← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

إليه اليعملات (١)، وأضحت فوائده مؤمّلات. واهتدى به هدي الركائب بالعلم، واستهلّ استهلال السحائب، يرش رشاش ماء الورد. قال ابن خلّكان: كان أوحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة، وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر، وعلم السّير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنّه مثله في زمانه. أخذ عن القالي لمّا دخل الأندلس. وله كتب تدلّ على وفور علمه، واختاره المستنصر لتأديب ولده، وليّ عهده هشام المؤيد، فعلّمه الحساب والعربية، ونفعه نفعا كثيرا. ونال به الزبيدي دنيا عريضة. وولي قضاء إشبيلية والشرطة. وحصل نعمة ضخمة لبسها بنوه بعده زمانا. وكان يستعظم أدب المؤيد زمان صباه، ويصرف رجاحته وحجاه. وللزبيدي شعر كثير منه قوله: [الطويل] أبا مسلم إنّ الفتى بجنانه … ومقوله لا بالمراكب واللّبس وليس ثياب المرء تغني قلامة (٢) … اذا كان مقصورا على قصر النّفس وكان في صحبة المستنصر. وقد ترك جاريته بإشبيلية، فاشتاق إليها، فاستأذنه في العود إليها فلم يأذن له. فكتب إليها: [مخلع البسيط] ويحك يا سلم لا تراعي … لا بدّ للبيّن من زماع (٣) لا تحسبيني صبرت إلا … كصبر ميت على النزاع ما خلق اللّه من عذاب … أشدّ من فرقة الوداع ما بينها والحمام فرق … لولا المناجات والنواعي وعاش ثلاثا وستين سنة (٤)، وتوفي يوم الخميس، مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وثلاثمئة بإشبيلية.

стр. 2872

ومنهم: ٤ - محمد بن جعفر أبو عبد الله القزاز (١٣) التميمي. لا ينسج له طرح، ولا يغار لبزّه على شرح. هو أدرى بنسيج حلله، وأعرف بقدر خلله. يسلم القريض منه إلى بزازه. ويقدم منه إلى العلم بما هو أوفق لطرازه. لو سبق ميلاده في تميم لألحقته بفرزدقها (١)، ولرنت شمسه فقمره في أفقها. قال ابن رشيق: كان الغالب عليه النحو واللغة والافتنان في التأليف. وله شعر ربّما جاء به مفاكهة وممالحة من غير تحضر له ولا تجفل. فبلغ بالرفق والدعة أهل القدرة على الشعر من توليد المعاني، وتوكيد المباني علما بمفاضل على الرحب والسعة أقصى ما يحاوله الكلام وفواضل النظام ومما أنشد له، قوله: [البسيط] هذا أخي وشقيقي المرتضى ويدي (م) … اليمنى وموضع أسراري وإعلاني دعا فعمّ الورى طورا وأسقطني … إسقاطك النون من ترخيم عثمان وكنت في النفري (٢) أدعى فصرت لقى (٣) … لا أوّل الجفلى أدعى ولا الثّاني وقوله وذكر ثلاثة أقبر فاقتص أثر النجوى في الوزن والرويّ والمعنى ثم أجاد وزاد: [الطويل] ألا قل لدهر فرّق الدهر شملهم … فمن منجد بادي المحل ومتهم إذا يمّم الحادي بكم قصد بلدة … فسرتم على قبر هناك معظّم تحلّ بمثواه الوفود رحالها … وتنحر أبناء الجديل وشدقم (٤)

стр. 2873

فعرّج به واستوقف الرّكب وابكه … وصلّ على المقبور فيه وسلّم ولا تطأ الأرض الفضاء وإن نأت … بذي سنك رحب ولا ذات منسم (١) فقد ضمّ قطراها ثلاثة أقبر … تضمّ نواحيها ثلاثة أنجم بعيدة مسرى الزائرين غريبة … معظمة فيها رمائم أعظم تمرّ عليها الريح وهي مريضة … ويشفي ثراها كلّ بهتان منجم وقد فرّقت أيدي الفراق لجودها … أيادي سيأتي كلّ عقل ومعلم كأن الردى خاف الرّدى في اجتماعهم … فقسّمهم في الأرض كلّ مقسّم فبالغدوة النّضوى من الغرب واحد … واخر ضمّته رجام المقطّم وبينهما قبر غريب ببرقة … بنوه على بحر من الجود خضرم (٢) وأعجب شيء قيس شبر تضمّنت … نواحيه قطري يذبل ويلملم أمستودع الترب المضمّن جسمه … طويل البلى من بعد طول التنعم سأبكيك لا أنّ البكا عدل لوعتي … ولا أنّ وجدي فيك كفء تنهّم (٣) وقلّ لعيني أن تفضّ دموعها … عليك ولو أنّ الذي فاض من دم وأغضي حياء أن أعيش مسلّما … وما أنت ممن يتّقى بمسلّم وقوله في اسم لؤلؤ ملغزا به: [الكامل المرفل] لم يكفه أنّ اسمه علم … ينبيك مبسمه بصورته حتّى أراد بأن يعنونه … فصفات صدغيه وطرّته قال ابن رشيق: الاسم لؤلؤ وهو الذي أبانه المبسم، والأصداغ بوصف اللامات، والطور يشبه بالواوات، فكأن كلّ صدغ لام يليها واو من واوات الطرّة، فيصح ما أراد.

стр. 2874

ومنهم: ٥ - أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن السيد بن مغلّس الأندلسي البلنسي (١٣) رجل لاين صعاب اللغة حتى اقتاد أنوفها، وارتاد صنوفها. حسن لما ساعده؛ حتى تسلّك سبلها وملك ذللها. وكانت قد لجّت نفارا، ودجت حتى جلاها، وجعلها في التصانيف أسفارا، وخلاها قدوة وأسوة النجوم للمهتدي. فملأ عين المطالع، وقطع بعدها بين طلب التزيد والمطامع. قال ابن خلكان: كان من أهل [العلم] باللغة والعربية، مشارا إليه فيهما. رحل من الأندلس وسكن مصر، وقرأ على صاعد والنجيرمي، ودخل بغداد واستفاد وأفاد. وله شعر منه: [المتقارب] مريض الجفون بلا علّة … ولكنّ قلبي [به] ممرض أعاد السّهاد على مقلتي … بفيض الدّموع فما تغمض وما زاد شوقا ولكن أتى … يعرّض لي أنه معرض وتوفي لست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربعمائة بمصر ودفن بها. ومنهم: ٦ - إبراهيم بن محمد بن زكريا ابن مفرّج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري أبو إسحاق المعروف بالإفليلي (١٤) من أهل قرطبة، وممّن أهل العلياء [في] المرتّبة. برزت به

стр. 2875

الأندلس في أثوابها القشب وظفرت أقطارها بقطار ينبت العشب. فجرّت به ذيل الأحيان، وهمت النجوم بالأعيان. قال ابن خلكان: كان من أهل النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، حافضا للأشعار ذاكرا للأخبار وأيام الناس. وكان مصدّرا بالأندلس وإقراء الأدب. وولي الوزارة للمكتفي بالأندلس. ولد في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمئة، وتوفي في ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى واربعين وأربعمائة (١). ومنهم: ٧ - أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي (١٣) النحوي المفسّر. نيّر لا يخفى وشمعة صباح لا تطفى. فتّق للعلم الأذهان، وفتح مقفله حتى هان. ونشأ بالمهدية، القرية التي هي حاضرة البحر، والضاربة منه في النحر كرسيّ الخلافة ومحلّ الأنافة. فكان حيث كان أسناها، ومكان حسناها. ولم يعد يذكر بحرها الزاخر معه، ولا ملكها المطاع إذا دخل معمعه. فسّر القرآن وألقى الجران (٢)، وأضهر الآي وكف اللأي. أجاد فيه الكلام، وأجال الرأي والأقلام. أصله من المهديّة من إفريقية، ودخل الأندلس في حدود الثلاثين وأربعمائة، وألّف كتبا نافعة مثل كتاب التفضيل في التفسير، وهو كثير مشهور في الآفاق. وله تعليل القرآن، أنفع من الحجة لابي علي الفارسي.

стр. 2876

ومنهم: ٨ - إسماعيل بن خلف بن سعد بن عمران الأنصاري أبو الظاهر المقري النحوي الأندلسي السرقسطي (١٣). جدع أنوف الأبطال، وقرع ومنع صنوف الرجال. وكرع وورد المناهل من برنق (١)، ولم يقدر عليها النسيم إلا في آخر رمق. فشرب واضطلع وأناف على الشرفات، واطلع فنشر ما طوي من الأيام السوالف، وأعاد الليالي في أحسن الطرر والسوالف. وغازل بألحاظ كلمه الفواتر، وقطع بألفاظ حكمه البواتر. ذكره ابن خلكان: وكان إماما في علوم الآداب، ومتقنا لفنّ القراءات (٢) وذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة وأثنى عليه، وعدّد فضائله. وتوفي يوم الأحد مستهل المحرّم سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ومنهم: ٩ - أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى النحوي، المعروف بالأعلم (١٤). كان من إخوان الصفا، وأخدان الوفا. برع في الفضائل، وترع مترع الأوائل. وكان على عمى عينيه ينظر في العواقب نظر البصير، ويعرف إلى أين

