لو لزمت عطاء، فلزمته ثمانية عشر عاما. وقال جرير (١): كان ابن جريج يرى المتعة، تزوّج ستين امرأة، وقيل: سمع من مجاهد (٢) حرفين في القرآن، وكان إماما ثقة صاحب عبادة، وقيل: إنه جاز مائة سنة، وتوفي في أول الحجة سنة خمسين ومائة. ووهم ابن المديني حيث يقول: مات سنة تسع وأربعين.
ومنهم
١٤٩ - عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي (٣)
إمام أهل الشام، وغمام برقه الذي يشام، وواحد زمانه ولا احتشام، كان في زمان بني أمية يرمى إليه طرف كل مؤمّر، ويومئ إليه حتى طرف البنان البنان المخمر، وجاءت الدولة العباسية فزادته راياتها السود المطلة سؤددا، وأعلمته أن مع اليوم غدا، وشدت باسمه محافلها، واقتدت بعلمه جحافلها، ولم يقدم لمكانه أمير جيشهم القادم إلى الشام على إسراف في إطلال الدماء، واستحلال لإتلاف نفوس أولئك العظماء إلا ما سبق السيف فيه العذل، وقبل سرعان الجيش من سومهم السائب ما بذل، حتى ألجمهم بفتياه (٤)، وألجأهم إلى الوقوف دون
стр. 2067
منتهاه، وكان ربّ جهاد في الثغر، وسدّاد للثغر، ينام والعدو الأزرق من البحر ينظر شزرا، وينوي للرقاب الممتدة جزرا، أقام ببيروت وكتب في عددها، وحسب ريادة في عمدها، وكان محط الرحلة، ومحل الفضل الذي لا يجنى مثله مجاجة (١) النحلة، علما جما ما نقص/ (ص ٢٧٥) وفضلا مقبلا ما نكص، ورسائل هي قطع الروض المنوّر، وصفو الزلال المتحدّر.
وعدد النجوم إلا أنه يضعها غير متكثّر، ويفرعها الشامخ غير متكبّر، ولجلالة مكانه في العلم لم أذكره إلا لحلة فضله طرازا، ولجملة كماله تماما لا إعوازا، كل هذا إلى دين لا يجاذبه فيه منازع، وتقى كمن عساه يزع إن لم يكن منه للأوزاعي وازع.
ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وتسعين، ونشأ يتيما، بالكرك بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت، وكان فوق الرّبعة خفيف اللحية به سمرة، وكان يخضب بالحناء، ولم يكن بالشام أعلم منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، روي أن سفيان الثوري (٢) بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس بعيره عن القطار، ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ، قال إسماعيل بن عيّاش (٣): سمعتهم يقولون سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمّة، وقال أبو إسحاق
стр. 2068
الفزاري (١): لو خيّرت لهذه الأمة لاخترت الأوزاعي يعني في الخلافة، وقال بشر ابن المنذر (٢): رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع، وقال أبو مسهر (٣): كان الأوزاعي يحيي الليل صلاة وقرآنا وبكاء، وقال الأوزاعي: رأيت كأن ملكين عرجا بي إلى الله فأوقفاني بين يديه، فقال: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قلت: بعزتك ربي، فردّاني إلى الأرض، وقال الوليد ابن مزيد (٤): تعجز الملوك أن تؤدّب أولادها أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكا بقهقهة، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول: ترى في المجلس قلب لم يبك؟ وقال أبو زرعة (٥)
стр. 2069
الدمشقي: كانت صنعته/ (ص ٢٧٦) الكتابة والترسل ورسائله تؤثر، فمما يؤثر من كلامه: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم، وقال: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإياك أن تقول بغيره فإنه كان مبلغا عن الله، وقال:
ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه، وقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات. واجتمع سفيان (١) والأوزاعي وعبّاد (٢) بن كثير، فقال سفيان: يا أبا عمرو حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي (٣) - يعني عمّ السفاح - فقال: لما قدم الشام وقتل بني أميّة جلس على سريره، وعبى أصحابه أربعة أصناف، مع كل صنف نوع من أنواع السلاح، ثم بعث إليّ، فلما صرت إلى الباب أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضديّ وأدخلوني بين الصفوف، حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت: نعم - أصلح الله الأمير، قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قد كان بينك وبينهم عهود، كان ينبغي أن يفوا لك بها، قال: ويحك، اجعلني وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي وكرهت القتل، فذكرت مقامي
стр. 2070
بين يدي الله فلفظتها، فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب، وانتفخت عيناه وأوداجه، فقال لي: ويحك، ولم؟ قلت: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيّب زان ونفس بنفس وتارك لدينه (١). فقال: ويحك أو ليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله ﷺ أوصى إلى عليّ؟ قلت: لو أوصى إليه ما حكّم الحكمين، فسكت، وقد اجتمع غضبا، فجعلت أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا يومئ أن أخرجوه، فخرجت، فما أبعدت حتى لحقني فارس/ (ص ٢٧٧) فنزلت وقلت: قد بعث ليأخذ رأسي، أصلي ركعتين، فكبّرت وصليت، فسلّم، وقال: إن الأمير بعث إليك بهذه الدنانير، قال: ففرقتها قبل أن أدخل بيتي، وقال الأوزاعي: كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم، وكان أهل الشام، ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مدّة، ثم فني العارفون به وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف. وقال عقبة بن علقمة البيروتي (٢): دخل الأوزاعي حماما في بيته، وأدخلت معه زوجته كانونا ليدفأ به ثم أغلقت عليه وتشاغلت فهاج الفحم فمات، قال عقبة فوجدناه متوسدا ذراعه إلى القبلة، قال أبو مسهر (٣): أغلقت عليه غير متعمدة فمات، فأمرها سعيد بن عبد العزيز (٤) بعتق رقبة، ولم يخلّف
стр. 2071
إلا ستة دنانير، فضلت من عطائه، وكان قد كتب في ديوان الساحل، وكانت وفاته يوم الأحد لليلتين بقيتا من صفر، وقيل في ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائة ببيروت، وقبره في قرية على باب بيروت يقال لها: حنتوش (١)، وأهلها مسلمون، وهو مدفون في قبلة المسجد، وأهل القرية لا يعرفونه، بل يقولون:
ههنا رجل صالح ينزل عليه النور ولا يعرفه إلا الخواص من الناس.
