أو مثل متن المنصل المشهور … ينساب مثل الحيّة المذعور
وقوله: [الخفيف]
فتبدّى لهنّ بالنجف المق … فر ماء صافي الحمام عريّ
تتمشّى على حصى يسلب الما … ء قذاه فمتنه مجليّ
وإذا ضاحكته ذرّة شمس … خلته كسّرت عليه الحليّ
وقوله في منهل: [الطويل]
وكم (١) منهل ينضي المطايا طرقته … وما صاحبي إلاّ المطيّة والرحل
له طرق تأتيه من كل جانب … جديد وبال مثلما نقض الحبل
يذيب عليه الظلّ أفنان سدرة … كمهرة خيل مال عن متنها الحلّ
وقوله في لجّة صافية: [الطويل]
ترى فوقها مثل الدّروع وربّما … رأيت لها أعكان (٢) جارية بكر
يريك بعيد الماء صفو قريبها … وتعطيك سرّ الأرض والأرض لا تدري
وقوله في النرجس: [البسيط]
وزعفرانيّة في اللون تحسبها … إذا تأملتها في ثوب كافور
كأن حبّ سقيط الظل بينهما … دمع تحيّر في أحداق مهجور
وقوله في الآذريون (٣): [مجزوء الرجز]
عيون آذريونها (٤) … للشّمس فيها كاليه (٥)
стр. 2977
مداهن من ذهب … فيها بقايا غاليه
وقوله في الشقيق: [الطويل]
تحمّل آذريونة فوق أذنه … ككأس عقيق في قرارته مسك
وقوله في السرو: [الكامل]
حفّت بسرو كالقيان تلبّست … خضر الثّياب على قوام معتدل
فكأنّها والريح يخصر بينها … تنوي التعانق ثم يمنعها الخجل
وقوله في لجة أخرى في السفن: [السريع]
وخيل ماء لي طيّارة … تدبر بي إن شئت أو تقبل
تلاطم الماء مجاذيفها … موقورة حاملة تحمل
وقوله في السفينة: [الطويل]
كأن جواريها وقد حثّ جريها … بهنّ نسور قد هوين إلى وكر
كستهنّ كفّ الماء أثواب طحلب … فجئن لشطّ النّهر في حلل خضر
تراهنّ فوق الماء طورا موائلا … وطورا كأمثال المثقّفة السّمر
كمثل النّشاوى تبصر الخمر مرّة … عليهم وأخرى يبصرون على الخمر
سأختار من دهم السفين جنيبة … مودّعة الجنبين والصّدر والنّحر
كريح سليمان النبي غدوّها … مدى الشهر والإمساء منها مدى الشّهر
تخوض أهاويل الظّلام بصيرة … شموسا ولكن لا تطيع على قسّر
إذا طرقت تحت الدّياجي رأيتها … كأحشاء محبوب الفؤاد من الذّعر
وقوله في الدليل: [الكامل]
ثم استثارهم دليل فارط … يسمو لغايته بعيني أجدل
سار بلحظته إذا اشتبه الهدى … بين المجرّة والسّماك الأعزل
стр. 2978
وقوله في اتفاق القلوب: [الكامل المرفل]
يا ربّ إخوان صحبتهم … لا يملكون لسلوة قلبا
لو تستطيع نفوسهم ركبت … أجسامها وتعانقت حبّا
وقوله في الجلالة: [الكامل]
وإذا بدا ملأ العيون مهابة … فتظلّ تسرق لحظها وتسرّه
وكأنما رفع الحجاب لناظر … عن صبح ليل قد توقّد فجره
وقوله في حاسد مبتسم: [الكامل المرفل]
متضاحك نحوي كما ضحكت … نار الذّبالة وهو يحترق
وقوله في ولد جميل جاء من سوداء: [الطويل]
وجاءت به أمّ من السود أنجبت … كليلة سرّ طوّقت بهلال
وقوله في كتمان السرّ: [البسيط]
وربّ سرّ كنار الصّخر كامنة … أمتّ إظهاره مني فأحياني
لم يتّسع منطقي فيه ببائحة … حزما ولا ضاق عن مثواه كتماني
وقوله: [الرّمل]
لا تلم من لم يصن سرّك إذ … لم تصنه وتوقّ وانتبه
لا يكون السرّ إلا كاسمه … لا يسمّى السرّ ما قد بحت به
وقوله في كاتب: [البسيط]
تظل أقلامه ينظمن من حكم … درّا مباحا لنا منه بلا ثمن
وقوله في كاتب حنكته التجارب: [الطويل]
عليم بأعقاب الأمور كأنه … بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
стр. 2979
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه … تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
وقوله في عنين: [المتقارب]
وأفتى (١) النميري قوّاده … وفتيا النّميري فسق ورعي
فإنّك (٢) قين (٣) تحدّ السلاح … وليس عليه من القطع شيّ
وقوله يصف مصلحا: [الكامل المرفل]
إن يغفلوا يسرع لحاجته … وإذا رأوه أحسن العذرا
فطن يؤدي ما يقول له … ويزيد بعض حديثنا سحرا
وقوله وقد قصد الخليفة: [الخفيف]
إنما غيّب الطبيب سنا المب … ضع في نفس مهجة الإسلام
وقوله في خيبة الآمال لذي قوم: [الطويل]
فاصبحت أرجوهم رجاء يكدّني … فليس له حتى القيامة آخر
كمرسل دلو في رشاء موصّل … يلاطم أرض البئر والبئر غامر (٤)
وقوله يصف عوديه: [الطويل]
وقمريّة الأصوات حمر ثيابها … تهين ثياب الوشي جرّا وتسحابا
وتلقط يمناها إذا ضربت به … وتنشر يسراها على العود عنّابا
стр. 2980
وقوله يصف حسن الحديث: [المديد]
وحديث قد جعلت له … دون علم النّاس حجّابا
لا يملّ السمع (١) رجعته … مفتن يعجب إعجابا
وقوله في وصف الموتى: [الطويل]
وسكان أرض لا تزاور (٢) بينهم … على قرب بعض في التجاور من بعض
كأن خواتيما من الطين أفرغت (٣) … فليس لها حتّى القيامة من فضّ
وقوله في رؤوس حملت على رماح: [الكامل]
بيض (٤) ومسّهم الهجير بسمرة … مثل البدور سطعن تحت شحوبها
حتى بحمل رؤوسهنّ خطيئة … لا يحسد الماشي علوّ ركوبها
وقوله يصف دواة من أبنوس محلّى بفضّة: [الطويل]
وزنجية رومية (٥) الحلي فوقها … جناح لها فرد على الماء يخفق
يؤدّبها أولادها بعصيّهم … فتحبس قسرا كيف شاؤوا (٦) وتطلق
وقوله في القلم: [الرجز]
أرقط ذو لون كشيب المكتهل … يقيم وزن العقل حتى يعتدل
يخاطب اللّحظ بنطق لا يكلّ … ولا يملّ صاحبا حتى يملّ
стр. 2981
وقوله في الأقلام: [الكامل]
