا أبدا فى العون، بحنانك يا رءوف، بعطفك يا عطوف، يا ربّنا، يا مولانا، يا سيّدنا، يا سندنا، يا ملاذنا، يا عياذنا، يا ملجأنا، يا منجانا، يا غوثنا، يا عزّنا، يا كنزنا، يا فوزنا، يا حرزنا، لا إله إلّا أنت، ما لنا سواك، ببابك وقفنا، وبك لك توسّلنا، وعلى بساط غناك بسطنا أيدى الفقر والاضطرار، وجئنا بحالة الذلّة والانكسار، وأنت الكريم وجابر القلوب، وأنت معطى كلّ خير ومرغوب. إلهنا، نسألك، يا من أعطى قبل السّؤال، يا من ليس له شبيه ولا مثال، يا من خلق الخلق ليربحوا عليه، يا من دعا أهل ولايته إليه، يا كاشف الكروب، يا علّام الغيوب، يا حميد يا مجيد، يا قدير يا مريد، يا سميع يا مجيب، يا رحيم يا قريب، هب لنا ما سألناك وما لم نسأل، يا من على فضله وإحسانه الاعتماد والمعوّل، بجاه أهل الوجاهة من الأحباب، الّذين سبقت لهم السّعادة فى أمّ الكتاب، اكتبنا فى سجلّ سعادتهم الأبديّة، وأشرق علينا من أنوارهم القدسيّة، وأتحفنا تحفك بين البريّة، واكسنا خلع أهل الخصوصيّة حتى نفوز كفوزهم، ونعزّ كعزّهم، ونرقى معهم إلى حضرات الارتقاء، حيث الشّهود واللّقاء.

стр. 858

إلهنا، سبحانك، منّ علينا بتلك المشاهد الرّبّانيّة، وأنزلنا عندك المنازل العيانيّة، وخذنا منّا ولا تبق فينا لغيرك بقيّة، طهّرنا بطهرك يا طهور، طيّبنا بطيبك يا طيّب، قدّسنا بقدسك يا قدّوس، نوّرنا بنورك يا نور، كمّلنا بكمال الحضرة، واجعلنا من أهل النّضرة والنّظرة، عجّل لنا خيرك، امنحنا ميرك «١» . اجبرنا جبرك، يا جابر الكسير، يا راحم الأسير، يا مغنى الفقير، أنت أنت الغنى، ونحن نحن الفقراء، وكلّ يعمل على شاكلته «٢» إن لم يرحم العبد مولاه فمن يرحمه ويتولّاه؟ ضاقت بنا الحيل، لا علم ينفعنا ولا عمل. يا رحيم يا ودود، يا رحيم يا ودود، نسألك باسمك المخزون المكنون، الطّاهر المطهّر، المقدّس المبارك، الحىّ القيّوم الإجابة والقبول، والعناية والوصول، إلى غاية المأمول، آمين آمين آمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. وفاته: وتوفى الشيخ على وفا- ﵀ بمنزله فى الروضة فى يوم الثلاثاء فى الثانى من ذى الحجة سنة ٨٠٧ هـ «٣» . وله من الذكور أبو العباس أحمد، وأبو الطيب محمد، وأبو الطاهر محمد، وأبو القاسم محمد، ومن الإناث الشريفة: حسنة، ورحمة، وضحى. وكانت جنازته تضم خلقا كثيرا لم تر القاهرة مثلها، فقد كانت جماعته وأصحابه يمشون أمامها ويذكرون الله بطريقة

стр. 859

تهز المشاعر، وتلين لها القلوب. قال المقريزى: لم أر قط على جنازة من الخفر- أى الحراسة- ما رأيت على جنازته «١» رضى الله عنه وأرضاه، وحشرنا فى زمرة عباده الصالحين. سيدى أحمد وفا وأولاده «٢» : مولده ونشأته: هو العارف الجليل والسيد النبيل شهاب الدين أحمد بن وفا، ولد بظاهر مصر سنة ٧٥٦ هـ، ونشأ على طريقة حسنة، وكان ملازما للخلوة والانجماع عن الناس، وكان الشيخ على وفا يقول عنه: «هذا خزانة العلم وأنا أنفق منها» . وقال أيضا: «من رآنا اثنين فهو بفرد عين «٣» ومن رآنا واحدا فهو بعينين» «٤» . وقد شوهدت منه أحوال دلت على كمال عرفانه «٥» . وكان يقول: وعزّة الربّ المعبود ما همّت نفسى بفاحشة، ولا فعلتها قط. وفاته: وكانت وفاته سنة ٨١٤ هـ، ودفن بالقرافة عند أبيه وأخيه «٦» .