والأوزاعي منسوب إلى أوزاع بطن من ذي كلاع وقيل بطن [من همدان] (٢).
ومنهم
١٥٠ - سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة أبو عبد الله الثوري الكوفي الفقيه الإمام (٣)
سيد الحفاظ، ومرتمى الألفاظ، ومرتمق الألحاظ، ذو المذهب الواضح، الذي لا يضل سالكه، ولا يظلم به إن دجى الليل حالكه، تمذهب به جماعة، وكاد الزمان يعقد عليه إجماعه، والآن هو إنما محي رسمه، وبقي حكمه، هذا وقد فرّقت أوصاله الدود، ومزقت أعضاءه اللحود، وأبلى جدته التراب، وأطال مدّته
стр. 2072
الذهاب، لكن هو العلم/ (ص ٢٧٨) الذي يورث صاحبه الخلود، ويحييه وقد بليت محاسن أوجه وخدود، قال سفيان بن عيينة (١): ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري، وقال عبد الله بن المبارك (٢): كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سفيان الثوري، ولا أعلم على وجه الأرض أفضل من سفيان. وقال الأوزاعي (٣): لم يبق من تجمع عليه الأمة بالرضا والصحة إلا سفيان، وقال يحيى القطان (٤): سفيان فوق مالك في كل شئ، وقال أبو أسامة (٥): من أخبرك أنه رأى مثل سفيان فلا تصدقه، وقال ابن أبي ذئب (٦): ما رأيت بالعراق أحدا يشبه ثوريّكم، وقال سفيان: العالم طبيب الدّين، والدرهم داء الدّين، فإذا اجترّ الطبيب الداء إليه متى يداوي غيره، وقال القعقاع بن حكم (٧):
стр. 2073
كنت عند المهدي (١) وأتى سفيان الثوري، فلما دخل سلّم عليه تسليم العامّة، ولم يسلّم بالخلافة، والربيع (٢) قائم على رأسه متكئا على سيفه، يرقب أمره، فأقبل المهدي عليه بوجه طلق، وقال له: يا سفيان تفرّ مناههنا وههنا، وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟ قال سفيان: إن تحكم فيّ يحكم فيك ملك قادر يفرق بين الحق والباطل. فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟ اكتبوا عهده على قضاء الكوفة، على أن لا يعترض عليه، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد، ولما امتنع من قضاء الكوفة وتولاّه شريك (٣) بن عبد الله النخعي، قال الشاعر/ (ص ٢٧٩): [الطويل]
تحرر سفيان وفرّ بدينه … وأمسى شريك مرصدا للدراهم
وحكي عن أبي صالح المدائني (٤) أنه قال: إني لأحسب سفيان الثوري يوم
стр. 2074
القيامة حجة من الله على الخلق، يقال لهم: لم تدركوا نبيكم ﷺ فقد رأيتم سفيان الثوري، هلا اقتديتم به؟ مولده سنة بضع وتسعين للهجرة، وتوفي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة متواريا من السلطان ودفن عشاء ولم يعقب.
ومنهم
١٥١ - حماد بن سلمة بن دينار (١)
الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو سلمة الربعي مولاهم البصري البزاز البطائني النحوي المحدّث، شرارة زند، ونوارة رند (٢)، وسحابة ندّ. وسحّاة عنبر ختم بها معاقد بند، سلّم به إلى أبيه سلمة، وحمد لدين ما أسلمه، جددا ما نكّب عن طريقه ولا كلّ عن فريقه، ولا نكّد به إلا عدوا جرّعه غيظا بريقه.
قال وهيب (٣): حماد بن سلمة: سيدنا وأعلمنا، وقال أحمد بن حنبل:
стр. 2075
حمّاد أعلم الناس بثابت البناني (١)، وأثبتهم في حميد (٢)، وقال علي بن المديني (٣): كان عند يحيى بن ضريس (٤) عن حماد عشرة آلاف حديث، وقال شهاب بن معمر (٥): كان حماد بن سلمة يعدّ من الأبدال. وهو أول من صنّف التصانيف مع ابن أبي عروبة (٦)، وكان بارعا في العربية فقيها فصيحا مفوّها صاحب سنة. وقال ابن مهدي (٧): لو قيل لحماد إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد
стр. 2076
في العمل شيئا، وقال عفان (١): ما رأيت أشدّ مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله منه، وقال: عمرو بن عاصم (٢) كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألف حديث. وقيل إن حمادا تزوج سبعين امرأة ولم يولد له ولد، وقال أحمد بن حنبل: إذا رأيت الرجل ينال من حماد بن سلمة فاتهمه على الإسلام، توفي بعد عيد النحر سنة سبع وستين ومائة. وقد قارب الثمانين/ (ص ٢٨٠)
ومنهم
١٥٢ - عبد الله بن المبارك (٣)
ابن واضح المروزي مولى بني حنظلة، والمؤتى من كل شئ أفضله، هو المبارك وابنه، وأصله الزاكي وغصنه لعلم جدّ جدوله، وصال منصله، وصاد الشوارد أجدله، هذا إلى دماثة خلق خف على القلوب محمله، وأسرع إلى الخواطر توصّله، ينزهه ورع ما رنّق غديره قذى، ولا نبع منه أذى، بنقاء سريرة أصفى من الماء في المزن،
стр. 2077
وأغسل للغماء من السرور غبّ الحزن، تفقه على الثوري (١) ومالك (٢) وروى عنه الموطأ، وكان كثير الانقطاع محبّا للخلوة، شديد التورّع جامعا بين العلم والزهد، نقل أبو عبد الله الجبّائي (٣) أن عبد الله بن المبارك سئل أيّما أفضل معاوية بن أبي سفيان (٤) أم عمر بن عبد العزيز (٥)؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلّى معاوية خلف رسول الله ﷺ فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟ ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا. ومن شعره: [البسيط]
قد يفتح المرء حانوتا لمتجره … وقد فتحت لك الحانوت بالدّين
صيّرت دينك شاهينا تصيد به … وليس يفلح أصحاب الشواهين
توفي منصرفا من الغزو بهيت في رمضان سنة نيف وثمانين ومائة، ومولده بمرو سنة ثمان عشرة ومائة.
