الأتباع، لكن لو قُرِنَ "الآل" بغيره، فقيل: على محمد، وآله، وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته" (١).
• قوله: "كما صليت على إبراهيم": الكاف هنا للتعليل، وليس للتشبيه؛ وذلك لأن المقرر هو أن المشبه أدنى من المشبه به، ومعلوم أن محمدا وآله أفضل من إبراهيم وآله، وعلى هذا يكون المعنى أن هذا من باب التوسل بفعل الله السابق وهو الفضل على إبراهيم وآله إلى تحقيق فضل الله اللاحق وهو الفضل لمحمد وآله، قال العلامة ابن عثيمين: "وهذا هو القول الأصح الذي لا يرد عليه إشكال" (٢).
• قوله: "وعلى آل إبراهيم": قال الحافظ ابن حجر ﵀: "هم ذريته من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة، وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثم إن المراد: المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد" (٣)، ويدخل في ذلك رسولنا الكريم ﷺ ؛ لأنه من ولد إبراهيم ﵇، وقال الإمام النووي ﵀: "ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء" (٤)
• قوله: "إنك حميد": أي: كثير المحامد فهو الحامد لعباده الذين
стр. 37
اصطفاهم لإقامة شرعه ودينه، وهو المحمود من قبل أوليائه لما يتصف به من صفات الجلال والعظمة، قال الإمام النووي ﵀: "الحميد: الذي تحمد فعاله، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد، المحمود، المستحمد إلى عباده" (١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين" (٢)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "أما الحميد: فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد؛ أي: يحمد أفعال عباده" (٣).
• قوله: "مجيد": أي: متعاظم الأمجاد إلى عباده بما يفيض عليهم من الخيرات. قال النووي ﵀: "والمجيد: الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، يقال: مجد الرجل يمجد مجدًا، ومجادة، ومجد يمجد لغتان. قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم … المجيد: الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف، والرفعة، والكرم، والصفات المحمودة" (٤). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "المجيد، والممجد، والكبير، والمكبر، والعظيم، والمعظم، والحمد، والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء، والمحبة للمحمود، فمن أحببته، ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه، محبًا له، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع،
стр. 38
وأكمل، كان الحمد والحب أتم، وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ، وأما المجد، فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر، فلا إله إلا الله دال على ألوهيته، وتفرده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه، وتمجيده، وتكبيره؛ ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا كقوله: ﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ [هود: ٧٣] (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأما المجيد: فهو من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام" (٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ أيضًا: "ولما كانت الصلاة على النبي ﷺ ، وهي ثناء الله تعالى عليه، وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده؛ فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له، وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما أسماء الحميد والمجيد، وهذا كما الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] " (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومناسبة
стр. 39
ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو التذييل له، والمعنى: إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك" (١)، واقتران الحميد المجيد بيان أن الله محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمود وكذلك ليس كل محمود يكون ذا شرف (٢).
• قوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد": المراد بالبركة: الزيادة من الخير، والكرامة، وهي شاملة للبركة في العمل والبركة في الأثر المترتب على هذا العمل. قال القاضي عياض ﵀: "معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة والتكثير منهما، ويكون بمعنى الثبات على ذلك من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هاهنا بمعنى: التطهير والتزكية من المعايب، … نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك، وقيل: بل ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم" (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "والبركة: النماء، والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له … فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته له، ومضاعفته، وزيادته، هذا حقيقة البركة" (٤).
стр. 40
• قوله: "كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد": قال الإمام النووي ﵀: "قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هو بمعنى التطهير، والتزكية، واختلف العلماء في الحكمة في قوله: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ . قال القاضي عياض ﵀: أظهر الأقوال أن نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه، ولأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم، كما أتمها على إبراهيم، وعلى آله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته، وقيل: بل ليبقى ذلك له دائمًا إلى يوم القيامة، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، كإبراهيم ﷺ ، وقيل: كان ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ﷺ ، وقيل: سأل صلاة يتخذه بها خليلا، كما اتخذإبراهيم … والمختار في ذلك أحد ثلاثة أقوال:
أحدها: … أن معناه صلِّ على محمد، وتم الكلام هنا، ثم استأنف: وعلى آل محمد؛ أي: وصل على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، فالمسؤول له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد ﷺ لا نفسه.