стр. 860

وترك من الأولاد خمسة، كلهم نجباء، وهم: أبو الجود، حسن: مات سنة ٨٠٨ هـ. أبو المكارم، إبراهيم: ولد سنة ٧٨٨ هـ، وتوفى سنة ٨٣٣ هـ. أبو الفضل محمد (المدعو عبد الرحمن الشهيد) : ولد قبل السبعين وسبعمائة ومات غريقا فى نهر النيل سنة ٨١٤ هـ. أبو الفتح محمد (الإمام فتح الدين) : ولد بمصر حوالى سنة ٧٧٠ هـ تقريبا، ومات بالروضة سنة ٨٥٢ هـ، ودفن بتربتهم بالقرافة. أبو السيادات، يحيى: ولد سنة ٧٩٨ هـ، وتوفى سنة ٨٥٧ هـ «١» . *** وصف المسجد وما به من الأضرحة: وبعد أن قمنا بتعريف القارئ بأقطاب الأسرة الوفائية بمصر نقدم له الآن وصفا للمسجد الذي يحمل اسمهم، والمقصورات التى به وما تحويه من أضرحة تضم رفاتهم الطاهر، مع ذكر تاريخ هذا المسجد كما ورد فى الخطط التوفيقية، أول وأقدم مرجع ذكر هذا. ذكرنا فى أول حديثنا عن هذا المسجد أنه يقع فى سفح المقطم بين ضريح ابن عطاء الله السكندرى وضريح أبى السعود بن أبى العشائر، وأن هذا الجامع

стр. 861

كان أصله زاوية تعرف بزاوية أهل الوفاء «١» وقد جدّدها مسجدا على ما هى عليه الوزير عزت محمد باشا بأمر من السلطان عبد الحميد فى سنة ١١٩١ هـ. فقد جاء فى كتاب وقفية هذا الجامع الذي نشره على باشا مبارك فى الخطط التوفيقية مايلى: «إنه لما ورد الخط الشريف السلطانى من حضرة سيدنا ومولانا السلطان المغازى عبد الحميد خطابا لحضرة سيدنا ومولانا الوزير عزت محمد باشا محافظ مصر المحمية بأن يخرج القدر الآتى ذكره من مال الخزينة العامرة برسم عمارة الزاوية الشريفة، كعبة الأسرار القدسية بسفح الجبل المقطم، المعروف بغراس أهل الجنة، المعروفة بزاوية السادات أهل الوفاء، المشمولة بنظر سيد السادات مولانا السيد الشيخ محمد أبى الأنوار بن وفا، بموجب التمسكات الشرعية المخلدة بيده» .

стр. 862

وقابل ذلك الوزير الأمر بالسمع والطاعة، وفوض أمر العمارة والصرف عليها للناظر المشار إليه، وأبرز فرمانه الشريف لطرف الروزنامجة «١» لإخراج القدر المعين بالخط الشريف الخاقانى «٢» ، ليصرفه الناظر فيما هو مأمور به. فعند ذلك شرع الأستاذ المشار إليه فيما هو مفوض إليه، وأزال كامل ما بالزاوية، وما هو تبع لها من الغرف والخلاوى والمساكن والمنافع، وغير ذلك من الأبنية القديمة، وأحضر المؤن والآلات المحكمة، والرجال القادرين على العمل، وأنشأ محل ذلك بناء جديدا يشتمل على واجهة بحرية مبنية بالحجر الفص النّحيت الأحمر، بها باب مقنطر مدائنى بجلستين «٣» يمنة ويسرة، ويعلوه سكفة «٤» من الرخام المرمر الأبيض مكتوب عليها أبيات، وتجاه هذا الباب من الخارج سلم ثلاث درج مبنى بالحجر الفص النّحيت «٥» ، ومصطبة برسم الركوب، ويدخل من هذا الباب إلى فسحة كبيرة مستطيلة مفروشة بالحجر النحيت، مبنى دائر جهاتها بالحجر النحيت الأحمر، بها تجاه الداخل باب المسجد، وهو باب مقنطر مبنى بالرخام المرمر الأبيض، ملمع بالذهب الأحمر، يعلوه سكفة من الرخام المرمر الأبيض، مكتوب على عارضته علو السكفة المذكورة بالذهب الأحمر «٦» : بسم الله الرحمن الرحيم: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ* الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ «٧» .