ومنهم
١٥٣ - سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي (٦)
قمر طلع من هلال، ودرّ تجسّد من زلال، من خير من تنقلت به الأصلاب،/ (ص ٢٨١)
стр. 2078
ونفّلت له الأسلاب، ونقلت له خوص المطايا الأجلاب (١)، وأقبلت إليه الطلبة في هيئة الأطلاب (٢)، وحطّت عليه بأملها الركايب الطلاح (٣)، وخطت إليه بفللها السحايب الدلاح (٤)، طالما شكم الموقف بالصخرات موقفه وحمد منه معرّف المعرفة، وأجمع جمع أنه ما رأى مثله بالعيان ولا بالصفة، ولد بالكوفة في منتصف شعبان سنة سبع ومائة، ونقله أبوه إلى مكة، وكان إماما عالما ثبتا زاهدا ورعا، مجمعا على صحة حديثه وروايته، وحج سبعين حجة، وروى عن جماعة من الأعيان، وروى عنه خلق كثير، قال ابن خلكان (٥) ﵀: رأيت في بعض المجاميع أن سفيان خرج يوما إلى من جاءه يسمع منه وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد (٦) وجالس هو أبا سعيد الخدري (٧)
стр. 2079
وجالست عمرو بن دينار (١) وجالس هو عبد الله بن عمر (٢)، وجالست الزهري (٣)، وجالس هو أنس بن (٤) مالك حتى عدّ جماعة ثم أنا أجالسكم، فقال له حدث في المجلس أتنصف يا أبا محمد، قال: إن شاء الله تعالى فقال:
والله لشقاء أصحاب رسول الله ﷺ بك أشدّ من شقائك بنا. فأطرق وأنشد قول أبي نواس (٥): [مجزوء الرمل]
خلّ جنبيك أرام (٦) … وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير … لك من داء الكلام
وتفرق الناس وهم يتحدثون برجاحة الحدث، وكان ذلك الحدث يحيى بن أكثم (٧)، فقال سفيان: هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، يعني السلطان. وقال
стр. 2080
الشافعي (١): ما رأيت أحدا فيه آلة الفتيا ما في سفيان، وما رأيت أكف منه عن الفتيا، وقال سفيان: دخلت الكوفة ولم يتم لي عشرون سنة، فقال أبو حنيفة (٢) لأصحابه،/ (ص ٢٨٢) ولأهل الكوفة: جاءكم حافظ علم ابن دينار، قال: فجاء الناس يسألونني عن عمرو بن دينار، فأوّل من صيرني محدثا أبو حنيفة فذاكرته.
توفي بمكة في آخر جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون.
ومنهم
١٥٤ - إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه أبو يعقوب (٣)
الحافظ الكبير، نزيل نيسابور وعالمها، إمام لا يعام في بحره، وتمام لا يغام على بدره، لسان جدل لا يحج، وبيان جدل للمحتج، أثنت عليه الأئمة، وثنت إليه الأزمّة، وخلف في الخير سالف الأمة، وخلف الناس بعده تتمة، وأقامت إليه المطيّ صدورها، وأدامت به سرورها، وترامت إليه بالطلبة أشباحها، وأمّت به حيث يطلع صباحها، وكان لحنا بالحجج إذا ناظر، محسنا إذا حاضر، لا تمل مجالسته ولا تخل بالصّواب مناقشته.
ذكره الدارقطني (٤) فيمن روى عن الشافعي (٥)، وعدّه البيهقي (٦) في
стр. 2081
أصحاب الشافعي، وكان قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة، فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته، قال أحمد بن حنبل: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقه منه.
قال محمد بن أسلم الطوسي (١) لما بلغه موت إسحاق: ما أعلم أحدا كان أخشى لله من إسحاق، يقول الله إنما يخشى الله من عباده العلماء، وكان أعلم الناس، ولو كان الحمادان والثوري في الحياة لاحتاجوا إليه، وقال أحمد أيضا: لا أعلم لإسحاق نظيرا بالعراق لم يلق مثله، وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث وأذاكر بمائة ألف، وما سمعت قط شيئا إلا حفظته، ولا حفظت شيئا قط فنسيته.
وقال أيضا: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث/ (ص ٢٨٣) في كتبي وثلاثين ألفا أسردها، وقال أبو داود الجفّان (٢): أملى علينا إسحاق من حفظه أحد عشر ألف حديث، ثم قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وقال أبو حاتم (٣):
العجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ، وقال أبو زرعة (٤):
ما رؤي أحفظ من إسحاق، وله مسند مشهور، رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع ابن عيينة (٥) وطبقته، وسمع منه البخاري ومسلم والترمذي،
стр. 2082
وكانت ولادته سنة إحدى وستين ومائة وسكن آخر عمره بنيسابور، وتوفي بها ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين وقيل سنة سبع وثلاثين ومائتين، وله سبع وسبعون سنة.
