وإنما العذر أبديه وتعلمه … واسمع يميز مقالي أحسن الميز
بأننّي عند موت الوالد اجتمعت … عليّ أنواع همّ دغدغت نشزي (١)
حتى رحلت ولا ألوي على أحد … رحيل محتفل للبين محتفز
وعدت والسّقم ملتاث به جسدي … ومثله سقم قلب حرّ كالحرز
وليتني لم أعد من سفرة كتبت … عليّ حتّى يعود الفارط العنزي
وربّما قد علمت الحال أجمعه … وكيف حال فتى فيما يحب رزي
وجاءت الرّسل تترى يستحثّ بها … منطّق الخرس يبغي أعظم النّهز
ولم أكن شهد اللّه العظيم بمن … يضيعه وهو عندي أشرف الحيز
لكنني كنت في نفسي يضيق به … وسع الفضاء وحالي حال محترز
فلم أجد لي وقتا أستعين به … على تطلّبه لو كان في حجزي
وعدت أرسلته مع من وثقت به … وكان ظنّي به إيصاله فخزي
وما أضاع على علمي أمانته … ما خان قطّ ولا هذا إليه عزي
أما يكون من النّسيان آخرها … وإنه بعد بالعذراء لم يفز
اسمع وقيت أبا حيّان كلّ أذى … وعشت شرّ العطايا غير ذي نزز
أفي كريريسة إن ضاع ضائعها … يغدو كما لك فيها ظاهر العوز
إن فتّقت فمقالات وجدت لها … من مثلها حلّةّ محبوكة الدرز
تقول من سامني سوء الفعال يرش … بالظلّ حرّاء صخر التربة الجرز
بالله قل لي هذا منك عن حنق … أو للفكاهة أو هذا من الطنز (٢)
لو قال غيرك هذا كنت تنكره … ولو سألناك عنه قلت لم يجز
ولو يكون سمين الضّأن قد جمعت … لهان لكنّه عيب من المعز
واستغفر اللّه هذا نزعه عرضت … كما الجواد بها من شدّة اللّزز
وأنت سيّدنا حقّا ووالدنا … وحزت بالسّبق تفضيلا ولم يحز
стр. 2907
ومن تطير مع النّسرين أرجله … فليس يدركه بضّي ولا خرزي (١)
فامنن بعفو جميل لا تكدّره … فالعفو في شيم الأشراف كالطّرز
فكرّ رسوله راجعا في بكرة غده، وأتى إليّ بورقة يحملها في يده ثم ناولنيها، وقد برقعه الحياء بصفرة، وأطرق كأنه يردى في حفرة.
وكان الشيخ قد علّم ذلك الصبي هذه الحيلة، وأراد أن يكبر عندي هذه الطلابة القليلة.
وفطنت للمراد ووطيت من جمره على الرماد، وقرأت قصيدته غير مكترث، وقلت له: يعين الله على خلاصي من الذمة قول منبعث، فقال: أنا في قيد الجواب، لا أبرح حتى استصحبه، وأرى معي أبيات إنباته مصحبه، فتتبعت أثره ورددت عليه أو أكثره، وعدلت له فرحا بمصاب، وخلطت له عسلا بصاب، وعرّفته قدر صنائعه وقيمة رائعه وإنّ تحفته ليست سنيّه، وثمرات رطبه غير جنيّه. ثم ثبت له على الحق وقطعت بإرسالها سبية من غير رقّ؛ إلاّ أنني أخّرت له أوراقا من الكتاب المعار، والطلب الذي عقد لأجله النقع المثار؛ حبّا لمداعبته، وإيثارا لدوام مطالبته. وكان الذي كتب إليّ: [البسيط]
ما إن للكرم الموعود إنجاز … يا من له الفضل والإحسان ينجاز
أشبهت في النظم باللفظ البديع وبال … معنى الغريب لنظم فيه إنجاز
ما يشبه البحر في أمواجه ثمد (٢) … ولا الصدور نشا المذكيّ إعجاز
إن كان أشبهك الأعلام في شرف … فأنت بالعمّة العلياء تمتاز
سموت للعالم العلويّ حيث يرى … للنيّرات به فخر وإعزاز
يمضي زمان ونور النيّرين معا … يخفى وللشّهب في الآفاق إبراز
فلا يملن إلى ما كان من عرض … للجوهر الفرد فالأعراض أوفاز
في لذّة العلم ما يعني الأريب به … عن ريبه غيركم ما إن بها فازوا
ما كان إلاّ انتقال من عل لعل … فيه لمنصب فضل اللّه إحراز
стр. 2908
أنت الكبير وقد هدّيته زمنا … وليس بينكم في الفضل إفراز
من ذايساميك في علم وفي أدب … ما الجاسميّ ومن ضمّته شيراز (١)
إنّ البراعة قد حطّت براعتكم … في طرس نفس به للملك أنشاز
لأنتم زهرة الدّنيا وبهجتها … لها جمال بكم ما فيه إعواز
أثني عليك ولا أنفكّ ذا طلب … فمنطق الخرس أوبى للثّرى حاز
فلا تجزني بوعد منك يمطلني … إن الملحّ لعطف الجود هزّاز
الحجب في هزّ عطف للنّدى خطل … خلّ الوعود فمثلي ليس ينجاز
وأما جوابها التي ملأته بما حوى، وعكست عليه ما نوى، وأتيت به على ما تفتحت به بادرة القريحة، وبلغته ركائب الخاطر وهي غير مستريحة، فهي هذه: [البسيط]
بديع شعرك للأعطاف هزّار … وفيه معنى لقلب المرء جزّاز
خلطت بالصاب فيه الأري (٢) فاختلطا … حتّى تعذّر للتمييز إفراز
يلذّ في ذوق راويه وسامعه … وكلّما قال إكرام وإعزاز
حلو اللّمى سكريّ الرّيق معدنه … أرض الجزيرة لا مصر وأهواز
من المنكّب أو ما حلّ جانبه … ووادي أشّ وفي الحمراء ركّاز
من أرض حيّان حيّان الحرير وذا … بزّ الحرير وذا إذ بزّ بزّاز
ممكّن في القوافي القفر تعرف من … صدوره ما حوته منه إعجاز
كأنّهنّ النجوم الغرّ واضحة … وليس فيهنّ إلغاء وألغاز
بعثت لي يا أبا حيّان زائدة … ومنه للرّوضة الغنّاء إحراز
أبديت لي آية غرّاء محكمة … للخلق منها مع الإعجاب إعجاز
رفعت قدري بأبيات شرفت بها … فيها من الفضل إيجاب وإنجاز
حزن الكمال فلا شيء يقال به … هذا ينقّص أو ذا فيه إعواز
أصبحت بالحلم طودا لا ارتقاء له … بل دونه فلك الأطواد أنشاز
стр. 2909
سبقت بالعفو ما ضاق المسيء به … وحان من فعله المستور إبراز
بعثت لي تتقاضى الوعد بل تتقا … ضى فورّي وبالأعضاء يمتاز
ولم أكن مهملا حتى تذكرني … هل زاد جري جياد الخيل مهماز (١)
وقلت إنّيّ لا أنفكّ ذا طلب … منطّق الخرس أوبي للنّدى حازوا
وما تأخّر إلاّ أنّ حامله … أمدّ أوقاته في البيت أوفاز (٢)
أرسلت تلقاه في رسلي فما ظفروا … به وجدّوا للقياه فما فازوا
ولم يزل دابيا حتى وقفت به … وكاد يمنعه ظنّ وإحراز
منطّق الخرس كنز لا نفاد له … وهل يجود بما في الكنز كنّاز
ولا أصرّح من هذا بقيّته … فما الكريم على الإخوان غمّاز
وما أتيتك عذرا لست تعلمه … وفي البريّة همّاز ولمّاز
من كان مثلك قد أبلى بهجرته … هذا الزمان فقل لي كيف ينحاز
جاوزت في الأفق الجوزاء جوزتها … وللكواكب في الآفاق أجواز
لا بل ديارك في أعلى منازلها … وفي المنازل أطراف وأجواز
بلغت من قدرهم فوق الذي بلغوا … وحزت من فضلهم أضعاف ما حازوا
مفسّر لكتاب الله يفهمه … على الحقيقة فهم منك ممتاز
وعدتني بلقاء بتّ أرقبه … ولي من القول نظّام ورجّاز
موكّل بطلوع النّجم في نظر … كأنّما نظري للنجم جوّاز
فاسمح بزورتك الحسناء إنّ لها … من النواظر حسنا حيث يجتاز
يكحّل الطرف مرآها بنور هدى … يمتار من رشده الهادي ويمتاز
ودم وعش تمنح الآداب زاجره … وأنت بحر وكلّ الناس أنزاز (٣)
أبليتني بحروف الزاي أنظمها … ثلاثة تتجافى وهي تنحاز
لقدّمت لي في الشطرنج واحدة … وذي وتلك وحرف الزّاي معواز
стр. 2910
إن كنت مختبرا فاعنت وقل أبدا … ما شئته لتراني لست أعتاز
ومن عديّ بن كعب أسرتي ولنا … ببطن مكة في البطحاء أركاز
والآن أرسلت ما أرسلت تطلبه … منطّق الخرس قول الحق أرماز
نجزت وعدك لّما قلت منتدبا … ما إن للكرم الموعود إنجاز
فأخذ قاصده الجواب، ومعه منطّق الحزس، خلا ما أخرته؛ قصدا للمطايبة وحبّا لدوام المطالبة، ثم ذهب هذا وعمر اليوم قد تصرّم، ولهب الأصيل قد تضرّم، والنهار سائل لجينه على المغرب قد تكرم. والطير قد أكثر الصياح كأنه لفراقه قد تبرّم. وقطعت سواد تلك الليلة مفكرا في الشيخ ونشاطه وخفة روحه وانبساطه. ولا أظن أنه يزورني في صبيحة غد؛ ليتم ما يصنعه في الغضب، ولا يظهر أن زاخره الهائج نضب. فما كان إلاّ أن شقّ النور ثوب الظلماء، وبدّل بياقوت الشفق لؤلؤ سماء، ووقت الفجر ما ضاق، وجدول الصباح قد شرع بتموج نهره الرقّاق؛ وإذا بالباب يطرق وحسّ حمار ينهق. فأمرت من حضر بفتح الباب للطارق، وزجر شيطان ذلك الحمار الناهق وقلنا: ألا طارق يطرق بخير، وراكب حمار لا يخاف منه ضير، وإذا بالشيخ قد دخل، وسلّم، وسكت وإلاّ كان تكلّم. فلم أر ساعة أسرّ من حين مقدمه، ولا خفا كان وفيه أكثر من تقبيل قدمه، وما كان إلاّ أن حضر يطوي ما كان في أمس وطلع علينا هو والشمس. وطلّنا في يوم لا عيب فيه غير قصر، وسرور لا شيء فيه إلا فرط نداه في يد مهتصر (١). واستشدى موشحات كبت نظمها وبلغته، ولم يقف عليها ولا سوغته. فأبرزت له ما ظنّ أنه من الأندلس وزفّ من الغرب فاق العرس، فقال فيها ما هو أهله من الجميل، وما عهدت من جنابه الجزيل. ثم أخذ يسألني عن الشخص الذي أشرت إليه في القصيدة فوفيت بما ضمنت من كتمانه وبحثه عن طريقه؛ فظنّ أنّ الفاضل شمس الدين محمد ابن الصائغ الزمردي هو ذلك الشخص. وكان لا يراه إلاّ بعين النقص فلما اشتدّ هذا عنده وتصوّره، ورجع بباطنه فيه إلى آرائه المنكره، فبعث إليّ بقصيدة يذكّر فيها، ويذكر الإمام أبا عبد الله ابن الصائغ الأموي ذكرى متوافية، ولم يك للأول كنت ولا للثاني،
стр. 2911
وانما أساء في ذلك الظن، وهذا ما جرّته القافية.
