← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ولإسرافيل الموكل بالنفخ في الصور أن يلقم قرنه، وللجديدين (١) أن يخلق ثوباهما، وللخافقين أن يلتقي جانباهما (٢)، وللأفق أن ينزع سواره من معصمه، وللشفق أن ينضح بماء الصباح ما تلطخ به ثوبه من دمه، ولقد كان لي بانتظار الأجل القريب (٣) شغل عن زخرف القول الذي فيه تعليل لباطله، وتشقيق الكلام الذي فيه تعليق اللسان بحبائله، بل اللهم فيما أثبته ذكرى لمصارع الأموات، وبمواقع الصائد المجدّ في مصائد المنون، وقد ظنّ أنه قد سبق به الفوات، وإذ قد عرّضت عرضي بهذا التأليف هدفا لسهام الألسنة الراشقة (٤)، ودريئة (٥) لرماح الطعن الماشقة (٦)، وسمحت به طرفة لكل خاطف، وثمرة لكل قاطف، ينهبه كل ناهب، ويذهب به كل ذاهب، وأقدمت على هذا البناء العظيم، ورعيت في هذا الكلام الوخيم، وهجمت على هذا الملأ، الذي لا أكاد أثبت معرفة واحد من أمه، ولا أميز صفه ذا غرة (٧) من دهمه (٨)، واقتحمت هذا البحر وأنا أعرف خطره، ودخلت هذا البر وأنا أجهل خبره، قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون، فها قد رهنت بما قلت كلامي، وحاللت بما قالوا لوامي، وركبت الغمرة وأنا لا أعرف أسبح، وسريت الليل وأنا لا (ص ٧٢) أدري فجره أين

стр. 1612

أصبح، على أنني أرغب إلى من أعازه أدنى تأمل، أن يكشف ليتبين أتيت صوابا أم خطأ، وأصالة أم خطلا، فو الله ما قصرت جهد المقدرة، ولا فعلت إلا فوق الطاقة إن قبل مني المعذرة، وقد دخل في ذيل الحكماء أرباب الكلام وأصحاب الموسيقا، واشتمل ثوب الأدباء على أعيان الوزراء. وعيون الكتاب والخطباء والشعراء، وقدمت الكتاب على الخطباء، لأن الكاتب لو شاء جرّد من نفائس تقاليده ومناشيره (١) وتواقيعه (٢) دواوين خطب، وأفانين (٣) تهز بجذع منبره بها من خطب، والخطيب قد لا يقدر على إنشاء رسالة واحدة، وكذلك أرباب المقامات (٤) التي لو حقق ما وضعت له لم يكن فيه كبير فائدة. ثم أذكر بعد نوع الإنسان سائر الحيوان، ثم النبات، ثم المعدن، ناقلا له من كتب الأطباء والعشابين مصورا لما قدرت على تصويره منه، محررا له بغاية الإمكان، بعد أخذ

стр. 1613

رأي أرباب هذا العلم فيه. ثم طاف بنظره في كتابنا هذا في الجانبين، وكمل دورة المشرقين والمغربين، رأي الشرف لمكانه والفضل لأهله، وهذا أوان الشروع، وبالله التوفيق. مشاهير قراء المشرق (¬*) والبداءة بالقراء: وبدأنا بالقراء لشرف القرآن العظيم، ولما تضمنه من الآيات والذكر الحكيم، وإذ لا ترى إلا حائما على معينه، وهائما به، وما رأى أعين عينه (١)، ومغري شغفا بسبب تنزيله (٢)، ومغرما (٣) كلفا (٤) بطلب تأويله، ومحتجا به لحقه، وآخر - وحاشاه - لأباطيله. هذا وما رابهم من ليلى الغداة سفورها ولا راعهم وراء الحجب ستورها بل أضحت لهم سافرة القناع، بارزة على يناع (٥)، وضوح معنى، ونزوح معنى، تستنبط منه هذه الأمة على اختلاف فرقها، وتستنسل منه الأدلة أجنحة طرقها، لا تجد إلا من يرد حياضه المتأنقة (٦) (ص ٧٣) ويجمع بين ضوالّه المتفرقة، ويصل

стр. 1614

أعضاءه الموزعة وأشلاءه الممزقة، حتى فرق الخلاف للفرار من الاختلاف، لا ترى إلا من يدلي منه بدليل، ويصحح قوله الممرض منه بتعليل. (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)، ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (١)، وهذا القول وحسبك. ﴿قُلِ اَللّهُمَّ فاطِرَ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ عالِمَ اَلْغَيْبِ وَاَلشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. (٢) واعلم أن بشرف القرآن العظيم شرف أهله، وتقدمهم تبع لفضله، وهم حملته البررة ونقلته وصدورهم له صحف مطهرة، وإذ هم حفظته هم به محفوظون. قال الله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٣) وقال رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (٤). وقال: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن) (٥) فجعلهم منه. وهذا إلى ما لا يحصى مما جاء فيهم، وورد في فضلهم، وها نحن نذكر مشاهير قرّاء المشرق، حتى نتبع الأموات بالأحياء، ثم نتبعه بمثله في مشاهير قراء المغرب، وبدأنا بأبيّ بن كعب لأن منه زخر عباب هذا البحر الخضم، وإلى كنف الأخذ عنه أكثر القراء انضم، لقد فخر به المشرق حتى جر جلبابه خيلاء، وتهلل

