بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦].
قال الإمام ابن كثير ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: "والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا".
وقال أيضًا ﵀: "قال النووي: إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما، فلا يقول: "صلى الله عليه فقط"، ولا "﵇" فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فالأولى أن يقال: صلى الله عليه، وسلم تسليمًا".
* * *
стр. 2
مقدمة المعتني بالكتاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد:
فإن من أوجب الواجبات، وألزم المهمات، أن يتعلم المسلم أصول دينه، ويتعرف عليها، فبمعرفتها يتحصل على تمام النجاة في الدارين، وبخلاف ذلك ومقداره يكون عطبه وهلاكه.
وإن من أصول الإسلام العظيمة، ومبانيه الجليلة، معرفة ما يتعلق
стр. 3
بالركن الأول من أركان الإسلام، وهو ركن الشهادتين: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، وهذا الركن قد احتوى جملتين لا انفكاك بينهما، ولا تتم الأولى إلا بالأخرى، وهما مفتاح الدخول إلى دين الإسلام، والخلود في دار السلام.
فالشطر الأول من هذه الجملة المباركة، فيه إثبات الألوهية لله ﵎، وأنه المتفرد والمستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأما الشطر الثاني: ففيه إثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، وأنه مرسل من ربه ﵎.
وقد أفاض علماء الإسلام في بيان أهمية هاتين الشهادتين، وعظم هاتين الجملتين، وقيام الإسلام عليهما، وأفردوا لكل جملة منهما مصنفات تشرح مجملها، وتبين مقاصدها، وتوضح نواقضها.
ومما لا ريب فيه أن بيان حق النبي ﷺ ، ومعرفة ذلك والعمل به، هو من مضمون الإقرار له بالرسالة، والشهادة له بالرسالة من لازمها وشرطها "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع".
وإن مما يتصل بحقه ﷺ تعزيره وتوقيره، من غير غلو ولا إجحاف، والذود عن حياض سنته، والاقتداء بها قولًا وعملًا واعتقادًا.
[ … وإن لهذا النبي الكريم ﷺ حقوقًا يجب علينا رعايتها والقيام بها. فأعظم حق له ﷺ علينا أن نؤمن به ونصدق برسالته، ونعتقد أنه عبد الله ورسوله، الواسطة بيننا وبين الله في تبليغ شرعه ودينه، فإن الإيمان به أحد ركني التوحيد، إذ التوحيد قائم على ركنين: تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ .
وإن اسم الإسلام بعد مبعثه ﷺ خاصٌّ بما جاء به، وكان اسم الإسلام عامًا لجميع ديانات الرسل، وبعد مبعث محمد ﷺ صار مسمَّى الإسلام خاصًّا بشريعته، التي بعث بها ﷺ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ
стр. 4
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ويقول النبي ﷺ : "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (١).
• ومن حقه ﷺ علينا: طاعته فيما أمرنا به؛ فإن طاعته طاعة لله، وإن معصيته معصية لله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ويقول ﷺ : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" (٢).
• ومن حقه ﷺ علينا: أن نحكم سنته، وأن نتحاكم إليها، وأن نستجيب لمن دعانا إلى التحاكم إليها، وأن نرضى بحكمه ونسلم، وأن لا يكون في صدورنا حرج من أي حُكم حَكم به ﷺ ، يقول الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور] والذين لا يرضون بحكمه، في قلوبهم مرض النفاق وارتياب من رسالته ﷺ قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ [النور ٥٠].
• ومن حقه ﷺ علينا: ألا تكون لنا خيرة في أي أمر أمرنا به، أو نهي نهانا عنه، أو حُكم حَكَم به؛ لأننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أنه أولى بنا من أنفسنا، ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب ٦]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦].
стр. 5
• ومن حقه ﷺ علينا: أن يكون هوانا ومرادنا تابعًا لما جاء به ﷺ ، فإذا تعارض في نظر العبد أمران، أمر هوى النفس، وأمر جاء به المصطفى ﷺ ، فلنقدم ما جاء به المصطفى ﷺ على هوى النفوس ومشتهياتها، فهو ﷺ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (١).
• ومن حقه ﷺ علينا: أن نحبه المحبة الصادقة، فأصل محبته من أصول الإيمان، وكمالها من كمال الإيمان، وهي أن نحبه محبة فوق محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين، يقول النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٢)، وكلما قويت محبة العبد لمحمد ﷺ كلما قوي الاتباع والاقتداء.
• ومن حقه ﷺ علينا: أن نتبع منهجه ونقتفي أثره ونسير على ما سار عليه قدر الاستطاعة والإمكان، قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران ٣١]، وقال الله : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ [النور ٥٤]، وقال : ﴿ولأتم نعمتي عليك ولعلكم تهتدون﴾ [البقرة ١٥٠]، وإن المؤمن ليجد نفسه منشرحة بالاقتداء بالمصطفى ﷺ فهو على يقين جازم أن المصطفى ﷺ أكمل الخلق أخلاقًا، وأحسنهم سيرة، وأعلاهم فضيلة، قال الله تعالى في حقه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم ٤]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب ٢١].