وهذه القصيدة هي التي بعثها، ولوافح سمومه التي نفثها: [الطويل]
أيا سيّدا جاز المعالي والمجدا … ليهنك مولى محسن أنجز الوعدا
على أنه قد راح جزء من اوّل … وجز آن فاختلّ الكتاب وما أجدى
يذكرني ما قد بقي حسن ما مضى … فينشئ لي غمّا وينبت لي حقدا
وفقدي لبعض منه فقدي لكلّه … فياليت أني كنت أذكره فقدا
فابكيه ما شبّته نار بفارس … بطرف زكا دمعا وقلب ذكا وقدا
واندبه ندب الهلول (١) وحيدها … وقد نظمت من دار أدمعها عقدا
ومن عرض الحسناء يبدى عصارة … بلا خطأ من راغب في الورى نقدا
أراك ازدرت عيناك حسن شبابها … فأزريت بالمهدى وما كان قد أهدى
ولو سحت نجلا لا غنى عزّ أمة … فلم ينتجز وعدا ولم ينتهز ردّا
ولو كنت قد شطّت بنا غربة النّوى … فأذكرني ما قد جرى السؤدد العدّا
فلا تعجبن من سيّد نجل سيّد … يلاطف بالإحسان رقّا له عندا
ببابك أضحى الناس يجمعهم هوى … ولم أر فيه من غدا للورى ضدّا
كمشتركين اسما ووصفا كلاهما … يميّزه وصف غدا لقبا فردا
أنافا على الصّوّاغ في أذنيهما … فمن صاعد نجدا ومن هابط وهدا
ينفّق بالإيمان سلعة ما ادّعى … فيعرفه علما وينكره جحدا
كتابي ملكي إن أكن بائعا له … ولا واهبا بل مزج نظم له أدّى
أيسلبه هذا الصّويّغ عنوة … وأتركه إني إذن لم أكن جلدا
فلا تحسبن أني تروك طلابه … ولو أنني في الرمس أسكنه لحدا
فإن أحضر الديوان يقضي إلى الرضا … ويقضى له بالسّكن أتبعه حمدا
وإن لا يكن علما فإني أبينها … عقارب سمّ تلسب (٢) العظم والجلدا
стр. 2912
وهأنذا أرسلت سهوا رسالة … يخبّطه مسّا ويربطه شدّا
يطوف به بحرا وبرّا إذا أتى … بذنب فقد ألقى بها هائما بردا
يعلّم فيه النحو من كان من بني … أبي مرّة عندى الطلى بدنا مردا
فيعنى بمرد الجنّ عن مرد إنسنا … ينادمهم فيما أعاد وما أبدى
وما الشعر والآداب إلاّ فكاهة … ترى الجدّ هزلا أو ترى هزله جدّا
ومن لم يكن في طبعه أدب فما … يلذّ به أن سمعه عنه قد سدّا
ومحكم نفح للكلام هو الذي … يقلّب في أنواعه باذلا جهدا
يقبّل روض العلم أحصله الندى … فيقطفه زهرا وينشقه ندّا
وينظم ممّا كان نثرا وينشر الّ … ذي كان نظما سالكا منتهى قصدا
فلا بمدال اللفظ سوقية ولا … بحوشية قد بات ينحته صلدا
ولكنّه سهل المناحي لطيفه … فلذّ به سمعا ويرشفه شهدا
ومن حاز آدابا وعلما وسؤددا … يكن كابن فضل اللّه أسنى الورى حدّا
على أنه لا مثل أحمد في الورى … أعزّهم نفسا وأشرفهم جدّا
وأوقدهم ذهنا وأنقدهم لغا … وأبعدهم صيتا وأقربهم ودّا
يلوذ الندى والعلم والحلم والتقى … بحقويه (١) لا يلقى له أبدا ندّا
غنيّ بأوصاف الكلام فلا يرى … يريد بمدح لا تجارا ولا مجدا
فوقفت على هذا الجواب، ورأيت السكوت الصواب؛ إذ لا يمكنني الممالاة عليهما، لا سيّما وهما أبريا. ولا الممالاة على الشيخ لما يقتضيه الحيا. واضطربت على القصيدة صفحا، وأضرمت خاطري فتآكل بنار لفحا. وخفت أن يؤدي الفحص إلى معرفة الشخص، فحيل الوفاء بالضمان، وبحل ما عقد الزمان. وقلت للرسول الحامل بصحيفته ما لا يحضرني الآن نصه، ولا أعرف كيف كان عنقه ونصّه؛ إلاّ أنّ معناه المباسطة، وباطنه للمغالطة؛ خشية على تلك الشياه من ذلك الذئب الغائب والرجل المغايب. استغفر الله، بل الأسد الملتقم
стр. 2913
والبحر الملتطم، والسهم الذي لا يردّ إذا خرج من اليد، والسيف الذي إذا ضرب، لا يرجع حتى يفجع. والأرقم الذي لم يقبل بل أسقم. وتماديت على ناظر ما أسقطت، وإظهار الضنانة بما التقطت. فلم ألبث أن عاد رسوله إليّ مسرعا وسلّم عنه، إمّا أدى الأمانة أو قال متبرعا، ثم أخرج إليّ منه ورقة كاغد، فقرأتها، فإذا فيها: [الطويل]
أتاني من الأوراق ثنتان فلتجد … بثالثة من كان جاد وأفضلا
بها يكمل الجزء الذي كان ناقصا … وكم ناقص كمّلته فتكمّلا
وكم لشهاب الدين عندي من يد … بتقبيلها كادت يدي أن تقبّلا
ومن يكن الفاروق جدّا له يكن … لذي العالم العلوي أشرف منزلا
دعوت أمير المؤمنين لأنه … به بدأ الإيمان واعتزّ واعتلى
فأنجله منه مشابه علمه … وعزة نفس قد أتتّ أن تذلّلا
تجافى عن الدنيا وعن زهراتها … وأعرض عمّا غيره كان مبتلى
فلا ذكر إلاّ في علوم يبينها … ولا فكر إلاّ في القران إذا تلا
فأرسلت له الورقة المعوّزة، وتقاضيت بتجهيزها مدائحه المنجزة، وأعدت إليه الرسول على الحافر، بقصيدة تحكي صبحها السافر: [الطويل]
بقيت أبا حيّان كنزا مؤملا … ودمت لأهل الفضل كهفا وموئلا
فأنت إمام العصر غير منازع … ولا نازل إلاّ السّماكين منزلا
سحاب الندى بحر الجدا علم الهدى … خصيم الردى كبت العدا كوكب العلا
وأقسمت ما ضمّت شبيها لفضله … مجاري مدار الشّهب برّا مفضّلا
إمام تقيّ ما تقدّم مثله … أتى آخرا عصرا وقد بزّ أوّلا
عقائل تصبينا ولم تدر ما بنا … لهان عليها أن تقول وتفعلا
أما وهواها لم أقل لصبابتي … أما وهواها غدرة وتنصّلا
فعند رضا الأحباب جبر وديمة … وعند العتاب الموجري متنصّلا
تألّق برقا ثم أرسل مزنة … فخوّف أحيانا بها ثم حوّلا
أتاني قصيد منه ما السحر غيرها … فكم غادرت لفظا لبالي مبلبلا
стр. 2914
بعثت أثير الدين بردا منمّقا … بعثت أثير الدين عقدا مفصّلا
فيعذب فيها للمسامع مجتنى … ويحسن فيها للنواظر مجتلى
بلا ميّة حسناء ما لام عارض … بأحسن منها في الخدود مقبّلا
ومن قبلها جاءت على الدال مثلها … وقد جليت مثل الأهلّة منجلى
فعاينت نور النيّرين مقابلا … وعاينت نوء (١) الغيث والبحر مقبلا
بدال ولام بعدها قد توافيا … وذلك ممّا دلّ فكرا مضلّلا
ذللت على ما ضاع لو كان لحظه … له عن عواديه فداء معجّلا
صحيفة تصنيف أحاط بعينه … بكل لغات الفرس في الدولة الألى
منطّق خرس لا يفوه بلفظة … من القول لولاه ولم يدر مقولا
بألسن فرس كان يخفى حديثهم … فعرّفنا منه طريقا موصّلا
وما هو إلا ترجمان لعلمهم … سنفتح منه كلّما كان مقفلا
له الثمن الغالي على لطف حجمه … كذلك حجم الدرّ في القدر والغلا
لبثنا على تلك الصحيفة مدّة … نحاول منه للصحيفة صيقلا (٢)
ونسأل عنها وهي ليست تجيبنا … كذلك ذات الجود أن تتبدّلا
فعاد إليّ رسوله بالجواب إلاّ أنه انتقل في الوزن والرويّ، وجاء بما أضاء به من قدح زنده: [البسيط]
منطّق الخرس إنس قد كملت فلا … ترى كمثلك شعرا قد سما وعلا
لما اعتنى بك مولى لا نظير له … صرنا بعزّك فينا نضرب المثلا
