← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الحمراء تاسف إذ لم يكن إليه منتهى قبيلتها (١)، ومنتأى فخذها وفصيلتها (٢)، بل لو فطنت مرها كل عين لما اكتحلت إلا بجوهري جوهره، ولو تنبه كل كحال لعز إلى التشيف (٣) بأصغر سليم إليه نسبه (٤). كان صاحب حمزة بن حبيب الزيات، وكان أمتن من أخذ عنه، وأحذقهم بالقراءة، وأقومهم بالحروف، وهو الذي خلف حمزة في الإقراء بالكوفة (٥). قرأ عليه خلف بن هشام البزار، وخلاد بن خالد الصيرفي، وأبو عمر الدوري (٦)، وعدد كثير حتى إن رفقاءه في القراءة على حمزة قرؤوا عليه لإتقانه، منهم: خالد الطبيب (٧) وحمزة بن القسم (٨)، وجعفر الخشكني، وإبراهيم الأزرق، وعبد الله ابن صالح. وسمع الحديث من حمزة، وسفيان الثوري، وسمع منه جماعة (٩).

стр. 1647

قال يحيى اليزيدي: كنا نقرأ على حمزة ونحن شباب، فإذا جاء سليم قال لنا حمزة: تحفظوا وتثبتوا قد جاء سليم (١). وقال الدوري: حدثنا الكسائي قال: كنت أقرأ على حمزة فجاء سليم فتلكأت، فقال لي حمزة: تهاب سليما ولا تهابني!!؟ فقلت: يا أستاذ أنت إن أخطأت قوّمتني، وهذا إن أخطأت عيّرني (٢). وقال خلف (٣): افتتحت بسورة يوسف فقرأتها على سليم. فقال لي: كيف ابتدأت بها؟ قلت لصعوبتها. ثم ابتدأت بالفاتحة فلم أزل إلى سورة النور، فلم أغلط، ولم ألحن حتى قلت: (ليس على الأعمى حرج ولا على المريض خرج) فأومأ إليّ سليم فلم أدر ورددت كذلك (ص ٩١) فأخرج رجله ونصبها، وكان أعرج، ثم قال: وأين أنا؟ فقرأتها. فقال: لو ختمت ولم تخطئ لقلت إنك منافق. وقال ضرار بن صرد: سمعت سليم بن عيسى وأتاه رجل فقال: يا أبا (٤) عيسى جئتك لأقرأ عليك بالتحقيق (٥). فقال: يا ابن أخي شهدت حمزة وأتاه رجل في مثل هذا فبكى، وقال: يا ابن أخي التحقيق صون القرآن، فإن صنته فقد حققته، هذا هو التحقيق، فمضى الرجل ولم يقرأ. وقال سليم: قرأت على حمزة عشر مرات (٦). قال خلف وهارون بن حاتم: توفي سنة ثمان وثمانين ومائة (٧). وقال أبو هاشم الرفاعي: توفي سنة تسع وثمانين

стр. 1648

ومائة - (١). ومولده سنة ثلاثين ومائة. وقال خلف: بل سنة تسع عشرة (٢). ومنهم ١٤ - علي بن حمزة الكسائي (٣) الإمام أبو الحسن الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ النحوي، أحد الأعلام (٤)، لف الفضل كله كساؤه، وردّ على العلم جميعه رداؤه، ونشر كساء كسائية أضواء من ملاءة النهار، وأظهر من غرر فوائده أمتع من كواكب الأسحار (٥)، وأسعد الله بصلته ببيت الخلافة جدّه، ولازم تأديب الأمين بن الرشيد حتى أوتي رشده (٦)،

стр. 1649

وأغدقت عليه أم جعفر (١) المواهب، وأغصت بالعطايا إليه حلوق المذاهب، وأصبح بانضمامه إلى جناح ابنها يحلّق (٢) حيث تقصّ القوادم (٣)، وتقصّر لوامع البروق (٤) في الليالي العواتم، وعزّت إفاداته، حتى عدّت للقعود للطلبة أوقاته (٥). وكان لا يجلس إلا مجلسا عاما، وينصب له كرسيّ يصعده، وذو التحصيل يصغي إلى ما يقرأ به ويقيده، إذ كان زمانه لا يسع إشغال كل واحد بمفرده، ولا قوله بلسانه وتقييده بيده (٦). ولد في حدود سنة عشرين ومائة (٧)، وسمع من جماعة (ص ٩٢) وقرأ القرآن وجوّده على حمزة الزيات (٨)، وعيسى ابن عمر الهمداني وزايده، ونقل أبو عمرو الداني وغيره أن الكسائي قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أيضا، واختار لنفسه قراءة (٩)، ورحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد (١٠) وأخذ الحروف أيضا عن أبي بكر ابن عياش وغيره (١١)، وخرج إلى البوادي فغاب مدّة طويلة، وكتب الكثير من اللغات والغريب عن الأعراب بنجد وتهامه، ثم قدم وقد أنفد خمس عشرة قنينة