القول الثاني: معناه: اجعل لمحمد وآله صلاة منك، كما جعلتها لإبراهيم وآله، فالمسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا قدره.
القول الثالث: أنه على ظاهره، والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة، بمقدار الصلاة التي لإبراهيم وآله، والمسؤول مقابلة الجملة؛ فإن المختار في الآل كما قدمناه أنهم جميع الأتباع، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء، والله أعلم" (١).
стр. 41
وذكر الإمام ابن القيم ﵀ الأقوال في ذلك، ثم قال: "وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم؛ فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء، حصل لآل النبي ﷺ من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ ، فيحصل له بذلك من المزية ما لم يحصل لغيره.
وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله، وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على: محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي ﷺ ، والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به ﷺ ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم، وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه.
وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو آل إبراهيم، كما علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وقال إبراهيم وآل عمران على العلمين﴾ [آل عمران]. قال ابن عباس ﵄: "محمد من آل إبراهيم" (١) وهذا نص؛ فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله ﷺ أولى، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه، وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا
стр. 42
عليه سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ .
وتقرير هذا: أنه يكون قد صلى عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسول الله ﷺ معهم، أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره.
فظهر بهذا من فضله، وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل، وتابعة له، وهي من موجباته، ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١)
• وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: "وقوله كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، الكاف هنا للتعليل، وهذا من باب التوسل بأفعال الله السابقة إلى أفعاله اللاحقة؛ يعني: كما مننت بالصلاة على إبراهيم وآله، فامنن بالصلاة على محمد وآله ﷺ ، فهي من باب التعليل،
стр. 43
وليست من باب التشبيه، وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم ﵏؛ حيث قالوا: كيف تلحق الصلاة على النبي ﷺ وآله بالصلاة على إبراهيم وآله، مع أن محمدًا أشرف من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالجواب أن الكاف هنا ليست للتشبيه، ولكنها للتعليل، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد: حميد يعني: محمود؛ مجيد يعني: ممجد، والمجد هو: العظمة، والسلطان، والعزة، والقدرة، وما إلى ذلك، "اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، كذلك أيضًا التبريك: تقول: اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد؛ أي: أنزل فيهم البركة، والبركة هي الخير الكثير الواسع الثابت، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، هذه هي الصلاة على النبي ﷺ ، وعلى آله وسلم، وهذه هي الصفة الفضلى، وإذا اقتصرت على قولك: اللهم صل على محمد، كما فعل العلماء في جميع مؤلفاتهم، إذا ذكروا الرسول لم يقولوا هذه الصلاة المطولة؛ لأن هذه الكاملة، وأما أدنى مجزئ فأن تقول: اللهم صل على محمد" (١).
• قوله: "وعلى أزواجه": هن أمهات المؤمنين - رضي عنهن -. وقال ابن الجوزي ﵀: "والأزواج جمع زوج، والفصيح من الكلام أن يقال لامرأة الرجل زوج بغير هاء، وبذلك جاء القرآن" (٢).
• قوله: "وذريته": الذرية هي النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل (٣). وقال ابن الجوزي ﵀: "والذرية فيها قولان: أحدهما: أنها من الذر؛ لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم
стр. 44
كالذر، والثاني: أن أصلها ذروة … ثم أدغمت الواو في الياء فصار ذرية" (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وفي هذا الحديث يعني: حديث أبي حميد: "اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته" قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه، وذريته … قالوا: والآل، والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم: الأزواج، والذرية بدليل هذا الحديث" (٢).
• قوله: "وعلى أهل بيته": قال في الفتح الرباني: "قال النووي ﵀: اختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال، أظهرها، وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين: أنهم جميع الأمة، والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، والثالث: أهل بيته ﷺ ، وذريته، والله أعلم. اهـ. قال الشوكاني: وقد ذهب نشوان الحميري إمام اللغة إلى أنهم جميع الأمة" (٣).
