← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قيل: إنه رأى النبي- ﷺ فى نومه، وأخذ عليه العهد، وألبسه الطاقية، فأفاق، ثم غاب عن وجوده، وأقام على ذلك ثلاثة أيام والطاقية على رأسه، ثم حصل له الفتح المحمدى إلى أن انتهى إلى مقام القطبانية، وكانت كرامته ظاهرة فى حياته وبعد وفاته. وحج حجّا سعيدا، واتفقت له كرامات عظيمة انتشرت عنه فى البلاد والعباد، ووقع له مكاشفات وأحوال لو استوعبناها لطال ذلك وضاق علينا «١» . وحكى عنه أنه كان إذا دخل إلى مجتمع وخلع نعليه كان يسمع عند خلع نعليه أنين كأنين المريض، فسئل- رضى الله عنه- عن ذلك، فقال: هى النّفس نخلعها عند النعال إذا اجتمعنا بالناس خشية التكبّر «٢» . من مأثور كلامه: ومن مأثور كلامه- رضى الله عنه: * ينبغى للسّالك الصادق فى سلوكه أن يجعل كتابه قلبه. * لا يستقيم ظاهر إلّا بباطن، ولا يسلم ظاهر إلّا بباطن. * من أعرض الخلق عنه فتغيّر منه شعرة واحدة فهو واقف معهم، مشرك بربه . ومن كسر بكل مرض فتغير منه شعرة واحدة فهو مع نفسه، فى حجاب عن ربه. ومن تغيّر فى حال الذلّ ولم يكن كما كان فى حال العزّ فهو محبّ. * لا ينصحك من لا ينصح نفسه، ولا تأمن الغش ممّن غشّ نفسه.

стр. 877

* كل ما أغفل القلوب عن ذكره تعالى فهو دنيا، وكل ما أوقف القلوب عن طلبه فهو دنيا، وكل ما أنزل الهمّ بالقلب فهو دنيا. * من رأيته يميل إليك لأجل نفعه منك فاتّهمه. * من ذكّرك بالدنيا ومدحها عندك ففرّ منه. ومن كان سببا لغفلتك عن مولاك فأعرض عنه، وعليك بحسم مادة الخواطر المشغلة التى يتولّد منها محبّة الدنيا، وإذا صدر منها خاطر فأعرض عنه، واشتغل بذكر الله عن ذلك الخاطر. * عليك الاشتغال بطاعة الله تعالى، لأنها أوّل درجات الترقى. * إذا رأيت ميل قلبك إلى الخلق فانف عن قلبك الشّرك. وإذا رأيت ميل قلبك إلى الدنيا فانف عن قلبك الشك. * صلاح القلب فى التّوحيد والصّدق، وفساده فى الشرك والرياء. * عليك بروحك، ثم بسرّك، ثم بقلبك، ثم بعقلك، ثم بجسدك، ثم بنفسك.. فالروح تطالبك بالشوق وسرعة السير إليه من غير فتور.. والسرّ يطالبك بأن تخفى سرّك.. والقلب يطالبك بالذكر له، والمراقبة، وأن تنسى نفسك وسواه فى ذكرك.. والعقل يطالبك بالتسليم إليه، والموافقة له، وأن تكون مع مولاك على نفسك وسواك.. والجسد يطالبك بالخدمة له وخلوص الطاعة.. والنّفس تطالبك بكفّها وحجرها عن كل ما مالت إليه، وحبسها وتقييدها، وألّا تصحبها ولا تستصحبها. * مراقبة الله تعالى مفتاح كل سعادة، وهى طريق الراحة المختصرة، وبها يطهر القلب، وتندحض النفس، ويقوى الأنس، فينزل الحب، ويحصل الصدق. * النفس حجاب العبد عن مولاه، وما دام لها حركة لا يصفو الوقت،

стр. 878

وما دام لها خاطر لا يصفو الذّكر.. وبقاء النفس هو الذي صعّب على العلماء الإخلاص فى تعليمه، فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها، وصارت الولاية لها، فإن تحرّكت تحرّك القلب لها، وإن سكنت سكن من أجلها. وحبّ الدنيا والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع وجودها، فكيف يدّعى عاقل حالا بينه وبين الله- مع استيلائها؟ أم كيف يصحّ لعابد أن يخلص فى عبادته وهو غير عالم بآفاتها؟ فإن الهوى روحها، والشيطان خادمها، والشّرك مركوز فى طبعها، ومنازعة الحق والاعتراض عليه مجبول فى خلقتها، وسوء الظن وما ينتج من الكبر والدعوى وقلة الاحترام سيمتها، ومحبّة الصيّت والاستهتار حياتها ويكثر تعداد آفاتها، وهى التى تحب أن تعبد كما يعبد مولاها، وتعظّم كما يعظّم ربّها، فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها؟ ومن أشفق عليها لا يفلح أبدا، فيجب على الصادق أنّ كلّ ما تمقته النفوس يعانقه، وكلّ ما تميل إليه يفارقه، ويقبل من الذّامّين ذمّهم فيه، ويقول للمادحين: ما مدحتموه من وراء حجاب، ويقول لنفسه فى كلّ نفس: لا قرّب الله مرادك، وأبعد مرامك، فنعوذ بالله من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس، فإن من لمح نزاهتها ورأى لها قدرا، أو علم أنّ فى الوجود أخسّ من نفسه فما عرف نفسه، فكيف ينزهها، أو يغضب لها، أو يؤذى مسلما لأجلها؟ فيجب اجتنابها كالسّمّ، وما دامت فى وجه القلب لا يصل إلى القلب خير، لأنها ترس فى وجهه، وكلّما قويت على القلب زاد شرّه، ونقص خيره، وما بقى منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها، والخواطر المذمومة لا تنقطع منها. وقال، رضى الله عنه: لم يصل الأولياء إلى ما وصلوا إليه بكثرة الأعمال، بل بالأدب. وقال عنه الإمام الشعرانى: ما رأيت فى لسان الأولياء أوسع أخلاقا منه- أى من أبى السعود بن أبى العشائر- ومن سيدى أحمد بن الرفاعى «١» .

стр. 879

وصف ضريح سيدى أبى السعود ومن فى حومته من الأولياء والفقهاء والعلماء والصالحين ذكرنا آنفا أنّ ضريح الشيخ أبى السعود بن أبى العشائر يقع فى سفح المقطم، بجوار مسجد السادات الوفائية، وهو على بعد مائتى متر منه تقريبا، وهو عبارة عن حجرة مربعة، فى أركانها الأربعة مقرنصات كبيرة تقوم عليها رقبة بها أربع نوافذ، وعلى الرقبة أقيمت قبّة ضحلة، سقط معظمها. وقد أقيم فى عصر متأخر مسجد بجوار الضريح «١» يتكون من ثلاثة أضلاع مستقيمة، أما الضلع الرابع الذي يوجد به المحراب ففيه عدة انكسارات، وذلك حتى تأتى القبلة فى مكانها الصحيح. وفى حائط القبلة يوجد ثلاثة محاريب: المحراب المتوسط الكبير يوجد فى زاوية، وعلى جانبيه محرابان صغيران أشبه بالحنيات التى تزخرف العمائر. أما ما بقى من المسجد فمما يؤسف له أنه أصبح الآن مقابر، واندثرت معظم معالمه «٢» . وإلى جانب ضريح أبى السعود قبر الشيخ جمال الدين عبد الهادى ابن الشيخ أبى العباس القراباغى، وإلى جانبه أمّه، وإلى جانبها فاطمة بنت الشيخ عبد الهادى، والسيدة خديجة زوجة الشيخ عبد الهادى، وهم مع الشيخ فى حجرته.