تزين الفلك الأعلى بزينته … زان الوجود وزان النيرين علا
مولى بذكراه أفواه الورى أرجت … مسكا ودافت بها من ذكره عسلا
قد زيّن الله بالتقوى سريرته … وحسّن القول منه الله والعملا
رشيد فعل شديد في مقالته … فلا نرى خطأ فيه ولا خطلا
فالقول آيات قرآن يردّدها … بالفكر والعمل الزاكي به اتّصلا
стр. 2915
ومن يكن عمر الفاروق محتده … فلا يكون بغير الله مشتغلا
ألهاه عن نهجه الدنيا وزهرتها … علم ودين وزهد أبطل الأملا
وصبر نفسي على تقوى توصّله … لجنّة الخلد إذ كانت له نزلا
فلم ألبث أن كتبت إليه، وأعدت رسوله بالجواب عليه: [البسيط]
هذا الفريق جنوبي الحمى فسلا … إن كان قلبي من بعد الفراق سلا
وهل وقفت بربع دون كاظمة … أبكي وأندب من أطلاله طللا
ما ذا أقول لبرق بات يومض لي … لولا الثنايا لما أذهبته قبلا
ما بتّ أنكر من حال الثغور به … إلاّ افتقادي به الصهباء والعسلا
بل كيفما نكر راح كنت أشربها … ممّا جلاه أبو حيّان كأس طلا
صهباء يزداد عقل الشاربين بها … ما نال عقلي بها قد راع أو عقلا
فرحت أهتن في بردي بها عجبا … لا أنني رحت منها شاربا ثملا
إن لم يكن من رضاب الغيد ريقتها … فإنّها قد أعارت سحرها المقلا
دعج تنهّض نحو الفتك ناظرها … لكي يدرّ على أجفانها الكسلا
وأنت تذكر شيئا فات من زمن … ما غاله النقص إلاّ أنّه كملا
أقسمت ما كان محتاجا لتكملة … وكيف يحتاج طرف الأكحل الكحلا
معرّب للسان الفرس ما نطقت … إلاّ به صادق في كلّ ما نقلا
منطّق الخرس لولاه لما عرفوا … سبل الكلام ولا اقتادوا له الذللا
هو الأثير ومنه أهل عنصره … أما تراه بنار الكفر مشتعلا
لقد أتاني فيه كلّ غانية … قد حاكت الريم إلاّ الصدر والكفلا
ترمّ بيتي لا بيتا لجارتها … مثل السحابة لا ريثا ولا عجلا
خود عليها من اللامات سابغة … فهل رأيت الرداح (١) الخود أو بطلا
لا بل هي الخود لكن حشو مقلتها … بيض تسل لقدّ يشبه الأسلا
فمرحبا بأثير الدين حيث أتت … فريدة أصبحت في حسنها مثلا
стр. 2916
عقيلة من بنات الفكر ما برزت … إلاّ ونكّس وجه البدر أو خجلا
عقد من الدرّ إلاّ أنّ ناظمه … خلّى به الدرّ ملقى يشتكي العطلا
ثنّى لبيدا بليدا والبعيث بلا … بعيث رأي وألقى الأخطل الخطلا
هل كالإمام أبي حيّان قدوتنا … من يأخذ العلم عنه يرتق العملا
وأين مثل أبي حيّان من رجل … لا يعدل الدهر في الدنيا به رجلا
يمّم حماه ومعناه وصورته … تلق الهدى والندى والبدر مكتملا
ليث الشّرى غضبا صوب الحيا كرما … طود النهى شرفا أفق السماء علا
كأنّه البحر لا بل بعض فكرته … كأنه السيل لا بل ذاك إن سيلا
لقد حباني بتشريف أجرّ به … على المجرّة من أذياله حللا
في كل وقت توافي منه مكرمة … يفوق آخرها في فضله الأولا
ومن يكن بأبي حيّان سلوته … آتى بيانا إذا ما فارق الدولا
صدقت أني بزهد قاطع أملي … لولا التفاؤل لم أبق لي الأملا
ومن نظم أبي حيّان رحمه الله تعالى، قوله: [السريع]
راض حبيبي عارض قد بدا … يا حسنه من عارض رائض
وظنّ قوم إنّ قلبي سلا … والأصل لا يعتدّ بالعارض
وقوله: [الخفيف]
سبق الدمع بالمسيل المطايا … إن نوى من أحبّ عنيّ نقله
وأجاد السطور في صفحة الخ … دّ ولم لا يجد وهو ابن مقله
وقوله: [الخفيف]
من نصير المشوق من لحظ خصر … كلّم القلب كلمة ليس بترا
تبع القلب شخصه إذ تولى … وكذاك الكليم (١) يتبع خضرا
стр. 2917
وقوله: [الطويل]
عداتي لهم فضل عليّ ومنّة … فلا أذهب الرحمن عنّي الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فأجبتها … وهم ناقشوني فاكتسبت المعاليا
وقوله: [المديد]
حبيس بها سود العيون وناظر … ويا ظالما كاد الجنون يسودا
لقد طعنت والقلب ساه فما درى … أبا لقدّ مهّى (١) أم بصعدة شمّرا
وقوله: [المديد]
قد سباني من بني الترك رشا … جوهريّ الثغر مسكيّ النفس
ناظري للورد منه غارس … ما له لا يجتني ممّا غرس
لست أخشى سيفه أو رمحه … إنّما أرهب لحظا قد نعس
لمس الكأس لكي نشربها … فاعتراه هزة ممّا لمس
ثم أدّى جوهرا من جوهر … وتحسّى الكأس في فرد نفس
وبدا يمسح بالمنديل ما … أبقت الخمرة في ذاك اللعس (٢)
عجبا منها ومنه قهقهت … إذ حساها وهو منها قد عبس
وقوله: [البسيط]
أرحت روحي من الإيناس بالماس … لمّا غنيت من الإكياس بالياس
وصرت في البيت وحدي لا أرى أحدا … بنات فكري وكتبي هنّ جلاسي
وقوله في مثلّم ثغر: [الطويل]
ثناياك درّ والرّضاب الذي بها … رحيق وقد أضحى ختاما على الخمر
تأرّج منها عرفها فغدت بها … نشاوى نفوس لا تملّ كما تدري
стр. 2918
ورامت وصولا للندامى فلم تجد … سبيلا بفيض ما يعوق من الدرّ
فلا تحسبوا أنّ انكسار ثنيّه … بشين فكل الخير في ذلك الكسر
تأشّر منها بعضها ولعابها … وأحسن ما في الثغر إن صار ذا أشر (١)
وصرنا متى نلثمه نرشف رضا به … فتجري لنا الصهباء من لثمة الثغر
رضاب به يشفى الأوام أخو الصبا … فكالشّهد في طعم وكالمسك في نشر
حباني به فرخ من الترك لم يصل … من العمر إلاّ أربعا فوق ما عشر
يكوّن من نور قوافي نهاية … من الحسن إذ أضحى كيوسف في مصر
أنسنا بقرب منه من بعد وحشة … وأبدلنا الوصل المهنّأ بالهجر
وأمتعنا من ريقه وجبينه … بأشهى من الصّهبا وأبهى من البدر
بجسم حكى لونا سبيكة فضّة … وقد أشربت شيئا يسيرا من التّبر
وعين له لحظا لفتنة ناظر … كأن بها هاروت ينفث بالسحر
تناسبت الأعضاء منه فلا ترى … بهن اختلافا بل أتين على قدر
أسرّح عيني في الملاح فلا أرى … شبيها له فيهم ولا جال في فكر
تمازج روحانا هوى وصبابة … فبالجسم في شفع وبالروح في وتر
وجاء لنا طوع المراد فلا يرى … عصيا لنا في الطوع والنهي والأمر
نقضي به عيشا من الدهر صالحا … ونجني به الآمال دانية الثمر
ومنه قوله: [الطويل]
هي الوجنة الحمراء والشّفة اللميا … لقد تركاني في الهوى ميتا حيّا
هما ألبسا جسمي سقاما وواريا … فؤادي غراما حمله الصعب قد أعيا
فمن مهجتي نار ومن مقلتي حيا … متى اشتعلت هذي يزيّد ذا جريا
وبي من إذا ناجيته ذبت هيبة … وجانبته جهرا وهمت به خفيا
مليح إذا ما لاح أبهت من رنا … فاردى الذي أنأى وأحيا الذي حيا
عليم بنيّات النفوس وما حوت … كأن له من نجو أسرارها وحيا
стр. 2919
تجمعت الأضداد فيه محاسنا … فعبسته موت وبسمته محيا
وغرّته بدر وطرّته دجى … وأعطافه ظمأى وأردافه ريّا
أغار اعتدالا كلّ غصن كمثل ما … أغار السنا والناظر الشمس والظيّا
