← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وعائشة: قال الزهري (١): أدركت أربعة بحور فذكر منهم عبيد الله المذكور، وقال أيضا: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله ابن عبد الله، فإذا كأني ليس في يدي شيء، وقال عمر بن عبد العزيز (٢): لأن يكون لي مجلس/ (ص ٢٥٧) من عبيد الله أحب إلي من الدنيا، وكان ناسكا، وتوفي سنة ثمان ومائة، وله شعر، فمن ذلك ما أورده له صاحب الحماسة (٣) فيها: [الوافر] شققت القلب ثم ذررت فيه … هواك فليم فالتأم الفطور (٤) تغلغل حب عثمة (٥) في فؤادي … فباديه مع الخافي يسير توغّل حيث لم يبلغ سراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور ولما قال هذا الشعر، قيل له: أتقول مثل هذا؟ فقال: في اللدود (٦) راحة المفقود (٧)، وهو القائل لا بدّ للمصدور أن ينفث. ومنهم ١٣٤ - خارجة بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان أبو زيد الأنصاري (٨) أحد الفقهاء السبعة، والعلماء أهل السمعة، ولد المستأمن على جمع القرآن،

стр. 2032

والمستأمر في عظيم هذا الشأن ابن كاتب الوحي، وصاحب الوعي، ما قصّر عن السّبق، ولا تأخر إذ حلّق، ولا انقطع عن ذيل ذلك السلف الذي به تعلّق، ما جحد علوّ قدره إلا من لا يعرف مدارجه، ولا أمّل الرقيّ إليه إلا أنكر معارجه، ولا فضّل عليه سواه إلا ظهر له باطل رأيه، فقال أردت عمرا، وأراد الله خارجة. قال مصعب بن عبد الله (١) كان خارجة بن زيد وطلحة (٢) بن عبد الله بن عوف في زمانهما يستفتيان، وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث من الدّور والنخل والأموال بين أهلها، ويكتبان الوثائق للناس. وقال خارجة: والله لقد رأيتنا ونحن غلمان شباب في زمان عثمان، فدفن في مؤخّر البقيع، وقال ابن سعد (٣): قال خارجة: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تدهورت، وهذه السنة لي سبعون سنة قد

стр. 2033

أكملتها، قال: فمات فيها./ (ص ٢٥٨) قال الواقدي (١) والهيثم (٢) بن عدي والجماعة: توفي سنة مائة، وقال الفلاّس (٣): توفي سنة تسع وتسعين، وقال رجاء بن (٤) حيوة لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين قدم قادم الساعة فأخبرنا أن خارجة بن زيد مات، فاسترجع وصفق بإحدى يديه على الأخرى، وقال: ثلمة والله في الإسلام.

стр. 2034

ومنهم ١٣٥ - عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار الشعبي الكوفي (١) ذو اللفظ المتشعب، والحفظ المستوعب، والفهم الذي يذلل المستصعب، والعلم المريح إلا أنه لغيره المتعب، وكان يدمّث حواشي علمه بمزاح يندى أطاريفه، وبسط يوطّا رئفه (٢)، فكاهة تصقل الأفهام، وتزيل صدى الأوهام، وتحلّ عقد النشاط، وتمد طرف الانبساط، يمزح ولا يعدو الحق وإن لعب، ولا يزيد على أن يريح من حبسه الانحصار التعب، ولد سنة إحدى وعشرين، وقيل قبل ذلك، ويقال إنه أدرك خمسمائة من الصحابة، وروي أن ابن عمر مرّ به يوما وهو يحدّث بالمغازي فقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وحكى الشعبي قال: أنفذني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شئ إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أياما كثيرة، حتى استحثثت خروجي، فلما أردت الانصراف، قال: من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا، ولكني رجل من العرب في الجملة، فهمس بشيء، فدفعت إليّ رقعة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك، فأوصل إليه هذه الرقعة، قال: فأديت الرسائل عند وصولي إلى عبد الملك، وأنسيت الرقعة، فلما صرت في بعض الدار أريد الخروج فذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرأها قال: أقال لك شيئا قبل أن يدفعها/ (ص ٢٥٩) إليك، قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت لا، ولكني رجل من العرب في الجملة. ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رددت، فلما مثلت بين يديه، قال لي: أتدري ما في

стр. 2035

هذه الرقعة قلت: لا، قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملّكوا غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك. قال: أفتدري لم كتبها، قلت: لا، قال: حسدني عليك، وأراد أن يغريني بقتلك. قال: فتأدّى ذلك إلى ملك الروم، فقال: ما أردت إلا ما قال. وروي أن الشعبي كلّم [عمرو] بن هبيرة (١) أمير العراقين في قوم حبسهم ليطلقهم فأبى، فقال له: أيها الأمير: إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم، فأطلقهم. وكان قد ولد هو وأخ آخر في بطن، وأقام في البطن سنتين، ويقال: إن الحجاج قال له يوما: كم عطاءك في السنة؟ فقال: ألفين. فقال: ويحك كم عطاؤك؟ فقال: ألفان، فقال: كيف لحنت أولا؟ قال: لحن الأمير فلحنت، فلما أعرب أعربت، وما أمكن أن يلحن الأمير فأعرب أنا، فاستحسن ذلك منه وأجازه. وكان مزّاحا، يروى أن رجلا دخل عليه يوما ومعه امرأة في البيت، فقال: أيكم الشعبي؟ فقال: هذه. وكان نحيفا ضئيلا، فقيل له يوما: ما لنا نراك ضئيلا، فقال: زوحمت في الرحم، أشار إلى توءمه المذكور. وكان إماما حافظا ذا فنون، قال أحمد العجلي (٢): مرسل الشعبي صحيح،