стр. 1650

حبر (١)، وقرأ عليه أبو عمر الدوري وأبو الحرث الليث وخلق سواهم (٢)، وانتهت إليه الإمامة في القرآن والعربية. قال ابن معين: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي (٣)، وقال أبو عبيد في كتاب القراءات: كان الكسائي يتخيّر القراءات، فأخذ من قراءة حمزة بعضا، وترك بعضا (٤)، وكان من أهل القراءة، وهي كانت علمه وصناعته، ولم يجالس أحدا كان أضبط ولا أقوم بها منه (٥). وقال خلف: قرأ الكسائي على حمزة القرآن أربع مرات (٦)، وقال أبو بكر بن الأنباري اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وواحدهم في الغريب، وكان أوحد الناس في القرآن، فكانوا يكثرون عليه، حتى لا يضبط الأخذ عليهم، فيجمعهم ويجلس على كرسي، ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادي (٧)، وكان في الكسائي تيه وحشمة، لما نال من الرياسة بإقراء محمد الأمين ولد الرشيد وتأديبه أيضا للرشيد، فنال ما لم ينله أحد من الجاه والمال والإكرام، وحصل له رياسة العلم والدنيا (٨). وقال خلف: عملت وليمة فدعوت الكسائي واليزيدي (٩)، فقال

стр. 1651

اليزيدي للكسائي: يا أبا الحسن أمور تبلغنا عنك ننكر بعضها فقال الكسائي: أو مثلي يخاطب بهذا، وهل مع العالم (ص ٩٣) من العربية إلا فضل بصاقي هذا، ثم بصق فسكت اليزيدي (١). وكان الكسائي يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه الأدب، ولم تكن له زوجة ولا جارية، فكتب إلى الرشيد يشكو العزبة في هذه الأبيات: [الكامل المرفل] قل للخليفة ما تقول لمن … أمسى إليك بحرمة يدلي ما زلت مذ صار الأمين معي … عبدي يدي ومطيتي رجلي وعلى فراشي من ينبهني … من نومة (٢) وقيامه قبلي أسعى برجل منه ثالثة … موفورة مني بلا رجل وإذا ركبت أكون مرتدفا … قدّام سرجي راكب (٣) مثلي فامنن عليّ بما يسكّن … هـ عني وأهد الغمد للنصل فأمر له الرشيد بعشرة آلاف درهم وجارية حسناء بجميع آلاتها، وخادم وبرذون بجميع آلاته (٤). واجتمع يوما محمد بن الحسن الشيباني (٥) والكسائي في مجلس الرشيد (٦). فقال الكسائي: من تبحر في علم تهدّى إلى جميع العلوم. فقال له محمد: ما تقول فيمن سها في سجود السهو هل يسجد مرة أخرى؟ فقال الكسائي: لا. قال: لماذا؟ قال: لأن النحاة يقولون: المصغر لا

стр. 1652

يصغر (١). فقال محمد: ما تقول في تعليق الطلاق بالملك؟ قال: لا يصح. قال: لم؟ قال: لأن السيل لا يسبق المطر. كذا وردت هذه الحكاية في عدة مواضع. وذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه أن هذه القصة جرت بين محمد بن الحسن والفرّاء (٢). وقال الكسائي: صليت بهارون الرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط أردت أن أقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٣) فقلت: لعلهم يرجعين. فو الله ما اجترأ هارون أن يقول أخطأت، ولكنه لما سلّم قال: أيّ لغة هذه؟ قلت: (ص ٩٤) يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد. قال: أما هذا فنعم (٤). وقال ابن الدورقي: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد فحضرت صلاة فقدموا الكسائي يصلي فأرتج (٥) عليه قراءة يا أيها الكافرون. فقال اليزيدي: قراءة (قل يا أيها الكافرون) ترتج على قارئ الكوفة!!؟ قال: فحضرت صلاة فقدموا اليزيدي فأرتج عليه في الحمد فلما سلم قال: [الكامل] احفظ لسانك لا تقول فتبتلى … إن البلاء موكّل بالمنطق (٦) وعن الفرّاء قال: ناظرت الكسائيّ يوما وزدت فكأني كنت طائرا أشرب من

стр. 1653

بحر (١). قال: وإنما تعلم النحو على كبر لأنه جاء إلى قوم وقد أعيى (٢) فقال: قد عييت. فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن!؟ قال: كيف لحنت؟ قالوا له: إن كنت أردت من التعب فقل: أعييت، وإن أردت انقطاع الحيلة والحيرة في الأمر فقل: عييت. فأنف من ذلك. وقام من فوره فسأل عمن يعلم النحو فدل على معاذ الهرّاء (٣) فلزمه، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل، ثم خرج إلى بادية الحجاز (٤). قال الشافعي: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي (٥). وقال الفرّاء: لقيت الكسائي يوما، فرأيته كالباكي فقلت: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد يحضرني فيسألني عن الشيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عتب، وإن بادرت لم آمن الزلل. فقلت: يا أبا الحسن من يعترض عليك؟ قل ما شئت فأنت الكسائي. فأخذ لسانه بيده وقال: قطعه الله إذا إن قلت ما لا أعلم (٦). وروى نصير بن يوسف قال: دخلت على الكسائي في مرض موته فأنشأ يقول: [الكامل] قدر أحلك ذا النخيل وقد أرى … وأبي، ومالك ذو النخيل بدار

стр. 1654

إلا كداركم بذي بقر اللوى … هيهات ذو بقر من المزدار (١) (ص ٩٥) فقلت: كلا ويمتع الله الجميع بك. فقال: لئن قلت ذلك: لقد كنت أقرئ الناس في مسجد دمشق فأغفيت في المحراب، فرأيت النبي ﷺ داخلا من باب المسجد، فقام إليه رجل فقال: بحرف من تقرأ؟ فأومأ إليّ (٢). وقال أبو سعيد السيرافي رثى يحيى اليزيدي محمد بن الحسن والكسائي، وكانا خرجا مع الرشيد فماتا في الطريق، فقال: [الطويل] تصرمت الدنيا فليس خلود … وما قد ترى من بهجة فيبيد (٣) لكل امرئ كأس من الموت مترع … وما إن لبا إلا عليه ورود ألم تر شيبا شاملا ينذر البلى … وأنّ الشباب الغض ليس يعود سيأتيك ما أفنى القرون التي … مضت فكن مستعدا فالفناء عتيد (٤)