وأخجل نور البدر لمّا تقابلا … فكلفة وجه البدر من فرط ما استحيا
عجبت لخال حلّ في وسط أنفه … وعهدي به وسط الخدود يرى وشيا
ولكنما خدّاه فيه تغايرا … هوى فابتغى من وجهه أوسط الأشيا
وحسن الفتى في الأنف والأنف عاطل … فكيف إذا ما الخال كان له حليا
أيا باخلا حتى بتقبيل كفّه … على من سخا حتى بحوباه في الدنيا
ألم ترأني طوع حسنك دائما … وقلبي لا يعصيك أمرا ولا نهيا
ومنه قوله: [المديد]
أدمعي أجرى ودمعي قد ملك … قمر قد لاح من سحب الحلك
بدر حسن حين يبدو للورى … كلّ قلب ودّ لو أضحى فلك
صيغ من نور فلا يعلم هل … بشرا أنشاه ربّي أم ملك
من بني التّرك صغير لم يدع … لفؤادي جلدا أو لا ترك
ناسم عن نفحة مسكيّة … باسم عن لؤلؤ فيها احتبك
فتنة تدعو القلوب للهوى … لو رآه ناسك لما نسك
ضاع قلبي في هواه فأنا … لست أدري أيّ شعب قد سلك
يا غزال القفر عدني زورة … تحيي قلبا في التصابي قد هلك
بين جسمي والضّنى صلح كما … بين قومي وجفوني معترك
فغرامي في الهوى قد انتهى … وسقامي مذ عرا قد انتهك
نصب المعشوق عينيه لنا … شركا والقلب أضحى في الشّرك
ومنه قوله: [الطويل]
هو الحسن حسن التّرك يسبي الورى لطفا … ويعطف سالي القلب نحو الهوى عطفا
стр. 2920
يدرن من اللحظ السواجي (١) مدامة … فللّه ما أحلى وللّه ما أصفى
وينصبن من هدب المآقي حبائلا … فكم أنفس أسرى لذي المقلة الوطفا
وبي قمر منهن تبدي فأصبحت … منازله من جسمي القلب والطّرفا
حكى الشمس وجها والغزال التفاتة … وغصن النقا (٢) عطفا ودعص (٣) اللوى ردفا
أبدر بني خاقان رفقا بعاشق … براه النّوى حتى لقد كاد أن يخفى
وقد عدتني يوما فعدني بمثله … لعلّي من الأوصاب إن زرتني أشفى
يداوى أناس بالبعاد فما شفوا … ولا شيء أبرى من وصال ولا أشفى
وما أنس لا أنسى زيارة مالكي … ألاحظ منه البذر والغصن والحشفا
هصرت بذيّاك القوام أراكه … وأفنيت تلك الراح من ريقه رشفا
أيا ذهبيّ اللّون روحي ذاهب … فرفقا بهيمان على الموت قد أشفى (٤)
ومنه قوله: [الكامل]
شرف الحرير بأن غدا لك ملبسا … لم لا وجسمك منه ألين ملمسا
يا شادنا ما ازداد مني وحشة … إلا وزاد القلب فيه تأنّسا
طلست (٥) عقول الناس لمّا أن غدا … يمشي الهوينا في قباء أطلسا
متنسّم عن نفحة مسكيّة … متبسم عن أنشبيّ في الغسا (٦)
هو ثالث القمرين وهو أتمّها … نورا وأبعدها مدى أن يلمسا
إنّ التفاوت في العلو لموضح … من كان أعلى في المنازل مجلسا
فالبدر في أولى السما والشمس في … وسطى ومن أهواه حلّ الأطلسا
стр. 2921
ومنه قوله: [الطويل]
وما كنت أدري أن مالك مهجتي … يسمّى بمظلوم وظلم جفاؤه
إلى أن دعاني للصّبا فأجبته … ومن يك مظلوما أجيب دعاؤه
قال شيخنا أبو حيان: أنشدت هذين البيتين قاضي القضاة تقي الدين ابن بنت الأعز، قال: وكان يشعر شعرا جيدا، لكنه لا يتظاهر به، فأنشدني لنفسه بيتين حفظت منهما الأول، وهو: [مجزوء الرمل]
أنت مظلوم بظلمي (١) … لست مظلوما بظلمي
ولم أستبن الثاني.
وعدنا إلي أبي حيّان، ومنه قوله: [مجزوء الرمل]
أترى يدري حبيبي … ما أقاسي من لهيب
يا حبيبي ذاب قلبي … من غرامي ونحيبي
أنت بدر أنت شمس … أنت معشوق القلوب
يا هلالا يا غزالا … مالكا قلبي الكئيب
لك وجه قمريّ … وقوام كالقضيب
وعيون راميات … لي بالسّهم المهيب
وخدود داميات … مثل تفاح خضيب
وفم عذب صغير … منبت الدرّ العجيب
فيه شهد فيه مسك … لمذاق ولطيب
يا غريب الحسن رفقا … بمعنّاك الغريب
أنت في كل زمان … لست تخلو من رقيب
فمتى يرجو محبّ … اجتماعا عن قريب
стр. 2922
يا حبيبي إن يدم ذا … متّ شوقا للحبيب
ومنه قوله: [الرمل]
وبروحي من إذا أبصرته … ذهبت روحي عليه حسرات
شادن سكران من دلّ الصّبا … منه أضحت مهجتي في حبكرات (١)
شبّهوه في الهلال بالسنا … أين منه خفر في الوجنات
من بني الأتراك معسول اللّمى … قمريّ الوجه نوريّ الصفات
أسمر قد هزّلي من قدّه … أسمرا يدري بخطيّ القناة
قوسه الحاجب والسهم له … طرفه والقدّ يسطو بالظبات
قد غدا في حسنه في شكّه … يهزم العشاق منه بالتفات
إن دنوا منه فسيف ينتضى … أو نأوا عنه فسهم منه آت
أو تكونوا بين قرب ونوى … أعمل الخطيّ في ذي النظرات
ومنه قوله: [الطويل]
تلمّح في عشّاقه فأشاحا … وشدّ على الخصر النحيل وشاحا
وأضفى على الجسم النحيل مفاضة … فشاهدت ليلي قد أجنّ صباحا
وجرّ قناة كالقوام لدونه … وسلّ حساما كاللّحاظ جراحا
وأوتر قوسا كالهلال انحناؤه … وفوّق (٢) سهما كالقضاء مباحا
رأى منه أوصافا فضمّ شبيهها … إليهن فازداد المليح سلاحا
وقد كان يغنيه عن الدّرع درعه … وعن رمحه ما قد يفوق رماحا
وعن قوسه والسهم قوس وحاجب … وعن سيفه لحظ يفلّ صفاحا
مجذّب عين جاذب بفتورها … إليه قلوبا بالحياة شحاحا
يقيّد من يرنو إليها بحسنها … فمدنفها ما يستطيع سراحا
стр. 2923
وما ضاق منه العين إلاّ لبخله … بوصلي وإن فاق الأنام سماحا
أرى رشدا فيه الغواية مثلما … فسادي أراه في هواه صلاحا
وقد جدّ حبّي في هواه نهاية … وكان ابتداء الحبّ فيه مزاحا
وما الحبّ إلاّ نظرة إثر نظرة … تزيد نموا إن تزده لحاحا
ومنه قوله في طبيب: [الكامل]
كتم اللسان ومدمعي قد باحا … وثوى الأسى عندي وأنسى الرّاحا
إني لصبّ طيّ ما نشر الهوى … نشرا وما زال الهوى فضّاحا
وبمهجتي من لا أصرّح باسمه … ومن الإشارة ما يكون صراحا
ريم أروم جفوّه وجنوحه … ويروغ عني جفوة وجماحا
أبدى لنا من شعره وجبينه … ضدّين ذا ليلا وذاك صباحا
عجبا لنا يأسو الجسوم بظنّه … وكما بأرواح أثار جراحا
نادمته في ليلة لا ثالث … إلاّ أخوه البدر غار فلاحا
يا حسنها من ليلة لو أنها … دامت ومدّت للوصال جناحا
وقوله: [المتقارب]
غزيّلة ترتقي في الحشا … سميرا تزرّى بسمر الرّماح
حمى البطن عن بردها نهدها … كما قد حمى المتن ردف رداح
شكى غلظ الساق خلخالها … كما رقة الخصر تشكو الوشاح
فلو خطّ هذا بموضع ذا … لقد كان هذا وذاك استراح
لها أعين هنّ غيّبنني … سود تخيف أسود الكفاح (١)
فلا تغترر بسقام بها … فكم كسّرت من قلوب صحاح
ولا تعتقدها سوى أسهم … ألم تر ما أثّرت من جراح
стр. 2924
وقوله في غلام أسود عثمان، ومعه عبد له أسود: [الطويل]
وريم حكى بدر الدّجى في جماله … وغصن النّقا في القدّ والظبي في اللّمح
شكا وهجا من طول صوم وحرّه … فخفّف عنه بعض ذلك بالسّبح