стр. 2036

لا يكاد يرسل إلا صحيحا. وقال الشعبي ما كتبت سوداء في بيضاء. وروى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه طائفة كبيرة منهم: أبو حنيفة (١) والأعمش (٢). توفي سنة أربع ومائة، ويقال: سنة ثلاث والله أعلم./ (ص ٢٦٠) ومنهم ١٣٦ - طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني أبو عبد الرحمن (٣) من أبناء الفرس الذين سيّرهم كسرى إلى اليمن. أحد الأعلام التابعين، طار بجناح العلم المأنوس، وزاد به حسنا إذ جناح طاووس، ذو حق يلهو بمن مزح، ورياش ما فضل منه عن ريش طاووس إلا ما فضل لقوس قزح، وحلي ما ازدانت به عقايل (٤) الأرض، وحلل ما لبست ثيابه الخود (٥) والبعض أقصر من بعض، هذا من علم نافع به ينبّأ، وعمل صالح له يخبّأ، ويقين ما عليه أن الليل بفجره المماطل يربأ، ولا أنّ الصباح في جيشه المطل يعبأ، لنور جلاله الصدق صفيحته، وأري بصر بصيرته صبيحته. قال عمرو بن دينار (٦): ما رأيت أحدا مثل طاووس.

стр. 2037

وقال قيس بن سعد (١)، كان طاووس فينا مثل ابن سيرين في أهل البصرة، وقال ابن طاووس: إني لأظن طاووسا من أهل الجنة. وقال النعمان بن الزبير الصنعاني (٢): بعث أمير المؤمنين (٣) إلى طاووس بخمسمائة دينار فلم يقبلها، وقال إبراهيم بن ميسرة (٤): ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة إلا طاوسا. وكان طاووس شيخ أهل اليمن وبركتهم ومفتيهم، له جلالة عظيمة، وكان كثير الحج، فاتفق موته بمكة قبل التروية بيوم سنة ست ومائة وصلى عليه هشام ابن عبد الملك (٥).

стр. 2038

وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١): من زعم أن قبره ببعلبك فهو مخطئ غالط، ولعله قبر رجل آخر اسمه طاوس، كما يطابق قبر أبيّ وليس بالصحابي. ومنهم ١٣٧ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي (٢) أحد فقهاء المدينة، ابن ذينك الأبوين (٣)، وثالث ذينك الاثنين، ووارث ذلك التراث، وحايز ذلك الميراث، بقيّة طينة الضجيع، ولمعة ذلك السيف الصنيع. قال عمر بن عبد العزيز (٤): لو كان لي من الأمر شئ - يعني بعده - لما عدوت بها القاسم بن محمد (٥) أو سالم بن عبد الله أو إسماعيل صاحب الأحوص (٦)، وصدق عمر فإن الخلافة بعده كانت بعهد من سليمان (٧) إلى أخيه يزيد بن عبد الملك (٨). وقد ضمّنت/ (ص ٢٦١) كتابي فواضل السّمر من ذكره ما هو المسك لمنتسق (٩) والغاية لمستبق، وكان من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم.

стр. 2039

روى عن أبيه وغيره، وروى عنه الزهري وطائفة. قال أحمد (١) وإسحاق (٢): أصح الطرق: الزهري عن سالم عن أبيه. وقال ابن إسحاق (٣): رأيت سالما يلبس الصوف ويعالج بيديه ويعمل. وقال مالك (٤): لم يكن أحد في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل [منه] (٥). وكان علج الخلق (٦)، شديد الأدمة (٧)، خشن العيش. ودخل هشام بن عبد الملك (٨) الكعبة فرأى سالما، فقال له: سلني حوائجك فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله تعالى. وكان يأتدم الخل والزيت حتى كانت له منه عكنة (٩)، فقال له هشام وقد رأى

стр. 2040

عكنته -: ما إدامك؟ قال: الخل والزيت. قال: أفما تمله؟ قال: إذا مللته تركته حتى أشتهيه. فمرض سالم فمات. فقال أهل المدينة: إنه أصاب بعينه عالمنا. وكانت وفاته في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة. وقيل سنة ثمان ومائة وكان هشام بن عبد الملك يومئذ بالمدينة، وكان قد حجّ بالناس تلك السنة، ثم قدم المدينة، فوافق موت سالم، فصلىّ عليه بالبقيع لكثرة الناس، فلما رأى هشام كثرتهم، قال لإبراهيم بن هشام المخزومي (١): اضرب على الناس بعث أربعة آلاف فسميّ عام أربعة آلاف. ومنهم ١٣٨ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي (٢) أحد الفقهاء السبعة، سلالة ذلك الصديق، وسلافة (٣) ذلك الرحيق، المفضّل العالم، والمفضل على سالم. وبه بدأ عمر بن عبد العزيز الثلاثة (٤)، وكاد ينص عليه باستحقاق على أنها لو أتته، وجاءته صفوا وواتته، لما قبل لوبها (٥)، ولا حمل