стр. 1655

أسيت على قاضي القضاة محمد … فأذريت دمعي والفؤاد عميد (١) وقلت إذا ما الخطب أشكل من لنا … بإيضاحه يوما وأنت فقيد وأقلقني موت الكسائي بعده … وكادت لي الأرض الفضاء تميد (٢) وأذهلني عن كل عيش ولذة … وآرق عيني والعيون هجود هما عالمانا أوديا وتخرّما … وما لهما في العالمين نديد فحزني أن يخطر على القلب خطرة … بذكرهما حتى الممات جديد (٣) قال أبو عمر الدوري توفي الكسائي بالري بقرية أرنبويه، وقال مجاهد برنبويه سنة تسع وثمانين ومائة على الصحيح، وقيل إنه عاش سبعين سنة، ومات هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد. فقال الرشيد: دفنا الفقه والنحو بالري (٤). وسمي الكسائي لأنه أحرم في كساء (٥). (ص ٩٦) ومنهم

стр. 1656

١٥ - أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي (١) أحد الأعلام (٢)، كان ذا علم نافع لا يمنعه، وعمل صالح لا يقطعه، وزهد أقل شيء يقنعه (٣). أخذ عن عاصم فعصم، وعمّر دهرا لم يعم ولم يصم (٤)، متع بالعمر المديد، وأدرك سلطان بني أمية وعمّر إلى أيام الرشيد (٥)، وكان حجة لا يسع خصمها الجحود، ولا تحتاج مع الإقرار إلى أداء الشهود، في اسمه ثلاثة عشر قولا أصحها كنيته وشعبه (٦). ولد سنة خمس وتسعين، وقرأ القرآن ثلاث مرات على عاصم وعمّر دهرا (٧)، وكان يقول أنا نصف الإسلام، وكان سيدا إماما حجة كثير العلم والعمل (٨)، منقطع القرين، قرأ عليه أبو الحسن الكسائي وجماعة، وروى عنه خلق (٩)، قال

стр. 1657

عثمان بن أبي شيبة أحضر الرشيد أبا بكر بن عياش من الكوفة، فجاء ومعه وكيع، فدخل ووكيع يقوده، فأدناه الرشيد وقال: أدركت أيام بني أمية وأيامنا فأينا خير؟ قال: أولئك كانوا أنفع للناس وأنتم أقوم بالصلاة، فصرفه الرشيد، وأجازه بستة آلاف دينار (١)، وأجاز وكيعا بثلاثة آلاف دينار (٢). قال أبو عبد الله الحنفي لم يفرش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة (٣). وروي أنه مكث أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة (٤). وقال يحيى بن سعيد زاملت أبا بكر بن عياش إلى مكة فما رأيت أورع منه، ولقد أهدى له رجل رطبا فبلغه أنه من البستان الذي أخذ من خالد بن مسلمة المخزومي (٥)، فأتى آل خالد فاستحلهم وتصدق بثمنه (٦). وقال أبو عبد الله المعيطي رأيت أبا بكر بن عياش بمكة، فأتى سفيان بن عيينة فبرك بين يديه، فجاء رجل فسأل سفيان عن حديث فقال: لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعدا (٧). وقال أبو هشام الرفاعي: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أبو بكر خليفة رسول الله في القرآن إن الله تعالى (ص ٩٧) يقول: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) إلى قوله ﴿أُولائِكَ هُمُ اَلصّادِقُونَ﴾ (٨) فما سماه الله صادقا فليس يكذب، هم قالوا: يا

стр. 1658

خليفة رسول الله (١). وقال يحيى الحماني: حدثني أبو بكر بن عياش قال: جئت ليلة إلى زمزم فاستقيت منه دلوا لبنا وعسلا (٢). وقال أبو هاشم الرفاعي: سمعت أبا بكر يقول: الخلق أربعة: معذور، ومخبور، ومجبور، ومثبور. فالمعذور الهائم (٣)، والمخبور ابن آدم، والمجبور الملائكة، والمثبور الجن (٤). وقال أبو بكر أدنى نفع السكوت السلامة، وكفى بها عافية. وأدنى ضرر المنطق الشهرة وكفى بها بلية (٥). وقال: من زعم أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو لله لا نجالسه ولا نكلمه (٦). وقال أبو بكر: الدخول في العلم سهل والخروج منه إلى الله شديد (٧). وقال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدا أسرع إلى السنة من أبي بكر (٨). وقال الحماني لما حضرت أبا بكر الوفاة بكت أخته، فقال لها ما يبكيك (٩)؟ انظري إلى تلك الزاوية، قد ختمت فيها ثمانية عشر ألف (١٠) ختمة. وتوفي في

стр. 1659

جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة (١). قال أحمد بن حنبل: كان صاحب قرآن وخبر (٢). ومنهم ١٦ - يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي (٣) أبو محمد المقرئ النحوي اللغوي، عرف باليزيدي لاتصاله بيزيد بن منصور خال المهدي مؤدّب ولده (٤)، ويهدّب (٥) سؤدده، وكان فصيح اللسان، صريح الإحسان، صحيح القصد في تصانيفه الحسان. علم هداية لا يضلّ من به اهتدى، ولا يضر من به اقتدى، قرأ عليه أعيان القراء (٦)، وكان له اختيار خالف