ومنهم
١٥٥ - إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي أبو ثور (١)
ورد البحر فاستقل السواقي، وظفر بالمنى فهان عليه ما كان يلاقي، وصحب الإمام المعرق في قريش وأنشد:
كلما فات في الليالي المواضي … فهو في ذمّة الليالي البواقي
صحب الإمام الشافعي، ونقل الأقوال عنه، وكان أحد الفقهاء الأعلام والثقات المأمونين في الدين، واشتغل أولا بمذهب أهل الرأي، حتى قدم الشافعي العراق، فاختلف إليه واتّبعه ورفض مذهبه الأول، ولم يزل كذلك إلى أن توفي لثلاث بقين من صفر سنة أربعين ومائتين ببغداد، وله الكتب المصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه.
ومنهم
١٥٦ - محمد بن نصر الإمام أبو عبد الله المروزي (٢)
أحد الأئمة الأعلام، والأزمّة فيما تمليه الأقلام، ضرب الآفاق في طلب
стр. 2083
الحديث/ (ص ٢٨٤) واغترب لا يقنعه السير الحثيث، ثم لم يرض بمجرد الرواية حتى وصلها بالدراية، وتفقه فيما اتصل به حتى أبرزه علما جليا، ومثّله عيانا مرئيا، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، وسكن سمرقند وغيرها، وكان أبوه مروزيا.
تفقه أبو عبد الله على أصحاب الشافعي بمصر وعلى إسحاق بن راهويه (١)، ورحل في طلب الحديث والعلم إلى الآفاق، قال الحاكم (٢): هو إمام الحديث في عصره بلا مدافعة، وقال الخطيب (٣): كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم، وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٤): كان محمد بن نصر إماما بمصر فكيف بخراسان. وقال القاضي محمد بن محمد (٥) كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك (٦)، وابن راهويه، ويحيى بن يحيى (٧) ومحمد بن نصر: وقال السليماني (٨): محمد بن نصر
стр. 2084
المروزي إمام الأئمة الموفق من السماء، له كتاب تعظيم قدر الصلاة، وكتاب رفع اليدين، وغيرهما من الكتب المعجزة، وكان له مال يقارض عليه وينفق عليه من غلته، وكان إسماعيل بن أحمد (١) والي خراسان وأخوه يصله كلّ منهما بأربعة آلاف في السنة، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف، فكان ينفقها من السنة إلى السنة فقيل له: لو ادخرت لنا منه! فقال: سبحان الله أنا بقيت بمصر كذا كذا سنة قوتي وثيابي وكاغدي وحبري وجميع ما أنفقه على نفسي في السنة عشرون درهما، أفترى إن ذهب ذا لا يبقى ذاك، وقد ذكرت له كرامات، منها ما رواه أبو الفضل محمد بن عبيد الله (٢) قال: سمعت الأمير إسماعيل بن أحمد يقول: كنت بسمرقند فجلست يوما للمظالم/ (ص ٢٨٥) وجلس أخي إلى جنبي فدخل أبو عبد الله محمد بن نصر فقمت له إجلالا لعلمه، فلما خرج عاتبني أخي وقال: أنت والي خراسان تقوم لرجل من الرعية، هذا ذهاب السياسة، فبتّ تلك الليلة وأنا منقسم الفكر، فرأيت النبي ﷺ فأخذ بعضدي، فقال لي: ثبت ملكك وملك بنيك بإجلالك محمد بن نصر، ثم التفت إلى إسحاق وقال: ذهب ملك إسحاق وملك بنيه باستخفافه بمحمد بن نصر. وقال
стр. 2085
ابن حزم (١) في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن وأضبطهم لها وأذكرهم لمعانيها، وأدراهم بصحتها، وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه، وما نعلم هذه الصفة بعد الصحابة أتم منها في محمد بن نصر المروزي، فلو قال قائل: ليس لرسول الله ﷺ حديث ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر لما بعد عن الصدق توفي بسمرقند سنة أربع وتسعين ومائتين.
ومنهم
١٥٧ - محمد بن إبراهيم بن المنذر أبو بكر النيسابوري (٢)
الحافظ الفقيه شيخ الحرم مشكاة النقل، ومرآة العقل، ألقى ما أغلق إليه الأقاليد، وأقال عثرات دينه من آفة التقليد، وجعل كتبه حججا لا تخصم، ولججا ما منها معصم، لم يخلّ ثنيّة ما طلع، ولا خفيّة ما استطلع، فبنت مصنفاته مع الإعلاق، وحفظت حفظ الضنين من الإملاق، فكانت مما تغلق عليه الخزائن أبوابها وتقفل، ويتفطن للاحتراز عليها ثم لا يبالي بما تغفل.
عدّه الشيخ أبو إسحاق (٣) في طبقات الفقهاء الشافعية، وقال: صنّف في اختلاف الفقهاء كتبا لم يصنّف أحد مثلها، واحتاج إلى كتبه الموافق والمخالف،
стр. 2086
ولا أعلم عمّن أخذ الفقه، قال: وتوفي بمكة سنة تسع أو عشر/ (ص ٢٨٦) وثلاثمائة، وهذا لا يصح فإن ابن عمار (١) لقيه وسمع منه في سنة ست عشرة وثلاثمائة، وأرّخ ابن القطان (٢) وفاته سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، ومن مصنفاته كتاب المبسوط في الفقه، وكتاب الإشراف في اختلاف العلماء وكتاب الإجماع، وكان غاية في معرفة الخلاف والدليل، مجتهدا لا يقلد أحدا.