стр. 880

وعند باب الضريح الشيخ «مبارك» ، خليفة أبى السعود، وإلى جانبه الشيخ مفتاح، خادم الشيخ أبى السعود، وعندهما الشيخ شمس الدين، خليفة سيدى أبى السعود أيضا، وهو متأخر الوفاة، وبالتربة أيضا قبر الشيخ على المنيحى، والشيخ عمر، وولده الشيخ على، وبها أيضا الشيخ مسعود، والشيخ أيوب الخوّاص، والشيخ على الحلبى، والشيخ شعبان، ومن وراء الحائط الشرقى أولاد الشيخ شعبان، وهما: محمد، وعلى، والشيخ شرف الدين ابن الإمام. وبالحومة أيضا الشيخ شهاب أحمد ابن الشيخ مبارك، وبها أيضا الشيخ سيف الدين وأولاده وذريته، وبها أيضا قبر الشيخ إسحاق خادم سيدى أبى السعود، وبها أيضا قبر القاضى شمس الدين الأنصارى ناظر حلب، والقاضى نور الدين النقاش. وبالحومة جماعة من مريدى سيدى أبى السعود. وفى جهة القبلة عمود مكتوب عليه: الشيخ أبو العبّاس الخزرجى «١» . رضى الله عنهم وأرضاهم. ***

стр. 881

تربة الشيخ القطب أبى العباس البصير، المعروف بابن غزالة، ومن بها من الأولياء والعلماء والصالحين وتترك ضريح سيدى أبى السعود وتمشى قليلا متجها إلى الغرب، تجد مقام العارف بالله تعالى الشيخ أبى العباس البصير، وهى تربة بها جماعة من العلماء والأولياء والصالحين، أجلّهم سيدى أبى العباس البصير «١» ، رضى الله عنه. وهو الإمام العالم، العارف بالله، الناسك الزاهد، مربى المريدين، قطب وقته، وغوث زمانه الشيخ أبو العباس أحمد البصير الخزرجى الأنصارى الأندلسى، ويعرف أيضا بابن غزالة، ولد مكفوفا من بطن أمّه، وكان أبوه ملكا ببلاد المغرب، ذكره الشيخ صفى الدين بن أبى المنصور فى رسالته وأثنى عليه، وقال: إنه نشأ فى العبادة منذ صغره. وهو تلميذ الأستاذ أبى أحمد جعفر الأندلسى، تلميذ أبى مدين شعيب. سبب تسميته بابن غزالة: حكى عنه «٢» فى سبب شهرته بابن غزالة: أن أمّه لمّا وضعته وجدته أكمه، ليس له بصر ينظر به، فخافت من سطوة أبيه إذا نظر إليه فلم يعجبه، فألقته فى البريّة ورجعت، فأرسل الله غزالة ترضعه، فلما جاء الملك من السفر الذي كان فيه قالت له زوجته: إنى وضعت غلاما، وقد مات، فقال لها: لعل الله تعالى يعوضنا خيرا منه. فخرج من عندها للصيد، فضرب حلقة الصيد، فنظر إلى غزالة فى وسط الحلقة وهى ترضع طفلا، فلما رآه حنّ له، فقال

стр. 882

فى نفسه: أنا آخذ هذا عوضا عن ولدى، فأخذه وجاء به إلى منزله وهو فرحان، وقال لزوجته: إن الله تعالى قد عوّضنا هذا الغلام، فخذيه وربيه ليكون لنا ولدا. فلما نظرت إليه بكت بكاء شديدا وقالت له: هذا- والله- ولدى، وقصّت عليه القصة. فقال: الحمد لله الذي جمعه علينا. ونشأ الشيخ من صغره منشأ حسنا، وقرأ القرآن وعمره سبع سنين، واشتغل بالقراءات السبع، والعلوم الشرعية إلى أن برع فيها، ثم تصوّف، وفتح الله عليه، فكان من أصحاب الكشف التام، وظهرت له كرامات خارقة «١» . كراماته: وكان الشيخ أبو العباس معاصرا لسيدى أبى السعود بن أبى العشائر، وكان بينهما مودّة واتصال، وكانت طريقة الشيخ أبى العباس التجريد والتقشف، والمأكل الخشن، وكان عنده فقراء فى الزاوية، أكثر أكلهم- عنده- القراقيش والليمون المالح، وكانت طريقة أبى السعود فى مأكله وأصحابه الأطعمة المفتخرة والحلوى، فوقع فى أنفسهم الذهاب إلى سيدى أبى السعود لأجل المأكل الحسن، فلما ذهبوا إلى أبى السعود قدّم لهم ليمونا مالحا وقراقيش، فقالوا فى أنفسهم: نرجع إلى الشيخ أبى العباس ونقنع بما قسم الله لنا. فلما جاءوا إلى سيدى أبى العباس نظر إليهم بعين قلبه وقال لأحدهم: خذ هذه اللّبنة «٢» وامض إلى الصاغة وجىء بثمنها. فأخذها ومضى إلى الصاغة، فنظر إليها فإذا هى ذهب أحمر، فباعها بألف دينار، وجاء بالثمن إلى الشيخ، فقال الشيخ: كم فقيرا أنتم هاهنا؟ قالوا: عشرة. قال: فليأخذ كلّ منكم مائة دينار ويخرج عن صحبتى، لأن الفقراء لا يصحبهم من يريد الدنيا، وأنتم ملتم إليها وإلى مالها

стр. 883

ومأكلها الحسن. فقالوا: يا سيدى لا حاجة لنا بها، وليس لنا رغبة إلّا فى صحبتك. فقال لهم: ردّوا هذا المال إلى صاحبه وائتونى باللّبنة. فجاءوا بها إليه وهى على حالتها الأولى، فرماها الشيخ إلى جانب الزاوية. وهذا من جملة كرامات الشيخ وانقلاب الأعيان له. ومن كراماته التى ذكرها الشعرانى فى طبقاته، أن شخصا من مريديه قدم على سيدى عبد الرحيم القناوى- بعد وفاة الشيخ أبى العباس- وكان الشيخ عبد الرحيم يأخذ العهد على جماعة من الحاضرين، فمدّ يده ليد فقير سيدى أبى العباس البصير وهو فى المحراب، فخرجت يد أبى العباس من الحائط فمنعت يد الشيخ عبد الرحيم، فقال الشيخ عبد الرحيم: رحم الله أخى أبا العباس، يغير على أولاده حيّا وميتا «١» وكانت وفاته- رحمه الله تعالى- سنة ٦٢٣ هـ رضى الله عنه وأرضاه. وإلى جانبه قبر زوجته السيدة «موفقة» ، وكانت من الصالحات وأهل الولاية. الشيخ يحيى الصنافيرى ومناقبه «٢» : وبتربة سيدى أبى العباس البصير قبر الأستاذ ذى المناقب المشهورة، صاحب المكاشفات الجمّة، الشيخ القطب يحيى بن على بن يحيى الصنافيرى «٣» ، من أكابر الأولياء، نشأ فى العبادة من صغره، وكان فى حال بدايته رجلا صوفيّا، كثير التلاوة للقرآن، ولم يزل كذلك إلى أن حصلت له جذبة ربّانية، وهبّت