стр. 2877

المصير؛ إلى فصاحة لم تحل بالغلمة (١) ميمه، ولا أتت بها في أخواتها ضميمه. وكان بالعيوب منطقا، وبما يبريه من العيون ممنطقا. ولم يمت حتى أنذر بدنوّ أجله، وأخبر بقرب وفاته وعجله. قال ابن خلكان: رحل إلى قرطبة سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وأقام بها مدّة، وأخذ عن الإفليلي وأبي سهل الحراني، وأبي بكر ابن أحمد الأديب. وكان عالما بالعربية واللغة ومعاني الأشعار. كثير العناية بها مشهور بمعرفتها، حسن الضبط. أخذ الناس عنه كثيرا. وكانت الرحلة في وقته إليه. وأخذ عنه أبو علي الجيّاني وغيره. وكفّ بصره آخر عمره وله تصانيف عدّة. وكان مشقوق الشفة العليا شقاقا فاحشا. وهو العلم يعرف به. ولد سنة عشر وأربعمائة. ومات في ذي القعدة سنة ست وسبعين وأربعمائة (٢). قال الرعيني خطيب إشبيلية: مات أبو عبد الله محمد بن شريح يوم الجمعة منتصف شوال سنة ست وسبعين وأربعمائة، فسرت إلى الأستاذ أبي الحجاج الأعلم فأعلمته بوفاته؛ لأنهما كانا كالأخوين محبّة فانتحب وبكى كثيرا واسترجع ثم قال: لا أعيش بعده إلا شهرا. وكان كذلك. ومنهم: ١٠ - عبد الله بن محمد ابن السّيد البطليوسي (١٣) النحوي، أبو محمد. مادة نحو وأدب، وتصنيف ولغة عرب، لا نحّى أحد معه فيها يد

стр. 2878

ولا تصنيف، ولا يعدّ في رحله شيء ولا مضيف. غطّى سيله على الفرا (١) وطفا درّه فكثر مدد الجوهرى. وكان عالما بالآداب واللغات متبحرا فيهما، مقدما في معرفتهما وإتقانهما. سكن مدينة بلنسية، وكان الناس يجتمعون إليه، ويقرءون عليه ويقتبسون. وكان حسن التعليم جيّد التفهيم، ثقة ضابطا. ألّف كتبا نافعة ممتعة، وشرح عدّة كتب. وكل شيء يتكلّم فيه فهو في غاية الجودة. ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس. وتوفي في منتصف رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمئة. ومن نظمه قوله: [الطويل] أخو العلم حيّ خالد بعد موته … وأوصاله تحت التّراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى … يظنّ من الأحياء وهو عديم وقوله في طول الليل: [الطويل] ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة … كما شبت أم في الجوّ روض بهار كأن اللّيالي السّبع في الجوّ جمّعت … ولا فصل فيما بينها بنهار قوله من أول قصيدة مدح بها المستعين بن هود: [الطويل] وهم سلبوني حسن صبري إذ بانوا … بأقمار أطواق مطالعها بان لئن غادروني باللّوى إنّ مهجتي … مسايرة أضعانهم حيشما كانوا سقى عهدهم بالخيف عهد غمائم … ينازعها مزن من الدمع هتّان أأحبابنا هل ذلك العهد راجع … وهل لي عنكم آخر الدهر سلوان ولي مقلة عبرا وبين جوانحي … فؤاد إلى لقياكم الدهر حنّان تنكّرت الدنيا لنا بعد بعدكم … وحلّت بنا من معضل الخطب ألوان

стр. 2879

ومن المديح: [الطويل] رحلنا سوام الحمد (١) عنها لغيرها … ولا ماؤها صدّ ولا النّبت سعدان إلى ملك حاباه بالحسن يوسف … وشاد بها البيت الرفيع سليمان من النّفر الشمّ الّذين أكفّهم … غيوث ولكنّ الخواطر نيران وهي طويلة. ومنهم: ١١ - محمد بن الحسن بن سعيد الأستاذ (١٣) أبو عبد الله ابن غلام القرشي الأندلسي الداني المقري النحوي. أحد الأئمة وأحد السيوف في الملمّة. دنت له لدانيه السما، ودرّت على أكتافه النعما. وأصبحت به أكناف الأندلس مخضرّة وأيام الأنس بها لا تخاف مضرّة. قد وضعت مباسمها، ونفحت نواسمها، وهبت أصلها الصحائح معتلّة، وغدت حدائقها المجنّنة بسلاسل الأنهار معتلّة. وكانت الحياة بها سهلة المحيّا، وأيامه الزّهر ودانية الدنيا. قرأ القرآن واللغة. وارتحل بابنه إبراهيم سنة بضع وعشرين وخمسمئة، ورجع فتصدّر للإقراء والحديث وتعليم العربية. وكان صاحب ضبط وإتقان، مشاركا في علوم جمّة، يحقق بها. وكان حسن الخط أنيق الوراقة. وكانوا يرحلون إليه للسماع والقراءة. توفي بدانية في ثالث عشر المحرّم سنة سبع وأربعين وخمسمئة، وقد أصابه خدر قبل موته بسنة، مولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة. وكان ذا حظّ من علم الحديث ومعرفة رجاله. وولي خطابة دانية في آخر عمره.

стр. 2880

ومنهم: ١٢ - عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الاندلسي (١٣) أبو محمد الخزرجي. من بيت علم وحشمة، وعلا وهمّة؛ إلا أن صروف النوى قذفت به وثلمت سيفه من غربه (١)، فرمت به من حيث لم يك ظنّت، ولا قدّ لها ما تمنّت. فأهوي في الأرض هوي الأجدل (٢)، وانحطّ انحطاط الجندل. وشق المخارم بهوي مضيقها وفجاجها، وبرد عذبها وأجاجها حتى كاد ينسى من المغرب ذكر بلده، ويظن المشرق موضع مولده. وأتى خراسان ولم يعرف، أما لها من إحسان؟ وحلّ من ذلك الأفق دارا نسي بها قديم محتده، ولقّط من مطلع الشهب شيب بدده. ووقف على عين الشمس واغترف غرفة بيده. أقبل على العلم بإشبيلية، وحصل ما لم يحصل غيره. وولي القضاء بالأندلس مدّة، ثم خرج عنها على عزم الحج. وجاوز سنة ودخل مصر ثم قدم العراق، ثم سار إلى خراسان، فنزل هراة مدة ومرو. وكان خبيرا بالحديث والفقه والنحو والأدب. وسمع وأفاد. ومولده سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وتوفي بهراة في شعبان سنة ثمان وأربعين وخمسمئة. ومنهم: ١٣ - أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بن يللبخت بن عيسى الجزولي (١٤) إمام يلقب دونه النواظر، وتكف عليه المحاضر. أجاب مصرخا وانجاب به الروع مفرّحا.

стр. 2881

وسارت إليه الطلبة يستعجل الشوق حنانها، وتصل الأسباب ربّانها إلى رأي رصين، وعلم بالدين قد صين. فلم يكن مثله في العليا، وزهد خلص من الربا. فسار ذكره كالشمس مغذّا، ووجد له كالسحر إلى كل قلب نفذا. قال ابن خلكان: كان إماما في علم النحو كثير الاطلاع على دقائقه وغريبه وشاذّه. وصنّف فيه المقدمة التي سمّاها القانون. ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها. واعتبرها جماعة من الفضلاء فشرحوها. ومنهم من وضع لها أمثلة. ومع هذا كلّه فلا تفهم حقيقتها. وأكثر النحاة ممن لم يكن أخذها عن موقّف يعترفون بقصور إفهامهم عن إدراك مراده منها، فإنها كلّها رموز وإشارات. ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليهم في وقته، وهو يقول: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كوني ما أعرفها ألاّ أعرف النحو. وبالجملة فإنّه أبدع فيها. قال: وسمعت أن له أمالي في النحو ولكنّها لم تشتهر. ورأيت له مختصر التفسير لابن جنّي في شبه ديوان المتنبي. ونقل أنه كان يدري شيئا من المنطق. ودخل الديار المصرية، وقرأ على الشيخ محمد بن بري المتقدم ذكره. وقد نقل «الجمل» (١) على ابن برّي، وسأله عن مسائل في أبواب الكتاب، فأجابه ابن برّي عنها، وجرى فيها بحث من الطلبة حصلت منه فوائد علّقها الجزولي مفردة فجاءت كالمقدمة، فيها كلام غامض، وعقود لطيفة وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه واستفادوها منه، ثم قالوا هذا المصنف. وبلغني أنه كان إذا سئل عنها، هل هي من تصنيفك؟ قال: لا؛ لانه كان متورعا: ولمّا كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث من كلام شيخه ابن بري، لم يسعه أن يقول: هي من تصنيفي؛ وإن كانت منسوبة إليه؛ لأنه الذي انعزل بترتيبها. ثم رجع الجزولي إلى بلاد المغرب بعد أن حجّ وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون

стр. 2882

عليه، وانتفع به خلق كبير. قال ابن خلكان: ورأيت جماعة من أصحابه. توفي في سنة عشر وستمئة بمدينة مراكش رحمه الله تعالى. هكذا سمعت جماعة يذكرون تاريخ وفاته ثم وقفت على ترجمته وقد رتّبها أبو عبد الله ابن الأبّار فقال: توفي سنة ست أو سبع مات الجزولي (١). ومنهم: ١٤ - علي بن محمد بن عبد الله المعروف بالشلوبيني (١٣) الأندلسي الأشبيلي النحوي. بحر لا يشقّ، وسحاب لا يصدع إياه برق. تبوّأ فوق السماء مسكنا وفرّق النجوم سكنا. حلّ الذروة والغارب، وجلّت أصل ذكره المشارق والمغارب. أوضح النحو وبيّنه وجعل منه على بيّنة، فاستصحب آبيه، واستبحر آتيه؛ حتى فتح مقفله ووشم مغفله. فقرّ قراره، واستبشر البدر ولم يخفه سراره. قال ابن خلكان: كان إماما في علم النحو. مختصرا له غاية الاختصار. اشتغل على أبي بكر محمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صافي اللخمي الإشبيلي. ومن شعره قوله: [البسيط] قالوا حبيبك معلول فقلت لهم … نفسي الفداء له من كل محذور يا ليت علّته بي غير أن له … أجر العليل وإني غير مأجور