تجرّد عن جسم سبيكة فضّة … فيا حسن ما انشقّ الظلام عن الصّبح
وقارنه في العوم زنجي جلده … فلاحا لنا ضدّين بالحسن والقبح
وقالوا غروب الشمس في البحر آية … ونحن رأينا ذاك في الحلو لا الملح
وكم مرّ لي وقت تمنّيت وصله … وذو الصبر للأيام يظفر بالنّجح
فسحقا لأيام تقضّت بخيلة … وسقيا ليوم صالح بالمنى سمح
رأيت الذي أهواه فيه مجالسي … تعاطى كؤوس الأنس بالجدّ والمزح
ويبسم عن سلك من الدّر أشنب … وينسم عن مسك ذكيّ على النّفح
همو شبّهوا بالشمس نور جبينه … وبينهما فرق سليم من القدح
تغيب ونور الشّمس لا شكّ واحد … وعثمان ذو النورين يمشي كما يضحي
وما أنس لا أنس انفرادي بوصله … عشية ما أشكو أقاسي من البرح
فنام قرير العين ملء جفونه … وجفني ذو قرح ودمعي ذو سحّ
ومنه قوله: [الكامل]
ذو غرّة نوريّة ذو طرة … ظلميّة فيها ضلال من اهتدى
شرك النواظر والخواطر طرفه … فلكم به طير القلوب تصيّدا
ما إن يهزّ منفّقا من قدّه … إلاّ وكان به فؤادي مقصدا
ولما يسيل مهنّدا من لحظه … إلاّ غدا وسط الجوانح مغمدا
ولما يعنّيك الفريض مردّدا … إلاّ وأنساك العريض ومعبدا
غنّى فأطرب كل شيء لحنه … حتى الجماد غداه منه ما غدا
كم حرّكت نغم له من ساكن … ولكم بها نعما لدينا أوجدا
كادت تطير من السرور قلوبنا … لو لم يكن قلب لجسم قيّدا
شرفت على أبصارنا أسماعنا … إذ قام فيها بالأغاني منشدا
стр. 2925
فلئن غدا في الحسن أوحد عصره … فلقد غدا في الحزن قلبي أوحدا
يا نائما ملء الجفون دع الجفا … وارحم مليّا من هواك مسهّدا
ولقد بداه منك ودّ ظاهر … يا ليت شعري ما حدا ممّا بدا
ومنه قوله: [الكامل]
نور بخدّك أم توقّد نار … وضنى بجفنك أم خمار عقار
وشذى بريقك أم تأرّج مسكه … وسنا بثغرك أم شعاع دراري
جمعت معاني الحسن فيك فقد غدت … قيد القلوب وفتنة الأبصار
متصاون خفر (١) إذا ناطقته … أغضى حياء في سكون وقار
في وجهه زهرات روض تجتلى … من نرجس مع وردة وبهار
خاف اقتطاف الورد من وجناته … فأدار من أسر سياج عذار
وتسلقت نمل (٢) العذار (٣) بخدّه … ليردن شهدة ريقه المعطار
وبخدّه نار حمتها وردها … فوقفن بين الورد والإصدار
كم ذا أواري في هواه محبّتي … ولقد وشى بي فيه فرط أواري
حكم الجمال عليّ أني عبده … وجماله مستعبد الأحرار
ومنه قوله: [البسيط]
عشقته عندما تمّت محاسنه … وقد تسيّج ورد الخدّ بالزّغب
حلو الحديث لطيف الروح طيّبه … كأنما صيغ من درّ ومن ذهب
مضارع لي فيما قد يروم به … من غير فحشاء نأتيها ولا ريب
مكمّل الخلق من فرع إلى قدم … مبرّأ الخلق من عجب ومن غضب
رشفت منه رضابا طيبا لعسا (٤) … وذقت من ريقه أحلى من الضّرب
стр. 2926
سكرت من ريقه المعسول إنّ به … لخمرة هي تزرى بابنة العنب
جذبت من قدّه غصنا فجاذبني … ما أثقل الغصن من أرادفه الكثب
وقد عجبت لبدر فوق خوطته (١) … وقيل ما إن عهدنا البدر في القضب
وكان في خدّه خال ففارقه … لما رأى حمرة ترميه باللّهب
وفرّ محتميا بالأنف محتجبا … واسودّ من لفحة أدنته للعطب
وخاف من حمرة نمل العذار وقد … رام التنزل من علو إلى صبب
فظل حيران رفقا فوق عارضه … يظما إلى شهده من ربقة الشّهب
ومنه قوله: [الرمل]
وبروحي شادن مسكيّه … مقلة تهمي وقلب يجف (٢)
قمريّ الوجه نوريّ السنا … لو رآه هام فيه يوسف
غصن بان تحته دعص نقا … فوقه شمس ولا ينكسف
عينه صاد ونون حاجب … صدغه واو وقدّ ألف
عجبا للواو لا تعطفه … وهي وسط خدّه تنعطف
بان عذري في عذار حلّ في … أبيض تحميه سود وطف (٣)
إن تك الأضداد فيه اتفقت … فعلينا بالهوى نختلف
من نصيري من غزال غزل … عن هواه الدهر لا أنصرف
قد كتمت عنه حبّي زمنا … وهو لا شكّ به يعترف
كلّما كلّفت قلبي عنكم … صبره زاد بقلبي الكلف
ومنه قوله: [الطويل]
إذا كان إحساني لكم تهدرونه … على غير شيء كنت أولى لهم هدرا
стр. 2927
إذا كان بدر الأفق يأبى بزوغه … عليّ منعت العين أن تنظر البدرا
إذا كان حلّى مظهرا لي تكبرا … عليّ فإني أملأ الارض لي كبرا
إذا كان ذو جاه ومال تزوره … سنين فلم ينفعك فاخطط له قبرا
إذا كان مأمولا ترجي بلوغه … وفات فلا تحدث له أبدا ذكرا
إذا كان سرّ ضقت صدرا بحفظه … فلا تعتبن من ضاق يوما به صدرا
إذا كان بعض المال يكفيك فاقتنع … تصون به وجها وتحيي به حرّا
إذا كان عسر قد أضرّك فاصطبر … له وارتقب من بعده عاجلا يسرا
إذا كان فضل المرء وافاك باديا … أجزه به فضلا وزد فوقه شكرا
إذا كان سعد لم تبال بكل من … يعاديك فاعمل صالحا وادّخر أجرا
إذا كان خبث في صديقك فاحترز … فإنّ خفايا الخبث تبغي لك الشرّا
إذا كان ودّ المرء فيك معلّلا … بأمر تقضّى إن قضى فلك الأمرا
إذا كان سوء الظنّ حزما فعوّلن … عليه فحسن الظن يرجى لك الضرّا
إذا كان هفو من مواليك فليكن … له منك عفو تلقه صاحبا برّا
ومنه قوله: [الوافر]
جديد الحسن في خلق تبدّى … فحار الطرف وارتاع الفؤاد
فقلت وقد مضى قلبي إليه … أعده فقال ماض لا يعاد
ومنه قوله: [الطويل]
فلما تدانينا ودون كلامنا … كلام الرقاق البيض والذبّل السّمر
بكيت وأبدى ثغرها لي تبسما … ولا عجب أن يبسم الزّهر للقطر
ومنه قوله: [الطويل]
على قدر حبّي فيك وافاني الصّبر … فلست أبالي كان وصلك أم هجر
وهل نظري ألاّ سلام ونظرة … وقد حصلا والذلّ يأنفه الحرّ
سأسلوك حتى لا أراك بناظري … وأنساك حتى لا يمرّ بك الفكر
стр. 2928
ومنه قوله: [الطويل]
وقالوا الذي تهواه أصبح قد بدا … بخدّيه شعر سالب كلّ ناظر
وما الخدّ منه غير مرآة صيقل … وما الشّعر فيه غير هدب النواظر
ومنه قوله: [البسيط]
وا رحمتا لفؤادي كم أعنّفه … فليس يردعه قول ولا عمل
مرّت عليه دهور لا يصيح إلى … داعي الهوى وله نحو الصّبا ميل
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
بعيد ودّ قريب صدّ … كثير عتب قليل عتبى
كالشمس طرفا (١) كالمسك عرفاى … كالخشف ظرفا كالصخر قلبا
ومنه قوله: [البسيط]
إني لأسمع من خلد وحين أرى … حتى يحدثني أصغي على صمم
كيما يلذّ بتكرار الكلام معي … أدني ويلفظ منه الدرّ في الكلم
وحكى شيخنا أبو حيّان، قال: قدم علينا الشيخ المحدّث أبو العلا محمود بن أبي بكر البخاري الفرضي القاهرة في طلب الحديث، وكان رجلا حسنا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنّا نسايره في طلب الحديث. فإذا رأى صورة حسنة، قال: هذا على شرط البخاري.