стр. 884

عليه نسمة محمدية، فوصل بها إلى مقام القطبانية، فصار منسوبا إلى الطريقة العباسية «١» ، فشاع ذكره فى البلاد، وشهد له علماء زمانه بالولاية والصلاح، وسعت إليه الخلق من سائر الأقطار، وحمل إليه نذره من أرض اليمن، وأقام بالقرافة مدة يسيرة، ثم توجّه إلى «صنافير» وأقام بها مدة، إلى أن اشتهر حاله بها، وصار أهل صنافير يحدّثون عنه بأمور شاهدوها منه، فلما تكاثر عليه الناس فرّ منهم وعاد إلى القرافة، وأقام بها مدة طويلة. وكان- ﵀ يجتمع على السماع، ويأمر أصحابه بالحضور فيه. وكان كثير الإيثار، لا يدخل عليه أحد إلّا ويمدّ له سماطا، ممّا يشتهيه فى نفسه، لا ينظر فى درهم ولا دينار، كثير الغيبة، قليل الحضور «٢» ، نيّر القلب، ولم يزل كذلك إلى أن توفى، ولو استوعبنا مناقبه لضاق الوقت علينا «٣» . كراماته: قال الحافظ ابن حجر عنه: «كثرت مكاشفاته حتى صارت فى حدّ التواتر، فإنى لم ألق أحدا من المصريين إلّا ويحكى عنه فى هذا الباب ما لا يحكيه آخر» . ويقول ابن حجر أيضا: «كان لى أخ من أبى قرأ الفقه ... ثم أدركته الوفاة، فحزن الوالد عليه جدّا، فيقال: إنه حضر إلى الشيخ- أى الشيخ يحيى الصنافيرى- فبشره بأن الله سيخلف عليه غيره، ويعمره، أو نحو ذلك، فولدت «أنا» له بعد ذلك بقليل، وفتح الله بما فتح» «٤» . ونظم بعض المقربين منه أرجوزة ذكر فيها جملة من كراماته، منها: أنه

стр. 885

كان يضع المنسف «١» على النار ويطبخ فيه الأرز فلا يحترق المنسف. ومنها: الكلام على الخاطر، والنظر فى المستقبل، وانقلاب الأعيان له، وإزالة الضرر عمّن يكون مضرورا، وقد حصل به نفع عظيم للخلق فى زمنه «٢» . ولما جاء سيدى يوسف العجمى، رضى الله عنه من بلاد العجم إلى مصر استأذن الشيخ يحيى الصنافيرى فى الدخول، فأذن له، وكان لا يدخل أحد من الأولياء مصر إلّا بإذنه «٣» . وفاته: وكانت وفاته- رحمه الله تعالى- يوم السبت فى السادس عشر من شعبان سنة ٧٧٢ هـ «٤» . وكان لموته مشهد عظيم، وصلّى عليه بمصلّى خولان، ودفن بالقرافة بتربة شيخه أبى العباس البصير- كما ذكرنا آنفا- وكان أول مشهده مصلى خولان، وآخره تربة أبى العباس «٥» . الإمام العالم عبد الله الغمازى «٦» : وفى التربة- أى تربة أبى العباس البصير- جماعة من الأولياء، منهم الشيخ الصالح، الإمام العالم عبد الله الغمازى، خادم سيدى أبى العباس البصير، ومعه

стр. 886

جماعة من ذرّيته، وقبره حوض «١» حجر عند باب التربة على يسارك وأنت داخل إلى زيارة الشيخ، بينهما الحائط القبلى. وكان قبلى هذه التربة جماعة من الأولياء يزارون من سيدى أبى السعود ابن أبى العشائر، وقد اندرست قبورهم الآن وتلاشت معالمها «٢» . ***

стр. 887

ضريح العارف بالله تعالى صفى الدين أبى المواهب الشاذلى* وبالقرب من هذا المكان الذي يحوى ضريح سيدى أبى السعود، ومسجد السادة الوفائية بنحو ٣٠٠ خطوة وأنت متجه نحو الطريق المؤدى إلى مسجد الإمام الشافعى، وبجوار كوبرى «التونسى» ، أقيم مسجد حديث يحمل اسم العارف بالله سيدى أبى المواهب الشاذلى، المعروف بالتونسى، وخارج المسجد المذكور بعدة أمتار، يقع ضريع القطب الغوث صفى الدين أبى المواهب محمد ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ داود العمرى التونسى. مولده وشيوخه: ولد فى تونس فى سنة ٨٢٠ هـ، وقرأ العلم بها على الشيخ العالم أبى القاسم البرزلىّ، وأبى سعيد الصفروىّ، وقاضى الجماعة أبى حفص عمر، ثم تحوّل إلى الديار المصرية، فأقام بها فى أماكن متعددة، وقرأ الحديث بها على الشيخ الإمام، قاضى القضاة وشيخ المحدّثين شهاب الدين بن حجر العسقلانى الشافعى «١» . وكان- ﵀ مقيما بالقرب من الجامع الأزهر، وكانت له خلوة فوق سطحه، موضع المنارة التى عملها السلطان الغورى. وكان يغلب عليه

стр. 888

سكر الحال، فينزل يتمشّى ويتمايل فى الجامع الأزهر، فيتكلم الناس فيه بحسب ما فى أوعيتهم حسنا وقبحا. مكانته ومؤلفاته: وكان- رحمه الله تعالى- من الظرفاء الأجلّاء الأخيار، والعلماء الراسخين، والأبرار، أعطى- رضى الله عنه- ناطقة سيدى على أبى الوفا فى عمل الموشحات الربّانية «١» ، وألّف الكتب الفائقة فى العلوم اللدنية، أهمها كتابه قوانين حكم الإشراق، يشرح فيه للمريدين الأحوال والمقامات والسلوك. وله لطائف فى تفسير أقوال الصوفية، منها قوله فى قول ابن الفارض: «وكل بلا أيّوب بعض بليّتى» أى: لأن بلاء أيوب ﵇ فى الجسد دون الروح، وبلاء العارف فيهما معا. وقال فى معنى قول بعضهم: «مقام النبوّة فى برزخ ... فويق الرسول ودون الولى» يعنى: أن مقام النبوة يعطى الأخذ عن الله تعالى بواسطة وحى الله، ومقام الرسالة يعطى تبليغ ما أمره الله به للعباد، ومقام الولاية الخاصة يعطى الأخذ عن الله بالله من الوجه الخاص. وهذه الحقائق الثلاث كلها موجودة فيمن كان رسولا، ومن المحال أن يعتقد أحد من أهل الله تعالى تفضيل الولاية على النبوّة والرسالة. وقال فى إنكار بعض المنكرين على قول بعض العارفين: «إنّ الخضر مقام لا إنسان» قال: لا إنكار، لأن الولىّ المحبوب يعطى من الكرامات ما للخضر

стр. 889

من المعجزات، وذلك عند الوراثة، والوراثة الخضرية قبل الوراثة الموسوية، ولا شك أن الوراثة مقام. وقال فى إنكار بعضهم على من قال: «حدّثنى قلبى عن ربى» : لا إنكار، لأن المراد: أخبرنى قلبى عن ربى من طريق الإلهام الذي هو وحى الأولياء، وهو دون وحى الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام «١» . ومن أقواله: * احذر أن تخرق سور الشرع يا من لم يخرج عن عادة الطبع، واحذر أن تقول: أنا مطلق من الحدود، لأنى دخلت حضرة الشهود، فإن الذي دعاك هو الذي نهاك. * أحسن الظّنّ بربك من حيث محبّة جماله وجلاله، فإن ذلك وصف له لا يتحوّل، ولا تحسن الظّنّ بربك لأجل إحسانه إليك، فربما قطع ذلك عنك فتسىء الظّنّ به، فليحذر السالك من علّة هذا المقام. * كل أبناء الدنيا يقبلون عليها وهم راحلون عنها فى كل نفس، لأنهم عمى عن شهود ما إليه يصيرون. * أهل الخصوصية مزهود فيهم أيام حياتهم، متأسّف عليهم بعد مماتهم، وهناك يعرف الناس قدرهم حين لم يجدوا عند غيرهم ما كانوا يجدونه عندهم. * من علامة المرائى إجابته عن نفسه إذا أضيف إليه نقص، وتنقيص الصالحين من أهل زمانه إذا ذكروا.

