العنبر (١)، ويجيء منه الشكر لاط (٢) المنوّع، الذي لا يوجد في غير جزائر القطر العربي، والمصطكا والزعفران (٣) المنقول إلى الآفاق، وبه الدّمنج الأفرنتي وأين هو ومتى يوجد؟
وبه أنواع من العقاقير النافعة، والكتان المعدوم المثل إن صح أن مصر في القسم الغربي، على أن الهند والصين ومواضع من فارس بها الزعفران وبأودية سرنديب (٤) البلور، وقد وردت من (ص ٢٢) الآيات والأخبار النبوية في فضل المغرب وجنده، ما جاء مثله أو أزيد في مواضع بالشرق كمكة والمدينة والقدس والشام واليمن، وسنورد في كل موضوع ما يليق به، ونذكر في خصائص كل أرض ما بها،
ولا ننكر أن بالغرب سادة أجلاء، وأئمة فضلاء، من ذوي العلم والحكمة، وأجادوا في النحو والأدب، ومنهم الصلحاء الأفراد، وفيهم بقايا المسكة في الدين، والتشدد في الحق (٥). ولقد كان للأندلس بأهله حلية كأنما شعشعها الأصيل بذهبه، أو حلاّها الأفق بدرره، أو حيّاها النهار بشمسه، وحيّاها الليل بقمره، زمان بني أمية بقرطبة (٦)، وملوك الطوائف بعدهم (٧)،
стр. 1507
وأكثر ما أعنى بني عبّاد (١) بإشبيلية، فلقد كان الأدب بهم غضا جديدا، والإحسان طارقا تليدا، فشتت الدهر جمعهم، وطمس آثارهم، وبدلهم بعبّاد الصليب، والكنائس بالمساجد، والمذابح بالمحاريب (٢)، والله يؤيد من يقوم لاسترجاع هذه الضالة، وانتزاع هذه الأخيذة (٣)، إنه على ما يشاء قدير.
وأما بر العدوة الآن فهو على ما تقدم تفصيل حاله في موضعه، من اتساع الرقعة، وعظم السلطان، وكثرة العساكر والجيوش من شجعان الرجال، المعدود كل واحد منهم بزجال (٤) ممن لا يقص بهم للغرب جناح، ولا يقصر طماح (٥)، وإن لم يكن كالشرق في اليسار، ولا هو من الطائر قادمته اليمين، فهو قادمته اليسار، وفيما ذكرناه كفاية.
стр. 1508
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق
стр. 1509
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق
والذي نقوله على سبيل التحقيق أنّ الذي صوّر في لوح الرسم على ما رسمه صاحب (ص ٢٣) جغرافيا قسمة المعمور على قسمين، شرقي يلاقي فيه خطان وهميان في الطول والعرض على زوايا قائمة، وهما خطا الأطوال والعروض سمّوا ملتقى الخطين حيث انفرق المعمور على قسمين بقبة أرين، وهو وسط خط الاستواء الخارجة عنه الأقاليم إلى الشمال، والمقدّران بإقليمين إلى جهة الجنوب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في مواضع في هذا الكتاب (١)، فلما قسم المعمورة بقسمين وقع في الغربي منها أشرف البقاع: مكة والمدينة والقدس، والطور ومصر وطور سينا، والمواضع المذكورة بصريح الاسم في القرآن والمدائن المذكورة في الحديث المشهور على قائله أفضل الصلاة والسلام. وأجلّ الأقاليم الغربية كفارس والعراق والشام وجزيرة العرب، ولم يبق للشرق بقية يباهي بها المغرب، على أنّ الأمر ليس كذلك، والله أعلم. فإنّ كلا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي، ألا ترى أنّ أهل إفريقية يعدون برّ العدوة غربا، وبرقة شرقا، وأهل برقة يعدّون إفريقية غربا ومصر شرقا، وأهل مصر يعدّون برقة غربا، وأهل الشام شرقا، وأهل الشام يعدّون مصر غربا، والعراق شرقا، وهلمّ جرّا إلى نهاية المشرق، فتبيّن حينئذ أنّ قول الشرق والغرب أمر نسبي، وإذا تبيّن هذا، وقد تقرر أنّ العالم كروي (٢)، وأنّه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونا صار مشرق هذا العالم مغربا لتلك الجهة ومغربه مشرقا،
стр. 1510
فكيف يجوز الإطلاق، ولم يبق إلا المصطلح العرفي (ص ٢٤)، والمغاربة على هذا المصطلح أعني سكان الجانب الغربي عن مصر غاية ما سمت همتهم إليه، وتعلقت أيديهم بنسبته إلى قطرهم هو إقليم مصر. ألا ترى ما قدّمناه في الفصل الذي قبل هذا من قول ابن سعيد أنّ مصر أوّل المغرب والشام أوّل المشرق (١)
وكذلك مما قال في هذا المعنى غير ذلك، وابن سعيد هو واحد فضلائهم في هذا الشأن، ولقد تعصب لأبعد غاية التعصب ووضع في ذلك كتابه المسمى ب (المغرب في حلى المغرب)، ومع هذا فما زاد على ما ذكرنا على أنه لم يأل جهدا، ولا ترك قدرة في المقال، ولو وجد حجة لأتى بها، أو شبهة لاستند إليها، وقال ابن سعيد في كتاب (المشرق في حلى المشرق) (٢) جملة الحد في نسبهم أن الله قسم المشرق من المغرب بالبحار فما كان في شرقي بحر الإسكندرية وخليج القسطنطينية فهو من حساب المشرق (٣) وما كان في غربي ذلك فهو من حساب المغرب.
قال البيهقي: فيكون المشرق على هذا أطول من المغرب، لأن جملة المعمور اثنا عشر ألف ميل (٤)، وطول بحر الإسكندرية إلى وقوفه بسواحل الشام حسب أول المشرق أربعة آلاف ميل (٥)، فيبقى للمشرق ثمانية آلاف ميل، ويعضد ذلك الحساب بالدرج في الطول، وذلك أن العمارة تنتهي
стр. 1511
في الطول إلى مائة وثمانين درجة، فتحتاج أن يكون النصف حيث ينتهي إلى تسعين درجة، وذلك في خراسان حيث مرو وجهاتها، (١) ووجدنا بساحل البحر الشامي عسقلان (٢) ينتهي في الطول إلى خمس وستين درجة، فهو قدر الثلث، والمشرق الثلثان، والمشرق مع ذلك أعمر من المغرب، وذلك أن الله تعالى قرن عمارة الأرض بقربها (ص ٢٥) من البحار، وأن البحر إذا بعد من الأرض أكثر من خمسة عشر يوما بطلت عمارتها، والمشرق قد جعل الله في مواضع الحرارة منه حيث قلة السكنى في الإقليمين الأول والثاني، بحار الهند والصين والزنج التي خصت بكثرة الجزر العامرة، وما يقابل هذا المكان من المغرب صحار مقفرة، إلا خيط النيل المغربي بما على ضفتيه من بلاد السودان، والإقليم الرابع الذي هو معظم العمارة، والاعتدال استولى على أكثره بحر الرقاق (٣) وهو في المشرق بضد ذلك من اشتباك العمارة المتصلة. والمناظرة بين المشرق والمغرب تحتمل كتابا. وقد صنفته بالشام لضرورة دعت إلى ذلك، من شدة اتحاد المشارقة على المغاربة من كل جهة حتى قال ابن دحية (٤) في خطبة كتابه في أخبار المغرب يخاطبهم: [الطويل]
стр. 1512
وإن كنتم في العدّ أكثر مفخرا … فلا تظلمونا في القليل الذي لنا
وسميت الكتاب الذي وضعته في ذلك (الشهب الثاقبة في الإنصاف بين المشارقة والمغاربة (١)) والذي يسع هذا المكان أن يذكر ما استدل به المشارقة واستظهروا.