• قوله: "السلام عليك أيها النبي": أما السلام فهو من أسماء الله ؛ لأنه هو السالم من كل عيب ونقص وآفة وفساد، والمعنى: سلمك الله من كل مكروه وسوء، وإنما جاء الخطاب بالنبوة رفعة لقدره ومقامه. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "يجوز فيه وفيما بعده؛ أي: السّلام حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين … قال الطيبي: أصل سلام عليك سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النّصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري؛ أي: ذلك السّلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك
стр. 45
أيها النبي، وكذلك السّلام الذي وُجِّه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس والمعنى أن حقيقة السّلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]. قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النّكرة، انتهى" (١). وقال الفيروز أبادي ﵀: "وأما التسليم: وهو أن يقال: السلام عليك أيها النبي، وأيها الرسول، وفي التشهد: السلام عليك أيها النبي، ولو قال في هذا الوقت: الصلاة والسلام عليك لأغنى عن تجديد الصلاة بعد التشهد، ولو أخر السلام إلى وقت الصلاة فقال: اللهم صل وسلم على محمد لأغنى عن السلام في التشهد، ومعناه: السلام - الذي هو اسم من أسماء الله تعالى - عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات، والبركات، وسلمت من المكاره، والآفات؛ إذ كان اسم الله تعالى إنما يذكر على الأمور توقعًا لاجتماع معاني الخير، والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل، والفساد عنها، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة؛ أي: ليكن قضاء الله تعالى عليك السلامة؛ أي: سلمت من الملام والنقائض، فإذا قلت: اللهم سلم على محمد؛ فإنما تريد منه: اللهم اكتب لمحمد في دعوته، وأمته، وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوًا، وأمته تكاثرًا، وذكره ارتفاعًا" (٢).
• قوله: "ورحمة الله": الرحمة صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكماله، يرحم بها عباده، وينعم عليهم بها (٣)، وليست رحمة الله كرحمة خلقه، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
стр. 46
قال العلامة ابن عثيمين ﵀: "ورحمة الله: رحمة معطوفة على (السّلام عليك)؛ يعني: ورحمة الله عليك، فيكون عطف جملة على جملة والخبر محذوف، ويجوز أن يكون من باب عطف المفرد على المفرد، فلا يحتاج إلى تقدير الخبر، والرحمة إذا قرنت بالمغفرة، أو بالسّلام صار لها معنى، وإن أفردت صار لها معنى آخر، فإذا قرنت بالمغفرة، أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسّلام دعوت له بالرحمة؛ ليزول عنه المرهوب ويحصل له المطلوب" (١).
• قوله: "وبركاته": البركة بمعنى النماء والزيادة من كل خير، وهذه البركة تشمل:
أ - البركة في حياته، ويدخل فيها البركة في طعامه، وشرابه، وكسوته، وأهله، وعمله.
ب - البركة بعد موته بكثرة أتباعه واتباعهم له فيما شرع (٢). قال العلامة ابن عثيمين ﵀ "وبركاته: جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت؛ لأن أصلها من البركة - بكسر الباء - والبركة: مجتمع الماء الكثير الثابت، والبركة: هي: النماء والزيادة في كل شيء من الخير، فما هي البركات التي تدعو بها للرسول ﵊ بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله، في عمله، فأما البركة بعد موته: فبكثرة أتباعه، وما يتبع فيه، فإذا قدرنا أن شخصًا أتباعه مليون رجل، وصار أتباعه مليونين فهذه بركة، وإذا قدرنا أن الأتباع يتطوعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة صار في الثاني
стр. 47
زيادة، إذا؛ نحن ندعو للرسول ﷺ بالبركة، وهذا يستلزم كثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول ﵊، فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة" (١).
• قوله: "السلام علينا": هذا شامل لجميع من حضر هذه الصلاة: إمامًا، ومأمومًا، وملائكة. قال ابن حجر ﵀: "السّلام علينا استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء" (٢).
• قوله: "وعلى عباد الله الصالحين": هذا تعميم بعد تخصيص وهم كل عبد صالح في السماء والأرض، حي أو ميت: من بني آدم، ومن عالمي الملائكة والجن (٣)(٤).
* * *
стр. 48
المبحث الثاني الأدلة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ وكيفيتها ومواطنها وفضلها
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ .
المطلب الثاني: كيفية الصلاة على النبي ﷺ .
المطلب الثالث: مواطن الصلاة عليه ﷺ .
