← Общие книги

Общие книги · id 1179

جهود أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والإرهاب من خلال الدعوة إلى فقه إنكار المنكر

صالح بن عبد الله الفريح

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جهود أئمة الدعوة السلفية بنجد في التصدي للعنف والإرهاب من خلال الدعوة إلى فقه إنكار المنكر إعداد د. صالح بن عبد الله الفريح عضو الجمعية العلمية السعودية للدراسات الدعوية والأستاذ المساعد بقسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. . ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .

стр. 2

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١] . فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فقد أوجب الله في كتابه الكريم، ورسوله ﷺ في سنته المطهرة على كل مسلم القيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاءت النصوص الشرعية تتضافر في هذا الجانب لتؤكد على أهمية هذه الشعيرة وعظيم قدرها عند الله جل وعلا، حتى عدها بعض العلماء ركنًا من أركان الإسلام، فعدوها ستة أركان بدلًا من خمسة (١) . ولأجل هذا الأمر عُني العلماء سلفًا وخلفًا بهذه الشعيرة العظيمة، فبينوا أصولها وشرحوا أسسها.

стр. 3

والمتأمل لواقعنا المعاصر يلحظ وبوضوح شيئًا من ذلك الانحراف في الفقه الحقيقي لكيفية إنكار المنكر حيث طغت الغيرة على محارم الله وزادت عن الحد المشروع الذي يرضاه الله تعالى، وتجاوز بها أصحابها في غلو لا يحكم به شرع ولا عقل، وكان نتاج ذلك أعمال إرهابية فيها تدمير وتفجير وقتل وإرهاب، الأمر الذي يوجب على طلبة العلم والعلماء والمفكرين والكُتَّاب القيام بدورهم في التصدي لهذه الأفكار المنحرفة وبيان ضلالها لقطع دابر الفساد والإفساد. ولعل من أعجب ما يراه المتأمل لهذه الأحداث المعاصرة وما صاحبها من ردود أفعال، اتهام بعضهم لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالضلوع في تغذية مثل هذا الفكر المنحرف وأنها سبب لظهوره، في جهل واضح بحقيقة الدعوة، ومواقف أئمتها من مثل هذه الأعمال، ولعل للهوى دور كبير في مثل هذا الاتهام. أسباب اختيار الموضوع: ١- بيان جهود أئمة الدعوة السلفية في نجد في محاربة التطرف والغلو وما يتبعهما من إرهاب، وأن مواقفهم إزاء ذلك مواقف صارمة لا تقبل التجاوز في هذا الباب.

стр. 4

٢- غموض موقف أئمة الدعوة السلفية بنجد من التطرف والإرهاب لدى بعض من يعدون من المثقفين والمفكرين، وما يتبع ذلك أطروحات متطرفة تحمل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيرا من التبعات التي هي منها براء مما سيبينه هذا البحث بحول الله تعالى. ٣- عدم وجود دراسة علمية تتناول هذه القضية وتبرز للناس الموقف الجيد النابع من حقيقة الإسلام ضد هذه الأفكار. ٤- إبراز تحذير أئمة الدعوة السلفية بنجد من التطرف والغلو وما يتبعهما من إرهاب وإظهار بعض الفتاوى المهمة التي كتبها أئمة الدعوة في التحذير من قضايا نعيشها في واقعنا المعاصر اليوم. ٥- بيان انحراف من زعم أن منهجه المتطرف والغالي وما يتبعه هو منهج أئمة الدعوة السلفية بنجد وبيان تفنيدهم لذلك وحقيقة منهجهم. مشكلة البحث: يمكن تحديد مشكلة البحث في بيان الموقف الحقيقي لأئمة الدعوة السلفية في نجد من الغلو والتطرف والعنف والإرهاب، وهل كانت تلك الدعوة تغذي التطرف والإرهاب أو هل هي سبب في ظهوره أو ظهور شيء من آثاره التي نعيشها اليوم من إرهاب وعنف. حدود الدراسة:

стр. 5

ستكون الدراسة منصبة على استخراج المنهج لدى أئمة الدعوة السلفية بنجد في قضية إنكار المنكر ومحاربتهم للغلو والتطرف والعنف فيها وتجاوز المأمور به شرعًا في تطبيقها. وسيركز الباحث على ما سطره أئمة الدعوة من العلماء والحكام ويحلل عباراتهم ويستنبط منها منهجهم العلمي في ذلك. منهج البحث: سيستخدم الباحث في هذا البحث المنهج التحليلي الاستنباطي حيث سيجمع النصوص الواردة عنهم في قضية إنكار المنكر وما يتعلق بها ثم يحلل عباراتهم ويدرسها بعناية مستنبطًا منها منهجيتهم في هذه القضية الهامة وسيكون ذلك وفق الخطوات الآتية: ١- جمع ما تيسر من رسائل أئمة الدعوة السلفية بنجد والكتب التي عُنيت بجمع تلك الرسائل ومؤلفاتهم واستخراج النصوص المتعلقة بالموضوع منها. ٢- إجراء دراسة تحليلية لما جُمع من نصوص تتعلق بموضوع البحث واستنباط منهجهم منها. ٣- التركيز على ما كتبه أئمة الدعوة السلفية بنجد دون ما نُقل عنهم ليتم الوصول إلى منهجهم دون وسائط قد تحرف البحث عن مساره. ٤- الحرص على نقل عباراتهم بنصها غالبًا في الموضوع ليكون واقعيًا. ٥- عزو الآيات لموضعها من كتاب الله.