стр. 1660

فيه أبا عمرو (١)، ولم يعدل عن الطريقة الغراء (٢). جوّد القرآن على (ص ٩٨) أبي عمرو، وحدّث عنه وعن ابن جريج (٣)، وقرأ عليه الدوري والسوسي، وطائفة (٤)، وله اختيار كان يقرئ به أيضا، خالف فيه أبا عمرو في أماكن يسيره، وهو الذي خلف أبا عمرو في القيام بالقرآن بعده (٥). قال ابن مجاهد إنما عولنا على اليزيدي وإن كان سائر أصحاب أبي عمرو أجل منه، لأنه انتصب للرواية عنه، وتجرد لها ولم يشتغل بغيرها، وهو أضبطهم (٦). قال الفضل: كان اليزيدي معلما على باب أبي عمرو، وكان يخدمه في حوائجه، وربما أمسك المصحف على أبي عمرو فقرأ عليه، وكان أبو عمرو يدنيه، ويميل إليه لذكائه، وكان صحيح الرواية (٧). واتصل اليزيدي أيضا بالرشيد وأدّب المأمون، وكان ثقة علامة فصيحا مفوّها بارعا في اللغات والآداب (٨)، أخذ عن الخليل وغيره، حتى قيل إنه أملى عن أبي عمرو خاصة عشرة آلاف ورقة (٩)،

стр. 1661

وأخذ عن الخليل من اللغة شيئا كثيرا، وكتب عنه العروض في ابتداء وضعه له، إلا أنّ اعتماده كان على أبي عمرو أكثر لسعة علمه باللغة (١)، وصنف عدة تصانيف (٢) وله النظم الجيد، وشعره مدون (٣). قال: الأثرم: دخل اليزيدي يوما على الخليل بن أحمد وهو جالس على وسادة فأوسع له وأجلسه معه، فقال له اليزيدي: أحسبني ضيقت عليك. فقال الخليل: ما ضاق موضع على اثنين متحابين، والدنيا لا تسع متباغضين (٤). وسأل المأمون اليزيدي شيئا فقال: لا وجعلني الله فداك يا أمير المؤمنين. فقال: لله درك ما وضعت الواو قط في موضع أحسن من موضعها في لفظك هذا ووصله وحمله (٥). وقال اليزيدي: دخلت على المأمون يوما والدنيا غضّة وعنده نعم تغنيه، وكانت من أجمل أهل دهرها فأنشدت: [الكامل] وزعمت أني ظالم فهجرتني … ورميت في قلبي بسهم نافذ (ص ٩٩) فنعم هجرانك (٦) فاغفري وتجاوزي … هذا مقام المستجير العائذ

стр. 1662

هذا مقام فتى أضرّ به الهوى … قرح الجفون بحسن وجهك لائذ ولقد أخذتم من فؤادي أنسه … لا شلّ ربي كف ذاك الآخذ فاستعادها المأمون الصوت ثلاث مرات، ثم قال: يا يزيدي أيكون شيء أحسن مما نحن فيه؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فما هو؟ قلت: الشكر لمن خوّلك هذا الإنعام الجليل العظيم، فقال: أحسنت وصدقت ووصلني، وأمر أن يتصدّق بمائة ألف، وكأني إلى البدر (١) وقد أخرجت، والمال يفرق (٢). توفي اليزيدي سنة اثنتين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة (٣)، وكان له عدة أولاد فضلاء علماء (٤)، أخذوا عنه، وأخذ عنه أيضا ابن ابنه أحمد بن محمد. ومنهم ١٧ - يعقوب بن إسحاق بن يزيد بن عبد الله (٥) ابن أبي إسحاق الحضرمي بالولاء البصري المقرئ، المشهور قارئ أهل البصرة

стр. 1663

في زمانه، أبو يوسف أحد القراء العشرة (١)، وهو المقرئ الثامن، وكان بالبصرة قائما بمعناها، وعامرا لمغناها، يكاثر بعلمه مدّها، ويقادح بفهمه زندها، ويجلّي بقيامه في دياجي الليل مسودّها، يحيي بتهجده موات لياليها، ويصل في مواضع صلاته مساحة نواصيها، يأوي منه إلى أروح من ظلّ نخيلها، ويروى عنه أعذب من نطف سلسبيلها، ينافح طيبها الهندي أرجاه، ويفاخر لؤلؤها البحري ملجاه، ويحدّث عن عجائبه فيها، ما لا يقدر الواصف وإن جهد يوفيها. قرأ القرآن على أبي المنذر سلاّم بن سليمان، وعلى أبي الأشهب العطاردي وغيرهما، وسمع من حمزة الزيات، وجماعة (٢)، وبرع في الإقراء، وكان أقرأ أهل زمانه، وكان لا يلحن في كلامه، وله في القراءات (ص ١٠٠) رواية مشهورة منقولة عنه، وكان من بيت العلم بالقراءات والعربية وكلام العرب، والرواية الكثيرة الحروف، والفقه وكان من أقرأ القرّاء، وأخذ عنه عامة حروف القرآن مسندا وغير مسند من قرّاء الحرمين والعراقين وأهل الشام، وغيرهم خلق كثير (٣)، قال أبو حاتم - وهو من بعض تلامذته -: هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه، ومذاهب النحو (٤). وقال أبو القاسم