المطلب الرابع: فضل الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 49
المطلب الأول الأدلة من القرآن والسنة على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ -
١ - من القرآن:
قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].
وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب (١) والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها (٢).
وهي مدنية النزول وقد جاءت بعد جملة من الآيات في سورة الأحزاب ذكر الله فيها عددا من حقوق نبيه ﷺ وما خصه به دون أمته، من حِلِّ نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة من بعده، ومن سائر ما ذكر بعد ذلك من حقوقه وتعظيمه وتبجيله.
ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن.
ثم عقَّب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحًا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه (٣).
стр. 50
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود من هذه الآية أن الله أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا" (١).
"فهذه الآية شرَّف الله بها رسوله ﷺ في حياته وبعد موته" (٢) "وفيها تنبيه على كمال الرسول ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره، فقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾؛ أي يثني الله عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى، ويثني عليه الملائكة المقربون ويدعون له ويتضرعون.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيما له ﷺ ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرًا من سيئاتكم" (٣).
قال الحليمي: "وقد أمر الله تعالى في كتابه بالصلاة والتسليم عليه جملة فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل أمرهم بذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، لينبئهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل، إذ كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته
стр. 51
تتقرب إلى الله بالصلاة والتسليم عليه ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أولى وأحق" (١).
٢ - من السنة النبوية:
ورد في شأن الصلاة على النبي ﷺ كثير من الأحاديث التي وضَّحت وبيَّنت ما يتعلق بشأن هذه الصلاة من جهة مشروعيتها وكيفيتها ومواطنها وفضلها إلى غير ذلك من الجوانب المتعلقة بها.
وقد روى هذه الأحاديث ما جمع من الصحابة رضوان الله عليهم عدهم ابن القيم في كتابه "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" فبلغوا اثثين وأربعين صحابيا.
وقد جمع ابن القيم هذه الأحاديث وبيَّن طرقها وصحيحها من حسنها ومعلولها، وما في معلولها من العلل بيانا شافيا.
وسيأتي ذكر بعض هذه الأحاديث في مواضعها المناسبة في المطلب القادم وذلك تلافيا للتكرار والإعادة.
* * *
стр. 52
المطلب الثاني كيفية الصلاة على النبي ﷺ -
ورد في كيفية الصلاة على النبي ﷺ عدد من الأحاديث منها:
١ - حديث كعب بن عجرة ﵁:
فعن كعب بن عجرة ﵁ قال: "إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" متفق عليه (١).
والمراد بالسلام في قوله: "قد علمنا كيف نسلم عليك" السلام الذي في التشهد وهو قول "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" (٢).
٢ - حديث أبي حميد الساعدي ﵁:
عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت
стр. 53
على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" متفق عليه (١).
٣ - حديث أبي سعيد الخدري (٢) ﵁:
عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله، هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: "قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم" (٣).
٤ - حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري (٤) ﵁:
عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد (٥) أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : "قولوا اللهم صل على
стр. 54
محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم" (١).
٥ - حديث طلحة بن عبيد الله:
عن طلحة بن عبيد الله قال: قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: "قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد" (٢).
والملاحظ في هذه الأحاديث هو اختلاف ألفاظها، ومن أجل ذلك فإن المرء قد يسأل بأي هذه الألفاظ يدعو؟
قال ابن القيم: "لقد سلك بعض المتأخرين (٣) في ذلك طريقة، وهو أن الداعي يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها، فرأى أنه يستحب للمصلي على النبي ﷺ أن يقول" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته، وارحم محمدًا وآل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" وكذلك في البركة والرحمة.
وعلل ذلك بقوله: ليصيب ألفاظ النبي ﷺ يقينًا فيما شك فيه الراوي وليجتمع له ألفاظ الأدعية الأخر فيما اختلفت ألفاظها.
стр. 55
ونازعه في ذلك آخرون وقال: هذا ضعيف من وجوه:
أحدها: أن هذه الطريقة محدثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
الثاني: أن صاحبها إن طرَّدها لزمه أن يستحب للمصلي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول فيركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعا فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم وهو بدعة، وإن لم يطردها تناقض وفرق بين متماثلين.