стр. 2883

ولقد رأيت جماعة من أصحابه وكلّهم فضلاء، وكل واحد يقول: ما يتقاصر الشيخ أبو علي الشلوبيني عن الشيخ أبي علي الفارسي، ويغالون فيه مغالاة زائدة. وقالوا: فيه مع الفضيلة غفلة وصورة بله في الصورة الظاهرة؛ حتى قالوا: إنه كان يوما على جانب نهر وبيده كراريس، فوقع منه كرّاس في الماء، وبعدت عنه فلم تصل يده إليها ليأخذها، فأخذ كراسة أخرى وجذبها، فتلفت الأخرى بالماء. وكان له مثل هذه الأسباب الدالة على البله. وشرح المقدمة الجزولية شرحين كبيرين. وله كتاب في النحو، سمّاه التوطئة. وكانت إقامته بإشبيلية، وأخباره متواصلة إلينا، وتلامذته واردة في كل وقت، وبالجملة؛ فإنه على ما يقال كان خاتمة أئمة النحو، وكانت ولادته بإشبيلية سنة اثنتين وستين وخمسمئة، وتوفي في آخر الربيعين، وقيل في صفر سنة خمس وأربعين وستمئة بإشبيلية (١). ومنهم: ١٥ - أبو القاسم المغربي (١٣) وهو محمد بن أحمد بن الموفق الأنصاري الأندلسي المرسي. رجل حظّه موفور، وسعيه غير مكفور. ركب البحر من بلده حين ضاق به جانب ذلك البرّ، وساءه طول المقام وأضرّ؛ فطارت به فتحا لا يردّ من جماحها، ولا يعد فضل جناحها. سمت به في أمواج كالجبال، وأفواج كقطع الجمال؛ حتى ألقاه البحر إلى الساحل، وآذى به السفر المراحل. وجعل الشام دار مقامه، ودواء أسقامه، ثم رحل مشرقا وجمع شتيت العلم مفرقا. وكان لا يعدّ الغربة إلا وطنه، والغلّة (٢) إلا إذا ورد ماء بلده، أو سكنه. وهو معدود في أهل الحديث الشرقي؛ إذ قدم إليه أول ما عنّ تمائمه وريش قوادمه.

стр. 2884

ذكر ابن المستوفي أنه أخذ النحو عن الكندي وأبي البقاء العكبري، وأقام بدمشق سنتين، ثم قدم إربل سنة عشر وستمئة، وقد جاوز الأربعين. قال: وأنشدني لنفسه: [الكامل] درس الخلاف فما يقول مسلّم … مني وقولي كلّه ممنوعه إفساد وضع في سؤال محبّة … أم أصله قد خالفته فروعه إن فقت بين دلاله ودليله … لمّا تبيّن في الدليل شروعه الاقتصاص لعبده في ذاته … يا ليت شعري ما يكون صنيعه وأخذه من قول البستي (١): [الطويل] خذوا بدمي هذا الغزال فإنّه … رماني بسهمي مقلتيه على عمد ولا تقتلوه إنني أنا عبده … وفي مذهبي لا يقتل الحرّ بالعبد ومنهم: ١٦ - يحيى المالقي (١٣) وهو أبو زكريا يحيى بن علي بن أحمد بن محمد بن غالب الحضرمي الأندلسي المالقي. رجل تحط دونه الأجادل (٢)، وتدك بأدناه الجنادل، ويسكت إذا ناباه من تجادل. نجم والرجال نبات، وانسجم والنوال مغمض الجفون بالسبات؛ فسما سمو حباب الماء حالا فحالا، ونما نموّ فروع الشجر أغصانا طوالا. ولم يبرح منه زنده يقدح شرارا. وندّه يفوح وإن لم يوقد نارا؛ إلى أن أخمده انصرام العمر المكتئب، وكمل له عمله واستتب.

стр. 2885

قال ابن المستوفي: ورد إربل سنة اربع عشرة وستمئة راحلا إلى خراسان لسماع الحديث، وكان قد أقام بدمشق، وأخذ عن أبي اليمن الكندي. قال: وحدّثني من أثق به أنه كان له حلقة بجامع دمشق للنحو وأثنى عليه أبو الحسن ابن علي بن عبد الكريم الجزري. وقال: لطيف الأخلاق من بين المغربة، حسن العشرة. جرى بيني وبينه عدة مباحثات سألته عن مولده، قال: لا أحقه؛ إلا أني ولدت بمالقة. وممّا أنشد له قوله: [الطويل] فؤادك موقوف الهوى حين يمموا … وأنت بهم هيمان صبّ متيّم إذا أعرقوا أو أشأموا كنت سائما (١) … بروقا بها سحب المدامع تسجم يسائل عنهم كلّ يوم وليلة … نسيم الصّبا أين استقلّوا وخيّموا تفوت وجوه اليمن واليمن فيهم … ويسترشدون النجم والنجم منهم ومنهم: ١٧ - زين الدين المالقي (١٣) ضيف قوم كرام، وقطيف قوم بلغ المرام. برع نحوا وأدبا. يصلح لكل نجوى. أتى من الأندلس حاجا ومعتمرا، وركب ليلا دجوجيا ومقمرا؛ حتى قضى بقيته، وأمضى ما حمله عليه العزم وبغته. وقد قدم دمشق واستوطنها، واجتنى بطائنها، ونزل على بني السيرجي (٢). وسم في أرباب البيوت بها صدور مجالسها وجنى مغارسها، وامتار أسواقها، وأقمار أنديتها الطالعة من أطواقها؛ بيد أنهم من عدد عدولها، ومدد سيولها، وذوي

стр. 2886

التصرف في خدم السلطان وخدم الملوك منذ حلّوا تلك الأوطان، فألقى إليهم رحل رحلته، وجمع شمل شملته وأقام بينهم يرفد بالجنى الموفور، ويولي الأيادي التي ما استدت إليّ كنور وله فيهم مدائح كنت وقفت على بعضها، ووقعت بين دارين والشر في أرضها وفيما وقفت له على قصيدة وصف فيها طير الواجب تحرك إلى البزز لرمي البندق سواكن الهمم، وبعيد نشاط الشباب لأهل الهرم لعنة كانت لسببه هذا البيت في رمي الطير الجليل والخروج إليه بالصاحب والخليل. وأولها: [الكامل] ركب الدّجى لا يرهب الأخطارا … ودنا على بعد المزار وزارا ومن نثره من قدمة كتبها للصدر شرف الدين أبي الفتح أحمد ابن السيرجي أولها: الحمد لله مسخّر الطير في جوّ السما، ومحيي الأرض بما منّ عليها من النعما. الواجب وجوده، فلا يغير بخلقه. المانّ بجوده، وكل حيّ يرزقه، المتفضّل على عباده بمحاسن الأخلاق، المتكفل الأجناس مخلوقاته بإدرار أنواع الأرزاق، الحاكم بإقعاد من انتهك حمى حرمه، القادر على إسعاد من تعرض لكرمه. ومنها: فالربيع يكسب الأرض برطوبته جمالا وزخرفة، ويلبس الأرض من صنعة يد الشتاء حللا مفوّفة (١)، وأشجاره ترشح من عيونها بماء ورد، وأشجاره تتنفّس فتخال تنفسها عنبرندّ؛ حتى كأن الجوّ عطار يعدّ طيبا والهزار قد أقام على رؤوس الأغصان خطيبا. ومخايل الأوراق قد لاحت على تلك الخمايل والورق قد غنت على عيدانه والغصن مايل، والروض قد وردت عليه من جداوله مسائل. والشتاء يجود على البطحاء بجود تهطّله، وتعقب ظله يصيب وبله. وترى سنا برقه بين رعد وسحاب، وتزخ دموعا شوقا لأيام الشباب، كأن السماء والرعد فيه تذكر أهوالهما فاستعبرت وتنهّدا. ومنها: ولمّا كان فلان ثمرة غصن زكت مغارسه، ودرّة بحر قذفت نفائسه، وزهرة حديقة أينعت أرجاؤها، ونجل رئاسة تشرّف آباءها أبناؤها، من نسب يعقد بالنجوم دوالبه، وحسب

стр. 2887

تحط في مفارق النسر ركائبه، وعندما تمت أخلاقه الحميدة، وكملت والتحفت به هذه الأوصاف الجميلة واشتملت؛ رام أن يأخذ حبل السعادة بطرفيه، ويجمع بين محاسن الجدّ والهزل ليحصل من السعد على شرفيه، ولم يزل يقلّب طرفه في محاسن لهو برنصيه (١)، ويدير فكره فما يصلح له فيقتضيه؛ إلى أن شهرا كذا من سنة كذا فعمد إلى نيته المقبولة فأمضاها، ولم تكن إلا حاجة في نفس فلان قضاها. فخرج وقد أرجت نوافح المسك الأذفر (٢)، وماست معاطف الزند الأخضر. والأنهار مطردة بمائها، والأطيار غردة بغنائها إلى مظان الطير الجليل ومكامنه. وطلب كمل يطلب الخير من معادنه، واستصحب معه من الرماة الأزكياء السادة الأذكياء، كل صادق القول زكيّ الفعل كثير الإمساك قليل المثل، ممّن برز في البرزات، وأظهر من يديه خوارق المعجزات. وله الوجوه المشكورة من غير نفاق، والنكت المشهورة بين الرفاق، وقد ارتدوا ملابس الغيار، وأطلعوا من أطواقها وجوها كالأقمار، وشدّوا بالمناطق خصورا تدقّ عن الأفكار، وتقلّدوا حمائل جيوش صانت النجوم عن الأبصار. والتثموا بفضلات العمائم، واستغنوا بالخالق عن الرقى والتمائم. وقصدوا في طالع السعد والأمان دير سلمان؛ فلما أذنت الشمس بالفراق، وكادت تبلغ نفس النهار التراق استدارت الجماعة استدارة الأنامل بالأقداح، وامتزاج الأشباح بالأرواح. ودارت عليهم بالسؤال للسرور كؤوس، ومالت منهم للطرب أعناق ورؤوس؛ فلما أنفقت خطتهم، وافترقت خلطتهم انتشروا في تلك الرياض انتشار العيوث (٣)، ووثبوا في تلك النواحي وثوب الليوث. فللّه درّهم من فرسان مواكب وشجعان كتائب. إن ركبوا خلت آساد جفان، وإن ترجلوا قلت ظبا وغزلان. هذا وهو بينهم كالقمر بين النجوم، والشمس في خلال الغيوم.