стр. 1664

الهذلي (١): لم ير في زمن يعقوب مثله، كان عالما بالعربية ووجوهها، والقرآن واختلافه، فاضلا تقيا نقيا ورعا زاهدا، بلغ من زهده أنه سرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة، وردّ إليه ولم يشعر، لشغله بالصلاة، وبلغ من جاهه بالبصرة أنه كان يحبس ويطلق (٢)، ولبعضهم (٣): [الطويل] أبوه من القراء كان وجدّه … ويعقوب في القراء كالكوكب الدّري تفرّده محض الصواب ووجهه … فمن مثله في وقته وإلى الحشر قال طاهر بن غلبون: وإمام أهل البصرة بالجامع لا يقرأ إلا بقراءة يعقوب، يعني في الصلوات (٤). قال ابن سوار (٥) وغيره، توفي في ذي الحجة سنة خمس ومائتين، عن ثمان وثمانين سنة (٦). ومنهم ١٨ - يحيى بن آدم بن سليمان أبو زكريا القرشي (٧) مولى أبي معيط الكوفي، صاحب أبي بكر بن عياش، روى حروف عاصم

стр. 1665

سماعا، وروى بسلسلة العذب أسماعا، وكان للعلم جمّاعا، وللفهم زند ذكاء يقدح شعاعا (١)، ولأهل الطلب قمرا يسوق وراءه النجوم أتباعا، وحدّث عن جماعة، وأخذ عنه أضعافها، ومثلت بين يديه الأهلة فلم ير إلا من مرآة قلمه أنصافها، (ص ١٠١) وقد كان رأسا في زمانه، كما كان قبله الثوري فيمن غبر، وقيل كان فلان ثم فلان، كل واحد في وقته منه إلى عمر (٢). سئل أبو داود عنه، فقال ذاك واحد الناس (٣)، وقال علي بن المديني: يرحم الله يحيى ابن آدم أيّ علم كان عنده (٤). وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت الشعبي (٥) يعني أنه كان جامعا للعلم. كان عمر في زمانه رأس الناس، وكان بعده ابن عباس، ثم كان بعده الشعبي في زمانه، وكان بعد الشعبي الثوري في زمانه، وكان بعد الثوري يحيى بن آدم (٦)، وأثبت الروايات عن أبي بكر رواية يحيى بن آدم (٧)، وما ذكر صاحب التيسير (٨) غيرها، وهي كما قال سماع لا تلاوة، وقال يحيى بن آدم سألت أبا بكر عن حروف عاصم التي

стр. 1666

في هذه الكراسة أربعين سنة فحدثني بها كلها، وقرأها عليّ حرفا حرفا (١). وتوفي يحيى بفم الصلح (٢) في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين، وهو في عشر السبعين (٣). ومنهم ١٩ - حسين بن علي الجعفي مولاهم الكوفي (٤) أبو عبد الله الزاهد، أحد الأعلام (٥)، أشار الكسائي إلى فضله (٦)، وعلم الرشيد بنبله (٧)، وقبّل سفيان يده، ولو مكنه لما استنكف من تقبيل رجله، وأتاه قادما فوثب له قائما (٨)، وقال قدم أفضل رجل (٩)، وكان في عصره أجلّ من ينفض عليه صبغ أصل (١٠)، وأقرأ من ترمي إليه متون الأينق (١١)

стр. 1667

الذلل (١)، ما اشتمل في زمانه على مثله ضحى ولا هزيع (٢)، ولا اكتنفه أو انفرج عنه صدى (٣) مساء ولا صديع (٤). قرأ القرآن على حمزة، وأخذ الحروف عن أبي عمرو وأبي بكر بن عياش (٥)، وبرع في القراءة والحديث، وأقرأ الناس بعد حمزة (٦). قال أحمد بن حنبل ما رأيت أفضل (ص ١٠٢) منه. وقال قتيبة قيل لسفيان بن عيينة قدم حسين الجعفي فوثب قائما، وقال: قدم أفضل رجل يكون قط (٧)، وقال موسى بن داود كنت عند ابن عيينة فأتاه حسين الجعفي فقام سفيان وقبل يده (٨). وعن الكسائي قال: قال لي الرشيد: من أقرأ الناس؟ قلت حسين الجعفي (٩). وقال أحمد بن عبد الله (١٠): كان حسين يقرئ القرآن، ورأس فيه، ولم أر

стр. 1668

رجلا قط أفضل منه، وهو ثقة، ولم نره إلا مقعدا، ولم يطأ قط، وكان جميلا لبّاسا يخضب وخلف ثلاثة عشر دينارا (١). وقال يحيى بن يحيى النيسابوري إن كان بقي من الأبدال أحد فحسين الجعفي (٢)، توفي في ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين، عن أربع وثمانين سنة (٣). ومنهم ٢٠ - قالون أبو موسى (٤) واسمه عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى الزرقي مولى بني زهرة، قارئ أهل المدينة في زمانه ونحويهم (٥). كان لأهل المدينة المشرفة حلية مسجدهم، وزينة