стр. 6
إن أصحابه الكرام ﷺ نقلوا لنا حياته ﷺ كأن المسلم يشاهد ذلك عيانًا، نقلوا ذلك لنا كله لنقتفي أثره ونسير على نهجه، فها هم رضي عنهم وأرضاهم ينقلون لنا حياته ﷺ ، هذا يصف لنا وضوءه، وهذا يصف صلاته، وهذا يصف حجه، وهذا يصف كل أحواله، العبادات والعادات، ما افترض علينا العمل به، وما استحب لنا ذلك، فنقلوا لنا كيف كان يأكل، وكيف كان يشرب، وكيف كان ينام، وأحواله في سفره وإقامته، وأحواله في جميع تعامله، حتى سيرته مع أهله، كل ذلك سجلوه ليحثوا الأمة على اقتفاء أثره والسير على نهجه؛ لأن ذلك عنوان الإيمان الصادق] (١).
وقد تمثل هذا الحق وقام به خير قيام صحابته الكرام رضوان الله عليهم، فعرفوا له حقه ﷺ حق المعرفة، فكانوا كما وصفهم عروة بن مسعود الثقفي، قبل إسلامه، حيث روى البخاري في صحيحه أنه لما أرسله كفار مكة إلى النبي ﷺ زمن الحديبية جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال: "فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له"، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له .....
وقد صحت الآثار عن آحادهم بما يدلل على التوقير والتبجيل،
стр. 7
فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم ﵀ في صحيحه أن عمرو بن العاص ﵁ وهو في سياقة الموت قال لابنه: "وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه".
فكانوا في هذا الإجلال والتوقير ممتثلين لأمر الله تعالى حينما أمر بذلك في كتابه الكريم بقوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح].
ومعرفة حقوق النبي ﷺ هو من أنواع شكر نعمة الله تعالى على خلقه التي لا تعد ولا تحصى، والتي من أعظمها بعثة هذا النبي الكريم ﷺ ، والهداية إلى ما جاء به، فبسبب هذه البعثة المباركة أنقذ الله ﵎ البشر من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم، ولذا كان معرفة هذه الحقوق النبوية وما يتصل بها مما جاء به النبي ﷺ أعظم الضرورات للعباد.
ولقد أجاد العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - حين أشار إلى ذلك بقوله: "ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم، فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسول فوقها بكثير،
стр. 8
وما ظنك بمن غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، (وما لجرح بميت إيلام)، وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ ، فيجب على كل من نصح نفسه وأحب نجاتها وسعادتها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه، والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم" (١).
وفي تضاعيف هذا المصنف النافع يجد القارئ ما يجب عليه الإتيان به من تلك الحقوق النبوية، والتي من أعظمها الإيمان به ومحبته وتعزيره وتوقيره، والصلاة والسلام عليه، والتنبيه على الاعتدال في ذلك وعدم الخروج عن الشرع المطهر فإن خير الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ
ولقد كان صلوات الله وسلامه عليه حريصًا على سعادة الأمة كما قال تعالى منوهًا بما حباه الله به من صفات جليلة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة].
ولما كانت نعمة الله تعالى على المؤمنين بإرسال رسوله ﷺ إليهم عظيمة أمرهم الله تعالى في كتابه العزيز أن يصلوا عليه ويسلموا تسليمًا بعد أن أخبرهم أنه وملائكته يصلون عليه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].
إن الصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ من القربات العظيمة والطاعات الجليلة التي ندب الشرع إليها وهي من أنفع أدعية العبد له في الدنيا والآخرة ومن لوازم وتمام محبته ﷺ وتعظيمه وتوقيره وأداء
стр. 9
حقه، لذا اعتنى العلماء قديمًا وحديثًا بهذا الجانب دراسة وبحثًا وتأليفًا ومن هؤلاء العلماء الفضلاء صاحب الفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور: محمد بن خليفة ابن علي التميمي - يحفظه الله - الذي ألف كتابًا قيمًا سماه "حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة" وهو كتاب نفيس لا يستغني عنه طلاب العلم ولا يشبع منه العلماء.
فاطلعت على درر نفيسة وفوائد جليلة في هذا الكتاب فألفيته نافعًا مفيدًا لإخواني من طلاب العلم لما حواه من تأصيل بديع، فاستعنت بالله ورأيت أن أفرد منه البحث الذي يتعلق بالصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وسميته: "فتح الرحيم في الصلاة والسلام على النبي الكريم ﷺ " ليعم النفع به بإذن الله.
فالشكر الله جل ثناؤه أولًا وآخرًا فله الحمد والشكر كله أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة لا نحصي نعمه ولا نحصي ثناء عليه جلت عظمته.
وأسأله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم مقربًا إليه جل ثناؤه وأن ينفع به كل من انتهى إليه فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه
الفقير إلى عفو ربه
عبد الجبار بن عبد العظيم بن محمد آل ماجد
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
a.J.majid.hotmail.com
стр. 10
تمهيد
فقد أمرنا الباري ﵎ أن نصلي ونسلم على نبينا محمد ﷺ ، وذلك تشريف منه لنبيه ورسوله ﷺ وإظهار للاحترام والتعظيم الذي شرعه في حقه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب].