الثالث: أن صاحبها ينبغي له أن يجمع بين القراءات المتنوعة في التلاوة في الصلاة وخارجها. قالوا: ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبر، وإنما يفعل ذلك القراء أحيانا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات، وإحاطته بها واستحضاره إياها، والتمكن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبد مستحب لكل تال وقارئ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك.
وكذا الداعي إذا صلى على النبي ﷺ مرة بلفظ هذا الحديث، ومرة بلفظ الآخر، وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود، وإن شاء بتشهد ابن عباس، وإن شاء بتشهد ابن عمر، وإن شاء بتشهد عائشة ﵂ أجمعين، ولا يستحب له أحد أن يجمع بين ذلك كله. وقد احتج غير واحد من الأئمة منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن النبي ﷺ أنه قال: "أنزل القرآن على سبعة
стр. 56
أحرف" (١). فجوَّز النبي ﷺ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه "شافي كافي "ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل لا على سبيل الجمع كما كان الصحابة يفعلون.
الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه ﷺ يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة وهذا مرة.
وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي بعضها صار إليه وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرا بينهما، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي ﷺ فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال لأنه قصد متابعة الرسول ﷺ ، ففعل ما لم يفعله قطعا.
ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة فإن الراوي شك هل قال النبي ﷺ : "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري" أو قال: "وعاجل أمري وآجله" (٢) بدل "وعاقبة أمري" والصحيح اللفظ الأول وهو قوله "وعاقبة أمري" لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله "ديني ومعاشي وعاقبة أمري" فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه، فإن المعاش هو عاجل الأمر والعاقبة أجله.
стр. 57
ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من فتنة الدجال" رواه مسلم (١).
واختلف فيه، فقال بعض الرواة "من أول سورة الكهف".
وقال بعضهم "من آخرها" وكلاهما في الصحيح، لكن الترجيح لمن قال: "من أول سورة الكهف" لأن في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان (٢) في قصة الدجال "فإذا رأيتموه فاقرأوا عليه فواتح سورة الكهف" (٣) ولم يختلف في ذلك، وهذا يدل على أن من روى العشر من أول السورة حفظ الحديث، ومن روى من آخرها لم يحفظه.
الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة.
السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يستحب الجمع بين البدل والمبدل معًا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها إبدال والله أعلم (٤)
* * *
стр. 58
المطلب الثالث: مواطن الصلاة عليه ﷺ -
تتأكد الصلاة على النبي ﷺ في مواطن: إما وجوبًا، وإما استحبابًا مؤكدا (١) ومن هذه المواطن ما يلي:
الموطن الأول: في الصلاة في آخر التشهد:
وهو أهمها وآكدها، وقد أجمع المسلمون على مشروعيته (٢) واختلفوا في وجوبه فيها.
فقالت طائفة: ليس بواجب فيها، وهذا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم (٣).
وقالت طائفة: بوجوب ذلك، وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، والظاهر أنها آخر قوليه (٤) وهي المعتمدة في المذهب (٥). وبهذا القول قال جمع من الصحابة والتابعين وأرباب المذاهب، وبه قال ابن مسعود، وابن عمر، وأبو مسعود، والشعبي، ومقاتل بن حيان، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧).
стр. 59
ولكل واحد من الفريقين أدلته، وهي مبسوطة في كتب الفقه.
وقد جمعها ابن القيم في كتابه القيم "جلاء الأفهام" (١) فمن أراد الاستزادة في هذا الشأن فليرجع إليه (٢).
وأما ما يتعلق بأدلة مشروعيتها في هذا الموطن، فهي بعينها الأدلة التي تقدم ذكرها في المطلب السابق عند الحديث عن كيفية الصلاة على النبي ﷺ .
الموطن الثاني: الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول:
قال ابن القيم: "وهذا قد اختلف فيه:
القول الأول: قال الشافعي في "الأم": "يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول (٣) وهذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد، ولكنه يستحب وليس بواجب.
القول الثاني: قال الشافعي في "القديم": "لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني (٤) عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك وغيرهم.
واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
стр. 60
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي ﷺ " (١).
وروى الدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن شمَّر عن جابر عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فيها، فإنها زكاة الصلاة" (٢).
قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.
