← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وغيرهم بخمس مائة درهم من هذه الدراهم، وهي ألف من الدراهم المغربية، فيكون عند الملك بدل هذا المملوك الذي هو بثلاثين ألف درهم كتيبة فرسان من ستين فارسا، على أنهم أكثر ما يبتاعون المماليك الذين قيمة الواحد منهم خمسمائة درهم مغربية، وستمائة ونحو ذلك. قال: وهمّم أهل المشرق في هذا الشأن مسلمة لهم، وكل هذا الذي ذكرناه هنا مما ذكره ابن سعيد. قلت: أما قوله عن علو ثمن المملوك ثلاثين ألف درهم ناصرية فهو معذور فيه، ولكنه ما عمر إلى إمام سلطاننا ورأى ما جلب إليه، وما بذل من الأثمان، ولو رأى ذلك لاحتقر ما استكبر، واستقل ما استكثر، وأما قوله: إن الدرهم الناصري بدرهمين مغربية، فقد قدمنا القول أن الدرهم الكاملي (١) معاملها اليوم بثلاثة دراهم مغربية عتق، وهو بدرهمين مغربية جدد، ولعله أراد الجدد، وإلا فحينئذ لا يقال إنها جدد لا تكون إلا ثلاثة بدرهم. والناصرية التي ذكرها ضرب الناصر بن العزيز (٢) وهي دون (٣) الكاملية بقليل. أما الذي ذكره من حسن غلمان الروم فغير منكور، وإنما الترك أتم صورا

стр. 1542

وأكمل تخطيطا، وللترك حسن الوجوه، وللروم حسن الأبدان، فمحاسن الترك أفضل لأنها لا تغطى ولا تحجب، ومحاسن الروم أخفى لأنها تغطى وتحجب. فأما شرف الجنس وبعد الهمة ووفور العقل والشجاعة فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى إن الاسكندر (١) وهو أجل ملوك الروم بل الأرض، ولا خلاف في حكمته وفضله، وقد أقر للترك على نفسه، فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى مطاولة الترك، وقد طاولت الروم، وكان لها الغلب على الروم غالبا، ولما أتى الإسكندر بلاد الفرس رأى من رجالهم ما بهر عقله فكتب إلى معلمه ووزيره أرسطو (٢) يعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالا ذوي أصالة في الرأي، وجمالا في الوجوه لهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم (ص ٤٥) هيئات وخلائق، ولو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، إنما ملكها بحسن الاتفاق والبخت (٣)، وأنه لا يأمن إن ظعن عنهم وثوبهم، ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم. فكتب إليه أرسطو: فهمت كتابك في رجال فارس، فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم جميعا لأنبتت البلد أمثالهم، لأن إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرّجال، من أهل العقول والسداد في الرأي، والاعتدال في التركيب، فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وأكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل، وهو أن تستدعي أولاد الملوك، ومن يستصلح للملك، وهو مرشح له، فتقلدهم البلدان، وتولهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكا برأسه، فتفرق كلمتهم

стр. 1543

ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على رأي واحد، ولا تجتمع كلمتهم، ففعل الإسكندر ذلك، فتم أمره. فانظر إلى ما في هذا الابتداء والجواب من تعظيم الإسكندر وأرسطو لرجال فارس، وقول أرسطو إن أرض بابل تولد مثل هؤلاء الرجال. وهذا الإسكندر قد جال الأرض غربا وشرقا فما تراه أكبر إلا أهل الشرق، ولا عظمّ إلا لهم، وإذا كان هذا قوله في فارس فكيف كان قوله في الترك وفي الهند، مع ما هو مشهور من حكايات الإسكندر مع صاحب الصين (١)، مما اعترف له فيه بالحكمة، وأقرّ له بالفضل، مما ليس هذا موضع ذكره. فيا هل تراه ذكر أهل المغرب أو وصفهم بقول أو فعل. وقد ذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض تشبه بطائر رجلاه بر العدوه والأندلس (٢)، وقد تقدم ذكر هذا (ص ٤٦) التشبيه، ثم قال: ولا أسلم في تشبيه الأندلس برجل إلا إن أرادوا في الاعتماد عليها وعمارتها بمثل ما تعمر به رجل العروس الخالية من الخلاخل، وأشباه ذلك. وأنشد قول الصولي (٣) يخاطب