فهذه الآية فيها من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها، وذلك بسبب ما فيها من تمييز للنبي ﷺ عند ذكره، ولا شك أن ذلك فيه رفع لقدره وإعلاء لمكانته في حياته وبعد موته.
ولذلك فإن من أعظم شعب الإيمان الصلاة والسلام على النبي ﷺ محبة له وأداء لحقه وتعظيمًا لقدره، والمواظبة عليها من باب أداء شكره ﷺ ، وشكره واجب لعظمة الإنعام به، فقد جعله الله سببًا لنجاتنا من الجحيم، ودخولنا في دار النعيم، وإدراكنا الفوز بأيسر الأسباب، ونيلنا السعادة من كل الأبواب.
وليست صلاتنا على النبي ﷺ شفاعة منا له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله، ولكن الله أمرنا بالمكافأة لمن أحسن إلينا وأنعم علينا، فإن عجزنا عنها كافيناه بالدعاء، فأرشدنا الله - لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا - إلى الصلاة عليه لتكون صلاتنا عليه مكافأة بإحسانه إلينا وإفضاله علينا، إذ لا إحسان لمخلوق أفضل من إحسانه ﷺ .
وكذلك فإن المقصود بصلاتنا على النبي ﷺ هو التقرب إلى الله تعالى بامتثال ما أمر به، وقضاء لحق من حقوق المصطفى ﷺ التي
стр. 11
أوجبها الله علينا، فحق على هذه الأمة أن تعظم قدر نبيها وذلك بأن تكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ اتباعًا لأمر ربها ﵎، وقيامًا بما لنبيها ﷺ من الحق عليها.
"وقد اعتنى العلماء بهذه العبادة العظيمة، فأفردوها بالتأليف، وأول من علمته ألف في ذلك: الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المتوفى سنة (٢٨٢ هـ) واسم كتابه: "فضل الصلاة على النبي ﷺ "، وقد طبع بتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وهو يشتمل على مائة وسبعة أحاديث كلها مسندة.
ومن الكتب المطبوعة المتداولة في هذا الباب كتاب "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام"، للعلامة ابن القيم، وكتاب "الصلاة والبشر في الصلاة على خير البشر"، للفيروزآبادي صاحب "القاموس"، وكتاب "القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع"، للسخاوي المتوفى سنة (٩٠٢ هـ)، وقد ختم كتابه هذا ببيان الكتب المصنفة في الصلاة على النبي ﷺ ، وذكر جملة كبيرة من هذه الكتب مرتبة، وخامسها بالترتيب كتاب "جلاء الأفهام" لابن القيم وقد أشار إلى قيمة كل منها ثم قال: "وفي الجملة فأحسنها وأكثرها فوائد خامسها، يعني كتاب ابن القيم".
أقول: وهو في الحقيقة كتاب قيِّمٌ جمع مؤلفه فيه بين ذكر الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه العبادة العظيمة، والكلام عليها صحة وضعفًا، فقهًا واستنباطًا، وقد قال عنه في مقدمته: "وهو كتاب فرد في معناه، لم يسبق إلى مثله في كثرة فوائده وغزارتها، بينا فيه الأحاديث الواردة في الصلاة والسلام عليه ﷺ وصحيحها من حسنها ومعلولها، وبينا ما في معلولها من العلل بيانًا شافيًا، ثم أسرار هذا الدعاء وشرفه، وما اشتمل عليه من الحكم والفوائد، ثم مواطن الصلاة عليه ﷺ ومحالها، ثم الكلام في مقدار الواجب منها، واختلاف أهل العلم فيه،
стр. 12
وترجيح الراجح، وتزييف الزائف، ومخبر الكتاب فوق وصفه، والحمد الله رب العالمين" انتهى.
وما ألف في الصلاة على النبي ﷺ مبنيًا على غير علم، ومشتملًا على فضائل وكيفيات الصلاة على النبي ﷺ ما أنزل بها من سلطان كتاب "دلائل الخيرات"، للجزولي المتوفى سنة (٨٥٤ هـ).
وقد شاع وانتشر في كثير من أقطار الأرض، قال عنه صاحب "كشف الظنون" (١/ ٤٩٥): "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﵊ أوله الحمد لله الذي هدانا للإيمان … إلخ، للشيخ أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الجزولي السملالي الشريف الحسني المتوفى سنة (٨٥٤ هـ).
وهذا الكتاب آية من آيات الله في الصلاة على النبي ﵊ يواظب بقراءته في المشارق والمغارب، لا سيما في الروم". ثم أشار إلى بعض شروح هذا الكتاب.