стр. 890

* الفقراء يراءون بالأحوال، والفقهاء يراءون بالأقوال. * العارف ينمو حال حياته ولا يشتهر إلّا بعد مماته. * العارف كلما علا به المقام صغر فى أعين العوام، كالنجم يرى صغيرا، وإنما العيب من العيون. * من تحقّق بمعارف الحضرة الإلهية، وانمحق وصفه بوصفها، خرج من الاعتماد على عمله وعلمه، وعن كل شيء من بقايا كونه وكينونته التى كان بها مع معيّة وجوده تدقيقا وتحقيقا، لا بباطل وهمه فى إثبات وجوده، فافهم. * الاعتماد على العمل أول عائق يقع لأصحاب السلوك فى بدايتهم، وذلك من غلبة الوهم على وجوههم، وتراكم الخيال على مزايا عقولهم، فلا يخرجون عن ذلك إلّا بنور الكشف بأنه- خالق لأعمالهم. * ادّعى أقوام محو آثار البشرية فأخطئوا الطريق، فإن الأكابر من الصحابة والتابعين وصلوا إلى محو الصفات البشرية، وما تركوا قط شيئا من الواجبات الدينية، علما منهم أنها اختيار الربّ لهم، ودعوته لهم حين أذن أن يأتوه بها، ومن كان بأمر سيّده كان بغير أمر نفسه، فافهم معنى الفناء يا من وقع فى العناء وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ «١» . وكان- رضى الله عنه- يقول فى قوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «٢» ، أى: لا يعلمون بحقيقة الاستدراج، وذلك أن يغطى عليهم حقائق الحق، ويلقى فى أوهامهم أنهم على صواب وحقّ، وأنهم غير

стр. 891

مؤاخذين على أفعالهم- نسأل الله اللطف- فمن أراد الوقاية من الاستدراج. فليخف عند ورود النعم عليه أن يستعملها فى غير ما وضعت له «١» . ومن دعائه وثنائه على الله : يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد، سبحانك بلسان الأزل، سبحانك بلسان الأبد، سبحانك بلسان الرّتق «٢» سبحانك بلسان الفتق «٣» ، سبحانك بلسان الجمع، سبحانك بلسان الفرق» ، سبحانك بلسان الصّفات، سبحانك فى حضرة الذّات، سبحانك بك، لا إله إلّا أنت، يا كبير يا متعال، يا جليل يا جميل، يا أوّل يا آخر، يا ظاهر يا باطن، تعاليت عن الشّبيه والنّظير، وتقدّست عن المعين والوزير، تعزّز «٥» سلطان وحدانيّتك عن وجدان السّوى والأغيار، وتقدّس جمال نورك أن يكون معه جمال من الأنوار اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، نُورٌ عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ *.

стр. 892

اللهمّ يا من ملأ نوره الكائنات فى أعلى السّماوات والعرش، وأدنى الأرضين والفرش «١» ، يا من هو المنزّه فى عزّ كماله الأقدس، وعلمه محيط فى جلال جماله المقدّس، أشهدنى هذا النّور المشرق فىّ وفى الآفاق، واجذبنى إليك بجواذب الأشواق، ونعّمنى فى حضرة وصالك، بأنوار جمالك وكمالك، وافتق لسان علمى «٢» بك فى حضرة مناجاتك بالأدب معك، والأخذ عنك، والفناء فيك، والبقاء بك لا بشيء دونك، واجعلنى الخزانة الجامعة لأسرارك، الممدّة بإذنك من شئت إمداده من حضرة شهودك، يا سميع، يا مجيب، يا سريع، يا منتقم، يا قهّار، يا حليم، يا كريم، يا من لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. يا من نور سبحات «٣» وجهه عمّر الكائنات، ومشرق سرّه عمّر أقطار الأرضين والسّماوات بالنّزاهة عن الحلول فى الأماكن والجهات، أنت الّذى- سبحانك- أعجزت العقول عن إدراك حضرة الذّات، وتعرّفت لها فى بيان الصّفات، وظهرت بظواهر الأسماء عن بواطن المسمّيات، فتعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء، وتنكّرت لكلّ شيء فما علمك شيء، سبحانك من حيث ذاتك الّتى لا تعرف، وحضرتك الّتى لا توصف، لا إله إلّا أنت، يا بديع، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا من أنشأ ما شاء كيف شاء على وفق علمه المحيط، وإرادته النّافذة، وقدرته الدّامغة، لا إله إلّا أنت، خالق كلّ شيء ومبدعه وربّه ومدبّره، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، غلب سلطان جمالك على الأرواح فهيّمها «٤» ، وعلى

стр. 893

الأسرار فنعّمها، وعلى القلوب فشوّقها، وعلى العقول فعوّقها، وعلى النّفوس فأماتها بعزّ سلطانه، وسطوة قهره، وعلوّ شأنه، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، كم خيّر كمال قدسك من ذى لبّ فى تيه الأفكار؟ وكم جمع فضلك من عاجز على حضرة الأسرار؟ وأبعد عدلك من مدّع حالة الوصول إلى جنابك العلىّ المقدار؟ وأعتق إحسانك من عبد وكتبه فى سجلّ الأحرار؟ سبحانك لا وصول إليك إلّا بك، ولا دخول عليك إلّا بإذنك، تقدّس جنابك الأعلى، وتنزّه وصالك الأغلى أن ينال بحيلة وحول، بل بفضل الامتنان والطّول «١» ، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، لا قريب إلّا من أدنته العناية، ولا مهدىّ إلّا من هدته الهداية، ولا عزيز إلّا من نشر عليه لواء الولاية، ولا معصوم إلّا من أمن من غين الغوابة، ولا محفوظ إلّا من وقى بقاف الوقاية بما قدّر فى الأزل السّابق، وعيّنه الأبد اللّاحق، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى اجمعنى بك عليك من أودية الشّتات، ونجّنى من حظوظ الأنفس والشّهوات، واكفنى كلّ هم يبعد ويدنى، وفكر فى الأمور يهدم ويبنى، ووسواس يوسوس بضيق الأرزاق، ويسىء الظّنّ بالرّزّاق الخلّاق، وشيطان يجلب الخوف من المخلوقين، وينسى الاعتماد على ربّ العالمين، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، أمر أهل السّماوات والأرضين فى يد قهرك، وأنت القائم على كلّ نفس بما كسبت، لا تتحرّك ذرّة إلّا بإذنك، ولا يكون فى كونك إلّا ما سبق به علمك- فيما سبق من التّقدير والقضاء الحتم الّذى لا رادّ لحكمه،

стр. 894

نسألك اللّطف فى قضائك، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، كونى شاهد علىّ بالافتقار إلى غناك المطلق الكامل بالذّات، فامنن على عبدك بغنى يكون به غنيّا، مغنيا من شئت غناه بوصف الفقر بين يديك، إنّك أنت الغنىّ الوهّاب، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، ذلّى نادى بعزّك، وضعفى نادى بقوّتك، وفقرى نادى بغناك، وعجزى نادى بحولك، وطلبى نادى بطولك، فأجب المضطرّ إلى هذه المطالب، وأنله ما سأل من المآرب، يا مجيب يا مجيب يا مجيب، يا قريب يا قريب يا قريب، يا الله يا الله يا الله، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، أطلقت سوابق الأرواح فى ميادين الأزل، وجعلت منها الفاضل والمفضول، والمخفوض والمرفوع، والتّابع والمتبوع، وناديتها إلى حضرات الوصال، ومشاهدات الجمال، فأجابتك بأنواع الكمال، ملبّية خاضعة، متواضعة خاشعة، يا مولاى يا واحد، يا مولاى يا دائم، يا علىّ يا حكيم. إلهى، أحى روحى بك حياة أبديّة، ومتّع سرّى بسرّك فى الحضرات الشّهوديّة، واملأ قلبى بالمعارف الرّبّانيّة، وأطلق لسانى بالعلوم اللّدنّيّة «١» ، واجعلنى فتّاحا لأقفال المشكلات، مستأنسا بك فى أندية المخاطبات، سابحا فى بحار الذّات، واقفا على ساحل النّجاة، مفوّها بفنون الغناء، طليقا من يد الأسر والعناء، آخذا بيد الغريق، ممكّنا بك فى كلّ فريق، ماسكا لأزمّة «٢» التّحقيق، جامعا لأشتات الطّريق، فانيا بالوحدانيّة، باقيا