стр. 2888

قوله: [الكامل] السّعد في نظراته والموت في … سطواته والفضل من أفضاله والشمس تحجب وجهها عن وجهه … والبدر يبدو خاضعا لجماله وعند ما تهندمت الرماة من مواضعها، وبرزت الطيور التي كتب عليها القتل إلى مضاجعها، مرّت به جفة (١) من العنانيز (٢)، كانت على الميت حراصا، وعادت إلى مطرحها بطانا بعد أن راحت إلى مطرحها خماصا، فرنا إليها بطرف لو خطّ به الارض لاهتزّت وربت، ورمقها بنظر لو رمق به النجوم شررا لا نقضت وهوت وسار إليها مسير الشمس عند الشروق، وطرقها طروق الطيف، فحبّذا ذاك الطروق، وقد أغذّ في يمناه التي لو نازلتها السحب الهاطلة لخجلت، أو باهتها البحار الزاجرة لخلت. [البسيط] فبطنها حجر الأسباط منبجس … وظهرها حجر الإسلام مستلم ندبا من البندق المنتسب شكله، الطيب أصله. بعيد الناظر، رزقا مقسوما، ويعدّه الطائر أجلا محتوما. وفي يسراه الميسرة للأزرق المعينة على الإطلاق. [الطويل] هي البحر والطّرس النّفيس سفينه … فآونة منجى وآونة يردى قوس رشق خطار مستوي العنق والبستار، قد اختيرت له روق (٣) الأوعال وسطانا الردينية العوال، فكأنه قضيب شيخ ارتدى بثوب نظار، أو سبيكة ذهب أحرق شطرها بنار وبدا للعيون عاريا؛ ولا إثم عليه في ذاك ولا عار. فياحسنه من موقف رأيت فيه القمر يقذف شيطان الهموم عن هلال بكوكب وضم كافور، يدير في بحر العطايا حركات المنايا بلولب.

стр. 2889

ولم يزل برقها حتى دخلت المقدار، ونادته السعادة البدار البدار، فأرسل إليها رسل المنايا من بنادقه، وأخرج إليها ضبايا الروايا من زوايا جلاهقه (١)، فأصاب منها طائرا خرّ لديه صريعا، وناداه التقدير فأجاب، ولم يكن قبلها سامعا ولا مطيعا. [الرجز] لم يدر من آمن ينجو خيفة … وإنما الرّامي درى كيف رمى وذكر في أحدها قصيدة البدر يوسف بن لؤلؤ، وهي: [الكامل] هل ذاك برق بالغوير أنارا … أم أضرموا بلوى المخصّب نارا وكلاهما إن لاح من هضب الحمى … لي شائق ومهيّج تذكارا فيم التعلّل والشّتات منكّب … عني وقد شطّ الحبيب مزارا وقد استردّ الدهر أنواب الصّبا … وكذاك يوجد ما يكون معارا فارفق بدمعك في الفراق فما الذي … يبقى ليسقي أربعا وديارا ودع النسيم يراوح القلب الذي … أورى زناد الشّوق فيه أوارا مع أنني أصبو إلى بان الغضا … إن سمت برقا أو شممت عرارا فاليوم لا دار بمنعرج اللّوى … تدنو بمحبوب لنا فيزارا كلاّ ولا قلبي المشوق بصائر … عنهم فأبدت دمنة أودارا فسقى اللّوى لا بل سقى عهد اللّوى … صوت الغمائم هاميا مدرارا ولقد ذكرت على الصّراة مراميا … ينسى بحسن وجوهها الأقمارا وعلى الحمى يوما ونحن بلهونا … نصل النّهار ونقطع الأنهارا في فتية مثل النجوم تطلّعوا … وتخيرّوا صدق المقال شعارا من كلّ نجم في الدياجي قد لوى … في كفّه مثل الهلال فدارا متعطّفا من جرم داود الذي … فاق الأنام صناعة وفخارا فالآن قد حنّ المشوق إلى الحمى … وتذكّر الأوطان والأوطارا وصبا إلى البرزات قلّت كلّما … طارت به جزر اللغالغ (٢) طارا

стр. 2890

فلأي مرمى أرتميه وليس لي … قوس رشيق مدمج خطّارا حليّ على ضعفي إذا استعطفته … ألوى عليّ العنق والدستارا نكت له من كل صنف قد حوى … أعيا الرّماة بحسنها إكثارا وبوجهه المنقوش أوّل ما بدا … وبه أقام وأقعد الشّطّارا وغدا بتحريمي بلا سبب بدا … منّي وأودعه الرماة مرارا يا حسنه من مخلف لكنّه … في الجوّ عال لا يسفّ مطارا ويطير حفظا عن مقامي عامدا … ولشقوتي لا يدخل المقدارا لا يندمي مهما خطرت بباله … أنّى ينال مراوغا طيّارا وسنان من جزر اللغالغ لم يزل … يرعى الرّياض وليس يرعى الحارا لا راحل بل قادم عنّي إلى … ماء الفرات يخوض منه غمارا وأنا تراني فاقدا ومنعّما … في الجو ليلا خلفه ونهارا وغنى فقد برد الهواء وقد أتى … أيلول يطفي للهجير جمارا ووراءه سربان جاء ورغده … عجلان يحدو للسّحاب قطارا والبارق الهامي على قلل الحمى … سدّى هناك خيوطه وأنارا والفيض طام ماؤه متدفق … والطّير فيه يلاعب التيّارا والنهر جنّ به فراح مسلسلا … صبّا ببحر لا يصيب قرارا نهر النواظر حيث آتت شطّه … للناظرين شقائقا وبهارا والصّبح في آفاقه يا سعد قد … أخفى النجوم وأطلع العذّارا فانهض إلى المرمى الأنيق بنا وقد … هبّ الصباح ونبّه الأطيارا وتتابعت خفقاتها في أفقها … مثل النّعام قوادما تتبارى من خود حوراء العراق قوادما … يا مرحبا بقدومها زوّارا فاصح إلى رشق القسيّ إذا ارتمت … مثل الحريق أطار عنه شرارا واطرب على نغمات أطيار بدت … في الجوّ وهي تجاوب الأطيارا من كلّ طيّار كأنّ له دما … عند الرّماة فثار يبغي الثّارا هل جاء في طلب القسيّ لحتفه … أم جاء يطلب عندها الأوتارا

стр. 2891

فالتمّ يضرب بالجناح كأنّه … أبدى البيان يحرّك الأوتارا خاض الظلام وغبّ فيه فسوّ … د الرّجلين منه وسوّد المنقارا وأتى يبشّر باللقاء فضمّخت … تلك المغارز عنبرا ونضارا والكي (١) كالشيخ الرئيس مزّمل … في بردتيه هيبة ووقارا يسطو على الأسماك يوما كلّما … أذكى له حرّ المجاعة ثارا والوزّ همّ هاجنا تنغيمه … ليلا وكم قد شاقنا أسحارا فاذا تباشير الصباح ثنى له … عطفا وصفّق بالجناح وطارا وترى اللغالغ تستبيك بأعين … حورية صفر الجفون صغارا فكأن ورسا ذاب في أجفانها … فحكى النّضار وحيّر النظّارا وترى الانسياب النوافر تنثني … بين الرّياض كأنهن عذارى يسلبن أرباب العقول عقولهم … ويرعن منه حيلة ونفارا وترى الحبارى كالقطا أرياشها … أو كالرياض تفتحا أزهّارا هجرت مناهلها على برح الظما … واستبدلته ذوبة وقفارا والنّسر سلطان لها لكنّه … لم تلفه لدمائها هدّارا قد شاب منه رأسه من طول ما … كثرت عليه عصوره أدوارا أرخى جناحيه عليه كجوشن (٢) … لو كان يمنع دونه الأقدارا وإذا العقاب سطا وصال بكفّه … عاينت منه كاسرا جبّارا يعطي ويمنع عزّة وتكرّما … ويلجّ ممنوعا ويمنع جارا وترى الكراكي (٣) كالرماد وربما … فرقت فأذكت في القلوب النّارا قد سطّرت في الجوّ منها أسطرا … وطوت سماء سجلّها أشعارا فإن انصرعن فلا تكن ذا غفلة … عن أن ينقّط حليهنّ مرارا