ومنهم
١٥٨ - أبو سليمان الخطابي حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب القرشي العدوي البستي من ولد زيد بن الخطاب ابن نفيل (٣)
ومن بقية أبناء ذلك القيل، وغدر ما غادر ذلك السيل، والطراز الذي امتد رقمه في ذلك الثوب من الكم إلى الذيل. هو ممن أتيت على ذكره في فواضل السمر، وهو به أولى ولهذا ما كدت أذكره هنا لولا أن مثله ممّن يباهى به، ويباهل الشرق والغرب بتذهيبه، سمع بالعراق أبا عليّ الصفار (٤) وأبا جعفر
стр. 2087
الرذاذ (١) وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري (٢)، وعبد الغافر الفارسي (٣)، وكان فقيها أديبا، صنّف التصانيف البديعة منها: غريب الحديث، ومعالم السنن في شرح سنن أبي داود، وأعلام السنن في شرح البخاري، وكان يشبّه في عصره بأبي عبيد القاسم بن سلاّم (٤) علما وزهدا وأدبا وورعا وتدريسا وتأليفا، توفي في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وذكره صاحب اليتيمة، وأنشد له قوله: [الطويل]
وما غربة الإنسان في شقّه النوى … ولكنها والله في عدم الشكل
وإني غريب بين بست وأهلها … وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي
وقوله: [البسيط]
شر السّباع العوادي دونه وزر … والناس شرهم ما دونه وزر
стр. 2088
كم معشر سلموا لم يؤذهم سبع … وما ترى بشرا لم يؤذه بشر (١)
ومنهم/ (ص ٢٨٧)
١٥٩ - الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر بن علي أبو الفضائل القرشي العدوي العمري عرف بالصغّاني الحنفي (٢)
المحدّث الفقيه اللغوي رضي الدين، صاحب التصانيف، إمام مشهور، وغمام مشكور، وكمام تفتّح بالشذور (٣)، وتمام سلّم مما يعتري من النقص للبدور، وقد ذكرته في فواصل السمر في فضائل آل عمر، وهو أمسّ به وأمدّ لسببه على أن المطنب فيه مقصر، والموفى متعذر، وهيهات أن تبلغ السماء أو تحصى الأسماء، أو توفّى حق شكرها النعماء.
ولد بمدينة كوهور من بلاد الهند في عاشر صفر سنة سبع وسبعين وخمس مائة ونشأ بغزنة، ودخل بغداد سنة خمس عشرة وستمائة، وسمع بعدّة بلاد قال عبد المؤمن الدمياطي (٤): كان شيخا صالحا صدوقا صموتا عن فضول الكلام
стр. 2089
ملازما للصوم، إماما في الحديث واللغة والفقه، وقال ابن الشعّار (١) في عقود الجمان: كان فاضلا في النحو والعربية، إماما في اللغة، قدم العراق، وأقام ببغداد مديدة ثم حج ودخل اليمن، ونفق له بها سوق، ثم قدم العراق وأقام ببغداد وتامر هناك، وكان عنده خبرة بلعب الرمح والنصال والنبل والخرندازات وركوب الخيل، والتصيد بالكلاب، وجميع الآداب الملوكية، وأثرى وكثر ماله، ونفّذ إلى الخليفة يشعره أنه قد حوى من الذهب العين سبعين ألف دينار، ومثل ذلك أثاث وقماش وكتب، وغير ذلك من آلات السلاح.
وله من المصنفات في الحديث والفقه واللغة والنحو والتصريف بضع وعشرون مصنفا، منها مشارق الأنوار في الجمع بين الصحيحين، وشرح البخاري، وكتاب في علوم الحديث، ووكف السحابة في وفيات الصحابة، وكتاب/ (ص ٢٨٨) مجمع البحرين في اللغة اثنا عشر مجلدا، والعباب الزاخر واللباب الفاخر في اللغة أيضا عشرون مجلدا، وصنف كتابا في مناسك الحج ختمه بأبيات وهي: [البسيط]
شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا … فاستحمل القلص الوخادة الزادا
إذا قلا الحنظل العامي منتجعا … وعيرك انتجع السعدان والرادا (٢)
أسرت سرحك حتى آض (٣) عن كثب … نياقها رازحا والصعب منقادا
فاقطع علايق ما ترجوه عن عرض … واستودع الله أموالا وأولادا
стр. 2090
ومما أورد له ابن الشعار أيضا: [الوافر]
أطرف العين مالك لا تنام … عسى طيف يؤرقه حمام
فينقع غلة وتثيب أجرا … ويشفى من أضرّ به السّقام
تقضّت بالمنى أيام عمري … وأخلق جدتي شهر وعام
ولي أرب لو ان الدهر يوما … يقربه ويلبسني الحمام
لروض ما تصوّح من شبابي … وأضحى الشيخ وهو به غلام
توفي ببغداد ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين وستمائة ودفن بداره ثم نقل إلى مكة شرفها الله تعالى بمقتضى وصيته وإعداده لمن يحمله إليها خمسين دينارا.