стр. 863

ومكتوب على السكفة أربعة تواريخ «١» فى ضمن بيتين وهما: باب شريف قد رقى ببنى الوفا ... الحب فيه أفضل الأقطاب سنة ١١٩١ سنة ١١٩١ قالت لنا أنوار سر جنابه ... لا شك هذا أكمل الأبواب سنة ١١٩١ سنة ١١٩١ وبجانبى الباب دائرتان من الرخام الأبيض يمنة ويسرة، مكتوب على إحداهما «٢» بيتان بالذهب الأحمر، وهما: لسلطاننا عبد الحميد مكارم ... أقام بها للدين ركنا مشيدا له النصر من آل الوفاء مؤرخ ... تدوم وتبقى بالصلاح مؤيدا سنة ١١٩١ وعلى الدائرة الثانية «٣» بيتان بالذهب الأحمر وهما: عبد الحميد بجاه النصر معتصم ... عن الملوك بأوصاف الثّنا فاقا حزت الفلاح أبا الأنوار دم فرحا ... أعطاك ربّك أنوارا وإشراقا وبجوار باب المسجد المذكور شباك تعلوه دائرة من الرخام الأبيض مكتوب عليها بالذهب الأحمر: حبا الله سلطان البرية نصره ... وأيده المولى الحميد بمجده وجازاه عن آل الوفا أحسن الجزا ... وأولى أبا الأنوار سائر قصده

стр. 864

ومكتوب عليها أيضا نثرا: «قد كمل بناء هذا الحرم الوفائى السعيد، بعناية الله الملك الحميد، فى غاية عام إحدى وتسعين ومائة وألف من هجرة من له العز والشرف ﷺ » . يغلق على الباب المذكور مصراعا باب من خشب الجوز، مصفّحان بصفائح النحاس الأصفر، بكل منهما حلقة من النحاس الأصفر، ويعلو ذلك الباب من داخل المسجد لوح مكتوب عليه هذا البيت: الأولياء وإن جلّت مراتبهم ... فى رتبة العبد والسادات سادات «١» ويدخل من الباب المذكور إلى مسجد شريف جامع لجميع المحاسن، أعلاه قناديل تقارن الثريا، تقام فيه الصلوات الخمس بالجماعات، والجمعة، والعيدان، والسنن، معمور بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن. ويشتمل هذا المسجد على محراب مبنى بالرخام الملون، به يمنة ويسرة عمودان صغيران من الرخام المرمر الأبيض، يعلوه تاج من خشب الجوز منقوش بالذهب الأحمر، يجاوره منبر من خشب الجوز، له باب بمصراعين من خشب الجوز منقوش بالذهب الأحمر، وسلم عشر درج، يعلوه قبة بأربعة عساكر، وهلال من النحاس المصفى المموه بالذهب المحلول. وبالمسجد أربعة لواوين: «٢» أحدها تجاه الداخل، به المنبر والمحراب، واثنان على يمنة الداخل، والرابع على يسرته، وبينها الصحن، يوصل إليه مجاز «٣» مفروش بالرخام الملون. والمسجد مسقف جميعه بالخشب النقى، به إزار من الخشب مكتوب عليه باللازورد والذهب الأحمر قصيدة فى مدح بنى الوفا، وأرضه مفروشة بالبلاط