قال البيهقي: للمشرق الفخر بتقديمه في القرآن والحديث، وفي الحديث النبوي: (خير الأرض مشارقها) (٢) قال وهي مطلع الأنوار، وإليها كانت قبلة الأوائل، وأنى للمغرب بمفاخرة المشرق، وعندنا ظهرت مباعث النبوة، وفينا نبتت شجرة الأبوة. ومنا نشأت الدول والملل، ومن أفقنا طلع العلم والعمل، وكل شيء يفخر به فإن المشرق فيه للمغرب رأس، وكلما أحكم عندكم بنيانه وإتقانه، فمنا كان فيه الأساس. وفاخر مشرقي مغربيا فطال بينهما (ص ٢٦) الكلام إلى أن قال المشرقي: لو لم يكن لنا عليكم من الفضل إلا أن الشمس التي بها إنارة العالم وحياتهم تطلع من عندنا، فقال المغربي: ونحن أيضا تطلع من عندنا في وقت. فقال المشرقي: الله لا يرينا ذلك الوقت، قال وأنشدني العماد السلماسي (٣) لنفسه: [المتقارب]
стр. 1513
إذا ذكر الشرق في محفل … فلا يذكرن به المغرب
طلوع الغزالة في أفقنا … وفي أفقكم أبدا تغرب
وتشرق أنوارها عندنا … وعندكم نورها يسلب
ثم قال ابن سعيد ما صورته: فصل جامع مختصر يليق بهذا المكان. أمعنت النظر فيما دخلته من بلاد المغرب والمشرق، من البحر المحيط إلى خراسان، فرأيت المحاسن مقسمة لم يقصرها الله على مكان، ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التظاهر بالمروءات، والتكاثر بالمزارات (١)، والمشاهد والمدارس، والربط (٢) والأوقاف الدارّة (٣)، التي ينتعش بها الفقراء، ويستعين بها العلماء والمتعلمون، ويحدها (٤) الملوك في بعض الأوقات الضرورية، لكن أسباب الرياسة والرفاهية، جبّارية الإمكان، عالية الإيمان، ومرافق المغرب في المركوب والملبوس والمأكول والمشروب أرخص، وأقرب مرارا، ويمكن المرء أن يتجزى (٥) في المغرب بما لا يمكنه أن يتجزى بأضعافه في المشرق لكثرة تجبرهم في العظمة الكسروية، والنعم التي لا تطمح إليها نفوس المغاربة، ولا يألفها في المغرب، والمشارقة لهم التظاهر بأمور
стр. 1514
الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم، فإذا دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظهوارهم، بضد المغاربة، والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد، (ص ٢٧) وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من المسامحة في القول والإخلاف للوعد، وقلة المبالاة والارتباط ونبذ الحقوق، ومراعاة الآداب الإنسانية، ما يقطع النفس حسرات، ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره، إلا أهل بغداد. وقال: في (المغرب) يا لله لأهل المشرق قولة غاصّ بها شرق هلا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان، لئن أرهقت بصائرهم البصرة (١)، وأرقتها الرقتان (٢)، ومرجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان (٣)، فإنّ منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان (٤)، وننشد ما قاله بعض شعرائنا في هذا الشأن: [الطويل]
стр. 1515
نراح لفضل أن يكون لديكم … فما بالكم تأبون إن كان عندنا
وإن كنتم في العدّ أكثر مفخرا … فلا تظلمونا في القليل الذي لنا
قلت: والذي قاله ابن سعيد منقوض عليه في أكثره. أما قوله إن المحاسن مقسمة لم يقصرها الله على مكان ولا إنسان، لكن الأغلب على البلاد المشرقية التكاثر بالمزارات والمشاهد إلى غير ذلك مما ذكره فصحيح، وإنما الكثير الغالب قسم الشرق في المحاسن، ومن نظر بعين التحقيق إلى الحيوان والنبات والمعادن، وعدّ ورجّح الأكثر علم أن حظّ الشرق أوفر.
وأما قول ابن سعيد إنّ أسباب الرئاسة والرفاهية في المشرق جبّارية غالية، ومرافق المغرب أرخص وأقرب مراما. فحسبنا منه هذا القول، فإنّ المعالي غير رخيصة، ولا يخفى على ذي عقل سليم وفكر صحيح أن المدح الصريح للشرق فيما ذكره ابن سعيد، وقد كفانا الرجل (ص ٢٨) بقوله همّ البحث معه ومنا قضته فإنه فرق بيّن بين من يلبس الحرير والسمور والعتك، ويركب جياد الخيل، ويقتني الغلمان الأتراك، ويأكل لحم الضأن والدجاج والإوز والحلوى، ويتخذ الطهاة لأنواع المآكل، ويدخن بالعنبر واليلنجوح، ويتطيب بالمسك، ويدّهن بالغالية. ويفخر بعضهم على بعض بكثرة الإنفاق، ولا يقنع في شيء بالقليل - وبين من يقضي أوقاته بضد ذلك: جلّ ملابسه الصوف والقطن، وأطيب مأكله العجين والزيت والسمن وأكثر ما يفخر الرجل منهم إذا كانت له فرس واحدة، أو اقتنى عبدا زنجيا، أو علجا فرنجيا، فإن دخّن كان باللادن، وإن تطيب كان بالغسول، أو ادّهن كان بالزيت، لا يتنافسون في فخار، ولا يحصلون من دنياهم على طائل.