стр. 895

بالواحديّة، قائما بالفردانية، ظاهرا بالجمال، متظاهرا بالجلال، متحقّقا بالكمال، مكمّلا للأتّباع، مخلّصا لهم من ظلمة الطباع، وغطاء الحجاب، وشرك الأسباب، يا نور كلّ شيء وهداه، ووليّه ومولاه، يا وليّى يا مولاى، فى آخرتى ودنياى، لا إله إلّا أنت، سبحانك، سبحانك، تعالى جدّك، وعزّ جارك، وتباركت أسماؤك يا قدّوس يا سلام، يا مؤمن يا مهيمن، يا عزيز يا جبّار لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم. اللهمّ إنّك تنزّهت عن الكيف والمقدار، وتقدّس استواء ذاتك على العرش، سبحانك عن التّمكّن والقرار، تعاليت سبحانك عن الحلول فى مكان، وتمجّدت أن تحيط بك دائرة الزّمان، كنت قبل خلق العوالم غنيّا عن الأكوان، وأنت الآن على ما كنت يا ديّان، ليس لك شبيه ولا نظير، ولا معين ولا وزير، ولا كفوء «١» ، ولا ندّ، ولا قبل ولا بعد، ولا غاية ولا حدّ، ولا والد ولا ولد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. اللهمّ يا مالك يا حميد، يا قدّوس يا مجيد، نسألك الثّبات على التّوحيد، والعناية والتأييد. يا ربّنا، هب لنا قلبا سليما، وسلوكا قويما، ومعرفة وذوقا، ومحبّة وشوقا، وهداية ونورا، وصلة وسرورا، وتوبة ماحية سواد الذّنوب، وأوبة تمنعنا من كلّ العيوب. اللهمّ منّ علينا بصفة قدسك، وآنسنا بأنسك، وأذقنا حلاوة المناجاة فى عزلة الخلوات، وهب لنا كمال التّخلّى «٢» . وحلّنا بحلية التّجلّى، لنتملّى «٣» بشهودك فى حضرات التّملّى.

стр. 896

اللهمّ يا سميع يا بصير، ويا نعم المولى ويا نعم النّصير، نسألك- كما منحتنا قبل السّؤال- أن تفتح عن قلوبنا الأقفال، يا منوّر الظّلمات، ويا معطى أهل الأرضين والسّماوات، نوّرنا بنورك يا نور الأنوار، واجمعنا على سرّك الجامع لكل الأسرار. ربّنا عنك لا تبعدنا، ربّنا بقربك شرّفنا، ربّنا عن بابك لا تطردنا، ربّنا بفضلك اغمرنا، ربّنا من جودك لا تحرمنا، ربّنا لغيرك لا تسلمنا، ومن كلّ بلاء سلّمنا، وببهجة جمال حضرتك متّعنا، وبكلّ كمال كمّلنا، وعن كلّ نقص قدّسنا، لك لا لغيرك سؤالنا، أنت ملاذنا وعياذنا، حاشاك أن نرجع منك بالخيبة وأنت الكريم، ولك الكرم المطلق، ونحن الفقراء وأنت الغنىّ، وبك الغنى المحقّق «١» . ربّ أنت مبدع الموجودات، ونورك السّاطع فلق الظّلمات، وقدرتك القاهرة الباهرة رفعت السّماوات، وفيض إفضال جودك غمر المخلوقات، وحكمتك المحكمة زيّنت الكائنات، وإرادتك القديمة خصّصت المصنوعات، وسرّك منعش للأرواح بالنّفحات، وبارق جمال حضرتك يلوح منه للعقول لمحات، وطيب نسمات رحمتك يفوح منه على القلوب رحمات، لها عطف عواطف المبرّات «٢» والمسرّات، فبحقّ الجود والعطف والإحسان، والرّحمة والرّأفة والامتنان، والوصف الطّاهر الأقدس، والنّعت المنزّه المقدّس- أسألك نظرة الحنان والعطف يا عطوف، ونفحة الفضل رحمة منك، يا رحيم يا رءوف.

стр. 897

يا من لا ينال فضله إلّا بفضله، ولا تعطى رحمته إلّا برحمته، ها نحن نتوسّل بفضلك إلى فضلك، ونسألك المزيد من فضلك، ونسألك ما يليق بفضلك، يا ذا الفضل العظيم. ربّ، أغن فاقة افتقارى، وقرّب دار بعد مزارى، يا جابر انكسارى، ويا كفيل اضطرارى، دفعت بقوّتك فى نحور أعدائى، واشتفيت بشفائك من عظيم دائى، يا عياذى يا ملاذى يا شفائى، يا سعد سعودى، وأمانى من شقائى، منك بداية خلقى، وإليك غاية حقّى، وإليك شهودى، وأنت مشهودى، يا مقصودى، يا معبودى، أنت أنت بما أنت على ما أنت، سبحانك من حيث أنت، لا تتخيّل بخيال، ولا تمثّل بمثال، سبحانك يا ذا الجمال والجلال والكمال «١» . كراماته: قال عنه الإمام النبهانى فى كتابه «جامع كرامات الأولياء» : « ... ومن كراماته- أى كرامات سيدى أبى المواهب الشاذلى- أنه كان كثير الرؤيا للنبىّ ﷺ فى المنام، حتى كأنه لا يفارقه، وحتى كأنه يراه فى اليقظة، وقد جمع مرائيه فى كتاب طالعته من أوله إلى آخره، فرأيته حقيقة من أعظم الكرامات لهذا العارف، حتى إنه يرى النّبيّ ﷺ فيتذاكر معه فى أمر، ثم يراه فى منام آخر فيكمل له الحديث الذي ابتدأه فى المنام قبله، بل ذكر بعضهم أنه كان يجتمع به ﷺ يقظة، وأنه تلقى عنه- ﵊ حزب الفردانية يقظة» .

стр. 898

وقال الإمام الشعرانى عنه فى الطبقات: «كان- رضى الله عنه- كثير الرؤيا لرسول الله ﷺ ، وكان يقول: قلت لرسول الله ﷺ : إنّ الناس يكذّبوننى فى صحة رؤيتى لك. فقال رسول الله ﷺ : وعزّة الله وعظمته، من لم يؤمن بها، أو كذّبك فيها، لا يموت إلّا يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا» . وهذا منقول من خط الشيخ أبى المواهب رضى الله عنه «١» . وفاته: وتوفى- رحمة الله عليه- فى الثالث عشر من شهر صفر سنة ٨٨٢ هـ بمكان بجوار الجامع الأزهر، ودفن بالتربة المذكورة آنفا، وكان لجنازته مشهد عظيم، وقبره يزار- رضى الله تعالى عنه وأرضاه، وحشرنا فى زمرته. ***

стр. 899

ضريح الشيخ شمس الدين محمد بن اللبّان (المعروف بالرازى) * وتترك ضريح سيدى أبى المواهب الشاذلى وتمشى قليلا جهة الغرب تجد تربة متسعة على يمينك، بها الإمام الجليل، العلّامة شمس الدين محمد بن اللبان، ويطلق عليه العامّة- خطأ- الفخر الرازى. واسمه كما ورد فى المصادر التى ترجمت له لم يرد فيها اسم (الرازى) : وهو: شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردى الدمشقى، ثم المصرى، المعروف بابن اللبان. مولده وشيوخه: ولد ابن اللبّان سنة خمس وثمانين وستمائة من الهجرة «١» ، وكان مولده بدمشق، ثم قدم الديار المصرية فأنزله ابن الرّفعة بمصر وأكرمه إكراما كثيرا. وسمع الحديث بدمشق من أبى حفص عمر بن غدير بن القوّاس، والحافظين أبى الحسن اليونينى والفزارى. وبثغر الإسكندرية من الشريف تاج الدين الغرّافى، وغيره. وتفقه بابن الرفعة، وجمال الدين أبى بكر محمد بن أحمد بن عبد الله