стр. 1544

القائم بن عبيد الله الإسماعيلي (١) الذي خطب له بالخلافة في المغرب، وكان قد وجّه لبغداد قصيدة يفخر فيها ببيئته، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها: [الطويل] فلو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذنب قال ابن سعيد: وأنا استحسن هذا البيت فإنه وقع في موضعه لكون البلاد التي كانت بيد القائم في ذلك الزمان من الأرض بمنزلة ذنب الطير لكونها في آخر المعمور، وكونها رقيقة ضيقة العرض في المساحة قد خنقها البحر من جهة الشمال والصحراء من جهة الجنوب، وهذا البيت هو الذي حرّك همّة القائم، وقال والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على الديار المصرية من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بحضرتها وإن كان قد عاث في أطرافها برا وبحرا على ما هو مذكور في التواريخ، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن التي دهمته في إفريقية، فكان الظافر بالديار المصرية المعزّ بن المنصور بن القائم (٢)، وتوالت عليها خلفاؤهم، وخطب لهم باليمن والحجاز والشام والجزيرة والعراق، وخطب لمستنصرهم الذي جاز في الخلافة ستين سنة (٣) في حضرة الإمامة بغداد سنة، وخطب للنزارية

стр. 1545

الإسماعيلية (١) منهم ببلاد العجم. قال ابن سعيد: وهم إلى الآن في بلد الموت، ولهم يخطب هؤلاء الإسماعيلية (ص ٤٧) الذين في قلاع الشام فكان حديثهم المترتب على ذلك البيت من عجائب الدنيا، ولم تزل إمامتهم التي كانت قد رسخت في الأرض ودوخت الملوك (٢) إلا السلطان الأعظم الناصر صلاح الدين بن أيوب رحمة الله عليه (٣). وملأ البلاد التي كانت بأيديهم بالخطب العباسية. قلت: لقد مرّت به

стр. 1546

ليال طوال من حذر الإسماعيلية الأدناس، وخوف ما يتوقاه منهم من غوائل البلية، ثم ما زال منذ طهّر مصر من تلك الأدناس، ونظفها من وسخ أولئك الناس، حتى انقاد معها له ما وراءها، وتبعها ما خلفها، وأعاد إليها طلاوة الدين، ورونق الإيمان على أننا لا ننكر لأواخر تلك الدولة المصرية فضلا سلف إلى سلفنا، وقد وردوا إليهم من المدينة الشريفة فأكرموا وفادتهم وأجزلوا صنائع الإحسان إليهم، ولكن الحق أحق أن يتبع، وما على قائل القول الصدق جناح، فرحم الله صلاح الدين، وأصلى نار الكمد قلوب المعتدين. هـ. قال ابن سعيد ومما يتكلم فيه من أحكام المناظرة بين المشارقة والمغاربة - النبوة، وهذا الفخر مسلم للمشرق، وذكر ابن قتيبة (١) في كتاب المعارف أن الأنبياء ﵈ مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الرسل منهم ثلاث مائة وخمسة عشر، منهم خمسة عبرانيون، وهم: آدم وشيث وإدريس ونوح

стр. 1547

وإبراهيم، وخمسة من العرب: هود وصالح وإسماعيل، وشعيب ومحمد. وغيرهم من بني إسرائيل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١)، وقد عدد صاحب الكمائم (٢) مباعث الأنبياء في الأرض، وهي المواضع التي بعثوا فيها، ولم يذكر بالمغرب إلا منف (٣) حاضرة مصر، التي بعث فيها موسى ﵇ لفرعون، ويوسف ﵇، ودخلها يعقوب والأسباط ويوشع، وفرت مريم ﵍ بابنها المسيح إلى البهنسا (٤) من أرض مصر، فجمهور مباعث الأنبياء ﵈ بالمشرق (ص ٤٨) والفضل العام منه للشام، والخاص لجزيرة العرب بخيرة الرسل ﷺ ، وعليهم أجمعين. ومباعث جزيرة العرب مكة، بعث فيا آدم ﵇ إلى ولده، وبعده ابنه شيث (٥)، وبعث بها إسماعيل إلى إخوانه (٦)، وبعث فيها محمد ﷺ ، وذكر الأزرقي (٧) في كتاب مكة أن ما