стр. 6

٦- عزو الأحاديث لمن خرجها مقدمًا الصحيحين على غيرهما. ٧- الترجمة للأعلام باختصار. قائمة المحتويات:

стр. 7

وسوف يتكون البحث من مقدمة وتمهيد ومبحثين: المقدمة: وفيها خطة البحث وأسباب اختيار الموضوع ومشكلة البحث وحدود الدراسة ومنهج البحث وقائمة المحتويات. التمهيد: فيه نبذة عن الدعوة السلفية بنجد. المبحث الأول: فقه ما يجب قبل الإنكار. وفيه ثلاثة مطالب هي: * المطلب الأول: حقيقة فاعل المنكر. * المطلب الثاني: التثبت وعدم العجلة. * المطلب الثالث: العلم. المبحث الثاني: فقه ما يجب حال الإنكار. وفيه ثلاثة مطالب هي: * المطلب الأول: الحكم إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم. * المطلب الثاني: أسلوب الإنكار. * المطلب الثالث: الإنكار على ولاة الأمور (الحكام) .

стр. 8

تمهيد نبذة عن الدعوة السلفية بنجد: في منتصف القرن الثاني عشر الهجري وفي قرية حريملاء التي تقع بنجد كان ظهور النشاط الأولي لدعوة تجديدية تهدف إلى إحياء الإسلام الصحيح في عقول الناس وقلوبهم، وقد تمثلت في الواقع بما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) من دعوة الناس إلى مبادئ الإسلام وعلى رأسها توحيد الله والتحذير من الإشراك به إذ هو " أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ " (٢) ، التي وقع فيه انحراف عظيم حتى تصاغر انحراف المشركين الأولين أمام شرك المتأخرين في أمور، حيث اجتمع لهم الجهل وضعف العقل إذ الأولون أصح عقولًا منهم (٣) .

стр. 9

ولأجل هذا شمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن ساعد الجد قيامًا بواجب الدعوة إلى الله تعالى؛ لكن الأمور لم تأت كما أراد، فواجهته المصاعب يتلو بعضها بعضًا؛ ففي حريملاء كاد يُقتل (١) ، ثم في العيينة تم طرده بسبب دعوته (٢) ؛ حتى حط رحله في رحاب الأمير محمد بن سعود (٣) الذي لم يتاون في نصر الدعوة والقيام لأجلها ولم يثنه عن مواصلة السير في طريق مناصرة الدعوة ما واجهه في سبيلها من صعوبات كان أبرزها معاداة الجميع له ورميهم إياه عن قوس واحدة، وما تبع ذلك من مقتل ابنيه فيصل وسعود (٤) ، لكن ثبت على نصر الدعوة واستمر.

стр. 10

ويعد المؤرخون لقاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود عام ١١٥٧هـ (١) ، والبيعة المباركة التي تمت بينهما في الدرعية نقطة الانطلاقة العملية للدولة السعودية في أول أدوارها وهي كذلك الانطلاقة الفعلية للدعوة السلفية بنجد إذ منها بدأت الدعوة تأخذ طابعًا جديدًا متميزًا؛ يظهر في وجودها ضمن كيان قام عليها ولأجلها ويهدف لحمايتها ونشرها، ومن هنا بدأت الدعوة السلفية في نجد تأخذ تميزها، ومما أسهم في ظهورها وبروزها أئمتها الذين يمثلهم مجموعة من الحكام الذين تعاقبوا على إدارة أزمة الأمور في الدولة السعودية، وعلماء كان لهم دورهم البارز في نشر مبادئ الدعوة وأفكارها التي تمثل مبادئ الإسلام وأسسه، كما كان لهم دورهم الفاعل في القيام بواجب الحماية الفكرية لتلك المبادئ العظيمة التي تمثل حقيقة الإسلام، وهؤلاء العلماء هم الذين تتلمذوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ أو على تلامذته، وانتهجوا الأفكار والمبادئ نفسها التي دعا إليها الشيخ المجدد سواء كانوا من أبنائه وأحفاده أو من غيرهم.