стр. 865

الكدان، دائر جهاته بالحجر الفص النحيت الأحمر الجديد، وبحائط المحراب والمنبر من أوله إلى آخره آزرة «١» كبيرة من الرخام المرمر الملون، وبه ستة عشر عمودا من الرخام المرمر الأبيض، عليها اثنان وعشرون بائكة «٢» معقودة بالحجر النحيت، وبالسقف أربعة ممارق «٣» ، وقبة من الخشب النّور «٤» ، يعلوها هلال من النحاس المموه بالذهب، وبحائط المسجد الغربى اثنا عشر شباكا (قمريات) وبالصحن دكة خشب برسم الاستقبال. وبالمسجد ثلاث خلوات، إحداها برسم الخطيب «٥» بجوار المنبر، كتب على عارضة بابها بالذهب الأحمر: رب افتح يا فتاح. وهو تاريخ للبناء. والثانية لوقاد المصابيح بالمسجد، وما يتعلق بالوقادة من الأحمال والقناديل وغير ذلك، مكتوب على عارضة بابها بالذهب الأحمر: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٦» . والثالثة لشيخ السجادة مكتوب على عارضة بابها بالذهب الأحمر: «اللهم هب لنا الخلوة معك والعزلة عما سواك» . وبجوار الخلوة باب يوصل للمساكن ودواليب من الخشب. وبالصحن مقصورة ضريح القطب الكبير سيدى أبى الحسن على وفا، ووالده القطب الغوث الفرد الجامع الختم المحمدى كما نص عليه الشيخ الأكبر الإمام ابن العربى، والعارف الشعرانى، وغير واحد.

стр. 866

وتشتمل تلك المقصورة على درابزين من خشب الجوز مموه بالذهب الأحمر، وباب بمصراعين من خشب الجوز مصفح بصفائح النحاس، ورفرف فى الجهات الأربع، والأسفل من دائرة المقصورة مبنى من الجهات الأربع بالرخام المرمر الأبيض، يعلوها قبة منقوشة بالذهب محمولة على ستة أعمدة من الرخام المرمر الأبيض، وستة أكتاف متصلة بسقف المسجد مدهونة بالدهانات الملونة، وبالمقصورة عساكر من النحاس المصفى المموه بالذهب، ويعلو قبتها هلال من النحاس المصفى المموه بالذهب، وعلى دائرة المقصورة أبيات بالذهب أولها: هذه روضة وهذا مقام ... مزهر نوره وقطب إمام هذه جنة بروض رضاها ... خير آل نزيلهم لا يضام وآخرها: بالرضا فى ضريح جدك أرخ ... حى قطب الأقطاب هذا المقام سنة ١١٩١ وعلى باب المقصورة بيتان هما: إن باب الله طه جدكم ... ولكم قدر علىّ عن على كل من يرجو الوفا من بابكم ... وأتى من غيركم لم يدخل وعلى رفرف القبة من الجهات الأربع بالذهب الأحمر آيات شريفة، وبجوار المقصورة حوض كبير من الرخام المرمر، موضوع به الرمل الأحمر على العادة فى ذلك، وتجاه باب المقصورة تاج من الرخام المرمر الأبيض بأربعة وجوه، مكتوب بالذهب على الوجه الأول: «لا إله إلا الله الواحد الحى، الدائم العلى الحكيم» . وعلى الثانى: «محمد رسول الله الفاتح الخاتم أصل الوفا المشفع العظيم» . وعلى الثالث مكتوب: «نسب حضرة روح أرواح اللطائف المحمدية، وسر أسرار كنز المواهب الرحمانية: الأستاذ أبى الحسن على وفا بن محمد بن محمد النجم ابن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عيسى بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الله ابن عبد الكريم بن محمد بن عبد السلام بن حسين بن أبى بكر بن على بن محمد

стр. 867

ابن أحمد بن على بن محمد بن إدريس التاج بن إدريس الأكبر بن عبد الله المحض ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب، كرم الله وجهه، ورضى عنه» . وبإلايوان الأول الذي على يمنة الداخل من باب المسجد ثلاث مقصورات، على كل منها درابزين من الخشب النقى، بالأولى: ضريح القطب الربانى سيدى أبى الإسعاد بن وفا «١» وضريح سيدى عبد الفتاح أبى الإكرام بن وفا «٢» . وبالثانية: ضريح القطب الربانى سيدى محمد أبى الفتح بن وفا «٣» .