стр. 1669

معبدهم، وأنس قائمهم ومتهجدهم، لا يذمّ فيه المغالون، ولا يطاول به المتغالون، تزاحم عليه القراء حلقا، وتوكل به إسماعا وحدقا، وهم لسواه قالون (١). وإليه غاية منتهاهم إذا قال قالون، غني بإفاك التربية عن شافع (٢)، وكفى في ثبوت فضله فلم يحتج إلى إبداء دافع (٣)، ووقي فلم يخش ضرا إذ أخذ عن نافع (٤). قيل إنه كان ربيب نافع (٥)، وهو الذي لقبه قالون لجودة قراءته، وهي لفظة رومية، معناه جيد، لم يزل يقرأ على نافع، حتى مهر وحذق (٦)، وتبتل لإقراء القرآن والعربية، وطال عمره، وبعد صيته، وكان شديد الصمم، وكان يقول للقارئ: لو رفعت صوتك لا إلى غاية لا يسمع، وكان ينظر إلى شفتي القارئ فيردّ عليه اللحن والخطأ (٧)، وقال قالون: قال لي نافع: كم تقرأ (عليّ) (٨) (ص ١٠٣) اجلس إلى أسطوانة حتى أرسل إليك من يقرأ، وتوفي سنة عشرين

стр. 1670

ومائتين، وله نيف وثمانون سنة (١). ومنهم ٢١ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن أبي بزة (٢) أبو الحسن البزّي (٣) المكي، قارئ مكة ومؤذن المسجد الحرام، ومولى بني مخزوم. ثلاثة لكل منها فضل معلوم: يقرأ كتاب الله المنزل لدن بيته الحرام. ويؤذن والمؤذن ثاني الإمام، ومولى بني مخزوم. ومولى القوم منهم، ومن له بأن يكون من قريش!!؟ ومنهم النبي عليه أفضل السلام. وهو ممن أقرأ في أواخر المفصل بالتكبير (٤)، وبه إلى الآن يعمل، يعمل إذا ختم كتاب الله المنير. مولده سنة سبعين ومائة (٥)، وقرأ القرآن على عكرمة بن سليمان (٦)، وأبي الإخريط (٧)، وعبد الله بن زياد (٨) عن أخذهم عن إسماعيل بن عبد الله

стр. 1671

القسط (١). وأذن في المسجد الحرام أربعين سنة، وأقرأ الناس بالتكبير من والضحى (٢)، وروى في ذلك خبرا غريبا عن عكرمة بن سليمان قال: قرأت على القسط فلما بلغت والضحى قال: كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، وأخبره ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبي أن النبي ﷺ أمره بذلك. قال الحاكم هذا صحيح الإسناد (٣). وقال الحسين بن الحباب: سألت البزيّ كيف التكبير فقال: لا إله إلا الله والله أكبر. توفي البزي سنة خمسين ومائتين (٤). ومنهم ٢٢ - خلاد بن خالد (٥) وقيل ابن عيسى أبو عيسى وقيل أبو عبد الله الشيباني مولاهم الصيرفي

стр. 1672

الكوفي الأحول المقرئ صاحب سليم (١) (ص ١٠٤) وساحب ذيل ما تكشف عن مثله غيم الصيرفي، الذي لا يدخل عليه زيف، الكوفي الذي لا يسأل عن شيء وجّهه بكيف، له فضل نفس ووالد، وحسن ذكر إن نسب إليه فهو خلاد، أو إلى أبيه فهو خالد (٢). أقرأ الناس مدّة، وحدث عن زهير بن معاوية، والحسن ابن صالح بن حيّ (٣)، وقرأ عليه محمد بن شاذان الجوهري (٤)، ومحمد بن الهيثم قاضي عكبرا (٥)، ومحمد بن يحيى الخنيسي (٦)، والقاسم بن يزيد الوزان (٧)، وهو أنبل أصحابه (٨). وحدّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم (٩)، وكان صدوقا. توفي سنة عشرين ومائتين (١٠).

стр. 1673

ومنهم ٢٣ - خلف بن هشام بن تغلب أبو محمد البغدادي المقرئ البزار (١) أحد الأعلام، وجدّ الكلام، الذي أنفق للتحصيل ما شاء مالا (٢)، وأنفد لما تبقى مالا، فضل بفضله من سلف، وخلى وراءه في الأعقاب شكرا، لا يذمّ معه خلف، كان بزازا (٣) إلا أنه ينشر حللا لا ترقم الأنامل طرزها، ولا ترقى يد الدهر الغالبة لتبتزها (٤)، ولا تحكي سجوف الغمام في الدفع بزّها، ولا تصنع مثلها صنعاء إذا حبت تعزها (٥)، له اختيار أقرأ به وخالف فيه حمزة (٦)، وكان عابدا فاضلا، قال حمدان بن هانئ المقرئ: سمعت خلف بن هشام يقول: أشكل باب

стр. 1674

من النحو، فانفقت ثمانين ألف درهم حتى حذقته (١)، وقال خلف: أعدت الصلاة أربعين سنة كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين (٢)، وقال إدريس: سمعت خلفا يقول: قرأت القرآن على سليم مرارا، وكنت أسأله عند الفراغ من آخر القرآن: أأروي عنك هذه القراءة التي قرأت عليك عن حمزة الزيات؟ فيقول نعم (٣). وسمعت خلفا يقول: حفظت القرآن وأنا ابن عشر سنين (٤) (ص ١٠٥) وأقرأت أول شيء ولي ثلاث عشرة سنة. وورد أن خلفا كان يصوم الدهر (٥)، وقال قدمت الكوفة فصرت إلى سليم، فقال ما أقدمك؟ قلت: أقرأ على أبي بكر بن عياش، فقال لا تريده، قلت: بلى، فدعا ابنه وكتب معه ورقة إلى أبي بكر، لم أدر ما كتب فيها، فأتيناه فقرأ الورقة وصعّد فيّ النظر، ثم قال: أنت خلف؟ قلت: نعم. قال أنت لم تخلّف أحدا في بغداد أقرأ منك؟ فسكت. فقال لي: اقعد هات اقرأ. قلت عليك؟ قال نعم. قلت لا والله لا أقرأ على رجل يستصغر رجلا من حملة القرآن. فوجه إلى سليم يسأله أن يردّني فأبيت، ثم ندمت واحتجت فكتبت قراءة عاصم عن يحيى بن آدم عنه (٦)، توفي في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ومائتين، ومولده سنة خمسين