стр. 1615

حتى أشرق وجهه (١) لألاء، وكذا بقية القراء السبعة، الذين آل إليهم التقصي، وانتهى الطلب المستقصي، ولقد أشرت إليهم في قول لي وهو (٢): (ص ٧٤) ثم على نحو هذا يكون الشأن في ترتيب أمثالهم في هذا القسم حتى ننتهي بعون الله إلى آخره، وتقف على ساحله، لا تبالي لخوض زاخره، وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب. ١ - أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك ابن النجار أبو المنذر الأنصاري (٣) أقرأ الأمة، وأرقأ (٤) القراء رتبة، جلت ببدر الظلمة، شهد يومها المعلم، وكان ممن نفر يريد عير قريش مع النبي ﷺ ، حتى نصر اللّه نبيه، وأظهر معه من أبي أبيه، شرف بما عارضه به رسول اللّه ﷺ من القراءة (٥). وشرع له في القراءة البدآاه (٦). وله سابق الصحبة، وسامق الرتبة من الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، وضمنوا النصر، وبذلوا نفوسهم في الضمان يحبون من هاجر إليهم، ويحبون إخوانهم بمشاطرة ما في يديهم، فعل من أحبّ الله وأحبّه، (رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه). (٧) عرض القرآن على رسول اللّه ﷺ ، وأخذ القراءة عنه عبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وعبد

стр. 1616

الله بن عياش بن أبي ربيعة، وأبو عبد الرحمن السلمي (١). وحدث عنه سويد ابن غفلة، وعبد الرحمن بن أبزى وأبو المهلب وآخرون. شهد بدرا والمشاهد كلها، ومناقبة كثيرة، وكان ربعة من الرجال، شيخا أبيض الرأس واللحية (٢). روى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (أرحم هذه الأمة بها أبو بكر، وذكر الحديث، وفيه (وأقرأهم لكتاب الله أبي بن كعب) (٣). وروى أبو قلابة مرسلا أن رسول الله ﷺ (ص ٧٥) قال: (أقرؤهم أبي بن كعب) (٤) وقال ابن عباس قال عمر: (أقضانا علي، وأقرؤنا أبي) (٥). وعن أنس أن ﷺ قال لأبيّ: (إني أمرت أن أقرأ عليك، وفي لفظ (أن أقرئك القرآن. قال: الله سماني لك؟ قال: نعم. فبكي أبي) (٦). وقال أبو المهلب: كان أبيّ يختم القرآن في ثمان، وقال رسول الله ﷺ : (أيّ آية معك في كتاب الله أعظم؟ قال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال: ليهنك العلم أبا المنذر) (٧). وقال عمر يوم موت أبي: اليوم مات سيد المسلمين (٨). وكان رسول الله ﷺ يقول: (استقرءوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة) (٩)

стр. 1617

وتوفي أبيّ بالمدينة. قال ابن معين سنة عشرين أو تسع عشرة، وقال الواقدي وابن نمير والترمذي، وغيرهم سنة اثنتين وعشرين (١). ٢ - ومن أعلام القراء أبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفة (٢) واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، ولد في حياة النبي ﷺ ، ووجد له ما يحق له أن يتقدم، لقي جلّ الصدر الأول حتى كاد يعدّ منهم (٣)، وصدر ريان (٤) بما روى عنهم، قراءات (٥) تلقى عنهم حفظها، وتلقن منهم لفظها، عرضها مكررا، وعرفها تدبرا، بحسن إيراد كأنه جني النحل المشار (٦)، وذكاء فهم كأنه ذكاء الشمس (٧)، ولهذا كان مثل عثمان (٨) إذ سئل عن شيء إليه أشار. قرأ القرآن وجوّده وبرع في حفظه، وعرضه على عثمان وعلي وابن مسعود، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وحدث عن عمر وعثمان. وأخذ عنه القراءة عرضا

стр. 1618

عاصم بن أبي النجود، ويحيى بن وثاب وعطاء بن السائب، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلي، وأبو عون محمد بن أيوب الثقفي والشعبي وإسماعيل بن أبي (خالد) خلد، وعرض عليه الحسن والحسين، وقال أبو مرثد تعلم أبو عبد الرحمن (ص ٧٦) السلمي القرآن من عثمان، وعرضه على علي، قال أبو إسحاق السبيعي: كان أبو عبد الرحمن يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة. وقال سعد بن عبيد: أقرأ أبو عبد الرحمن في خلافة عثمان إلى أن توفي في إمرة الحجاج. وقال أبو عبد الرحمن أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يتعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يتجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ههنا، ووضع يده على حلقه (١). وجاء أبو عبد الرحمن إلى بيته فوجد فيه جلالا وجزرا، فقال: ما هذا؟ قالوا بعث بها عمرو بن حريث لأنك علمت ابنه القرآن. قال: ردوه إنا لا نأخذ على كتاب الله أجرا (٢). وروى أبو عبد الرحمن عن عثمان أن النبي (قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) (٣) قال أبو عبد الرحمن فذلك الذي أقعدني هذا المقعد. وقال إسماعيل ابن أبي خالد: كان أبو عبد الرحمن: يعلمنا القرآن خمس آيات، خمس آيات (٤). وقال أبو عبد الرحمن خرج علينا علي بن أبي طالب وأنا أقرئ، وكان أبو عبد الرحمن يسأل عثمان عن القرآن، وكان ولي الأمر، فشق عليه، فقال:

стр. 1619

إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك بزيد بن ثابت (١)، فأقبلت على زيد فقرأت القرآن عليه ثلاث عشرة سنة (٢)، وقال أبو عبد الرحمن: حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان وابن مسعود وأبي بن كعب أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل (٣). وقال عطاء بن السائب: دخلنا على أبي عبد الرحمن نعوده، فذهب بعضهم يرجّيه، فقال: أنا أرجو ربي قد صمت له ثمانين رمضانا. (٤) وحديثه مخرج في الكتب الستة. توفي سنة أربع وسبعين، (ص ٧٧) وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل في إمرة بشر (٥) على العراق، وقيل في أوائل ولاية الحجاج، والله أعلم. وأما قول بن قانع مات سنة خمس ومائة فغلط (٦). ومنهم ٣ - مجاهد بن جبر الإمام (٧) أبو الحجاج المكي (٨) المقرئ المفسر أحد الأعلام والمتقدمين من قرّاء الإسلام،