стр. 868

وبالثالثة: ضريح القطب الربانى سيدى يحيى أبى اللطف بن وفا «١» . والإيوان الثانى الذي على يمنة الداخل من المسجد أيضا به ثلاث مقصورات على كل منها درابزين من الخشب، بالأولى: ضريح القطب المعظم سيدى عبد الوهاب أبى التخصيص بن وفا «٢» . وبالثانية: ضريح القطب المعظم سيدى يوسف أبى الإرشاد بن وفا «٣» . وبالثالثة: ضريح القطب المعظم سيدى

стр. 869

عبد الخالق أبى الخير بن وفا «١» وضريح القطب المعظم سيدى محمد أبى الإشراق بن وفا «٢» ، وضريح القطب المعظم سيدى محمد أبى هادى بن وفا «٣» ، وضريح القطب المعظم سيدى أحمد أبى الإمداد بن وفا «٤» . والإيوان الثالث الذي على يسرة الداخل من المسجد به مقصورة كذلك بها ضريح القطب المعظم سيدى عبد الرحمن أبى الفضل الشهيد ابن وفا «٥» .

стр. 870

وبالإيوان المذكور الشباك الذي علوه الدائرة بجوار باب المسجد، وله مطهرة «١» بها مصلى بمحراب وفسقية وحنفية وسبعة كراسى راحة وساقية، وله منارة بدورين عليها هلال نحاس مصفى مموه بالذهب. ويتبع ذلك عمارة واسعة بجوار المسجد تشتمل على: دهاليز، وتبليطات، وبسطات، وقصور، ومساكن ذات رواشن «٢» ، وخورنقات، وخلاو، ومخازن لأمتعة الوقف ولوازمه من نحاس، وفرش، وزيت، وقناديل، وغير ذلك، وقاعات لطعام سماط الموالد، ومطابخ، وبيت عجين، وطابونة، وطاحون فرد فارسى كامل، وبيت قهوة، ودست كبير برسم الماء، ومصاطب وكلارات «٣» ، ووكالة لربط دواب الزوار ونحوهم، وحوش كبير فيه مدافن، وصهريج، وبزابيز «٤» وحنفيات، وكراسى راحة. وتلك الأبنية بالحجر الفص النحيت الأحمر الجديد، وبعضها مفروش بالبلاط الكدان، وبعضها بالرخام، وسقوفها من الخشب النقى، وشبابيكها من الخشب الخرط النقى، وسلالمها معقودة بالبلاط الكدان، إلى غير ذلك ... » «٥» .

стр. 871

وتبلغ مساحة هذا المسجد من الداخل ٢٩ مترا طولا، فى ٢٧ مترا عرضا، ويتوسطه صحن منخفض عن الأروقة الجانبية تبلغ مساحته ٥، ٩ أمتار عرضا، فى ١٤ مترا طولا، ويحيط بالمسجد من جهاته الأربع الأروقة التى ذكرت آنفا «١» . ولا يزال هذا المسجد قائما، وتؤدّى فيه الشعائر، غير أن به بعض التصدعات التى حدثت فى سقفه نتيجة للزلزال الذي حدث منذ شهور فى القاهرة «٢» كما نالت منه يد الزمن، فتهدمت ما به من الخلاوى المذكورة آنفا، وإن بقيت أبوابها قائمة دليلا عليها، ولا تزال المبانى التى بجوار المسجد وداخل السور الخارجى قائمة للآن، ويقيم بها المهتمون بشئون هذا المسجد، هذا وتقوم مصلحة الآثار الآن بترميم هذه التصدعات، وإصلاح ما أفسده الدهر لهذا المسجد الذي يضم رفات هؤلاء الأقطاب من السادة الوفائية، رضى الله عنهم وأرضاهم، وحشرنا فى زمرتهم. ***

стр. 872

قبر الشيخ سلامة أبى طرطور* وبعد أن تترك مسجد السادات الوفائية تسير مقدار خمسين خطوة فأكثر للجهة الغربية على يسارك، تجد حومة بها رجل صالح اسمه أبو طرطور، وحوله يمينا وشمالا قبور كثيرة كلها أولياء، قد محيت أضرحتهم، وما بقى منها إلّا بعض معالم رسوم البناء. وقبره- أى الشيخ سلامة- يقع إلى الشمال الشرقى من مسجد السادات الوفائية، وقد أشار ابن الزيات إلى موضع تربته، وذكر أنه كان محبّا لسيدى أبى السعود بن أبى العشائر، وكانت بينهما أخوّة ومحبّة ومودّة. ومن كراماته: أنه كان يعمل فى الطوب الآجرّ «١» بقليوب، فجاءه جماعة فقالوا له: قد وردنا على شيخك أبى السعود فأطعمنا طعاما فى شقف «٢» ، ولم نجد له آنية مليحة.. فاغتاظ الشيخ أبو طرطور وقال: لو اختار شيخى الدنيا لقال لهذا الطوب: كن ذهبا فيكون ذهبا. قيل: فصار الطوب ذهبا فى الوقت والساعة. فقال: إنّما ضربت بك مثلا، عد إلى ما كنت عليه. فعاد الطوب إلى ما كان عليه. وذكر السخاوى نقلا عن ابن الزيات أن تربته معروفة بتربة ابن أمير جندار. وقد بقيت آثار التركيبة الرخامية التى كانت تعلو قبره، وقد درس هذا القبر للأسف. وفى الكوكب السيار أشار إلى مكان هذا القبر فى مواضع المزارات على خريطة القاهرة وقال: إن أثر القبر باق، ولكنه فى حالة سيئة «٣» . ***