стр. 1548

بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا، جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك (١). وتفخر المدينة وإن لم تكن مبعثا لنبي بأنها مهاجر سيد المرسلين وخاتم النبيين، ومدفنه ﷺ . ومبعث هود بالأحقاف (٢)، مما يلي اليمن، وهنالك قبره، ومبعث صالح بوادي القرى بالحجاز، ومبعث شعيب في أرض مدين (٣)، التي تلي أرض مصر والشام. وقد عدّ الماوردي (٤) أنبياء جملة بعثوا إلى أرض سبأ (٥) باليمن، وأن أهلها ما نزل بهم العذاب حتى كذبوهم، والرّسّ (٦) من جهة عمان مبعث نبي،

стр. 1549

وكذلك حضور وعدن وبلاد بني عبس (١). وأما الشام فالفخر الأعظم منها للبيت المقدس، بناه داود وأتمه سليمان ﵉ (٢)، وتوارثه بنوه، وهو كان يجمع أنبياء بني إسرائيل ﵈. وولد المسيح ﵇ ببيت لحم (٣)، على مقربة منه، وقبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف في المكان

стр. 1550

المعروف بالخليل (١). ومدائن لوط محسوبة من الشام، والبثنيّة (٢) من عمل دمشق، موضع أيوب على جميعهم السلام، وبعلبك (٣) بعث إليها يحيى بن زكريا ﵉، وبها قتل، ونينوى من بلد الموصل بعث إليها يونس ﵇ (٤)، وبابل بعث إلى نمرودها إبراهيم ﵇ (٥). ومواضع الأنبياء والصحابة ورؤوس (٦) الصالحين مسلم الفخر الجمهوري فيها للمشرق، وقد كان بالمغرب (ص ٤٩) الأقصى والأندلس من ادعى النبوة مثل صالح البرغواطي (٧)، والمعلم

стр. 1551

الشنتيري (١) ولا نعلم نبيا ظهر بالمغرب ما خلا الديار المصرية على ما ذكر قبل. قلت: وهذا صالح البرغواطي والمعلم الشنتيري كلاهما نكرة ومجهول لا يعرف، وفي أفسح العذر من سمع بهما فقال: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. قال: وأما الخلافة فشأنها أيضا مسلم للمشرق، إذ الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم منه ظهروا، وفيه كانت أقطاب خلافتهم، فأبو بكر (٢) وعمر (٣)

стр. 1552

وعثمان (١) ﵃ كان قطب خلافتهم المدينة، وبها قبورهم، وعلي (٢) ﵁ فكان قطب خلافته الكوفة (٣)، وبها قتل وفيها قبره على

стр. 1553

الاختلاف الذي جاء فيه، وفيها بويع بالخلافة الحسن بن علي كرم الله وجهيهما (١). وأخذ ابن سعيد يذكر ما استقرت عليه قواعد الخلافة بالشام، ثم بالعراق، مما كله بالمشرق، وقد تقدمت الإشارة إلى مثل ذلك. ثم قال: وهذا هو الفخر المسلم. وقد كان بالمشرق أقطاب خلافة غير مجمع عليها، إلا أنها كانت خلال سحائب، ولمع بوارق. وأما المغرب في شأن الخلافة فلم يكن به قط خليفة يجتمع عليه، وكان فيه من الخلفاء المتفردين به إدريس بن عبد الله بن الحسن بن علي (٢) رضوان الله عليهم وبنوه، خطب لنفسه بالخلافة في سبتة وجهاتها من المغرب الأقصى في مدة هارون الرشيد (٣)، وتوارث بنوه الخلافة هنالك، ودارت

стр. 1554

أقطابهم بين سبتة وبصرة المغرب (١) وفارس وتلمسان، وما قطع الخطبة لهم من المغرب إلا ظهور الخلافة العبيدية، التي أولها عبيد الله المهدي الإسماعيلي من ولد الحسين رضوان الله عليه (٢)، توارثها بنوه بعده بالمغرب ودارت أقطاب خلافتهم (ص ٥٠) بين رقادة والمهدية والمنصورية (٣)، والقاهرة بمصر إلى أن أزالها السلطان الأعظم صلاح الدين رحمة الله عليه بخلع العاضد (٤) آخر خلفائهم، ولم تكن بالمغرب خلافة أعظم منها، لأنهم كان يخطب لهم من