стр. 2041

حوبها (١)، ولا/ (ص ٢٦٢) رضي بها من تراث كريم لا يبالي العواقب، ولا يوالي إلا المناقب، وحسبك من رجل يفضّل حتى على سالم بن عبد الله بن عمر، وإن نبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر، كان أفضل أهل زمانه من سادات التابعين، روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه طائفة من كبار التابعين. قال يحيى بن سعيد (٢): ما أدركنا أحدا نفضّله على القاسم بن محمد، وقال مالك: كان القاسم بن محمد من فقهاء هذه الأمة، وقال ابن إسحاق (٣): جاء رجل إلى القاسم فقال: أنت أعلم أم سالم؟ فقال: ذاك مبارك، سالم، قال ابن إسحاق: كره أن يقول هو أعلم مني فيكذب، أو يقول: أنا أعلم فيزكي نفسه، وكان القاسم أعلمهما، وقال أبو الزناد (٤): ما رأيت فقيها أعلم من القاسم، وما رأيت أحدا أعلم بالسنّة منه، وقال ابن عيينة (٥): كان أفضل أهل

стр. 2042

زمانه، وأمه هي ابنة يزدجرد (١)، وربيّ يتيما في حجر عمته عائشة ﵂، وتوفي سنة سبع ومائة بقديد (٢)، وقال: كفّنوني في ثيابي التي كنت أصلّي فيها، قميصي وإزاري وردائي، فقال ابنه: يا أبه ألا تريد ثوبين جديدين؟ فقال: هكذا كفّن أبو بكر في ثلاثة أثواب، والحيّ أحوج إلى الجديد من الميّت، وكان عمره سبعين سنة، وقيل اثنتين وسبعين. ومنهم ١٣٩ - سليمان بن يسار (٣) مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ورضي عنها، أبو أيوب، أحد الفقهاء السبعة، وآخرهم وفاة، ورع لا تجره المطامع، ولا تغرّه المجامع، ولا يسرّه خيلاء الكبر إذا ألقيت إليه المسامع، ولا يضره كلمة الحق إذا قالها وغصّت بها المدامع، مشرّف بولاء ذلك الحجاب الممنّع، والجناب الذي لا تعلّق به مطمع، والستر الذي يتدانى له السحاب ويخضع، ويخشع الرعد علما بأنه بوميض البرق لا يخدع، زهّده في الدنيا/ (ص ٢٦٣) معرفته بحقيقتها، وأنفته من سوء طريقتها، لعلمه الغزير، ودينه وما هو منه بكثير، كان عالما ثقة عابدا ورعا حجة، قال قتادة (٤):

стр. 2043

قدمت المدينة فسألت من أعلم أهلها بالإطلاق؟ فقالوا: سليمان بن يسار، وقال الحسن بن محمد بن الحنفية (١): سليمان أفهم عندنا من سعيد بن المسيّب (٢)، وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيّب يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار. روى عن طائفة من الصحابة، وروى عنه جماعة من التابعين. قال مصعب ابن عثمان (٣): كان سليمان بن يسار من أحسن الناس، فدخلت عليه امرأة فراودته، فامتنع، فقالت: إذا أفضحك فتركها في منزله وهرب. وهو أخو عطاء (٤) وعبد الملك (٥) ابني يسار، توفي في سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل قبل ذلك.

стр. 2044

ومنهم ١٤٠ - الحسن بن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد (١) السيد المذكور، والفرد الموصوف، والندرة في الدهر، والواحد في الزمان، والعديم النظير على كثرة الأقران، ما كشفت البصرة عن مثله سجوف (٢) مشارقها، ولا أبصرت شبهه أحداق حدائقها، ولا سقت نظير نضرة أبلّتها (٣). ولا شفيت بمثل رواء أريه غلّتها، ولا جال بين جنبي برها وبحرها أفضل منه بعد السلف الأوّل رجلا، ولا أرجى منه في الخلف الصالح عملا، ولا أسير في الآفاق وأعلق بالأسماع إذا ذكر مثلا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بالمدينة، ويقال: إنه ولد على الرق، فإن أباه مولى زيد بن ثابت (٤)، ويقال: مولى جميل (٥) بن قطبة، وأمه

стр. 2045

خيرة (١) مولاة أم سلمة (٢) زوج النبي ﷺ ، وكانت أمه ربما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة ﵂ ثديها، تعلّله به إلى/ (ص ٢٦٤) أن تجيء أمه، فيدرّ ثديها عليه فيشربه، فيرون أن تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك، ثم نشأ بوادي القرى وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان وسمعه يخطب مرات، وكان يوم الدار (٣) ابن أربع عشرة سنة، ثم كبر ولازم الجهاد والعلم والعمل وكان أحد الشجعان الموصوفين، يذكر مع قطري بن الفجاءة (٤)، وصار كاتبا في دولة معاوية لوالي خراسان، الربيع بن زياد (٥). قال ابن سعد: كان عالما رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا كثير العلم فصيحا جميلا وسيما، وما أرسله فليس