وأما قوله والمشارقة لهم التظاهر بأمور الرفاهية في مراكبهم ومجالسهم فإذا
стр. 1516
دخلت منازلهم تعجبت من تفاوت بواطنهم عن ظواهرهم، بضد المغاربة - فهذا الكلام باطل منقوض، فإن المشارقة لهم في بيوتهم من الفرش الغالية، والخدم والقيان المطربات، وغير ذلك من أنواع الرفاهية ما لا هو لأهل المغرب، بل ولا تسمح نفوس ملوكهم في هذا بما تسمح به نفوس آحاد من أنعم الله عليه من المشارقة، من السوقة وعوام الناس. وهل خرج توظيف الوظائف، وترتيب طبقات الخدم إلاّ من المشرق، كالطسخاناه (١)، والفراش خانه (٢)، والشراب خاناه (٣)، وسوى ذلك، فهل للمغاربة هذا التوظيف في باطن أمر أو ظاهره، ويا ليت شعري هل صنّف كتاب الأغاني (٤) في بواطن أحوال المشارقة أو المغاربة؟؟؟ وكله بل غالبه وصف أحوال المشارقة في مجالس أنسهم، وأوقات خلواتهم بالمطربين والمطربات، والجواري الحسان المثمنات، وتفريق الجوائز والصلات.
فهل للمغاربة شيء من ذلك؟؟ وإن كان لبعض ملوكهم تلذذ فلعله لا يبلغ ما لبعض سوقة المشارقة (٥).
стр. 1517
وأما قوله: (والأغلب على المشارقة التغاضي وترك الحقد وقلة المؤاخذة على الأقوال والأفعال، ولكن تحت ذلك من (ص ٢٩) المسامحة في القول والإخلاف بالوعد، وقلة المبالاة والارتباط، ونبذ الحقوق ومراعاة الأخلاق الإنسانية ما يقطع النفس حسرات) (١).
فأول هذا القول صحيح لا شك فيه إن عندهم التغاضي وترك الحقد، وقلة المؤاخذة. وهذا دليل رزانة حلومهم، وكرم شيمهم، ومؤاخذة الآباء للأبناء بحسن التخلق بأخلاق الكرماء، والتأدب بآداب الآباء والعظماء حتى صار هذا طبعا لهم، يتوارثه منهم خلف عن سلف.
وأما آخر هذا الكلام فهو غير مسلّم والدليل عليه سير الخلفاء والملوك في الأفقين، وما يعجبني من حسن وفاء المغاربة إلا ما فعله يوسف بن تاشفين (٢) ملك المغرب وبرّ العدوة مع بني عباد ملوك الأندلس فإنهم أدخلوه إلى بلادهم، وبذلوا له الطاعة، وقدموا إليه نفائس الأموال، وأخدموه البنين والبنات. فكافأهم
стр. 1518
بانتزاع الملك، وأخذ ابن عباد (١) وأهله الأخذة الرابية، وقيده بالحديد، وغله وسلسله، وحمله هو وأهله في الفلك إلى أن سجنه بأغمات (٢)، ورمى أهله بالتفرق والشتات، ولم يجر عليه وهو في حبسه ولا رغيفا واحدا من الخبز، حتى كنّ (٣) بناته يغزلن للناس بالأجرة، ويطعمن أباهم، ودخل إليه بعض بناته في يوم مطير ذالق ووحل، وهي حافية القدم، لعدم قدرتها على مشترى حذاء، فبكى على حاله، وقال في ذلك الأشعار المشهورة (٤)، والأقوال المذكورة، وأدى
стр. 1519
حال بعض بنيه بعد الملك الضخم إلى أن صار أجير صائغ يعمل بالأجرة.
ولابن اللبانة (١) شاعره في وصف حاله وحال أولاده ما يبكي السامع، ويحزن الفرح المسرور (٢) (ص ٣٠) فهذا من وفاء المغاربة، وعليه فقس بقية الأمور، وأما قوله ولهم من القيام والبشاشة في السلام ما يطول ذكره، فصحيح وهو مما تقدم القول فيه من مكارم الأخلاق، وحسن التخلق مع الناس، وللناس الظاهر والله يتولى (٣) السرائر. ولله (در) (٤) القائل: [البسيط]
لقد أطاعك من يرضيك ظاهره … وقد أجلك من يعصيك مستترا
وإن سلم إلى ابن سعيد أنّ للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن، فلقائل أن يقول: صدقت للمشارقة حسن الظاهر دون الباطن، والمغاربة لا لهم ظاهر ولا باطن (٥).
وأما قوله: (نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، ومنهما يخرج اللؤلؤ والمرجان) فصحيح أن منهما يخرج اللؤلؤ والمرجان، وإنما اللؤلؤ من البحر
стр. 1520
الهندي، وما خرج منه، وأما البحر المغربي فليس فيه إلا المرجان، ليس إلا، فتأمل فرق ما بين الاثنين في اللون والكون والقيمة. وإنما تكثر ابن سعيد بما ليس له، ولو اقتصر على المرجان لسلمنا إليه، فإنه في بحر المغاربة، وإلا من أين هم واللؤلؤ وهو من بحر المشارقة!؟ والذي يظهر في معنى قوله تعالى: "مرج البحرين" (١) أنه عن الهندي والشامي، وحيث يلتقيان في المحيط لمخرجهما منه.
وأما قول ابن سعيد: (فإن كنتم في العد أكثر مفخرا) البيت فهذا إقرار صريح منه، وممن قاله للمشارقة.
ثم قال: (وللمشرق على المغرب الفخر في كتاب الله تعالى في قوله ﴿رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٣) وإن كانت الواو لا ترتبه فلا يخفى ما في التقديم، لا سيما إذا تكرر في أماكن من الاعتناء وقد تقدم مثل هذا. ثم قال:
(وأما الحديث فللمغرب فيه الفخر على المشرق، وهو قوله ﷺ : "لا يزال (ص ٣١) أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" (٢) رواه ابن بشكوال مما أخرجه مسلم في صحيحه، وقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير عن عمرو بن الحمق الخزاعي عن النبي ﷺ أنه
стр. 1521
قال: " ستكون فتنة خير الناس فيها الجند المغربي " (١) وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تزال عصبة من أمتي بالغرب يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى يروا قوما قياما، فيقولون غشيتم، فيبعثون سرعان خيلهم، فينظرون ويرجعون إليهم، فيقولون: الجبال سيّرت، فيخرون سجدا فتقبض أرواحهم " (٢). قال رسول الله صلى اللّه عليه
стр. 1522
وسلم: "خير الأرض مغاربها" (١)، وكان رسول الله ﷺ يتعوذ من فتنة المشرق. وقال ابن سعيد: (حسب المغرب وأهله هذه الأحاديث، التي لا يوجد مثلها في ذكر المشرق. (٢) وفي أماكن من المشرق وأماكن من المغرب ما هو مذكور في القرآن والحديث مثل مكة والمدينة وبابل من المشرق، ومصر من المغرب، ومكة والمدينة والشام من المشرق، وذلك كثير، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع مدائن من الجنّة: مكة والمدينة وبيت المقدس ودمشق، وأربع مدائن من النّار: رومية وقسطنطينية وأنطاكية وصنعاء" (٣) وقد قال إدريس: يعني أنطاكية المحرقة.