يحملن وفد الشّكر فوق رحالها … والشاكر النّعماء كالجازي بها
وقوله في انهمار الدرّ: [الطويل]
إذا ما أراد اللّه جادت بحافل … كما سلّ خيط من سدى الثّوب فانسابا
رأيت انهمار الدرّ بين فروجها … كما عصرت أيدي الغواسل أثوابا
وقوله إذا بشّر الديك في الصباح بالصياح: [المنسرح]
بشّر بالصبح طائر هتفا … مستوفيا للجدار مشترفا
مذكّرا بالصلاة (١) قام بنا … كخاطب فوق منبر وقفا
صفّق إمّا ارتياحه لسنا ال … فجر وإما على الدّجى أسفا
وقوله في الحيّة: [البسيط]
وأنعت رقطاء لا نحيا للدغتها … لو قدّها السيف لم يلحق به البلل
تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها … كأنّها كمّ درع قدّه بطل
وقوله يصفها: [البسيط]
كأنّها حين تبدو من مكامنها … غصن يفتّح فيه النّور والبرق
يسلّ منها لسان تستغيث به … كما تعوّذ بالسبّابة الفرق
وقوله في خيل دهم: [المديد]
وغدونا عنه على ظهر خيل … تأخذ الأرض بأيد عجال
زيّنتها غرر ضاحكة … كبدور في وجوه ليال
стр. 2982
وقوله: [الوافر]
خرجن وبعضهنّ قريب بعض … سوى فوت العذار أو العنان
ترى ذا السّبق والمسبوق منها … كما بسطت أناملها اليدان
وقوله يصف خيل السباق: [البسيط]
كأنهنّ قنا ليست لها عقد … يهزها الشدّ (١) في كرّ وإقدام
قبّ (٢) البطون كطيّ العصب مضمرة … تقرّب الثأر بين البيض والهام
وقوله في الخيل: [المديد]
وجياد (٣) تأكل الأرض شدّا … ملجمات يبتدرن الصياحا
قاصدات كلّ غرب وشرق … ناطقات بالصّهيل فصاحا
وكأنّ الركض ذرّ عليها … سبخا من مائهنّ ملاحا
وقوله فيها: [الطويل]
وخيل طواها القود حتى كأنّها … أنابيب سمر من قنا الحظ ذبّل
صببنا عليها ظالمين سياطنا … فطارت بها أيد سراع وأرجل
وقوله [في] أشقر أغرّ محجّل: [الطويل]
ولي كلّ حوّار العنان مجرّب … كميت عناه الجري فهو مطار
كأن الرياح الهوج تحمل سرجه … إذا ابتلّ منه محزم وعذار
стр. 2983
[وقوله] (١): [الكامل]
ولقد عدوت على طمرّ (٢) سابح … عقدت سنابكه عجاجة قسطل (٣)
بأغرّ يفرق بين شطري وجهه … نور تخال سناه سلّة منصل
ومحجّل غرّ اليمين كأنّه … متبختر يمشي بكمّ مسبل
وكأنما تحت العذار صفيحة … عنيت بصفحتها مداوس صيقل
متلثّم لجم الحديد يلوكها … لوك القناة مساوكا من أسحل
وقوله في مثله، أشقر أغرّ: [الكامل]
وكأنّ غرّته إذا استقبلتها … صبح تبسّم أفقه بطلوعه
وقوله في أدهم أغرّ: [الرجز]
أدهم مصقول ظلام الجسم
منتعلا بجندلات صمّ
قد سمّرت جبهته بنجم
وقوله في أغرّ غرته سائلة: [البسيط]
نمّت له غرّة كالصبح سائلة … يكاد سائلها من وجهه يكف
إذا تقرّط يوما بالعذار بدا … كأنه غادة قد زانها (٤) الشّنف (٥)
وقوله في أغرّ: [الطويل]
إذا ما بدا أبصرت غرّة وجهه … كعنقود كرم بين غصنين نوّرا
стр. 2984
وقوله في محجّل: [مجزوء الكامل]
من كل ورّاد العشيّ … مروّع الغدوات
يحلو إذا ما ذاقه … متعنّت النظرات
وكأنما يخطو من ال … تحجيل في حلقات
وقوله في كميت: [الخفيف]
وشديد القوى كملمومة الصّخ … ر كميت ينسيك لون الشراب
ضاق عنه القميص واتّسع المن … خر عنه وطار عند الوثاب
وله أربع نراها إذا هم … لج تحكي أنامل الحسّاب
وقوله في مثله: [الخفيف]
ولقد أغتدي على طرف اللّيل (م) … بذي ميعة كميت مطار
بلّل الركض جانبيه كما … فاضت بكفّ النّديم كأس العقار
معرق في الجياد يهدي إلى ال … موت ولا يهتدي سبيل الفرار
وقوله يصف فرسا: [مجزوء الرجز]
قد أغتدي بقارح … مسوّم يعبوب (١)
ينفي الحصا بحافر … كالقدح المكبوب
قد ضحكت غرّته … في موضع التّقطيب
إذا عدت أربعة … لقنص مطلوب
لم ينقطع غبارها … قبل دم مصبوب
وقوله: [السريع]
ويحسب الجالس في متنه … بأنه في جدول سائل
стр. 2985
ولو عرى من سرجه تارة … لكان مثل الغادة العاطل
وينثر الجوهر من نطقه … من غير سكّيت ولا صاهل
وقوله: [الرّجز]
وقارح مسّوم يعبوب … ذي أذن كخوصة العسيب
أو آسة أوفت على قضيب … وحافر كقدم المسلوب
أكحل مثل القدح المكبوب … ذي مخبر يحمد في التجريب
أسرع من ماء إلى تصويب … ومن رجوع لحظه المريب
ومن يقود الفكر في القلوب … يستغرق البعيد بالقريب
نار لظى باقية اللّهيب
وقوله: [الرّجز]
وطائر شقّ الظلام كوكبه … يفتن من يبصره ويعجبه
يكاد أن يحرقه تلهّبه … أضيع شيء صوته إذ تركبه
شهاب نار يتعرّى لهبه … ذو مقلة قلّت لديها رتبه
وأذن أمينة لا تكذبه … يكاد أن يطير لولا لهبه
وقوله: [الطويل]
له أيطلا ظبي وساقا نعامة … ووثبة نمر والتفات غزال
وأحسن من ذا كلّما خطّ حافرا … يخط هلالا من وراء هلال
وقوله يصف فرسا مؤذيا: [الرّجز]
يدرك ما يشاء إن أطلقته … ولا يعاصيك وفيه مرتقب
أسرع من لحظته إذا عدا … أطول من عنانه إذا جذب
وقوله: [المديد]
ربما أسري وتحتي طرف … لا حق بالهاديات طمرّ
стр. 2986
بحر يجري يملأ الأرض شدوا … ما عليه لذوي الشدّ صبر
فهو نار والتراب دخان … مستطير وحصا الارض جمر
وقوله: [الكامل]
يعطي العنان إذا نهاه رأسه … طوعا ويعطي سوطه ما ينبغي
وكأنما شقّت عليه غلالة … بيضاء من زبد الحميم المفرغ
وتخاله يوم الرّهان غمامة … حفزت بريح في غمائم فرّغ
وقوله يصف جملا: [الكامل]
وكأن رحلي فوق أحقب (١) لاحه … لفح الهجير بمشعل أجّاج