أقول: ولم يكن إقبال الكثير من الناس على تلاوته مبنيًا على أساس يعتمد عليه، وإنما كان تقليدًا عن جهل من بعضهم لبعض، والأمر في ذلك كما قال الشيخ محمد الخضر بن مايابي الشنقيطي في كتابه "مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني"، قال في أثناء رده على التجاني: "فإن الناس مولعة بحب الطارئ، ولذلك تراهم يرغبون دائمًا في الصلوات المروية في دلائل الخيرات ونحوه، وكثير منها لم يثبت له سند صحيح ويرغبون عن الصلوات ردة عن النبي ﷺ في "صحيح البخاري" فقل أن تجد من المشايخ أهل الفضل له ورد منها، وما ذلك إلا للولوع بالطارئ، وأما لو كان الفضل منظورًا إليه لما عدل عاقل - فضلًا عن شيخ فاضل - عن صلاة واردة عن النبي ﷺ بعد سؤاله فكيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا كذا، وهو لا ينطق
стр. 13
عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أقول: لما عدل إلى صلاة لم يرد فيها حديث صحيح، بل ربما كانت منامية من رجل صالح في الظاهر" انتهى.
ولا شك أن ما جاءت به السنة، وفعله الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان هو الطريق المستقيم، والمنهج القويم، والفائدة للآخذ به محققة والمضرة عنه منتفية، وقد قال ﵊ في الحديث المتفق على صحته عن عائشة ﵂: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
وقد حذر ﵊ أمته من الغلو فيه، فقال في الحديث الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (١).
ولما قال له رجل: (ما شاء الله وشئت) قال ﵊: "أجعلتني الله ندا؟ ما شاء الله وحده" (٢).
وكتاب "دلائل الخيرات" قد اشتمل على الغث والسمين، وشيب فيه الجائز بالممنوع، وفيه أحاديث موضوعة، وأحاديث ضعيفة، وفي مجاوزة للحد، ووقوع في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ ، وهو طارئ لم يكن في نهج السابقين بإحسان.
стр. 14
كيفيات مبتدعة في كتاب "دلائل الخيرات":
وحسبي هنا أن أشير إلى بعض الأمثلة مما فيه من الكيفيات المبتدعة في الصلاة والتسليم على النبي الكريم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أتبع ذلك بنماذج مما فيه من الأحاديث الموضوعة في فضل الصلاة عليه ﷺ والتي يتنزه لسانه الشريف عن النطق بها، فمن الكيفيات الواردة فيه:
"اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمدا وآل محمد حتى لا يبقى من الرحمة شيء، وبارك على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، وسلم على محمد وعلى آل محمد حتى لا يبقى من السلام شيء".
فإن قوله: "حتى لا يبقى من الصلاة والرحمة والبركة والسلام شيء"، من أسوأ الكلام، وأبطل الباطل؛ لأن هذه الأفعال لا تنتهي.
وكيف يقول الجزولي: "حتى لا يبقى من الرحمة شيء"، والله تعالى يقول: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وقال في (ص ٧١): "اللهم صل على سيدنا محمد بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، ولسان حجتك، وعروس مملكتك، وإمام حضرتك، وطراز ملكك وخزائن رحمتك … إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود ....
وقال في (ص ٦٤): "اللهم صل على من تفتقت من نوره الأزهار … اللهم صل على من أخضرت من بقية وضوئه الأشجار، اللهم صل على من فاضت من نوره جميع الأنوار".
فإن هذه الكيفيات فيها تكلف وغلو لا يرضاه المصطفى ﷺ ، وهو الذي قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". أخرجه البخاري في "صحيحه".
стр. 15
وقال الجزولي في (ص ١٤٤ و ١٤٥): "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ما سجعت الحمائم، وحمت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم، وشدت العمائم، ونمت النوائم".
فإن في قوله: "ونفعت التمائم" إشادة بالتمائم وحث عليها، وقد حرمها ﷺ فقال: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له".
نماذج مما في كتاب "دلائل الخيرات" من الأحاديث الموضوعة:
وأذكر فيما يلي أمثلة لما فيه من أحاديثَ موضوعة أو ضعيفة جدًّا، مع الإشارة إلى بعض ما قاله أهل العلم فيها وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر.
قال في (ص ١٥): "وروي عنه ﷺ أنه قال: "من صلى علي صلاة تعظيمًا لحقي خلق الله من ذلك القول ملكًا له جناح بالمشرق والآخر بالمغرب، ورجلاه مقرورتان في الأرض السابعة السفلي، وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله له: صل على عبدي كما صلى على نبي فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة".
وقال في (ص ١٦): "وقال النبي ﷺ : "ما من عبد صلى علي إلّا خرجت الصلاة مسرعة من فيه، فلا يبقى بر ولا بحر ولا شرق ولا غرب إلا وتمر به وتقول: أنا صلاة فلان ابن فلان، صلى على محمد المختار، خير خلق الله، فلا يبقى شيء إلا وصلى عليه، ويخلق من تلك الصلاة طائر له سبعون ألف جناح، في كل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بسبعين ألف لغة، ويكتب الله له ثواب ذلك كله.
هذان حديثان من أحاديث دلائل الخيرات يصدق عليهما قول العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "المنار المنيف": "والأحاديث الموضوعة
стр. 16
عليها ظلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلافها"، ثم ضرب لذلك بعض الأمثلة ثم قال: "فصل: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، فمنها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ ، وهي كثيرة جدًّا، كقوله في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء".
وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا تخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية (الجهل والحمق) وإما أن يكون (زنديقًا) قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه" انتهى.
وممن حكم بالبطلان على أمثال هذه الأحاديث من المعاصرين أبو الفضل عبد الله الصديق الغماري، قال في تعليقه على كتاب "بشارة المحبوب بتكفير الذنوب" للأذرعي (ص ١٢٥): "تنبيه: جاء في كثير من الأحاديث: من عمل كذا خلق الله من ذلك العمل ملكًا يسبح، أو يحمد الله، وكلها أحاديث باطلة". قال ذلك هنا، كتاب "دلائل الخيرات" ثناء عظيمًا في كتابه "خواطر دينية" ووصفه بأنه سار مسير الشمس" (١).
يجب على المسلم البحث عن الحكم الشرعي والتثبت فيه قبل إتيان العمل في جميع شؤون حياته لقوله ﷺ في صحيح مسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وتطبيق ذلك هو حقيقة الاتباع والتأسي برسول الله ﷺ .
стр. 17
يقول الشاطبي حول ذلك: "كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" (١).
وفيه أن طاعة الرسول ﷺ سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وأن مخالفته سبب كل شر في الدنيا والآخرة؛ فقال ابن القيم: "إن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم فسببه مخالفة الرسول ﷺ والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول ﷺ . وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ﷺ ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول ﷺ وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول ﷺ حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول ﷺ ، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه فهو من الناجين (٢).
* * *
стр. 18
المبحث الأول: معنى الصلاة على النبي ﷺ
وفيه ثلاث مطالب
المطلب الأول: المعنوي اللغوي للفظة (الصلاة)
المطلب الثاني: المعني الشرعي لصلاة الله على نبيه ﷺ
المطلب الثالث: شرح الصلاة والسلام على النبي ﷺ
стр. 19
المطلب الأول: المعنى اللغوي للفظة "الصلاة".
قال الخليل بن أحمد (١): "الصلاة: ألفها واو لأن جماعتها الصلوات ولأن التثنية صلوان" (٢).
ومادة (ص. ل. و) وردت في اللغة لمعان منها:
١ - " الصلاة":
وهو وسط الظهر لكل ذي أربع وللناس. وقيل: ما انحدر من الوركين (٣). قال الخليل بن أحمد: "والصلاه، وسط الظَّهْر لكل ذي أربع وللناس وكل أنثى إذا ولدت انفرج صلاها قال:
كأن صلا جهيزة حين قامت … حباب الماء يتبع الحبابا
وإذا أتى الفرس على أثر الفرس السابق قيل: صلى، وجاء مصليا لأن رأسه يتلو الصلايين يديه" (٤).
وقال الأزهري: "وقال أهل اللغة في الصلاة: إنها من الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها، وأول مواصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص … وأما المصلى الذي يلي السابق
стр. 20
فهو مأخوذ من الصلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنه يأتي ورأسه في ذلك المكان" (١). وقد قيل إن اشتقاق الصلاة الشرعية هو من هذا.
قال الحليمي: "وقيل للصلاة المعهودة صلاة لما فيها من حني الصَّلا وهو وسط الظهر" (٢).
٢ - " الصلا" بالقصر وهي النار:
قال الخليل بن أحمد: "والصلى: النار، وصلى الكافر نارا فهو يصلاها أي قاسى حرها وشدتها، وصليت اللحم صليا: شويته، وإذا ألقيته في النار قلت: أصليته أصليه إصلاء، وصليته، تصلية" (٣).
وفي معجم مقاييس اللغة: "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى … فقولهم: صليت العود بالنار، والصلى صلى النار. واصطليت بالنار. والصلاء: ما يصطلى به وما يذكى به النار ويوقد وقال:
فجعل العود واليلنجوج والرذ … صلاء لها على الكانون (٤)
قال الفيروز أبادي (٥)." وقيل اشتقاق لفظة الصلاة من الصلى بالقصر وهي النار من صليت العصا إذا قومتها بالنار فالمصلي كأنَّما يسعى لتعديل باطنه وظاهره كمن يحاول تقويم العود بالنار" (٦).
стр. 21
٣ - " الصلاة" الملازمة:
قال الأزهري: "قال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال: قد صلى واصطلى إذا لزم، ومن هذا من يصلى في النار: أي يلزم النار فالصلاة لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه" (١).
وقال الفيروزآبادي "وقيل الصلاة الملازمة، ومنه قوله ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية] ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد] ومنه سمي ثاني أفراس الحلبة مصليا" (٢).
٤ - " الصلاة" الدعاء:
حاء في معجم مقاييس اللغة "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى - وقد تقدم ذكره - والآخر جنس من العبادة …
وأما الثاني: فالصلاة وهي الدعاء، وقال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" (٣) أي فليدع لهم بالخير والبركة.