فنظمت هذه الأبيات: [الطويل]
بدا كهلال العيد وقت طلوعه … وماس كغصن الخيزران المنعّم
غزال رخيم الدلّ (٢) وافى مواصلا … مواصلة منه على رغم لوّمي
مليح غريب الحسن أصبح معلما … بحمرة خدّ بالمحاسن معلم
وقالوا على شرط البخاريّ قد أتى … فقلنا على شرط البخاري ومسلم
стр. 2929
فقال مولانا: أنا البخاري فمن مسلم؟ قلت: أنت البخاري وأنا المسلم. قال: وتشبه هذه الحكاية ما جرى بين الحافظ أبي عمر ابن عبد البرّ النمري والحافظ أبي محمد علي بن أحمد اليزيدي، كانا يتسايران في سكة الخطابين من إشبيلية فاستقبلهما غلام وضيء الوجه. فقال أبو محمد: إن هذه لصورة حسنة. فقال أبو عمر: لعلّ ما تحت الثياب ليس هناك. فأنشد أبو محمد ارتجالا: [الطويل]
وذي عذل صعب سباني حسنه … يطيل ملامي في الهوى ويقول
أفي حسن وجه لاح لم تر غيره … ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل
فقلت له أسرفت في اللّوم عاذلي … وعندي ردّ لو أردت طويل
ألم تر أني ظاهريّ وأنني … على ما بدا حتى يقوم دليل
وحكى أبو حيّان أيضا، قال: اجتمعت أنا والقاضي علاء الدين بن بنت الأعز والقاضي فخر الدين بن درباس في متنزّه، وإذا بغلام يعوم في النيل ويتلطخ بالتراب ويسبح، فنظم كلّ منّا قصيدة في ذلك من غير أن يطّلع على نظم الآخر أو يتقارب في المعنى: [الكامل]
ومترّب قد ظنّ أن جماله … سيصونه منّا بترب أعفر
فغدا يضمّخه فزاد ملاحة … إذ قد حوى ليلا بصبح أنور
وكأنما الجسم الصّقيل وتربه … كافورة لطخت بمسك أذفر (١)
وقال القاضي علاء الدين: [الكامل]
ومترّب لولا التراب بجسمه … لم تبصر الأبصار منه منظرا
وكأنه بدر عليه سحابة … والتّرب ليل من سناه أقمرا
وقال القاضي فخر الدين: [الكامل]
ومترّب تربت (٢) يدا من حازه … لقضيب تبر ضمّخوه لعنبر
стр. 2930
وكأن طرّته ونور جبينه … ليل أطلّ على صباح أنور
وتوفي ﵀ ورثاه جماعة من الفضلاء. فمنهم الفاضل العلامة صلاح الدين أبو الصفاء الصفدي، رثاه بقوله: [السريع]
مات أثير الدين شيخ الورى … فاستعر البارق واستعبرا
ورقّ من حزن نسيم الصّبا … واعتلّ في الأسحار لمّا سرى
وصادحات الأيك في نوحها … رثته في السجع على حرف را
يا عين جودي بالدموع التي … يروي بها ما ضمّه من ترى
واجري دما فالخطب في شأنه … قد اقتضى أكثر مما جرى
مات إمام كان في علمه … يرى إماما والورى من ورا
أمسى منادي للبلى مفردا … فضمّه القبر على ما يرى
يا أسفا كان هدى ظاهرا … فعاد في تربته مضمرا
وكان جمع الفضل في عصره … صحّ فلمّا أن قضى كسّرا
وعرّف الفضل به برهة … والآن لمّا أن مضى نكّرا
وكان ممنوعا من الصرف لا … يطرق من وافاه خطب عرا
لا أفعل التفضيل ما بينه … وبين من أعرفه في الورى
لا بدل عن نعته بالتقى … ففعله كان له مصدرا
لم يدّغم في اللحد إلا وقد … فكّ من الصبر وثيق العرى
بكى له زيد وعمرو فمن … أمثلة النحو وممّن قرا
ما أعقد التسهيل من بعده … فكم له من عسرة يسّرا
وجسر الناس على حوضه … إذ كان في النحو قد استبحرا
من بعده قد حال تمييزه … وحظه قد رجع القهقرى
شارك من قد ساد في فنّه … وكم له فنّ به استأثرا
دأب بني الآداب أن يغسلوا … بدمعهم فيه بقايا الكرى
والنحو قد سار الردى نحوه … والصرف للتصريف قد غيّرا
стр. 2931
واللغة الفصحى غدت بعده … يلغى الذي في ضبطها قرّرا
تفسيره البحر المحيط الذي … يهدي إلى وارده الجوهرا
فوائد من فضله جمة … عليه فيها يعقد الخنصرا
وكان نبتا بقلة حجة … مثل ضياء الصبح قد أسفرا
ورحله في سنّة المصطفى … أصدق من يسمع إن خبّرا
له الأسانيد التي قد علّمت … فاستثقلت عنها سواجي الذّرى
ساوى بها الاحفاد أجدادهم … فاعجب لماض فاته من طرى
وشاعرا في نظمه مبلغا … كم حذّر اللفظ وكم خبرّا
له معان كلّما خطّها … يستر ما يرقم في تسترا (١)
أفديه من ماض لأمر الردى … مستقبلا من ربّه بالقرا
ما بات في أبيض أكفانه … إلاّ وأضحى سندسا أخضرا
تصافح الحور له راحة … كم تعبت في كلّما سطّرا
إن مات فالذّكر له خالد … يحيا به من قبل أن ينشرا
جاد ثرى واراه غيث إذا … مسّاه بالسقيا له بكّرا
وخصّه من ربه رحمة … تورده في حشرة الكوثرا
وأحسن الله العزا فيه لل … مولى فريد الدين بل للورى
стр. 2932
[علماء النحو بمصر]
стр. 2933
١ - أبو جعفر النحّاس (١٣)
وأما المصريون فمنهم أبو جعفر النحاس، أحمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المصري. فقير لا يلحق بتابع، وممسك ضمت في راحتيه الأصابع. لو أن الماء في كفه لجمد، أو الضياء في وصفه لخمد. وكان لو أراد لتوسع كثرا، أو انقلب في الثرى لأثرى. هذا وفهمه لا يفشل وعلمه لا يستوشل، بفطنة أورى من الزناد، وأروى من العهاد (١). تقدّم في أول الرعيل. ويتوقد وقد نفط نفطويه وخمدت نار الخليل. وكان عالما بالقرآن والفقه. رحل إلى العراق وأخذ عن الزجاج وكان ينظر بابن الأنباري ونفطويه. وكان ربّما وهبت له العمامة فيقطعها ثلاث عمائم، من شدة التقتير على نفسه. وصنّف إعراب القرآن، وكتاب المعاني وكتاب اشتقاق أسماء الله الحسنى، وتفسير أبيات كتاب سيبويه. وكلّ من جاء بعده استمدّ منه. وفسّر عدة دواوين وأملاها. وله رواية كبيرة عن علي بن سليمان الأخفش. ولقي بالعراق أصحاب المبرّد. وتوفي بمصر سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة، وقيل سنة ثمان وثلاثين.
стр. 2934
ومنهم:
٢ - طاهر بن أحمد بن بابشاذ (١٣)
أبو الحسين النحوي المصري العراقي المحتد. رجل محتد ذكي الألعبة زكي اللوذعة (١).
سديد النظر شديد الرأي المحتضر. دنا من مجالس الخلفا، ووسع لتقريبه محالّ الاصطفا.
وكان من وراء الخلفاء الجليس، الذي لا ينافس في دنوّ محلّ، ولا يناقش في إبرام عقد ولا حلّ؛ حتى كان فردا للنظرا، وقياس الآراء والمخصوص بخصب الجناب وقرب المحل قبل ابن الخبّاب. هذا إلى ما وكل به من تهذيب الكتب وتذييب تلك الأعلام الكثب. مع شيء قديم ومرمى قويم، ومال موروث وثرا، ومال منه فضل للفقرا، وكان جدّه جوهريا من بغداد.
قدم مصر تاجرا فسكنها، وكان متولى بتحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء بمصر في الدولة المصرية. وله رزق سنيّ على ذلك، وعلا التصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص. ثم إنه في آخر عمره تزهد وانقطع في غرفة بالجامع، واشتمل على العبادة. وهو شيخ محمد بن بركات السعيدي اللغوي المتولي بعده لوظيفته. وقيل بسبب تزهده أنه كان له قط يأنس به قد ربّاه أحسن تربية، وكان طاهر الخلق لا يخطف شيئا ولا يؤذي، وأنه اختطف يوما من بين يديه فرخ حمام مشوي فعجب له، ثم عاد به لحظة فخطف فرخا آخر، فذهب فتبعه إلى خرق في البيت، فدخله وقفز منه إلى سطح قريب وقد وضع بين يدي قط هناك، فتأمل الشيخ القط فإذا القط أعمى مفلوج فخصره قلبه، واتعظ بذلك وتزهّد، وضمّ أطرافه وباع ما حوله. فبقي كذلك مدّة ثم خرج ليلة إلى سطح الجامع في بعض الطاقات، فسقط ميتا، وأصبح ميتا شهيدا وذلك في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وقيل بعد ذلك.
стр. 2935
ومنهم:
٣ - ابن برّي (١٣)
واسمه عبد الله بن برّي بن عبد الجبار بن برّي النحوي اللغوي المصري. دخل في خدمة الخلفاء على طريقة ابن بابشاذ، ورفعت به مصر رأسها على بغداذ، وكان من بيت المقدس تربته، ومن الأقصى بها غربته؛ على أن واديه المقدس كان أوطانه إليه وأوطاره. ولو خلع شراك جبينه قبل نعليه. بلغ بعد فراق بيت المقدس غاية في اللسان العربي، ورحل عن الطور فنودي من جانبه الغربي؛ إلاّ أنه ما خلا ممّن تكلّم ورماه بسهامه. وما تألم إلاّ أنه كان منغمسا في غمار الغفلة، وبعد الذهن الذي ما فيه قلّة، وتعوذ بالله من خلل النسا ولعب السفلة بالرؤساء. أرادت تهذيب أخلاقه فغدرته من مخ جحش شويا، كما حفظت قدرة للثرى كذا رفعت قربة للثريا.