стр. 11

وهؤلاء الأئمة كانوا فاعلين في الدعوة السلفية بنجد، في أدوار الدولة التي مرت بها، فقد كان من أبرزهم في الدور الأول: المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد العزيز الحصين (١) ، وحمد بن ناصر بن معمر (٢) ، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (٣) ، وغيرهم؛ أما الحكام فقد كان منهم الأمير / محمد بن سعود، ثم ابنه / عبد العزيز (٤) ، ثم ابنه / سعود (٥) ، ثم ابنه / عبد الله (٦) ، وهو آخرهم في الدور الأول. أما الدور الثاني فقد كان منهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (٧) ، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (٨) ، والشيخ عبد الله أبا بطين (٩) ، والشيخ حمد بن علي بن عتيق (١٠) ، ومن تلامذتهم الشيخ سليمان بن سحمان (١١) ، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري (١٢) ، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ (١٣) ، والشيخ عمر بن محمد بن سليم (١٤) ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق (١٥) ، وغيرهم كثير، وأبرز من ولي الحكم فيه الإمام تركي بن عبد الله (١٦) ، وفيصل بن تركي (١٧) ، وعبد الله بن فيصل، وعبد الرحمن بن فيصل، ثم الملك الموحد المجدد عبد العزيز بن عبد الرحمن في الدور الثالث.

стр. 12

ولا شك أن أئمة الدعوة السلفية بنجد كان يمثلون وحدة متكاملة تتكون من الحكام والعلماء وكان بينهم توافق عجيب حيث كان كلاهما يكمل دور الآخر (١) ؛ حتى ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في معرض تأكيده على أن كليهما يكمل صاحبه، ولا يمكن أن يصل أداؤهما إلى الدرجة المطلوبة إلا بالتعاون والتعاضد حيث قال ﵀: ". . . وترى الكل من أهل الدين والأمير ما يعبد الله أحد منهم إلا برفيقه. . . " (٢) .

стр. 13

المبحث الأول فقه ما قبل الإنكار المطلب الأول - حقيقة فاعل المنكر: أدرك علماء الدعوة السلفية بنجد أن من المهم جدًا أن يدرك القائم بشعيرة إنكار المنكر حقيقة فاعل المنكر، وذلك أن بعضهم قد يطغى عليه النظر إلى المنكر وقبحه ومخالفته لأمر الله جل وعلا، ثم يغفل عن النظر إلى أن فاعل المنكر يبقى مسلمًا، لا يخرجه فعل المنكر عن دائرة الإسلام، الأمر الذي يوجب على المسلم أن يتعامل مع أخيه وفق ما جاءت به النصوص الشرعية في التعامل بين المسلمين بعضهم مع بعض وفاءً بالحقوق التي شرعها الله بينهم. ولأجل ذلك جاءت توجيهات علماء الدعوة تؤكد وترسخ هذا المعنى؛ في الدعوة إلى نظرة متوازنة للعاصي أو فاعل المنكر؛ تُراعي ما فيه من الشر وما فيه من الخير، فليس كل عاصٍ فاقدا لكل الخير، ولأجل ذلك فالعاصي وفاعل المنكر يُبغضُ على ما فيه من الشر والمعصية، ويُحب على ما فيه من الخير، ولا ينبغي للمسلم أن يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعًا وقاضيًا على ما معه من الخير فلا يحبه (١) .

стр. 14

ومن المؤكد أن إدراك هذا المعنى وفهمه وترسخه لدى القائم بهذه الشعيرة له تأثيره في أدائه، فإذا علم أن فاعل هذا المنكر (العاصي) هو أخ له في الإسلام، تجمع بينهما رابطة الدين، وأدرك الحقوق العظيمة لهذا الرابط، وحقوق أخيه المسلم عليه، دفق هذا الشعور إلى الترفق بأخيه، والاهتمام باختيار الأسلوب الأمثل والأفضل لإنكار المنكر وتعليم العاصي دون الإجحاف بحقه أو الإضرار به. ومن أخطر المشكلات التي تواجه الدعوة من بعض القائمين بهذه الشعيرة هي عدم الفهم الحقيقي لهذا الأمر، فتجد من يغفل عن هذا الأمر؛ بل يشتط بعضهم فيتجاوزه إلى أمور خطيرة لا تصدر عمن رزقه الله علمًا وبصيرة؛ فيرمي أخاه بالكفر، ويخرجه من الملة لأجل معصية لا توجب ذلك.

стр. 15

ولإدراك أئمة الدعوة السلفية بنجد خطورة الأمر، واحتمال بل تأكد وقوعه من بعض الغالين؛ كانوا يحذرون من حدوث مثل هذا، ويقفون سدًا منيعًا أمام التجاوز في هذا الباب، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك موقف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ لما عُين قاضيًا في الأحساء عام أربعة وستين ومائتين وألف للهجرة النبوية، حيث وجد فيها رجلين قد اعتزلا الجمعة والجماعة وكفرا من بتلك البلاد من المسلمين بحجج واهية وشبهات باطلة، فأحضرهما الشيخ عبد اللطيف وكشف شبهاتهما وأدحض ضلالتهما ورد على زعمهم أن هذا هو معتقد الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، وبيّن لهم أن الشيخ المجدد لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر (١) .