стр. 2892

وبدت غرانيق لهنّ ذوائب … لولا البياض لخلتهنّ عذارى حمر العيون تدير من أحداقها … فينا كؤوسا قد ملين عقارا (١) والصوغ في أفق السماء محلّق … مثل الغمام إذا استقلّ وسارا ذو مغرز ذرب فلو تسطو به … فضح السنان وأخجل البتّارا ومرازم بيض وحمر ريشها … كمراوح أضرمن منه جمارا وعجبت كيف صبت إلى صلبانها … تلك الرماة وما هم بنصارى وشبيطر ما إن يحلّ له دم … مهما علا شجر وجلّ جدارا والشرّ فيه إلفه لمنازل … فاصبر له حتّى يفارق دارا هل عبّ في صرف العقار بمغرز … أم كان خاض من الدّماء بحارا وهذه القصيدة وإن لم يكن هذا موضعها، ولا صاحب هذه الترجمة مسيّر شهبها ومطلعها، فقد ذكرتها للاستشهاد بها؛ لأنه كان من سببها. ولما تفرّدت من حسن مذهبها، وأظنّه إنّما قصد معارضتها بقصيدته التي ذكرت مطلعها: إن السماء تطير الماء في الرّزق ومنهم: ١٨ - البياسي (١٣) وهو أبو بكر سعيد بن أحمد بن محمد المغربي البياسي، عماد الدين لا يبلغ خضيضه، ولا يسوغ تذهيبه ولا تفضيضه. أحيا الليالي، وقد أمات النوء الثرى. وأبات السحاب. لا يغمض جفنه الكرى إلى هواجر كان يصلى تلهبها، ويغلّ في مديد لبّها. لا يتوسد إلاّ مرفقيه، ولا يبيت غير النجم والسهاد مرافقيه؛ حتى مات فخشع له هامد التراب، وخضع له

стр. 2893

هامل السحاب، وبكى بكاء الأتراب. ذكره ابن المستوفي، ومما قال: إنه ورد الموصل فنزل في بعض مدارسها متفقها، واستظهر بعض كتاب سيبويه، واتصل بأبي الفضائل لؤلؤ المنصوري. مدّت وحسنت حاله عنده، ثم قطعه عنه، وأخذ جميع ما حصل بيده من مال وكتب، وضربه ضربا شديدا. ولم يظهر خبره، وذلك في شوال سنة ست عشرة وستمئة. وكانت وفاته بقلعة الجديدة. قال: وكان هذا المغربي كما قيل لي رديء الطبع. سمع أبو الفضائل لؤلؤ إنسانا يشكو منه، ويذكر أنه يأخذ من عرضه، فقال: لعلّك أحسنت إليه. ومنهم: ١٩ - الصهاجي (١٣) وهو أبو علي عمر بن عبد النور بن ماخوخ بن يوسف النحاس النحوي الصهاجي اللزبي. واللّزب قبيلته. أورق ظل الفضائل وأسبغها، وفوّف حلل العلوم حتى أجمل إصبعها. بهر به المشرق والمغرب، وتفرّد به المألوف والمغرب. وامتدّ ذكره من المغرب امتداد ظلاله، وورد على الشرق وزوّد زلاله؛ فنفث في روع المطلع الشرقي السحر الحلال، وحلي الجانب الغربي بما لاق بمعصم طوده المنيف من سوار الهلال. ذكره ابن المستوفي، وأنشد له من شعره: [الكامل] ومعقرب الصّدغين خلت عذاره … نونا أتى في رسمه الخيلان فوقفت أبكيه بعيني غزوه … حزنا عليه كأنني غيلان وله في كاتب: [الكامل] إن كان وصلك قد تراه ممنعا … خوفا عليك ملامة العذّال فالآن مشرف عارضيك مخبّر … أن العذار موقّع لوصال

стр. 2894

وحكى أنه أتى إلى الفقيه العلاّمة كمال الدين بن يونس فألفاه على دجلة وحوله جماعة يتفقهون به، فرأى بحرمته ومنها وعجتين إذ أخذت عنه وعنها، فقال: [الوافر] تجرّ الموصل الأذيال فخرا … على كلّ المنازل والرّسوم بدجلة والكمال هما شفاء … بهيم أو لذي فهم سقيم فذا بحر تدفّق وهو عذب … وذا بحر ولكن من علوم وحكى أنه أتى دمشق فرأى صبيا من أبناء الكتّاب، يعرف بابن عصيفير، قد عصفرت ديباجته، وتمت فيه من الحسن حاجته، فوقف حائرا، وسقط قلبه في يده طائرا، فقال: [الوافر] متى نيل المؤمّل من غزال … على الأحياء سلّط مقلتيه كأنّ فؤاد عاشقه المعنّى … سميّ أبيه يخفق في يديه وهذا من قول المجنون: [الطويل] كعصفورة في كفّ طفل يظلّها … تقاسي حياض الموت والطفل يلعب (١) عدنا إليه. حكى أنه كان يتعهد درس الفقيه العلامة كمال الدين بن يونس لصحبة كانت بينهما أكيده، وسوالف مدّه عديده. وكان ابن يونس لا يبقي من أهل الفضل محصل ولا من هو من أفنان العلم متوصل، حتى يحل بداره، ويحمل مما كنز تحت جداره، فأتاه يوما وقد حضر جماعة قد تطيلسوا (٢)، وتعاقدوا على إسكاته. فلما تكلم أبلسوا (٣)، فقال الصّهاجي: [الطويل] كمال كمال الدين للعلم والعلا … فها هو ساع في مساعيك يطمع

стр. 2895

إذا اجتمع النظّار في كل موطن … فغاية كلّ أن يقول ويسمع فلا تحسبوهم عن عناد تطيلسوا … ولكن حياء واعترافا تقنّعوا وحكي أنه مرّ ببلدة فرأى فيها غلامين كأنهما الفرقدان، أو النيران؛ إلاّ أنهما أخدان قد تحابّا حبّا أكّد ألفتهما، ورأيت في ديوان المحبّة معرفتهما، يعرف أحدهما بابن صقر، والآخر بابن فهد، فقال: [الطويل] أليس عجيبا جارحان تصايدا … وذلك شيء لا يكاد يرام فمن لي بفرخ الصّقر أمسك سبقه … وأوتى بجرو الفهد ثمّ ينام ومنهم: ٢٠ - محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل السلمي الأندلسي النحوي (١٣) شرف الدين أبو عبد الله. فريد كان بغير نفسه. لا يتأنس ولا يسامر إلاّ من الجواري الكنّس. ألف الوحدة، وعرف بما تفرّد به وحده، ولم يجزم إلاّ بفضله ولم يجرّ ذيل الأفق على مثله إلى دار حتى زهرتها، وجلا من تحت خدر المجرّة زهرتها، فبرزت باسمة لا تغيرها القطوب، ولا تنكرها الخطوب؛ كأنّما ضرّست بدرر، أو غرست في منابت اللآلئ، فضمتها غزلان المسك في السرّ. وذكره ابن اليونيني، ووصفه بالمعرفة بالفقه على مذهب مالك، وبعلم الكلام والأصول، والتصنيف في التفسير. وقال: مولده في ذي الحجة سنة تسع وستين، وقيل سنة سبعين، وقيل إحدى وسبعين

стр. 2896

وخمسمئة. وقرأ القرآن الكريم ببلده على أبي محمد بن غلبون، وأخذ النحو عن الشلوبين، وسمع بالمغرب والحجاز والشام العراق وخراسان. وحدّث بالكبير (١)، وجاور بمكة زمانا طويلا. وكان من الأئمة العلماء الفضلاء، ذا معارف متعدّدة، بارعا في علم النحو واللغة العربية والتفسير. وهو على هذا كلّه متزّهد مطّرح تارك للرئاسة، حسن الطريقة قليل المخالطة للناس، كثير الصلاح والعبادة والحج. مقتصد في أموره. له قبول، لا يحل ببلد إلا ويكرمه رؤساؤه وأهله. وتوفي في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمئة بين الزعقة والعريش وأنشد له: [الطويل] أتجهل قدري في الورى ومكانتي … تزيد على متن السّماكين والنّسر ولي خصب (٢) لو أنه متقسّم … على أهل هذا العصر تاهوا على العصر ومنهم: ٢١ - حافي رأسه (١٣) محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر الزناتي المازني النحوي محيي الدين، أبو عبد الله. لا يعدل الدرّ لفظه الموزون، ولا ودائع المعادن حفظه المخزون. ولا يقاس أبو عثمان فتى مازن. عرف بحافي رأسه، وكان وافي رئاسه وكافي من شبهه بالبحر، أو قاسه. لم يجهد منهله المباح، ولم يجهل فضله المماح (٣). ذكره شيخنا أبو حيّان، وقال: كان شيخ أهل الإسكندرية في النحو. تخرّج به أهلها، وكان منجبا. ولا أعلمه صنّف شيئا في النحو. رأيته في درس قاضي القضاة ابن المنير سنة تسع وسبعين وستمئة أول قدومي من الغرب، ثم رأيته سنة إحدى وتسعين وفيها توفي. وله نظم، فمنه قوله: [الطويل]

стр. 2897

ومعتقد نيل الرئاسة في الكبر … فأصبح ممقوتا بها وهو لا يدري يجرّ ذيول الكبر طالب رفعة … ألا فاعجبوا من طالب الرفع بالجر وقوله في أهل الثغر: [الكامل] يا منكرا من بخل أهل الثّغر ما … عرف الورى أنكرت ما لم ينكر أقصر فقد صحّت نتانة أهلها … ومن الثغور كما علمت الأبخر (١) قلت: والبيتات الأولان أنشدني إياهما الأديب جمال الدين محمد بن نباتة، وزعم أنهما للصاحب تاج الدين محمد بن جنا. وقول شيخنا أبو حيّان أثبت (٢). ومنهم: ٢٢ - علي بن إبراهيم التّجاني البجلي (١٣) بحرمته مدد القاله، ويدر عليه مجمع الهاله. كان بتونس صدر إقراء، يؤخذ من حفظه ورتبته الذرى، ذا قبس بلفظه وجلّى، وندي يد ملكها، وتفرّد في المكارم ومسكها. وكان لا يعقب الصفو منه كدر، ولا يقاس بنائله المطر، ولا يشبه بسواه إلا إذا استوى حجر الياقوت والحجر. لعلم نفعه كثير، وحلم يغفر الذنب ويعفو عن كثير. يناظر به السحاب وقد تلظّى حقدا، وأعطى قليلا وأكدى. هذا إلى بأس يكاد منه قلب البرق ينفطر. وقد الخطا بناظر، وكان لا يزال يعمر به مجلسه، ويدنيه منه ويؤنسه، ويأخذ منه العلم ببلده ويغرسه. وقد ذكره شيخنا أبو حيان في مجاني النصر، وقال فيه: أستاذ يقرأ عليه بتونس النحو والأدب، قدم علينا القاهرة حاجّا.