ولد بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ على مشايخ زمانه، وانفرد بهذا الشأن.
وقصده الطلبة من الآفاق، وكان عالما بكتاب سيبويه وعلله. قيمّا باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفّح في ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلاّ بعد أن يتصفّحه ويصلح ما فيه من خلل خفيّ. وهذه كانت وظيفة ابن بابشاذ. وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتجلّى عنه حكايات.
وتصدّر غير واحد من أصحابه وبرع، وكان قليل التصنيف. له مقدّمة سمّاها اللباب، وجواب المسائل العشر التي سأل عنها أبو تراب ملك النحاة. وحاشيته على صحاح الجوهري فإنها أفردت فجاءت ستة مجلّدات.
قال ابن خلكان: ورأيت له حواشي على درّة الغوّاص في أوهام الخواص للحريري. وله
стр. 2936
جزء لطيف في أغاليط الفقهاء. وله الردّ على ابن الخشاب في الكتاب الذي بيّن فيه غلط الحريري في المقامات، وانتصر للحريري وما أقصر فيما عمله. وتوفي بمصر في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة وكان وسخ الثوب رديء الهيئة واللبسة. يحكي عنه المصريون عجائب منها: أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كمّه، وجاء إلى منزله فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدّم إلى كوّة هناك تفضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في تكسير البيض، وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به. ومنها أنه اشترى عنبا وجعله في كمّه، وحادث بعض أصحابه وجعل يعبث بالعنب حتى سال على رجليه، فقال لصاحبه: نجي المطر؟ فقلت: لا، فقال: فما هذا الذي سقط على رجلي؟ قال: فأملته، فإذا هو العنب، فاخبرته فخجل واستحيا ومضى.
ويحكون عنه من الحذق وحسن الجواب عمّا يسأل عنه ما يعجب. وله نسختان، الجامع بين الأضداد. ويحكى عنه أنه كان لا يتكلف في كلامه، ولا يتقيد في الإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتّفق، حتى قال يوما لبعض تلامذته ممن يشتغل عليه: اشتر لي هندباء بعروقو، فقال له التلميذ: بعروقو، فعزّ عليه كلامه، وقال له: لا تأخذه إلاّ بعروقو، وإن لم يكن بعروقو لا تأخذه. وكانت له ألفاظ من هذا الجنس، لا يكترث بما يقوله، ولا يتوقف على إعراب.
ومنهم:
٤ - بهاء الدين ابن النحاس (١٣)
محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبي نصر، أبو عبد الله الحلبي، شيخ العربية بالديار المصرية. طالما سهر جفنه للسهر بالإغراء، ورفع خبر ليله بمبتدأ الليلة الغرّا. برع بمصر ففاض فيض النيل في جنباتها، وقال مقيل النعيم في جنّاتها. وكان محسودا على ما أتاه الله من
стр. 2937
فضله، وواتاه من حسن فعله إلاّ أنّ حساده على كثرة عددهم لم يجمعوا لديه إلا جمع القلّة، ولا متّ الصحيح إليه إلاّ بما يلزمه من حروف العلّة؛ لعلوّ رتبة اخترق أطباقها، وجارى النجوم وبذّ (١) سباقها فحلّ النجاد (٢)، وخلّى البجاد (٣) وأجاد، وغيره في أبي جاد.
ولد في سلخ جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وستمئة بحلب. وسمع ابن الليثي وابن النفيس النحوي وابن رواحة وابن خليل ووالده. وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفاسي، وأخذ العربية عن الجمال بن عمرون، واستوطن مصر لمّا خربت حلب.
وقرأ على الكمال الضرير وغيره. ثم جلس للإفادة، وتخرج به جماعة من الأئمة وفضلاء الأدب، وكان من الأذكياء. وله خبرة بالمنطق وأقليدس، وكان مشهورا بالصدق والعدالة والدين مع اطّراح الكلفة وصغر العمامة ويمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه. وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة، وكان له مكانة من الناس. وإذا انفرد بشهادة حكم فيها، واقتنى كتبا كثيرة نفيسة، ولم يتزوج. وكان له أوراد من العبادة، كثير التلاوة، كثير الذكر. يسعى في مصالح الناس.
قال أبو الصفا: حكى لي عنه القاضي عماد الدين إسماعيل ابن القيسراني أنه لم يأكل العنب، قال: لأنه كان يحبّه فآثر أن يكون نصيبه في الجنّة.
وقال: أخبرني الحافظ ابن سيد الناس اليغمري، قال: زكّى بعض الفقهاء تزكية عند بعض القضاة ما زكّاها أحد قطّ؛ لأنه أمسك بيد المزكي، وقال للقاضي: الناس ما يقولون: ما نؤمن على الذهب والفضة إلاّ حمار. قال: نعم. قال: وهذا حمار. وانصرف بحكم القاضي بعدالة ذلك المزكي.
стр. 2938
قال: وأخبرني غير واحد عنه أنه لم يزل عنده في بيته من الطلبة ومن أصحابه من يأكل عنده على ما يديه، ولا يدخر شيئا، ولا يخبئه عنهم. ويدخل الداخل عليه فيجد في بيته هنا أناس يلعبون بالشطرنج وهنا أناس يطالعون وكل واحد في شأنه، لا ينكر أحد على أحد شيئا، ولا يزال رضيا حتى يكون وقت الاشتغال فيتنكّر. وكان ربّما تنسّم فقام وأكمل إلقاء الدروس للطلبة بين القصرين وهم يمشون. وكان لا يتكلم في حلّ النحو إلاّ بلغة العوام، لا يراعي الإعراب.
قال شيخنا أبو حيّان: كان بهاء الدين ابن النحاس، ومحيي الدين محمد بن عبد العزيز الماروني، المقيم بالإسكندرية شيخي الديار المصرية، ولم ألق أحدا أكثر سماعا منه لكتب الأدب. وانفرد بسماع الصحاح للجوهري. وكان ينهى عن الخوض في العقائد، ويتردد إلى من ينتمي إلى الخير. ولي التفسير بالجامع الطولوني وبالقبة المنصورية، والتصدر بالجامع الأقمر وتصادير بمصر، ولم يصنف شيئا إلاّ ما أملاه على سنان الدين الرومي شرحا لكتاب المقرّب، إلى أول باب الوقف أو نحوه. وكنت أنا وإيّاه يمشي بين القصرين فعبر علينا صبي يدعى بجمال وكان مصارعا، فقال ابن النحاس: لينظم كلّ منّا في هذا المصارع. فنظم ابن النحاس: [البسيط]
مصارع تصرع الآساد سمرته … تيها فكل مليح دونه همج (١)
لما غدا راجحا في الحسن قلت لهم … عن حسنه حدّثوا عنه ولا حرج
ونظم شيخنا أبو حيّان: [الطويل]
سباني جمال من مليح مصارع … عليه دلال للملاحة واضح
لئن عزّ منه المثل فالكلّ دونه … وإن خفّ منه الخصر فالرّدف راجح
وسمع شهاب الدين الفزاري بذلك فقال: [السريع]
стр. 2939
هل حكم ينصفني في هوى … مصارع يصرع أسد الشّرى
مذ فرّ مني الصبر في حبّه … حكى عليه مدمعي ما جرى
أباح قتلي في الهوى عامدا … وقال لي كم عاشق في الورى
رميته في أسرجيّ (١) ومن … أجفان عينيه أخذت الكرى
قال أبو حيّان: وانشدني ابن النحاس لنفسه يخاطب الشيخ رضي الدين الشاطبي وقد كلّفه أن يشتري له قطرا: [الخفيف]
أيّها الأوحد الرضيّ الذي طا … ل علاء وطاب في الناس نشرا
أنت بحر لا غرو إن نحن (م) … واقيناك راجين من نداك قطرا
وقال يرثي الشيخ أحمد المصري النحوي: [الطويل]
عزاؤك زين الدين في الواحد الّذي … بكته بنو الآداب مثنى وواحدا
هم فقدوا منه الخليل بن أحمد … وأنت ففارقت الخليل وأحمدا
وقال مما يكتب على منديل: [الخفيف]
ضاع مني خصر الحبيب نحولا … فلهذا الضّحى عليه أدور
لطفت حرقتي ورقّت فجلّت … عن نظير مما حكتها الحضور
وقال: [الكامل]
إني تركت لذا الورى دنياهم … وظللت أنتظر الممات وأرقب
وقطعت في الدنيا العلائق ليس لي … ولد يموت ولا عقار يخرب
وقال: [الرمل]
стр. 2940
قلت لمّا شرطوه وجرى … دمعه القاني على الخدّ اليقق (١)
ليس بدعا ما أتوني فعله … هو بدر ستروه بالشّفق
توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء. سابع جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وستمئة وغالب روايات شيخنا أبو حيّان. كتب الأدب عنه، وكتب الخط الفائق. وقيل: كان يحفظ ثلث الصحاح للجوهري.
стр. 2941
[أرباب المعاني والبيان]
стр. 2942
وأما أرباب المعاني والبيان، وهم خواص أهل العربية وأعيان من نظر منهم في أسرارها ونقّب عن تمام بدورها الكوامل وسرارها (١)، وقليل ما هم ومن هم.