كالبرق يلتهم البلاد مجاهرا … بالشدّ بين مفاوز وفجاح
وترى (٢) السماء إذا غدت مملوءة … من نقعه والأرض ذات ضجاج
وقوله في مثله: [الطويل]
وأصبح يجدي للنّوى كلّ بازل … سفينة أسفار على الأرض تسفح
وقد ثقلت أخفافه فكأنها … من الأين (٣) أرجاء تسال وتطرح
وقوله يذكر ناقة: [الطويل]
وأرحل هو جاء البديهة حرّة (٤) … حفيفة وقع الرّجل محمودة الظهر
صقيلة أرجاء الأديم كأنما … صببت على أرجائها ذائب التّبر
стр. 2987
وقوله فيها: [الكامل]
ولقد تجوب بي المهامه حرّة … والصبح قد فلق الدّجى بعمود
شملالة (١) أخذ (٢) كأن فروجها … أبواب قصر فتّحت لوفود
وقوله في النياق: [مجزوء الكامل]
والعيس يخبطن السّر … يح (٣) كأنه مزق الجوارب
وكأنّما قطع الغمام … على جوانبها عصائب
وكأنما أضلاعها … للنبع أقواس مساحب
وكأنما أجفانها … تقضي على قلب نواصب
وقوله فيها: [الطويل]
فلا يدرك الحاجات إلاّ صريمة … من الرأي حتما والقلاص الجوامز
حرقن إلى الإصباح أردية الدّجى … فهنّ على حدّ النهار نوارز
لهمّ أزال القلب عن مستقرّه … وبات له في جنّة القلب واجز
فداويته بالعيس تغترف الخطا … كما ابتدرت غرفا لها لا نواهز
ضمنّ ضياء الصّبح في لجّة الدّجى … فوفّى به وعد من السير راجز
وقوله فيها: [الطويل]
وعجّت بأعناق المطي كأنّها … هياكل رهبان عليها صوامع
تلاعبه الأيدي على قلب الدّجى … كأشطان بئر وهي منه نوازع
وقوله يذكر سيفا: [الطويل]
ولي صارم فيه المنايا كوامن … فما ينتضى إلاّ لسفك دماء
стр. 2988
ترى فوق متنيه الفرند (١) كأنه … بقية غيم رقّ دون سماء
وقوله فيه: [المنسرح]
وقد تردّيت بابن صاعقة … أخضر ما في عراره قلل
أبعد شيء بقايا غصّة … وأدنى شيء له الأجل
وقوله في السيوف: [المتقارب]
وصلّت صوارم أيماننا … تحسيهم الموت من غير كأس
يصلن السيوف بآجالها … ويقطعن ما بين جسم ورأس
وقوله: [المديد]
والوغى يضحك عن بارقات … باكيات بدماء الرجال
واقعات في نفوس الأعادي … رويت من رونق وصقال
وقوله في النشّاب: [الخفيف]
وسهام تردي الرّدى من بعيد … واقعات مواقع الأبصار
وقوله في نشاب: [الكامل]
وقضيب نبع كالشّجاع (٢) معطّف … لرسائل الموت الزّعاف مبلّغ
وقوله في الرمح: [الطويل]
وما راعه إلاّ أسنّة عسكر … كظلمة ليل ثقّبت بنجوم
وقوله في الدرع: [السريع]
كم بطل بارزني في الوغى … عليه درع خلتها تطرد
стр. 2989
وقوله في البيض: [الطويل]
وبيض كأنصاف البدور أبيّة … إذا امتحنتهنّ السيوف جبار
وقوله في موقف حرب: [المديد]
في مكرّ يحسب الهام فيه … حنظلا في غمرة السيل طاحا
وقوله في جيش: [الطويل]
وجيش كمثل اللّيل سوّد شمسه … ويحمرّ من أعدائه البرّ والبحر
وقوله في قوس البندق (١): [المتقارب]
وماء به الطير مربوطة … كأن الحليّ بأطواقها
عدونا عليه وشمس النها … ر لم تكس حلّة (٢) إشراقها
فظلنا وظلّت عيون القسيّ (م) … ترمي الطيور بأحداقها
وقوله في الصقر: [الطويل]
إذا ما أراد الصيد حلّق نحوه … وهزّ جناحيه كحاشيتي برد
وإن طار أعطى كفّه ما يعينه … وقرّب منه ما يشاء على بعد
وقوله فيه: [الرجز]
وأجدل يزين (٣) نطق الناطق … ململم الهامة نجم العانق
طبّ بخطف السابحات حاذق … ذو مخلب أقنى كنون الماشق (٤)
وجؤجؤ (٥) لابس وشي رائق … كمبدأ اللاّمات في المهارق
стр. 2990
أو كبقايا (١) الكحل في الحمالق … يمر كالرّيح بعزم صادق
كما سمعت هجس الصّواعق
وقوله فيه: [الرجز]
وأجدل أحكم بالتأديب … معمّم بالملبس القشيب
يهوي هويّ الدّلو في القليب (٢) … ما طار إلاّ لدم مصبوب
وقوله في البازي: [الرجز]
وأقمر للصيد ذي ارتياح … قمّص ريشا حسن الأوضاح
عليه منه لحباب الرّاح … يركض في الهواء بالجناح
وقوله فيه: [الرجز]
قد أذعر الصّيد بباز أقمر … ذو مقلة تسرح فوق المحجر
ومنسر (٣) ماضي السنا كالخنجر … تخاله مضمّخا بالعصفر
بهامة كالحجر المدوّر … وجؤجؤ منمنم محبّر
كأنه رقّ خفيّ الأسطر … وذنب كالمنصل المذكّر
قلّص فوق الدستبان الأحمر … أرقط ريش الدفّتين أنمر
كأنه في جوشن (٤) مزرّر
وقوله فيه: [الرجز]
ذو جؤجؤ مثل الرخام المرمار … أو مصحف منمنم ذي أسطار
ومقلة صفراء مثل الدّينار … ترفع جفنا مثل حرف الزّنار (٥)
стр. 2991
ومخلب كمثل عطف المسمار … آنس طيرا في خليج هدّار
مضطرب اللجّة صافي الأقطار … سوابحا تفري حباب التيّار
من كلّ صدّاح العشيّ صفّار … كأنّه مرجّع في مزمار
وذات طوق أخضر ومنقار … كنصف مضراب يرى منه البار
فصاد قبل فترة وإضجار … خمسين فيهنّ سمات الأظفار
يخبطها خبط مليك جبّار … مظفّر يطلبها بأوتار
قد حكّمت سيوفه بالأعمار … كأنه فيها شواظ من نار (١)
وقوله فيه: [الرجز]
مختضب في كل يوم بعلق … ذو مقلة تصدقه إذا رمق
ينشب في الأثباج حتى ينفتق (٢) … مخالبا كمثل أنصاف الحلق
كأنما أترجّة بلا ورق (٣) … مبارك إذا رأى فقد رزق
إن رمته الكفّ وكاد يحترق … يسبق ذعر الطّير من حيث رمق
وقوله في البزاة: [الوافر]
وفتيان سروا واللّيل داج … وضوء الصبح متّهم الطلوع
كأن بزاتهم أسراء جيش … على أكتافهم صدأ الدّروع
قوله في الزرّق: [الرّجز]
وزرّق ريّان من شبابه … ذي مخلب مكّن من نصابه
стр. 2992