стр. 2046

بحجة. وقال أبو عمرو بن العلاء (١): ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج بن يوسف، وكان عرض زند الحسن شبرا. ومن كلامه: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه إلا الموت. ولما ولي عمر بن هبيرة (٢) الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان في أيام يزيد بن عبد الملك (٣) استدعى الحسن البصري ومحمد بن (٤) سيرين والشعبي (٥)، وذلك سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاّني ما ترون، فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه بقيّة (٦). فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك

стр. 2047

ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك، يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تتركن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة/ (ص ٢٦٥) الحسن. ورأى الحسن يوما رجلا وسيما حسن الهيئة، فقيل: إنه يسحر للملوك ويحبّونه فقال: لله أبوه ما رأيت أحدا طلب الدنيا بما يشبهها إلا هذا. ودخل يوما على أمه وفي يدها كرّاثة تأكلها، فقال لها: يا أمّ ألق هذه البقلة الخبيثة من يدك، فقالت يا بني إنك قد كبرت وخرفت، فقال: يا أمّه أينا أكبر؟ وأكثر كلامه حكم وبلاغة. ومناقبه كثيرة، وقد جمعها الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١) في جزء سماه الزخرف القصري في مناقب الحسن البصري وتوفي بالبصرة في مستهل رجب سنة عشر ومائة عن ثمان وثمانين سنة وكانت جنازته مشهورة، وكان من بحور العلم، فقيه النفس، كبير الشأن، عديم النظير مليح التذكير، بليغ الموعظة رأسا في أنواع الخير ﵀. ومنهم ١٤١ - مكحول بن عبد الله الشامي (٢) من سبي كابل مولى لامرأة من قيس لم يعده مأمول، ولم يعدّه سبب موصول، لعلم لم يسه عنه ولم يطر مذهول، ولم يله من غيره بأغرّ غضيض الطرف مكحول، تديّر بيروت مدة مرابطا حيث البحر تجول أساطيله، والعدو تجوز أباطيله، فلاطف بحسناه وإحسانه، وجاهد بسنانه ولسانه، وجرد لذلك

стр. 2048

البحر أمضى من صوارمه، وجلا في ذلك الثغر أضوأ من مباسمه، وأطال الحافظ ابن عساكر (١) في ترجمته التي ذكرها، وقالها على رؤوس العلماء فما فيهم من أنكرها. قال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول (٢) بالشام. ولم يكن في زمنه أبصر منه بالفتيا، وكان لا يفتي حتى يقول: / (ص ٢٦٦) لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي، والرأي يخطئ ويصيب، وكان سنديا لا يفصح وفي لسانه عجمة ظاهرة ويبدل بعض الحروف ببعض، وكان مقامه بدمشق، توفي سنة ثلاث عشرة ومائة. ومنهم ١٤٢ - عطاء بن أبي رباح (٣) القرشي مولاهم مفتي أهل مكة ومحدثهم، القدوة العلم أبو محمد، لقد عرّف به فضله حيث لا أنساب، وأعطي الزمان منه عطاء بلا حساب، لقد عبقت أرادنه (٤) بمسكها، وفتّت كافور الصباح في مسكها (٥)، ووقفت عليه الركائب بمكة لتمام نسكها، لا يردّ عليه إذا أفتى، ولا يعدّ معه أكرم يدا منه ولا أفتى، ولقد كانت بقايا الصحابة تشير إليه بالتعظيم، وتشير منه بالتعليم، وتثير منه

стр. 2049

لأهل المطالب كنزا لا يردّ منه عديم، ولد في خلافة عثمان وقيل في خلافة عمر وهو أشبه، وسمع عائشة وأبا هريرة وابن عباس وطائفة، وروى عنه جماعة من الأئمة كابن إسحاق (١) والأوزاعي (٢) وأبي حنيفة (٣)، وخلق كثير، وكان أسود مفلفلا فصيحا كثير العلم من مولّدي الجند، قال أبو حنيفة: ما رأيت أفضل من عطاء، وقال ابن جريج (٤): كان في المسجد فراشه عشرين سنة، وكان أحسن الناس صلاة، وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس. وقال إسماعيل بن أمية (٥): كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم خيّل إلينا أنه يؤيّد (٦)، وقال عبد الله بن عباس (٧): يا أهل مكة تجتمعون إلي وعندكم عطاء، وقدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء، وقال جعفر (٨) الباقر: ما بقي على وجه الأرض أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء.