وقد تكلموا على المعاني والألفاظ، وسمّوا الأول المعاني والبيان. وسمّوا الثاني البديع.
وهو كاشف عن عجائب الكتاب والسنّة، ومخرج من خبايا معانيه غرائب الأجنّة. وقد ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه، تحرير التحبير أن ابن المعتزّ وقدامة أول من اعتنى بعلم البديع، وقال ما معناه: أن ابن المعتز هو الذي سمّاه البديع واختصر في كتابه بهذه التسمية على خمسة أبواب، قد ذكرها في العيون ضمن المعاطلة؛ لأنه قال: ولا أرى المعاطلة إلاّ ما حسن من الاستعارة سمّاه المعاطلة. والحسن منها سمّاه ابن المعتز بديعا. ولم يبوب قدامة في المحاسن.
وانفرد ابن المعتز بتبويبه غاية في البديع، التجنيس والطباق متواردا مع قدامة عليهما، وردّ الأعجاز على الصدور منفردا به وختمها بخامس عزا تسميته إلى الجاحظ، وهو المذهب الكلامي منفردا به. وإن كان ما قبله من الأسماء قد سبقت المغرب إلى وضعها؛ لكن لا على مراد ابن المعتز وربّما سبق ابن المعتزّ إلى نقلها عن مسمياتها إلاّ وله إلى ما أراد.
وقال ابن المعتز في صدر كتابه: وما جمع قبلي فنون البديع أحد، ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف، وألّفته سنة أربع وستين ومئتين. وأول من نسخه مني علي بن يحيى بن منصور المنجّم. ثم قال بعد سياقه الأبواب الخمسة: وهم الآن، نذكر محاسن الكلام والشعر؛ وإن كانت محاسنها كبيرة، لا للعاقل العالم أن يدعي الإحاطة بها حتى تبرأ من شذوذ بعضها عن عمله. واجبنا بذلك أن نذكر فوائد كتاب للمتأدّبين ويعلم الناظر فيه أنّا قد اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة؛ اختيارا من غير جهل بالطريقة، ولا ضيق في المعرفة. فمن أحبّ أن يقتدي بنا، ويقتصر عن تلك الخمسة بالبديع فليفعل. ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع وارثا غير رأينا فله اختياره، وهذا ذكر المحاسن (٢). ثم ذكر
стр. 2943
الالتفات (١). وقد توارد عليه هو وقدامة. وذكر اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، ثم يعود المتكلم فيتمه في بيت واحد أو جملة واحدة. وسمّاه قدامة، التمام. وسمّاه الحاتمي في الحلية، التتميم (٢). وهو ممّا توارد عليه قدامة وابن المعتز، ثم ذكر من المحاسن الخروج من معنى إلى معنى، وسمّاه الحاتمي الاستطراد، ناقلا تسميته لا مخترعا، وهو إفراد ابن المعتز. ثم ذكر تأكيد المدح بما يشبه الذم منفردا وذكر تجاهل العارف، وهو الذي سمّاه المتأخرون الإغباب والتشكيك.
والتشكيك باب مفرد، أورده بعضهم، وبينه وبين تجاهل العارف فرق، وتجاهل العارف من إفراد ابن المعتز، ثم ذكر الهزل الذي يراد به الجدّ منفردا به. وذكر الكناية منفردا به، وذكر الإفراد في الصنعة متواردا عليها مع قدامة، وسمّاها قدامة المبالغة. وذكر التشبيه متواردا عليه مع قدامة. وذكر عتاب المرء نفسه منفردا به وذكر حسن الانتداب منفردا به، وسمّاه من بعد، براعة الاستهلال.
فهذه اثنا عشر بابا من المحاسن تضاف إلى أبواب البديع الخمسة، فيصير بها ما أخبر عنه ابن المعتز جميعه من ذلك سبعة عشر بابا، وهي: التشبيه، والتمام، والمبالغة، والالتفات، والطباق، والجناس متواردا هو وابن المعتز على جميع ذلك، وانفراد قدامة بالتكافؤ (٣). وإن كان هذا تداخل على قدامة في باب الطباق وصحة الأقسام وصحة المقلابلات، وصحة التفسير، وإسلاف اللفظ مع المعنى، وهو باب فرّع منه قدامة ستة أبواب، وهي: المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل، ثم فرّع من ائتلاف اللفظ مع المعنى أيضا الطباق والجناس. وقد تقدّم ذكر توارده مع ابن المعتز عليهما. وذكر ائتلاف اللفظ مع الوزن. وجعل المتأخرون هذين البابين بابا واحدا، وسمّوه التهذيب والتأديب؛ لكنّ قدامة خصّ بهما الشعر، وربّما
стр. 2944
من سمّاه تهذيبا لا يخصّ بهما الشعر دون النثر، ولا النثر دون الشعر. وذكر ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت، وسمّاه من بعده التمكين. وخصّ به الشعر أيضا وهو لا يخصّه. وفرّع قدامة من هذا بابي التوشيح والإيغال، وذكر الترصيع (١) في ائتلاف القافية مع ما يدل عليه سائر البيت في ضمن كلامه، ولم يفرده.
فهذه ثلاثة عشر بابا صحّت لقدامة بعد إسقاط ما تداخل عليه، وهو التكافؤ؛ فإذا أضيفت إلى ما انفرد به ابن المعتز من البديع، وأضافه إليه من المحاسن وتوارد عليه مع قدامة صارت هذه الأصول من كتابهما بعد حذف النوارد والتفاضل ثلاثين بابا سالمة من التداخل.
قال ابن أبي الإصبع: فهذه أصول ما ساقها الناس في كتبهم من البديع ثم اقتدى الناس بابن المعتز في قوله: فمن أحبّ أن يضيف فليفعل، فأضاف الناس المحاسن من البديع، وفرّعوا من الجميع أبوابا أخر، وركّبوا منها تراكيب شتّى، واستنبطوا غيرها بالاستقراء من الكلام والشعر؛ حتى كثرت الفوائد ورأو ابن المعتز قد غلّب اسم البديع على المحاسن، فسمى كتابه، البديع. وهو جامع لهما معا، فاقتدوا به؛ لانه المخترع الأول، فسمّوا أنواع كتبهم بالبديع؛ وإن سمّى كلّ منهم كتابه باسم مرجعه إلى معناه؛ إلاّ أن يكون قد ألّف في مجموع البلاغة وكنه الفصاحة، فإن له أن يسميه بما شاء (٢). ثم إن ابن أبي الإصبع زاد في كتابه، تحرير التحبير، وجمع بعد ما تقدّم من أصول الأبواب ستين بابا من الفروع، وأضاف هذه الستين إلى الثلاثين الأصول، فصارت الفذلكة (٣) تسعين بابا قال ابن أبي الإصبع: ثمّ عنّ لي استنباط أبواب تزيد بها الفوائد وتكبر بها الإمتاع، نسجا على منوال من تقدّمني، واتباعا لسنّة من سبقني ظني إلى شيء منها، اللهم إلاّ أن يوجد في زوايا الكتب التي لم أقف عليها شيء مما اخترعته، فأكون أنا والسابق إليه متواردين عليه. وما أظنّ ذلك والله أعلم.
ثم قال: ولما انتهى استخراجي إلى هذا العدد أمسكت عن الفكر في ذلك، ليكون ما أتيت
стр. 2945
به وفق عدد الأصول، ثم سرد الثلاثين بابا بعد أن سرد الستين المضافة إلى الثلاثين الأصول التي اخترعها ابن المعتز وقدامة. ثم قال: فصارت أبواب هذا الكتاب مئة وعشرين بابا، سوى ما انشعب من أبواب الائتلاف وغيره. وجملة الأبواب على ضربين ضرب يختص بالشعر، وضرب يعمّ الشعر والسنن والنثر، وذلك ظاهر لمن تبحّر في الكتاب.
١ - ابن المعتز
وهو أبو العباس عبد الله بن أبي عبد الله الزبير المعتز (١٣) بالله ابن جعفر المتوكل ابن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد المهدي محمد ابن أبي جعفر عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم. نسب كان عليه من شمس الضحى نورا، ومن فلق الصباح غمورا. ملك تفرّد بالصفات الحسان، وجمع العدل والإحسان، وأقدم وقد خرس كلّ لسان يقب (١) عن أسرار الكلام، وإخراج زهره من الكمام. فوضح البيان، ولمح ملء العيان. واجتليت أقماره الطوالع واجتنيت أفواده اللوامع. وكان زينة لسمائه، وحلية لصباح زمانه ومسائه. يخال ذكره عنبرا يفوح في الأسحار، وجوهرا يلوح في قلائد الأسمار. من أثرى من حاصل ديوانه أوسع إن كان منفقا، وأيسر ولو كان مملقا. وتقدّم والناس وراءه، والنهار يلبس آراءه. فوقف وقفة قدامه يتعلم، وقال أو سكت لا يتكلم. ولم يكن أولى منه بالخلافة، ولا أحقّ منه أن يرث أسلافه؛ وإنما أخّره تقدمه، وعرض سمهريّه على النار مقوّمه. وما زال الزمان مغرى بخط كل رفيع، ولا ساءه إلى من لا يحتاج محاسنه إلى شفيع، وله ذكر في الخلفاء. ولد لسبع بقين من شعبان سنة سبع واربعين ومئتين وأبوه المعتز.
أمه أم ولد، اسمها قبيحة، سميت بذلك لفرط حسنها. وزعم ابن خلكان أنه كان حنفي المذهب. قال: ويدل على هذا قوله في الخمرة المطبوخة: [الطويل]