وسمع الحديث من أبيه وجماعة، وكان إماما جليلا، فقيها، فاضلا، ذكيا، بصيرا بالقضاء وأسبابه، محمودا فيه، عارفا بالأحكام والوقائع، والنوازل (١) والحوادث. فقيها على مذهب جدّه، صالحا، ديّنا، عابدا.
ولي القضاء بالجانب الشرقي من بغداد، وقضاء الرصافة، وقضاء البصرة، وصنّف" الجامع "في الفقه، عن جده أبي حنيفة، وكتاب: " الرد على القدرية " وكتاب: " رسالة إلى البتي "، وكتاب: " الإرجاء "، ونقضه (٢)، عليه أبو سعيد البردعي (٣).
روى الخطيب بسنده عن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب ﵁ إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. فقيل له، يا أبا عبد الله، ولا الحسن بن أبي الحسن؟. قال: لا والله، ولا الحسن بن أبي الحسن (٤).
وقال إسماعيل بن حمّاد: ما ورد عليّ مثل امرأة تقدّمت إليّ، فقالت: أيها القاضي … ابن عمي زوّجني من هذا. ولم أعلم، فلما علمت رددت، فقال لها: ومتى رددت؟. قالت: وقت علمت. قال: فقلت لها: ومتى علمت؟:
قالت وقت رددت. قال: فما رأيت مثلها (٥).
وفي موضع آخر قيل له: إنها من نسل أبي حنيفة، فقال: هذا الفرع من ذلك الأصل.
وحكي أن رجلا ضرب امرأة فادّعت ذهاب سمعها، فاختصما إلى القاضي
стр. 2207
إسماعيل بن حماد، فتشاغل عنها ساعة، ثم قال: استري عورتك!، فضمّت ذيلها، فعلم أنّها كاذبة.
وقال رجل لإسماعيل بن حماد: قد ذهب نصفك، قال: لو بقيت فيّ شعرة لبقي فيها ما يقضي عليك.
وقال أبو العيناء: لما ولي إسماعيل بن حمّاد البصرة دسّ عليه محمد بن عبد الله الأنصاري إنسانا يسأله عن مسألة. فقال: اتق الله أيها القاضي، رجل قال لامرأته، فقطع عليه إسماعيل وقال: قل للذي دسّك: إن القضاة لا تفتي (١).
ومات إسماعيل سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢).
ومنهم:
١٣ - خلف بن أيوب، أبو سعيد، الفقيه، العامري، البلخي (¬*)
الزاهد، أحد المشاهير الأعلام المتقدمين، رجل ما أدار على مثله النجم مقلته، ولا أقلّ الوهم عن طريقه نقلته، أنعم منه بخلف صالح، وسلف مضى وقد أضاء في وجه الزمان الكالح (٣).
معلّم الطريقة، ومعلم لإعلان الشريعة وأسرار الحقيقة، أشبه إمامه أبا حنيفة في مناقبه، وخلفه وكلاهما خلف من فقد صاحبه.
стр. 2208
تفقّه على أبي يوسف، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم، وصحبه مدة، وسمع الحديث من جماعة، وروى له الترمذي في كتابه، وكان مفتي أهل بلخ، وزاهدهم، وعابدهم.
قال أبو عمرو محمد بن علي الزاهد: سمعت مشايخنا يذكرون أن السبب لثبات ملك آل سامان (١) أن أسد بن نوح جد الأمير إسماعيل خرج إلى المعتصم، وكان أسد رجلا بهيا، حسن المنظر، شجاعا، عالما، فصيحا، عاقلا، فتعجبوا من حسنه وجماله، وشجاعته، وعقله، فقال له المعتصم: هل في أهل بيتك أشجع منك؟.
قال: لا.
قال: فهل فيهم أعقل منك؟.
قال: لا. قال: فلم يعجب الخليفة ذلك منه. فدخل عليه بعد ذلك فأجابه بمثل ذلك، فلم يعجبه، فقال للمعتصم: هلا قلت: ولم ذلك؟. فقال له: ولم ذلك؟. قال: لأنه ليس في أهل بيتي أحد وطئ بساط الخليفة وشاهد طلعته غيري. فأنا أفضلهم إذا، فاستحسن المعتصم منه ذلك، وتمكّن موقعه لديه، وولاه بلخ، فلما وردها تولّى الخطبة بنفسه، ثم إنه سأل عن علماء بلخ، فذكر له خلف ابن أيوب، ووصفوا له زهده وعلمه، وتجنبه السلطان، فاشتهى أسد بن نوح لقاءه، فترقّب مجيئه الجمعة، فلما رآه أسد بن نوح ترجّل وقصده، فلما رآه خلف قد قصده قعد مكانه، وغطى وجهه بردائه، فقال: السّلام عليكم، فأجابه جوابا خفيا، فسلّم المرة الثانية، فأجاب، ولم يرفع رأسه، فرفع أسد بن نوح رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا العبد الصالح يبغضنا، ونحن نحبه فيك، ثم
стр. 2209
ركب ومرّ، فأخبر بعد ذلك أن خلف بن أيوب مرض فذهب إليه يعوده، فقال:
هل لك من حاجة؟. قال: نعم: حاجتي أن لا تعود إلى، قال: وهل غير ذلك؟.
قال: إن مت فلا تصلّ علي، وعليك السواد. فلما أن توفي خلف بن أيوب شهد أسد بن نوح جنازته راجلا، فلما بلغ المصلّى نزع السواد وتقدّم فصلّى عليه، فسمع صوتا: بتواضعك وإجلالك لخلف بن أيوب ثبتت الدولة في عقبك، فلا تنقطع أبدا.
ذكرها الحاكم في تاريخ نيسابور.
وقد ذكر هذه الحكاية أبو الفرج بن الجوزي في المنتظم (١). ثم قال: وفي رواية أخرى أن أسد بن نوح رأى النبي ﷺ في المنام كأنه يقول له: يا أسد بن نوح ثبّت الله ملكك وملك بنيك بإجلالك لخلف بن أيوب. وهذه زيادة على ما رواه الحاكم.
وقد ذكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي: أن وفادة أسد بن نوح كانت على المأمون، والله أعلم.
قال الحاكم في تاريخ نيسابور: توفي خلف بن أيوب في شهر رمضان سنة خمس عشرة ومائتين.
ومنهم:
١٤ - موسى بن سليمان الجوزجاني (¬*)
أحد القومة بالدين، والقولة ولو أن خصمه أسد العرين، له أسوة بمن تقدّم،
стр. 2210
وسلوة عما يروق من وجه دينار ودرهم، لم يغتر بزخرف الدنيا الغرور، ولا بتقلّب حزن وسرور.
تفقّه على يد أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وروى عنهما الكتب والأمالي.
قال أبو بكر الخطيب: كان فقيها، بصيرا بالرأي، يذهب مذهب أهل السنة، سكن بغداد وحدّث بها (١).
وقال ابن أبي حاتم: كان يكفّر القائلين بخلق القرآن، كتب عنه أبي، وقال:
كان صدوقا (٢).
وقال الصيمري: كان من الورع والدين، وحفظ الحديث والفقه بالمنزلة الرفيعة.