стр. 873

ضريح سيدى أبى السعود ابن أبى العشائر* فى سفح المقطم، وبجوار مسجد السادات الوفائية، يقع ضريح الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر بن شعبان بن الطيب الباذبينى، رضى الله عنه. مولده وأصله: ولد- ﵀ ببلدة «باذبين» «١» بقرب واسط بالعراق، وذلك فى شهر شعبان سنة ٥٧٧ هـ «٢» . ونشأ فى العبادة من صغره، وبشّر به سيدى أحمد بن الرفاعى. واختلف فى اسمه، قيل: اسمه محمد، وقيل غير ذلك، والأصحّ أنه لا يعرف له اسم، وإنما اشتهر بكنيته. وفى طبقات الأولياء جاء نسبه متصلا بعقيل بن عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم العقيلى القرشى «٣» .

стр. 874

قدومه إلى مصر وجهاده ضد الصليبين: وقدم الشيخ أبو السعود إلى مصر فى عهد الملك الكامل بن الملك العادل الأيوبى، فى وقت كانت جيوش الصليبين قد جاءت إلى ثغر «دمياط» فى مائتى مركب، واستولوا على المدينة وملكوها، فعند ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية، ونادى الملك الكامل فى القاهرة بأن النفير عامّ- أى التعبئة عامة- وأعلن الجهاد فى بلاد الإسلام «١» . لذلك لم ير أبو السعود بدّا من الانخراط فى صفوف المجاهدين تلبية لنداء الجهاد فى سبيل نصرة الإسلام والمسلمين. وتذكر المراجع التاريخية أن شيخنا قد أبلى بلاء حسنا فى تلك المعارك، وإن لم تذكر الدور الذي قام به على وجه التحديد «٢» . ولم يرجع الشيخ أبو السعود إلى القاهرة إلّا بعد رحيل الصليبين عن دمياط، بعد أن عقدوا الصلح مع الملك الكامل. وكان مقامه بالقاهرة بزاوية عند باب القنطرة «٣» كانت للإمام العالم

стр. 875

أبى العباس القراباغى «١» ، فلما مات أبو العباس القراباغى أقام بها الشيخ أبو السعود، ومن ثم عرفت الزاوية باسمه «٢» . مكانته العلمية وكراماته: كان- رحمه الله تعالى- من أجلّاء مشايخ مصر، وكان عارفا بالشريعة والحقيقة، وكان السلطان ينزل لزيارته «٣» . وذكره الشيخ صفى الدين بن أبى المنصور فى رسالته، والشيخ زكىّ الدين عبد العظيم المنذرى فى معجمه فى أسماء شيوخه، والشيخ سراج الدين بن الملقن فى تاريخه وطبقاته، وغيرهم. وتخرّج بصحبته سيدى داود المغربى، وسيدى شرف الدين، وسيدى خضر الكردى، ومشايخ لا يحصون «٤» ويذكر عنه كتّاب السير حكايات كثيرة «٥» تدل على رفعته واتساع دائرته، واستجابة الخلق له، وظهور نفعه وبركته.