стр. 900

ابن سحمان الشّريشى، وأبى المعالى محمد بن على بن عبد الواحد الأنصارى، وصدر الدين محمد بن عمر بن مكى بن الوكيل. وأخذ العربية عن شيخ النحاة، والحنابلة، والقرّاء، شمس الدين محمد ابن أبى الفتح البعلى. وقرأ القراءات «الشاطبية» على والده، شيخ القراء والصلحاء. وصحب فى التصوف الشيخ ياقوت العرشى «١» المقيم بالإسكندرية، صاحب الشيخ أبى العباس المرسى، صاحب الشيخ أبى الحسن الشاذلى. ودرس بقبة الشافعى، وغيرها. تصانيفه ومؤلفاته: وبرع ابن اللّبّان، فقها، وأصولا، ونحوا، وتصوّفا، ووعظ الناس، وعقد مجلس التذكير بمصر، ودرّس بالمدرسة المجاورة لضريح الشافعى رضى الله عنه، وكان أديبا وشاعرا ذكيّا، فصيحا، ذا همّة وصرامة، وانقباض عن الناس. وله تصانيف مفيدة، منها: «ترتيب الأم» للإمام الشافعى على مسائل الروضة، واختصر «الأم» فى أربعة مجلدات ولم يبيضه، واختصر الروضة، ولم يشتهر لغلاقة لفظه، وجمع كتابا فى علوم الحديث، وكتابا فى النحو، و «ألفية» ضمّنها أكثر فوائد «التسهيل» و «المقرب» لم يصنّف مثلها فى العربية، وشرحها، و «ديوان خطب» . وله «تفسير» لم يكمله، جاءت سورة البقرة فيه فى مجلدين، وله كتاب «متشابه القرآن والحديث» تكلم فيه

стр. 901

على بعض الآيات والأحاديث المتشابهة بكلام حسن على طريقة الصوفية، سمّاه «إزالة الشّبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات» . وله نظم «١» . من أقواله وأشعاره: ومن أشعاره الرائقة: أحبّة قلبى أنتم وحياتكم ... حياتى فمالى عيشة بسواكم أموت إذا غبتم وأنشر عند ما ... يبشّرنى ريح الصّبا بلقاكم إذا كنتم روح الوجود بأسره ... فكيف يعيش الصّبّ عند جفاكم فإن كان ذنبى حال بينى وبين ما ... يؤمّله منكم نزيل قراكم ومالى سوى أنّى بكم قد أتيتكم ... وعادتكم أن تجبروا من أتاكم «٢» ومن شعره الذي أورده فى كتابه «المتشابه فى الرّبّانيّات» : تشاغل عنا بوسواسه ... وكان قديما لنا يطلب محبّ تناسى عهود الهوى ... وأصبح فى غيرنا يرغب ونحن نراه ونملى له ... ويحسبنا أنّنا غيّب ونحن إلى العبد من نفسه ... ووسواس شيطانه أقرب ومن مناجاته فى هذا الكتاب، وهو ممّا أخذ عليه «٣» :

стр. 902

«إلهى، جلّت عظمتك أن يعصيك عاص، أو ينساك ناس، ولكن أوحيت روح أوامرك فى أسرار الكائنات، فذكرك النّاسى بنسيانه، وأطاعك العاصى بعصيانه، وإن من شيء إلّا يسبّح بحمدك، إن عصى داعى إيمانه فقد أطاع داعى سلطانك، ولكن قامت عليه حجّتك، ولله الحجّة البالغة لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» . ومن كلامه- فى الكتاب نفسه- على حديث: «إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة ... » الحديث: «فيه إشارة إلى أنّ خشية سوء الخاتمة مخصوص بأهل أعمال الجنّة، وأمّا أهل الإخلاص لأعمال التوحيد، فلا يخشى عليهم سوء الخاتمة، ولهذا قال: «فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ... » فأفهم بذلك أنّ المتقرّب متقربان: متقرّب إلى الجنة بأعمالها، ومتقرب إلى الله بذكره، كما ثبت فى حديث: «أنا عند ظنّ عبدى بى، وأنا معه حين يذكرنى ... » إلى قوله: «وإن تقرّب إلىّ ذراعا تقرّبت منه باعا» ، وذلك يفهمك أنّ المتقرب إلى الله تعالى لا يمكن أن يبقى بينه وبينه ذراع، لأن ذلك الذراع إن كان التقرب به مطلوبا من العبد لم يبق بعده مقدار يتقرّب الله تعالى به إليه، وحينئذ فيستلزم الخلف «٢» فى خبره، وهو محال، وإن كان موعودا به من الله لزم تنجّز وعده، وتحقّق القرب للعبد، فلا يبقى بعد ولا دخول إلى النار، فعلم أن ذلك الذراع مخصوص بأهل القرب إلى الجنة، التى لا يلزم ممّن يقرّب إليها، فافهمه، فإنه بديع «٣» .

стр. 903

ومنه: قال: أنكر القاضى أبو بكر بن العربى فى كتاب «الأحوذىّ» ثبوت الرؤية فى الموقف، وقال: إن نعيم الرؤية لا يكون إلّا للمؤمنين فى الجنة، وإن ما جاء فى الرؤية فى الموقف فإنما هو على سبيل الامتحان والاختبار. والذي نعتقده: ثبوت الرؤية وتعميمها للمؤمنين فى الموقف، على ما صحّ فى الحديث، وذلك صريح فى قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «١» . والله أعلم بالصواب. وفاته: وكان- ﵀ حسن المجالسة، كثير التودّد للإخوان، وظهرت له أمور وكرامات، وكانت وفاته شهيدا بالطاعون فى شوال سنة ٧٤٩ هـ ودفن بالتربة المذكورة آنفا، وقبره يزار- عليه رحمة الله تعالى. ***

стр. 904

ضريح سيدى يوسف العجمى الكورانى* وبعد أن تترك التربة التى دفن فيها سيدى أبو العباس البصير، ويحيى الصنافيرى، وعبد الله الغمازى، رضى الله عنهم، تمشى قليلا للجهة البحرية تجد مقام سيدى محمد الأندلسى، وبجواره مشهد الإمام العلامة الحصنى، ثم تخرج وتمشى قليلا للجهة البحرية مقدار خمسين خطوة تجد مشهد العارف بالله سيدى يوسف العجمى وأولاده وجماعته «١» .

стр. 905

التعريف به: هو الشيخ العارف، والولىّ الشهير، جمال الدين يوسف بن عبد الله ابن عمر بن علىّ بن خضر العجمى الكورانى، كان عارفا بالله تعالى، وبسلوك الطريق، أدرك الشيخ يحيى الصنافيرى، وكان يزوره كثيرا، ويفهم ما يقوله الشيخ من الإشارات والتلاويح. أساتذته وشيوخه: أخذ العهد عن الشيخ نجم الدين محمود الأصفهانى، وعن الشيخ بدر الدين حسن الشمشيرى، وتلقّن الذّكر عنهما- وهى سلسلة الشيخ الجنيد رضى الله عنه «١» . رحيله إلى مصر: ولما ورد عليه وارد الحق بالسفر من أرض العجم إلى مصر لم يلتفت إليه، فلما تكرر هذا الوارد ثلاث مرات علم أنه وارد صدق، فسار إليها وجدّ فى سيره حتى وصل إليها، واستأذن الشيخ يحيى الصنافيرى فى الدخول- وكان لا يدخل أحد من الأولياء مصر إلّا بإذنه- فأذن له، وأنشد فيه الصنافيرى: ألم تعلم بأنّى صيرفىّ ... أحكّ الأولياء على محكّى «٢» فمنهم بهرج لا خير فيه ... ومنهم من أجوّزه بسبكى «٣» وأنت الخالص الذّهب المصفّى ... بتزكيتى ومثلى من يزكّى «٤»