стр. 2050

توفي في رمضان سنة أربع عشرة ومائة وقيل سنة خمس عشرة بمكة. ومنهم (ص ٢٦٧) / ١٤٣ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني القرشي (١) مولاهم أبو عبد الرحمن فقيه المدينة، وفقيد المثل لا تجد قرينه، بزغ في علم، ونزع حتى لا يراد منه إلا السّلم، كان إذا لذّ (٢) بالقرناء وهزّ للفناء (٣)، طال وقصّروا، ونصر واستنصروا، واعترف له بالنجاحة، وعرف لمجاهدته في الليل ما ينوّر صباحه، وولىّ جند الحندس (٤) مهزوما وفي جنبه البرق جراحه، سمع أنس ابن مالك (٥)، وأبا أمامة (٦) بن سهل وعبد الله (٧) بن جعفر وسعيد بن المسيّب،

стр. 2051

وهو راوية عبد الرحمن (١) الأعرج، وحدّث عنه (٢) مالك وشعيب (٣) بن أبي حمزة، والليث (٤) والسفيانان (٥)، وابنه (٦) عبد الرحمن، وخلق، وكان أحد الأئمة الأعلام، قال الليث بن سعد: رأيته وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب فقه وطالب شعر وصنوف. قال ثم لم يلبث أن بقي وحده وأقبلوا على ربيعة، وقال أبو حنيفة: رأيت أبا الزناد وربيعة وأبو الزناد أفقه الرجلين، وقال أحمد بن حنبل: هو أعلم من ربيعة، قال: وكان سفيان يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في

стр. 2052

الحديث، وقال مصعب الزبيري (١): هو كان فقيه أهل المدينة، وكان صاحب كتابة وحساب، وفد على هشام بحساب ديوان المدينة، وكان يعاند ربيعة، وقال إبراهيم بن المنذر (٢): كان هو سبب جلد ربيعة، فولي بعد أمير فطيّن على أبي الزناد بيتا، فشفع فيه ربيعة، وقيل: إن أبا الزناد هو ابن أخي أبي (٣) لؤلوة قاتل عمر بن الخطاب ﵁، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقيل سنة ثلاث وثلاثين. ومنهم ١٤٤ - ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرّوخ مولى آل المنكدر (٤) التيمي، أبو عثمان، ويقال: أبو عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي فقيه أهل

стр. 2053

/ (ص ٢٦٨) المدينة إمام ما دجت مشكلة إلا أن كان سراجها، ولا أعيت مسألة إلا فرى بأول ضربة أوداجها. ولا فخرت رتبة إلا كان تاجها، ولا زخرت حجة إلا خرق برأيه الصائب أمواجها، سعد بن مالك وشقي، وتقدم عليه وبقي، وحدّث عنه والمسجد يجمعهما، وضيق ذكره الطائر مسالكه والمدينة تسعهما، رزق دونه الحظوة، وتمسك بذيله وحلّ قبله الذروة، ولم يؤخره إلا شقاشق (١) جعلت صواب مقاله هدرا، وصفو زلاله كدرا، وطالع نجمه منكدرا، ومحلّق سهمه منحدرا، وما هي إلا إحاظ قسّمت وجدود، وشقاوة قدّرت في سابق القدم وسعود، أدرك جماعة من الصحابة، وروى عن أنس وغيره وعنه أخذ الثوري ومالك وسليمان (٢) بن بلال، وإسماعيل (٣) بن جعفر وأنس (٤) بن عياض، وكان حافظا حجّة فقيها

стр. 2054

مجتهدا حاذقا، قال بكر بن (١) عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس، فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي فكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في الطاق (٢)، فأتينا ربيعة فأنبهناه، وقلنا له: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك، وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالا من دولة خير من حمل من علم، وكان ربيعة يكثر الكلام ويقول: الساكت بين النايم والأخرس، وكان يوما يتكلم في مجلسه، فوقف عليه أعرابي دخل من البادية، فأطال الوقوف والإنصات إلى كلامه، فظن ربيعة. أنه قد أعجبه كلامه، فقال له: يا أعرابي ما البلاغة عندكم؟ فقال: الإيجاز مع إصابة المعنى، فقال: وما/ (ص ٢٦٩) العيّ قال: ما أنت فيه مذ اليوم، فخجل ربيعة، وكانت وفاته سنة ست وثلاثين (٣) ومائة بالهاشمية وهي مدينة بناها السفاح (٤) بأرض الأنبار، وكان يسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار، قال مالك: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.

стр. 2055

ومنهم ١٤٥ - يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الحافظ (١) شيخ الإسلام أبو سعيد الأنصاري النجاري المدني، قاضي المدينة ثم قاضي القضاة للمنصور، المقدّم في سالف العصور، والمقدم على ذلك الليث الهصور، اختاره مثل ذلك الرجل، وأقامه حيث تضرب إليه آباط الأنياق الذلل، وقدّمه في ذلك الجيل، ولحظه بما يستحق من التبجيل، وأخلي له الميدان كيف شاء يجيل، فلهذا رمّ ما فسد، وتم له ما أرضى ذلك الضرغامة الأسد. حدّث عن أنس بن مالك (٢)، والسايب بن يزيد (٣)، وأبي أمامة ابن سهل (٤)

стр. 2056

وسعيد بن المسيّب (١) والقاسم بن محمد (٢) وخلق، وروى عنه شعبة (٣) ومالك (٤) والسفيانان (٥) والحمادان (٦) وابن المبارك (٧) ويحيى القطان (٨)، ويزيد ابن هارون (٩)، وأمم سواهم.