стр. 1620

وأهل الرواية في حديث النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وممن يؤخذ عنه أسرار التنزيل، وحقائق التفسير بالنقل لا بالتأويل. بحر أخذ عن حبر الأمة علما جما غير قليل، وراو عن ابن عباس هو في سلسلة الذهب، كعب من كعابها أو قنديل. قرأ على ابن عباس، وروى عن عائشة وأبي هريرة. وسعد وعبد الله بن عمرو وجماعة من الصحابة. وقرأ عليه ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وغيرهم. وحدث عن قتادة والحكم وعمرو بن دينار وخلق، وجاء عنه أنه قرأ القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة (١). والذي صح عنه أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس: ثلاث (٢) عرضات، أقفه عند كل آية، أسأله فيما نزلت وكيف كانت (٣). وروى عنه أبو مرثد أنه قال: ختمت القرآن على ابن عباس تسعا وعشرين مرة. قال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد (٤)، وقال سلمة بن كهيل: كان مجاهد ممن يريد بعلمه الله. وتوفي سنة ثلاث ومائة، وقد نيّف على الثمانين (٥).

стр. 1621

ومنهم ٤ - عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة (١) أبو عمران اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة، وأحد السبعة، لكن تقدمت وفاته، فحصلت به البداءة. قرأ القرآن وأمّ به، وحكم فقضى بموجبه، ونظر في أمر جامع دمشق حين أمر ببنائه، فشيد بناءه، وصرف إليه اعتناءه، ثم كان رئيسا به (٢)، لا يرى فيه بدعة إلا غيرها، ولا ثغرة إلا عمرها، وولد على عهد رسول الله ﷺ ، ففاز ببركة ذلك (ص ٧٨) المولد (٣)، ونشأ بين ظهراني الصحابة ﵃ في كرم المحتد، فأمسى وفضله تقصّ آثاره ولا يستقصى، وأصبح وبه شرف يحصب لا يحصى (٤). قال خالد بن يزيد المري: سمعت عبد الله بن عامر يقول: قبض رسول الله ﷺ ولي سنتان، وانتقلت إلى دمشق ولي تسع سنين، وقرأت على معاذ وأبي الدرداء، وقرأت على معاوية ووائل بن الأسقع وقرأ على رسول الله ﷺ (٥). وقيل إنه عرض على عثمان،

стр. 1622

وقيل لم يقرأ عليه بل سمع قراءته في الصلاة (١)، وذكر الأهوازي (٢) في الإيضاح في قراءة ابن عامر اثني عشر قولا، وروى يحيى بن الحارث عن ابن عامر أنه عرض على أبي الدرداء، وهو خبر غريب، وعليه اعتمد أبو عمرو الداني وغيره في قراءة ابن عامر على أبي الدرداء (٣). والذي عند هشام وابن ذكوان والكبار أن ابن عامر إنما قرأ على المغيرة المخزومي عن عثمان، وهذا هو الحق (٤).

стр. 1623

وذكر الأهوازي في الإيضاح ستة وأربعين نفسا أخذوا القرآن عن ابن عامر (١). ولي ابن عامر قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني وكان على نظر جامع دمشق. وقال يحيى بن الحارث: كان ابن عامر قاضي الجند، وكان رئيس المسجد لا يرى فيه بدعة إلا غيره (٢). وقال الهيثم بن عمران كان رأس المسجد بدمشق زمن عبد الملك، ومن بعده عبد الله بن عامر. وكان يغمز في نسبه (٣)، فجاء شهر رمضان فقالوا: من يؤمنا؟ فذكروا المهاجر بن أبي المهاجر، فقيل ذلك مولى ولسنا نريد أن يؤمنا مولى. فبلغت سليمان بن عبد الملك، فلما استخلف بعث إلى المهاجر فقال: إذا كان أول ليلة من رمضان فقف خلف الإمام فإذا تقدم ابن عامر فخذ بثيابه واجذبه وقل له تأخر فلن يتقدمنا دعيّ، وصلّ أنت يا مهاجر ففعل (٤). توفي ابن عامر سنة ثمان عشرة ومائة (٥). (ص ٧٩) ومنهم ٥ - عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله بن زاذان أبو معبد الكناني الداري المكي (٦)

стр. 1624

مولى عمرو بن علقمة الكناني (١)، إمام المكيين في القراءة، أصله فارسي إلا أنه عجميّ أتقن الكتاب العربي حفظا وأداء. وأجاد فيه قراءة وإقراء، وكان بمكة المعظمة إمام حرمها، وغمام كرمها، وتصدر لإقراء القرآن الكريم في أول بقعة نزل بها، وصدع بنوره جنح غيهبها (٢)، فامتد بها مشرعة (٣) حيث نبع، وتلألأ في جوانبها فجره حيث انصدع، وكان حول الكعبة البيت الحرام مدارس آياته، ومدار منطقته حلق (٤) جماعاته، لوجيء إلى زمانه جدّه زاذان لا زدان (٥)، وحل محل سيف يزن (٦) في غمد غمدان (٧). قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي ومجاهد ودرباس مولى ابن عباس (٨)، وتصدر للأقراء، وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن. قرأ عليه أبو عمرو بن

стр. 1625

العلاء، وخلق (١). قال سفيان رأيته يخضب بالصفرة، ويقصّ للجماعة، وكان فصيحا بليغا مفوها، أبيض اللحية، طويلا جسميا، أسمر أشهل العينين، عليه سكينة ووقار (٢)، وكان داريا بمكة وهو العطار. وهو من أبناء فارس، الذين بعثهم كسرى إلى صنعاء، فطردوا عنها الحبشة (٣). قال سفيان بن عيينة حضرت جنازة عبد الله بن كثير سنة عشرين ومائة. وقال ابن سعد سنة اثنتين وعشرين، وقيل عاش خمسا وسبعين سنة (٤). وبعض القراء يغلط ويورد هذه الأبيات لعبد الله بن كثير (٥): [المتقارب] بنيّ كثير كبير الذنوب … ففي الحلّ والبلّ (٦) من كان سبّه وإنما هي لمحمد بن كثير أحد شيوخ الحديث بعد المائتين، والله أعلم (٧). ومات شيخه عبد الله بن السائب بعيد السبعين، وقد قرأ على أبي بن كعب، وقرأ مجاهد على ابن عباس.