كأن سلخ الأيم (١) من أثوابه … يكاد أن يخرج من إهابه
وقوله أيضا: [الرّجز]
وزرّق أرضى به وأرضى … لمّا حملناه أراد النّهضا
أقلّ بعضا ومنعنا بعضا … كما رأيت الكوكب المنقضّا
وقوله: [الرّجز]
وزرّق مجرّب ومقدام … يضمن زاد الجحفل الهمام
كأنّه فوق يد الغلام … صبح له درع من الظلام
ذو جؤجؤ كنمش الرّخام … أو أسطر خفيّة الأقلام
بمقلة تسرج كالضّرام … ومنسر عضب الشباة دامي
كعقدك الخمسين بالإبهام (٢) … منتزع لغامض الطعام
أشرع من بارقة الغمام … ذو ذنب كطرف الحسام
يمرق عند الصيد كالسّهام
وقوله أيضا: [الرجز]
ذو جؤجؤ محبّر موشيّ … بمقلة تلحق بالقصيّ
قد علقت بالشّبح الخفيّ … كأنّه دينار صيرفيّ
وقوله في الباشق: [الرّجز]
وباشق يعطيك ما ابتغيت … سهم مصيب كلّما رميت
لا عيب فيه غير عشق الموت
стр. 2993
وقوله في صيد الطيور والكلاب: [الطويل]
وقيدت لحتف الطير عصف كواسر … كمثل قداح الباريات لحائف (١)
إذا انخرطت عنها القلائد خلتها … ترامى بها هوج الرياح العواصف
تقاسمها قبض النفوس أجادل … ففي الأرض نهّاش وفي الجو خاطف
كأن دلاء في السّماء تحطّها … وترقى بها أيد سراع عوارف
يشقّق آذان الأرانب صكّها … كما شقّ أنصاف الكوافير جارف
فأصبح خرّان القريّة عدوه … شياطين في أفواههنّ المتالف
ونبّه وسنان التّراب صحية … إلى الجوّ شدّ يأكل الأرض عاصف
وقوله في صفة فهدة تصيد: [المتقارب]
ولا صيد إلاّ بوثّابة … تطير عل أربع كالعذب
وإن أطلقت من قلاداتها … وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرّياح … تريك على الأرض شدّا عجب
تضمّ الطريد إلى نحرها … كضمّ المحبّة من لا يحبّ
إذا ما رأى عدوها خلفه … تناجت ضمائره بالعطب
ومقلتها سائل كحلها … وقد جليت سبحا في ذهب
غدت وهي واثقة أنها … تقوم بزاد الخميس اللجب
فظلّت لحوم وحوش الفلاة … على الجمر معجلة تنتهب
وقوله في الفهد: [الرجز]
ولاحق الوثبة ممتدّ النفس
نعم الرديف نائبا عن الفرس
ينفي القذى عن مقلة فيها شوس (٢)
стр. 2994
وقوله فيه أيضا: [الرّجز]
ومخطف ذي أربع خفاف … يملأها شدّا بكيل وافي
كأنما أظفاره أسافي (١) … ليس له غير الدّماء شافي
وقوله في كلاب الصيد: [الطويل]
وأطلقت أشباها يخلن عقاربا … إذا رفعت عند الحفيظة أذنابا
فطارت سراعا فاغرات كأنّها … تحاول سبقا أو تبادر إنهابا
وقوله فيها: [الرّجز]
أنعتها ضوامرا نواحلا … حائلة تجاذب السّلاسلا
إذا ارتقت رأيتها مواثلا … كمثل كفّ رفعت أناملا
وإن هوت حسبتها جداولا … محفورة تطّلب المسائلا
كأنّ في أفواهها معاولا
وقوله فيها: [المتقارب]
يقود مكلّبنا ضمّرا … سلوقية طالما قادها
معلّمة من بنات الرياح … إذا سألت غدوها زادها
وتخرج من أفواهها ألسنا … كسيف الخناجر أغمادها
وأمسكن صيدا ولم تدمه … كضمّ الكواعب أولادها
وقوله في ذكر منها أو أنثى: [الرّجز]
قدنا لحتف الوحش والظّباء … داهية محذورة اللّقاء
شائلة كالعقرب السّمراء … تحملها أجنحة الهواء
أسرع من جفن إلى إغضاء … ومخطف مليّن الأعضاء
стр. 2995
كأثر الشّهاب في السّماء … بأذن ساقطة الأرجاء
كوردة السوسنة الشهلاء … بمقلة قليلة الإقراء
صافية كقطرة من ماء … تنساب بين أكم الصحراء
مثل انسياب حيّة الأنقاء
وقوله في الراح: [البسيط]
وآب في آب يجنيها لعاصرها … كأنّ كفّيه قد علّت بحنّاء
كأنّه صبّ سلسال المزاج على … سبيكة من بنات التّبر صفراء
وقوله فيها: [الكامل]
داو الهموم بقهوة صفراء … وامزج بنار الرّاح نور الماء
لم يتّرك منها تقادم عهدها … في الدنّ غير حشاشة صفراء
ما زال يصقلها الزمان بكرّة … ويزيدها في رقّة وصفاء
حتّى إذا لم يبق إلاّ روحها … في الدنّ واعتزلت عن الأقذاء
وتوقّدت في ليلة من نارها … كتوقّد المرّيخ في الظّلماء
بذلت كمثل سبيكة قد أفرغت … أو حيّة وثبت من الرّمضاء
واستبدلت من طينة مختومة … تفّاحة في رأس كلّ إناء
وقوله فيها: [الخفيف]
فتنته السّلافة العذراء … فلها ودّ نفسه والصّفاء
روح دنّ لها من الجسم كأس … فهي فيه كالنّار وهو هواء
فإذا مجّت الأباريق ماء ال … مزن فيها شابت وشاب الماء
وكأن الحباب إذ مزجوها … وردة فوق وردة بيضاء
وكأنّ النّديم يلثم فاها … كوكب (١) كفّه عليه سماء
стр. 2996
وقوله في صفة فهدة تصيد: [المتقارب]
ولا صيد إلاّ بوثّابة … تطير على أربع كالعذب
وإن أطلقت من قلاداتها … وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرياح … تريك على الأرض شدّا عجب (١)
وقوله فيها: [الخفيف]
قهوة زوّجت بدمع سحاب … فكست وجهها نقاب حباب
مثل نسج الدروع أو مثل … واوات تدانت سطورها في كتاب
وقوله فيها: [المتقارب]
وصفراء باكرتها والنّجوم … خافقة كقلوب تجب
كأنّ الحباب إذا صفّقت … سماء من الدرّ فوق الذّهب
وتحسبها قبسا مزعجا … إذا خرسته الرّياح التهب
وقوله: [المنسرح]
يمجّ إبريقه المزاج كما … امتدّ شهاب في إثر عفريت
كأنه فوق كأسها عجب … كمثل نقش في فصّ ياقوت
وقوله: [الكامل]
ومدامة يكسو الزّجاج شعاعها … كالخيط من ذهب إذا ما سلّت
قد حثّني بكؤوسها ذوعتّة … صامت له صور الملاح وصلّت
وقوله: [الكامل]
من لي على رغم الحسود بقهوة … بكر ربيبة حانة عذراء
موج من الذّهب المذاب يضمّه … كأس كقشر الدرّة البيضاء