стр. 2057

قال أيوب السختياني (١): ما تركت بالمدينة أحدا أفقه من يحيى بن سعيد، وقال أبو حاتم (٢): ثقة يوازي الزهري (٣)، وقال يحيى بن القطان هو مقدّم على الزهري، اختلف على الزهري، وهو لم يختلف عليه، وقال الثوري: كان من الحفّاظ، وقال سليمان بن بلال، كان يحيى بن سعيد قد ساءت حاله، وأصابه ضيق شديد، وركبه الدّين، فجاءه كتاب المنصور (٤) بالقضاء، فوكّلني بأهله، وقال لي: والله ما خرجت وأنا أجهل شيئا، فلما قدم العراق كتب إلي،: والله لأوّل خصمين جلسا بين يدي، فاقتضيا شيئا، والله ما سمعته قط فإذا جاءك كتابي. فسل ربيعة (٥) واكتب إليّ بما يقول، واكتم هذا./ (ص ٢٧٠) قال سليمان: ولما سار خرجت معه أشيعه، فاستقبله جنازة فتغيّرت فقال لي: يا أبا محمد أراك تغيرت؟! فقلت: اللهم لا طير إلا طيرك، قال والله لئن صدق طيرك لينعشنّ أمري، قال: فما أقام إلا شهرين حتى قضى دينه وأصاب

стр. 2058

خيرا، وقال أحمد بن حنبل (١): يحيى بن سعيد أثبت الناس، وقال يحيى بن أيوب المقابري (٢): حدّثني أبو عيسى (٣) وغيره: أن قوما كان بينهم وبين المسيّب بن زهير (٤) خصومة فارتفعوا إلى يحيى بن سعيد قاضي أبي جعفر، فكتب إليه يحيى أن يحضر فأتوا المسيّب بكتابه فانتهرهم وتمنّع، فأتوا يحيى فأخبروه، فقام مغضبا، يريد المسيّب، فوافقه وقد ركب بين يديه نحو المائتين من الخشّابة (٥)، فلما رأوا يحيى أفرجوا له، فأتى المسيّب وأخذ بحمايل سيفه ورمى به إلى الأرض، ثم نزل عليه يحيى يخنقه، قال: فما خلص حمايل السيف من يده إلا أبو جعفر المنصور بنفسه. وقال يحيى بن سعيد: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلّل هذا ويحرّم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، وإن المسألة لترد على أحدهم مثل الجبل، فإذا فتح له بابها، قال:

стр. 2059

ما أهون هذه، وقال يزيد بن هارون (١): حفظت ليحيى بن سعيد ثلاثة آلاف حديث فمرضت فنسيت نصفها. توفي بالهاشمية سنة ثلاث وأربعين ومائة./ (ص ٢٧١) ومنهم ١٤٦ - سليمان بن مهران (٢) مولى بني كاهل أبو محمد المعروف بالأعمش الكوفي الإمام المشهور شهرة الأعلام، المذكور ذكر الروض للغمام، الدمث الأخلاق المنبعث انبعاث الشمس في الآفاق، المخضر عوده الرطيب، المفترّ ثغره الشنيب (٣)، المنهلّ ندى ورقاته، المخضلّ نديّ أوقاته للفاكهة تؤتي أكلها كل حين، وآداب لو تومي إلى الحنادس لمحين، مداعبه ألطف من كؤوس الأندرين (٤)، وأخفّ من وصل الحبايب إن درين .. قدم أبوه الكوفة وامرأته حامل بالأعمش، فولدته بها سنة ستين للهجرة، وقيل: إنه ولد يوم مقتل الحسين وهو يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وحضر أبوه قتل الحسين، وعدّه ابن قتيبة (٥) في المعارف في جملة من حملت به أمه سبعة

стр. 2060

أشهر، ولا يعرف بغير الكوفي، وكان يقارن الزهري (١) في الحجاز، ورأى أنس ابن مالك (٢)، وكلمه لكنه لم يرزق السماع عليه، وما يرويه عنه فهو إرسال، ولقي كبار التابعين، وروى عنه خلق كثير من جلّة العلماء، وقال أبو معاوية الضرير (٣): بعث هشام بن عبد الملك (٤) إلى الأعمش أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوي علي، فأخذ القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها وقال لرسوله: قل له هذا جوابك، فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك، وتحمّل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد خلّصه من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد يا أمير المؤمنين، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كانت لعلي مساوي أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويصة نفسك. وقال زائدة بن قدامة (٥): تبعت الأعمش يوما، فأتى المقابر فدخل قبرا محفورا، فاضطجع فيه، ثم خرج منه وهو ينفض التراب عن رأسه/ (ص ٢٧٢) ويقول: واضيق مسكناه. قال علي بن المديني (٦): له نحو

стр. 2061

ألف وثلاثمائة حديث، وقال ابن عيينة (١): كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله، وأحفظهم للحديث، وأعلمهم بالفرائض، وقال أبو حفص الفلاس (٢): كان الأعمش يسمّى المصحف من صدقه، وقال القطّان (٣): هو علاّمة الإسلام، وقال وكيع (٤): كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى. وقال الحربيّ (٥): ما خلف أعبد منه، وكان صاحب سنّة، وكان مع هذا كله مزّاحا جاء أصحاب الحديث يوما ليسمعوا عليه، فخرج إليهم وقال: لولا أن في منزلي من هو أبغض إليّ منكم ما خرجت إليكم، وجرى بينه وبين زوجته يوما كلام، فدعا رجلا ليصلح بينهما، فقال لها الرجل: لا تنظري إلى عمش عينيه، وحموشة ساقيه، فإنه إمام وله قدر، فقال له الأعمش خزاك الله ما أردت إلا أن تعرفها