وقال أبو عبد اللّه السفطي: إن المراد صنعاء بأرض الروم، وليست التي باليمن.
قال ابن سعيد: فخرج من هذا الحديث أن ليس بالمغرب مدينة من هذه المدن، التي هي من الجنة. كما أنّ لهم الفخر أيضا بأن أنهار الجنة على ما جاء (ص ٣٢) في الحديث: "الفرات وسيحان، وجيحان والنيل" (٤)، وليس منها في المغرب إلا واحد وهو النيل.
стр. 1523
قلت: فانظر إلى ابن سعيد مع فرط تعصّبه للمغرب وأهله ما قدرأن يدعي أنّ من المغرب أشرف البقاع، ومدن الجنة، فلما ذكر الأنهار الأربعة قال: وليس منها في المغرب إلاّ واحد، وهو النيل، فما تجاوز مصر في الدعوى على كثرة ما نظر في لوح الرسم المصوّر، وطالع الكتب الموضوعة عليه، والمقالات المتفرعة فيه، ولكنه ما (تحلى بما ليس له كلابس ثوبي زور) (١)، ولا ادعى دعوى يفضحه فيها الحق، وهذا منه غاية الإنصاف والإذعان للحق وأهله، ولو وجد في الحق سبيلا بحق إلى سوى هذا لقاله، فإذا لم يدع هذا للغرب مغربي لا يدعيه له مشرقي.
ثم قال ابن سعيد - نقلا عن البيهقي -: إن حد المغرب من الجهة التي ذكرها بطليموس في أنّ اللّه تعالى قسم الأرض نصفين ببحر جدّة وخليج القسطنطينية، على أن يجعل الديار المصرية أول الغرب، وكل هذا يؤيد بعضه بعضا في إثبات الفخار للمشرق لاشتماله (٢) على أشرف البقاع، ومدن الجنة وأجل الأقاليم العرفية كالشام والعراقين وأذربيجان وخراسان إلى نهاية المشرق.
وكلام ابن سعيد كله لمن تأمله إثبات لفضل المشرق وأهله على الغرب وأهله، وهو الحق الذي لا يمترى فيه، وقد قال الرئيس أبو علي بن سينا (٣) المدن المشرقية صحيحة (٤) جيدة الهواء، تطلع على ساكنها الشمس في أول النهار،
стр. 1524
وتصفي هواءهم ثم تنصرف عنهم وقد تصفى، وتهبّ عليهم رياح لطيفة، ترسلها عليهم الشمس آخر النهار، ثم يتبعها طلوع الشمس في أول النهار الثاني وحال (ص ٣٣) خروج الشمس عنهم حال دخول الهواء إليهم فهي صحيحة لذلك، والمدن المغربية لا توافيها الشمس إلى حين تنكب، وكما توافيها تأخذ في القصد عنها، لا في القرب إليها، فلا تلطّف هواءها، ولا تخففه، بل تتركه رطبا غليظا، وإن أرسلت رياحا إليهم أرسلتها ردية (١)، وأرسلتها ليلا، فتكون أحكامها أحكام البلاد الرطبة المزاج، الغليظة المعتدلة الحرارة، ولولا ما يعرض من كثافة الهواء لكانت تشبه طباع الربيع، لكنها تقصر عن صحة هواء البلاد المشرقية قصورا كثيرا، فلا يجب أن يلتفت إلى قول من قال إن قوة هذه البلاد قوة الربيع قولا مطلقا، بل إنها بالقياس إلى البلاد التي في الأغوار جيدة، ومن المعنى المذموم أن الشمس لا توافيهم إلا وهي مستولية على تسخين الإقليم لعلوها، فتطلع عليهم لذلك دفعة بعد برد الليل، والرطوبة أمزجة هوائهم تكون أصواتهم باحة، وخصوصا في الخريف، وتكثر في بلادهم النوازل. انتهى كلام ابن سينا.
وقد ذكرنا في الفصل المتقدم ما ذكره ابن سعيد من أن المشرق أتمّ وأعمد، وأن الجزائر بالبحر الهندي أعظم وأكبر، وبيّنا السبب في اتساع الشرق بما اقتطعه البحر الشامي من أجل الأقاليم المعمورة، كالثالث والرابع والخامس، الواقع فيها معظم العمارة ووقوع البحر بالشرق في جنوبه حيث لا مبالاة به من الأول والثاني، فتعطل في المغرب المعمور، ولم يتعطل في الشرق إلا العاطل، بل زاد موقع البحر هناك بالشرق عمارة للشرق وحسب ما قدمنا القول فيه لأنه رطّب هواءه، وأيفع ماءه وزاده عمارة، وزانه نضارة، وأوجب به العمارة، وراء خط الاستواء، وعمّر الجزائر فيما هو داخل (ص ٣٤) الإقليمين اللذين أخذ فيهما ما
стр. 1525
لو قيس بالمعمور فيها بالمغرب لزاد عليه، فإن قيل كيف تكون جزائر في البحر أوسع من العمارة في البر المتصل؟ قلنا: الجواب أن العمارة في البر المتصل بالإقليم الأول والثاني ليست متصلة بعضها ببعض، بل يتخلل بين العمارة والعمارة من البراري والقفار أكثر مما يتخلل بين الجزيرة والجزيرة من المياه والبحار.
فأما الحيوان والنبات والمعادن فإنها بتلك الجزائر أعظم مما في عمارة البر المتصل المسامتة (١) بلا نزاع. وانظر أشرف الحيوان وهو الإنسان، كيف صور أهل الإقليم الأوّل والثاني بالغرب: من شدّة سواد الألوان، وقحل (٢) الأجسام، وتفلفل (٣) الشعر، وتشقق مواطئ الأقدام، وبشاعة المنظر، وخفة العقل، وكيف هم أهل الجزائر فيهما بالشرق من حسن السمرة، ونعومة الأجسام، واسترسال الشعر، والتيام (١٣) مواطئ الأقدام، وبهجة المنظر، ورزانة العقل، وهكذا الفرق بين بقية الحيوان بالجهتين.
وأما النبات فلا نزاع أن منابت الجزائر الشرقية وما هو في معناها كلها فاضلة كالعود الهندي (٤)، والصندل والفلفل (٥)، والكبابة (٦) والإهليلجات (٧)،
стр. 1526
والنارجيل (١)، والفواكه المستطابة، وليس هذا هكذا في الجانب الغربي.