وقال إبراهيم بن سعيد: أحضر المأمون أبا سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، ومعلى بن منصور الرازي، فبدأ بأبي سليمان لسنّه وشهرته بالورع، فعرض عليه القضاء، فقال: يا أمير المؤمنين، احفظ حقوق الله تعالى في القضاء، ولا تولّ على أمانتك مثلي، فإني والله غير مأمون على القضاء!!. ولا أرضى نفسي لله أن أحكم في عباده.
قال: صدقت، وقد أعفيناك، فدعا له بخير. وأقبل على معلى بن منصور، فقال له مثل ذلك. فقال: لا أصلح. فقال: ولم؟. قال: لأني رجل أداين، وأتقاضى، فأبيت مطلوبا وطالبا. قال: نأمر بقضاء ذلك، وتتقاضى ديونك. فمن أعطاك قبلناه، ومن لم يعطك عوضناك ما لك عليه، قال: فأنا شكوك في الحكم،
стр. 2211
وفي ذلك تلف أموال الناس. قال: يحضر مجلسك إخوانك أهل الدين، فما شككت فيه سألتهم عنه، وما صح عندك أمضيته.
قال: أنا أريد رجلا أوصي إليه من أربعين سنة فما أجد من أوصي إليه!!!
فمن أجد من يعينني على قضاء حقوق الله الواجبة عليك؟.
قال: فأعفاه (١).
ومنهم:
١٥ - عيسى بن أبان بن صدقة بن موسى الفقيه القاضي (¬*)
أحد المشهورين من أئمة أصحاب أبي حنيفة، وأرباب الرتب المنيفة، أبى له تمامه النقيصة، وأنف له شرفه أن يبتاع المعالي رخيصة.
أخذ الفقه على كبر، وصب عليه ثوب السهاد (٢) وصبر، وجدّ فيه حتى كان إماما، ودخل مدنه ولم يلمّ به إلماما، ورأى ما سواه نقصا فأنف إلا أن يكون تماما.
تفقّه على محمد بن الحسن وصحبه، وسبب تفقّهه أنه قال: دخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على الإقامة شهرا، فجعلت أتمّ صلاتي، فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة، فقال لي: أخطأت. فإنك تخرج إلى منى وعرفات.
стр. 2212
فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج، وعزمت على أن أصاحبه، فجعلت أقصر الصلاة، فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك مقيم بمكة، فإن لم تخرج منها لا تكون مسافرا. فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين، ولم ينفعني ما جمعت من الأخبار، فرحلت إلى مجلس محمد بن الحسن، واشتغلت بالفقه (١).
وقال محمد بن سماعة: كان عيسى بن أبان حسن الوجه، وكان حسن الحفظ للحديث، قال: وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول: هؤلاء يخالفون الحديث. فلم أزل به حتى جلس في مجلس محمد بن الحسن، فقلت لمحمد: هذا عيسى بن أبان معه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأبى، ويقول: إنا نخالف الحديث، فأقبل عليه محمد بن الحسن، وقال له: ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع.
قال: فسأله عن خمسة وعشرين بابا في الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ، ويأتي بالشواهد والدلائل، فالتفت إلى عيسى، وقال: بيني وبين النور ستر فارتفع عني.
قال: ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا حتى تفقّه، وكان يعظمه المأمون والمعتصم (٢).
قال ابن سعد: ولي قضاء البصرة سنة إحدى عشرة ومائتين، لما عزل عنها إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة.
قال أبو بكر الخطيب: واستخلفه قاضي القضاة يحيى بن أكثم على القضاء
стр. 2213
بمعسكر المهدي لما خرج مع المأمون إلى "فم الصلح" (١)، فلم يزل على عمله إلى وقت رجوع يحيى بن أكثم، وذلك سنة عشر ومائتين (٢).
وقال بكار بن قتيبة: كان لنا قاضيان لا مثل لهما: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، وعيسى بن أبان.
قال بكار: سمعت هلال بن يحيى يقول: ما قعد في الإسلام قاض أفقه من عيسى بن أبان في وقته (٣).
وقال أبو حازم القاضي: ما رأيت لأهل بغداد حدثا أذكى من عيسى بن أبان، وبشر بن الوليد.
وقال أيضا: تقدّم رجلان إلى عيسى بن أبان، فادّعى أحدهما على صاحبه دعوى، فأنكر المدّعى عليه، فقال عيسى للمدّعي: ألك بيّنة؟.
قال: نعم. فأحضر البينة، فقال المشهود عليه لعيسى: والله الذي لا إله إلا هو، لقد شهدا عليّ بزور.
فقال عيسى للشاهدين: إني لم أدعكما، وإن لم تقوما لم أمنعكما. وإنما يقضي أنتما. وإني متّق بكما، فاتّقيا الله ربّكما، فقاما ولم يشهدا (٤).
وقال أيضا: كان عيسى رجلا سخيا جدا، وكان يقول: والله لو أتيت برجل يفعل في ماله كفعلي في مالي لحجرت عليه (٥).
قال: وقدم إليه رجل محمد بن عباد المهلبي، فادّعى عليه بأربعمائة دينار.
стр. 2214
فسأله عيسى عما ادّعاه، فأقرّ له بذلك. فقال الرجل: احبسه لي. قال: أما الحبس فواجب. ولكني لا أرى حبسه، وأنا أقدر على فدائه من مالي. قال:
فغرمها عنه عيسى بن أبان من ماله (١).
وقال شعيب بن أيوب - وهو من متقدّمي أصحاب أبي حنيفة -: أتى عيسى ابن هارون إلى المأمون بعدة أحاديث خرجها على أصحابنا، وزعم أنهم خالفوها.
فقال المأمون لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، ولبشر بن الوليد وليحيى بن أكثم، ولمحمد بن سماعة: إن لم تثبتوا الحجة لأصحابكم على هذه الأقوال بمثل هذه الأخبار، وإلا منعتكم من الفتوى بهذا القول، وجمعت الناس على خلافه.
قال: فتكلّف كل منهم فلم يعمل شيئا، فوضع عيسى بن أبان كتابه الصغير، وأدخله على المأمون. فلما قرأه عليه، قال متمثّلا: (٢)
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا: إنّه لدميم
ومات عيسى بن أبان في صفر أو في المحرّم سنة إحدى وعشرين ومائتين (٣).
ومنهم:
١٦ - محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال بن وكيع التميمي الكوفي، أبو عبد الله القاضي (¬*)
محافظ على الخير، لافظ بما ينفعه، ولا يضرّ الغير، منسك نسك، ومنجا
стр. 2215
أقوام هلك، ما فاتته أكثر عمره جماعة مشهودة، ولا طاعة معهودة، ولا ساعة أضاعها، ولا دقيقة في شهوة أطاعها، ولا أقل من هذا ولا أكثر قدرة قدر عليها واستطاعها.
مولده سنة ثلاثين ومائة،. تفقّه على أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. وكتب النوادر عنهما جميعا، وروى الكتب والأمالي، وبرع في المذهب، وصنف التصانيف، وروى الحديث عنهما، وعن الليث بن سعد وغيرهم (١).
قال يحيى بن معين: لو كان أصحاب الحديث يصدقون كما يصدق محمد ابن سماعة في الرأي لكانوا فيه على نهاية (٢).
وقال الصيمري: كان سبب كتابة ابن سماعة للنوادر عن محمد بن الحسن أنه رآه في النوم كأنه يثقب الإبر، فاستعبر (٣)، فقيل له: هذا رجل ينطق بالحكمة، فاجتهد أن لا يفوتك من لفظه شيء، فبدأ حينئذ وكتب عنه النوادر.
قال: وولي ابن سماعة القضاء ببغداد للمأمون، ثم لم يزل إلى أن ضعف بصره ي أيام المعتصم، فاستعفى (٤).
وقال محمد بن عمران: سمعت محمد بن سماعة يقول: مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى، إلا يوما واحدا ماتت فيه أمي، ففاتتني صلاة واحدة
стр. 2216
في جماعة، فقمت فصليت خمسا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف، فغلبتني عيني، فأتاني آت، فقال: يا محمد صلّيت خمسا وعشرين صلاة، ولكن كيف بتأمين الملائكة؟ (١).
وقيل: كان يصلي كل يوم مائتي ركعة.
توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وثلاث سنين (٢).
ومنهم:
١٧ - نصر بن زياد بن نهيك، أبو محمد النيسابوري (¬*)
قاضي نيسابور. حكم لا يجور، وعلم قاصده لا يحور، يوضح الحقّ ولا يكاد يبين، ويقضي بالعدل ولو على الوالدين والأقربين لشدّة في الدين، وقوة حصاتها لا تلين.
أخذ الفقه عن محمد بن الحسن، والأدب عن النضر بن شميل، وسمع الحديث من عبد الله بن المبارك وغيره (٣).
قال الحاكم في "تاريخ نيسابور": ولي قضاء نيسابور بضع عشرة سنة. ولم يزل محمود الأثر عند السلطان والرعية، وكان من وجوه نيسابور، ومن المقبولين في الحديث والرواية، وله عندنا بنيسابور آثار كثيرة مذكورة، وكانت كتب الخليفة إليه متواترة.
стр. 2217
ثم قال: ورد رجل من هراة؛ فرفع قصة (١) إلى عبد الله بن طاهر، فلما قدم بين يديه قال: من خصمك؟. قال: الأمير أيده الله!.
قال: ما الذي تدّعي عليّ؟.
قال: ضيعة لي بهراة (٢)، اغتصبها والد الأمير!.
قال: ألك بيّنة؟.
قال: إنما تقام البيّنة بعد الحكومة (٣) إلى القاضي. فإن رأى الأمير أن يحملني وإياه على حكم الإسلام.
قال: فدعا عبد الله بن طاهر القاضي نصر بن زياد، ثم قال للرجل: ادّع. قال:
فادّعى الرجل مرة بعد أخرى، فلم يلتفت إليه نصر بن زياد، ولم يسمع دعواه.
فعلم الأمير أنه قد امتنع عن استماع الدعوى حتى يجلس الخصم مع المدّعي.
فقام عبد الله بن طاهر من مجلسه حتى جلس مع خصمه بين يديه. فقال نصر للمدّعي: ادّع.
فقال: إن ضيعة لي بهراة .. - وذكرها بحقوقها، وحدودها - هي لي في يد الأمير.
فقال عبد الله بن طاهر: قد غيرت الدعوى، إنما ادعيت أولا على أبي.
فقال الرجل: لم أشته أن أفضح والد الأمير في مجلس الحاكم فأدّعي أن والد الأمير قد كان غصبني عليها، وأنها اليوم في يد الأمير.
فسأل القاضي الأمير عن دعواه؛ فأنكرها. فالتفت إلى الرجل فقال: ألك
стр. 2218
بيّنة؟.
قال: لا.
قال: فما الذي تريد؟. قال: يمين الأمير بالله الذي لا إله إلا هو.
قال: فقام الأمير إلى مكانه، وأمر أن يكتب إلى هراة بردّ الضيعة عليه.
وكان يحيي اللّيل، ويصوم الاثنين والخميس والجمعة (١)، ولا يرضى من العمّال حتى يؤدّوا حقوق الناس إليهم.
فدخل عليه أحمد بن حرب يوما؛ فوعظه، وأشار في مواعظه بأن يستعفي عما هو فيه. فقال نصر: يا أبا عبد الله، ما يحملني على ما أنا فيه إلا نصر الملهوفين، والقدرة على الانتصار للمظلومين، ولعلّ الله قد عرف لي ذلك.
وقال نصر بن زياد: كتب إليّ المأمون: "كان المتوقّع منك بأن تكاتب بأخبار ناحيتك لنعتمد ما تذكره من ذلك".
فأجبته: بأن الأمانة التي قلّدنيها أمير المؤمنين قد شغلتني عن غيرها".
قال الحاكم: " توفي في صفر سنة ست وثلاثين ومائتين " (٢).
стр. 2219
ومنهم:
١٨ - بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد الكندي (¬*)
(١) تبلّج في وجه الأيام بشره، وتأرّج في عبق الشام نشره، وتقدّم في جماهير الأولياء تقدم المشاهير في بكر وائل علم وعمل، واستقام ولم يمل، وكان لا يبالي بكلمة حق إذا قالها، ولا يعد مواجهته به عثرة ليقالها (٢)، يصدع بما أمر ويصدع من لا يأتمر، بل كان يقضي، ولا يعتذر، ويحكم عذل (٣) أم عذر، يتكلم ولا يبالي ولو أن السيوف جواب، ولا يندم ولو أن السكوت صواب.
أحد أصحاب أبي يوسف، أخذ الفقه عنه خاصة، وروى عنه كتبه وأماليه.
قال بشر: كنا نكون عند سفيان بن عيينة؛ فإذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ههنا (٤) أصحاب أبي حنيفة؟. فيقال: بشر.
стр. 2220
فيقول: أجب فيها. فأجيب.
فيقول: التسليم للفقهاء سلامة في الدين (١).
وكان بشر - رحمه الله تعالى - جميل المذهب، حسن الطريقة، صالحا، ديّنا، عابدا، عالما، واسع الفقه، حسنا في باب الحكم، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل والنوادر بما لا يمكن جمعها كثرة (٢).
وكان من المتقدمين عند أبي يوسف، وكان متحاملا على محمد بن الحسن، منحرفا عنه، وكان الحسن بن أبي مالك ينهاه عن ذلك، وسمع الحديث من مالك بن أنس، وطائفة من الأعيان (٣).
قال أبو بكر الخطيب: ولي بشر القضاء بمعسكر المهدي من جانب بغداد الشرقي في سنة ثمان ومائتين، فأقام على ولايته سنتين ثم عزل. وولي قضاء مدينة المنصور سنة عشر، فلم يزل يتولاه إلى أن صرف سنة ثلاث عشرة ومائتين (٤).
وقال عبد الباقي بن قانع عن بعض شيوخه: أن يحيى بن أكثم كان قد غلب على المأمون حتى كان عنده أكبر من ولده، فشكا بشر بن الوليد إلى المأمون، وقال: إنه لا ينفذ قضائي، فأقعده المأمون معه على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له: ما ليحيى يشكوك، ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه؟.
فقال: يا أمير المؤمنين سألت عنه بخراسان فلم يحمد في بلده، ولا في جواره.
стр. 2221
فصاح به المأمون، وقال: اخرج. فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، قد سمعت فاصرفه، فقال: ويحك هذا لم يراقبني فيك، كيف أصرفه؟. فلم يفعل (١).
وقال أحمد بن عطية: كان بشر يصلي كل يوم مائتي ركعة. وكان يصليها بعد ما فلج وشاخ (٢).
وولي بشر القضاء ببغداد في الجانبين جميعا، فسعى به رجل، وقال: إنه لا يقول القرآن مخلوق!.
فأمر به أبو إسحق المعتصم أن يجلس في منزله، فجلس، ووكل ببابه، ونهي أن يفتي أحدا بشئ، فلما ولي المتوكل الخلافة أمر بإطلاقه، وأن يفتي الناس، ويحدثهم، فبقي حتى كبرت سنه (٣).
ومات ببغداد سنة ثمان وثلاثين ومائتين (٤).
ومنهم:
١٩ - محمد بن شجاع الثّلجي، البغدادي، أبو عبد الله (¬*)
أحد الفقهاء الأعلام في وقته بالعراق، برز على نظرائه، وأحرز الفضل كله
стр. 2222
برأيه، وكان خلفا من أبي حنيفة وصاحبيه، وبدلا منهم لمن نظر إليه، ضاهى أشعة الشمس نوؤه الثلجي، وصدع ضوؤه حندس (١) السحاب الدجوجي، وأعاد عصره الزمان كلّه يوما أبيض، والنهار نهرا به، وضر الظلام يرحض، والدهر لسانا بالنصيحة يمحض، والسحاب وطابا (٢) إذا تطاير نوؤه الثلجي يمحض.
مولده في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وتفقه على الحسن بن زياد اللؤلؤي، وتفقّه عليه أبو الحسن القمي، وصنف التصانيف المعتمدة، وحكيت أقواله في الكتب، وكان فقيها، ورعا، ثابتا على رأيه، وهو الذي فتق فقه أبي حنيفة واحتج له، وأظهر علله، وقوّاه بالحديث، وجلاه في الصدر، وكان يرى رأي أهل العدل والتوحيد (٣).
وقال محمد بن شجاع: قال لي إسحاق بن إبراهيم المصعبي: دعاني أمير المؤمنين فقال: اختر لي رجلا قد كتب الحديث، وتفقّه به مع الرأي، وليكن مديد القامة، جميل الخلقة، خراساني الأصل، ممن نشأ في دولتنا حتى أقلّده القضاء.
فقلت: لا أعرف رجلا هذه صفته غير محمد بن شجاع. وأنا أفاوضه في ذلك. قال: فافعل، ثم صر به إليّ. فدونك يا أبا عبد الله. فقلت: أيها الأمير
стр. 2223
لست إلى ذلك محتاجا، وإنما يصلح القضاء لأحد ثلاثة: لمن يكتسب مالا أو جاها، أو ذكرا. فأما أنا فمالي وافر، وأنا غني، وإن الأمير ليوجه إليّ بالمال لأفرّقه، ولو احتجت إلى شيء منه لأخذته. وأما الذكر: فقد سبق لي عند من يقصدنا من أهل العلم والفقه بما فيه كفاية (١). وقيل: إن المتوكل همّ بتوليته القضاء، فقيل له: إنه من أصحاب بشر المريسي. فامتنع عن توليته (٢).
قال الصيمري: محمد بن شجاع هو المقدّم في الفقه والحديث، وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة (٣). وقال محمد بن شجاع: ادفنوني في هذا البيت؛ فإنه لم يبق فيه طابق إلا ختمت عليه القرآن (٤).
توفي فجأة سادس ذي الحجة، سنة ست وستين ومائتين، وهو في صلاة العصر ساجدا. وقيل: سنة سبع (٥).
ومنهم:
٢٠ - محمد بن زرزور، أبو عبد الله الفقيه الفارسي (¬*)
أي رجل غلب عليه بلهه، وجلب له السوء ولهه، على فضل خزنه في حافظته، وحصّله بمحافظته، مع اطّلاع على الوقائع، واضطلاع بحسن حفظ الودائع، إلى إقدام يساور به الأسد، ويصابر الخصم الألدّ، لو عارض السيل
стр. 2224
المنحدر لردّه، أو السيف المصلّت لفلّ حدّه، وكان لو أتته أطراف الرماح لاتّقاها، أو نصال السهام لما توقّاها، حتى رمي بالجنون، وقلب له ظهر المجون (١)، وفعل عندنا (٢) بعاقل ما يفعل بمجنون.
كان بارعا في الحفظ والعلم، يضرب بحفظه المثل، قال يوما: إني أحفظ القرآن من أوله إلى آخره. وأحفظ "تفسير ابن سلام"، كما أحفظ القرآن!.
وأحفظ فقه أبي حنيفة كما أحفظ التفسير، وأحفظ "الموطأ" وفقه مالك كما أحفظ فقه أبي حنيفة، وأحفظ بعد ذلك كثيرا من دواوين العرب وأشعارها (٣).
وكان ورعا يحفظ مناظرات الفقهاء، فيكرهون حضوره لكثرة محفوظه، فحضر يوما جنازة وحضرها أبو المنهال، وكان عظيم الجاه، رفيع الذكر، فسأله عن مسألة فأخطأ، ثم ثانية، ثم ثالثة. فقام ابن زرزور قائما وصفّ قدميه، ثم كبّر وصلّى عليه كما يصلّى على الموتى!، وقال: أنت أولى بأن يصلّى عليك من هذا الميت!.
وقيل: إنه فعل مثل ذلك بالقاضي ابن عمران. فلما تغير عقله وجد إليه سبيلا فحجر عليه. ثم بعث إليه يوما يخيره في تزويج امرأة، أو شراء جارية، وفي أشياء من أسبابه.
فقال للرسول: يكون جوابي مشافهة.
فأتاه فقال له: إن رسولك أتاني يخبرني في كذا وكذا؟.
стр. 2225
قال: نعم. فما الذي تشاء؟.
قال: أفأتكلّم ولي الأمان؟.
قال: نعم.
قال: إن كنت خيرتني وأنا عندك سفيه، فقد أخطأت إذ خيرتني. وإن كنت عندك رشيدا، فقد أخطأت في حجرك علي. ثم قال: الله أكبر، أربع مرات، كما يصلى على الجنازة، وانصرف. فأطرق القاضي سليمان ولم يتكلم! (١).
وقيل لابن زرزور وهو في النزاع: يا أبا عبد الله كيف حالك؟. فبكى، وقال:
حدثني البهلول بن عبيدة أن الله عمّر نوحا مائتي سنة وخمسين سنة قبل إرساله، ثم أرسله، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلما احتضر قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرا وأكثرهم عملا، كيف وجدت الدنيا؟.
قال: كبيت له بابان، دخلت من باب وخرجت من الآخر.
وتوفي محمد بن زرزور يوم الاثنين لتسع مضين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين ومائتين (٢).
ومنهم:
٢١ - عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو حازم (٣) القاضي (¬*)
وكان أنقد في حكمه من الصيارف، وأشهر في علمه من المعارف، برأي
стр. 2226
يفرق بين الماء واللبن، ويتصرف بين الحق والظنن، لو لبس عليه الليل لكشطه، أو أدلس عليه الغمام لأسقطه، مع وقوف مع الحق لا يتعدّاه، وتفطّن لو ضلّ معه النهار لهداه، أنفذ من الرمح إذا صمم (١)، وأقضى من السيف إذا تذمم، لو رفع إليه الدهر لما هاب أن يقضى عليه، أو النجم لسدد سهمه إليه، وكان الخليفة وهو مثل المعتضد، وذلك البأس المتقد (٢) طوعا لقضائه الفصل، ومضائه الذي وقع دونه طائر النصل، فكيف من دون ذلك الطود المشمخر (٣)، والرواق المسبطر (٤).
وكان قد أعطي مزيد حظّ من حسن النظر في الحساب والفرائض التي لا تخطئ الأنساب، وجمع من الشروط ما أقرّت له الكتّاب، وبقي زينة لكل كتاب.
أخذ الفقه عن هلال بن يحيى الرازي وغيره، وتفقّه عليه أبو طاهر الدباس، وأبو جعفر الطحاوي لما رحل إلى دمشق، وروى الحديث عن محمد بن بشار، وشعيب بن أيوب وغيره (٥). وولي قضاء الشام وقضاء الكوفة، واستقضاه
стр. 2227
المعتضد على قضاء الشرقية.
وكان رجلا ديّنا، ورعا، عالما بمذهب أبي حنيفة وأصحابه، عالما بالفرائض والحساب والذرع والقسمة، حسن العلم بالجبر والمقابلة، وحساب الدور، وغامض الوصايا، والمناسخات (١). قدوة في العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضرات والسجلات والإقرارات. وأما عقله فلا يعلم أن أحدا رآه وقال إنه رأى أعقل منه (٢).
قال وكيع القاضي: كنت أتقلّد لأبي خازم القاضي أوقافا في أيام المعتضد، وكان منها شئ في يد المعتضد، فلما بلغت السنة آخرها، حصّلت ما لها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرّفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبله، وعلى أهل الوقف، فقال: هل أخذت ما على أمير المؤمنين؟.
فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟.
فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه.
ثم قال: امض إليه وطالبه. فدخلت على الخليفة، وقلت: إن القاضي أبا خازم امتنع من تفريق مال الوقف حتى يؤخذ ما على أمير المؤمنين، قال: فسكت ساعة، ثم قال: أصاب عبد الحميد، ثم أمر بإحضار المال، ودفع إليّ أربعمائة دينار فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم، فقال لي: اجمع ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه في غد في سبله، قال: ففعلت ذلك. فكثر شكر الناس من أبي خازم بإقدامه على الخليفة بمثل ذلك. وشكرهم للمعتضد في إنصافه (٣).
وقال أبو طاهر محمد الهذلي: كان أبو خازم جالسا للقضاء، فارتفع إليه
стр. 2228
خصمان؛ فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما أوجب عليه التأديب، فأمر بتأديبه، فأدّب. فمات في الحال!. فكتب إليه المعتضد: اعلم - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه - أن خصمين حضراني، فاجترأ أحدهما فأمرت بتأديبه، فمات. وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين فمات في الأدب، فالدية واجبة في بيت مال المسلمين. فأمير المؤمنين يأمر بحمل الدية لأحملها إلى ورثته.
قال: فعاد الجواب إليه بإنفاذ الأمر، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر القاضي ورثة المتوفّى، ودفعها إليهم (١).
وقال مكرم بن بكر: كنت في مجلس القاضي أبي خازم؛ فارتفع إليه شيخ وصبي، فادّعى الشيخ على الصبي بألف دينار، فأقرّ الصبي، فطلب الشيخ حبسه.
فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض، وتسأله إنظارك؟.
فقال: لا. فطلب الشيخ حبسه، قال: فتفرّس القاضي أبو خازم فيهما ساعة ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر.
قال: فقلت: لم أخّر القاضي حبسه؟.
فقال: ويحك إني أعرف في وجه الخصوم وجه المحقّ من المبطل. وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لي أن سماحة هذا الغلام بالإقرار هي عن بلية وأمر يبعد من الحق، وليس في تلازمهما بطلان حق، ولعلّه ينكشف من أمرهما ما أكون على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة مناظرتهما واختلافهما، وسكون طباعهما، مع عظم المال، وما جرت به العادة بالإقرار عجلا بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل على القاضي رجل موسر، فقال: قد بليت بابن لي يتلف كل ما يظفر به من مالي!، وإن منعته المال يحتال بحيلة أضطرّ إلى
стр. 2229
التزام غرم له، وقد بلغني أنه تقدّم إلى القاضي وأقرّ بألف دينار، فلما سمعت بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكر.
فلما سمع القاضي كلامه تبسّم، وقال لي: كيف رأيت؟. فقلت له: لهذا ولمثله فضّل الله القاضي.
ثم أمر القاضي بإحضارهما، فأرهب الشيخ، ووعظ الغلام. فأقرّ الشيخ بأن الأمر كذلك. وأنه لا شئ له على الصبي، فأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا (١).
ومات أبو خازم في جمادى الأولى سنة اثنتين وتسعين ومائتين (٢).
ومنهم:
٢٢ - أحمد بن الحسين، أبو سعيد البردعيّ (¬*)
أحد الفقهاء الكبار، وأصحاب التحقيق والإكثار، وكان أي سيف يسل، وعلم عليه لا يستدل، قطع بجدله كلّ حجة، وقرع هام الطوائف المحتجة، سرّت منه دار السّلام بمسّلم إلا أنه ودّع، ومسلّم إليه في البحث لا يدفع، ثم أقام بمكة المعظمة إذ شارف أجله، وسكن بها على ظاهر قبره ثم نزله، قتل شهيدا في فتنة القرامطة، وطار رأسه في تلك الجثث الساقطة، فلزم ذلك المثوى، إلى أن قدم على جنة المأوى.
تفقّه على أبي عليّ الدقاق، وموسى بن نصر، وتفقّه عليه أبو الحسن الكرخي، وأبو طاهر الدباس وغيرهما، وكان إماما، فقيها، مناظرا بارعا، من
стр. 2230
فحول المناظرين (١).
ورد بغداد حاجا، فدخل الحاج فوقف على داود بن علي الظاهري، وكان يكلم رجلا من أصحاب أبي حنيفة، وقد ضعف في يده الحنفي فجلس، فسأله عن بيع أمهات الأولاد، فقال: يجوز.
فقال له: لم قلت؟.
قال: لأنّا أجمعنا على جواز بيعهن قبل العلوق، فلا يزول عن هذا الإجماع إلا بإجماع مثله.
فقال له: أجمعنا بعد العلوق قبل الوضع، على أنه لا يجوز بيعها، فيجب أن نتمسك بهذا الإجماع، ولا يزول عنه إلا بإجماع مثله.
فانقطع داود، وقال: ننظر في هذا!!! (٢).
وقام أبو سعيد وعزم القعود ببغداد والتدريس لما رأى من غلبة أصحاب الظاهر، فلما كان بعد مديدة رأى في المنام كأنّ قائلا يقول له: ﵁ ﴿فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ اَلنّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اَللّهُ اَلْأَمْثالَ﴾ (٣) ﵁.
فانتبه بدق الباب!، فإذا قائل يقول له: مات داود الظاهري! فإن أردت أن تصلي عليه فاحضر (٤).
وأقام أبو سعيد ببغداد يدرّس، ثم خرج إلى الحج، فاستشهد في عشر ذي الحجة في وقعة القرامطة لعنهم الله - بمكة، سنة سبع عشرة وثلاثمائة (٥).
стр. 2231
ومنهم:
٢٣ - أحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسان، أبو جعفر التنوخي الأنباري (¬*)
القاضي الحنفي، النحوي.
حرص على العلم حتى وجده، ورحّل إليه العيس (١) حتى ورده، وأعمل إليه اليعملات على وجاها (٢)، وخبط إليه الظلماء يشق قمره دجاها، لا يهوله برد ولا حرّ يركب نوازله وسفنه، وينزل بواديه ومدنه لفائدة يقتبسها، وزائدة عما لديه يلتمسها، بحرص يتوقّد شرارا، ويتفقّد برق الفطنة لا يتوارى، مع حظ من أدب ما نهنه (٣) في مذهبه، ولا بخل في إنفاق ذهبه.
كل هذا مع قيام بالحق وإن شق، وعمل بما يجب وإن حجب، وتصميم على الحق ولو غضب من غضب.
مولده: بالأنبار، في المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
كان ثبتا في الحديث، ثقة، مأمونا، جيد الضبط لما حدّث فيه، متقنا لعلوم
стр. 2232
شتّى، فقيها على مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وربما خالفهم في مسألات (١) يسيرة، تام العلم باللغة، حسن القيام بالنحو على مذهب الكوفيين، والتتبّع لحفظ الشعر القديم والحديث، والأخبار الطوال، والسير والتفسير، وكان شاعرا كثير الشعر، مجيده، خطيبا حسن الخطابة والتفوّه بالكلام، لسنا، صالح الحظّ من الترسّل في المكاتبة، والبلاغة في المخاطبة، ورعا متخشّنا في الحكم (٢).
تقلّد القضاء بالأنبار، وهيت، وطريق الفرات من قبل الموفق الناصر، سنة ست وسبعين ومائتين. ثم قلّده الناصر دفعة أخرى، ثم قلّده المعتضد، ثم تقلّد بعض كور الجبل للمكتفي، سنة اثنتين وتسعين، ولم يخرج إليها، ثم قلّده المقتدر سنة ست وتسعين بعد فتنة المعتز (٣) القضاء بمدينة المنصور من مدينة السّلام، وطسوجي (٤) قطربل وسكن الأنبار، وهيت، وطريق الفرات (٥) ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة لما مات قاضيها، فما زال على الأعمال إلى أن صرف عنها سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
وحكى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن القاضي أبي طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول قال: كنت مع أبي في جنازة، فجاء أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، فجلس إلى جانبه، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسلّيه، وينشده أشعارا، ويروي له أخبارا. فداخله محمد بن جرير الطبري في ذلك، ثم
стр. 2233
اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من العلم والأدب. فلما افترقنا قال لي أبي: يا بنيّ، هذا الشيخ الذي داخلنا اليوم في المذاكرة، من هو؟.
فقلت: هذا أبو جعفر الطبري.
فقال: ما أحسنت عشرتي يا بني. فقلت: كيف؟.
قال: ألا قلت لي في الحال؟. فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ والاتّساع في صنوف العلم. وما ذاكرته بحسبها.
وقال: ومضت على هذا مدة. فحضرنا في جنازة أخرى وجلسنا، فإذا بالطبري قد أقبل، فقلت له: أيها القاضي، هذا الطبري قد جاء مقبلا. قال:
فأومأ إليه بالجلوس عنده، فجلس إلى جنبه، وأخذ أبي يجاريه.
فلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبري منها أبياتا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها. فيتلعثم (١) الطبري، فينشدها إلى آخرها، وكلما ذكر شيئا من السير قال أبي: كان هذا في قصة بين فلان!. وبين بني فلان!، مر يا أبا جعفر، فربما مر، وربما تلعثم، فيمر أبي في جميعه.
قال: فما سكت أبي يومه ذلك إلى أن بان للحاضرين تقصير الطبري، ثم قمنا، فقال أبي: الآن شفيت صدري (٢).
وقال ابن الجوزي في المنتظم (٣): طلبت أم المقتدر من القاضي أبي جعفر كتاب وقف ضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب في ديوان القضاء، وأرادت
стр. 2234
أخذه لتحرقه وتبطل الوقف، ولم يعلم أحد بذلك.
فقيل لها: قد أحضر القاضي الكتاب. قالت: نريد يكون عندنا، فأحسّ القاضي الأمر، فقال: لا طريق إلى هذا أبدا. أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم، فإن مكنتموني من خزنه، وإلا فاصرفوني، وتسلموا الديوان دفعة واحدة إليكم، واعملوا فيه ما شئتم، وأما أن يفعل شئ من هذا على يدي، فو الله لا كان ذلك أبدا. ولو عرضت عليّ السيف، ونهض القاضي والكتاب معه.
فشكت أم الخليفة ذلك إلى ولدها المقتدر. فكلّمه مشافهة في ذلك، فكشف له الصورة، وقال مثل ذلك القول والاستعفاء.
فقال له المقتدر: مثلم من قلّد القضاء، أقم على ما أنت عليه - بارك الله فيك - ولا تخف ينثلم محلك عندنا.
ثم قال المقتدر لوالدته: الأحكام ما لا طريق إلى اللعب فيها، والقاضي أحمد مأمون علينا، محبّ لدولتنا، ولو كان هذا يجوز لما منعك إياه.
فقالت: كأنّ هذا لا يجوز.
فقيل لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على بيعه، وإن الشراء لا يصح، وتحريق كتاب الوقف لا يحل، فارتجعت المال وفسخت الشراء، وعادت إلى شكر القاضي، وانقلب ذلك الأمر جميلا عندهم.
فقال القاضي: من قدّم أمر الله على المخلوقين كفاه الله شرّهم.
ومات في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة (١).
стр. 2235
ومنهم:
٢٤ - محمد بن محمد، أبو منصور الماتريدي (¬*)
أحد أعلام الدين ومشايخ المسلمين، إمام كلّ العالم بعلمه يقتدون، وبنهجه يهتدون، لو هبّ ريحه على أبي حنيفة لتطيب به من زفر (١)، وأيقن أن فوق اللؤلؤي (٢) من هو أدرى بالدرر، ولما أسي لأبي يوسف إذا انتضت عنه من الحزن وذهب سواد البصر (٣)، ولا أمهل أصحابه لغائب ولو كان محمد بن الحسن المنتظر (٤)، ولا بالى بالبلخي إن غاب أو حضر، ولا بابن أبي ليلى وإن عكفت منه الطير على لحم كريم، ولا بالطائي (٥) وإن رفعت ناره في دجى الليل البهيم، ولكان سابع (٦) الستة الذين لا تثبت إلا بإجماعهم المسائل، وثالث (٧) الصاحبين ولا رابع لهم في تنوع الفضائل.
كان أحد أئمة الدنيا فقها، وعلما، وورعا، وفضلا، وديانة، وخيرا، مقبولا عند الموافق والمخالف، مجمعا على أنه عديم النظير، وسيف السنة، وقامع أهل الزيغ والبدعة.
стр. 2236
صنّف الكتب، وفرّع على السنن، وذبّ عن حريمها، وقمع مخالفيها، ووصفه سيف الحق فقال: أبو منصور الماتريدي الذي غاص في بحر العلوم فاستخرج دررها، وأتى بحجج الدين فزين بفصاحته وغزارة علومه غررها.
وقال غيره: كان المعتزلة يلقبون أهل السنة به، وينسبون سالكي طريقة أبي حنيفة في العقائد والأصول إليه، فيقولون: هؤلاء الماتريدية، لشدّة ما يغيظهم شأنه، وقوة انتصاره لمذهب أهل السنة والجماعة بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة.
وله المصنفات الجليلة في الأصول، والرد على أهل الزيغ (١).
ومات بعد الأشعري بقليل، وكانت وفاة الأشعري سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٢).
ومنهم:
٢٥ - محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله السّلميّ، أبو الفضل الوزير المروزي (¬*)
قاضي بخارى، المعروف بالحاكم الشهيد، حصل من العلم على جانب موفور، وحظ به التعب مغمور (٣)، وأدرك رجالا من أهل الحديث الشريف كانت تشد
стр. 2237
إليهم الرحال، وتسمو إليهم الركائب حلا على حال، فسمع منهم ما هو السرور لمستمع، والسور الذي لا يباح لمبتدع، فلقي أفرادا، ولقّن منهم مثنى وفرادى، وكان لو أمسك النجم بيده لما يقنع، ولو بلغ الغاية لا يرضى بما يصنع، فجدّ بقريحة تلتهب، وفكرة صحيحة تنتهب، وعاش سعيدا، ومات شهيدا، لا يخاف وعيدا.
قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم في "تاريخ نيسابور": ما رأيت في جملة من كتبت عنهم من أصحاب أبي حنيفة أحفظ للحديث، وأهدى إلى رسومه، وأفهم له منه (١).
ولما قلّد قضاء بخارى كان يختلف إلى الأمير الحميد، فيدرّسه الفقه، فلما صارت الولاية إليه قلّده أزمّة الأمور كلها، وكان يمتنع عن اسم الوزارة، فلم يزل به إلى أن تقلّدها (٢)، ولما ورد السلطان نيسابور سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
ورد بوروده الحاكم، وعقد له مجلس النظر، ثم التمسوا منه مجلسا للإملاء فأجابهم إلى ذلك، ولم يبق بنيسابور أحد من مشايخ الفريقين حتى حضر ذلك المجلس.
قال الحاكم: وسمعت أبا العباس المعراني يقول: ما رأيت في صدور الإسلام أحدا أميل إلى كتبة الحديث من الحاكم أبي الفضل، كان يقدّمهم على كافة أهل العلم، ويأنس بهم، ويتحرّى مسرّتهم، ولا يقصر في برّهم.
وكان يصوم الاثنين والخميس، ولا يدع صلاة الليل في السفر والحضر، ولا يدع التصنيف في السفر والحضر.
كان يقعد والكتب بين يديه وهو وزير السلطان، فيأذن لمن لا يجد بدّا من
стр. 2238
الإذن له، ثم يشتغل بالتصنيف (١).
قال الحاكم: سمعت أبا العباس المصري، وكان من الملازمين لبابه، يقول: دعا الحاكم أبو الفضل بالبوابين، وقال: قد ذكرت لكم غير مرة أن لا تحجبوا عني أحدا من أهل العلم، واحجبوا الفرسان وأصحاب الأموال، وأنتم لأطماعكم الكاذبة تأذنون للأغنياء، وتحجبون الفقراء لرثاثتهم، فلئن عدتم نكّلت بكم.
وكان الحاكم لم يزل يدعو في صلاته وأعقابها دعوات، ثم يقول: "اللهمّ ارزقني الشهادة" إلى أن سمع عشية الليلة التي قتل من غدها جلبة، فقال: ما هذا؟. فقالوا: غارة العسكر قد اجتمعوا يلزمون الحاكم الذنب في تأخير الأرزاق عنهم. فقال: "اللهم غفرا".
ثم دعا بالحلاق، فحلق رأسه، وأسخن له الماء، ونظّف نفسه، ولبس الكفن، ولم يزل طول ليلته يصلي، فكبسوه، فقتلوه وهو ساجد، وقد صلّى الصبح، والكتب بين يديه، وذلك في شهر ربيع الآخر، سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (٢).
ومنهم:
٢٦ - عبيد الله بن الحسين بن دلّال بن دلهم، أبو الحسن الكرخي (¬*)
المصنّف على مذهب أبي حنيفة، والمصرّف في النكت اللطيفة. اقتنى جوهر
стр. 2239
العلم النفيس، وجلس في صدر التدريس، فأصبحت سوابح السيول تجري به، وصفائح السيوف دون تجريبه، وما زال على هذا حتى قعدت به الزمانة (١)، وقيدت تحته مكانه، فرنق كأس المرض آخر عمره، وكان هذا آخر أمره.
مولده سنة ستين ومائتين. تفقّه على أبي سعيد البردعي، ولقي أبا خازم القاضي، وحضر مجلسه، وسكن بغداد، ودرس بها فقه أبي حنيفة، حتى اشتهر ذكره في الآفاق، وبرع له غلمان حذاق، وخرج منهم علماء ومدرّسون، وقضاة.
وكان مع غزارة علمه وكثرة رواياته، عظيم العبادة، كثير الصوم والصلاة، صبورا على الفقر والحاجة، منقبضا عن الدولة، مقبلا على نشر العلم وبثه متقشفا، وله في المذهب قدم راسخ (٢).
قال الصّيمري: صار التدريس ببغداد بعد أبي خازم، وأبي سعيد البردعي إلى أبي الحسن الكرخي، وإليه انتهت رياسة أصحاب أبي حنيفة، وانتشر أصحابه في البلاد.
قال الصيمري: لما أصاب أبا الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره حضرته وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني، وأبو علي الشاشي، وأبو عبد الله البصري، فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج، وهو مقلّ، ولا يجب أن نبذله للناس، فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة بن حمدان، ونطلب منه ما ينفقه عليه، ففعلوا ذلك.
فلما أحسّ الشيخ بما هم فيه، فسألهم عن ذلك، فأخبروه، فبكى. وقال:
اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عوّدتني. قال: فمات قبل أن يحمل سيف
стр. 2240
الدولة شيئا. ثم ورد كتاب سيف الدولة، ومعه عشرة آلاف درهم، ووعد أن يمدّ بأمثالها، فتصدّق بها (١).
وقال أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمة: أنشدت أبا الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي:
ما إن ذكرتك في قوم أحدّثهم … إلا وجدت فتورا بين أحشائي
فأنشد أبو الحسن لنفسه يريد تضمين هذا البيت:
كم لوعة في الحشا أبقت به سقما … خوفا لهجرك أو خوفا من النائي
لا تهجرنّي فإني لست ذا جلد … ولا اصطبار على هجر الأخلاء
الله يعلم ما حمّلت من سقم … وما تضمّنته من شدة الداء
لو أن أعضاء صب خاطبت بشرا … لخاطبتك بوجدي كل أعضائي
فارع حقوق فتى لا يبتغي شططا … إلا السّلام بإيحاء وإيماء
هذا على وزن بيت كنت منشده … عار إذا كان من لحن وإقواء (٢)
(ما إن ذكرتك في قوم أحدثهم … إلا وجدت فتورا بين أحشائي)
ولا هممت بشرب الماء من عطش … إلا وجدت خيالا منك في الماء (٣)
وقال أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي الحنفي عن أبيه عن جده، قال:
خرج إلينا أبو الحسن الكرخي يوما.