واحتج له أيضًا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله أصحابه عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ " فدل على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ ، ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي ﷺ فيشرع له أن يصلي عليه.
قالوا: ولأنه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟ (٣).
стр. 61
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صححه كثير من أصحابه؛ لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه كأنه على الرضف (١)(٢).
ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يعرف أن أحدا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبة في هذا الموضع، لاستحب فيه الصلاة على آله ﷺ لأن النبي ﷺ لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله في الصلاة وغيرها.
ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه المواضع مشروعة لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذه المواضع لشرع فيها الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير.
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول بما ذكرناه من الأدلة (٣).
стр. 62
الموطن الثالث من مواطن الصلاة عليه ﷺ : آخر القنوت:
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "استحبه الشافعي ومن وافقه واحتج لذلك بما رواه النسائي بسنده عن الحسن بن علي (١) قال: علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر قال: "قل اللهم اهدني فيمن هديت، وبارك لي فيما أعطيت، وتولني فيمن توليت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت (٢) وصلى الله على النبي" (٣) وهذا إنما هو في قنوت الوتر، وإنما نقل إلى قنوت الفجر قياسًا كما نقل أصل هذا الدعاء إلى قنوت الفجر.
وهو مستحب في قنوت رمضان، فعن عروة بن الزبير (٤) أن عبد الرحمن بن عبد القاري (٥) وكان في عهد عمر بن الخطاب مع
стр. 63
عبد الله بن الأرقم (١) على بيت المال، قال: إن عمر خرج ليلة في رمضان، فخرج معه عبد الرحمن بن عبد القارى فطاف في المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر ﵁، والله إني لأظن لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد يكون أمثل، ثم عزم عمر على ذلك وأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر ﵁ نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله، وقال: كانوا يلعنون الكفرة في النصف يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق. ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو للمسلمين ما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين، قال: فكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفار، وصلاته على النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين، ومسألته: اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد (٢) ونرجو رحمتك، ونخاف عذابك إن عذابك الجد لمن عاديت ملحق، ثم يكبِّر ويهوي ساجدًا" (٣).
وروى إسماعيل بن إسحاق بسنده عن قتادة، عن عبد الله بن
стр. 64
الحارث (١) أن أبا حليمة - معاذًا (٢) كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت" (٣)(٤).
الموطن الرابع: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية:
لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها. فقال الشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة، لا تصح إلا بها، ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة: تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي بسنده عن الزهري، قال أخبرني أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي
стр. 65
على النبي ﷺ ، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه (١). وروى إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ " بسنده عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف (٢) يحدث سعيد بن المسيب (٣) قال: إن السُّنَّة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه (٤).
стр. 66
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب "المغني" (١) يروى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ ، ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.
وفي الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي (٢) حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري (٣) عن أبيه (٤) أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى، وصليت على النبي ﷺ ثم أقول: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" (٥).
стр. 67
إذا تقرر هذا، فالمستحب أن يصلَّى عليه ﷺ في الجنازة كما يصلى عليه في التشهد، لأن النبي ﷺ علَّم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي مسائل "عبد الله بن أحمد" عن أبيه قال: يصلى على النبي ﷺ ويصلى على الملائكة المقربين.
قال القاضي: يقول: "اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، إنك على كل شيء قدير" (١).
الموطن الخامس: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : في الخطب كخطبة الجمعة والعيدين، والاستسقاء، وغيرها:
وقد اختلف في اشتراطها لصحة الخطبة.
قال الشافعي وأحمد في المشمهور من مذهبهما: لا تصح الخطة إلا بالصلاة عليه ﷺ .
وقال أبو حنيفة ومالك: تصح بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد واحتج لوجوبها في الخطبة بقوله تعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ ووَضَعْنا عَنْكَوِزْرَكَ صَدْرَكَ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح].
قال ابن عباس ﵄: "رفع الله ذكره، فلا يذكر إلا ذكر معه. وفي هذا الدليل نظر، لأن ذكره ﷺ مع ذكر ربه هو الشهادة له بالرسالة إذا شهد لمرسله بالوحدانية، وهذا هو الواجب في الخطبة قطعًا بل هو ركنها الأعظم، وقد روى أبو داود، وأحمد وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء" (٢)
стр. 68
واليد الجذماء: المقطوعة، فمن أوجب الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة دون التشهد فقوله في غاية الضعف.