стр. 1626

(ص ٨٠) ومنهم ٦ - يزيد بن القعقاع أبو فرج القاري أحد العشرة (١) مدني مشهور (٢)، رفيع الذكر قرأ على مولاه المخزومي وفاقا، وعلى أناس آخرين ممن أنس منهم إشفاقا. وصلى بابن عمر إماما اتفاقا (٣)، أقرأ دهرا، وعمر ثاني المساجد (٤) عمرا، وحلى أطراف آنائه بسبح تسابيحه، ونور جباه محاريبه، بأزهى من مصابيحه، وقرأ القرآن كما تلقاه عن النبي ﷺ على ضريحه. وكان إذا جلس يقرئ القرآن الكريم أمال له رأسا، ولقي منه أمنة نعاسا، وكان يتحيل بأنواع الحيل لطرد طارق كراه (٥) الملم لينفضه عن هدبه (٦)، ويرحضه لينقي دنس تغطيته على قلبه. ويحرص ولا يجد سبيلا إلى تمزيق ما خاطه النعاس وعلى جفنيه، ويجهد في نزع مخيطه، ولا يقدر عليه. قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وفاقا، وقال غير واحد قرأ أيضا على أبي هريرة وابن عباس (٧) عن قراءتهم عن أبي ابن كعب،

стр. 1627

وصلى بابن عمر. وحدث عن أبي هريرة وابن عباس (١)، وتصدى لإقراء القرآن دهرا فورد أنه أقرأ القرآن في مسجد النبي ﷺ من قبل وقعة الحرة، وكانت الحرة (٢) سنة ثلاث وستين، وأنه كان يمسك المصحف على مولاه عبد اللّه بن عيّاش (٣)، وأنه أتي به إلى أم سلمة وهو صغير، فمسحت رأسه، ودعت له بالبركة (٤)، وكان يقوم الليل، فإذا أصبح جلس يقرئ الناس، فيقع عليه النوم، فيقول لهم خذوا الحصى فضعوه بين أصابعي، ثم ضموها، فكانوا يفعلون ذلك، وكان النوم يغلبه، فقال: أراني أنام على هذا، فإذا رأيتموني قد نمت فخذوا خصلة من لحيتي فمدوها، قال: فيمر عبد الله بن عياش مولاه فيرى ما يفعلون به، فيقول: أيها الشيخ ذهبت بك (ص ٨١) الغفلة، فيقول أبو جعفر: إن هذا الشيخ في خلقه شيء دوروا بنا وراء القبر موضعا لا يرانا (٥). وقال سليمان بن مسلم (٦) رأيت أبا جعفر القاري على الكعبة (٧)، فقلت: أبا جعفر. قال: نعم، أقرئ إخواني السلام وأخبرهم أن الله جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، وأقرئ أبا حازم السلام، وقل له: يقول لك أبو جعفر الكيس الكيس (٨)، فإن الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات. قال: وشهدت أبا

стр. 1628

جعفر حين احتضر جاءه أبو حازم ومسيخة فأكبوا عليه يصرخون به، فلم يجبهم، فقال ختنه شيبة: ألا أريكم منه عجبا؟ قالوا: بلى. فكشف عن صدره فإذا دوارة بيضاء مثل اللبن، فقال أبو حازم وأصحابه هذا والله نور القرآن (١). قال سليمان فقالت لي أم ولده بعد ما مات: صار ذلك البياض غرة بين عينيه. وقال نافع: لما غسل أبو جعفر نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، فما شك من حضر أنه نور القرآن (٢). وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة في قول محمد بن المثنى، وقيل سنة ثمان وعشرين، وقال خليفة: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة ثلاث وثلاثين عن نيف وتسعين سنة (٣). ومنهم ٧ - عاصم بن أبي النجود بهدلة الأسدي (٤) مولاهم الكوفي القارئ الحناط الإمام أبو بكر (٥)، أحد السبعة، وواحد الكل

стр. 1629

في السمعة، ما قرأ عليه من حرم، ولا آوى منه إلى عاصم من أمر الله إلا من رحم. من حاج به أسلت (١) مخاصما، ومن حادّ (٢) به كان له من الخطأ عاصما، ذو همز ومد في القرآن لا يجاري البحر مده (٣)، ولا يستطيع البرق من الهمز ما عنده، ولم يكن مثله في نسك، شمّر له إزراره، وزهد غض بصره عن النهار الواضح فلم يرض فيما فضّض الضحى لجينه (٤) (ص ٨٢) ولا فيما ذهب الأصيل نضاره (٥)، مع ميل إلى المساجد حيث مر بها عاج (٦) بركابه، وانصرف حتى يكون سرا يحني عليه أضالع محرابه، حميت منه أسد بليث عرينها، وغيث قرينها، وناسك حيها الذي تصيب سهام دعائه (٧)، ما أخطأته رواشق النبل أعين عينها (٨). قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش (٩)، وحدث عنهما وعن غيرهما، وقرأ عليه أبو بكر بن عياش، وأبو عمر البزار وخلق،

стр. 1630

واختلفوا اختلافا كبيرا في حروف كثيرة، وتصدى لإقراء كتاب الله تعالى، وانتهت إليه الإمامة في القراءة بالكوفة بعد شيخه أبي عبد الرحمن السلمي (١)، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن. وقال أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ من عاصم بن أبي النجود (٢)، وقال حسن بن صالح: ما رأيت أحدا قط كان أفصح من عاصم بن أبي النجود، إذا تكلم يكاد يدخله خيلاء (٣). وقال عاصم: ما قدمت على أبي وائل من سفر إلا قبل كفي (٤). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عاصم فقال: رجل صالح، خيّر، ثقة (٥)، فسألته أي القرّاء أحب إليك؟ قال: قراء أهل المدينة فإن لم يكن، فقراء عاصم (٦). وقال عاصم: مرضت سنتين، فلما قمت قرأت القرآن فما أخطأت حرفا (٧) وكان عاصم صاحب همز ومد وقراءة شديدة، وسنة ونسك. قال ابن عياش: كان إذا صلى ينتصب كأنه عود وكان عابدا خيرا، أبدا يصلي ربما أتى حاجة فإذا رأى مسجدا قال: مل بنا إليه فإن حاجتنا لا تفوت، ثم يدخل فيصلي (٨)، قال: ودخلت عليه فأغمي عليه ثم أفاق، فقرأ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللّهِ مَوْلاهُمُ اَلْحَقِّ، أَلا لَهُ اَلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اَلْحاسِبِينَ﴾ (٩) فهمز فعلمت أن القراءة سجية منه (١٠).