стр. 2062

عيوبي، وقال له داود بن عمر الحايك (١) ما تقول في الصلاة خلف الحايك؟ فقال لا بأس بها على غير وضوء، قال: ما تقول في شهادة الحايك، قال تقبل مع عدلين، ويقال: إن الإمام أبا حنيفة عاده يوما في مرضه، فطوّل القعود عنده، فلما عزم على القيام، قال له: ما كأني إلا ثقلت عليك فقال: والله إنك لثقيل عليّ وأنت في بيتك، وعاده أيضا جماعة فأطالوا الجلوس عنده، فضجر منهم، فأخذ وسادته، وقام وقال: شفا الله مريضكم بالعافية، وله أخبار، وملح مشهورة. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة. ومنهم ١٤٧ - محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن (٢) الفقيه المقرى مفتي الكوفة وقاضيها، قام بها حتى أكمد قلوب المعتدين، وأرمد عيون أعداء الدين، بفضل يبهر الشموس اللامعة، والغصون اليانعة،/ (ص ٢٧٣) والبروق الخواطف والسحب المبتلة المعاطف، لم تزل آفاته وإفادته للمستظل والمستبين، وفتاويه وفتوته للجهول والمسكين، بشيء تفرد به في زمانه سجيّة طبع عليها نقده المبين، وجمع عقده الثمين، فسلّم بها الكمال لواهبه، والجمال لما يزرّر عليه في جلاببه، حدّث عن الشعبي (٣) وعطاء (٤)

стр. 2063

والحكم (١) ونافع (٢) وعمرو بن مرة (٣) وطائفة، وكان أبوه من كبار التابعين، فتوفي وهو طفل فلم يدرك الأخذ عنه، وحدّث عنه شعبة (٤) والسفيانان (٥) وزائدة (٦) ووكيع (٧) وأبو نعيم (٨) وعمران (٩) ابنه، قال أحمد بن يونس (١٠): كان محمد بن أبي ليلى أفقه أهل الدنيا، وقال أحمد بن عبد الله العجلي (١١)،

стр. 2064

كان فقيها صدوقا، صاحب سنّة، جايز الحديث، صاحب سنة، جايزا عالما بالقرآن، قرأ عليه حمزة الزيات (١)، وقال أبو حفص الأبّار (٢) عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء فجعل يسألني، فكأنّ أصحابه أنكروا ذلك، فقال: وما تنكرون هو أعلم منيّ، توفي في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين ومائة. ومنهم ١٤٨ - عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج الرومي (٣) الأموي مولاهم المكي الحافظ صاحب التصانيف أبو الوليد فقيه الحرم، ونزيل ذلك الحمى الذي لم يرم، عالم كان يخاف منه الفوات، وتعج لديه الطلبة حتى لا يكاد تفهم بناديه الأصوات، انصبت سعوب (٤) فكره، وأصبت تصانيفه لأنها عقايل (٥) ما أوت غير خدره، وأتى منها بما لا يأتي به الصيّب من بدائع الألوان، ووشائع (٦) الحبر التي لا تتغير بتغير الأوان.

стр. 2065

ولد سنة نيّف وسبعين، وأدرك صغار الصحابة لكنه لم يحفظ عنهم، وروى عنه أمم. قال أحمد بن حنبل (١): كان من أوعية العلم، هو وابن أبي عروبة (٢)، أوّل من صنّف الكتب وقال/ (ص ٢٧٤) عبد الرزاق (٣): ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، وقال يحيى بن سعيد (٤) القطان: لم يكن ابن جريج عندي بدون مالك (٥) في نافع (٦)، وقال ابن المديني (٧): لم يكن في الأرض أعلم بعطاء (٨) من ابن جريج. وقال ابن جريج: كنت أتتبع الأشعار العربية والأنساب، فقيل لي

стр. 2066

لو لزمت عطاء، فلزمته ثمانية عشر عاما. وقال جرير (١): كان ابن جريج يرى المتعة، تزوّج ستين امرأة، وقيل: سمع من مجاهد (٢) حرفين في القرآن، وكان إماما ثقة صاحب عبادة، وقيل: إنه جاز مائة سنة، وتوفي في أول الحجة سنة خمسين ومائة. ووهم ابن المديني حيث يقول: مات سنة تسع وأربعين. ومنهم ١٤٩ - عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي (٣) إمام أهل الشام، وغمام برقه الذي يشام، وواحد زمانه ولا احتشام، كان في زمان بني أمية يرمى إليه طرف كل مؤمّر، ويومئ إليه حتى طرف البنان البنان المخمر، وجاءت الدولة العباسية فزادته راياتها السود المطلة سؤددا، وأعلمته أن مع اليوم غدا، وشدت باسمه محافلها، واقتدت بعلمه جحافلها، ولم يقدم لمكانه أمير جيشهم القادم إلى الشام على إسراف في إطلال الدماء، واستحلال لإتلاف نفوس أولئك العظماء إلا ما سبق السيف فيه العذل، وقبل سرعان الجيش من سومهم السائب ما بذل، حتى ألجمهم بفتياه (٤)، وألجأهم إلى الوقوف دون