стр. 16

ولم يكتف ﵀ بذلك بل كان يحذر من يشعر أن لديهم شيئًا من الانحراف في ذلك من خلال المكاتبات والرسائل، يقول في إحداها مخاطبًا من شعر أن لديهم انحرافًا في الفهم نحو التكفير: " وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومن معه من الصحابة. . . " (١) ، ويقول في بيان أن التكفير لمجرد المعاصي مخالف لما عليه أئمة الإسلام من أهل السنة والجماعة: ". . . والتجاسر على تكفير من ظاهره الإسلام من غير مستند شرعي ولا برهان مرضي يخالف ما عليه أئمة العلم من أهل السنة والجماعة وهذه الطريقة هي طريقة أهل البدع والضلال. . . " (٢) . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: ". . . ما دون الشرك والكفر من المعاصي فلا يكفر فاعله لكنه يُنهى عنه، وإذا أصر على كبيرة ولم يتب منها فيجب نهيه والقيام عليه، وكل منكر يجب إنكاره، من تَرْكِ واجبٍ أو ارتكاب محرمٍ، لكن لا يكفر إلا من فعل مكفرًا دل الكتاب والسنة على أنه كفر، وكذا ما اتفق العلماء على أن من فعله أو اعتقده كفر. . . " (٣) .

стр. 17

ومما يتعلق بهذا الباب أمر أكد عليه أئمة الدعوة السلفية ﵏ وهو أن الواجب على المسلم قبول علانية إخوانهم، ولا يجوز لأحد التجسس عليهم أو اتهام نياتهم، بل الواجب أن توكل السرائر إلى الله تعالى، ولأجل ذلك كتب الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ٍٍِ مؤكدًا على هذا الأمر حيث يقول:". . . إن النبي ﷺ كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله، فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادهم جاهدهم. . . " (١) ، وهذا كلام نفيس، فقد أشار الشيخ فيه إلى أن العبرة ليست فقط بمجرد ظهور ما يوجب جهادهم، بل لا بد من التحقق الكامل من ذلك، وهذا تأكيد لوجوب التعامل مع هذا الأمر بحساسية بالغة إذ هو من أخطر الأبواب وأعظمها في إفساد المجتمع وتدميره، فاتهام النيات ومحاكمة المقاصد والتجسس لأجل ذلك له آثاره الوخيمة وعواقبه الخطيرة على المجتمع إذ تُشغل أبناءه بعضهم ببعض مما يكون بداية النهاية له.

стр. 18

المطلب الثاني - التثبت وعدم العجلة: التثبت في الأمور وعدم الاستعجال منهج إسلامي متميز؛ يحفظ على المجتمع تماسكه وتآلفه، ويحميه من الأخطاء والزلات التي يتبعها فساد عريض، ولأجل ذلك نبه القرآن الكريم على حكمةٍ من حكم هذا المنهج العظيم فقال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١) ، فيندم الفاعل ويتألم المتضرر. وقد أدرك أئمة الدعوة السلفية بنجد هذا الأمر فأكدوا عليه في رسائلهم وتوجهاتهم، يقول الشيخ محمد عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في هذا الباب: ". . . ينبغي لمن قصد الخير والدعوة إلى الله التوقع في الأمور والتثبت وعدم الطيش والعجلة. . . " (٢) . وينقسم التثبت عند أئمة الدعوة السلفية بنجد من خلال الاستقراء إلى قسمين:

стр. 19

أ) التثبت من أن المنكر قد وقع على الحقيقة؛ إذ لا يكفي أن يذكر ذلك أو أن يتردد في المجالس في إشاعات مغرضة وأقاويل مختلقة، يتناقلها بعض من لا خلاق لهم ولا معرفة لديهم، يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في هذا الأمر: ". . . الواجب عليهم إذا ذكر لهم عن أحد منكر عدم العجلة، فإن تحققوا أتوا صاحبه ونصحوه. . . " (١) . وفي قوله ترسيخ لهذا الأمر فلا بد من التحقق قبل الإقدام على أي تصرف مترتب على الخبر الذي ورد، فإذا تحقق وثبت صدقه، هنا يأتي دور العمل وهو النصح والإنكار وأما قبل ذلك فلا.

стр. 20

ب) أن يثبت أن هذا الفعل هو من المنكر حقًا، وهذا بالعلم الشرعي الذي لا يتم إلا من خلال معرفة الكتاب والسنة المطهرة، ولذا كان من الواجب المتحتم والمتأكد على من ليس لديه معرفة بالكتاب والسنة، ولا يملك الأهلية لذلك، أن يتريث ويتثبت ولا يستعجل حتى يرجع للعلماء الراسخين في العلم المدركين لمقاصد الشريعة ومعانيها فلا يتجاوزهم، وهذا من الأمور التي كان يؤكد عليها أئمة الدعوة السلفية بنجد حيث يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في هذا الباب: ". . . والإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله. . . " (١) . ولتعلق هذا الأمر بمسألة من أهم المسائل التي عُني بها أئمة الدعوة السلفية بنجد فسوف نفرد القول فيها في المطلب الآتي إن شاء الله تعالى.