وكذلك المعادن في الجهات الشرقية أفضل مما هي في الجهة الغربية، فإن قيل:
معادن التبر (٢) بغانة في الغرب قلنا وسفالة التبر بالشرق - وهي كما نقله أصحاب هذا الشأن - أكثر مما في غانة، بما لا يقاس ويزيد بأرض الزنج، فمنها ما يكون ترابه حيث أوقدت به النار فضة خالصة لوقتها، من غير ريث (٣)، وقد ذكرنا من هذا في أوائل هذا الكتاب عند ذكر تقسيم الأقاليم ما فيه كفاية (ص ٣٥) ولجميع ما ذكرناه للشرق على الغرب الفضل بلا نزاع، وبه القول الفصل بلا دفاع، فكان موقع البحر بالشرق زيادة فيه، وموقع البحر بالغرب نقصا له.
وأهل المغرب أحسن رقما لديباجة الألفاظ (٤)، وأهل المشرق أحكم لقواعد المعاني، لأن الغالب على أهل المغرب العربية، وما هو منها من النظم والنثر، والغالب على أهل الشرق المعقولات وما هو منها، وإن كان في المشارقة من لا يقصر في غاية، وفيمن مضى منهم أكثر أفرادا: كبشار (٥)، ومسلم بن
стр. 1527
الوليد (١)، وأبي نواس (٢)، وأبي عبادة (٣)، وعلي بن الرومي (٤)، وابن المعتز (٥) والمتنبي (٦)، ومن هم من هذا النمط العالي، والسمط الغالي، سوى
стр. 1528
القدماء، ولكن لأهل الأندلس لطائف دقت عن تلك الأفهام ورقت عن مزاج ذلك الكلام، وإن كان من المشرق أصل ما عندهم من الأدب: [البسيط]
ففي السّلافة معنى ليس في العنب (١)
فلقد لطفوا مسالك الأدب، وأفادوا شرف الحضارة محاسن العرب، وقلبوا الأعيان وسحروا الألباب بالبيان، فجاؤوا بأعجب العجب، وزادوا بحسن السبك خالص الذهب، وإن كان الشرق قد أنتج من طبقة أهل الأندلس من لا تحجم به المفاخر، ولا تحجب به المفاخر، ولكن للأندلسيين لطائف أعلق بالقلوب، وأدخل على النفوس في كل أسلوب.
وأما العلوم العقلية كالطبيعي والرياضي والإلهي (٢) فلا نزاع في تقدم أهل المشرق فيها، وإن كان قد نشأ له بالغرب أناس، وبرقت له في الأندلس على عهد الحكم بن هشام (٣) لامعة، فالشرق فيه (ص ٣٦) لا يكابر ولا يكاثر، ولا يناضل
стр. 1529
ولا يناظر، وقد تقدّم في الفصل الخطابي الأول في هذا الباب ما إن قيل إنه خطابي فهو الحق الذي لا يجحد، والصحيح الذي لا يكذّب (١).
قال ابن سعيد: المتنزهات التي تقع المناظرة فيها بين المشرق والمغرب فإننا نبني الكلام فيها على ما ورد في الكتب، من أن المتنزهات المشهورة بالحسن والتقديم على سواها أربعة: وهي غوطة دمشق بالشام (٢)، والأبلّة بالعراق (٣)، وشعب بوّان بأرض فارس (٤)، وصغد سمرقند وراء النهر (٥). وقد ذكر أبو بكر
стр. 1530
الخوارزمي (١): أنه رأى جميعها، فكان فضل غوطة دمشق عليها كفضل سائرها على متنزهات العالم، وجميع هذه الأماكن الأربعة قد أطنب في ذكرها البيهقي وعظمها على غيرها (٢).
وقد رأيت غوطة دمشق وتقدم أنها أفضلها، فنبني الحكم عليها، والتي تشبّه بها من أماكن المغرب غرناطة (٣)، فنتكلم في المدينتين ظاهرا وباطنا، كلاما موجزا يحتمله هذا الموضع، وكلاهما قد أبصرته وحررت المناظرة بينهما:
أما مسوّر بمسوّر فإن غرناطة أحسن من جهة أنّ سورها غير كدر اللون،
стр. 1531
كسور دمشق، تنبو عنه العين.
ومن جهة أن المدينة موضوعة على جبل ممتد السهل الأعلى بحيث تمهدت فيه الشوارع، وترتبت الأسواق، وقسمة النهر المعروف بنهر الذهب (١)، وعليه قناطر يعبر الناس عليها، وهواؤها من أجل ارتفاعها أطيب وأصح، ولها زيادة أنها في وسط الإقليم الرابع المعتدل، ودمشق في الثالث، ولها كونها مكشوفة من جهة الشمال لها جبل يفصل بينها وبين هبوب (ص ٣٧) النسيم الرطب ولها في الخبون جبل الثلج يهب منه في الصيف نسيم يتنسم منه روح الحياة، وهو الذي روّق أمزجة أهلها، وأكسبهم الألوان البديعة، من امتزاج الحمرة بالبياض، التي تخجل ورد الرياض، وتزيد عليها بأن المياه لا تنقطع منها صيفا ولا شتاء، لأن الأنهار تشقها وتدير الأرجاء، في داخل المسوّر، ودمشق محجوبة من الشمال منخفضة، إذا انقطع عنها الماء المجلوب لها في القنوات بقيت جيفة، وتزيد عليها غرناطة بكثرة الأنهار، فإن أنهار دمشق سبعة (٢)، وأنهار غرناطة التي تنصب إليها من جبل الثلج أكثر من ذلك، وأن أنهار غرناطة تنصب من الجبل على رؤوسها في صخور، تحسن بتقطيعها عليها، وجريتها ما بين الجنادل والحصى. وأنهار دمشق تأتي بين دمن البساتين في أرض سهلة رخوة، فيقل ماؤها، ويحدث منه من الوخامة ما هو مشهور، وكان القاضي الفاضل يقول ماء دمشق يتخلّل منه أراد أن الأزبال التي تتخذ للبساتين تمتزج معه، لأن أنهار الغوطة تشق بكليتها بساتينها، وأنهار غرناطة تخرج منها مذانب تنقي في تصرفها، ويبقى جماهير الأنهار تتخلل مروج البسائط، وتزيد غرناطة على دمشق في الفرجة العظمى بأنها تاج مشرف على بسيط يمتد نحو يومين، لا ترى
стр. 1532
فيه إلا أبراجا كبروج السماء، وأنهارا كأنهار المجرة (١)، ومروجا كبسط الخز، وأشجارا كالعرايس، وأطيارا كالقيان، يسافر في جميع ذلك بصرك في دفعة واحدة، من غير انعطاف. فسبحان من أفرغها في قالب الحسن، الذي لم تر له عيني مثالا، وفيها يقول أبو جعفر بن سعيد (٢) (ص ٣٨): [الكامل]
سرح لحاظك حيث شئت فإنه … في كل موضع لحظة متأمل
وفيها يقول ابن أخيه: [المجتث]