стр. 1555

الديار المصرية إلى البحر المحيط، جميع نصف المعمور في الطول، وخطب لهم بجزيرة صقلية، وفاضت خلافتهم من المغرب على المشرق، فخطب لهم باليمن والحجاز وعمان والبحرين، والشام والعراق والجزيرة، وخطب لهم في بغداد أيام فتنة البساسيري (١)، وإخراج الخليفة القائم منها إلى جزيرة عافة، وما ردّ الخلافة العباسية إلى بغداد مع الاعتناء الإلهي إلا الدولة السلجوقية (٢)، إلا أنهم لم يخطب لهم بجزيرة الأندلس لأن أعداءهم (بني) (٣) أمية كانوا قد استولوا عليها وتوارثوها، وأول من اقتطعها عبد الرحمن الداخل المرواني (٤)، فتوارثها بنوه ولم يخطب لهم بالخلافة إلى أن ولي الناصر عبد الرحمن المرواني (٥)، فخطب له بالخلافة في مدة المقتدر (٦)، وتوارث بنوه هذه السمة إلى أن وقعت الفتنة فيما بينهم، فدخلت عليهم الخلافة الحمّودية، وبنو حمّود من ولد إدريس الحسينيين المتقدمي الذكر (٧)، وعادت المروانية، ثم انقرضت. وأقطاب الخلافتين دائرة على قرطبة والزهرا والزاهرة، ثم ضعفت خلافة بني حمود وبقيت في مالقة وسبتة، ثم انقطعت إلى أن نشأت خلافة بني عبد المؤمن بقيام مهديهم محمد

стр. 1556

ابن تومرت (١)، وهو ينسب إلى بني إدريس الحسنيين، وقد أثبت نسبة الشريف الإدريسي صاحب كتاب أجّارو كتاب (الدوحة المايسة في أخبار الأدارسة) (٢)، ولم يسم بخليفة ولا أمير المؤمنين، بل خطب له بالمهدي المعلوم للإمام المعصوم وعهد بالخلافة لعبد (ص ٥١) المؤمن (٣). وهو - أعني عبد المؤمن - قيسي ليس بقرشي، فلا يصح له خلافة. ثم قال: فتوارثها بنوه وخطب لهم من برقة إلى البحر المحيط وبجميع الأندلس. وإذا تعرضنا للمناظرة في الأشخاص سلمنا جمهور الفخر أيضا للمشرق، إذ الخلفاء الأربعة فيه، وغيرهم من الخلفاء المرضيين إلا أنهم شبّهوا الناصر المرواني (٤) في حزمه وجبره للدولة وصولته بالمعتضد (٥)، وشبهوه في طول المدّة

стр. 1557

في الأمر بالناصر (١) لأنه ملك خمسين سنة ونصف، وشبهوه في كثرة البنيان وعظمة ما أنفق عليه بالمتوكل (٢)، وشبهوه بالحركات والغزوات بالمعتصم (٣)، وشبهوه في الجود بالرشيد (٤)، وشبهوا ابنه المستنصر (٥) في العدل والزهادة وردّ المظالم، وتغيير المنكر بالمهتدي (٦)، وشبهوه في حب العلوم واقتناء كتبها

стр. 1558

بالمأمون (١). وشبهوا المستعين (٢) في التجرد لطلب ما خاصمه فيه الزمان من الخلافة ومآل أمره إلى القتل بسميه المستعين (٣)، وشبهوه في الشعر بالرشيد، وأنشد صاحب الذخيرة قول المستعين: [الكامل] عجبا يهاب الليث حدّ سناني … وأهاب سحر (٤) فواتر الأجفان

стр. 1559

وأقابل (١) الأهوال لا متهيبا … منها سوى الإعراض والهجران وتملكت نفسي ثلاث كالدمى … زهر الوجوه نواعم الأبدان (٢) هذي الهلال وتلك شبه (٣) المشتري … حسنا، وهذي أخت غصن البان حاكمت فيهن السلوّ إلى الهوى (٤) … فقضى بسلطان على سلطاني وأبحن (٦) من قلبي الحمى وتركنني … في عزّ ملكي كالأسير العاني (٥) إن لم أطع فيهن سلطان الهوى … كلفا بهنّ فلست من مروان وقول الرشيد: [الكامل] ملك الثلاث الآنسات عناني … وحللن من قلبي بكل مكاني مالي تطاوعني البرية كلّها … وأطيعهنّ وهنّ في عصياني ما ذاك إلاّ أنّ سلطان الهوى … - وبه قوين - أعزّ من سلطاني (٧)

стр. 1560

وفضّل أبيات المستعين وزهزه لها وأطنب في الثناء عليها (١). وكان في خلفاء العبيدين ممن ذكرت صولته وعظمت آثاره المنصور بن القائم عبيد الله المهدي (٢)، وهو مشبّه عندهم بالمنصور العباسي (٣)، لأن كلا منهما (٤) اختلت عليه الدولة وأصفقت عليه الحروب (٥) وكاد يسلّ من الخلافة، فهب له ريح النصر وتراجع له أمره حتى لم يبق مخالف، وأخبارهما في ذلك مذكورة مشهورة (٦) والمعز بن المنصور طمحت همته إلى أن ترك إفريقية لبعض غلمانه وخدامه، وتجهز إلى مصر بعد ما أنهض لها مولاه جوهرا (٧) ففتحها وبنى له

стр. 1561

حضرة القاهرة، وسفرته من إفريقية إلى مصر وما ظهر منه من حسن التدبير، وهبوب النصر والحزم والاستيلاء، كسفرة المأمون (١) من خراسان إلى بغداد، وتسكينه ما اشتعل من نار الفتنة، وظهر من ابنه العزيز (٢) من حسن المداراة والتسكين للناس ما ضرب من أجله المثل بأيامه في مصر، وصار يقال أحسن من أيام العزيز، وكان من عجائبهم المستنصر (٣) فإنه جاوز في أمر الخلافة ستين سنة، ولم يبلغ هذه المدة خليفة في المشرق، وكانت له من خزائن الأموال وعظم الأسد ونفوذه، واتساع الخطبة وفيضها في أقطار المشرق والمغرب ما يطول ذكره، ثم انعكس عليه ذلك، فاقتنصت البلاد بالمشرق والمغرب منه (ص ٥٣) واضطرمت الفتن بحضرته بالقاهرة، وافتقر وضعف أمره، وآل حاله إلى أن قال لشخص من خواصه طالبه بشيء: والله لقد أصبحت لا ينفذ لي أمر إلا من مكاني إلى باب قصري، ولا أملك مالا إلا ما تراه عليّ وتحتي (٤). وعبيد الله المهدي أوّل خلفائهم (٥) يشبّه بالسفاح أول خلفاء بني

стр. 1562

العباس (١)، فإنّ السفاح خرج من الحميمة (٢) بالشام طالبا الخلافة والسيف يقطر دما، والطلب مراصد، وأبو سلمة الخلال (٣) يؤسس له الأمر، ويثبت دعوته، وعبيد الله خرج من سلمية (٤) في الشام وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قد أزكيت عليه، وأبو عبيد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته، وكلاهما تم له الأمر وبايعه صاحب دعوته. وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته (٥)، وأصبح - أو سلمه - مقتولا في حضرة السفاح، فينسب قتله إليه.

стр. 1563

وأما أدارسة الغرب فإن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵃ (١) فرّ من وقعة فخ (٢) بظاهر مكة حين كانت الهزيمة على العلويين من قبل أصحاب الهادي (٣)، وقتل سليمان ابن عبد الله بن الحسن طالبا الخلافة (٤)، فتنكر إدريس وصار ملاحا في بحر جدة، وتنقل في بلاد المغرب إلى أن ثار

стр. 1564

وأدرك الخلافة بسبتة أقصى المغرب، وتوارثها بنوه، فكان أحد رجال العالم المتغلغلين في طلب الأمر حتى أدركوه، وهو مشبّه بالسفاح والمهدي في افتراغ الدول والابتداء لها، إلا أنهما كان لهما داع وطّد دولتهما، وإدريس ليس له داع إلا نفسه (١). وكان من عجائب الأدارسة بالمغرب جنون بن أبي العيش ابن حنّون بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس (٢)، قدمه جميع بني إدريس عليهم، وصحت له الخلافة فيهم، وكان له خمسة وعشرون ولدا ذكرا منهم جنّون بن حنون (ص ٥٤) الذي أضرم المغرب نارا. ومنهم محمد بن جنون نازع أباه رواء الخلافة، وحاربه واستولى على بصرة المغرب، وعظم فيها أمره. ومنهم الحسن الأعور ابن جنّون (٣) ادعى النبوة في تسادلا في المغرب. ومن عظماء الأدارسة الذين يجب أن ننوه بأفعالهم الناصر علي بن

стр. 1565

حمود (١) جاز من سبتة البحر إلى الأندلس وقلب الدولة المروانية وصيرها علويّة، واستولى على قطب الخلافة قرطبة، وسيق إليه الخليفة المستعين المرواني فضربت عنقه بين يديه (٢). ورسخت الدولة الحمودية بالأندلس، وكان منهم العالي إدريس بن يحيى بن علي الناصر بن حمود (٣)، خطب له بالخلافة بمالقة وغرناطة وسبتة، وكان من ألطف الخلفاء مجالسة، وأحبهم في الأدباء والشعراء، وكان يشبّه بالرّاضي العباسي (٤)، وهو الذي

стр. 1566

لما أنشده ابن مقانا (١) الشاعر قصيدته التي منها: [الرمل] وكأن الشمس لما أشرقت … فانثنت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن علي … بن حمّود أمير المؤمنين والعالي وراء الحجاب على عادة خلفائهم في ذلك، فلما بلغ الشاعر إلى قوله: انظرونا نقتبس من نوركم … إنه من نور رب العالمين (٢) أمر برفع الحجاب حتى نظر إليه. وأما بنو عبد المؤمن وهم ينسبون إلى بني سليم بن قيس، فإنّ مهديهم نصّ على عبد المؤمن (٣) فولي الخلافة وتوارثها بنوه، وهو الذي افتتح البلاد، وقهر العباد، واستولى على حضرة مرّاكش، وقتل أمير المسلمين تاشفين (٤)، وأخذ الأندلس من أيدي الثوار بها، والغرب الأقصى والغرب الأوسط وأفريقية والمهدية

стр. 1567

استرجعها من أيدي الفرنج فكان ممن عظم صيته (ص ٥٥) وأغربت أخباره (١)، وأعظم ولده الموسومين بالخلافة: المنصور بن يوسف بن عبد المؤمن (٢) ظهرت منه شهامة عظيمة، وهمة عالية، واعتناء بالعلوم، وبنى المقابر العظيمة بمراكش، ورباط الفتح، وإشبيلية، وضبط الأمر بهيبة تملأ الصدور، وغزا بنفسه نصارى الأندلس فهزمهم الهزيمة التي أذلتهم، وأناح بعساكره على قاعدة أعظم ملك لهم وهي طليطلة، فحصرها وقطع أشجارها وعاث أجناده في ظواهرها، وفتح ما فتح من قلاعها (٣).

стр. 1568

وكان منهم المأمون بن المنصور (١) قلب الدولة عن قواعدها، وأسقط اسم مهديهم من الخطبة، وارتكب من الأهوال ما لا يسع ذكره إلا ترجمته، وهو مشبه بمأمون بني العباس في القيام على أخيه، والنهوض في الفتن وقلب الدول، لأن المأمون صيّر الدولة علوية، وأزالها عن بني العباس. وكان قد نزع منزع المأمون (٢) في التنويه بالعلماء والمناظرة في مجلسه، وإدرار الأرزاق عليهم، وكان للشعراء منه حظ عظيم. قال ابن سعيد: وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب كان الفضل للمشرق، وذلك أنّ ما كان بأيدي المسلمين منه هو سلطنة السند التي تداولها القرشيون وتوارثوها، وكان سريرهم بها مدينة المنصور (٣)، وما زالوا يتوارثونها إلى أن غلبت عليهم سلاطين العجم، وأضافها السلطان محمود بن سبكتكين إلى بلاده (٤)، وملكها شهاب الدين الغوري، صاحب غزنة (٥)، وآل أمرها إلى أن ملكها خوارزم شاه محمد بن

стр. 1569

تكش (١)، ولما فرّ أمام التتر ومات في بحر طبرستان تماسك ابنه جلال الدين بما بقي من العساكر والبلاد (٢) تبعه التتر، وقاتلوه في بلاد السند (ص ٥٦) وهزمهم وهزموه، وآل حاله معهم إلى أن أسلمها لهم، وطلب الغرب نحو أذربيجان وبلاد الكرج وأرمينيه، وكان بأيدي المسلمين من بلاد الهند ما يستحق أن يسمى سلطنة، لأنه كان عدة ممالك جليلة، ولا سيما مذ فتح فيها محمود بن سبكتكين ما فتح، وأضاف إلى ذلك شهاب الدين الغوري ما أضاف (٣)، وآل أمرها إلى أن ملكتها امرأة، واستولى عليها التتر بضرائب معلومة لهم (٤).

стр. 1570

وما وراء النهر كان سلطنة عظيمة ذات ممالك كبيرة افتتحت مذ أول الإسلام في زمن قتيبة بن مسلم (١) وعظمت شيئا فشيئا، وكان كرسي سلاطين بني سامان (٢) فيها حضرة بخارى ومن بني سامان أخذها الأتراك الخانية (٣) وكان بينهم وبين محمود بن سبكتكين مرة حرب، ومرة صلح (٤)، إلى أن استولى عليها السلجوقيون (٥)، ثم صارت بعدهم لخوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه

стр. 1571

أخذها التتر (١). وأما خراسان فإنها سلطنة عريضة نابهة الذكر في القديم والحديث، وفيها قتل يزدجرد آخر سلاطين الفرس (٢)، فانقرضت دولتهم وكان سريرها في مدة طاهر بن الحسين (٣) وبنيه مرو (٤) ثم نيسابور (٥) إلى أن أخذها منهم

стр. 1572

الصفار (١)، ثم قبض عليه بنو سامان فانضافت إليها (٢)، واستولى عليها محمود ابن سبكتكين بعد ذلك، وتداول عليها ولاة بنيه، وسرير سلطانهم بمدينة غزنة إلى أن استولى عليها السلجوقية وعاث فيها الخطا (٣) بعد ذلك، وكانت فيها فتن إلى أن انضافت للسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش، ومنه أخذها التتر. وأما غزنة وما انضاف إليها من بلادها وجهاتها وبلاد الغور فإنها كانت في الدولة السامانية (ص ٧٥) مخصوصة بسبكتكين، ولما استولى محمود على الممالك الجليلة والسلطنات العظيمة اتخذ غزنة سريرا له، وكذلك فعل بنوه إلى أن دخلها سنجر شاه سلطان السلجوقية (٤)، وآل أمرها بعد ذلك إلى أن ملكها

стр. 1573

الغوريون (١)، واستحوذ عليها التتر عند خروجهم على خوارزم شاه. وأما خوارزم فقد كان السلاطين الذين ملكوها في مدّة السامانية يدارونهم ويخطبون لهم، لعظم السامانية إلى أن صارت لهم، ثم صارت لمحمود بن سبكتكين (٢) ثم للسلجوقية، ثم ملكها تكش ثم ابنه محمد المعروف بخوارزم شاه (٣)، وجاءت الممالك إليه وانثالت من كل جهة عليه، وصارت له خوارزم وما وراء النهر وغزنة وخراسان وجرجان وما انضاف إليها من بسطام ودهستان ومازندران وعراق العجم وكرمان وسجستان وفارس فعظم أمره، وعزم على قصد العراق، فرده الله عنه، ثم دهمه خروج التتر فتشاغل بهم، فلما هزموه وفر أمامهم إلى بحر طبرستان فمات في جزيرة هنالك فاض التتر على بلاد هلك رأسها، وكان سرير سلطانه مدينة خوارزم على نهر جيحون غرقها التتر بالنهر المذكور (٤). وأما سجستان فإنها سلطنة مذكورة، وعظمت فيها دولة بني الصفار

стр. 1574

وتوارثوها (١)، وهي الآن (٢) من البلاد التي صارت في حكم التتر. وأما كرمان فإنها سلطنة مشهورة (٣) عظمت فيها دولة بني اليسع (٤)، وكانت في مدّة مضافة إلى بلاد بني بويه (٥). وأما ديلمان (٦) فهي سلطنة كبيرة سريرها مدينة الري، وينضاف إليها بلاد

стр. 1575

جرجان وبسطام ودهستان (١) وجبال الديلم، وجبال جيل وجيلان (٢)، وفيها قلعة (ص ٥٨) الموت (٣) التي توارثها النزارية (٤) ولم يبرح التشيع فيها قديما، وأعظم السلاطين الذين اشتهروا بملكها بنو بويه، الذين منهم عضد الدولة (٥)، وآل أمرها إلى أن ملكها السلجوقية (٦) ثم خوارزم شاه (٧)، ثم التتر إلا قلعة

стр. 1576

الموت وما صعب من جبال الديلم فإنها في نهاية من الامتناع، وقد كان أنو شروان عظيم سلاطين الفرس (١) ملك ما بين العراق ونهر جيحون إلا جبال الديلم، فإنها امتنعت عليه. وأما مازندران (٢) فهي البلاد المعروفة بطبرستان، وتوالى عليها أئمة العلويين (٣)، الذين كانوا يخطب لهم بالإمامة بها، ولم تزل في معظم حالها مخصوصة بأئمة العلويين، لأن أهلها جبلوا على التشيع، وعلى هذا المذهب، فكانوا لا يرون عنه بديلا، وكانت من البلاد التي صارت لخوارزم شاه، وبها استجاز أمام التتر، وركب مركبا في بحرها إلى جزيرة هلك بها. وكانت مدينة آمل (٤) من مدنها قطبا لأئمة العلويين بها.

стр. 1577

وأما عراق العجم فهو المعروف في الكتب بالجبال (١)، وهي سلطنة تلاصق العراق، وأعظم من توارث السلطان فيها بنو بويه (٢)، وكان سريرهم بها أصفهان (٣)، ولما صارت للسلجوقية واختاروا الإقامة فيها أكثر الأحيان، لتوسطها بين بلادهم اتخذوا همذان (٤) سريرا. وهي من البلاد التي صارت لخوارزم شاه فاستولى عليها التتر. وأما فارس فهي سلطنة القوم الذين عرفت باسمهم (٥) وأعظم من ملكها في الإسلام وتوارثت بها دولهم بنو بويه، وملكها السلجوقية، وكان فيها من بقاياهم من امتنع بالحصون الشامخة، وجرت فيها خطوب طويلة.

стр. 1578

وأما خوزستان فهي المعروفة (ص ٥٩) في الكتب بالأهواز (١)، وقد كان يعقوب الصفار (٢) الذي خرج من سجستان وعاث في الأرض اختار الإقامة فيها. وبها مات، وسرير السلطنة فيها مدينة تستر (٣) التي تقولها العامة بإعجام السين. وأما العراق فهي السلطنة العظمى التي هي من الدنيا بمنزلة القلب من الجسد، ومن ملكها فله الفضيلة على سلاطين العالم (٤)، وبها كانت أكاسرة

стр. 1579

الفرس، وسريرهم المدائن (١)، وكانت قبلها مدينة بابل (٢) سريرا، ثم صارت في مدة بني العباس، أدامها الله مقرا للخلافة، وقطبها مدينة بغداد (٣) وسامره (٤) في بعض الأحيان. وأما شهرزور (٥) فإنها سلطنة تغلب عليها الجبال، وأكثر ما كان سلاطينها من الكرد على ما يذكرون، وآل أمرها إلى أن كانت للسلطان الأعظم صلاح الدين رحمة الله (٦) عليه، وصارت لبيت (أوق سنقر) (٧) وهم المعروفون

стр. 1580

بالأتابكية (١). وأما الجزيرة فإن سلاطين الأثوريين (٢) تداولوها قبل الإسلام فعرفت بجزيرة أثور، وكانت الأكاسرة والأقاصرة يتجاذبون بلادها بينهم، وتغلب كل منهم على ما يلي بلاده، وعظمت فيها سلطنة بني حمدان (٣) إلى أن انقرضت وتوارثوها سلاطين بني عقيل (٤) إلى أن غلبت عليها السلجوقية، وأسندوا أمرها إلى أتابك أق سنقر، وكانوا يجعلون فيها أولادهم، والأتابكية لأق سنقر ومن بعده من ولده، فتوارثوها إلى أن كان منهم السلطان الأعظم محمود بن زنكي (٥)، وآل
следующие страницы →