стр. 2067

منتهاه، وكان ربّ جهاد في الثغر، وسدّاد للثغر، ينام والعدو الأزرق من البحر ينظر شزرا، وينوي للرقاب الممتدة جزرا، أقام ببيروت وكتب في عددها، وحسب ريادة في عمدها، وكان محط الرحلة، ومحل الفضل الذي لا يجنى مثله مجاجة (١) النحلة، علما جما ما نقص/ (ص ٢٧٥) وفضلا مقبلا ما نكص، ورسائل هي قطع الروض المنوّر، وصفو الزلال المتحدّر. وعدد النجوم إلا أنه يضعها غير متكثّر، ويفرعها الشامخ غير متكبّر، ولجلالة مكانه في العلم لم أذكره إلا لحلة فضله طرازا، ولجملة كماله تماما لا إعوازا، كل هذا إلى دين لا يجاذبه فيه منازع، وتقى كمن عساه يزع إن لم يكن منه للأوزاعي وازع. ولد ببعلبك سنة ثمان وثمانين للهجرة، وقيل سنة ثلاث وتسعين، ونشأ يتيما، بالكرك بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت، وكان فوق الرّبعة خفيف اللحية به سمرة، وكان يخضب بالحناء، ولم يكن بالشام أعلم منه، قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، روي أن سفيان الثوري (٢) بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس بعيره عن القطار، ووضعه على رقبته، فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ، قال إسماعيل بن عيّاش (٣): سمعتهم يقولون سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمّة، وقال أبو إسحاق

стр. 2068

الفزاري (١): لو خيّرت لهذه الأمة لاخترت الأوزاعي يعني في الخلافة، وقال بشر ابن المنذر (٢): رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع، وقال أبو مسهر (٣): كان الأوزاعي يحيي الليل صلاة وقرآنا وبكاء، وقال الأوزاعي: رأيت كأن ملكين عرجا بي إلى الله فأوقفاني بين يديه، فقال: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قلت: بعزتك ربي، فردّاني إلى الأرض، وقال الوليد ابن مزيد (٤): تعجز الملوك أن تؤدّب أولادها أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة إلا احتاج مستمعها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكا بقهقهة، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول: ترى في المجلس قلب لم يبك؟ وقال أبو زرعة (٥)

стр. 2069

الدمشقي: كانت صنعته/ (ص ٢٧٦) الكتابة والترسل ورسائله تؤثر، فمما يؤثر من كلامه: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإيّاك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم، وقال: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإياك أن تقول بغيره فإنه كان مبلغا عن الله، وقال: ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه، وقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة، والمستحلين الحرمات بالشبهات. واجتمع سفيان (١) والأوزاعي وعبّاد (٢) بن كثير، فقال سفيان: يا أبا عمرو حدثنا حديثك مع عبد الله بن علي (٣) - يعني عمّ السفاح - فقال: لما قدم الشام وقتل بني أميّة جلس على سريره، وعبى أصحابه أربعة أصناف، مع كل صنف نوع من أنواع السلاح، ثم بعث إليّ، فلما صرت إلى الباب أنزلوني عن دابتي، وأخذ اثنان بعضديّ وأدخلوني بين الصفوف، حتى أقاموني بحيث يسمع كلامي، فقال لي: أنت عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي؟ قلت: نعم - أصلح الله الأمير، قال: ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قد كان بينك وبينهم عهود، كان ينبغي أن يفوا لك بها، قال: ويحك، اجعلني وإياهم لا عهد بيننا، فأجهشت نفسي وكرهت القتل، فذكرت مقامي

стр. 2070

بين يدي الله فلفظتها، فقلت: دماؤهم عليك حرام، فغضب، وانتفخت عيناه وأوداجه، فقال لي: ويحك، ولم؟ قلت: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيّب زان ونفس بنفس وتارك لدينه (١). فقال: ويحك أو ليس الأمر لنا ديانة؟ قلت: كيف ذاك؟ قال: أليس كان رسول الله ﷺ أوصى إلى عليّ؟ قلت: لو أوصى إليه ما حكّم الحكمين، فسكت، وقد اجتمع غضبا، فجعلت أتوقع رأسي يسقط بين يدي، فقال بيده هكذا يومئ أن أخرجوه، فخرجت، فما أبعدت حتى لحقني فارس/ (ص ٢٧٧) فنزلت وقلت: قد بعث ليأخذ رأسي، أصلي ركعتين، فكبّرت وصليت، فسلّم، وقال: إن الأمير بعث إليك بهذه الدنانير، قال: ففرقتها قبل أن أدخل بيتي، وقال الأوزاعي: كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم، وكان أهل الشام، ثم أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي مدّة، ثم فني العارفون به وبقي منه ما يوجد في كتب الخلاف. وقال عقبة بن علقمة البيروتي (٢): دخل الأوزاعي حماما في بيته، وأدخلت معه زوجته كانونا ليدفأ به ثم أغلقت عليه وتشاغلت فهاج الفحم فمات، قال عقبة فوجدناه متوسدا ذراعه إلى القبلة، قال أبو مسهر (٣): أغلقت عليه غير متعمدة فمات، فأمرها سعيد بن عبد العزيز (٤) بعتق رقبة، ولم يخلّف
следующие страницы →