وقد روى ابن جرير في تفسيره بسنده عن قتادة ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطب ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادى بها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (١).
وعن الضحاك: ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح] قال: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي، ولا يجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك (٢) معي.
وعن مجاهد ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: لا أُذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" (٣).
فهذا هو المراد من الآية، وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها وتجب الصلاة على النبي ﷺ فيها.
والدليل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة ما رواه الإمام أحمد في المسند بسنده عن عون بن أبي جحيفة (٤) قال: كان أبي (٥) من شرط علي، وكان تحت المنبر، فحدثني: أنه صعد
стр. 69
المنبر - يعني عليًّا ﵁ فحمد الله وأثني عليه وصلَّى على النبي ﷺ وقال خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر والثاني عمر، وقال يجعل الله الخير حيث شاء (١).
قال ابن القيم: "وقد كانت الصلاة على النبي ﷺ في الخطب أمرًا مشهورا معروفًا عند الصحابة ﵃ أجمعين.
أما وجوبها فيعتمد دليلا يجب المصير إليه وإلى مثله" (٢).
الموطن السادس: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : الصلاة عليه بعد إجابة المؤذن وعند الإقامة:
لما روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإن من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي" (٣).
الموطن السابع: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : عند الدعاء:
والدليل على ذلك حديث فضالة بن عبيد (٤) ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاة لم يحمد الله ولم يصل على
стр. 70
النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "عجل هذا" ثم دعاه، فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء" (١).
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ " (٢).
الموطن الثامن: من مواطن الصلاة على النبي ﷺ : عند دخول المسجد وعند الحروج منه:
لما في الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ﷺ ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلِّم على النبي ﷺ وليقل: اللهم أجرني من الشيطان الرجيم" (٣).
وعن فاطمة بنت الحسين (٤) عن جدتها فاطمة الكبرى (٥) قالت:
стр. 71
"كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: "رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (١).
стр. 72
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين" (١).
وقال القاضي عياض: "ومن مواطن الصلاة والسلام عند دخول المسجد" وذكرا عددا من الآثار عن بعض الأئمة (٢).
الموطن التاسع: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : على الصفا والمروة:
لما روى إسماعيل بن إسحاق القاضي بسنده عن نافع (٣) أن عمر رضي الله عنهكانيكبرعلى الصفا ثلاثا، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدر، ثم يصلي
стр. 73
على النبي ﷺ ، ثم يدعو ويطل القيام والدعاء، ثم يفعل على المروة نحو ذلك (١).
وعن وهب بن الأجدع (٢) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس بمكة يقول إذا قدم الرجل منكم حاجا فليطف بالبيت سبعا وليصل عند المقام ركعتين ثم يستلم الحجر الأسود، ثم يبدأ بالصفا، فيقوم عليها ويستقبل البيت فيكبر سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه ، وصلاة على النبي ﷺ ، ومسألة لنفسه وعلى المروة مثل ذلك (٣).
الموطن العاشر: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : عند اجتماع القوم قبل تفرقهم:
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيه ﷺ إلا كان مجلسهم عليهم
стр. 74
تِرة (١) يوم القيامة، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء أخذهم" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "ما جلس قوم مجلسا لم يصل فيه على النبي ﷺ إلا كانت عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة" (٣).
وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا من غير صلاة على النبي ﷺ إلا تفرقوا على أنتن من ريح جيفة" (٤).
الموطن الحادي عشر: من مواطن الصلاة عليه ﷺ : عند ذكره:
قال ابن القيم: "وقد اختلفت في وجوبها كلما ذكر اسمه ﷺ فقال أبو جعفر الطحاوي (٥) وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه. ثم اختلفوا: فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة
стр. 75
واحدة، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك، والثوري، والأوزاعي" (١).
قال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.
وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما تقدم، وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع، وهذا على أصله فإنه إذا رأي الأكثرين على قول، جعله إجماعا يجب اتباعه.
واحتج الموجبون بحجج:
• الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "رَغِمَ أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" (٢).
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليه.