← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فقلت: ينوح على الحسين بن علي. قال: فبكى أبو الحسن الكرخي، وقال: عندي عجوز هي من صوالح النساء، تكثر من الصوم والتهجد، فانتبهت في جوف الليل، فصاحت: أبو الحسن!. قلت: مالك؟. قالت: الحقني، فجئتها، فوجدتها ترعد. فقلت: ما أصابك. قالت: رأيت في النوم كأنني في درب من دروب الكرخ، فيه حجرة مبيضة مفتوحة الباب، وعليه نساء وقوف، فقلت لهن: ما الخبر؟. فأشار إلى داخل الدار. وإذا امرأة شابة، حسناء، بارعة الجمال، عليها ثياب بياض مروية، وفي حجرها رأس يشخب دما، ففزعت. فقالت: لا عليك، أنا فاطمة بنت رسول الله ﵁، وهذا رأس الحسين!. فقولي لابن أصدق حتى ينوح: لم أمرّضه فأسلو … لا ولا كان مريضا وانتبهت مذعورة، ثم قال أبو القاسم بن المحسن التنوخي: قال أبو الحسن الكرخي لجدّي: قد حملت هذه الأمانة في أداء هذه الرسالة، قال جدي: سمعا وطاعة لأمر سيدة النساء رضوان الله عليها. فخرجت إلى ابن أصدق، وقلت له: إن فاطمة تأمرك أن تنوح بالقصيدة التي فيها: "لم أمرضه فأسلو". فانزعج من ذلك، وقصصت عليه وعلى من كان عنده، فأكثروا البكاء، وناح بذلك طول ليلته. وتوفي أبو الحسن الكرخي لعشر خلون من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة (١). وقيل: للنصف من شعبان.

стр. 2242

ومنهم: ٢٧ - أحمد بن عمرو الشيباني، الإمام، أبو بكر الخصّاف (¬*) فقيه، لبيب، صالح، وأديب للفضائل مانح، ومهيب لا تستثبته العيون اللوامح، وقليب (١) أبيحت لدلو ماتح (٢). اختصّه المهتدي بالتقريب، وأحلّه منه المكان القريب، وكان جليسه الذي لا يفارق، وأنيسه الذي لا يأسى بعده المفارق، إذ كان كلاهما من المهتدين (٣)، وكلّ منهما مذكّرا للآخر بالدّين. ثم بسببه أصيب، وأخذ ماله ولم يكن له مما له نصيب (٤). كان فاضلا، فارضا (٥)، حاسبا، عارفا بمذاهب أصحابه، مقدّما عند المهتدي بالله، وصنّف له كتابه في الخراج، فلما قتل المهتدي نهب الخصّاف، وذهب بعض كتبه من جملتها كتاب عمله في المناسك لم يكن خرج إلى الناس (٦). وكان زاهدا يأكل من كسب يمينه (٧).

стр. 2243

وقال بعض مشايخ بلخ: دخلت بغداد، وإذا على الجسر رجل ينادي ثلاثة أيام، يقول: ألا إن القاضي أحمد بن عمرو استفتي في مسألة كذا، فأجاب بكذا وكذا، وهو خطأ، والجواب: كذا وكذا. رحم الله من بلّغها صاحبها (١). توفي ببغداد سنة إحدى وستين ومائتين، وعدّ النديم (٢) مصنفاته أربعة عشر مصنفا منها: "الحيل" مجلّدين، ومنها كتاب: "القصر وأحكامه" (٣). ومنهم: ٢٨ - أحمد بن محمد بن عبد الله، أبو الحسين النيسابوري الحنفيّ (¬*) قاضي الحرمين (٤)، وشيخ أصحاب أبي حنيفة بلا مدافعة، ومحيي آثاره النافعه، جدّد رسومه الداثرة، وشيّد علومه المتكاثرة، قضى بالحرمين الشريفين قضاء كانت تقص الركبان خبره، وتنشر حبره، دام على هذا حينا من الدهر، كان شيئا مذكورا، وسببا مشكورا، ثم آب به حب الوطن إلى نيسابور، ونفق (٥)، الرجال تبور. تفقّه على أبي الحسن الكرخي، وأبي طاهر الدباس، وبرع في المذهب، وتفقّه به فقهاء نيسابور من أصحاب أبي حنيفة (٦).

стр. 2244

قال أبو بكر الأبهري المالكي، شيخ الفقهاء ببغداد بلا مدافعة: ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسن النيسابوري (١). وقال الحاكم: سمعت أبا الحسين يقول: حضرت مجلس النظر لعلي بن عيسى الوزير، فقامت امرأة تتظلم من صاحب التركات (٢)، فقال: تعودين إليّ غدا. وكان يوم مجلسه للنظر، فلما اجتمع فقهاء الفريقين، قال لنا: تكلّموا اليوم في مسألة توريث ذوي الأرحام. قال: فتكلمت فيها مع بعض فقهاء الشافعية. فقال الوزير: صنف هذه المسألة، وبكّر بها غدا إليّ. ففعلت، وبكرت بها إليه، فأخذ مني الجزء وانصرفت. فلما كان ضحوة النهار، طلبني الوزير إلى حضرته، فقال لي: يا أبا الحسين، قد عرضت تلك المسألة بحضرة أمير المؤمنين وتأملها. فقال: لولا أن لأبي الحسن عندنا حرمات لقلّدته أحد الجانبين (٣)، ولكن ليس في أعمالنا أجلّ عندي من الحرمين، وقد قلّدته الحرمين، فقلت للوزير: بعد أن رضي أمير المؤمنين المسألة وتأملها، وجب على الوزير أن ينجز أمره العالي بأن يرد السهم إلى ذوي الأرحام، فأجاب إليه وفعله. وانصرفت من حضرة الوزير ووصل العهد إلى (٤). وكانت مدة إقامته بالحرمين قاضيا بضع عشرة سنة، ثم انصرف إلى نيسابور سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ثم ولي القضاء بها سنة خمس وأربعين، وتوفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة (٥).

стр. 2245

ومنهم: ٢٩ - محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر، أبو جعفر، الهندواني، البلخي (¬*) أحد الفقهاء الكبار المشاهير، فقيه لا تعييه حجة، ولا تغويه محجة، أحيا مذهب إمامه حتى أطلق عليه اسمه، واطلع على ما اطّلع عليه فهمه. ضرب أكباد الإبل وأعملها (١)، وأخذ أوقار العلم وحمّلها، وأشرق به عصره، فدقت ذهبيته، وظهرت بالطيب تحت ذيل النسيم خبيئته. تفقّه على الأستاذ أبي بكر الأعمش، وكان إماما، فاضلا، عارفا، جليلا، تفقّه على مذهب أبي حنيفة حتى كان يقال له من كماله في الفقه: "أبو حنيفة الصغير" (٢). وأفتى بالمشكلات، وشرح المعضلات، ورحل من بلخ إلى بخارى، فوجد بها الميداني، ومحمد بن الفضل البخاري، فاجتمعوا في بيت محمد بن الفضل في يوم جمعة، وكان يوما مضيرا، فقال أبو جعفر: أنا مسافر ولا جمعة على مسافر. وقال الميداني: أنا أعمى ولا جمعة على أعمى.

стр. 2246

وقال محمد بن الفضل: قد ورد: "إذا ابتلّت النعال فصلوا في الرحال" (١). وهذا شامل للكل. وكان غرضهم عدم التفرّق (٢). فلما عاد أبو جعفر الهندواني إلى بلخ سئل عن أهل بخارى، فقال: رأيت فقيها ونصف فقيه. فقيل له: من الفقيه؟. فقال: الميداني. ونصف الفقيه: محمد بن الفضل. فقيل له: ولم؟. قال: لأن محمد بن الفضل لا يعرف الحسابيات. وأما الميداني فإنه أتقن هذا الفن. وقيل: إن محمد بن الفضل [اشتغل] (٣) بالحسابيات، وصار قدوة. ومات في ذي الحجة (٤)، سنة اثنتين وستين وثلاثمائة (٥).

стр. 2247

ومنهم: ٣٠ - أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، الجصّاص (¬*) صاحب التصانيف، خطب للقضاء فما نظر إليه بطرف مقلته، ولا التفت إليه استحقارا له لقلّته، لحقّ عرف يقينه، وألف منه عوائد يقينه، وأنف لجواده السابق أن يقاد بأرسانه، ولطوده الشاهق أن يلبس عليه جناح طيلسانه (١)، فما اغترّ بالقضاء وتحسينه، ولا سلم إليه نحره ليذبحه بسكينه (٢).

стр. 2248

سكن بغداد، وكان وردها في شبيبته، وعنه أخذ فقهاؤها، وإليه انتهت رياسة الأصحاب بها. تفقّه على الكرخي، وصنّف المصنّفات التي أدرك بها من سبقه، وأعيا من رام أن يلحقه، وكلامه فيها يدل على تفقّهه، وسيلان ذهنه، وكان حافظا للفقه، مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة، مشهورا بالزهد، ورحل إليه المتفقّهة، وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع! (١)، وأعيد عليه الخطاب فلم يفعل. قال أبو بكر الأبهري: خاطبني المطيع على قضاء القضاة، وكان السفير في ذلك أبو الحسن عمرو، فأبيت عليه، وأشرت بأبي بكر الرازي، فأحضر الخطاب، وخوطبت في المعاونة عليه، فامتنع، فخلوت به، فقال لي: تشير عليّ بذلك؟. فقلت: لا أرى لك ذلك!. فقيل لي: تشير علينا بإنسان ثم تشير عليه أن لا يفعل؟!. قلت: نعم. إمامي في ذلك مالك بن أنس، أشار على أهل المدينة أن يقدّموا نافعا القارئ في مسجد رسول الله ﷺ ، وأشار على نافع أن لا يفعل!، فقيل له في ذلك فقال: أشرت عليكم بنافع لا أعرف مثله. وأشرت عليه أن لا يفعل لأنه يحصل له أعداء وحسّاد. وكذلك أنا أشرت عليكم لأني لا أعرف مثله، وأشرت عليه أن لا يفعل لأنه أسلم لدينه (٢). توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، عن خمس وستين سنة، وصلّى عليه صاحبه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي (٣).

стр. 2249

ومنهم: ٣١ - الحسين بن علي بن محمد بن جعفر، أبو عبد الله القاضي، الحنفي، عرف بالصيمريّ (¬*) صدع جنح زمانه حتى تكشف صدفه عن منضّد لؤلؤه، وانجلى سدفه (١) عن مبيّض جؤجؤه (٢). سكن بغداد من صباه، معدودا في جلتها مردودا، فائض بحره على دجلتها، مجاورا فيها الإمام. مجاريا للبحر، وجارا للغمام. ثم أتى الشام ففتقه أنهارا، وفرقه نهارا، وملأه علما جمّا تعمل إليه المهارى. كان إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، ومن أعيان المصنفين (٣). سمع

стр. 2250

الدارقطني وجماعة، وتفقّه عليه (١) القاضي أبو عبد الله الدامغاني، وروى عنه هو وأبو بكر وأبو الوليد الباجي، وشرح "مختصر الطحاوي" في عدة مجلدات، وله مصنف في مناقب أبي حنيفة (٢). قال الخطيب في "تاريخ بغداد": أحد الفقهاء المذكورين من العراقيين. حسن العبادة، جيد النظر، سكن (٣) وكتبت عنه، وكان صدوقا، وافر العقل، جميل المعاشرة، عارفا لحقوق أهل العلم، وولي قضاء المدائن في أول أمره، ثم ولي القضاء بآخره بربع الكرخ، ولم يزل يتقلّده إلى حين وفاته (٤). وقال أبو القاسم ابن العديم في "تاريخ حلب" (٥): اجتاز بحلب أو ببعض عملها حاجا على طريق الشام، وهو من كبار الحنفيين وأعيانهم المصنفين، وكان قاضيا عاقلا خبيرا. وتوفي ليلة الأحد حادي عشر شوال سنة ست وثلاثين وأربعمائة، عن خمس وثمانين سنة (٦).

стр. 2251

ومنهم: ٣٢ - محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن عبد الملك الدامغاني (١)، قاضي القضاة، أبو عبد الله (¬*) رجل سوّدته نفسه، وسوّرته على منازل القمر شمسه، وسوّغته الموارد شجراته وغرسه، وعلا قدره حتى ناطح رتبة الوزراء، ورمق الكواكب بالإزراء، وعقدت عليه الخلفاء خناصرها، وعدت منه حيث تبذخ ناصرها، فلهذا كانت رتبته لا تطاول، وهضبته لا تحاول، والأيام تختلف عليه وسعادته لها تتداول. قال الخطيب: كان يذكر أنّ مولده سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، بالدامغان. ورد بغداد في شبيبته، ودرس بها الفقه على أبي الحسين القدوري، وأبي عبد الله الصيمري، وبرع في العلم حتى ساد أهل زمانه عقلا، ونباهة، وعلما، ورزانة، وله أصحاب كثيرون تفقّهوا عليه، وانتشروا في البلاد، ودرسوا ببغداد، وولي قضاء القضاة ببغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وطالت أيامه، وانتشر ذكره، وكان نزها، عفيفا، انتهت إليه الرئاسة في مذهب العراقيين، وكان وافر العقل،

стр. 2252

سديد الرأي، وجرت أموره في حكمه على السداد (١). وكان القاضي أبو يوسف قاضي الرشيد في أيامه حشمة وجاها، وسؤددا، وبقي في القضاء مدة ثلاثين سنة وثلاثة أشهر. ولقد شهد له أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، وكان يقول: أبو عبد الله الدامغاني القاضي أعرف بمذهب الشافعي من كثير من أصحابنا (٢). وفي ذيله: "اجتمع له ما لم يجتمع لغيره في سيادته، وعلوّ رتبته من الحلم والعلم، وجزالة الرأي، والاطلاع على غوامض الأحكام الشرعية. قال: وكان قد حصر العلم بجهد جهيد، وفقر حتى سمعت أنه كان يحرس في درب بالكرخ، ويأكل من أجرة الحراسة على ما جرت به عادة السلف من احتمال المشقة في طلب العلم (٣). وقال محمد بن عبد الوهاب في طبقات الفقهاء: كان أبو عبد الله الدامغاني قد جمع الصورة البهية، والمعاني الحسنة من الدين، والعقل، والعلم، والحلم، وكرم المعاشرة للناس، والتعصب لهم. وكانت له صدقات في السر، وإنصاف في العلم لم يكن لغيره، وكان يورد من المداعبات في مجلسه، والحكايات المضحكة

стр. 2253

في تدريسه نظير ما يورده الشيخ أبو إسحق الشيرازي، فإذا اجتمعا صار اجتماعهما نزهة". وقال السمعاني: إمامان ما اتّفق لهما الحج: أبو إسحاق الشيرازي، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني (١)، أما أبو إسحاق فلم يقدر على الاستطاعة، الزاد والراحلة، ولكن لو أراد الحج لحملوه على الأحداق إلى مكة. وأما الدامغاني فلو أراد الحج على السندس والاستبرق كان يمكنه ذلك ولم يحج. وتوفي في رجب سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. ودفن بداره، ثم نقل، ودفن في القبة إلى جانب أبي حنيفة (٢).

стр. 2254

ومنهم: ٣٣ - أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد، أبو نصر، قاضي القضاة (¬*) رجل يرى النجم أحد مواطئ قدمه، وعبيد الليل وإماء النهار من خدمه، كان الرمح أقل قلميه، والعلم أحد علميه، أذعنت الأبطال لشجاعته، وتوقّته الأسود أوان احتدام مجاعته (١)، وأمّنت العلماء على مقالته، وانضمت العلماء دائرة لهالته، وكان زعين الجيش، ومقيم صدر المحفل، إذا مال به الطيش، لولا آخرة أوقعت حظه في انتكاسة (٢)، ووصلت شعاعه بانعكاسه، وحركت من القذى آخر ما رسب في كأسه. ذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي في السياق، فقال: صدر المحافل المقدّم العزيز من وقت صباه في بيته وعشيرته. ربّي في حجر الإمامة، وكان من أوجه الأحفاد عند القاضي الإمام صاعد، وأخصّهم بحسن نظره، وكان في عهد الصبا برجولية في طبعه، وميل إلى الاشتغال بالفروسية والرمي، واستعمال الأسلحة، وتعلم ما يتعلق بذلك، فرأى جده صاعد ذلك منه، فأقره عليه، وعلم أنه سيسود به عشيرته، بالتفرّس فنشأ على ذلك، وكان من أجمل شبان زمانه، وأكملهم آلة، وأجمعهم لأسباب الفروسية والسياسة، حتى اضطرب الزمان، وانقرضت دولة آل سبكتكين عن

стр. 2255

خراسان، وتحركت رياح آل سلجوق، في حدود سنة ثلاثين وأربعمائة، ووقع القحط مع انقلاب الدولة، وأظهر الغلاء والجلاء، وتتابعت المحن، وظهر اللصوص والعيّارون في البلد، وكانوا يغيرون على السكك والخانات المعروفة الموسومة بالخزائن، فاحتاج البلد وأهله إلى أن يطاف بالليالي، ويحرس الناس عن القتل والبيات، ويدفع أذى العيارين، وكان هذا الصدر متهيبا لذلك، فأشار عليه جده صاعد بردع المفسدين، وأفتاه بدفع ذلك، وقتل العيارين واللصوص لما فيه من المصلحة، فقام بذلك أحسن قيام، وساس الرعايا أبلغ سياسة، ولم يزل بأهل الزعارة والفساد واللصوص حتى أتى على أكثرهم، وتولى قتلهم بنفسه، ودفعهم عن المسلمين، حتى سكنت تلك الثائرة، واستقلت الدولة السلجوقية، وزال الغلاء بعض الزوال، فحصل له ما سبق به أقرانه وأقاربه من أهل العلم وسادهم، وتقدم عليهم، ثم لم يزل يرتفع أمره لما فيه من المروءة والرجولية، والهمة العالية، إلى أن فوضت رياسة نيسابور إليه، فصار رئيس الرؤساء بها، وساعدته الاتفاقات الحسنة من أسباب الدنيا، فأجرى الرئاسة ورسومها على أحسن مجاريها، ورسم المحافل والمشاهد والمجامع أحسن رسم، وأزينه، وكان ملحوظا من السلطان وأركان الدولة بعين الاحترام والإكرام، سافر إلى العسكر مرات، ونال من المكرمة والحشمة والجاه ما لم ينله غيره، ولم يلحق وجه حاله غيره، في هذه المدد إلى نيف وأربعين وأربعمائة، فمال بعد ذلك بعض الميل إلى التعصب في المذهب، وأخذ الهوى بزمام اختياره إلى ما لا يليق بالكبار، مثل ذلك من المبالغة في العناد، ومطاولة الأقران من سائر الفرق، حتى أدى إلى إفحاش العلماء والأئمة، وإعزاز الطوائف على بعض، والخروج عن الاعتدال في المصاحبة والمؤالفة، فكان ذلك غضا من منصبه، واتساق أحواله وأموره، إلى أن فترت تلك الفترة بعد اشتعال نيرانها، وتأذى طائفة من أهل السنة بها إلى سنة نيف وخمسين، وأفضى الأمر إلى أحوال غير مرضية، حتى انتهت نوبة الولاية إلى السلطان ألب أرسلان،

стр. 2256

فانجلت تلك السحابة عن نوبة العدل والإنصاف، واستقامة الأمور، وإزالة الرسوم الممقوتة، وكان هذا الصدر - صاحب الترجمة - خاليا عن العمل، مشتغلا بأمور نفسه، مع الأبهة والحشمة، والنعمة، وقد بعث رسولا إلى ما وراء النهر، وأحمد سعيه في الدولة الماضية، وعهد حشمته، ورزانة نفسه أمور، فبقي على ذلك مدة إلى ابتداء الدولة الملكشاهية، فصار مقدّم البلد أيام الكهولة، وأدى الحال إلى تفويض القضاء بنيسابور إلى هذا الصدر، فصار قاضي القضاة على الإطلاق، وجرى في ذلك من العدل والإنصاف ونقاء الجيب وصون اليد وصيانة النفس، ورد الحقوق إلى أهلها، والقبض على الأيدي الخاطئة، وكان يجمع الوصايا، وما يفضل من التركات طول السنة، ثم يفرقها على العلماء والصالحين، من الفرق في شهر رمضان، وسن سننا صالحة في الأمور، وعقد مجلس الإملاء عشيات الخميس في الجامع القديم، على رسم أسلافه، وكان يحضر ذلك المجلس من دبّ ودرج من الفرق بالنوب، ويتقرب إليه المشايخ والأئمة (١) بالحضور. ولم يزل يرتفع أمره لحسن سيرته، وكان صدوق اللهجة، يحب كل من ظهر عنده صدق مقالته، ويبغض الكذب وأهله أشد البغض، وكانت أموره كلها متناسقة، وأسبابه منتظمة، ومساعيه مع قضاء حقوق المعارف، وحضور التهاني، والقيام لكل من يستعين به مع ما بلغ ما يؤول إلى صلاح حاله إلى أن أدركه قضاء الله الذي لا بد لكل أحد منه، بعد امتداد مرض به، كفّر عنه بعض ما سلف له من الخطايا التي لا يخلو منها إنسان (٢). ومات ليلة الثلاثاء قبل الصبح، الثامن من شعبان، سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة (٣).

стр. 2257

ومنهم: ٣٤ - علي بن محمد بن علي بن الحسين بن عبد الملك ابن عبد الوهاب الدامغاني (¬*) قاضي القضاة، أبو الحسن، ابن قاضي القضاة أبي عبد الله الحنفي. جدّ وهمّ لداته (١) أن يلعبوا، واستراح ودأب أمثاله أن يلغبوا (٢)، وهان عليه الطلب، وشأن نظرائه أن يستصعبوا، ثم كان أشدّ ما يكون في دين الله قوة، وأعظم ما يكون وقارا في فتوة، لم يأخذه في الله عارضة تأنيب، ولا معارضة مريب، ولا مفاوضة صديق حميم، ولا سلطان مهيب، حتى طار رغب مجلسه في النفوس، وطاح رداء الكبرياء عن مناكب مزررة الكبر بالرؤوس. مولده: في مستهل رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة. تفقّه على والده، وبرع في مذهبه، وولي القضاء بباب الطاق، ومن بغداد إلى الموصل، وله ست عشرة سنة، وهذا شئ لم يكن لغيره. قال ابن النجار: ولم يسمع أن قاضيا تولى القضاء أصغر سنا منه، وسمع الحديث من ابن هزار مرد الصريفيني، وأبي بكر الخطيب، وأبي يعلى الحنبلي، وغيرهم. وحدّث باليسير. روى السلفي عنه، وولي القضاء لأربعة من الخلفاء: القائم، والمقتدي،

стр. 2258

والمستظهر، ولما ولي المسترشد أقرّه على قضاء القضاة. قال ابن الجوزي في "المنتظم": ولا يعرف أن قاضيا تولّى لأربعة خلفاء غيره، وغير القاضي شريح (١). قال ابن النجار: جرت أموره في قضاياه وأحكامه على السداد والاستقامة، وكان فقيها، فاضلا، كثير المحفوظ، متدينا، عفيفا، نزها، ذا مروءة وصدقات، وبر ومعروف، وكانت له معرفة حسنة بالشروط، وكتب السجلات. وقال أبو العباس الواسطي: حكى لي جماعة أن عاملا من عمال السلطان محمد بن ملكشاه وجب عليه حق، فحبسه قاضي القضاة علي بن محمد الدامغاني، فنفذ السلطان لأجل الإفراج عنه، فقال الرسول للقاضي: السلطان يقول لك: تفرج عن هذا العامل. فقال له: من السلطان؟. فقال: محمد العجمي. فقال: قل له: إن السلطان محمد العربي قال لي: لا تفرج عنه. فعاد الرسول وقد ضاق صدره من ذلك. فحكى للسلطان ما قال له، فقال السلطان للرسول: قل للقاضي: يقبل من السلطان محمد العربي (٢). وقال ابن الجوزي: حضر أبو الحسن الدامغاني باب الحجرة، فقال له الخادم: أمير المؤمنين يسمع كلامك ويقول: أنحن نحكمك أم أنت تحكمنا؟. قال: فكيف يقال لي هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين؟. فقال: أليس قد تقدم إليك بقبول قول فلان فلم تفعل؟. قال: فبكى وقال: قل لأمير المؤمنين: إذا كان يوم القيامة جئ بديوان ديوان، فسئلت عنه، فإذا جيء بديوان القضاء، كفاك أن تقول: وليته لذلك المدبر ابن

стр. 2259

الدامغاني. فتسلم أنت وأقع أنا. فبكى الخليفة وقال: افعل ما تريد (١). قال ابن الجوزي: وناب في الوزارة في الأيام المستظهرية، والمسترشدية، مرات بمشاركة غيره معه، وتفرد بأخذ البيعة للمسترشد، وكان ورعا، مهيبا، مقدما عند الدولة، ذا رأي وحزم وسؤدد، وهو أحد من قتله الطب (٢). قال محمد بن عبد الملك الهمذاني: علا جوفه، فظنوه استسقاء، فأعطوه الحرارات، ومنعوه البوارد، وكان في جوفه مادة دواؤها البقلة، فلم يمكنوه من شرب الماء، فلما أنضجتها الحرارات بان لهم الخطأ. وقيل: إنه أنشد عند موته: والناس يلحون (٣) الطبيب وإنما … غلط الطبيب إصابة المقدار ومات في المحرّم، سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (٤)، وصلّى عليه ولده، وحضر أرباب الدولة، ونواب القضاء والشهود، وأهل العلم، وخدم الخليفة. ومنهم: ٣٥ - الحسين بن علي بن أبي القاسم، أبو علي، اللامشي (¬*) من أهل سمرقند، كان يضرب به المثل في علم الخلاف، وعدم التكليف على

стр. 2260

طريقة الأسلاف، وقول الحق، ولو أن على رأسه الأسياف، يلج على الأسد غابه، ويتبسّط في القول ولا تقنعه المهابة، تقدّم على كل موصوف، ودوّم (١) نسره الطائر على كل معروف، لعلم أبى الله أنه يخفيه، ودين حسبه منه أن يوصف بما فيه. ذكره أبو سعد السمعاني في ذيله (٢)، فقال: إمام فاضل متدين، خيّر، غزير الفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يدخل على الملوك، ويقول الحق في وجوههم. قدم بغداد سنة خمس عشرة وخمسمائة، في رسالة من جهة خاقان محمد ابن سليمان ملك ما وراء النهر إلى الإمام المسترشد بالله (٣). وقال أبو الفرج بن الجوزي: بعث رسولا إلى دار الخلافة، فقيل له: لو حججت، وقد وصلت بغداد، فقال: لا أجعل الحج تبعا لرسالتهم، فرجع إلى سمرقند (٤). وقال أبو سعد: قدم علينا مرة فتكلّم مع [ .. ] (٥) في عدة مسائل، وأجاد الكلام فيها. قال: وسمعت أبا بكر السمرقندي الزاهد يقول: بتّ مع اللامشي، فخرج نصف الليل، ومر على وجهه فقمت وتبعته بحيث لا يراني، فوصل إلى نهر كبير عميق، فخلع ثيابه، واتّزر بمئزر، وغاص في الماء، وبقي زمانا لا يرفع رأسه من الماء، فظننت أنه غرق، فصحت وقلت: يا مسلمين (٦) غرق الشيخ!.

стр. 2261

فإذا بعد ساعة قد ظهر، وقال لي: يا بني ما غرقت، ولكن أردت أن اتّخذ لله تعالى سجدة على أرض هذا النهر، فإن أحدا لم يسجد لله عليها سجدة (١). قال أبو سعيد (٢): وسمعت أبا بكر محمد بن عمر البلخي بمرو يقول: خرجت مع الإمام اللامشي إلى بستان له، فلما رجعنا وعبرنا في وسط البلد، كان الناس في الأسواق والدكاكين يسلمون عليه. توفي فجر يوم الاثنين خامس شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وهو ابن أحد وثمانين سنة (٣). ومنهم: ٣٦ - عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري، أبو حفص بن أبي المفاخر (¬*) المعروف بالحسام الشهيد، والإمام القانع بالعيش الزهيد، حرص على الشهادة حتى ختم بها عمله، وخدم بنجاح سعيه لها أمله، وكان مدة حياته في جهاد لا تنزع سرابيله، ولا تمسك حجج الباطل غرابيله، ولا تنقشع عن رؤوس أهل العناد أبابيله.

стр. 2262

مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. تفقّه على والده، وسمع الحديث، وحدّث باليسير، وبرع في المذهب، واجتهد وبالغ إلى أن صار أوحد عصره، وفريد دهره في علم النظر. وحاز قصب السبق دون أقرانه، ورأى الخصوم والكبار بخراسان والعراق، في حياة والده وناظرهم، وظهر كلامه عليهم، وارتفع أمره بما وراء النهر، إلى أن صار السلطان يصدر عن رأيه، ويتلقى إشارته بالقبول، وعاش مدة محترما مقبولا عند الخاص والعام (١). وعاش في حرمة وافرة، وقبول زائد إلى أن رزقه الله الشهادة بعد وقعة قطوان (٢). وانهزام المسلمين في صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة، بسمرقند، ونقل إلى بخارى بعد سنة، فدفن عند والده (٣). قال السمعاني: سمعت أنه لما خرج في هذه الكرة كان يودع أصحابه وأولاده وداع من لا يرجع إليهم. ومن تصانيفه: الجامع الصغير المطول، والفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى (٤).

стр. 2263

ومنهم: ٣٧ - عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد ابن علي بن لقمان النسفي، ثم السّمرقنديّ (¬*) العلامة أبو حفص، نجم الدين، صاحب المنظومة في الخلافيات، المظهرة للمحاسن الخفيات، الباهرة بالمعاني الوفيات، وكان رجل دهره إطلالا على النوب، وإطلالا لدمه المآقي في الكرب، واطلاعا لصحبه في ظلم النوائب، وإتلاعا لجيد مناظرته غير هائب، كل هذا إلى أدب ما نقص منه حظه، ولا نكص عنه حفظه، وكان لا يماثل لفظه الدر الثمين، ولا تتفارق عقود السبج في يده ويعود اللائمين (١). مولده سنة إحدى أو اثنتين وستين وأربعمائه، قدم بغداد حاجا سنة سبع وخمسمائة، وحدّث بكتاب: "تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار" من جمعه وتأليفه. روى فيه عامّة مشايخه ومستجازاته، ومتناولاته عن جميع مشايخه (٢).

стр. 2264

قال: وهم خمسمائة وخمسون رجلا. كان مبرّزا، متفنّنا، صنّف في كل نوع من العلم في التفسير، والحديث، والشروط. ومن مصنفاته: "القند في ذكر علماء سمرقند". وأورد أبو الحسن البيهقي في كتاب: "وشاح دمية القصر" (١)، للشيخ أبي حفص النسفي: الأمن واليمن في ثلاث … في الحلم والرفق والسخاوة والشر والشّؤم في ثلاث … في البحث والظلم والعداوة ومن شعره قوله: كم ساكت أبلغ من ناطق … وراجل أشجع من فارس ولاحق يسبق عربا مضوا … بفضل دين وهو من فارس ومنه قوله: تزور المشاهد مستشفعا … بحرمة من دفنوهم هناك فكن أنت آخذ أوصافهم … نزورك حيا وميتا لذاك وقيل: إن أبا حفص لما حجّ أراد أن يزور الزمخشري، فلما وصل إلى منزله دقّ الباب. فقال له الزمخشري: من ذا. فقال: عمر. فقال: انصرف. فقال: عمر لا ينصرف. فقال الزمخشري: إذا نكّر ينصرف! (٢). وتوفي بسمرقند في جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وخمسمائة (٣).

стр. 2265

ومنهم: ٣٨ - الحسن بن أحمد بن أبي سهل، أبو بكر، شمس الأئمة، السرخسي (¬*) مصنف المبسوط، والفقيه الذي الفقه بيده منوط، استمد من شمس الأئمة (١) حتى كان بدرا تماما، وصدرا إماما، وبحرا يريك كل قطرة غماما، ثم كان به أمس، ومنه خلفا لما غابت الشمس، لقب بلقبه، وأخذ من علمه ملء حقائبه، وملء حقبه (٢). تفقّه على شمس الأئمة أبي محمد بن عبد العزيز بن أحمد الحلواني، ولقب بلقبه، وكان إماما فاضلا، متكلّما، فقيها، أصوليا، مناظرا، يتوقّد ذكاء، لزم شمس الأئمة، وتخرّج به، حتى صار في النظر فرد زمانه، وواحد أقرانه، وأخذ في التصنيف والتعليق، وناظر، وشاع ذكره، صنّف كتاب المبسوط في الفقه، في أربعة عشر مجلدا (٣)، إملاء من خاطره، من غير مطالعة كتاب، ولا مراجعة تعليق، بل كان محبوسا في الجبّ بسبب كلمة نصح بها، وكان يملي عليهم من الجب وهم على أعلى الجب يكتبون ما يملى عليهم (٤).

стр. 2266

حكي عنه: أنه كان جالسا في حلقة الاشتغال، فقيل له: حكي عن الشافعي أنه كان يحفظ ثلاثمائة كراس. فقال: حفظ الشافعي زكاة ما أحفظ!. فحسب حفظه، فكان اثني عشر ألف كراس!. وله عدة مصنفات معتمد عليها. وحكي عنه أنه لما خرج من السجن كان أمير البلد قد زوج أمهات أولاده من خدامه الأحرار، فسأل العلماء الحاضرين عن ذلك، فكلهم قال: نعم ما فعلت!. فقال شمس الأئمة: أخطأت، لأن تحت كل خادم امرأة حرة. فكان هذا تزويج الأمة على الحرة. فقال الأمير: أعتقت هؤلاء، ووجد العقد، فسأل العلماء، فكلهم قال: نعم ما فعلت. فقال شمس الأئمة أخطأت لأن العدة تجب على أمهات الأولاد بعد الإعتاق، فكان تزويج المعتدة من الغير ولا يجوز. فألبس الله جواب هذه المسألة على العلماء في موضعين من مسألة واحدة، ليظهر فضل شمس الأئمة على غيره (١). ومنهم: ٣٩ - علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن أبي بكر، برهان الدين، أبو الحسن المرغيناني (¬*) الراشدي، صاحب "الهداية"، أرشدت تصانيفه الضّلال، ومدّ بتثقيفه أفياءها وارفة الظلال، وأوقدها مصابيح تشب لقفّال، وقلّدها مفاتيح لا تتأشب معها

стр. 2267

أقفال. كواكبه طلّع، وكواعبه سوافر تتطلّع، وكتائبه بغير لثم السطور لا تتبرقع. كان إماما جليلا، زاهدا، محجاجا، أستاذا، عاملا، فاضلا، متبحرا، نحريرا، قدوة، محققا، فصيحا، كاشفا للأسرار الفقهية، كبير القدر، بعيد الصيت. ومن تصانيفه: "بداية المبتدي وكفاية المنتهي" (١). قريب من ثمانين مجلدا، و"التجنيس والمزيد" (٢)، و"مناسك الحج". وأما كتاب الهداية: فهو العمدة في المذهب (٣)، وغالب المدرسين منه يلقون دروسهم، وعليه يرمون نفوسهم (٤). ومنهم: ٤٠ - علي بن الحسن بن محمد البلخي، أبو الحسن الزاهد، الفقيه، الحنفي، الجعفري، عرف بالبرهان البلخي (¬*) إمام الحرم، وغمام الكرم.

стр. 2268

أقام بجوار البيت الحرام، وقام بما قعد عنه الكرام، وأقبلت الركائب تهوي إليه، وترى تمام الحج الوقوف عليه، وهو ينشر إزاء الركن اليماني جرأته، ويطوف بالبيت العتيق حول حجراته، حتى استدعت غروس دمشق وده الفارك (١)، واسترعت عهده وقد حيل دونها بقرب (٢) كأفواه المجان (٣) الأوارك، فراجعها بعد مطال، وضاجعها بعد هجر طال، وكان بها ظاهر الكرامة، طاهر الثوب من دنس لا يدنس بالملامة. تفقّه ببخارى على الإمام عبد العزيز بن عمر بن مازه، وغيره، وسمع الحديث من جماعة بما وراء النهر (٤). قال ابن عساكر ﵀ (٥): "قدم دمشق سنة بضع عشرة وخمسمائة، ونزل بالمدرسة الصادرية (٦)، فناظر في الخلافيات، وعقد مجلس التذكير، وحصل له قبول، فحسده علي بن مكي الكاساني مدرس الصادرية إذ ذاك، وتعصب عليه الحنابلة لأنه أظهر خلافهم، فمضى إلى مكة، وجاور بها، وصار [إمام] (٧) الحنفية بالمسجد الحرام، ثم ندم الكاساني على خروجه، وقال لجماعة من أصحابه: كاتبوه إلى مكة، ورغّبوه في الرجوع إلى دمشق، واذكروا

стр. 2269

له: أن عليا الكاساني يسلّم له المدرسة". قال ابن عساكر: وكانت الكتب على يدي، فأوصلتها إليه بالمسجد الحرام سنة إحدة وعشرين وخمسمائة، فذكر أن عوده في ذلك العام متعذّر، فلما كان بعد ذلك، مضى إليه الفقيه سعيد بن علي بن عبد الله البوزكندي، وحمله إلى بغداد، وتوجه به إلى دمشق فقدمها وتسلم المدرسة، واشتغل بالتدريس والتذكير، فحصل له جماعة كثيرة، ووجاهة عند الخاصة والعامة". وكان صحيح الاعتقاد، حسن السمت، محبّا لنشر العلم، مراعيا للأصحاب، سخي النفس، وعقد مجلسا للإملاء، فحضره خلق كثير، وجمع كبير، وكانت كتبه بخراسان، فوجه من جاءه بها، وجعلت له دار طرخان مدرسة فدرّس بها (١)، ودرّس أيضا بمسجد خاتون (٢)، ووقفت عليه أوقاف، وفتح عليه فتوح، ولم يدخر منها شيئا ولا يمسها، ثم إنه خرج إلى حلب، ليفقّه أهلها، وينشر السّنّة بها، فانتفع به خلائق هناك، وأزال البدعة التي كانت في التأذين (٣). قال الصاحب أبو القاسم ابن العديم: أخبرني والدي، قال: لما فتح نور الدين محمود المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية بحلب، لأصحاب أبي حنيفة، استدعى البلخي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، ودخلها، وألقى بها الدروس، وكان الأذان بحلب في المنارة على قاعدة الشيعة، يزاد فيه: " حيّّ على خير العمل، محمد وعلي خير البشر ". فلما سمع البلخي ذلك أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان، وقال لهم: مروا المؤذّنين ليؤذّنوا الأذان المشروع، ومن امتنع منهم كبّوه على رأسه، فصعد الفقهاء، وفعلوا ما أمرهم به، فأذن المؤذنون

стр. 2270

الأذان المشروع. واستمر الأمر على ذلك إلى أن مرض نور الدين بقلعة حلب، ودخل نصير الدين أخوه إلى حلب، فأعاد الشيعة الأذان أياما ثم ترك (١). قال ابن العديم: " كان سبب خروج البلخي بعد ذلك من حلب أن بعض الأمراء المختصين بمجد الدين أبي بكر بن الداية كان ساكنا إلى جانب المدرسة، فبلغ البلخي عنه أنه يشرب الخمر، فأمر الفقهاء أن ينكروا عليه، فمشوا إليه، فقام إليهم وضربهم، فجمع البلخي الفقهاء، وأمره بالدخول إليه، فدخلوا إليه وأراقوا الخمر، وضربوه، فشق ذلك على ابن الداية، وأخرجه من حلب". قال ابن العديم: " وأخبرني ابن قاضي العسكر قال: حدّثت عن حاجب شمس الملوك، صاحب دمشق: أنه كان لشمس الملوك في مقابلة المسجد الذي عمرته والدته الخاتون للبلخي مدرسة - قصر له يشرب فيه، وعنده المغنون له بالملاهي، وكان الشيخ إذا علم بهم أمر الفقهاء بأسرهم فيصعدون إلى السطح، ويكررون ليشوشوا عليه ما هو فيه، فكان يتكدر عليه لذته، ويتشوش عليه، قال الحاجب: فأخذني في بعض الليالي، وليس معنا ثالث، وقال لي: لا بد من قتل هذا الشيخ الكلب العجمي!. واستصحب معه سيفا، وجاء إلى المسجد، وإذا بالشيخ قاعد فيه، فأعمى الله بصره عنه، وأنا أبصره، فقال لي: ما أراه هنا!، وأين هو هذا الفاعل الصانع؟. فلما رأيته كذلك لم أعلمه أني أراه، فجعل يدور عليه ولا يراه، ثم جاء إلى حائط هناك، فقال: اقعد إلى الأرض، حتى أصعد على كتفيك، قال: ففعلت ذلك، وصعد على كتفي، فلما وضع يده على رأس الحائط، انقلب إلى خلف، ووقع مغمى عليه. قال: فابتدرت إليه ووضعت رأسه على ركبتي، وجعلت أسكّنه وأسأله، فلما أفاق قال لي: لا تسأل ما تم علي،

стр. 2271

وإن حدّثت به أحدا ضربت عنقك. اعلم أني لما هممت بالطّلوع، فما هو إلا أن وضعت يدي على رأس الحائط، وصعدت، وإذا بأسد عظيم قد لطمني فألقاني، وأنا أستغفر الله مما جرى، ولا بد لي في غد من زيارة هذا الشيخ. فلما كان في الغد، أتى شمس الملوك إلى الشيخ وزاره، واستغفر، وتاب، ثم كان من بركة الشيخ أن ذلك القصر وقف خانقاه (١) على الصوفية إلى الآن بطريق النيرب. وقال أبو العلي ابن أمين الدولة: كان سبب توبة نور الدين محمود بن زنكي عن شرب الخمر، وإقباله على الخير والصلاح: أنه دخل ذات يوم على البلخي يزوره، فأخذ الشيخ يعظه، فرقّ قلبه، وبكى. فقيل للشيخ سرا: اذكر له في الخمر شيئا. فشرح الشيخ، وأطنب في ذكر الخمر، وذكر ما جاء فيها من الأحاديث، ونور الدين يبكي، ولم يزل حتى تاب نور الدين على يد الشيخ توبة نصوحا في ذلك الوقت. قال ابن العديم: حدثني ابن قاضي العسكر، قال: حدثني جماعة من الفقهاء من أصحاب البلخي، منهم والدي، قال: عمّر آبق صاحب دمشق دارا فاحتاج فيها إلى رخام، فذكرت له أسكفة (٢) عظيمة من الرخام على باب مسجد دمشق، فأمر بقلعها، وعمل أسكفة عوضها من غيرها، فجاؤوا واقتلعوها، وحملوها، ومعهم الملاهي لحملها، فبلغ الخبر الشيخ، فخرج من منزله وتبعه جماعة من الفقهاء، وجعل لا يمر بمحلّة إلا اجتمع معه خلق منها، حتى كثروا جدا، ولا يعلمون إلى أين يذهب.

стр. 2272

فلقيهم في الطريق ومعهم الأسكفة، فقال لهم: ارجعوا، فلم يسعهم إلا امتثال أمره، فعادوا، ووضعوها في مكانها، ثم أتوا إلى آبق صاحب دمشق، فأخبروه، فأنكر عليهم امتثال أمرهم، فقالوا: لو لم نفعل ذلك هلكنا، من كثرة الخلق علينا. فأنفذ إليه، فقال له السلطان: دمشق لك هبها لي! (١). فقام، وخرج ماشيا، حتى أتى بصرى، والوالي بها ربيع الإسلام أمين الدولة، فأكرمه، وأحسن إليه، وأنزله في مدرسة كانت له هناك. فوقع بين صاحب دمشق ووالي بصرى خلاف، فأتى صاحب دمشق إلى بصرى، محاصرا لها. فأرسل إلى واليها: أنفذ إليّ البلخي ليصلح بيننا. فقال ربيع الإسلام للشيخ: إن هذا الجبار قد سأل أن تخرج إليه. فأجابه الشيخ إلى ذلك، فخرج إليه، فالتقاه صاحب دمشق، وأكبّ على قدميه يقبلها، والشيخ لا يرفعه عنهما، ثم قال له: ما جئت إلا لأجلك، فإني لم ألق خيرا منذ خرجت!. ولا لقيت [في] دمشق خيرا منذ خرجت، ولا بدّ من الرجوع إليها معي، وأخذه معه وعاد، فتلقّاه أهل دمشق أحسن لقاء. قال ابن العديم في تاريخه: "أنا (٢) داود بن عمر خطيب بيت الأبار، حدثني عبد الرحمن بن عساكر، قال: أحكي لك حكايتين عن الشيخ البلخي: أما إحداهما: فإنه استفتي في قضية فأفتى بها، فحمل صاحب الفتيا الفتوى إلى ديوان نور الدين، فلم يعملوا بها، فجاء إلى الشيخ، فحكى له ذلك، فشقّ عليه وقال: بلد لا يعمل فيها بما يفتي به الفقهاء لا أسكنه!!!. وقام ولبس ثيابه، وخرج ليرحل من دمشق، فبلغ ذلك نور الدين، فخرج في أثره، فلحقه في المزّة،

стр. 2273

فجاء، ونزل وتلقّاه، وقال: ما الذي دعاك إلى هذا؟. فقال: أفتي بشيء لا يعمل به؟ لا حاجة لي إلى سكنى بلدة تكون بهذه الصفة. فاعتذر إليه، وقال: لا، بل يعمل بقولك، وبما تفتي به. وسأله في العود فأجاب إلى ذلك. فرجع نور الدين معه ماشيا على قدمه من المزة حتى دخل المدرسة الصادرية بباب الجامع. وأما الثانية: فإنه كان بالصادرية بوّاب يتصفح حال الفقهاء، فجاء إلى الشيخ يوما وقال: إنّ فلانا وفلانا من الفقهاء يجتمعان بالبيت الفلاني، ويشربان الخمر. فقال: لا تتكلم بشئ، وإذا رأيتهم على هذه الحالة، فأعلمني بذلك. وعمد الشيخ إلى السوق، فاشترى منه ما يصلح للنّقل على الشرب، وتركه في مئزر مشدود عنده. فجاء البواب في بعض الليالي، فقال: هما يشربان الساعة!. فأخذ الشيخ ذلك النقل بيده، وأتى إلى الباب الذي فيه الفقيهان، ووقف على الباب، وقال: اللهم تب عليهما. ونقر الباب. فلم يسعهما إلا فتحه، فناولهما ذلك النقل، وقال: خذا هذا واستعملاه، فأخذاه. فلما أصبحا، جاءا إلى الشيخ وتابا على يده، وحسنت توبتهما، ثم صارا إمامين في الفقه، ودرّس كلّ منهما بمدرسة دمشق. وسئل يوما عن مسألة في الزهد، فنزل عن المنبر، وقال: مكانكم حتى أرجع إليكم، وراح إلى بيته بالمدرسة، وكان عنده ديناران، فأخذهما وتصدق بهما، ثم عاد إلى مجلس وعظه، وقال: سألني هذا عن الزهد، وكان عندي ديناران، فاستحييت من الله أن أتكلم في الزهد، وعندي شئ من الدنيا!.

стр. 2274

وقبل موته بقليل جرى بين الصوفية بخانقاه السمياطي نقار (١)، فجاءهم الشيخ ودقّ الباب، فقالوا: من؟. فقال: علي البلخي. فعرفوه وفتحوا له، فدخل وأصلح بينهم، وخلع ثيابه لتعمل الصوفية بها استغفارا كما جرت العادة لهم، فلم يبق عليه إلا ثوب واحد، وخرج وصلّى فأصابه برد، فتأثّر بدنه لذلك، فأصبح وذكر الدرس، ثم بعد أيام خرج وصلى بهم الصبح، وكان يؤمّ بهم ويطيل الصلاة، يبدأ بغلس، ويختم بإسفار (٢)، فقرأ في الصلاة: ﴿وَقِهِمُ اَلسَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ اَلسَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ (٣). فأجهش الناس بالبكاء عند ما قرأ ذلك، فركع وأتم الصلاة، ودخل منزله، فلم يخرج منه بعد ذلك حتى مات، يوم الخميس في شعبان، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ودفن بمقبرة باب الصغير (٤). قال ابن قاضي العسكر: دعوت عند قبره في أمور أهمّتني، ثلاث دعوات، فاستجيب لي. وهو أول من درّس بالمدرسة الحلاوية بحلب، وبالطرخانية بدمشق، وبمسجد خاتون، ظاهر دمشق، وبالمدرسة البلخية المجاورة للصادرية، جوار الجامع الأموي، وإليه نسبت.

стр. 2275

ومنهم: ٤١ - محمد بن عبد الحميد بن الحسين بن الحسن بن حمزة، أبو الفتح، [الأسمندي] (١) السمرقندي (¬*) المعروف بالعلاء العالم، فهو أبو الفتح المعروف بالعلاء، بل الموصوف بالعلى، جمع الأسفار المفيدة، ولزم الأسفار البعيدة، وكان لسانه في الجدال أمضى من الصّفاح (٢) في الجلاد (٣)، وأوحى (٤) من الرماح في الجهاد، أقرب إصابة من السهام، وأسرع إجابة من الإلهام، وأشد إنارة من التخيّل في الأفهام، وأشدّ من تحقيق البراهين في إزالة الأوهام. وقع الاتفاق على حسن طرائقه في الخلاف، وحدائقه البديعة الأفواف (٥). تفقّه واعتزل، وجدّ في العبادة، وقطّ ما هزل.

стр. 2276

مولده في جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. صنّف التصانيف في علم الخلاف، منها: الطريقة المعروفة بطريقة العلا العالم، في مجلدات عدة، وشاعت في البلدان (١). وكان إماما، فقيها، فاضلا، مناظرا، بارعا، وله عبارة حسنة، والباع الطويل في علم الخلاف والجدل (٢). ثم إنه تنسّك، وترك المناظرة، واشتغل بالخير إلى أن توفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة (٣). ومنهم: ٤٢ - عبد الغفور بن لقمان بن محمد الكردري (¬*) أبو المفاخر، القاضي، الحنفي، الدانقيني، قاضي حلب. رجل عنده الناس أسوياء، لا يشينه اللين والرياء، ولديه السلطان كآحاد الناس في اطّراد القياس. لا يبالي إذا رضي الله بمن غضب، ولا إذا وصل سبب الحق بما اقتضب، ولا إذا أطلّ دم الباطل بأي كفّ خضب، وقوفا مع الشريعة المطهرة، ونزعا لجلابيب الأباطيل المشهرة. تفقّه على الإمام أبي الفضل عبد الرحمن الكرماني، وبرع في الفقه، وحدّث بحلب، وكان يحفظ المبسوط لمحمد بن الحسن، وصنّف التصانيف الحسنة. قال أبو القاسم عمر بن العديم في "تاريخ حلب": قدم الكردري حلب، فولّاه

стр. 2277

الملك العادل نور الدين محمود القضاء، وولي التدريس بالمدرسة التي وقفها حسام الدين لاجين، بحلب، وسمعت شيخنا أبا هاشم عبد المطلب يصفه بالدين، ويثني عليه بالعلم والفقه، ويفضّله على العلاء بن الغزنوي، وعلى الكاساني، وكان يتورع أن يجلس للحكم على حصر المدرسة، ويأمر برفعها إذا جلس للقضاء، ويقول: هذه الحصر للدرس، فلا يجوز استعمالها لغيره. وكان له برسم القضاء حصير صغير يجلس عليها للحكم. قال أبو هاشم: لما ولّى الملك العادل نور الدين أبا الفضل الشهرزوري قضاء القضاة بالبلاد الشامية، واستناب ابنه أبا حامد، قال السلطان نور الدين: نريد حاكما يحكم على مذهب أبي حنيفة بحلب. فذكر له الكردري، فسيّر إليه وعرض عليه القضاء فامتنع!. وقال: بنو الشهرزوري لا أقدر على النيابة عنهم. فسير إليه نور الدين، وقال له: أنت نائب نور الدين لا غير. وليس للقاضي عليك أمر ولا ولاية، فأجاب وتولّى القضاء. فجعل أبو حامد ابن القاضي يقول: امضوا إلى النائب، و: قولوا للنائب. فغضب القاضي الكردري من ذلك، وتبين الغيظ في وجهه. فقيل له: لست إلا نائب نور الدين!!. فجعل بعد ذلك يمضي القضايا على ما يختار استقلالا. فكان عنده غلام جعله لمجلس الحكم يدعى سويدا، يحضر الخصوم إلى مجلس الحكم، فحضر بعض التجار وادّعى أن له على نور الدين دعوى. فقال الكردري لسويد: امض في طلب نور الدين، فقيل لنور الدين: إن تاج الدين الكردري قد أرسل سويدا يطلب المولى إلى مجلس الحكم!. وذكر أنه حضر تاجر، وذكر أنه له دعوى شرعية على المولى، فقال نور الدين: يحضر الفرس حتى نركب إليه. السمع والطاعة. قال الله تعالى: ﴿إِذا دُعُوا إِلَى اَللّهِ﴾

стр. 2278

﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ (١). ثم نهض وركب حتى دخل باب المدينة، فاستدعى سويدا، وقال له: امض إلى القاضي تاج الدين، وسلّم عليه، وقل له: إنني جئت إلى هنا امتثالا لأمر الشرع، وهذا وكيلي يسمع الدعوى. وإن توجّهت عليّ يمين، أحضر إن شاء الله تعالى. قال: فحضر الوكيل الدعوى، وسمع الدعوى. وتوجّهت اليمين، فقال الكردري: توجّهت اليمين، فليحضر. فلما بلغ نور الدين ذلك استدعى التاجر وأصلح الأمر فيما بينه وبينه وأرضاه ". توفي بحلب في رجب سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. ومنهم: ٤٣ - محمد بن محمد بن محمد، أبو عبد الله السّرخسي (¬*) رضي الدين، صاحب" المحيط " (٢). بوّأته حلب مقامها، وقصّرت في عينه مددا أقامها، وقدّمت له من حلاوة حلاويتها (٣) ما طاب له به كل زمان مرّ، وأرته كل أوان ما سرّ، وأقام بين أهلها

стр. 2279

ولا يظن إلا أنه بين الكواكب نازل، وأن ما وجده بهم جد وصوب السحائب هازل، ولم يزل بينهم حتى أثرى، وأصبح لا يرى المال وإن جلّ كثرا (١). قال: كان من الفقهاء المعتبرين من الحنفية، قدم حلب، ودرّس بالمدرسة النورية، والحلاوية بعد محمود الغزنوي، فتعصّب عليه جماعة، ونسبوه إلى التقصير، وإلى أنه ادّعى تصنيف المحيط، وحاله في الفقه تقصر عن ذلك، وذكر أن هذا الكتاب صنفه [شيخه] (٢)، وأنه وقع به وادّعاه لنفسه، وكان أكثر الناس في ذلك تعصّبا: افتخار الدين الهاشمي، وكتبوا فيه رقاعا إلى نور الدين الشهيد، يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفا كثيرا، فأوجب ذلك عزله عن التدريس، فسار إلى دمشق، فتولّى تدريس المدرسة المعروفة بمسجد خاتون، فلما مرض مرض الموت أحضر المحيط، وفتق كعابه جميعها، فأخرج منها ذهبا مقداره ستمائة دينار، وأوصى أن تفرّق على فقهاء المدرسة، ولم يكن له وارث، ومات. فجاء نوّاب الحشر (٣)، وطلبوا أن ينزعوه، وكانت خاتون واقفة المدرسة في الحياة، ولها جاه، فامتنع الفقهاء من دفع ذلك إلى نواب الحشر بجاهها (٤).

стр. 2280

ومنهم: ٤٤ - أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (¬*) علاء الدين، صاحب "البدائع" (١)، وساحب جلباب الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله (٢)، ولا من تضايق مجاله، وكان يسكتهم إذا هدر، ويسكتهم (٣) في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوى لا تدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتدّ وجدّل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقي الصّدغان (٤)، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل. تفقّه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوّجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة. قال ابن العديم في "تاريخ حلب" (٥): كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المجتهد بين مصيب ومخطئ، والحق في
следующие страницы →