ومنهم
١٦٠ - أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي نصر الكردي الشهرزوري، عرف بابن الصلاح (١)
تقي الدين الفقيه الحافظ شيخ الشافعية، رجل يرجع إلى فتاويه، ويمنع كبرياؤه من يناويه، دوّنت فتاويه وأشير إليها، وأدير زمانا العمل عليها، وكان لقنا بالحديث وأجوبته، ويفاضل ما بين رجاله وأسولته، أذهب في هذا صدر شبيبته، ولقي الخصم لا يبالي بصدم كتيبته ووطي حجج/ (ص ٢٨٩) أهل المنازعة بكلكله، ورمى شمس أرباب المقاذعة بأنكله (٢)، وكان لا يعاين
стр. 2091
بترخيص في دين، ولا تنقيص إلا لمعتدين، لكنه كان يسرّ على ابن عبد السلام (١) دقائق الضغناء، ويشحن له باطنه بحقائق الشحناء، ويعين عليه غير أهل مذهبه، ولا يخليه من حريق لهبه، ويغري به الملك الأشرف (٢) شاه، إن من موسني على ألسنة حاشيته، ويسري إليه المكايد في ليل ناشيته، ويسلط عليه قوارض الدياب، ويرمي على جسمه قوارض الذباب، إلى أن امتلأ صدر الملك الأشرف عليه حنقا، وابتدأ لا يبل عليه لغليله حرقا، لمكانة كانت لابن الصلاح ولأهل عصبيته من خاطره، ولانحراف منه على ابن عبد السلام كان يراه به قذى ناظره، إلى أن كان ما هو معروف، مما أرج به ذكر ابن عبد السلام، وعرج إلى حيث ينجلي عن الصبح الظلام، والسكوت أولى من نبش ما كان كامنا بين أئمة الإسلام، وكان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث ونقل اللغة، وكان له مشاركة في فنون عديدة، وكانت فتاويه مسدّدة، قرأ الفقه على والده، وكان من جلة المشايخ الأكراد، المشار إليهم، ثم نقله والده إلى الموصل فاشتغل بها مدة ثم سافر إلى خراسان، وأقام بها مدة،
стр. 2092
وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع إلى الشام، وتولى تدريس المدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وأقام مدة وأشغل الناس وانتفعوا به، ثم عاد إلى دمشق فولي تدريس الرّداحيه، ومشيخة دار الحديث الأشرفية، وتدريس الشامية التي داخل/ (ص ٢٩٠) دمشق، وقام بالوظائف الثلاث من غير إخلال بشيء إلا لعذر شرعيّ، وكان من العلم والدين على قدم حسنة، وله مصنفات مفيدة وإشكالات على الوسيط، وجمعت فتاويه في مجلّد ولم يزل أمره جاريا على سداد وصلاح حال، واجتهاد في الاشتغال والنفع، إلى أن توفي يوم الأربعاء، وقت الصبح، وصلّي عليه بعد الظهر وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الصوفية، ومولده سنة سبع وسبعين وخمس مائة.
ومنهم
١٦١ - يحيى بن شرف بن مزي بن الحسن بن الحسين الحزامي النووي (١)
الشافعي الحافظ شيخ الإسلام علم الأولياء، قدوة الزهاد محيي الدين أبو زكريا صاحب التصانيف، رجل علم وعمل ونجاح سؤل وأمل، وكامل وقلّ مثله في الناس من كمل، وفّق للعلم وسهّل عليه ويسّر له وسيّر إليه، من أهل بيت من نوى من كرام القرى وكرام أهل القرى، لهم بها بيت مضيف لا تخمد ناره ودار قرى لا يخمل مناره، طلع من أممهم سادات، وسمع لكرمهم عادات، وجمع لهممهم أطراف السعادات، ونبت فيهم نباتا حسنا، ونبغ ذكاء ولسنا، وأتى دمشق متلقنا للأخذ عن علمائها، متقللا من عيشها حتى كاد يعفّ فلا يشرب من مائها، فنبه شكره ونهب مدى الآفاق ذكره، وحلق اسمه، وذكر تصنيفه
стр. 2093
وعلمه، فلما سوّلت للملك الظاهر (١) بيبرس أمانيه، وحدثته نفسه من الظلم بما كاد يأتي/ (ص ٢٩١) قواعده من مبانيه، وكتب له من الفقهاء من كتب، وحمله سوء رأيه على بيع آخرته بشيء من الذهب، ولم يبق سواه فلما حضر هابه وألقى إليه الفتيا فألقاها وقال: لقد أفتوك بالباطل ليس لك أخذ معونة حتى ينفذ أموال بيت المال، وتعيد أنت ونساؤك ومماليكك وأمراؤك ما أخذتم زائدا عن حقكم، وتردوا فواضل بيت المال إليه. وأغلظ له في القول، فلما خرج قال:
اقطعوا وظائف هذا الفقيه ورواتبه، فقيل: إنه لا وظيفة له ولا راتب، قال: فمن أين يأكل؟ قالوا: مما يبعث إليه أبوه من نوى، فقال: والله لقد هممت بقتله، فرأيت كأن أسدا فاغرا فاه بيني وبينه لو عرّضت له لالتقمني. ثم وقر له في صدره ما وقر، ومدّ إليه يد المسالمة يسأله وما افتقر.
ثم كانت سمعة النووي التي شرّقت وغرّبت، وبعدت وقربت، وعظم شأن تصانيفه، وبيان البيان في مطاوي تواليفه، ثم هي اليوم محجة الفتوى وعليها العمل وما ثمّ سوى سببها الأقوى.
ولد في المحرّم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وقدم دمشق سنة تسع وأربعين فسكن في الرواحية، وتناول خبز المدرسة، وحفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع المهذب حفظا في باقي السنة، ثم حجّ مع أبيه، ومرض أكثر الطريق، قال مخبرا عن نفسه: إنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على
стр. 2094
مشايخه، شرحا وتصحيحا في الحديث والفقه والنحو والأصلين والتصريف، وأسماء الرجال. قال: وكنت أعلّق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل ووضوح عبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي، وخطر لي أن أشتغل في/ (ص ٢٩٢) الطب واشتريت كتاب القانون، فأظلم قلبي، وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال، فأفقت على نفسي، وبعت القانون فأنار قلبي.