فقال: تعرفون ببغداد رجلا يقال له ابن صدق؟. قال: فقلت: أعرفه.
فقال (٤): أي شئ يعمل.
стр. 2241
فقلت: ينوح على الحسين بن علي.
قال: فبكى أبو الحسن الكرخي، وقال: عندي عجوز هي من صوالح النساء، تكثر من الصوم والتهجد، فانتبهت في جوف الليل، فصاحت: أبو الحسن!.
قلت: مالك؟. قالت: الحقني، فجئتها، فوجدتها ترعد. فقلت: ما أصابك.
قالت: رأيت في النوم كأنني في درب من دروب الكرخ، فيه حجرة مبيضة مفتوحة الباب، وعليه نساء وقوف، فقلت لهن: ما الخبر؟. فأشار إلى داخل الدار. وإذا امرأة شابة، حسناء، بارعة الجمال، عليها ثياب بياض مروية، وفي حجرها رأس يشخب دما، ففزعت. فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله ﵁، وهذا رأس الحسين!. فقولي لابن أصدق حتى ينوح:
لم أمرّضه فأسلو … لا ولا كان مريضا
وانتبهت مذعورة، ثم قال أبو القاسم بن المحسن التنوخي: قال أبو الحسن الكرخي لجدّي: قد حملت هذه الأمانة في أداء هذه الرسالة، قال جدي: سمعا وطاعة لأمر سيدة النساء رضوان الله عليها. فخرجت إلى ابن أصدق، وقلت له:
إن فاطمة تأمرك أن تنوح بالقصيدة التي فيها: "لم أمرضه فأسلو". فانزعج من ذلك، وقصصت عليه وعلى من كان عنده، فأكثروا البكاء، وناح بذلك طول ليلته.
وتوفي أبو الحسن الكرخي لعشر خلون من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة (١).
وقيل: للنصف من شعبان.
стр. 2242
ومنهم:
٢٧ - أحمد بن عمرو الشيباني، الإمام، أبو بكر الخصّاف (¬*)
فقيه، لبيب، صالح، وأديب للفضائل مانح، ومهيب لا تستثبته العيون اللوامح، وقليب (١) أبيحت لدلو ماتح (٢).
اختصّه المهتدي بالتقريب، وأحلّه منه المكان القريب، وكان جليسه الذي لا يفارق، وأنيسه الذي لا يأسى بعده المفارق، إذ كان كلاهما من المهتدين (٣)، وكلّ منهما مذكّرا للآخر بالدّين. ثم بسببه أصيب، وأخذ ماله ولم يكن له مما له نصيب (٤).
كان فاضلا، فارضا (٥)، حاسبا، عارفا بمذاهب أصحابه، مقدّما عند المهتدي بالله، وصنّف له كتابه في الخراج، فلما قتل المهتدي نهب الخصّاف، وذهب بعض كتبه من جملتها كتاب عمله في المناسك لم يكن خرج إلى الناس (٦).
وكان زاهدا يأكل من كسب يمينه (٧).
стр. 2243
وقال بعض مشايخ بلخ: دخلت بغداد، وإذا على الجسر رجل ينادي ثلاثة أيام، يقول: ألا إن القاضي أحمد بن عمرو استفتي في مسألة كذا، فأجاب بكذا وكذا، وهو خطأ، والجواب: كذا وكذا. رحم الله من بلّغها صاحبها (١).
توفي ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين، وعدّ النديم (٢) مصنفاته أربعة عشر مصنفا منها: "الحيل" مجلّدين، ومنها كتاب: "القصر وأحكامه" (٣).
ومنهم:
٢٨ - أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو الحسين النيسابوري الحنفيّ (¬*)
قاضي الحرمين (٤)، وشيخ أصحاب أبي حنيفة بلا مدافعة، ومحيي آثاره النافعه، جدّد رسومه الداثرة، وشيّد علومه المتكاثرة، قضى بالحرمين الشريفين قضاء كانت تقص الركبان خبره، وتنشر حبره، دام على هذا حينا من الدهر، كان شيئا مذكورا، وسببا مشكورا، ثم آب به حب الوطن إلى نيسابور، ونفق (٥)، الرجال تبور.
تفقّه على أبي الحسن الكرخي، وأبي طاهر الدباس، وبرع في المذهب، وتفقّه به فقهاء نيسابور من أصحاب أبي حنيفة (٦).
стр. 2244
قال أبو بكر الأبهري المالكي، شيخ الفقهاء ببغداد بلا مدافعة: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسن النيسابوري (١).
وقال الحاكم: سمعت أبا الحسين يقول: حضرت مجلس النظر لعلي بن عيسى الوزير، فقامت امرأة تتظلم من صاحب التركات (٢)، فقال: تعودين إليّ غدا. وكان يوم مجلسه للنظر، فلما اجتمع فقهاء الفريقين، قال لنا: تكلّموا اليوم في مسألة توريث ذوي الأرحام. قال: فتكلمت فيها مع بعض فقهاء الشافعية. فقال الوزير: صنف هذه المسألة، وبكّر بها غدا إليّ.
ففعلت، وبكرت بها إليه، فأخذ مني الجزء وانصرفت. فلما كان ضحوة النهار، طلبني الوزير إلى حضرته، فقال لي: يا أبا الحسين، قد عرضت تلك المسألة بحضرة أمير المؤمنين وتأملها. فقال: لولا أن لأبي الحسن عندنا حرمات لقلّدته أحد الجانبين (٣)، ولكن ليس في أعمالنا أجلّ عندي من الحرمين، وقد قلّدته الحرمين، فقلت للوزير: بعد أن رضي أمير المؤمنين المسألة وتأملها، وجب على الوزير أن ينجز أمره العالي بأن يرد السهم إلى ذوي الأرحام، فأجاب إليه وفعله. وانصرفت من حضرة الوزير ووصل العهد إلى (٤).
وكانت مدة إقامته بالحرمين قاضيا بضع عشرة سنة، ثم انصرف إلى نيسابور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ثم ولي القضاء بها سنة خمس وأربعين، وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة (٥).
стр. 2245
ومنهم:
٢٩ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر، الهندواني، البلخي (¬*)
أحد الفقهاء الكبار المشاهير، فقيه لا تعييه حجة، ولا تغويه محجة، أحيا مذهب إمامه حتى أطلق عليه اسمه، واطلع على ما اطّلع عليه فهمه.
ضرب أكباد الإبل وأعملها (١)، وأخذ أوقار العلم وحمّلها، وأشرق به عصره، فدقت ذهبيته، وظهرت بالطيب تحت ذيل النسيم خبيئته.
تفقّه على الأستاذ أبي بكر الأعمش، وكان إماما، فاضلا، عارفا، جليلا، تفقّه على مذهب أبي حنيفة حتى كان يقال له من كماله في الفقه: "أبو حنيفة الصغير" (٢).
وأفتى بالمشكلات، وشرح المعضلات، ورحل من بلخ إلى بخارى، فوجد بها الميداني، ومحمد بن الفضل البخاري، فاجتمعوا في بيت محمد بن الفضل في يوم جمعة، وكان يوما مضيرا، فقال أبو جعفر: أنا مسافر ولا جمعة على مسافر.
وقال الميداني: أنا أعمى ولا جمعة على أعمى.