стр. 2997
وقوله: [البسيط]
أما ترى يومنا قد جاء بالعجب … فلا تعطّله من لهو ومن طرب
فقام مثل قضيب حرّكته صبا … حلو الشّمائل مطبوع على الأدب
يزفّ كأسا بمنديل متوّجة … ورأسها فضة والجسم من ذهب
وقوله: [الخفيف]
شاب منها البياض لون اصفرار … فلها لون عاشق مكروب
هي تدعو إلى الذّنوب ولكن … هي للمرء حجّة للذّنوب
وقوله: [المنسرح]
قم فاسقني قهوة عروس (م) … دساكير عليها طوق من الحبب
فصبّ في الكأس من أبارقه … مائين من فضّة ومن ذهب
وقوله: [البسيط]
وقد يباكرني السّاقي فأشربها … راحا تريح من الأحزان والكرب
وأمطر الكأس ماء من أبارقه … وأنبت الدرّ في روض من الذّهب
وسبّح القوم لمّا أن رأوا عجبا … نورا من الماء في نار من العنب
لم يبق منها البلى شيئا سوى شبح … يقيمه الشكّ بين الصّدق والكذب
سلافة ورّثتها عاد عن إرم … كانت ذخيرة كسرى عن أب فأب
وقوله: [البسيط]
حطوّا الرّحال إلى خمّار دسكرة (١) … مستعجل بانفتاح الباب محثوث
تميل من غمرات السّكر قامته … كمثل ماش على دفّ بتخنيث
وفضّ خاتمه عن رأس مدّخر … من الدنان قديم العهد موروث
تحيي زجاجته هذا وتقتل ذا … فالناس ما بين مقتول ومبعوث
стр. 2998
وقوله: [الخفيف]
وعروس زفّت على بطن كأس … فوق كفّ منقّش بزجاج
فهي بعد المزاج توريد خدّ … وهي مثل الياقوت بعد المزاج
وقوله: [البسيط]
أقول سرّا لساقينا وفي يده … كأس كشعلة جمر إذ يؤجّجها
لا تمتزجها بغير الرّيق منك فإن … تبخل يداك فدمعي سوف يمزجها
وقوله: [البسيط]
خضنا الظّلام إلى خمّار دسكرة … منفّر النوم يقظان المصابيح
فصبّ في كأسه راحا معتّقة … ظلّت تحدّث عن عاد وعن نوح
كمثل ياقوتة في كفّ تاجرها … فكلّ يوم يلاقيها بتسبيح
وقوله: [الكامل]
خلّ الزمان إذا تقاعس أو جمح … واشك الهموم إلى المدامة والقدح
واحذر فؤادك إن شربت ثلاثة … واحذر عليه أن يطير من الفرح
هذا دواء للهموم مجرّب … فاقبل مشورة صاحب لك قد نصح
ودع الزّمان فكم شقيق مصلح … قد رام إصلاح الزّمان فما انصلح
وقوله: [الوافر]
خليليّ اتركا قول النّصيح … وقوما فامزجا راحا بروح
فقد نشر الصّباح رداء روح … وهبّت بالنّدى أنفاس روح
وحان ركوع إبريق لكأس … ونادى الدّيك حيّ على الصّبوح
وحنّ النّاي من طرب وشوق … إلى وتر يكلّمه فصيح
هل الدّنيا سوى هذا وهذا … وساق لا يخالفنا مليح
стр. 2999
وقوله: [الكامل]
هذا العقار من الدّنان بزلتها … فجلوتها بجواهر الأقداح
ناهيك روحا في الخدور مصونة … محبوبة زفّت إلى الأرواح
وقوله: [الكامل]
وأتى بها كالنّار تأكل كفّه … بشعاعها من شدّة الإيقاد
لمّا وجاها وجية في نحرها … بمذلّق لطعانها معتاد
جادت له بدم كأنّ نفيّه … شرر يطيّره بقرع زناد
وقوله: [الطويل]
ونار جناها لي سراعا بسحره … متى ما ترقّ ما عليها توقّد
يجول حباب الماء في جنباتها … كما جال دمع فوق خدّ مورّد
وقوله: [السريع]
شربتها صفراء كرخيّة … كأنّها في كأسها تتّقد
وتحسب الماء زجاجا جرى … وتحسب الأقداح ماء جمد
وقوله: [الوافر]
وليل قد سهرت ونام فيه … ندامى صرّع حولي رقودا
أسامر فيه قهقهة القناني … ومزمارا يحدثني وعودا
فكاد الليل يرجمني بنجم … وقال أراه شيطانا مريدا
وقوله في خمرة مطبوخة: [الطويل]
خليليّ قد طاب الشّراب المبرّد … وقد عدت بعد النّسك والعود أحمد
فهات عقارا في قميص زجاجة … كياقوتة في درّة تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّة … لها حلق بيض تحلّ وتعقد
من الدّاء مسّتها من النّار لفحة … فظلّت بما فيها تفور وتزبد
стр. 3000
وعنها لنا في جوفها حبشية … عليها سراويل من الماء مجسد
فظاهرها حلم صبور على الأذى … وباطنها جهل يقوم ويقعد
ولمّا جنيناها قطافا رويّة … تذوب إذا مسّت عنا قيدها اليد
وقتني من نار الجحيم بنفسها … وذلك معروف لها ليس يجحد
وقوله: [الخفيف]
علّلاني بصوت ناي وعود … واسقياني دم ابنة العنقود
أشرب الرّاح وهي تشرب عقلي … وعلى ذاك كان قتل الوليد
ربّ سكر جعلت موعده ال … صّبح وساق حثثته بمزيد
وقوله: [مجزوء الكامل]
وكأنّما جنيت من الياقوت … ليست بنت كرم
رقت ففاتت ناظرا … يرنو فلم تدرك بوهم
وقوله: [الطويل]
خليليّ قم حتّى نموت من السّكر … بحانة خمّار مماتا بلا قبر
ونشرب من كرخيّة ذهبيّة … ونصفح عن ذنب الحوادث والدّهر
وقوله: [الكامل]
قد حثّني بالكأس أو من فجره … ساق علامة ذنبه في خصره
وكأن حمرة لونها من خدّه … وكأنّ طيب نسيمها من نشره
حتّى إذا صبّ المزاج تبسّمت … عن لؤلؤ فحسبته من ثغره
ما زال ينجز لي مواعد عينه … فمه وأحسب ريقه من خمره
وقوله: [المنسرح]
تخرج من دنّها وقد جدبت … مثل هلال بدا بتقويس
من لا مني بالمدام فهو كمن … يكتب بالماء في القراطيس
стр. 3001
وقوله: [المنسرح]
قد ركّبت كفّه مشعشعة … إبريقها في الكؤوس هدّار
أودع صفو الزّجاج صفرتها … كمثل نور ضميره نار
وقوله: [الوافر]
وبيضاء الخمار إذا اجتلتها … عيون الشّرب صفراء الإزار
جموح في عنان الماء تنزو … إذا ما راضها نزو المهاري
وقوله: [الطويل]
وكرخيّة الأنساب أو بابليّة … ثوت جفنا في ظلمة القار لا تسري
نظرت صفاء الماء فوق صفائها … فخلتهما سلاّ من الشّمس والبدر