стр. 21

المطلب الثالث - العلم: لا شك أن من أهم الأسس التي يقوم عليها أي عمل يُراد له النجاح: العلم؛ إذ هو من أهم الأسس التي تحقق ذلك للعمل، ولا سيما في أمر الدعوة إلى الله تعالى، وخاصة في جانب إنكار المنكر لخطورة هذا الأمر؛ ولأجل ذلك جاءت وصايا وتوجيهات أئمة الدعوة السلفية بنجد، تحمل في طياتها الكثير عن العلم في جوانب مختلفة، تصب كلها في الوصول إلى أداء أكمل في جانب الدعوة إلى الله عمومًا، وإنكار المنكر خصوصًا، فمن ذلك ما يأتي: ١- بيان أن من أهم وأخطر أسباب الغلو والتطرف هو الجهل حيث يوقع في الخطأ في الفهم؛ ويدفع إلى بناء تصورات غير صحيحة، وعليها تنبني تصرفات منحرفة توقع فظائع الأمور (١) .

стр. 22

٢- ولأجل القضاء على الغلو والتطرف وما يتبعهما من الإرهاب كان لا بد من الاهتمام بالعلم وتعليم الناس عامة، والممارسين للعمل الدعوي بخاصة، إذ من المؤكد أنه يرفع كفاءة القائم بالإنكار إذا ما طبق مفردات العلم على أرض الواقع، وهذا أمر معلوم؛ إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فكيف ينكر وفق الأصول المعتبرة شرعًا؛ من لم يتعلمها، ولا يعرف منها شيئًا، يقول الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب بعد رسالة له ضمنها أصولًا مهمة في إنكار المنكر مبينًا أثر الجهل بها: ". . . فالله الله العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين " (١) ، ولقد سلك أئمة الدعوة السلفية بنجد سبلًا كثيرة للرفع من قدرة الناس المعرفية وإيصال العلم إليهم بكل الوسائل والأساليب، فمن ذلك:

стр. 23

أ) مخاطبة من له الإمامة وولاية الأمر بوجوب الاهتمام بتعليم الناس، والتأكيد على إرسال من يعلمهم أمور دينهم، يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ للإمام فيصل بن تركي: " وعلى الإمام - وفقه الله - أن يبعث للدين عمالًا كما يبعث للزكاة عمالًا ليعلموهم دينهم. . . " (١) ، ويقول في رسالة أخرى: ". . . وكذلك يجب على الإمام النظر في أمر العلم وترغيب الناس في طلبه وإعانة من تصدى للطلب. . . " (٢) ، ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف ومجموعة من العلماء في بيان أهمية نشر العلم ودور الإمام في ذلك: " إن مما أوجب الله ورسوله ﷺ على من ولي الأمر نشر العلم وإقامة الدين. . . " (٣) .

стр. 24

وقد كان أئمة الدعوة السلفية من الحكام يبذلون في هذا الأمر الشيء الكثير حيث يرسلون الدعاة إلى مختلف البلدان ليقوموا بدورهم في التعليم والتوجيه، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في رسالة منه لأحد طلبة العلم متضمنة تكليفه بالقيام بواجب التعليم بأمر الإمام عبد الرحمن الفيصل (١) : ". . . وقد أجمع الرأي والمشورة على إلزامك بالدعوة إلى الله والتذكير بدينه. . . وهذا خط الإمام عبد الرحمن وأهلك فلا تجاوب بلا ولن. . . " (٢) ، ويقول في رسالة موجهة لأمير من الأمراء: ". . . والواصل إليك ولدنا علي بن سليم (٣) بتدبير الإمام بتذكير أهل الإسلام وحثهم على الثبات والتمسك بدين الله. . . " (٤) . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ومجموعة معه من العلماء في بيان جهد الإمام في ذلك: ". . . والإمام - وفقه الله - وأعانه مهتم لهذا الأمر، وقد بعث لأكثر القبائل دعاة يعلمونهم أمر دينهم. . . " (٥) .

стр. 25

ب) جعل التعليم إلزاميًا على مجموعة من كل بلد حيث يتكفل الإمام بنفقاتهم، ويُفرغون لطلب العلم وتلقيه؛ ليقوموا بدورهم في تعليم قومهم بعد ذلك، وهو منهج سلكه الإمام سعود بن عبد العزيز، يقول ﵀ في رسالة له: ". . . وأنتم خابرون أني قد لزمت على كل أمير ناحية يخص على خمسة عشر أو أكثر أو أقل من أهل بلدانه؛ ويلزمهم طلب العلم؛ لأنه أمر ضروري. . . ولا أعذر كل أمير ناحية إلا عنده أناس مخصوصين، ويلزمهم طلب العلم، ويكتب لنا أسماءهم في ورقة ونوصلهم - إن شاء الله - ما يعاونهم على معيشتهم. . . " (١) . ج) التأكيد على طلبة العلم القيام بواجبهم في تعليم الناس وبذل ما رزقهم الله من علم وفهم، وفي ذلك يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "فالواجب على من أعطاه الله شيئًا من العلم أن يبذله للطالبين، وأن يقوم بما أوجبه الله تعالى عليه من النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. . . " (٢) . ويقول الشيخ عبد اللطيف في تأكيد ذلك على بعض طلابه: ". . . ونشر العلم وبيان السنة من أوجب الواجبات وأفضل الطاعات. . . " (٣) .