وسمع الكتب الستة والمسانيد والموطأ وغير ذلك، ولازم الاشتغال والتصنيف ونشر العلم، والعبادة والأوراد، والصيام والذكر، والصبر على العيش الخشن في المأكل والملبس ملازمة كلّية لا مزيد عليها، ملبسه ثوب خام، وعمامته شبختانيّة صغيرة، وتخرّج به جماعة من العلماء، وكان لا يضيّع له وقتا في ليل ولا نهار إلا في اشتغال حتى في الطرق، ودام على هذا ستّ سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة، وقول الحق مع ما هو فيه من المجاهدة لنفسه والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وتصفية النفس من الشهوات والشوائب ومحقها من أغراضها، وكان حافظا للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعلله، رأسا في معرفة المذهب، [حكى أبو الحسن ابن العطار (١) عنه أنه قال: كنت مريضا بالرواحية فبينا أنا ليلة في الصفة (الشرقية) بها ووالدي وإخوتي نائمون إلى جانبي إذ عافاني الله من ألمي ونشطني للذكر فجعلت أسبّح بين السر والجهر، فبينما أنا كذلك إذا بشيخ حسن الصورة جميل المنظر يتوضأ على البركة قريبا من نصف الليل، فلما فرغ من وضوئه أتاني وقال لي: يا ولدي لا تذكر فتزعج
стр. 2095
أباك وإخوتك وأهل المدرسة فقلت: يا شيخ من أنت؟ قال: أنا ناصح لك، ودعني أكون من كنت، فوقع في نفسي أنه إبليس، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ورفعت صوتي بالتسبيح، فأعرض عني ومشى نحو باب المدرسة، فقمت أتبعه فلم أجده، ووجدت الباب مقفلا، وفتشتها فلم أجد أحدا فيها، غير من كان فيها، فقال لي والدي: ما خبرك يا يحيى؟ فأخبرته، فجعل هو وإخوتي [يتعجبون وقعدنا كلنا نسبح ونذكر … (١)].
قال ابن فرح (٢): صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث مراتب كل مرتبة منها لو كانت لشخص لشدّت إليه الرحال: العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حكى لي العلامة أبو اليسر (٣): أنه جرى في مجلس أبيه قاضي القضاة أبي عبد الله بن الصايغ (٤) ذكر النووي وشيخه العالم الرباني أبا إبراهيم إسحاق
стр. 2096
ابن أحمد بن عثمان المغربي (١) الشافعي رحمهما الله، فقال ابن الصايغ: لو أدرك القشيري (٢) - صاحب الرسالة - النووي وشيخه لما قدّم عليهما أحدا من مشايخ الرسالة، لما جمع فيهما من العلم والعمل والزهد والورع والنطق بالحكم وغير ذلك.
[وحكى الشيخ القدوة المسلك أبو الحسن علي (٣) المقيم بجامع بيت لهيا (٤) بها قال: مرضت بالنقرس رجلي فعادني النووي فلما جلس إلي جعل يتكلم في الصبر، وجعل الألم الذي بي يذهب، فلما انتهى كلامه جميعه زال الألم جميعه، فعلمت أن ذلك ببركته. أو كما قال]. (٥)
стр. 2097
وقال شمس الدين بن (١) الفخر كان إماما بارعا حافظا متقنا، أتقن علوما شتىّ وصنّف التصانيف الجمّة، وكان شديد الورع والزهد، تاركا لجميع ملاذ الدنيا من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من تين وكعك، وكان يلبس الثياب المرقّعة الرثّة ولا يدخل الحمام، ولا يأكل الفواكه، ولم يتناول من الجهات درهما، وحكى أبو الحسن ابن العطار أنه عذل في عدم دخوله الحمام، وتضييق العيش في مأكله وملبسه وأحواله وخوّف/ (ص ٢٩٣) من مرض يعطّله عن الاشتغال. فقال: إنّ فلانا صام وعبد الله حتى اخضر جلده، وكان يمتنع من أكل الفواكه والخيار، ويقول: أخاف أن ترطّب جسمي وتجلب النوم، وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة، ويشرب مرة واحدة عند السحر. قال ابن العطار: كلمته في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف، وأملاك من تحت الحجر والتصرّف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم، ثم المعاملة لهم فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف، فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك. [وأيضا فغالب من يطعم إنما يأخذ الأقلام والعين غصبا أو سرقة، لأن أحدا ما يهون عليه بيع أقلام أشجاره وكشط لحائها، ولا جرت بذلك عادة ولا تجارة أحد من خلق الله تعالى، فيطلع الثمر في نفس ذلك المغصوب أو المسروق، فتكون الثمرة ملكا لصاحب القلم أو العين لا لصاحب الشجرة ويبقى بيعه وشراؤه حراما]. (٢)
وكان لا يقبل من أحد شيئا إلا في النادر ممّن لا يستغل عليه، أهدى له فقير
стр. 2098
إبريقا فقبله، وعزم عليه البرهان الإسكندري (١) للفطر عنده في رمضان، فقال أحضر الطعام إلى هنا ونفطر جملة فأكل من طعامه، وكان لونين، وربما جمع بعض الأوقات بين أدمين، وكان يواجه الملوك والظلمة بالإنكار ويكتب إليهم ويخوّفهم بالله، كتب مرة إلى سلعك الخزاندار (٢) كافل الممالك:
من عبد الله يحيى النووي سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين أدام الله له الخيرات وبارك له في جميل أحواله آمين، ونهي إليّ العلوم الشريفة، أن أهل الشام في ضيق وضعف حال بسبب قلة الأمطار، وذكر فصلا طويلا، وفي طيّ ذلك ورقة إلى الملك الظاهر (٣)، وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووافقه مرة بدار العدل، فحكى أن الظاهر قال: أنا أفرغ منه، وحدث له معه فصول، ثم إن الشيخ سافر فزار القدس ثم عاد إلى نوى، فمرض عند والده وحضرته المنية، فانتقل إلى الله في الرابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ست وسبعين وستمائة، وقبره ظاهر مقصود بالزيارة رحمه الله تعالى. [وحكى لنا أخوه الشيخ عبد الرحمن عنه أنه لما مرض مرض موته اشتهى التفاح فأتي به فلم يأكله، فلما مات رآه بعض أهله فقال له: ما فعل الله بك فقال: أكرم نزلي وتقبل عملي، وأوّل قرى جاءني التفاح، وحكى لنا أنه لما دفن حيث هو إلى أن أراد أهله أن يبنوا على ضريحه قبّة فرأته عمته وهو يقول لها: قولي لأخي والجماعة لا يفعلوا هذا الذي عزموا عليه من البنيان عليه، فإنهم كلما بنوا شيئا يهدم عليهم]. (١٣)
стр. 2099
ومنهم
١٦٢ - أحمد بن عبد الحليم (ابن تيمية) (١)
(ص ٢٩٤) أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني العلامة الحافظ الحجة المجتهد المفسر شيخ الإسلام، نادرة العصر، علم الزهاد تقي الدين أبو العباس ابن تيمية، هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي أتيته، جزت آباده لشأو (٢) ما قنع به، ولا وقف عنده طليحا (٣) مريحا من تعبه طلبا لا يرضى لغاية، ولا يقضى له بنهاية، رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم (٤)، وقطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أنسى السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه: (٥) [الوافر]
стр. 2100
وثقّف الله أمرا بات يكلؤه … يمضي حساماه فيه السيف والقلم
بهمة في الثريا أثر أخمصها … وعزمة ليس من عاداتها السأم
على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، ونشأت منه عظماء على المشاهير الشهور، فأحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الطريب ما غرس، وأصبح في فضله آية، إلا أنه آية الحرس، عرضت له الكدى (١) فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها (٢)، ثم كان أمة وحده، وفردا حتى نزل لحده، أخمل من القرناء كل عظيم، وأخمد من أهل الفناء كل قديم، ولم يكن منهم إلا من يجفل عنه أجفال الظليم (٣)، ويتضاءل لديه العديم.