وقوله: [الرّجز]
وليلة من حسنات الدّهر … سريت فيها بخيول شقر
سياطها ماء السّحاب الغرّ … كأنه درب لجين يجري
وقوله: [المتقارب]
وشرب سقيتهم والصّباح … في وكره واقع لم يطر
كأنّهم بينهم حري … ق فأيديهم تستعر
وقوله: [الوافر]
شربنا بالكبير وبالصّغير … ولم نحفل بأحداث الدّهور
وقد ركضت بنا خيل الملاهي … وقد طرنا بأجنحة السّرور
وقوله: [الكامل المرفل]
ومهفهف يهدي إلى النّفس … ذهبية صفراء كالورس
وكأنّ كفّيه تقسّم في … أقداحنا قطعا من الشّمس
стр. 3002
وقوله: [الخفيف]
وشمول أرقّها الدّهر حتّى … ما توارى قذاتها بلبوس
وردة اللّون في خدود النّدامى … وهي صفراء في خدود الكؤوس
وقوله: [المنسرح]
لا عيش إلاّ بكفّ جارية … ذات دلال في طرفها مرض
كأنّ في النّاس حين تمزجها … نجوم رجم تعلو وتنخفض
وقوله: [الطويل]
وشمس نهار قد سبقت طلوعها … بشمس عقار في الزّجاجة تطلع
فما اشتهر الإصباح حتى رأيتني … أقوم إلى برّ النّديم وأركع
وقوله: [الطويل]
يدور علينا الرّاح من يد شادن … له لحظ عين تشتكي السّقم مدنف
كأن سلاف الخمر من ماء وجهه … وعنقودها من شعره الجعد يقطف
وقوله أيضا وهما من جرثومة: [السّريع]
وقهوة في كأسها تزهو … يفوح منها المسك والعنبر
يحثّها في كفّه شادن … كأنّها من خدّه تعصر
وقوله يصفها في كأس أزرق: [الكامل]
وإذا رأى حمراء ساطعة السّنا … أبقت بخدّ الشّرب منها عندما
وتوقّدت في جوف كأس أزرق … كتوقّد المرّيخ في جوّ السّما
وقوله: [الطويل]
وناولني كأسا أضاء بيانه … يدفّن ياقوتا ودرّا مجوّفا
ولما أذقناها المزاج تسعّرت … فخلّت سناها بارقا متكشّفا
стр. 3003
وقوله: [الوافر]
وندمان سقيت الرّاح صرفا … وأفق الصبح مرتفع السّجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها … كمعنى دقّ في ذهن لطيف
وقوله: [المنسرح]
اشرب عقارا كأنها قبس … قد سبك الدّهر تبرها فصفا
أرتق فيها المزاج فاشتعلت … كمثل نار أطعمتها سعفا
وقوله: [البسيط]
وقد يباكرني السّاقي فأشربها … كأنّها قبس في الكف مشهور
يريق في كأسها من صوب غادية … فالخمر يا قوتة والماء بلّور
وقوله: [المتقارب]
إذا ما طعنّا بطون الدّنان … سال دم الكرم منهنّ سورا
كأنّ خراطيمها في الزّجاج … خراطيم نحل ينقّبن نورا
وقوله: [الطويل]
وعاقد زنّار على غصن الآس … دقيق المعاني مخطف الخضر ميّاس
سقاني عقارا صبّ فيها مزاجها … فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقوله: [المنسرح]
لا شيء تسلي همّي سوى قدح … تدمى عليه أوداج إبريق
يكتب فيه كفّ المزاج لنا … ميمات سطر بتعبير تعريق
وقوله: [البسيط]
ظبي تجلّى من الأحزان أو دعني … ما يعلم الله من حزن ومن قلق
كأنّه وكأنّ الكأس في يده … هلال أول شهر غاب في شفق
стр. 3004
وقوله: [الوافر]
وندمان دعوت فهبّ نحوي … وسلسلها كما خرط العقيق
كأنّ بكاسها نارا تلظّى … ولولا الماء كان لها حريق
وقوله: [الوافر]
كأن عمامة بيضاء بيني … وبين الرّاح تحرقها البروق
وقوله: [الطويل]
ومشمولة صاغ المزاج لرأسها … أكاليل درّ ما لمنظومها سلك
جرت حركات الدّهر فوق سكونها … فذابت كذوب التّبر أخلصه السّبك
وقد خفيت من صفوها فكأنها … بقايا يقين كاد يذهبه الشّكّ
وقوله يعارض من أنفق جراف (١) عمره في غير سرور المدام: [الطويل]
إذا شئت سقّاني غزال دساكر … يبقّر أحشاء الدّنان بمبزل
يكلّل بالمنديل أقداح قهوة … كجمر جلته الرّيح قدّام مصطلي
يطوف بها والصّبح عريان خالع … بقية ليل كالقميص المرعبل (٢)
على كلّ مجرور الرّداء سميدع … جواد بما يحويه غير مبخّل
يصبّ ويسقي أو يسقّى مدامة … كمثل سراج لاح في اللّيل مشعل
ولست تراه سائلا عن خليفة … ولا قائلا من يعزلون ومن يلي
ولا صائحا كالعير في يوم لذّة … يناظر في تفضيل عثمان أو علي
ولا حاسبا تقويم شمس وكوكب … ليعرف أخبار العلوّ من اسفل
يقوم كحرباء الظّهيرة مائلا … يقلّب في أسطرلابه عين أجول
ولكنّه فيما عناه وسرّه … وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل
стр. 3005
خليليّ بالله اقعدا نصطبح ولا … [قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل] (١)
ويا ربّ لا تنبت ولا تسقط الحيا … [بسقط اللّوى بين الدخول فحومل]
ولا تقر مقراة امرئ القيس قطرة … من المزن وارحم ساكنيها بجندل
ولكن ديار اللّهو ربّ فأسقها … ودلّ على خضرائها كلّ جدول
وقوله: [المتقارب]
وخمّارة من بنات اليهو … د ترى الزقّ في بيتها سائلا
وزنّا لها ذهبا جامدا … فكالت لنا ذهبا سائلا
عقارا تنفّس عن مسكة … ترى فوقها لؤلؤا جائلا
فلم أرهما سوى فقدها … لا غيرها فرحا عاجلا
[وقوله] (٢): [الطويل]
إذا قرعت بالماء حلّ بكأسها … مدبّ دبا (٣) تعلو أكارعه رملا
مشعشعة كالشّمس تأكل نورها … زجاجتها في كفّ شاربها أكلا
عروسا جعلنا مهرها بعض ديننا … فما رضيت حتّى وهبنا لها العقلا
وقوله: [البسيط]
ولم يزل ليلنا يسقى مشعشعة … كأنما الماء يغريها بتصميم
أبقى الجديدان (٤) من موجودها عجبا … لونا ورائحة من غير تجسيم
كأنّ في كأسها والماء يفرعها … أكارع النمل أو نقش الخواتيم
стр. 3006
وقوله: [الطويل]