стр. 1631

وقال عاصم: من لم يحسن من العربية إلا وجها واحدا لم يحسن شيئا (١). وقال حفص بن سليمان: قال لي عاصم: ما كان من القراءة التي أقرأتك بها فهي القراءة التي قرأتها على أبي (ص ٨٣) عبد الرحمن السلمي، وما كان من القراءة التي أقرأت أبا بكر بن عياش فهي القراءة التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود (٢). وقال ابن عياش لم يكن عاصم يعد (ألم) آية ولا (حم) آية، ولا (كهيعص) آية، ولا (طه) ولا نحوها آية (٣). توفي في آخر سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل سنة ثمان وعشرين ومائة، فلعله في أولها. وكانت وفاته في الكوفة ﵀ (٤). ومنهم ٨ - حمزة بن حبيب الزيات (٥) حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل أبو عمارة الكوفي الزيات (٦)، أحد

стр. 1632

السبعة (١)، مولى آل عكرمة بن ربعي التيمي (٢). إمام أنس بالقرآن، وغرس في القلوب شجراته المثمرة الأفنان، وتحلى بالعفاف، وتخلى إلا عما يقوم به من الكفاف، قنع بما يقتات به من ربحه متّجرا، وبما تفيأ يجرّ له من فضل التقى مئزرا (٣). ذو معرفة بالفرائض لا يخطئ في الذهن فرضه (٤)، ومعارض لا يخطف الأبصار إلا ومضه، يغنيك فهما بشرق فجره، وعلما يغرق بحره، وهو حجة أهل الكوفة في القراءة، وفي علم كتاب الله وما وراءه، ناهيك به علما فردا، وواحدا تجاوز حدا. وفريدا جاء من معجز القرآن بما يتحدى (٥). ولد سنة ثمانين وأدرك الصحابة بالسّن، فلعله رأى بعضهم (٦)، وقرأ القرآن عرضا على الأعمش، وحمران بن أعين ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وغيرهم (٧)، وتصدر للإقراء مدّة، وقرأ عليه عدد كثير، منهم: أبو الحسن الكسائي (٨)، وحدّث عن خلق، وحدث عنه أمم، وكان إماما حجة

стр. 1633

قائما (١) بكتاب الله، حافظا للحديث، بصيرا بالفرائض والعربية (٢)، عابدا خاشعا، قانتا لله، ثخين الورع، عديم النظير، وكان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، ويجلب من حلوان أعواضه إلى الكوفة (٣)، قال أبو عبيد (ص ٨٤): حمزة هو الذي صار أهل الكوفة إلى قراءته، من غير أن تطبق عليه جماعتهم. وقال شعيب بن حرب: أمّ حمزة الناس سنة مائة (٤)، ودرس عليه سفيان الثوري القرآن أربع درسات (٥). وقال حمزة: ولدت سنة ثمانين وأحكمت القرآن ولي خمس عشرة سنة. وقال مندل (٦): إذا ذكر القرآن فحسبك بحمزة في القرآن والفرائض (٧). وقال عبد الله العجلي: كان حمزة سنة يكون بالكوفة وسنة بحلوان فختم عليه رجل من أهل حلوان من مشاهيرهم، فبعث إليه بألف درهم، فقال لابنه: كنت أظن لك عقلا أنا آخذ على القرآن أجرا؟ أنا أرجو على هذا الفردوس!! وقال خلف بن تميم: مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة ليكلم صاحب

стр. 1634

الدين. فقال: ويحك إنه يقرأ عليّ القرآن، وأنا أكره أن أشرب الماء من بيت من يقرأ علي. وقال حسين الجعفي: ربما عطش حمزة فلا يستسقي كراهية أن يصادف من قرأ عليه. وقال جرير بن عبد الحميد: مرّ بي حمزة فطلب ماء فأتيته به فلم يشرب لكوني أحضر القراءة عنده (١). وقال أبو حنيفة لحمزة: شيئان غلبتنا عليهما، لسنا ننازعك فيهما: القرآن والفرائض (٢). وروى مسلم في صحيحه عن علي بن مسهر قال: سمعت أنا وحمزة من أبان بن أبي عياش خمس مائة حديث أو ذكر أكثر، فأخبرني حمزة بن حبيب قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فعرضتها عليه فما عرف منها إلا اليسير خمسة أحاديث أو ستة، فتركت الحديث عنه. (٣) توفي سنة ست وخمسين ومائة (٤).