стр. 906

وقيل: كان سيدى حسن التسترى- رضى الله عنه- أقدم منه هجرة، وكان يقاربه فى الرتبة، وقيل: كان أرقى منه درجة، فلحقه بأرض مصر، فقال له سيدى يوسف: يا أخى، الطريق لا تكون إلّا لواحد، فإمّا أن تبرز أنت للخلق وأكون أنا خادمك، وإمّا أن أبرز أنا وتكون أنت خادمى- قياما لناموس الطريق- فقال له سيدى حسن، رضى الله عنه: بل ابرز أنت وأكون أنا خادمك. فبرز سيدى يوسف رضى الله عنه «١» . كراماته ومصنفاته: وكانت طريقته التجريد «٢» فكثر بمصر أتباعه، واشتهر ذكره، وبعد صيته، وكثر معتقدوه ومريدوه، وكانت له زاوية مشهورة فى قرافة مصر- وهى الزاوية التى دفن فيها- وعدة زوايا فى بلدان مختلفة، وعمّ نفعه البلاد والعباد. وأبرز بمصر من الكرامات والخوارق ما يضيق الوقت عن وصفها «٣» . ومن آثاره: رسالة فى شرائط التوبة ولبس الخرقة، سمّاها: «ريحانة القلوب فى التّوصّل إلى المحبوب» ، و «بيان أسرار الطالبين» فى التصوف، و «بديع الانتفاث فى شرح القوافى الثلاث» وله «حزب» «٤» . وكان- رضى الله عنه- يغلق باب زاويته طول النهار، لا يفتح لأحد إلّا للصلاة، وكان إذا دقّ أحد الباب، يقول للنقيب: اذهب فانظر من شقوق

стр. 907

الباب فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء «١» فافتح له، وإلّا فهى زيارات «فشارات» . فقيل له فى ذلك، فقال: أعزّ ما عند الفقير وقته، وأعزّ ما عند أبناء الدنيا ما لهم، فإن بذلوا لنا مالهم بذلنا لهم وقتنا «٢» . وهو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد، رضى الله عنه، بمصر بعد اندراسها، وكان ذا طريقة عجيبة فى الانقطاع والتسليك «٣» . وفاته: وكانت وفاته بزاويته فى يوم الأحد، نصف جمادى الأولى سنة ثمان وستين وسبعمائة ٧٦٨ هـ. وصلّى عليه خلق لا يحصون، ودفن بالقرافة الصغرى بالزاوية المذكورة، وقبره يزار، رضى الله عنه وأرضاه «٤» . ***

стр. 908

ضريح ومسجد الشيخ شاهين الخلوتى* وبالقرب من مقام الإمام الجليل، سلطان العاشقين، سيدى عمر بن الفارض، يقع مسجد سيدى شاهين الخلوتى، على رأس الجبل المقطم، وبهذا المسجد ثلاثة قبور: القبر الكبير، قبر الشيخ شاهين، وبجواره قبر ابنه الشيخ جمال الدين عبد الله، والثالث قبر حفيده الشيخ محمد شاهين (أو شاهين الصغير) «١» . ترجمة الخلوتى: هو الشيخ الصالح، والعابد الزاهد شاهين بن عبد الله، ويعرف بشاهين المحمدى، وشاهين الدمرداشى أيضا، لمصاحبته سيدى محمد الدمرداش رضى الله عنه. مولده وأساتذته: ولد الشيخ شاهين بمدينة تبريز بإيران فى القرن التاسع الهجرى، ولم يعرف تاريخ ميلاده على وجه التحديد، وأمضى فى فارس طفولته ومعظم شبابه، ثم رحل إلى مصر فى عهد السلطان الأشرف قايتباى، وكان ذا همّة وشجاعة، جميل الخلقة، ممشوق القوام، فاشتراه السلطان وأصبح من مماليكه، وانتظم فى جنده، ولكن حياة المماليك والجندية لم توافق مزاج شاهين ولا طبيعته التى

стр. 909

فطر عليها، فقد كان منطويا يحب العزلة، ولا يطمئن إلّا إلى صحبة الفقهاء ورجال الدين، فحفظ القرآن الكريم والكثير من الأحاديث. فلما عرف السلطان عنه هذه الصفات قرّبه منه، وصار لا يبرح مجلسه، ولمّا طلب منه شاهين أن يتركه ويخليه لعبادة ربه أجابه إلى طلبه، وأعتقه، فساح إلى بلاد فارس، وهناك تتلمذ على يدى الشيخ العارف بالله تعالى عمر الروشنى بمدينة تبريز، حتى أصبح من أقرب تلاميذه ومريديه إليه. وأخذ عنه الطريق «١» . ثم رجع إلى مصر، وصاحب ولّى الله سيدى محمد الدمرداش بالعباسية، وأصبح من أعز رفقائه ومريديه، ولذلك عرف باسم شاهين الدمرداشى المحمدى- كما ذكرنا آنفا. كذلك أخذ الشيخ شاهين عن الشيخ أحمد بن عقبة اليمنى، وحسين جلبى المدفون بزاوية الدمرداش. ولما توفى الشيخ محمد الدمرداش ترك الشيخ شاهين العباسية وسكن الجبل المقطم، وبنى له فيه معبدا، وحفر له فيه قبرا «٢» . ولم يزل الشيخ شاهين مقيما فى خلوته فى جبل المقطم لا ينزل إلى مصر نحو ثلاثين سنة، واشتهر أمره، فتردّد عليه الأمراء والوزراء لزيارته والتبرك به. وفاته: وكان- رحمه الله تعالى- كثير المكاشفة، قليل الكلام جدّا، وفى ذلك يقول الشعرانى: «تجلس عنده اليوم كاملا لا تكاد تسمع منه كلمة» . وكان

стр. 910

كثير السهر، متقشفا فى الملبس، معتزلا عن الناس، إلى أن توفاه الله تعالى سنة تسعمائة ونيّف «١» رضى الله عنه. وصف مسجده: يقع مسجد شاهين الخلوتى على رأس جبل المقطم «٢» . وهو مرتفع الأرضية، يصعد إليه بمزلقان، وقد أنشأ هذا المسجد جمال الدين عبد الله، نجل العارف بالله شاهين الخلوتى، مكان الخلوة التى كان يتعبد بها والده. ومنقوش على باب هذا المسجد تاريخ الإنشاء، فقد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم» إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... إلى آخر الآية «٣» . أنشأ هذا الجامع ووقفه العبد الفقير إلى الله تعالى جمال الدين عبد الله، نجل العارف بالله تعالى الشيخ شاهين الخلوتى. افتتح سنة خمس وأربعين وتسعمائة» انتهى «٤» . ويصف على مبارك المسجد فيقول: «وبه أربعة أعمدة من الحجر، وقبلته مشغولة «٥» بقطع من الرخام الملون والصّدف، ويكتنفها عمودان من الرخام. كما يحتوى الجامع على منبر من الخشب، ودكّة (المبلّغ) «٦» قائمة على عمود