стр. 876

قيل: إنه رأى النبي- ﷺ فى نومه، وأخذ عليه العهد، وألبسه الطاقية، فأفاق، ثم غاب عن وجوده، وأقام على ذلك ثلاثة أيام والطاقية على رأسه، ثم حصل له الفتح المحمدى إلى أن انتهى إلى مقام القطبانية، وكانت كرامته ظاهرة فى حياته وبعد وفاته. وحج حجّا سعيدا، واتفقت له كرامات عظيمة انتشرت عنه فى البلاد والعباد، ووقع له مكاشفات وأحوال لو استوعبناها لطال ذلك وضاق علينا «١» . وحكى عنه أنه كان إذا دخل إلى مجتمع وخلع نعليه كان يسمع عند خلع نعليه أنين كأنين المريض، فسئل- رضى الله عنه- عن ذلك، فقال: هى النّفس نخلعها عند النعال إذا اجتمعنا بالناس خشية التكبّر «٢» . من مأثور كلامه: ومن مأثور كلامه- رضى الله عنه: * ينبغى للسّالك الصادق فى سلوكه أن يجعل كتابه قلبه. * لا يستقيم ظاهر إلّا بباطن، ولا يسلم ظاهر إلّا بباطن. * من أعرض الخلق عنه فتغيّر منه شعرة واحدة فهو واقف معهم، مشرك بربه . ومن كسر بكل مرض فتغير منه شعرة واحدة فهو مع نفسه، فى حجاب عن ربه. ومن تغيّر فى حال الذلّ ولم يكن كما كان فى حال العزّ فهو محبّ. * لا ينصحك من لا ينصح نفسه، ولا تأمن الغش ممّن غشّ نفسه.

стр. 877

* كل ما أغفل القلوب عن ذكره تعالى فهو دنيا، وكل ما أوقف القلوب عن طلبه فهو دنيا، وكل ما أنزل الهمّ بالقلب فهو دنيا. * من رأيته يميل إليك لأجل نفعه منك فاتّهمه. * من ذكّرك بالدنيا ومدحها عندك ففرّ منه. ومن كان سببا لغفلتك عن مولاك فأعرض عنه، وعليك بحسم مادة الخواطر المشغلة التى يتولّد منها محبّة الدنيا، وإذا صدر منها خاطر فأعرض عنه، واشتغل بذكر الله عن ذلك الخاطر. * عليك الاشتغال بطاعة الله تعالى، لأنها أوّل درجات الترقى. * إذا رأيت ميل قلبك إلى الخلق فانف عن قلبك الشّرك. وإذا رأيت ميل قلبك إلى الدنيا فانف عن قلبك الشك. * صلاح القلب فى التّوحيد والصّدق، وفساده فى الشرك والرياء. * عليك بروحك، ثم بسرّك، ثم بقلبك، ثم بعقلك، ثم بجسدك، ثم بنفسك.. فالروح تطالبك بالشوق وسرعة السير إليه من غير فتور.. والسرّ يطالبك بأن تخفى سرّك.. والقلب يطالبك بالذكر له، والمراقبة، وأن تنسى نفسك وسواه فى ذكرك.. والعقل يطالبك بالتسليم إليه، والموافقة له، وأن تكون مع مولاك على نفسك وسواك.. والجسد يطالبك بالخدمة له وخلوص الطاعة.. والنّفس تطالبك بكفّها وحجرها عن كل ما مالت إليه، وحبسها وتقييدها، وألّا تصحبها ولا تستصحبها. * مراقبة الله تعالى مفتاح كل سعادة، وهى طريق الراحة المختصرة، وبها يطهر القلب، وتندحض النفس، ويقوى الأنس، فينزل الحب، ويحصل الصدق. * النفس حجاب العبد عن مولاه، وما دام لها حركة لا يصفو الوقت،