стр. 1635

ومنهم ٩ - أبو عمرو بن العلاء المازني المقرئ النحوي البصري (١) أحد السبعة، ومقرئ أهل البصرة، ومؤوي أهلها إلى جناح النصرة، ما فتحت على مثله البصرة بصرها، ولا منحت شبيهه ممن نصرها، عدّلت به مازن (٢) ميزانها، (ص ٨٥) وسوّت بالقبائل الرجّح أوزانها، كان شرفا مذ ترقى على أطمها (٣)، وشرفا مذ ساقه القدر في أممها، وشنفا (٤) إلا أنه مع زينته أسمع آذانها من صممها، وصلاحا لها لم تشك بعده مسّ (٥) سقمها، وصباحا ما تفرّى (٦) عن مثل وجهه المنير من ظلّ النخيل المتراكم سدف (٧) ظلمها، ناهيك

стр. 1636

رجلا ما بلّت الأبلّة (١) بمثله ريق نهرها (٢)، ولا حييت حدائق نهر معقل (٣) شبيهه بيانع زهرها، ولا سلّمت سلامان (٤) أنه دار على نظيره نطاق بحرها، ولا فساح البيد أنها ضمت برّا عديله إلى صدرها. وقد اختلفوا في اسمه على تسعة عشر قولا (٥)، أصحها زبّان بالزاي والباء الموحدة (٦). ولد سنة ثمان وستين، وقيل سنة سبعين (٧)، وعرض بمكة على مجاهد وابن جبير وعطاء وعكرمة وابن كثير (٨). وقيل: إنه قرأ على أبي العالية الرياحي. ولم يصح مع أنه أدرك من حياته نيفا وعشرين سنة (٩)، وقيل إنه عرض بالمدينة على أبي جعفر ويزيد بن رومان وشيبة، وعرض بالبصرة على يحيى بن

стр. 1637

يعمر ونصر بن عاصم والحسن وغيرهم (١). وقرأ عليه خلق منهم اليزيدي، وعبد الوارث الثوري، وشجاع البلخي وعبد الله بن المبارك. وأخذ عنه القراءة والحديث والأدب أبو عبيدة والأصمعي وخلق (٢). وانتهت إليه الإمامة بالبصرة. قال أبو عمرو: كنت رأسا والحسن حيّ (٣). وقال اليزيدي: كان أبو عمرو قد عرف القراءات، فقرأ من كل قراءة بأحسنها، وبما يختار العرب وبما بلغه من لغة النبي ﷺ وجاء تصديقه في كتاب الله (٤). وقال شجاع بن أبي نصر: رأيت النبي (في المنام، فعرضت عليه أشياء من قراءة أبي عمرو، فما ردّ عليّ إلا حرفين، أحدهما (وأرنا مناسكنا) والآخر قوله (ما ننسخ من آية، أو ننسوها) (٥) فإن أبا عمرو كانت قراءته (ص ٨٦) أو (ننساها). (٦)

стр. 1638

وقال سفيان بن عيينة: رأيت النبي (في المنام فقلت: يا رسول الله، قد اختلفت عليّ القراءات، فبقراءة من تأمرني أن أقرأ؟ فقال: بقراءة أبي عمرو بن العلاء (١)). وقال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقرآن والعربية. وأيام العرب والشعر وأيام الناس (٢). وقال الأصمعي (قال لي أبو عمرو بن العلاء) (٣): لو تهيأ لي أن أفرغ ما في صدري من العلم في صدرك لفعلت، لقد حفظت في علم القرآن أشياء لو كتبت ما قدر الأعمش على حملها، ولولا أن ليس لي أن أقرأ إلا بما قرئ لقرأت كذا وكذا وذكر حروفا (٤). قال أبو عبيدة: كانت دفاتر أبي عمرو (٥) ملء بيت إلى السقف، ثم تنسك فأحرقها، وكان من أشراف العرب ووجوههم (٦). وقال الأصمعي: قال أبو عمرو: إنما نحن فيمن مضى كبقل في أصول نخل طوال، وقال: سمعت أبا عمرو يقول: ما رأيت أحدا قبلي أعلم مني. قال الأصمعي: وأنا ما رأيت بعد أبي عمرو أعلم منه، وكان إذا دخل رمضان لم يتمّ

стр. 1639

فيه بيت شعر، وسمعته يقول: أشهد أن الله يضلّ ويهدي، ولله مع هذا الحجة على عباده (١). وقال أبو عمرو: نظرت في هذا العلم قبل أن أختن ولي أربع وثمانون سنة (٢)، وكان أبو عمرو متواريا، فدخل عليه الفرزدق فأنشده: [البسيط] ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها … حتى أتيت أبا عمرو بن عمار حتى أتيت فتى ضخما دسيعته … مر المريرة حر وابن أحرار تنميهم مازن في فرع نبعتها … جدّ كريم وعود غير خوّار وقال أبو عمرو: وأنا زدت هذا البيت في أول قصيدة الأعشى وأستغفر الله منه (٣). [البسيط] وأنكرتني وما كان الذي نكرت … من الحوادث إلا الشيب والصلعا وكان لأبي عمرو كل يوم بفلس كوز وبفلس ريحان، فيشرب في الكوز يوما، ثم يهبه، ويأمر (ص ٨٧) فتدق الريحان مع الأشنان (٤). قال الأصمعي وغيره: توفي سنة أربع وخمسين ومائة (٥).

стр. 1640

ومنهم ١٠ - نافع بن عبد الرحمن الليثي أبو رويم المقرئ (١) نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي مولاهم أبو رويم (٢) المقرئ المدني، أحد السبعة الأعلام، وأوحد من له أثر في الإسلام بقراءة حرر مناهجها، وحقق بأداء الحروف مخارجها، وكان أخضر الجلدة من بيت العرب (٣)، مسكي الطينة إذا فاح طيبه، لا عجب كان ذا سواد (٤) آذن بسؤدده، وأتباع تدل كثرتها على تفرده، وروي أنه كان يتضوع شذا المسك من كلمه (٥)، ويفوح طيبا وما مسه سوى أن رأى النبي ﷺ يقرأ في فمه (٦)، وحسبه به طيبا لا يحادثه الدهر بغيره، وروية رآها بعين بصيرته لما فاته أن يراها بعين بصره (٧). قرأ على طائفة من تابعي