стр. 2898

وأنشد له قوله: [السريع] إنّ الّذي يروي ولكنّه … يجهل ما يروي وما يكتب كصخرة تنبع أمواهها … تسقي الأراضي وهي لا تشرب (١) وقوله يمدح رجلا وهبه مالا عونا على الحج: [السريع] يا سيّدا قامت لدهري به … على الّذي بغيته الحجّه جودك للنّاس ربيع ولي … منك ربيعان وذو الحجّه ومنهم: ٢٣ - أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن حبّان النّفزي (١٣) سحاب الفضل المنهل وسخا ختام الفضل، من قبل طريقه سهل، وتحقيقه يثرى من ذا الجهل. تاه به الأندلس على كل إقليم، وملك به عنان التقديم. ولو تقدم عصره حتى كان منذ قرنين في ذلك المكان، حيث يتغادى على الآداب من ملوك الطوائف، وتتهادى رياحين تلك اللطائف، لما احتفظ صاحب الذخيرة بأكثر من جوهره. ولا استضاء الحميدي في جذوة المقتبس إلاّ بنور نيّره؛ بل كان يفتح به القلائد الفتح بن خاقان، ويقدم ابن الإمام ذكره في سمط الجمان، ولما كان يسع ابن اليسع إلاّ أن يقتصر عليه في المغرب، ولا يجيد ابن دحية في المطرب. ولكان في الاختيارات لأبي سهل حظّه الوافر، ولهان بدّرة اليتيم ما جاء به ابن بحر في زاد المسافر. بشرّ به التوحيدي أبو حيان، وبصّر. سمّى حفيده ابن حيّان. وقدم مصر منذ ستين حجّة، وأتمّ نسكه وحجّه، ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها، واستطاب في

стр. 2899

الأرض وطنها. ومنذ قدمها خوطب بالإمام؛ ومع هذا ممّا تأبّى عن لقاء الأعلام. ولم يكن يقصر بجناح إلى تمام يقع في الأوهام؛ وإنما أراد الزيادة بما يحصل باقتداح الأفهام. ومنذ ذاك الطلبة إلى إفادته ومن حياض آفاته تكرع؛ حتى انتشر مددهم في البلاد انتشار الصباح، ونظر أهل الشغف بالعلم من كتبه ما ينظر في الوجوه الصباح. وهو الآن نفع الله به هودج اللآلئ الذاهبين وكنز الطالبين. كل الطلبة من عشبه درجوا ومن نبت دواسته خرجوا، وبشذاه أرّجوا، وبسناه سقوا عطاء الإفهام وفرجوا، وبشهاب توفيقه أدلجوا، ومن أثواب تصنيفه إلى العلم ولجوا. وأنا ممن قرأ عليه، وتشرفت لّما مثلت لديه. وأمّا تصانيفه فسارت أوقار الإبل، وأما تفريقه للأدب بشيء عليه جبل. إن شعر أخفى ابن خفاجة، أو نثر كثم (١) خصاله ابن أبي الخصال وأطفأ سراجه فإذا نحا من شبه سيبويه، وإذا تكلّم في اللغة محا ابن سيده ما أحكم في المحكم وضرب عليه. وإذا روى عن الأعراب فإليه تقريب ابن قريب (٢)، وأبو عبيدة عبده الواقف بين يديه، وإن فسّر رأيت ابن عطية منقصا، والقرطبي لا يجد مثل بلدة الماسورة مخلصا، أو السريري قد علل إلى بعض الدواوين منكصا، وابن القيّم واقفا على بابه في يده العصا. مع رواية في حديث النبي ﷺ وفقه؛ كأنما طبع منه في مرآة جليّه، ودين يعتصم به المرء، وعدم محاباة إن لاقت به، فلا غرور مع ما بلغه من هذا السنّ والعمر الذي تهدأ به البديهة وتسكن، لا تخمد له قريحة ولا تطمئن به فكرة مريحة، ولا تعزب عن ذاكرته قضية ولو كانت حقيرة أو قصيّة؛ هبة من الله لا تكافى ولا تجدها في غيره، ولو عددت آلافا. قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية، وثغر الإسكندرية وديار مصر والحجاز، وحصل الإجازات من الشام والعراق، واجتهد وطلب وحصّل وكتب، وله اليد الطولى في علوم التفسير والحديث، والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وحوادثهم. وله التصانيف العديدة، وتنيف على خمسين مصنّفا. ولّما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن

стр. 2900

النحاس كثيرا، وأخذ عنه كتب الأدب. وقرأت عليه الأشعار الستة، والفصيح لثعلب والمقصورة لابن دريد، وشعر أبي تمام إلى آخر المديح. وكتبت عنه من أخبار العرب وأدباء الأندلس وفوائد الأئمة شيئا كثيرا. وكانت المراجعات لا تكاد تنقطع بيني وبينه. كتبت إليه: يقبل البساط المنيف، بل البساط الشريف لا زال فوق السها (١)، وفي الغاية التي لا تبلغ إلى منتهى، ويسأل في شيء مما سمح به فكره، وقذفه في البحر درّه من النثر الذي لا يقدر عليه في النظم المحضور بالقوافي، المقدور بالميزان. ولا يمكن الترجيح في وزنه الوافي؛ ليثبته في مكانه، وينبته روحا مثمرا في بستانه والمسؤول منه ما هو من الدرّ أعلى قمة وأخف حملا؛ مع التعجيل ببرقه المومض وودقه الذي لساعته يرفضّ (٢)؛ فإن الدفتر قد خرج صدره لكنه في شفافه، والناسخ قد فتح فاه لالتقافه، والقلم قد سابق البيان لا ختطافه، والسمع قد علّق مقطفه لاقتطافه، والمراد الإسراع قبل غلبة السكر بما يمنى من سلافه. فكتب إليّ يقبل الباسط، ويقول: أشغل الخلّ أهله أن يعارا وينشد: [الطويل] وبلّغت من عمري ثمانين حجة … وسبعا أرى الأشياخ ليست كما هيا وفي عيبتي اليسرى وفي شقّ هامتي … وقلبي فكر يترك الفكر نابيا ولا نظم إلاّ بانتظام منيّتي … ولا نثر إلاّ بانتثار عظاميا أيها الإمام اكفف عن عزمك فما نحن من ضربك من باراك بالنظم حتى بأبهى درّه، وجعلته يرفل في أسنى حبره، فأنت أشعر هذا الجنس، بل أنت أشعر الجنّ والإنس. إن أوجزت أعجزت، أو أسهبت دهيت، أو مدحت أعليت، أو قدحت أوريت. وكتب من نثره قوله: وقد استوحش المملوك لمولانا عند التفرج في مصر ونيلها، وحادرها وحيلها، وبهجتها وخيرها، والصور المتولدة بين الترك وغيرها التي يجول السحر في

стр. 2901

عيونها والصبا في فنونها، ذوي الذوائب المضفرة، والمحاسن الموفرة. إن سدلوا الشعور فبدور تحت الدياجي، أو ضفروها فأراقم سواجي. من كل أملد (١) أهيف القوام، كأن ريقه مدام، وشعره ظلام، ووجهه بدر تمام؛ إن نطق فالسحر في كلامه، أو رشق فالموت في سهامه. وقوله: ورد على القلب ما شّرفه، وعلى السمع ما شنّفه (٢) من الأدب الغضّ، والفضل الخالص المحض، نظم يودّ الغواني لو يكون لها عقدا على النحر، أو تاجا على الرأس فاق تأرّجه الزهر، وراق تبلّجه الأنجم الزهر. وكيف لا، ونور أهل الأدب من نور الشمس يستمد، ولتحصيل فضائله وفواضله يستعدّ؛ لكن صادف مني ذهنا كليلا، وجسما عليلا، وقلبا جريحا، وطرفا قريحا. وماء قريحة قد غاض وهمي تيه قد فاض. يتجلى في خلب كبدي، والمحبوب من ولدي، واغترافي من اللكن لفقد السكن، ومن الوجل يورد الخجل؛ ما حضر لساني أن يفوه في حق هذا الفاضل بما يحب، وأن يتهذب في الثناء عليه كما ينبغي أن ينتدب فعيّ فاضح، وعذري إليه واضح. وقوله: إن دفق فالبحر، وإن نطق فالسحر. ألفت إليه الآداب عنانها، وتفتقت به بديعها وبيانها. وأطاعه عصيّها، ودنا إليه قصيّها. فمن فقره دره وتقسيم قسيم، وترجيز وجيز، وقافية وافية طرزت بأنواع البديع، ووشعت (٣) به أحسن التوشيع؛ فأصبحت آدابها في جيد الزمان قلائد وفي سلك الأوان فرائد. يجنس فيها الجنس، وتنوّع وتأصل منها وتفرّع. نزلت من الآداب