стр. 26

٣- التأكيد على أهم قضية في منهجية تلقي العلم وهي: كيفية التلقي، فليس المراد بطلب العلم هو أن يجمع منه شيئًا لا يفهمه ولا يدركه، بل القضية هي الفقه والفهم قبل الحفظ، ولأجل ذلك كان أئمة الدعوة السلفية يؤكدون على المنهجية الصحيحة في طلب العلم وتلقيه، وفي ذلك يبين الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري أن الواجب على طلبة العلم أن يأخذوا العلم عن أهله، ولا يعتمدوا على مجرد أفهامهم أو التلقي عن الكتب فقط، ويؤكد أن ذلك غير نافع (١) ، وفي بيان ذلك يقول الشيخ عمر بن سليم: ". . . أن الذي يستغني بمجموعة التوحيد أو يقلد من يقرأها وهو لا يعرف معناها قد وقع في جهل وضلال بل يجب عليه الأخذ عن علماء المسلمين. . . " (٢) . ويقول الشيخ سعد بن عتيق: " وأعظم أسباب السلامة الهرب من سبل أهل الغي والفساد واقتباس نور الهدى من محله والتماس العلم النافع من حملته وأهله وهم أهل العلم والدين. . . " (٣) .

стр. 27

ولا شك أن من لا يتلقى العلم عن العلماء هو على خطر عظيم، إذ إنهم يتعلقون بألفاظ تلك الكتب ويغيب عن كثير منهم معانيها (١) ، ومما يزيد الأمر بلاءً أن هذا الصنف لا يسأل العلماء فيما خفي عليه من المعاني فلا يظهر له المقصود لا بفهمه ولا باستفساره فيبقى في جهل وضلال وهو يظن أنه على علم، وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ عبد الله العنقري: ". . . فأما من تعلق بظواهر ألفاظ من كلام العلماء المحققين ولم يعرضها على العلماء بل يعتمد على فهمه وربما قال حجتنا مجموعة التوحيد أو كلام العالم الفلاني وهو لا يعرف مقصوده بذلك الكلام فإن هذا جهل وضلال. . . إذا عُرف هذا يتبين أن الذي يدعي أنه يستغني بمجموعة التوحيد عن الأخذ عن علماء المسلمين مخطئ. . . " (٢) . ويقول الشيخ عمر بن سليم في وصف هذا البلاء: ". . . فأما من رغب عن سؤال العلماء أو قال حجتنا الكتاب الفلاني أو مجموعة التوحيد أو كلام العالم الفلاني وهو لا يعرف مقصوده بذلك فإن هذا جهل وضلال. . . " (٣) ، ويُبين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ أن وجود الكتب وحدها لا يكفي بل يجب أن يؤخذ العلم عن عالم رباني فيقول: ". . . وإن كانت

стр. 28

الكتب موجودة فهي لا تغني ما لم يساعده التوفيق وتؤخذ المعاني والحدود والأحكام عن عالم رباني " (١) .

стр. 29

٤- الزهد بالأخذ عن العلماء من أهم أسبابه فقد الثقة بهم لأجل أهواء وشبهات وحسد تدفع إلى الطعن بهم، ولأجل ذلك جاء تحذير أئمة الدعوة السلفية من الطعن في علماء المسلمين الصادقين لأن ذلك يوجد الفجوة ويزيدها بين العلماء وطلبة العلم والعامة؛ الأمر الذي ينعكس سلبًا على طلبة العلم؛ حيث يصدهم الشيطان بمكره عن التلقي من العلماء، ويزين الطعن فيهم، واتهامهم بالتهم الباطلة، وقذفهم بالأوصاف القبيحة؛ لتزداد الفجوة مما يحرم طلبة العلم من الاستفادة من أولئك العلماء وما رزقهم الله من العلم النافع فيبقون في ضلالتهم وجهلهم ويحسبون أنهم على شيء، يقول الشيخ عمر بن سليم: " ومن كيد الشيطان أيضًا الذي صدهم عن تعلم العلم وطلبه واتهام علماء المسلمين وسوء الظن بهم وعدم الأخذ عنهم وهذا سبب لحرمان العلم. . . " (١) . ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله العنقري في التحذير من ذلك: " ومما أدخل الشيطان على بعض المتدينين اتهام علماء المسلمين بالمداهنة وسوء الظن بهم وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لحرمان العلم النافع، والعلماء هم ورثة الأنبياء في كل زمان ومكان فلا يُتلقى العلم إلا عنهم. فمن زهد في الأخذ عنهم