стр. 1641

أهل المدينة (١). قال أبو قرة: سمعته يقول: قرأت على سبعين من التابعين (٢). وأقرأ الناس دهرا طويلا، وقرأ عليه خلق كثير، منهم من قرأ عليه، ومنهم من أخذ عنه الحروف. قال مالك بن أنس: قراءة نافع سنّة، وهو إمام الناس في القراءة (٣). روى أبو خليد الدمشقي عن الليث بن سعد أنه قدم المدينة سنة عشر فوجد نافعا إمام الناس في القرآن لا ينازع. والمحفوظ عن الليث أنه قال: قدمت المدينة سنة ثلاث عشرة (٤). وقال أحمد بن هلال المصري: قال لي الشيباني: قال لي رجل ممن قرأ على نافع: إن نافعا كان إذا تكلم شمّ من فيه رائحة المسك. فقلت له: يا أبا عبد الله أو يا أبا رؤيم: أتتطّيّب كل ما قعدت تقرئ؟ قال: ما أمس طيبا، ولكني رأيت النبي ﷺ وهو يقرأ في فيّ. فمن ذلك الوقت أشم من فيّ هذه الرائحة (٥). وقال نافع: قرأت على هؤلاء فنظرت إلى ما (ص ٨٨) اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته حتى ألفت هذه القراءة. وقال قالون: كان نافع لا يهمز همزا شديدا (٦)، ويمد ويحقق القراءة (٧)، ولا يشدد، ويقرب

стр. 1642

بين الممدود وغير الممدود. وقال نافع إنّ هذا القرآن لعظيم جاء من عند عظيم، فإذا قرأت فلا تشتغلنّ بغيره، وانظر من تخاطب، وإياك أن تملّ منه أو تؤثر عليه غيره، فإني لم أزل أتردد إلى الأعرج حتى قلت: حسبي (١). وقال نافع: أرسل إليّ بعض الخلفاء مصحف عثمان لأصلحه، فقلت له: إن الناس يقولون إن مصحفه كان في حجره حين قتل فوقع الدم على قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللّهُ وَهُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ (٢) قال نافع: فنظرت عيني الدم على ذلك. ولما حضرت نافعا الوفاة قال له أبناؤه أوصنا قال: ﴿فَاتَّقُوا اَللّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٣) الآية. وتوفي سنة تسع وستين ومائة (٤) وهو معدود في صغار التابعين (٥)، وأصله من أصبهان، وكان أسود اللون حالكا صاحب دعابة وطيب أخلاق. ومنهم ١١ - إسماعيل بن عبد الله المخزومي قارئ أهل مكة (٦) إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين أبو إسحاق المخزومي، مولاهم المكي المقرئ المعروف بالقسط (٧)، قارئ أهل مكة في زمانه، وآخر أصحاب ابن كثير

стр. 1643

وفاة (١)، وأول أمثاله فضلا إذا قدّم به كفاه، تصدر في البلد الحرام، وتصدى حيث يأمن الحمام، وكان في مكة واحدا ضمه حرمها، وأرضعه زمزمها، وآواه البيت العتيق إلى حجره، وأضاء ليل الحجر الأسود بتبلج فجره، وعرفه ركن الحطيم، وألفه لتقلب وجهه في السجود مقام إبراهيم، وأفرج شعب بني مخزوم له عن سكنه، وتنحى له سهم بني سهم عن سننه، وتبدل منه بالعاصي الطائع. وعوّض عن ذي النسب الصريح بخير منه مولى (ص ٨٩) يقرئ الأميّ ويقري الجائع. عرض على ابن كثير وعلى صاحبيه: شبل بن عباد ومعروف بن مشكان (٢)، وأقرأ الناس دهرا، وكان الناس يجيئون بمصاحفهم فيصلحون بقراءته، وكان يجلس على موضع مرتفع. قال أبو عبد الله الشافعي: قرأت على إسماعيل، وكان يقول: القران اسم وليس بمهموز (٣)، ولو كان من قرأت كان كل ما (٤) قرئ قرآنا، ولكنه اسم للقران مثل التوراه (٥) والإنجيل، تهمز قرأت ولا تهمز القران، نقل أبو عبد الله القصاع أن وفاة القسط سنة تسعين ومائة، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: فلعله سنة سبعين تصحفت عليه (٦).

стр. 1644

ومنهم ١٢ - حفص بن سليمان أبو عمر الأسدي (١) مولاهم الغاضري الكوفي البزاز صاحب عاصم وابن زوجته، كانت قراءته (٢) تتصل بعلي ﵁ نسبها، وتنشأ به عن عاصم نسجها، ضابطا للحروف التي قرأ عليه بها، كثير الفوائد لمن رغب إليه في طلبها، أقرأ الناس دهرا، رقّم صحفه، ونوّر أيامه وسدفه،. وجلّى به الليل وأماط سجفه (٣)، أقرأه عاصم بما أقرأه أبو عبد الرحمن السلمي فعقله (٤)، وأفاده خالص ذهبه الإبريز فحصّله، قال أبو هشام الرفاعي: كان حفص أعلمهم بقراءة (٥) عاصم (٦). وقال أبو الحسين بن المنادي: قرأ على عاصم وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عياش، ويصفونه بضبط الحروف التي قرأها على عاصم (٧). أقرأ الناس دهرا ممتدا، وكانت القراءة التي أخذها ترتفع إلى علي - (٨) ﵁ (٩).