غرناطة الحسن تيهي … على دراري النجوم
أشرقت مثل عروس … على بساط رقيم
وكلّ نهر عليه … كمثل سلك نظيم
ما جرّدت كسيوف … إلا لقتل الهموم
وقلعة غرناطة في أعلاها شديدة الامتناع، وقلعة دمشق مساوية معها يأخذها القتال، وتركبها المجانيق، لكنا لانغبن دمشق حسن واديها، والشرفين المحدقين به، وما احتوى عليه ذلك المنظر من القصور الزاهرة، والبساتين الفتانة، مع حسن ترتيب الأنهار واحدا تحت آخر، ومرورها في البساتين بمعظمها، ولقد نظرت من نهر ثورى (٣) في مروره بمعظمه على البستان السلطاني، المعروف بالنيرب، وما
стр. 1533
عليه من المصانع الملوكية، وينبع ماء نهر يزيد من قلبه بحركات بديعة إلى منظر لم أر مثله في غرناطة. وتأملت الربوة (١) حيث مقسم الأنهار، وانحدار نهر يزيد في مبانيها، وانصبابه على رأسه منها، فرأيت منظرا فتانا، يجب أن يفتخر به ويذكر. وإذا صعد المتأمل هذه الربوة امتد بصره في ألفاف الأشجار المنخفضة عنه نحو مسيرة يوم، وبان له من ذلك الموضع المرتفع ما لا يوجد في غرناطة، لمن أشرف على بسيطها إلا أنه لا تبين له أنهارها لتكاثف الأشجار عليها كما تبين في بسيط غرناطة، وكل واحدة منها مما يجب أن يتمثل فيه (ص ٣٩): [الوافر]
ولو أني نظرت بألف لحظ … لما استوفت محاسنك العيون
وفي المشرق والمغرب متنزهات كثيرة، هذان أشرفها ولو لم يكن في الأندلس إلا مدينة بلنسية (٢)، وما في ظاهرها من المياه والبساتين، والبحيرة التي تقابلها الشمس فيكثر منها نور بلنسية لكفاها، فكيف وكل مكان بها ترتاح إليه النفس، ويعظم به الأنس، وفي بر العدوة أماكن للفرجة متعددة أخذها بمجامع القلوب، وأزمّة الأبصار، بليونش متنزه بظاهر سبته (٣)، على البحر في نهاية من حسن الوضع، وانحدار المياه، التي لها على الصخور دوي، والتفاف الأشجار،
стр. 1534
وتزخرف المباني، وكثرة الفواكه الطيبة، المختلفة الأنواع، واجتمع على ابن سعيد صاحب كتاب المغرب (١) مع العماد السلماسي (٢) في مجلس جرى بين أهله ذكر المشرق والمغرب، وزاد في ذلك المجلس من التنقص والتهكم بالغرب حتى كاد تقوم بينهم الحرب، فكتب إليه علي بن سعيد: لو ترك القطا ليلا لنام (٣)، وهذا ما أثاره ذلك المجلس ولا ملام، العجب ممن سأل عن المغرب في ذلك المجلس المعرب: هل فيه أنهار مثل المشرق؟ أو ليس فيه أنهار، بسؤال يظلم الجور على صفحاته، ويجول الازدراء في جنباته: [الطويل]
رمتني سهام الدهر من حيث لا أدري … فما بال من يرمي وليس برام
وإني لأقسم بمن أجرى الأنهار من الصم الجبال، وسلك بها في بسيط الأرض ذات الجنوب والشمال لو أن السائلين عن المغرب هل به أنهار؟ عاينوا من نهر إشبيلية (٤) نهرا يصعد من البحر المحيط فيه سبعون ميلا عابرا على المدينة، مصعدا إليها السفن بالأرزاق والبضائع من البحر، دون مكابدة، ثم يحدر
стр. 1535
(ص ٤٠) أمثالها الجزر دون جهد، ولم تتغير عذوبة الماء بالبحر الملح، وقد طرز الله جانبيه بطرازين من ألفاف البساتين، ذوات الثمر والظلال، ورصعهما فيما بين ذلك بمصانع درّيّة الألوان، كأنما وضعهما الخالق جل وعلا من خيم الجنان لأقروا بالتسليم إلى ذلك، وأحالوا بالتقديم على ما هنالك، ولو عاينوا خضرة سرقسطة (١) التي حف بها من الجهات الأربع أربعة أنهار كأنما تغايرت عليها فمالت بالمصافحة والتقبيل من كل جهة إليها - لعذروا القائل: [الكامل]
نهر يهيم بحسنه من لم يهم … ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها … إلا لفرقة حسن ذاك المنظر
وليس هذا بموضع الإطناب، وقد عزمت أن أفرغ الفكر لكتاب أجعله بين الخصمين ميزانا، وأخلده عن الجهتين عنوانا. [الرجز]
لبّث قليلا يدرك الهيجا حمل
فأجابه العماد السلماسي كفى جوابا قول الله (أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا) (٢). لو لم يكن للمغرب إلا طلوعك علينا منه لصمتنا له عن كل نقيصة، وأغضينا عنه فكيف وقد ملئ فضائل، وطلعت علينا منه نجوم فوائد غير أوائل، نحن أولى بالثناء عليه من الذم، وما ذا يبلغ من التكدير من رمى الحجر في اليم، وقد رأيت أن أشتغل برسالة أثني فيها على الغرائب، التي استفدناها من
стр. 1536
المجلس، وأفرد فيها من ملح فضلاء المشرق ما يستغرب بالمغرب، إلا أني وقع لي معنى يفخر به المشرق على المغرب، نظمته على جهة المداعبة، وبعثته طلبا للمجاوبة، وهو: [المتقارب]
(ص ٤١) إذا ذكر الشرق في محفل … فلا يذكرنّ به المغرب
طلوع الغزالة في أفقنا … وفي أفقكم نورها يغرب
وتشرق أنوارها عندنا … وعندكم حسنها يسلب
فأجابه ابن سعيد: [مخلع البسيط]
يفخر بالشرق أهل فخر … قولهم بهرج شتيت (١)
قالوا لنا الشمس في طلوع … قلنا لهم عند من تبيت؟
تبيت حيث المهاد رحب … والليل فيه مسك فتيت
قلت: وقد أنصف الوداعي (٢) أحد شعرائنا المتأخرين إذ قال: [الوافر]
حوى كلّ من الأفقين فضلا … يقرّبه الغبيّ مع النبيه
فهذا مطلع الأنوار منه … وهذا منبع (الأيمان) (٣) (فيه)
стр. 1537
وكذلك لقد أرضى جيراننا المغاربة بقوله: [المنسرح]
في الغرب خير وعند ساكنه … أمانة أوجبت تقدّمه
فالشرق من يثريه عندهم … يودع ديناره ودرهمه
ثم نعود إلى ما كنا فيه، وما نحن بصدده.