قال الأعشى (٤):
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
стр. 22
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا (١)
وقال في صفة الخمر:
وقابلها الريح في دِنِّها … وصلى على دِنِّها وارتسم (٢) " (٣)
"أي دعا لها ألا تحمض وتفسد" (٤).
وأورد هذا المعنى أيضا الأزهري في تهذيب اللغة (٥).
وقال ابن القيم "وأصل هذه اللفظة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقول النبي صلى الله عليه وسم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كانصائما فليصلِّ" فسِّر بهما. قيل: فليدع لهم بالبركة. وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء.
والدعاء نوعان: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ".
ثم قال رحمه الله تعالى: "والصواب: أن الدعاء يعم النوعين،
стр. 23
وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه (١)، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شيئا وهم يخلقون﴾ [النحل].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي: شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء.
стр. 24
وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء، والدعاء، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما، فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. انتهي (١).
стр. 25
المطلب الثاني: المعني الشرعي لصلاة الله على نبيِّه ﷺ -
لما كانت الصلاة التي أُمرت بها هذه الأمة على النبي ﷺ ؛ تعني الطلب من الله ما أخبر به من صلاته عليه. إذ المصلي يقول: "اللهم صل على محمد … الخ" فالأمر هنا يتطلب شرح معنى صلاة الله على نبيه ﷺ .
قال ابن القيم: "وأما صلاة الله سبحانه فنوعان: عامة وخاصة.
فالنوع الأول: الصلاة العامة وهي صلاته على عباده المؤمنين:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ومنه دعاء النبي ﷺ بالصلاة على آحاد المؤمنين كقوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى " (١).
النوع الثاني: صلاته الخاصة على أنبيائه ورسله وخصوصا على خاتمهم وخيرهم محمد ﷺ (٢).
واختلفت الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال:
القول الأول: إنها رحمته.
فعن ابن عباس ﵄ أن معنى صلاة الرب الرحمة (٣) وروى
стр. 26
إسماعيل القاضي (١) بسنده عن الضحاك (٢) قال: "صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء" (٣).
وقال المبرد (٤) "أصل الصلاة الرحمة فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة" (٥).
قال ابن القيم: "وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين" (٦).
القول الثاني: إن صلاة الله مغفرته.
فقد روى إسماعيل القاضي بسنده عن الضحاك: ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾ قال: "صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء" (٧).
وأورد ابن حجر ﵀ في الفتح: عن مقاتل بن حيان (٨) قال:
стр. 27
"صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار" (١).
قال ابن القيم: "وهذا القول هو من جنس الذي قبله" (٢).
القول الثالث: أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
فإذا قلنا اللهم صل على محمد فإنما نريد اللهم عظِّم محمدا في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين والشهود (٣).
قال أبو العالية (٤): "صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة" (٥).
وعن الربيع بن أنس (٦) قال: "صلاة الله عليه ثناؤه عند ملائكته" (٧).
وقال الخليل بن أحمد: "صلوات الله على أنبيائه والصالحين من خلقه: حسن ثنائة عليهم وحسن ذكره لهم" (٨)
стр. 28
وقال ابن القيم ﵀: "الصلاة المأمور بها في هذه الآية هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب وسُمِّي هذا السؤال منا والدعاء صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ئناء المصلي عليه والإشارة بذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة كذلك من الله تعالى، فقد تضمَّنت الخبر والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سمي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه. فصلاة الله عليه ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به" (١).
وزاد الحافظ ابن حجر: أن صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة. فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم.
وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء.
ونقل عياض عن بكر القشيري (٢) قال: "الصلاة على النبي ﷺ من الله تشريف وزيادة وتكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال قبل ذلك في السورة المذكورة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها" (٣).
стр. 29
وقد ضعف ابن القيم ﵀ تفسير الصلاة بالرحمة والاستغفار وذكر في تضعيفهما عدة أوجه منها:
١ - أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته فقال: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة] فعطف الرحمة على الصلاة فاقتضى ذلك تغايرهما، وهذا أصل العطف، وأما قولهم: وألفى قولها كذبا ومينا.
فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام مع أن المَين أخص من الكذب.
٢ - أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فليست الصلاة مرادفة للرحمة لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيرا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول لا يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء منه مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة ونظائر ذلك كثيرة.
٣ - أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء، ولا تعرف العرب قط "صلى عليه" بمعنى "رحمه" فالواجب حمل اللفظ على معناه المتعارف في اللغة.
٤ - أنه يسوغ بل يستحب لكل أحد أن يسأل الله أن يرحمه فيقول: اللهم ارحمني كما علم النبي ﷺ الداعي أن يقول: "اللهم اغفر لي
стр. 30
وارحمني وعافني وارزقني"، فلما حفظها قال: "أما هذا فقد ملأ يديه من الخير" (١). ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: "اللهم صل علي" بل الداعي بهذا يكون معتديا في دعائه والله لا يحب المعتدين، بخلاف سؤاله الرحمة فإن الله يحب أن يسأله عبده مغفرته ورحمته فعلم أنه ليس معناهما واحدا.