يمجّ سلاف الخمر في عسجديّة … توهّج في يمناه كالكوكب الفرد
محفّرة فيها تصاوير فارس … وكسرى غريق حوله حزق (١) الجند
وقوله: [الخفيف]
اسقني القهوة التي تصف العت … ق بلون صاف وطعم زلازل
طعنت نحرها الأكفّ ولكن … تأخذ الثّأر من عقول الرّجال
روح دنّ صفراء تستخلف (م) … الشّمس سناها على سواد اللّيالي
وكأنّ السّقاة قد مسحوها … بدهان في رأسها (٢) وصقال
وقوله: [مخلع البسيط]
قد أظلم اللّيل يا نديمي … فاقدح لنا النّار بالمدام
كأنّني والورى رقود … أقبّل الشّمس في الظّلام
وقوله: [الطويل]
وصفراء من صبغ الهجير لرأسها … إذا مزجت إكليل درّ منظّم
قطعت بها عمر الدّجى وشربتها … ظلامية الأجسام نوريّة الدّم
وقوله: [السريع]
يا ربّ ليل سحر كلّه … مفتضح البدر عليل النّسيم
لم أعرف الإصباح في ضوئه … لمّا بدا إلا بسكر النّديم
وقوله: [الطويل]
كأنّ أباريق المدام لديهم … ظباء بأعلى الرّقمتين قيام
стр. 3007
وقد شربوا حتّى كأنّ رقابهم … من اللّين لم يخلق لهنّ عظام
وقوله: [الكامل]
وكأنّ إبريق المدامة بيننا … ظبي على شرف أناف مدلّها
لمّا استحثّوه تذكّر إلفه … فبكى على قدح النّديم وقهقها
وقوله: [الوافر]
سقاني من معتّقة الدّنان (١) … مليح الدلّ مختضب البنان
وحمّل كفّه كأسا تلظّى … بنار لا تقنّع بالدّخان
فلمّا صبّ فيها الماء سارت … كما سار الشّجاع إلى الجبان
وقد لبست نقابا من حباب … كسلخ الأيم أو درّ الجمان
فخلت الكأس مركز أقحوان … وتربته سحيق الزّعفران
قوله: [مجزوء الرمل]
قل لمن حيّا فأحيا … ميّتا يحسب حيّا
ما الذي ضرّك لو أب … قيت لي في الكأس شيّا
أتراني كنت إلاّ … مثل من قبّل فيّا
واسقني في كلّ حين … قهوة ذات حميّا
إن يكن رشدا فرشدا … أو يكن غيّا فغيّا
وقوله: [الوافر]
وكأس من زجاج فيه [أسد] (٢) … فرائسهنّ ألباب الرّجال
إذا ما صرّعت منّا نديما … توسّد باليمين وبالشّمال
стр. 3008
وقوله: [المديد]
قد أسقّى الراح صافية … تنشر الإصباح في الظّلم
فإذا ما الماء خالطها … راض منها سهلة الشّيم
واكتست من شكله حببا … بين منثور ومنتظم
وتبدّت في أسرّتها … أسطر مجهولة الكلم
رحلها كفّ تسير بها … من فم الإبريق نحو فمي
وقوله في الهجاء: [الطويل]
وإخوان شرّ قد حرثت إخاءهم … وكانوا لغرس الورد شرّ بقاع
قدحت زناد الوصل بيني وبينهم … فأذكيت نارا غير ذات شعاع
وقوله في غدر بني الدهر: [المتقارب]
بلوت أخلاّء هذا الزّمان … فأقللت بالهجر منهم نصيبي
وكلّهم إن تصفّحتهم … صديق العيان عدوّ المغيب
وقوله في ذمّ القلم والكتابة: [الطويل]
وأجوف مشقوق كأنّ شباته (١) … إذا استعجلته الكفّ منقار لاقط
وتاه به قوم فقلت رويدكم … فما كاتب بالكفّ إلاّ كشارط
وقوله في صديق مدّاح: [الطويل]
ولي صاحب في وجهه لي أوجه … وفي فمه طبل تسرّي وتضرب
إذا ما خلا الإخوان كان مرارة … يعرّض في حلقي مرارا وينشب
كماء طريق الحجّ في كلّ منهل … يذمّ على ما كان منه ويشرب
стр. 3009
٢ - قدامة بن جعفر (١٣)
الكاتب، أبو الفرج. رجل طالما يقضي النهار وفرعه مهزوز، ويسهر الليل وبرقه كأنه عمود فضة محزوز، فأنهز للفضائل أوداجا، وكاشف الدجى وقد داجى ولم يزل يعري عن منكب الليل دواجا، ويساقط لؤلؤ الفرقدين أزواجا؛ إلى أن أصبح اسمه مثلا مضروبا، وعذبه الزلال منهلا مشروبا، ولهذا كل ذي قدم في البلاغة لا يشبه إلا بقدامه، ولا يقاس به الصابيّ ابن هلال فتجيء منه ثلامه. وناهيك برجل سعى صيته بين الخافقين، ووسع جنباه مثل النيل والفرات الدافقين. وطال الأمد عليه؛ وقد بلي جسده، وذهبت رحمته وحسّده.
والألسنة بذكره لهجة، وفضائله؛ وإن لم تهبّ من كراه مبتهجة.
كان نصرانيا وأسلم على يد المكتفي بالله، وكان أحد البلغاء الفصحاء والفلاسفة الفضلاء، وممّن يشار إليه في علم المنطق. وحضر مجلس الفضل بن جعفر ابن الزيّات، وقت مناظرة أبي سعيد السيرافي، ومتّى المنطقي سنة عشرين وثلاثمئة. ومات سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة.
قال صاحب بغية الألباء: بلغني أن بعض متعاطي الأدب شرح المقامات الحريرية، فقال عند قوله، ولو أوتي بلاغة قدامة: إن قدامة بن جعفر كان كاتبا لبني بويه. قال: وجهل في هذا القول؛ فإن قدامة كان أقدم عهدا، وهو المذكور البغدادي من أهل الفضل، عالم الأدب، أدرك زمن ثعلب والمبرّد وابن قتيبة وطبقتهم.
وذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في التوشيح، قال: وقال قدامة: هو أن يكون في أول البيت معنى، إذا علم علمت منه قافية البيت؛ بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه، كقول الراعي النميري: [الوافر]
стр. 3010
فإن وزن الحصا فوزنت قومي … وجدت حصاة ضربتهم رزينا
قال: السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصا، وعرف وعرف القافية والروي علم آخر البيت.
ومنهم:
٣ - أبو عثمان الجاحظ (١٣)
واسمه عمرو بن بحر بن محبوب. بحر البيان الدافق ولسان الإحسان الناطق. المتكلم في كل شيّ، المقدّم في بابه على كل ميت وحيّ، الذي أدخله أرباب كل علم فيهم، وأطلعه أهل كلّ فهم قمرا في دياجيهم، الحكيم المطلق، والعميم المعرفة في اللغة بكل ما به ينطق.