стр. 2902

منزلة الإنسان (١)، والذهب الإبريز من العين. وقضت بالتمييز على ذوي التبريز، وبالاختيار على ذوي الاختبار. تطرب الأسماع للسامع، وتحسد العيون عليها المسامع، وكالحميّا (٢) شجت بماء غمامها، والثريا علّقت في مصامها. فكأن سامعها لا لتذاذه في أغناء الفجر، ووصل الحبيب بعد الهجر، يتوقل (٣) منها نوعا نوعا، ويتعجب منها بما جمع فأوعى، ويوشّيها ما كان مرتّقا، وسبق إلى أعلى مرتفقا، وأضحى بها الفرد الذي لا نظير له في الاجساد، والأوحد الذي يرى فضله على الأنداد والأضداد. وقوله: وإني وإهدائي الصدف للدرر، والوشل (٤) للذر كمهدي البرية إليهما والنغبة (٥) للدما. أما السيد عينه في قديم شرف ارتجاه الأكابر باتساق رباه، وفنيت المحابر في وصف محاسن محيّاه. تضمّخ النادي بنشره (٦)، وأعلن المنادي بنشره (٧)؛ فهو الشرف المشهد، والمحتد الذي شرف به المشيّد؛ ولكنها السيادة إلى مدى ما تحلت به المآثر، وتجلب به من المفاخر، ويظهر به من الأدب الغضّ ما يقال فيه، كم الأول للآخر، ولا يمكن أن يعصى الأمر، بل يمتثل ما رسمت به الأوامر. وكان شيخنا أبو حيّان ﵀ قد ذللت له صعاب اللغات فاقتادها بأعناقها، وجذبها أخذا بدائرة نطاقها. وتعدّى لغة العرب إلى العجم، فصنّف عدة كتب في تراجم اللغات المختلفة، والتزم فيها بالصحيح. وإن من تكلم فيها بلغه من تلك اللغات

стр. 2903

الشّتى على ما ضبطه كان خارجا عن النقل المسموع في تلك اللغة عن صريح أهلها. وكأن المتكلم به قد تكلّم بخطإ أو لحن؛ إما منه، وإمّا مما طرأ على أهل تلك اللغة بمداخلة من ليس منهم. كما داخل العرب بمداخلة النبط وفارس والروم؛ حتى كان ينكر على رجال من صليبة الترك، ورجال من صليبة الفرس في كلمات تقع على غير الصحيح في أصول لغاتهم. ورأيت رجالا منهم ممن عرف معرفته يتحاكمون إليه فيما شجر بينهم في ذلك، ولقد أراني فيما صنّف في ذلك، فمنه: الإدراك في لغة الأتراك، ومنه: زهو الملك نحو الترك، ومنه: منطق الخرس في لسان الفرس، ومنه: جلاء الغبش في لسان الحبش، ومنه: المخبور في لغة الخمور، وهي لغة قديمة كانت لأهل دمياط، يتحدثون بها في قديم الزمان، فرأيت منها العجب، وعلمت بها أنه قد حكم على ألسنة العجم والعرب. هذا ولم يكن ﵀ يعرف هذه الألسنه معرفة يخيّل في ميدانها لسنه؛ وإنما كان قد أكثر التقصي عن كل لسان، والسؤال من أهل المعرفة عن مفردات كلمها اسماء وأفعالا وحروفا وتصريف الأفعال، وتركيب الكلم، ثم نزّلها على قواعد اللغة العربية، وأجراها عليها في مصطلح الترتيب بعد إتقان معرفة ما في تلك اللغة من صيغة الجمع والمثنى والمضاف والمضاف إليه، وغير ذلك؛ حتى ضبطه كلّ الضبط. وكان يراني أتهلّل به بشرا وسرورا؛ باعتلاقي بسببه، وما يسّر لي من إدراك مثله والاستضاءة بقبسه. وكان لي من شكره حظّ علمه أهل عصري وحسدي عليه أهل مصري، ومنها: أنه لما أوقفني على هذه التأليفات الغرائب وأراني من بحره العجائب، أشار لتشريف قدري وتعريف نكري أن أكتب عليها ما يبلغ به الجاهل مبلغها، ومقدار النعمة التي سوّغها، ومدى الهمة التي حطّم بها أنوف هذه الصفات النوافر، وأبرز من ليل الأعجمية صباحها السافر فقيّدت في أسفارها ما سنح، وأعدت إليه ما منح، وأعدتها إليه إلاّ منطق الخرس؛ فإن بعض الأصدقاء آثر الوقوف عليه، فأوقفته عليه، على أن يقضي منه أربه، ثم

стр. 2904

يوصله إليه. وعرضت لي عوارض حال، فيها الجريض دون القريض (١) ونوائب يكفي في ذكرها العريض. ثم تمادت المدّة وطالت ودالت دول الشواغل واستطالت. ومؤدى تلك الأمانة قد شغله عنها النسيان، وأغفله عنها عدم مرورها منه على الخاطر. وكان شيخنا ﵀ على سعة بحره يظنّ من حزازاته حتى بقدر ظفر الإبهام، ويغزو بالمطالبة لها غزو الجيش اللهام. وداخله الظنّ أنني تعمّدت تأخيرها لقصورها عن حسن أخواتها، أو لأدرجها بالمطالة تحت ذيل قواتها، فكتب إليّ: [البسيط] منطق الخرس صبرا لا يراك أبو … حيّان حتى يعود القارظ العنزي حصلت في كفّ شهم لا ينال له … غور كريم الثنا والأصل محترز إذا استعار كتابا لا يعود لمن … أعاده فعل أب للضّيم محتجز حبّ الفضائل قد ألهاه لا طمع … منه ولا يحلّ إلى نداه عزي هذا وشيمته بذل اللّهى ويرى … إسداءه للنّدى من أعظم النّهز اضطرّ قلبي لتأليفي لتبصره … عيني كما اضطرّ صدر اللّبيب للعجز ومن يقابل بالنبراس شمس ضحى … كمن يقابل لجّ البحر بالنّزز وقد تشوّقت للبكر التي نشأت … من فكره طفلة (٢) ليست من العجر فابعث بها يا إمام العصر سالمة … وحلّها بنفيس الدرّ لا الخرز بحر تناءى يفوق المسك نافحه … إنّ الكرام لما قد حزت لم تحز يسرى ثنائي في الآفاق منتهبا … يجوز حيث الدّراري السبع لم تجز ما فاز ذو شرف بالمدح من أحد … إذا بمدح أبي حيّان لم يفز ولم يمز جاهلا من عالم أحد … إذا يكون أبو حيّان لم يمز وقد جزيت مسيئا بالجميل فلا … أكون ممن بسوء في الجميل جزي

стр. 2905

إني لأخزى بكثر الرّسل مطّلبا … بنات فكري وغيري لا أراه خزي وإنّ من سامني سوء الفعال كمن … يرش بالطلّ صخر التّربة الجرز أرض بها ينبت الشّري (١) الكريه فمن … يذقه ذاق وجيّ الحبّة الجمز (٢) لكنّما صنعتي حول القريض فما … نسجي سوى برد قدح معلم الطّرز وقد تقدّم لي في مدحكم مدح … قصائد ثبتنا عنه ولم نجز ولما أتاني قاصده بهذه القصيدة وقف يطلب الجواب، وأبى أن ينصرف إلاّ به. وألحّ في الطلاب هذا. وعندي من بقايا تلك الهموم ما أصدأ مرآة الخاطر وقشع سحاب الفكر الماطر، ولم يسعني إلاّ إجابة داعيه، وإحالة رائد القريحة لمساعيه، فنقفت (٣) ما حظر عليه. وكتبت به إليه وهو: [البسيط] مديح مثلك كالعلياء بالطّرز … في بعضه فرصة تبدو لمنتهز لو جاء شعرك والصّهباء دائرة … ورمت تمييزه في الذوق لم يمز مكمّل ليس يحتاج الصّدور به … إلى تتمّة ما ينساق في العجز في كلّ بيت له معنى يتيه به … وربّة البيت ذات الخصر والعجز ممكورة طفلة عزّت أماثله … يسقي عجوز طلىّ ليست من العجز في طيّها كلّ ما يغنى الأنام به … كأن أبياتها كنز من الكنز بديع نظم أبو حيان ناظمه … ولا قصيدي يحاكيه ولا رجزي اسمع بقيت أبا حيّان ما بقيت … زهر الكواكب قولا غير محتجز ولا تبادر إلى عيني معاجلة … واعرف حقيقة عذري حيث لم أجز من ذا يطاول آفاق السّماء علا … ومن يقابل نظم الدرّ بالخرز واللّه يعلم أني لا أقول سدى … قولا ولا المين (٤) في طبعي بمرتكز

стр. 2906

وإنما العذر أبديه وتعلمه … واسمع يميز مقالي أحسن الميز بأننّي عند موت الوالد اجتمعت … عليّ أنواع همّ دغدغت نشزي (١) حتى رحلت ولا ألوي على أحد … رحيل محتفل للبين محتفز وعدت والسّقم ملتاث به جسدي … ومثله سقم قلب حرّ كالحرز وليتني لم أعد من سفرة كتبت … عليّ حتّى يعود الفارط العنزي وربّما قد علمت الحال أجمعه … وكيف حال فتى فيما يحب رزي وجاءت الرّسل تترى يستحثّ بها … منطّق الخرس يبغي أعظم النّهز ولم أكن شهد اللّه العظيم بمن … يضيعه وهو عندي أشرف الحيز لكنني كنت في نفسي يضيق به … وسع الفضاء وحالي حال محترز فلم أجد لي وقتا أستعين به … على تطلّبه لو كان في حجزي وعدت أرسلته مع من وثقت به … وكان ظنّي به إيصاله فخزي وما أضاع على علمي أمانته … ما خان قطّ ولا هذا إليه عزي أما يكون من النّسيان آخرها … وإنه بعد بالعذراء لم يفز اسمع وقيت أبا حيّان كلّ أذى … وعشت شرّ العطايا غير ذي نزز أفي كريريسة إن ضاع ضائعها … يغدو كما لك فيها ظاهر العوز إن فتّقت فمقالات وجدت لها … من مثلها حلّةّ محبوكة الدرز تقول من سامني سوء الفعال يرش … بالظلّ حرّاء صخر التربة الجرز بالله قل لي هذا منك عن حنق … أو للفكاهة أو هذا من الطنز (٢) لو قال غيرك هذا كنت تنكره … ولو سألناك عنه قلت لم يجز ولو يكون سمين الضّأن قد جمعت … لهان لكنّه عيب من المعز واستغفر اللّه هذا نزعه عرضت … كما الجواد بها من شدّة اللّزز وأنت سيّدنا حقّا ووالدنا … وحزت بالسّبق تفضيلا ولم يحز