стр. 1645

وقال يحيى بن معين: القراءة قراءة حفص بن سليمان (١). وقال ابن مجاهد بينه وبين أبي بكر بن عياش من الخلف في الحروف في خمس مائة وعشرين حرفا في المشهور عنهما (٢). وقال حسين الجعفي سمعت حفص بن سليمان (ص ٩٠) يقول: قلت لعاصم أبو بكر يخالفني. فقال: أقرأتك بما أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي، وأقرأته بما أقرأني زر بن حبيش (٣). توفي سنة ثمانين ومائة ومولده سنة تسعين (٤). منهم ١٣ - سليم بن عيسى بن سليم بن عامر (٥) ابن غالب أبو عيسى، ويقال أبو محمد الحنفي مولاهم الكوفي المقري، الموفي على النجم إذا يسري، المولي مننا (٦) تناط بالمسامع، وتنال بها الكلم الجوامع، غلب به غالب، وحضر به مجالس الذكر وهو غائب، وأصبحت سليم

стр. 1646

الحمراء تاسف إذ لم يكن إليه منتهى قبيلتها (١)، ومنتأى فخذها وفصيلتها (٢)، بل لو فطنت مرها كل عين لما اكتحلت إلا بجوهري جوهره، ولو تنبه كل كحال لعز إلى التشيف (٣) بأصغر سليم إليه نسبه (٤). كان صاحب حمزة بن حبيب الزيات، وكان أمتن من أخذ عنه، وأحذقهم بالقراءة، وأقومهم بالحروف، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة (٥). قرأ عليه خلف بن هشام البزار، وخلاد بن خالد الصيرفي، وأبو عمر الدوري (٦)، وعدد كثير حتى إن رفقاءه في القراءة على حمزة قرؤوا عليه لإتقانه، منهم: خالد الطبيب (٧) وحمزة بن القسم (٨)، وجعفر الخشكني، وإبراهيم الأزرق، وعبد الله ابن صالح. وسمع الحديث من حمزة، وسفيان الثوري، وسمع منه جماعة (٩).

стр. 1647

قال يحيى اليزيدي: كنا نقرأ على حمزة ونحن شباب، فإذا جاء سليم قال لنا حمزة: تحفظوا وتثبتوا قد جاء سليم (١). وقال الدوري: حدثنا الكسائي قال: كنت أقرأ على حمزة فجاء سليم فتلكأت، فقال لي حمزة: تهاب سليما ولا تهابني!!؟ فقلت: يا أستاذ أنت إن أخطأت قوّمتني، وهذا إن أخطأت عيّرني (٢). وقال خلف (٣): افتتحت بسورة يوسف فقرأتها على سليم. فقال لي: كيف ابتدأت بها؟ قلت لصعوبتها. ثم ابتدأت بالفاتحة فلم أزل إلى سورة النور، فلم أغلط، ولم ألحن حتى قلت: (ليس على الأعمى حرج ولا على المريض خرج) فأومأ إليّ سليم فلم أدر ورددت كذلك (ص ٩١) فأخرج رجله ونصبها، وكان أعرج، ثم قال: وأين أنا؟ فقرأتها. فقال: لو ختمت ولم تخطئ لقلت إنك منافق. وقال ضرار بن صرد: سمعت سليم بن عيسى وأتاه رجل فقال: يا أبا (٤) عيسى جئتك لأقرأ عليك بالتحقيق (٥). فقال: يا ابن أخي شهدت حمزة وأتاه رجل في مثل هذا فبكى، وقال: يا ابن أخي التحقيق صون القرآن، فإن صنته فقد حققته، هذا هو التحقيق، فمضى الرجل ولم يقرأ. وقال سليم: قرأت على حمزة عشر مرات (٦). قال خلف وهارون بن حاتم: توفي سنة ثمان وثمانين ومائة (٧). وقال أبو هاشم الرفاعي: توفي سنة تسع وثمانين

стр. 1648

ومائة - (١). ومولده سنة ثلاثين ومائة. وقال خلف: بل سنة تسع عشرة (٢). ومنهم ١٤ - علي بن حمزة الكسائي (٣) الإمام أبو الحسن الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ النحوي، أحد الأعلام (٤)، لف الفضل كله كساؤه، وردّ على العلم جميعه رداؤه، ونشر كساء كسائية أضواء من ملاءة النهار، وأظهر من غرر فوائده أمتع من كواكب الأسحار (٥)، وأسعد الله بصلته ببيت الخلافة جدّه، ولازم تأديب الأمين بن الرشيد حتى أوتي رشده (٦)،

стр. 1649

وأغدقت عليه أم جعفر (١) المواهب، وأغصت بالعطايا إليه حلوق المذاهب، وأصبح بانضمامه إلى جناح ابنها يحلّق (٢) حيث تقصّ القوادم (٣)، وتقصّر لوامع البروق (٤) في الليالي العواتم، وعزّت إفاداته، حتى عدّت للقعود للطلبة أوقاته (٥). وكان لا يجلس إلا مجلسا عاما، وينصب له كرسيّ يصعده، وذو التحصيل يصغي إلى ما يقرأ به ويقيده، إذ كان زمانه لا يسع إشغال كل واحد بمفرده، ولا قوله بلسانه وتقييده بيده (٦). ولد في حدود سنة عشرين ومائة (٧)، وسمع من جماعة (ص ٩٢) وقرأ القرآن وجوّده على حمزة الزيات (٨)، وعيسى ابن عمر الهمداني وزايده، ونقل أبو عمرو الداني وغيره أن الكسائي قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا، واختار لنفسه قراءة (٩)، ورحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد (١٠) وأخذ الحروف أيضا عن أبي بكر ابن عياش وغيره (١١)، وخرج إلى البوادي فغاب مدّة طويلة، وكتب الكثير من اللغات والغريب عن الأعراب بنجد وتهامه، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة

стр. 1650

حبر (١)، وقرأ عليه أبو عمر الدوري وأبو الحرث الليث وخلق سواهم (٢)، وانتهت إليه الإمامة في القرآن والعربية. قال ابن معين: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي (٣)، وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: كان الكسائي يتخيّر القراءات، فأخذ من قراءة حمزة بعضا، وترك بعضا (٤)، وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم يجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه (٥). وقال خلف: قرأ الكسائي على حمزة القرآن أربع مرات (٦)، وقال أبو بكر بن الأنباري اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه، حتى لا يضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادي (٧)، وكان في الكسائي تيه وحشمة، لما نال من الرياسة بإقراء محمد الأمين ولد الرشيد وتأديبه أيضا للرشيد، فنال ما لم ينله أحد من الجاه والمال والإكرام، وحصل له رياسة العلم والدنيا (٨). وقال خلف: عملت وليمة فدعوت الكسائي واليزيدي (٩)، فقال
следующие страницы →