стр. 878

وما دام لها خاطر لا يصفو الذّكر.. وبقاء النفس هو الذي صعّب على العلماء الإخلاص فى تعليمه، فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها، وصارت الولاية لها، فإن تحرّكت تحرّك القلب لها، وإن سكنت سكن من أجلها. وحبّ الدنيا والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع وجودها، فكيف يدّعى عاقل حالا بينه وبين الله- مع استيلائها؟ أم كيف يصحّ لعابد أن يخلص فى عبادته وهو غير عالم بآفاتها؟ فإن الهوى روحها، والشيطان خادمها، والشّرك مركوز فى طبعها، ومنازعة الحق والاعتراض عليه مجبول فى خلقتها، وسوء الظن وما ينتج من الكبر والدعوى وقلة الاحترام سيمتها، ومحبّة الصيّت والاستهتار حياتها ويكثر تعداد آفاتها، وهى التى تحب أن تعبد كما يعبد مولاها، وتعظّم كما يعظّم ربّها، فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها؟ ومن أشفق عليها لا يفلح أبدا، فيجب على الصادق أنّ كلّ ما تمقته النفوس يعانقه، وكلّ ما تميل إليه يفارقه، ويقبل من الذّامّين ذمّهم فيه، ويقول للمادحين: ما مدحتموه من وراء حجاب، ويقول لنفسه فى كلّ نفس: لا قرّب الله مرادك، وأبعد مرامك، فنعوذ بالله من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس، فإن من لمح نزاهتها ورأى لها قدرا، أو علم أنّ فى الوجود أخسّ من نفسه فما عرف نفسه، فكيف ينزهها، أو يغضب لها، أو يؤذى مسلما لأجلها؟ فيجب اجتنابها كالسّمّ، وما دامت فى وجه القلب لا يصل إلى القلب خير، لأنها ترس فى وجهه، وكلّما قويت على القلب زاد شرّه، ونقص خيره، وما بقى منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها، والخواطر المذمومة لا تنقطع منها. وقال، رضى الله عنه: لم يصل الأولياء إلى ما وصلوا إليه بكثرة الأعمال، بل بالأدب. وقال عنه الإمام الشعرانى: ما رأيت فى لسان الأولياء أوسع أخلاقا منه- أى من أبى السعود بن أبى العشائر- ومن سيدى أحمد بن الرفاعى «١» .

стр. 879

وصف ضريح سيدى أبى السعود ومن فى حومته من الأولياء والفقهاء والعلماء والصالحين ذكرنا آنفا أنّ ضريح الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر يقع فى سفح المقطم، بجوار مسجد السادات الوفائية، وهو على بعد مائتى متر منه تقريبا، وهو عبارة عن حجرة مربعة، فى أركانها الأربعة مقرنصات كبيرة تقوم عليها رقبة بها أربع نوافذ، وعلى الرقبة أقيمت قبّة ضحلة، سقط معظمها. وقد أقيم فى عصر متأخر مسجد بجوار الضريح «١» يتكون من ثلاثة أضلاع مستقيمة، أما الضلع الرابع الذي يوجد به المحراب ففيه عدة انكسارات، وذلك حتى تأتى القبلة فى مكانها الصحيح. وفى حائط القبلة يوجد ثلاثة محاريب: المحراب المتوسط الكبير يوجد فى زاوية، وعلى جانبيه محرابان صغيران أشبه بالحنيات التى تزخرف العمائر. أما ما بقى من المسجد فمما يؤسف له أنه أصبح الآن مقابر، واندثرت معظم معالمه «٢» . وإلى جانب ضريح أبى السعود قبر الشيخ جمال الدين عبد الهادى ابن الشيخ أبى العباس القراباغى، وإلى جانبه أمّه، وإلى جانبها فاطمة بنت الشيخ عبد الهادى، والسيدة خديجة زوجة الشيخ عبد الهادى، وهم مع الشيخ فى حجرته.

стр. 880

وعند باب الضريح الشيخ «مبارك» ، خليفة أبى السعود، وإلى جانبه الشيخ مفتاح، خادم الشيخ أبى السعود، وعندهما الشيخ شمس الدين، خليفة سيدى أبى السعود أيضا، وهو متأخر الوفاة، وبالتربة أيضا قبر الشيخ على المنيحى، والشيخ عمر، وولده الشيخ على، وبها أيضا الشيخ مسعود، والشيخ أيوب الخوّاص، والشيخ على الحلبى، والشيخ شعبان، ومن وراء الحائط الشرقى أولاد الشيخ شعبان، وهما: محمد، وعلى، والشيخ شرف الدين ابن الإمام. وبالحومة أيضا الشيخ شهاب أحمد ابن الشيخ مبارك، وبها أيضا الشيخ سيف الدين وأولاده وذريته، وبها أيضا قبر الشيخ إسحاق خادم سيدى أبى السعود، وبها أيضا قبر القاضى شمس الدين الأنصارى ناظر حلب، والقاضى نور الدين النقاش. وبالحومة جماعة من مريدى سيدى أبى السعود. وفى جهة القبلة عمود مكتوب عليه: الشيخ أبو العبّاس الخزرجى «١» . رضى الله عنهم وأرضاهم. ***
следующие страницы →