стр. 2907

ومن تطير مع النّسرين أرجله … فليس يدركه بضّي ولا خرزي (١) فامنن بعفو جميل لا تكدّره … فالعفو في شيم الأشراف كالطّرز فكرّ رسوله راجعا في بكرة غده، وأتى إليّ بورقة يحملها في يده ثم ناولنيها، وقد برقعه الحياء بصفرة، وأطرق كأنه يردى في حفرة. وكان الشيخ قد علّم ذلك الصبي هذه الحيلة، وأراد أن يكبر عندي هذه الطلابة القليلة. وفطنت للمراد ووطيت من جمره على الرماد، وقرأت قصيدته غير مكترث، وقلت له: يعين الله على خلاصي من الذمة قول منبعث، فقال: أنا في قيد الجواب، لا أبرح حتى استصحبه، وأرى معي أبيات إنباته مصحبه، فتتبعت أثره ورددت عليه أو أكثره، وعدلت له فرحا بمصاب، وخلطت له عسلا بصاب، وعرّفته قدر صنائعه وقيمة رائعه وإنّ تحفته ليست سنيّه، وثمرات رطبه غير جنيّه. ثم ثبت له على الحق وقطعت بإرسالها سبية من غير رقّ؛ إلاّ أنني أخّرت له أوراقا من الكتاب المعار، والطلب الذي عقد لأجله النقع المثار؛ حبّا لمداعبته، وإيثارا لدوام مطالبته. وكان الذي كتب إليّ: [البسيط] ما إن للكرم الموعود إنجاز … يا من له الفضل والإحسان ينجاز أشبهت في النظم باللفظ البديع وبال … معنى الغريب لنظم فيه إنجاز ما يشبه البحر في أمواجه ثمد (٢) … ولا الصدور نشا المذكيّ إعجاز إن كان أشبهك الأعلام في شرف … فأنت بالعمّة العلياء تمتاز سموت للعالم العلويّ حيث يرى … للنيّرات به فخر وإعزاز يمضي زمان ونور النيّرين معا … يخفى وللشّهب في الآفاق إبراز فلا يملن إلى ما كان من عرض … للجوهر الفرد فالأعراض أوفاز في لذّة العلم ما يعني الأريب به … عن ريبه غيركم ما إن بها فازوا ما كان إلاّ انتقال من عل لعل … فيه لمنصب فضل اللّه إحراز

стр. 2908

أنت الكبير وقد هدّيته زمنا … وليس بينكم في الفضل إفراز من ذايساميك في علم وفي أدب … ما الجاسميّ ومن ضمّته شيراز (١) إنّ البراعة قد حطّت براعتكم … في طرس نفس به للملك أنشاز لأنتم زهرة الدّنيا وبهجتها … لها جمال بكم ما فيه إعواز أثني عليك ولا أنفكّ ذا طلب … فمنطق الخرس أوبى للثّرى حاز فلا تجزني بوعد منك يمطلني … إن الملحّ لعطف الجود هزّاز الحجب في هزّ عطف للنّدى خطل … خلّ الوعود فمثلي ليس ينجاز وأما جوابها التي ملأته بما حوى، وعكست عليه ما نوى، وأتيت به على ما تفتحت به بادرة القريحة، وبلغته ركائب الخاطر وهي غير مستريحة، فهي هذه: [البسيط] بديع شعرك للأعطاف هزّار … وفيه معنى لقلب المرء جزّاز خلطت بالصاب فيه الأري (٢) فاختلطا … حتّى تعذّر للتمييز إفراز يلذّ في ذوق راويه وسامعه … وكلّما قال إكرام وإعزاز حلو اللّمى سكريّ الرّيق معدنه … أرض الجزيرة لا مصر وأهواز من المنكّب أو ما حلّ جانبه … ووادي أشّ وفي الحمراء ركّاز من أرض حيّان حيّان الحرير وذا … بزّ الحرير وذا إذ بزّ بزّاز ممكّن في القوافي القفر تعرف من … صدوره ما حوته منه إعجاز كأنّهنّ النجوم الغرّ واضحة … وليس فيهنّ إلغاء وألغاز بعثت لي يا أبا حيّان زائدة … ومنه للرّوضة الغنّاء إحراز أبديت لي آية غرّاء محكمة … للخلق منها مع الإعجاب إعجاز رفعت قدري بأبيات شرفت بها … فيها من الفضل إيجاب وإنجاز حزن الكمال فلا شيء يقال به … هذا ينقّص أو ذا فيه إعواز أصبحت بالحلم طودا لا ارتقاء له … بل دونه فلك الأطواد أنشاز

стр. 2909

سبقت بالعفو ما ضاق المسيء به … وحان من فعله المستور إبراز بعثت لي تتقاضى الوعد بل تتقا … ضى فورّي وبالأعضاء يمتاز ولم أكن مهملا حتى تذكرني … هل زاد جري جياد الخيل مهماز (١) وقلت إنّيّ لا أنفكّ ذا طلب … منطّق الخرس أوبي للنّدى حازوا وما تأخّر إلاّ أنّ حامله … أمدّ أوقاته في البيت أوفاز (٢) أرسلت تلقاه في رسلي فما ظفروا … به وجدّوا للقياه فما فازوا ولم يزل دابيا حتى وقفت به … وكاد يمنعه ظنّ وإحراز منطّق الخرس كنز لا نفاد له … وهل يجود بما في الكنز كنّاز ولا أصرّح من هذا بقيّته … فما الكريم على الإخوان غمّاز وما أتيتك عذرا لست تعلمه … وفي البريّة همّاز ولمّاز من كان مثلك قد أبلى بهجرته … هذا الزمان فقل لي كيف ينحاز جاوزت في الأفق الجوزاء جوزتها … وللكواكب في الآفاق أجواز لا بل ديارك في أعلى منازلها … وفي المنازل أطراف وأجواز بلغت من قدرهم فوق الذي بلغوا … وحزت من فضلهم أضعاف ما حازوا مفسّر لكتاب الله يفهمه … على الحقيقة فهم منك ممتاز وعدتني بلقاء بتّ أرقبه … ولي من القول نظّام ورجّاز موكّل بطلوع النّجم في نظر … كأنّما نظري للنجم جوّاز فاسمح بزورتك الحسناء إنّ لها … من النواظر حسنا حيث يجتاز يكحّل الطرف مرآها بنور هدى … يمتار من رشده الهادي ويمتاز ودم وعش تمنح الآداب زاجره … وأنت بحر وكلّ الناس أنزاز (٣) أبليتني بحروف الزاي أنظمها … ثلاثة تتجافى وهي تنحاز لقدّمت لي في الشطرنج واحدة … وذي وتلك وحرف الزّاي معواز

стр. 2910

إن كنت مختبرا فاعنت وقل أبدا … ما شئته لتراني لست أعتاز ومن عديّ بن كعب أسرتي ولنا … ببطن مكة في البطحاء أركاز والآن أرسلت ما أرسلت تطلبه … منطّق الخرس قول الحق أرماز نجزت وعدك لّما قلت منتدبا … ما إن للكرم الموعود إنجاز فأخذ قاصده الجواب، ومعه منطّق الحزس، خلا ما أخرته؛ قصدا للمطايبة وحبّا لدوام المطالبة، ثم ذهب هذا وعمر اليوم قد تصرّم، ولهب الأصيل قد تضرّم، والنهار سائل لجينه على المغرب قد تكرم. والطير قد أكثر الصياح كأنه لفراقه قد تبرّم. وقطعت سواد تلك الليلة مفكرا في الشيخ ونشاطه وخفة روحه وانبساطه. ولا أظن أنه يزورني في صبيحة غد؛ ليتم ما يصنعه في الغضب، ولا يظهر أن زاخره الهائج نضب. فما كان إلاّ أن شقّ النور ثوب الظلماء، وبدّل بياقوت الشفق لؤلؤ سماء، ووقت الفجر ما ضاق، وجدول الصباح قد شرع بتموج نهره الرقّاق؛ وإذا بالباب يطرق وحسّ حمار ينهق. فأمرت من حضر بفتح الباب للطارق، وزجر شيطان ذلك الحمار الناهق وقلنا: ألا طارق يطرق بخير، وراكب حمار لا يخاف منه ضير، وإذا بالشيخ قد دخل، وسلّم، وسكت وإلاّ كان تكلّم. فلم أر ساعة أسرّ من حين مقدمه، ولا خفا كان وفيه أكثر من تقبيل قدمه، وما كان إلاّ أن حضر يطوي ما كان في أمس وطلع علينا هو والشمس. وطلّنا في يوم لا عيب فيه غير قصر، وسرور لا شيء فيه إلا فرط نداه في يد مهتصر (١). واستشدى موشحات كبت نظمها وبلغته، ولم يقف عليها ولا سوغته. فأبرزت له ما ظنّ أنه من الأندلس وزفّ من الغرب فاق العرس، فقال فيها ما هو أهله من الجميل، وما عهدت من جنابه الجزيل. ثم أخذ يسألني عن الشخص الذي أشرت إليه في القصيدة فوفيت بما ضمنت من كتمانه وبحثه عن طريقه؛ فظنّ أنّ الفاضل شمس الدين محمد ابن الصائغ الزمردي هو ذلك الشخص. وكان لا يراه إلاّ بعين النقص فلما اشتدّ هذا عنده وتصوّره، ورجع بباطنه فيه إلى آرائه المنكره، فبعث إليّ بقصيدة يذكّر فيها، ويذكر الإمام أبا عبد الله ابن الصائغ الأموي ذكرى متوافية، ولم يك للأول كنت ولا للثاني،
следующие страницы →