٥ - أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة كقوله تعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقوله: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف] وقوله ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب] وقوله: ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة] وقول النبي ﷺ : "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" (٢). وقوله: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (٣)
فمواضع استعمال الرحمة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصح تفسير الصلاة بالرحمة والله أعلم.
٦ - أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: "اللهم ارحم محمدا وآل محمد" وليس الأمر كذلك (٤). وزاد السخاوي:
стр. 31
٧ - أن الصحابة فهموا المغايرة بين الصلاة والرحمة، فلذلك سألوا عن كيفية الصلاة مع ما تقدم من ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وأقرهم النبي ﷺ فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام (١).
وأولى الأقوال بالصواب ما تقدم عن أبي العالية "أن معنى صلاة الله تعالى على نبيه ثناؤه وتعظيمه".
فهي من الله إكرام وتعظيم ومحبة وثناء لنبيه ﷺ .
فصلاتنا عليه: إنما هي ثناء عليه ﷺ وإرادة من الله أن يعلي ذكره ويزيده تعظيما وتشريفا.
стр. 32
المطلب الثالث شرح الصلاة والسلام على النبي ﷺ -
• قوله: "اللهم صل على محمد": اللهم: بمعنى: يا الله (١)، وصلاة الله على رسوله: هي الثناء عليه في الملأ الأعلى.
• قال البخاري ﵀: "قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء" (٢).
• قال ابن عباس ﵄: "يصلون: يبركون" (٣) فظهر أن الصلاة من الله على نبيه هي الثناء عليه في الملأ الأعلى؛ أي: عند الملائكة المقربين، وإنما جاء ذكر النبي ﷺ باسمه العلم فقط؛ لأن هذا من باب الخبر، قال الطيبي ﵀: "عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: أمرنا الله بالصلاة عليه، لم نبلغ قدر الواجب من ذلك، فأحلنا على الله تعالى، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق" (٤)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "الصلاة المأمور بها فيها [أي: آية الأحزاب] هي: الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه، وإظهار لفضله، وشرفه، وإرادة تكريمه،
стр. 33
وتقريبه، فهي تتضمَّن الخبر، والطلب، وسمي هذا السؤال والدعاء منا نحن: صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادة بذكر شرفه، وفضله، والإرادة، والمحبة لذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر، والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سُمِّي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه وثناؤه، وإرادته لرفع ذكره، وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به" (١).
وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن جماعة أقوالًا في شرح معنى صلاة الله عليه بالمغفرة، وبالرحمة، ثم قال ﵀: "وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب الزيادة، لا طلب أصل الصلاة" (٢)، وقال أيضًا: "وقال الحليمي في الشعب: معنى الصلاة على النبي ﷺ : تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدًا، والمراد: تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: "صلوا عليه: ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى" (٣)
• قوله: "وعلى آل محمد": الآل: تأتي للأتباع على الدين، ويدل على ذلك قول الله : ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، وإذا قرن الآل بالأتباع كقولنا: "آله وأتباعه، فيُراد بالآل: المؤمنون من قرابته، وكذلك إذا قرن الآل،
стр. 34
والأصحاب، والأتباع، فالآل قرابته المؤمنون، والأصحاب: صحابته، والأتباع: أتباعه على دينه، كقولنا: "اللهم صل على محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان"، وقال القرطبي ﵀: "اختلف في آله من هم؟ فقيل: أتباعه، وقيل: أمته، وقيل: آل بيته، وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل: آل الرجل نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: "اللهم صل على آل محمد"، واختلف النحويون: هل يضاف الآل إلى المضمر، أم لا يضاف إلا إلى الظاهر؟ فذهب النحاس، والزبيدي، والكسائي، إلى أنه لا يقال إلا: "اللهم صل على محمد وآل محمد"، ولا يقال: وآله" (١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه لله: "واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال، فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة … والقول الثاني: إن آل النبي ﷺ هم ذريته، وأزواجه خاصة … والقول الثالث: إن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة … والقول الرابع: إن آله ﷺ الأتقياء من أمته … والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان؛ لأن النبي ﷺ قد رفع الشبهة.
• بقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" (٢).
• وقوله ﷺ : "إنما يأكل آل محمد من هذا المال" (٣).
• وقوله ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (٤)، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا، فأولى ما حُمل عليه الآل في
стр. 35
الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك" (١).
وقال الحافظ بن حجر ﵀: "واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة … ولمسلمٍ من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع:
"إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"، وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا فهل يجوز أن يقال أهل عوض آل؟ روايتان عندهم.
وقيل: المراد بآل محمد: أزواجه، وذريته؛ لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ "وآل محمد"، وجاء في حديث أبي حميد موضعه: "وأزواجه وذريته"، فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية، وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أنّ بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد: الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث" (٢).
• وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: "وآل محمد، قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص: كل من ينتمي إلى الشخص، سواء بنسب، أم حمية، أم معاهدة، أم موالاة، أم أتباع، كما قال الله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، فيكون "آله" أتباعه على دينه، وقيل: "آل النبي ﷺ " قرابته المؤمنون، والقائل بذلك خص القرابة المؤمنين، فخرج بذلك سائر الناس، وخرج بذلك كل من كان كافرًا من قرابة النبي ﷺ ، ولكن الصحيح الأول، وهو أن الآل هم
стр. 36
الأتباع، لكن لو قُرِنَ "الآل" بغيره، فقيل: على محمد، وآله، وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته" (١).
• قوله: "كما صليت على إبراهيم": الكاف هنا للتعليل، وليس للتشبيه؛ وذلك لأن المقرر هو أن المشبه أدنى من المشبه به، ومعلوم أن محمدا وآله أفضل من إبراهيم وآله، وعلى هذا يكون المعنى أن هذا من باب التوسل بفعل الله السابق وهو الفضل على إبراهيم وآله إلى تحقيق فضل الله اللاحق وهو الفضل لمحمد وآله، قال العلامة ابن عثيمين: "وهذا هو القول الأصح الذي لا يرد عليه إشكال" (٢).
• قوله: "وعلى آل إبراهيم": قال الحافظ ابن حجر ﵀: "هم ذريته من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة، وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثم إن المراد: المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد" (٣)، ويدخل في ذلك رسولنا الكريم ﷺ ؛ لأنه من ولد إبراهيم ﵇، وقال الإمام النووي ﵀: "ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء" (٤)
• قوله: "إنك حميد": أي: كثير المحامد فهو الحامد لعباده الذين
стр. 37
اصطفاهم لإقامة شرعه ودينه، وهو المحمود من قبل أوليائه لما يتصف به من صفات الجلال والعظمة، قال الإمام النووي ﵀: "الحميد: الذي تحمد فعاله، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد، المحمود، المستحمد إلى عباده" (١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين" (٢)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "أما الحميد: فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد؛ أي: يحمد أفعال عباده" (٣).
• قوله: "مجيد": أي: متعاظم الأمجاد إلى عباده بما يفيض عليهم من الخيرات. قال النووي ﵀: "والمجيد: الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، يقال: مجد الرجل يمجد مجدًا، ومجادة، ومجد يمجد لغتان. قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم … المجيد: الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف، والرفعة، والكرم، والصفات المحمودة" (٤). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "المجيد، والممجد، والكبير، والمكبر، والعظيم، والمعظم، والحمد، والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء، والمحبة للمحمود، فمن أحببته، ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه، محبًا له، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع،
стр. 38
وأكمل، كان الحمد والحب أتم، وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ، وأما المجد، فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر، فلا إله إلا الله دال على ألوهيته، وتفرده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه، وتمجيده، وتكبيره؛ ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا كقوله: ﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ [هود: ٧٣] (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأما المجيد: فهو من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام" (٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ أيضًا: "ولما كانت الصلاة على النبي ﷺ ، وهي ثناء الله تعالى عليه، وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده؛ فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له، وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما أسماء الحميد والمجيد، وهذا كما الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] " (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومناسبة
стр. 39
ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو التذييل له، والمعنى: إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك" (١)، واقتران الحميد المجيد بيان أن الله محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمود وكذلك ليس كل محمود يكون ذا شرف (٢).
• قوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد": المراد بالبركة: الزيادة من الخير، والكرامة، وهي شاملة للبركة في العمل والبركة في الأثر المترتب على هذا العمل. قال القاضي عياض ﵀: "معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة والتكثير منهما، ويكون بمعنى الثبات على ذلك من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هاهنا بمعنى: التطهير والتزكية من المعايب، … نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك، وقيل: بل ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم" (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "والبركة: النماء، والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له … فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته له، ومضاعفته، وزيادته، هذا حقيقة البركة" (٤).
стр. 40
• قوله: "كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد": قال الإمام النووي ﵀: "قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هو بمعنى التطهير، والتزكية، واختلف العلماء في الحكمة في قوله: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ . قال القاضي عياض ﵀: أظهر الأقوال أن نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه، ولأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم، كما أتمها على إبراهيم، وعلى آله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته، وقيل: بل ليبقى ذلك له دائمًا إلى يوم القيامة، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، كإبراهيم ﷺ ، وقيل: كان ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ﷺ ، وقيل: سأل صلاة يتخذه بها خليلا، كما اتخذإبراهيم … والمختار في ذلك أحد ثلاثة أقوال:
أحدها: … أن معناه صلِّ على محمد، وتم الكلام هنا، ثم استأنف: وعلى آل محمد؛ أي: وصل على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، فالمسؤول له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد ﷺ لا نفسه.
القول الثاني: معناه: اجعل لمحمد وآله صلاة منك، كما جعلتها لإبراهيم وآله، فالمسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا قدره.
القول الثالث: أنه على ظاهره، والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة، بمقدار الصلاة التي لإبراهيم وآله، والمسؤول مقابلة الجملة؛ فإن المختار في الآل كما قدمناه أنهم جميع الأتباع، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء، والله أعلم" (١).