ما كان بعض الناس إلا مثلما … بعض الحصا الياقوتة الحمراء
جاء في عصر مأهول بالعلماء مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم (٤)، وتشرق في أنديته (ص ٢٩٥) بدور دجنّة، وصدور أسنّة، وتثأر جنود زعبل (٥)، ويزأر أسود عيل (٦)، إلا أن
стр. 2101
صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طمّ على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلت قسورته على تلك السباع، ثم عبيت له الكتائب فحطّم صفوفها وخطم أنوفها، وابتلع غديره المطمئن جداولها، واقتلع طوده (١) المرجحن جنادلها (٢)، وأخمدت أنفاسهم ريحه، وأكمدت شراراتهم مصابيحه. [الوافر]
تقدم راكبا فيهم إماما … ولو لاه لما ركبوا وراءه
فجمع أشتات المذاهب، وشتات المذاهب، ونقل عنه أئمة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثل صورهم الذاهبة وأحضرها، فلو شعر أبو حنيفة (٣) بزمانه وملك أمره لأدنى عصره إليه مقتربا، أو مالك (٤) لأجرى وراءه أشبهه ولو كبا، أو الشافعي (٥) لقال: ليت هذا كان للأم (٦) ولدا وليتني كنت له أبا، أو الشيباني ابن حنبل (٧) لما لام عذاره (٨) إذا غدا منه، لفرط
стр. 2102
العجب أشيبا، لا بل داود الظاهري (١) وسنان الباطني (٢) لظنا تحقيقه من منتحله، وابن حزم والشهرستاني لحشر كل منهما ذكره أمة في نحله (٣)، والحاكم النيسابوري والحافظ السّلفي لأضافه هذا إلى استدراكه وهذا إلى رحله (٤). ترد إليه الفتاوى ولا يردها، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنه كان قاعدا لها يعدها. [الكامل]
أبدا على طرف اللسان جوابه … فكأنما هي دفعة من صيّب
يغدو مساجله بغرّة صافح … ويروح معترفا بذلة مذنب
ولقد تضافرت عليه عصب الأعداء فأقحموا إذ هدر فحله، وأفحموا إذ زمزم (ص ٢٩٦) ليجني الشهد نحله، ورفع إلى السلطان غير ما مرة ورمي بالكبائر، وتربصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب، ونم وما زاد على أنه اغتاب، وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثم إلى
стр. 2103
الإسكندرية، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق (١)، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزباني المنون، وهو على علم يسطر صحفه، ويدخر تحفه، وما بينه وبين الشيء إلا أن يصنفه، ويقرظ به، ولو سمع امرئ واحد ويشنفه، حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبتها إلى مهواتها قرارة الرزايا، وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل ساحة تربه وما يحاذر، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات لا بل حيي، وعرف قدره لأن مثله ما ربي، وكان يوم دفنه يوما مشهودا، ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وسار مرفوعا على الرءوس متبوعا بالنفوس (٢)،
стр. 2104
تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافعة لا أبعد كن الله من شجرات، وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله، وينبذ في حفرة اعتقاله، لا تبرد له غلة بالجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة، والبحث حيث العيون ناظرة، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله، أو يمنعه من الفتوى أو بأشياء من نوع هذه البلوى (ص ٢٩٧) أبعد إقامة بيّنة ولا تعدم دعوى ولا ظهور حجة بالدليل ولا وضوح محجة للتأميل، وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى، ولا يطغى ضرم عدوى، وكل امرئ حاز المكارم محسود: [الكامل]
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغضا إنه لدميم
كل هذا لتبريزه في الفضل حيث قصرت النظراء، وتجليته كالمصباح إذ أظلمت الآراء، وقيامه في دفع حجة التتار، واقتحامه وسيوفهم تتدفق لجة البدار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان (١)، حيث تجم الأسد في
стр. 2105
آجامها (١)، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، وتجد النار فتورا في ضرمها، والسيوف فرقا في قرمها (٢)، خوفا من ذلك السبع المغتال، والنمروذ المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيله محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرا في بحره، وطلب منه الدعاء فرفع يديه، ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على دعائه، وهو مقبل إليه، ثم كان على هذه المواجهة القبيحة، والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان، والمغل من كل من طلع معه إليهم، وهو سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ماله من