قال صاحب الكمائم (١): إنّ الله تعالى جعل المعمور من الأرض مقسوما على سبعة أقاليم آخذة من مغرب الشمس إلى مشرقها، والمغرب والمشرق مشتركان فيهما بالسواء، لأن كل إقليم فيها للمشرق والمغرب فيه حظ، وإحكامه في المشرق من جهة الإقليمية، والتأثيرات النجومية إحكامه في المغرب، إلا أن لمشارق الشمس في مطالعها بالمشرق في تصفية الألوان والأذهان حكم يشبه الشمس عند شروقها، ولمغاربها بالمغرب في ضد ذلك حكم يشبه الشمس عند غروبها.
قال ابن سعيد: وقد أقر بهذا الشأن لأهل المشرق على أهل المغرب الحافظ أبو محمد بن حزم الأندلسي (٢): في رسالته حيث قال: فإن قرطبة مسقط رؤوسنا،
стр. 1538
ومعق تمايمنا مع سرّ من رأى في إقليم واحد، قلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها، وقد جعل صاحب الكمائم ذلك (ص ٤٢) سببا لتكدير أخلاق المغاربة في سائر أقاليمهم، وصيّر ذلك متعديا إلى مياههم. وقال إن الإقليم الرابع وإن كان أعدل الأقاليم فإن فعله في الألوان والخلق في رأس المشرق فوق فعله في ذنب المغرب، فقد عاينت من يرد من الغلمان الذين يفتنون الناظر من الأتراك، والخطا (١) الذين يسكنون الإقليم الرابع عن يمين خوارزم، وجهات تركستان، وعاينت جماعة ممن يصلون من إشبيلية وقرطبة إلى بغداد وإلى بلاد العجم، فكان بين الجنسين بالنظر إلى صفاء الألوان وحسن الصور بون لا يخفى على الناقد. قال ابن سعيد: نظر البيهقي من غلمان الأتراك والخطا الصور التي تنتخب في عنفوان شبابها وبهجتها، وتهدى إلى الملوك، وأراد أن يقيسهم مع أشياخ وكهول يصلون من إشبيلية وقرطبة، بعد ما قطعوا أكثر طول الأرض، وقد شربت الأهواء المختلفة، وأعالي السني المتوالية مياه وجوههم، وسودت بشائر الحسن خدودهم، فكسفت شموسهم، وخسفت بدورهم، وذوت غصونهم، وذبل وردهم، وطحلب وردهم (٢)، فكانوا كما قال ابن حريق البلينسي (٣) في محبوبة
стр. 1539
له نظر لها، وقد أخذ منها السّن، وصوّرها في الدرك الأسفل من الحسن: [الرمل]
إنّ ما كان في وجنتها … وردته السنين حتى نشفا
وذوى العنّاب من أنملها … فأعادته الليالي حشفا (١)
وأقسم بما ضمنته الخدود من وردها، واشتملت عليه الثغور من وردها وأقلته الغصون من بدورها، واحتوت عليه الأزرار من عاج صدرها (ص ٤٣) لو نظر البيهقي إلى غلمان إشبيلية، وما وشاهم الحسن به من بديع التوشية لعدل بالتفضيل إليهم، وأحال بالتقديم عليهم، وأنشد في كل واحد من سربهم ما قاله أبو القاسم بن طلحة الصقلي (٢)، وقد طلعت عليه إحدى شموسهم من أقصى مغربهم: [السريع]
أيتها النفس إليه اذهبي … فحبه المشهور من مذهب
مفضض الثغر له مسكة … قد طبعت في حدّه المذهب
أيأسني التوبة عن حبه … طلوعه شمسا من المغرب
ولقد رأيت بالقاهرة غلمانا وصلوا إليها مع رسول الإمبراطور، من جزيرة صقيلية (٣)، وهي في الإقليم الرابع، قضيت العجب من كمال الحسن فيهم بين اعتدال قدّ، ودهم وهيف خصورهم، وصفاء ألوانهم، المشربة بالحمرة، التي
стр. 1540
تعشقها النفس، وتسرح فيها العين، وحسن مجموع صورهم وتفاريقها، (فتبارك الله أحسن الخالقين) (١).
وكأن أهل القاهرة معجبون فيهم، وتهالك في الوجد بهم جماعة من الأمراء، وتوصلوا إلى إحضارهم في مجالس أنسهم، وكانوا يحسنون الكلام بالعربية، ويعلمون مواقع النوادر على عادة نصارى صقيلية، وخفي عن الناس هنالك مراد الإمبراطور بتوجيههم، وإنما أرادوا أن يتكشفوا (٢) من الأحوال الباطنة على ما لا يتوصل إليه غيرهم، ممن لا يشفع في تقريبه حسنه، فما انفصلوا عن القاهرة إلا وقد حصلوا من الأخبار ما يسهّل طريقه إليهم، شفيع الحسن الذي لا يرد (٣). على أني أبصرت من غلمان الأتراك ذوي الأثمان الغالية ما أرجع فيه إلى الإنصاف. وأفضلهم على غلمان أصناف الرّوم.، الذين يجلبون إلى ملوك الأندلس، وسلاطين برّ العدوة، ولقد أخبرت أنه (ص ٤٤) كان بحلب منذ مدّة قريبة مملوك تركي، خلف أحد المغاربة النقاد أنه لم ير أحسن من صورته في شرق ولا غرب، وأنه أعطي مولاه ثلاثين ألف درهم ناصرية (٤)، فامتنع من بيعه، فمات على إثر ذلك. ولو قيل بالمغرب إن مملوكا بلغ هذا الثمن لم يصدق الناقل، وجعل الناس يضحكون عليه من هذا الحديث. إذ المعتاد في المغرب ما خلا الديار المصرية، أن يكون المملوك الحسن الصورة من الإفرنج
стр. 1541
وغيرهم بخمس مائة درهم من هذه الدراهم، وهي ألف من الدراهم المغربية، فيكون عند الملك بدل هذا المملوك الذي هو بثلاثين ألف درهم كتيبة فرسان من ستين فارسا، على أنهم أكثر ما يبتاعون المماليك الذين قيمة الواحد منهم خمسمائة درهم مغربية، وستمائة ونحو ذلك. قال: وهمّم أهل المشرق في هذا الشأن مسلمة لهم، وكل هذا الذي ذكرناه هنا مما ذكره ابن سعيد. قلت: أما قوله عن علو ثمن المملوك ثلاثين ألف درهم ناصرية فهو معذور فيه، ولكنه ما عمر إلى إمام سلطاننا ورأى ما جلب إليه، وما بذل من الأثمان، ولو رأى ذلك لاحتقر ما استكبر، واستقل ما استكثر، وأما قوله: إن الدرهم الناصري بدرهمين مغربية، فقد قدمنا القول أن الدرهم الكاملي (١) معاملها اليوم بثلاثة دراهم مغربية عتق، وهو بدرهمين مغربية جدد، ولعله أراد الجدد، وإلا فحينئذ لا يقال إنها جدد لا تكون إلا ثلاثة بدرهم. والناصرية التي ذكرها ضرب الناصر بن العزيز (٢) وهي دون (٣) الكاملية بقليل.