стр. 911

من الرخام. وبأسفل المسجد جملة من خلاوى الصوفية، وله ميضأة، وبه صهريج صغير. وهو الآن غير مقامة به الشعائر، ويحتاج إلى اهتمام ورعاية من وزارة الأوقاف وهيئة الآثار. وقد حرص كبار الرّحّالة الذين وفدوا على مصر على زيارة ضريح الشيخ شاهين الخلوتى، برغم المشقة التى يتكبدها من يريد الوصول إليه، فقد كان عليه الصعود إلى أعلى جبل المقطم فى مطلع غير معبّد أو ممهّد، وكثير الانحدار، ومن هؤلاء الزوّار الرّحّالة النابلسى، يقول: « ... وسرنا إلى أن دخلنا جامع شاهين الدمرداشىّ ... فدخلنا مزاره، ورأينا مقامه فى ذلك الجامع، وهو يطل على مزارات القرافة المباركة، وفيه منبر ومحراب لإقامة صلاة الجمعة. وهناك ثلاثة قبور: القبر الكبير، قبر الشيخ شاهين وبجانبه قبر ولده جمال الدين، ثم قبر ولد ولده الشيخ محمد شاهين. فوقفنا هناك، وقرأنا الفاتحة، ودعونا الله تعالى..» «١» . ***

стр. 912

المزارات والآثار العربية الموجودة بالقرافة الجنوبية إلى سنة ١٣٥٦ ه ـ خلاصة*: (جبانة السيدة نفيسة) فالمعروف منها الآن بجبانة السيدة نفيسة- مشهد السيدة نفيسة بنت زيد- ضريح الشيخ حسن الشعار (متأخر الوفاة) - ضريح الشيخ أحمد القليوبى (متأخر الوفاة) - ضريح الست جوهرة- ضريح أبى القاسم المراغى المعروف بموفى الدين- مشهد الخلفاء العباسيين- مشهد السيدة نفيسة بنت الحسن- مشهد السادة المالكية. (شارع السيدة نفيسة والإمام الليث) قبر القاضى عبد الوهاب البغدادى- قبر ابن عقيل- ضريح أبى جعفر الطحاوى- ضريح الإمام كمال الدين القسطلانى- قبة عثمان كتخدا القازدوغلى.

стр. 913

(شارع الأقدام) ضريح الأذرعى- ضريح سيدى بركة (متأخر الوفاة) - ضريح الشيخ ضيف (متأخر الوفاة) - جامع الأمير ازدمر الدوادار. (شارع القادرية) ضريح الشيخ أبى الفتح العدوى والسادات القادرية- (جامع سيدى على) ضريح الشيخ التيناتى- ضريح (أبونا) يوسف بتربة مصطفى باشا النشار حاكم اليمن- تربة جانى بك نائب جدة- ضريح سيدى محمد المغربى شيخ الشعرانى- بقايا تربة تمر باى الحسنى. (شارع الإمام الشافعى) ضريح سيدى محمد القرمى المعروف الآن بسيدى محمد عبد الباقى- ضريح الشيخ عمر التكرورى- ضريح الشيخ أحمد رمضان- ضريح ابن وقيع شيخ مقرأة الإمام الشافعى (المزعوم أنه الشيخ وكيع الإمام المشهور، شيخ الشافعى) - ضريح الإمام المزنى- ضريح الإمام ورش بشارع أبى البقاء- ضريح الشيخ هدهد. (جبانة سيدى جلال وابن الفارض وشارع بوابة الجبل) ضريح سيدى جلال السيوطى- ضريح تلميذه الشيخ نور الدين على القرافى بالمدرسة المسيحية- ضريح الكمال ابن البارزى- ضريح سيدى على الشنوانى البركلوى المعروف بالشيخ عبد الله- ضريح غيبى المعروف بالمغاورى- ضريح الفارس أرقطاى- ضريح اليسع وروبيل- ضريح سيدى عمر بن الفارض-

стр. 914

بقايا جامع لؤلؤة «يعرف بضريح الست لوله» - ضريح الشيخ شاهين الخلوتى- ضريح الشيخ عمر البسطامى- ضريح سنا وثنا المعروف بسيدى ريحان- قبة الأمير صواب السعدى- قبة الأمير سودون القصروى- تربة مصطفى جالق- قبة الأمير تنكزبغا- قبة ولده خليل بن تنكز- قبة كافور الهندى تعرف بسيدى عبد الله المنوفى- بقايا خانقاه قوصون- تربة خوند سمرا الناصرية- تربة القرافى من آثار الدولة الناصرية- جامع الغورى- حوض عبد الرحمن كتخدا. (جبانة التونسى) ضريح الشيخ أبى الفضل الجيزاوى شيخ الجامع الأزهر- ضريح سيدى عيسى الجيلانى المعروف بأبى رمانة ومعه سيدى إسماعيل الجبرتى- ضريح الشيخ محمد السمالوطى أحد علماء الأزهر (متأخر الوفاة) - ضريح القارئ والسامع- ضريح الإمام الشاطبى والقاضى الفاضل- ضريح سيدى محمد وفا وذويه (جامع السادات الوفائية) - ضريح شمس الدين محمد بن اللبان يعرف بالرازى- ضريح أبى الفتح الطوسى- ضريح سيدى أبى السعود بن أبى العشائر- ضريح ابن سيد الناس صاحب السيرة النبوية- ضريح ابن أبى جمرة- ضريح الكمال ابن الهمام- ضريح ابن عطاء السكندرى- ضريح عز الدين بن عبد السلام، وتقي الدين بن دقيق العيد- ضريح السيدة نبيهة الوفائية. (جبانة الإمام الشافعى والليث) مشهد الإمام الشافعى- بقايا المدرسة الصلاحية- مشهد السادة الثعالبة- قبر أبى عبد الله القرشى إلى جانب المشهد المذكور قبله- ضريح الشيخ أبى النجا خطيب مسجد الشافعى- ضريح الشيخ عليان أحد علماء الأزهر (متأخر الوفاة) - مشهد السيدة زينب بنت يحيى المتوج- والسيدة فاطمة العيناء-

стр. 915

والسيدة أم كلثوم بحوش المناسترلى- مشهد الشريف الهاشمى وابنته السيدة زينب- مشهد السيدة كلثم- مشهد السيد القاسم الطيب وولده محمد- مشهد السيد يحيى الشبيه ومعه جملة من الأشراف الأقربين. ضريح الصحابى أبى بصرة الغفارى- ضريح أبى الظهور الأحمدى (من أصحاب السيد أحمد البدوى) - ضريح الشيخ محمد عبد الهادى (متأخر الوفاة) - ضريح الإمام الليث بن سعد ومعه ولده وأخوه فى آخرين- ضريح الشيخ محمد الأشمونى صاحب الألفية- ضريح الظاهر ططر ملك مصر وولده. (شارع الغفارى وسيدى عقبة والبساتين) ضريح القاضى بكار- مشهد السادة آل طباطبا- ضريح الشريفة خضراء الأندلسية- بقايا جامع الأولياء- بقايا قباب ابن المغربى- بقايا قرافة السودان- جامع الأدفوى والقرافى- ضريح المفضل بن فضالة، يعرف بالفضل بن فضيل- ضريح سيدى عقبة بن عامر الصحابى، ومعه عمرو بن العاص، وآخرين من الصحابة، كما رواه حرملة التجيبى عن الشافعى (انظر النجوم الزاهرة ومهذب الطالبين) - ضريح الإمام فخر الدين الزيلعى- ضريح أبى على الروذبارى- ضريح سيدى ذى النون المصرى- ضريح سيدى محمد بن الترجمان وسيدى محمد ابن الحنفية (رجل صالح) ومعه السيدة رابعة المصرية- ضريح الإمام اللخمى أبى العباس أحمد بن الحطيئة الفاسى (القاضى المالكى فى عهد الفاطميين) - ضريح أمير المؤمنين فى الحديث وخاتمة الحفاظ فى مصر والعالم العربى ابن حجر العسقلانى- ضريح الشيخ الزاهد أبى الخير الأقطع- ضريح الفخر الفارسى. وهذا أشهر ما يعرف من المزارات والآثار التى بهذه المنطقة اليوم. (مزارات وآثار باب البرقوقية وباب النصر والصحراء) وأما ما هو معروف منها بالقرافة الشرقية والبحرية فقد فصلناه فيما مر
следующие страницы →