стр. 1675

ومائة (١). ومنهم ٢٤ - الليث بن خالد أبو الحارث البغدادي المقرئ (٢) ذو العلم المروي (٣)، والفهم الموري (٤)، لا يوصف باع من نكل عنه بالقصور، ولا يطاق منه مغالبة الليث الهصور (٥)، لا تكشف عن مجادلته

стр. 1676

المباحث، ولا تقتحم عليه غابته (١) وهو الليث وهو أبو الحارث، تقدّمه آفاق العراق حيث تعدّ جلتها، وتنقع أكناف (٢) بغداد به من ما لا يبل إدامه دجلتها (٣)، وكان صاحب الكسائي، والمقدم من بين أصحابه (٤)، قرأ عليه وسمع الحروف من حمزة بن قاسم الأحول، وأبي محمد اليزيدي، (٥) قال أبو عمرو وقد غلط أحمد بن نصر في نسبته، فقال الليث بن خالد المروزي. وذاك رجل آخر سمع من مالك بن أنس وجماعة يكنى أبا بكر (٦)، وممن قرأ على الليث: سلم بن عاصم ومحمد بن يحيى الكسائي الصغير (٧)، توفي سنة أربعين ومائتين (٨).

стр. 1677

ومنهم ٢٥ - عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان (١) أبو عمرو (ص ١٠٦) البهراني الدمشقي (٢) مقرئ دمشق وإمام الجامع (٣). ومدام (٤) حانها إلا أنه الذي يشرب بالمسامع حاشى (٥) لله بل هو مصباح مسجدها، وصنو (٦) فرقدها (٧)، وأثبت ما تعدّه منها، إرم ذات العماد من عمدها (٨)، ما الذي يوصف منه بالمدام إن لم يكن خلقه الدمث، ووجهه المنبسط وكفه المنبعث، لا بل هو أرق هواء، وأقل شغبا من المدام والتواء، بل هو النار توقّد ذهن، وتوفر حلم، يغدو والجبال معه كالعهن (٩)، كأن الذكاء أربى لابن ذكوان، والفطنة لا يشاركه فيها شريك إلا توقّد ذكاء إن كان، ولد يوم

стр. 1678

عاشوراء سنة ثلاث وسبعين (١)، وقرأ على أيوب بن تميم وغيره (٢)، وقيل إن الكسائي قدم دمشق فقرأ عليه ابن ذكوان (٣)، قال أبو زرعة: لم يكن بالعراق ولا بالحجاز ولا بالشام ولا بمصر ولا بخراسان في زمن ابن ذكوان أقرأ عندي منه (٤). وقال محمد بن الفيض الغساني: جاء رجل من الحرجلّة (٥) يطلب لأخيه لعّابين لعرسه (٦)، فوجد ولي الأمر قد منعهم، فجاء يطلب المغبّرين (٧)، فلقيه صوفي ما جن فأرشده إلى ابن ذكوان وهو خلف المنبر، فجاءه وقال: إن السلطان قد منع المخنثين (٨)، فقال أحسن والله، فقال نعمل العرس بالمغبّرين وقد أرشدت إليك، فقال: لنا رئيس فإن جاء معك جئت (٩)، وهو ذاك وأشار إلى

стр. 1679

هشام بن عمار (١)، فقام الرجل إليه وهو متكئ بحذاء المحراب، فقال لهشام: أبو من؟ فردّ عليه ردا ضعيفا وقال: أبو الوليد. قال: يا أبا الوليد أنا من الحرجلّة، قال: لا أبالي من أين كنت. قال إنّ أخي يعمل عرسه. قال فماذا أصنع؟ قال: قد أرسلني أطلب المخنثين له يعني المغاني، قال لا بارك الله فيهم ولا فيك. (ص ١٠٧) قال: وقد طلب المغبرين فأرشدت إليك، قال ومن أرشدك؟ قال: ذاك الرجل. فرفع هشام رجله ورفسه وقال: قم، ثم صاح يا ابن ذكوان قد تفرغت لهذا!!؟ قال إي والله أنت رئيسنا لو مضيت لمضينا (٢). وقيل إن هشاما كان الخطيب (٣)، وكان ابن ذكوان يؤم في الصلوات، أو لعله كان نائب هشام. وتوفي ابن ذكوان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين (٤). ومنهم ٢٦ - هشام بن عمار بن نصير (٥) ابن ميسرة أبو الوليد السلميّ، ويقال الظفري الدمشقي، شيخ أهل دمشق

стр. 1680

ومفتيهم، ومحدّثهم وخطيبهم ومقرئهم (١)، رفعت به سليم رايتها الحمراء، ومهدت له دمشق بتربتها الخضراء، ونسب إلى ميسرة فتيسّر ما صعب من أمثلة القصي، وظفر بإجابة دعائه فلا عجب أن عرف بالظفري، تيمن المنبر، منبر المسجد الجامع، وتفنن فأودع الدرّ المسامع، وحدّث وخطب، وأقرأ وهو في هذا أحمد (٢) وفي هذا قس (٣) وفي هذا نافع (٤). ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة (٥)، وقرأ القرآن على عراك بن خالد، وأيوب بن تميم وغيرهما من أصحاب يحيى الذماري (٦)، وسمع من مالك بن أنس (٧) وخلق كثير، وحدّث عنه البخاريّ في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم، وحدّث الترمذي عن رجل عنه، وكان طلاّبة للعلم واسع الرواية متبحرا في العلوم (٨)،