أما الذي ذكره من حسن غلمان الروم فغير منكور، وإنما الترك أتم صورا
стр. 1542
وأكمل تخطيطا، وللترك حسن الوجوه، وللروم حسن الأبدان، فمحاسن الترك أفضل لأنها لا تغطى ولا تحجب، ومحاسن الروم أخفى لأنها تغطى وتحجب.
فأما شرف الجنس وبعد الهمة ووفور العقل والشجاعة فأين الروم مما وهبه الله الترك من ذلك حتى إن الاسكندر (١) وهو أجل ملوك الروم بل الأرض، ولا خلاف في حكمته وفضله، وقد أقر للترك على نفسه، فإنه لا تطمح نفس أحد من الفرس إلى مطاولة الترك، وقد طاولت الروم، وكان لها الغلب على الروم غالبا، ولما أتى الإسكندر بلاد الفرس رأى من رجالهم ما بهر عقله فكتب إلى معلمه ووزيره أرسطو (٢) يعلمه أنه شاهد بإيران شهر رجالا ذوي أصالة في الرأي، وجمالا في الوجوه لهم مع ذلك صرامة وشجاعة، وأنه رأى لهم (ص ٤٥) هيئات وخلائق، ولو كان عرف حقيقتها لما غزاهم، إنما ملكها بحسن الاتفاق والبخت (٣)، وأنه لا يأمن إن ظعن عنهم وثوبهم، ولا تسكن نفسه إلا ببوارهم. فكتب إليه أرسطو:
فهمت كتابك في رجال فارس، فأما قتلهم فهو من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم جميعا لأنبتت البلد أمثالهم، لأن إقليم بابل يولد أمثال هؤلاء الرّجال، من أهل العقول والسداد في الرأي، والاعتدال في التركيب، فصاروا أعداءك وأعداء عقبك بالطبع، لأنك تكون قد وترت القوم وأكثرت الأحقاد على أرض الروم منهم وممن بعدهم، وإخراجك إياهم في عسكرك مخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكني أشير عليك برأي هو أبلغ لك في كل ما تريد من القتل، وهو أن تستدعي أولاد الملوك، ومن يستصلح للملك، وهو مرشح له، فتقلدهم البلدان، وتولهم الولايات ليصير كل واحد منهم ملكا برأسه، فتفرق كلمتهم
стр. 1543
ويجتمعوا على الطاعة لك، ولا يؤدي بعضهم إلى بعض طاعة، ولا يتفقوا على رأي واحد، ولا تجتمع كلمتهم، ففعل الإسكندر ذلك، فتم أمره. فانظر إلى ما في هذا الابتداء والجواب من تعظيم الإسكندر وأرسطو لرجال فارس، وقول أرسطو إن أرض بابل تولد مثل هؤلاء الرجال. وهذا الإسكندر قد جال الأرض غربا وشرقا فما تراه أكبر إلا أهل الشرق، ولا عظمّ إلا لهم، وإذا كان هذا قوله في فارس فكيف كان قوله في الترك وفي الهند، مع ما هو مشهور من حكايات الإسكندر مع صاحب الصين (١)، مما اعترف له فيه بالحكمة، وأقرّ له بالفضل، مما ليس هذا موضع ذكره. فيا هل تراه ذكر أهل المغرب أو وصفهم بقول أو فعل.
وقد ذكر ابن سعيد أيضا أن الأرض تشبه بطائر رجلاه بر العدوه والأندلس (٢)، وقد تقدم ذكر هذا (ص ٤٦) التشبيه، ثم قال: ولا أسلم في تشبيه الأندلس برجل إلا إن أرادوا في الاعتماد عليها وعمارتها بمثل ما تعمر به رجل العروس الخالية من الخلاخل، وأشباه ذلك. وأنشد قول الصولي (٣) يخاطب
стр. 1544
القائم بن عبيد الله الإسماعيلي (١) الذي خطب له بالخلافة في المغرب، وكان قد وجّه لبغداد قصيدة يفخر فيها ببيئته، وبما فتح من البلاد، فأجابه الصولي بقصيدة على وزنها ورويها: [الطويل]
فلو كانت الدنيا مثالا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذنب
قال ابن سعيد: وأنا استحسن هذا البيت فإنه وقع في موضعه لكون البلاد التي كانت بيد القائم في ذلك الزمان من الأرض بمنزلة ذنب الطير لكونها في آخر المعمور، وكونها رقيقة ضيقة العرض في المساحة قد خنقها البحر من جهة الشمال والصحراء من جهة الجنوب، وهذا البيت هو الذي حرّك همّة القائم، وقال والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على الديار المصرية من الحروب أهوالا، ومات ولم يظفر بحضرتها وإن كان قد عاث في أطرافها برا وبحرا على ما هو مذكور في التواريخ، وأوصى ابنه المنصور بما كان في عزمه، فشغلته الفتن التي دهمته في إفريقية، فكان الظافر بالديار المصرية المعزّ بن المنصور بن القائم (٢)، وتوالت عليها خلفاؤهم، وخطب لهم باليمن والحجاز والشام والجزيرة والعراق، وخطب لمستنصرهم الذي جاز في الخلافة ستين سنة (٣) في حضرة الإمامة بغداد سنة، وخطب للنزارية
стр. 1545
الإسماعيلية (١) منهم ببلاد العجم.
قال ابن سعيد: وهم إلى الآن في بلد الموت، ولهم يخطب هؤلاء الإسماعيلية (ص ٤٧) الذين في قلاع الشام فكان حديثهم المترتب على ذلك البيت من عجائب الدنيا، ولم تزل إمامتهم التي كانت قد رسخت في الأرض ودوخت الملوك (٢) إلا السلطان الأعظم الناصر صلاح الدين بن أيوب رحمة الله عليه (٣). وملأ البلاد التي كانت بأيديهم بالخطب العباسية. قلت: لقد مرّت به