стр. 30

، ولم يقبل ما نقلوه فقد زهد في ميراث سيد المرسلين. . . والعلماء هم الأمناء على دين الله فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله كما قال بعض السلف: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. . . " (١) . وليست الخطورة في حرمان العلم فحسب بل تتعداه إلى أمور من أخطرها:

стр. 31

أ) أن تجاوز الأدب مع العلماء في وصفهم بما لا يليق من الذنوب العظام، ولا يجوز لمسلم الوقوع فيها فهي غيبة لورثة الأنبياء الموقعين عن رب العالمين ولذا حذر أئمة الدعوة من ذلك يقول الشيخ سعد بن عتيق: ". . . ومن ذلك ما وقع من غلاة هؤلاء من اتهام أهل العلم والدين ونسبتهم إلى التقصير وترك القيام بما وجب عليهم من أمر الله وكتمان ما يعلمون من الحق ولم يدر هؤلاء أن اغتياب أهل العلم والدين والتفكه بأعراض المؤمنين سم قاتل وداء دفين وإثم واضح مبين. . . " (١) ، ويوضح ﵀ أن الوقوع في هذا دلالة ظاهرة على جهل فاعله وسبب مباشر لموت قلبه فيقول: ". . . الوقوع في أهل العلم والدين وإساءة الظن بهم ونسبتهم إلى ترك ما أوجب الله عليهم من الدعوة إلى الله والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم. . . هذا من جهلهم وعدم مبالاتهم بما يقعون فيه من الغيبة لأهل العلم وثلبهم إياهم وذمهم وانتقاصهم ومن وقع في أهل العلم بالعيب والثلب ابتلاه الله بموت القلب. . . " (٢) ، وهؤلاء لم يراعوا حق العلماء ولا عظيم قدرهم ولا رفيع منزلتهم ولم يحفظوا لهم سابقتهم في الإسلام وما بذلوه لطلب العلم وفي هذا الصدد يقول الشيخ سعد بن

стр. 32

عتيق: ". . . والتماس العلم النافع من حملته وأهله وهم أهل العلم والدين الذين بذلوا أنفسهم في طلب الحق وهداية الخلق متى صاروا شهودًا لهم بالهداية والعدالة، وصانوا أنفسهم عن صفات أهل الغي والضلالة. . . " (١) .

стр. 33

ب) ومما يتبع هذا الأمر التأكد قضية خطيرة وهي أن الطاعن في العلماء يعتاض عنهم بمن يوافق هواه من الجهلة الذين لا دراية لهم بأحكام الشريعة على الحقيقة ممن علم شيئًا وغابت عنه أشياء، الذين يتزيّون بزيّ العلماء والعلم والعلماء منهم براء فهم يخبطون خبط عشواء في جهالة وضلالة عمياء (١) ، وهؤلاء يفسدون عقائد الناس ويضلونهم بغير علم، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: ". . . وهل حدث الشرك في الأرض إلا برأي أمثال هؤلاء المخالفين الذين يظهرون للناس في زي العلماء وملابس الصلحاء وهم من أبعد الخلق عما جاءت به الرسل. . . " (٢) ، ويقول أيضًا: ". . . وأخبرتكم أن هذا من أكبر الوسائل وأعظم الذرائع إلى ظهور الشرك ونسيان التوحيد، وأن من أعظم ذلك وأفحشه ما يصدر من بعض من يظنه العامة من أهل العلم وحملة الدين وما يصدر منهم من التشبيه والعبارات التي لم يتصل سندها ولم يعصم قائلها وبهذا ونحوه اتسع الخرق. . . " (٣) .

стр. 34

ويؤكد الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ على التحذير من اللجوء إلى من لا يعرف عنهم رسوخ العلم وثبوت القدم فيه ممن تظاهروا بالعلم وهم لا يملكون الفقه الذي يؤهلهم لتوجيه الناس وتعليمهم لا سيما في القضايا المشكلات فيقول: ". . . ينبغي لمن قصده الخير والدعوة إلى الله التوقع في الأمور والتثبت وعدم الطيش والعجلة والحرص على الرفق والملاطفة في الدعوة فإن في ذلك خيرًا كثيرًا وينبغي له أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة فيسأله ويستفتيه، ولا ينظر إلى الأشخاص ولا من ليس له بصيرة. . . وأقل الأحوال إذا لم يحصل للعبد ذلك أن يقتصر على نفسه. . . " (١) .