стр. 1681

روى عنه عبدان الأهوازي، قال: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة (١). وقال عبدان أيضا ما كان في الدنيا مثل هشام. وقال محمد بن خريم: كان هشام فصيحا (ص ١٠٨) مفوها سمعته يقول في خطبته: قولوا الحقّ ينزلكم الحقّ منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق (٢). وقال هشام: سألت الله سبع حوائج: سألته أن يغفر لي ولوالديّ، فما أدري ما صنع في هذه، وسألته الستة فقضاهنّ لي وهي الحج والعمرة، وأن يعمرني نحو المائة، وأن يجعلني مصدّقا على حديث نبيه، وأن أخطب على منبر دمشق، وأن يرزقني ألف دينار حلالا، وأن يغدو الناس إليّ في طلب العلم، فقيل له من أين لك الذهب؟ قال وجّه المتوكل بولده ليكتب عني لما قدم إلينا، فجلست فانكشف ذكري، فقال الغلام: يا عم استتر. فقلت: رأيته أما إنك لن ترمد فلما دخل على المتوكل ضحك، فسأله فأخبره، فقال: حسن (٣) من الشيخ، احملوا إليه ألف دينار. فحملت إليّ من غير مسألة ولا استشراف نفس (٤)، وكان يخطب ويصلي بالناس الجمعة فقط (٥). قال أبو علي الأصبهاني لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين: ابن ذكوان وهشام. قال: وهشام كان مشتهرا بالنقل والفصاحة والعلم والرواية والدراية، رزق كبر السّن وصحة العقل والرأي، فارتحل الناس إليه في

стр. 1682

القراءات والحديث (١). زاد على ابن ذكوان بأخذه القراءة عن الوليد بن مسلم (٢)، وسويد بن عبد العزيز (٣)، وصدقة بن يحيى (٤) وغيرهم، قال البخاري وغيره: مات في آخر المحرّم سنة خمس وأربعين ومائتين (٥). ومنهم ٢٧ - أبو عمر الدوري (٦) واسمه حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان، ويقال: صهيب الأزدي البغدادي، المقرئ النحوي الضرير، نزيل (ص ١٠٩) سامراء مقرئ الإسلام، وشيخ العراق في وقته (٧)، والمحيط درّحبه كل كوكب عن سمته، يقال إنه أول من جمع القراءات وألفها، وبين للناس الروايات وأحرفها (٨)، وكان ممن تضرب

стр. 1683

إليه الإبل آباطها (١)، وتشد إليه الكران (٢) مناطها (٣)، وتأتي إليه أفواج الطلبة لا تمدّ عليهم سجوف (٤) المجرة (٥) أنماطها (٦). ولا تفرش لهم إلا نمارق (٧) البيد بساطها، وتقتحم إليه حوامل المزن (٨) ترمي إليه من زناد (٩) البروق أسقاطها، وتخوض إليه لجج الليل لا تستسقي إليه من نجوم الجوزاء أرسيتها (١٠) ولا من كواكب الدلو أقساطها (١١).

стр. 1684

قرأ على إسماعيل بن جعفر، والكسائي، ويحيى اليزيدي (١)، وسمع الحروف من أبي بكر (٢)، وروى عن أحمد بن حنبل، وهو من أقرانه (٣). وطال عمره، وقصد من الآفاق، وازدحم عليه الحذاق لعلو سنده وسعة علمه. قال الدوري: قرأت على إسماعيل بن جعفر ختمة بقراءة أهل المدينة، وأدركت حياة نافع ولو كان عندي عشرة دراهم لرحلت إليه (٤). وقال الأهوازي: رحل الدوري في طلب القراءات، وقرأ بالحروف السبعة وبالشواذ، وسمع من ذلك شيئا كثيرا (٥)، وذهب بصره في آخر عمره، وكان ذا دين وخير (٦). وقال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن عمر الدوري (٧). توفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين (٨).

стр. 1685

ومنهم ٢٨ - أبو شعيب السوسي (١) واسمه صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرستبي الرقي (٢)، حسبك به من صالح، ومن ابن زياد لأنه بالزيادة رابح، ومن أبي شعيب تشعبت طرق رواته، ومن رستبي ينمي في ثدي إسماعيل (٣) عرق شجراته (٤)، قرأ وسمع وتبع وتبع، وجمع القراءة ثم له جمع، ما عرف (ص ١١٠) قبله، رقيّ ترهف الأبصار نواحيه، ولا سوسي غيره لا يرغب إلا فيه. قرأ القرآن على اليزيدي (٥)، وسمع بالكوفة عبد الله بن نمير وأسباط بن محمد، وبمكة سفيان بن عيينة. وقرأ عليه جماعة (٦)، وأخذ عنه الحروف أبو عبد الرحمن النسائي (٧). قال المروذي: أخبرت أحمد بن حنبل أنّ أبا شعيب السوسي الرقي زوج بنته رجلا، فلما وقف في القرآن فرّق بينه وبين ابنته، وقد كان شاور النفيلي فأمره أن يفرّق بينهما.
следующие страницы →