стр. 35

وأساس البلاء عند هؤلاء أنهم يهرفون بما لا يعرفون، يتكلمون في المعضلات ويعالجون أكبر الملمّات، وهم لا يملكون من العلم اسمه ولا رسمه، وهؤلاء هم القائلون على الله بغير علم، ولذا كان أئمة الدعوة السلفية يتصدون بكل قوة، ويحذرون بكل وسيلة من سلوك هذا المنهج، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في التحذير من ذلك: ". . . والقول على الله بلا علم والخوض في دينه من غير دراية ولا فهم فوق الشرك واتخاذ الأنداد معه. . . " (١) ، ويتجاوز دورهم الإفسادي ذلك، فهم من أعظم أسباب التفرق والخلاف والشقاق، يقول الشيخ عمر بن سليم محذرًا: " ومن الأمور التي زينها الشيطان التفرق والاختلاف في الدين وسبب ذلك كلام أهل الجهل بأحكام الشرع، فلو سكت الجاهل سقط الاختلاف والكلام في دين الله بغير علم، وخوض الجاهل بمسائل العلم قد حرمه الله تعالى في كتابه حيث يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) " (٣) ، ويقول

стр. 36

الشيخ سعد بن عتيق: " ومن أعظم أسباب التفرق والاختلاف والعدول عن طريق الحق والإنصاف ما وقع من كثير من الناس من الإفتاء في دين الله بغير علم والخوض في مسائل العلم بغير دراية ولا فهم " (١) . ولخطورة هذا الأمر فقد وردت عباراتهم في رسائلهم تحذر من القول على الله بغير علم ولا سيما عند ظهور هذا البلاء (٢) . ج) التأكيد على أهمية فقه حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا سيما لطلبة العلم، فليس المراد معرفة وجوبها فقط؛ بل الأهم معرفة كيفية الأداء الأمثل لهما، ولا سيما قضية إنكار المنكر، وفي هذا يقول المجدد محمد بن عبد الوهاب: ". . . وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقًا فيما يأمر به وينهى عنه، ويكون صابرًا على ما جاءه من الأذى في ذلك. وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به، فإن الخلل ما يدخل على صاحب الدين إلا من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه. . . . . . فالله الله في العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن ما فعلتم صار إنكاركم مضرة على الدين. . . " (٣) .

стр. 37

ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ: ". . . وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة والمعرفة التامة. . . " (١) ، فإذا لم يكن له معرفة وعلم فيرشده الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ بقوله: ". . . أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة فيسأله ويستفتيه، ولا ينظر إلى الأشخاص ولا من ليس له بصيرة " (٢) ، فإذا لم يكن ذلك فالواجب عليه كما يرشد الشيخ أيضًا: " أن يقتصر على نفسه " (٣) ، ليسلم ويُسلم منه.

стр. 38

المبحث الثاني فقه ما يجب حال الإنكار لعل مما لا شك فيه أن الممارسة الفعلية لواجب إنكار المنكر تحتاج من القائم بها إلى فقهٍ لكيفية الإنكار الصحيحة، وبدون هذا الفقه لا يتحقق الهدف منها، وهذا أمر له دوره المهم في نجاح الداعية، ولعل من أهم ما يجب على المسلم فقهه حال إنكار المنكر ما يأتي: المطلب الأول - الحكم إذا ترتب على الإنكار مفسدة أعظم: والمراد هنا أن المنكر قد يترتب على إنكاره وقوع مفسدة أعظم من المنكر نفسه، وهذا أمر معلوم ومشاهد. ولإدراك هذا الأمر على حقيقته لا بد أن يدرك كل مسلم ما المقصد من التشريع الإلهي، وهو أمر كان أئمة الدعوة السلفية يعنون به، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ في إحدى رسائله منبهًا عليه: " والقصد من التشريع والأوامر تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين أو تفويت أدنى المصلحتين. . . " (١) .

стр. 39

والمتأمل يدرك خطورة الفهم الخاطئ في قضية ترتيب الأولويات في إنكار المنكر، وقد عُني أئمة الدعوة السلفية بنجد بهذا الأمر عناية فائقة، فكانوا ينبهون على الواجب فيها، حيث يبينون في كثير من رسائلهم أن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكرٌ أكبر منه لم يجز الإنكار؛ سواء كان المترتب مفسدة عامة أو مضرة خاصة، ولذلك كانوا يؤكدون في رسائلهم على هذا المعنى وتأصيله من خلال بيان أنه رأي قديم قال به العلماء، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ". . . يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره. . . " (١) .

стр. 40

ويبين المزيد حول هذا الأمر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر فيقول: ". . . ولكن إن خاف حصول منكر أعظم سقط الإنكار، وأنكر بقلبه وقد نص العلماء على أن المنكر إذا لم يحصل إنكاره إلا بحصول منكر أعظم منه لا ينبغي، وذلك لأن مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتقليل المفاسد. . . " (١) ، بل إن الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ كان يدعو في رسائله إلى التفكر في النتيجة قبل ممارسة الشعيرة؛ حتى لا يقع الخلل ثم تصعب المعالجة، ولا سيما بعد وقوع النزاع والشقاق فيقول: " وأوصيكم أيضًا بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان من أمور الخير نظر فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل وسلامة في الدين وكان الأصلح الأمر به؛ مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شر وفتن وتفريق كلمة في العاجل والآجل ومضرة في الدين والدنيا وكان الصلاح في تركه؛ وجب تركه ولم يأمر به؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. . . " (٢) .
следующие страницы →