الناقل لما يصدق، والنافل لما يحقق، والمملي لكل ما يعلق، والمولي من متن البيان ما لا يخلق. كأنما تصانيفه للأفهام مفاتيح أقفال، وفي دجا الأوهام مصابيح تشب لقفال. وله في البيان والتبيين أوضح النهار إذ يبين.
عجّل إلى الفضائل فما راث، وسبق الأوائل بلا اكتراث. مرّ على المجرّة فورد شطوطها، وكرّ على النيرة فمحا خطوطها. وهجم على الفضائل وأتاها منبتا وأخذها مصبحا ومثبتا؛ فملأ جوانح الغمام أوارا، وصاغ البدر التمام تاجا والهلال سوارا، بنبوغ حطّم به الجوزاء فكسر غرسها، وصاد طيور الفراقد ووزع ريشها؛ هذا إلى توسع في كل فن، وتحقيق لكل ظنّ بخاطر.
طالما قرع الفولاذ، وتهادى تهادي العروس في الملاذ. وكان لا يزال ليله مبصرا، وسيله لا ينثني مقصرا. ولم يبق علم لم ينظر فيه نظر المتبصر، ويجتهد له اجتهاد من لم يقصر؛ فلم يسأل عن شيء إلا كان به أدرى، ولم يبق طائفة أحق به من الأخرى. وقال فيه القاضي
стр. 3011
الفاضل ﵀، وقد ذكره وما منّا إلاّ من دخل داره، وشنّ على كلامه الغارة، وخرج وعلى كتفه منه الكارة.
قلت: أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش، وكان صديقه. وأخذ الكلام عن النظّام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد.
حدّث أبو هفان قال: لم أر قطّ ولا سمعت أحبّ إلى الجاحظ من الكتب والعلوم؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلاّ ليستوفي في قراءته كائنا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها. والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من خفّه أو كمّه إلى حين عوده من الخلاء لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة قضى شغله.
وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا. وله كتب مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذاهب المخالفين والأخلاق والآداب، وفي ضروب الهزل والجدّ؛ وقد قرأها الناس وتداولوها وعرفوا فضلها. وإذا تدبّر العاقل المميّز كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة.
قال الجاحظ: لمّا مسخ اللّه الإنسان قردا وخنزيرا وترك فيه شبها من الإنسان. ولما مسخ اللّه زماننا لم يترك فيه شبها من الزمان.
وقال الجاحظ: ليس جهد البلاء مدّ الاعناق وانتظار وقع السيف؛ لأنّ الوقت قصير والحس مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة، وتعجز للحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عمّ شامتا وجارا حاسدا ووليّا ينتهرك.
وقال: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للأخير شيئا فاعلم ما يريد أن يفلح.
وقيل: إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي.
стр. 3012
حدّث أبو العيناء، قال: كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسؤاله، وقد سألت من صديقه؟ فقيل لي: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحببت أن تأخذ لي منه إليه كتابا بالعناية. قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلّما وقاضيا للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي، وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فقلت لولدي: هذا الكتاب لفلان ففيه حاجته. فقال لي: إنّ أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نقصّه وننظر ما فيه، ففعلت، فإذا في الكتاب: هذا كتابي مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك وإن رددته لم أذممك. فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع نكره، فقال: لا، هذه علامة بيني وبينه فيمن اعتنى به. فقلت: لا إله إلاّ الله، ما رأيت أحدا أعلم بطبعك، ولا ما جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لمّا قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف قحبة، وأم من يثبت له حاجة. فقلت له: ما هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدّث بذلك الفتح بن خاقان، وحدّث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به، وإحضاري مجلسه.
ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن فإنك حذر على من تخاف. وقال: أجمع الناس على أربع. أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخفّ روحا من أحدب، ولا أقود من أجدب.
قال: أربعة أشياء ممسوخة، النيك في الماء، والقبلة على النقات (١) والغناء من وراء الستار (٢).
стр. 3013
وحدّث الجاحظ مرّة بحضرة السدوي، وكيف قال، لأنها تأخذ الدراهم وتمتّع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت فقال: وكيف عقل العجوز؟ قال: هي أحمق الناس وأقلّهم عقلا.
وقال أبو سعيد السيرافي: حدثنا من الصابئين كتّاب، أن ثابت بن قرّة، قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس؛ فإنه: [الكامل المرفل]
عقم النّساء فلا يلدن شبيههم … إن النّساء بمثلهم عقم
فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة: فقال: عمر بن الخطاب في سياسته وتقضيته وحدوده، وبحفظه ودينه وجزالته ونزالته وصرامته وشهامته، وقيامه في صغير أمره وكبيره بنفسه؛ مع قريحة صافية وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة وصدر منشرح، وبال منفسح وبديهة نصوح، وروية لفوح، وسرّ طاهر وتوقيف حاضر، ورأي مصيب وأمر عجيب، وشأن غريب. دعم الدين وشيّد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه. ملك في زيّ مسكين. ما جنح في أمر ولا نوى، ولا غضّ طرفه على خنا. ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة. جرح وواسى، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستجدى وسطا. كل ذلك في اللّه وللّه. ولقد كان من نوادر الزمان.
قال: والثاني، الحسن ابن أبي الحسن البصري؛ فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى وزهدا، ورعوى وعفّة، ورقة وتألّها وتنزها وفقها ومعرفة وفصاحة، ونصاحة. مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلبس العقول. ما أعرف له ثانيا ولا قريبا ولا متدانيا. كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته. عاش سبعين سنة لم يعرف لمقاله سبقا، ولم يزلّ بريبة ولا فحشا. سليم الدين نقيّ الأديم، محروس الحريم يجمع مجلسه ضروب الناس وأصنافهم لما يوسعهم من بنانه، ويفيض عليهم بإحسانه. هذا يأخذ عنه الحديث وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع من كلام العربية، وهذا يجوّد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء وهو في جميع هذا كالبحر الفجاج تدفقا، وكالسراج
стр. 3014
الوهّاج تألقا. ولا ننسى مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل والصدر الرحيب والوجه الصلب، واللسان العضب كالحجاج، وفلان وفلان مع سادة الدين وبهجة العلم. لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله رابعة عن اللّه يجلس تحت كرسيّه قتادة صاحب التفسير وعمرو وواصل صاحب الكلام، وابن أبي اسحاق صاحب النحو، وفرقد السخي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم. فمن ذا مثله ومن يجري مجراه؟.
والثالث، أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين، ومدرة المتقدمين والمتأخّرين. إن تكلم حكى سحبان (١) في البلاغة، وإن ناظر سارع النظّام في الجدال، وإن جدّ خرج في ليل عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مريد حبيب القلوب ومزاح الأرواح.
وشيخ الآداب ولسان العرب. كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة. ما نازعه منازع إلاّ رشأه أبقى ولا تعرّض له منقوص إلاّ قدّم له التواضع واستبقى. الخلفاء تعرفه والأمراء تصفه والكبراء تنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلّم عليه والعامة تحبّه.
جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم. طال عمره وفشت حكمته، وظهرت حيلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء بما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب.
قال صاحب بغية الألباء: هذا قول ثابت. وهو رجل صابئيّ، لا يرى للإسلام حرمة، ولا للمسلمين حقّا، لا يوجب لأحد منهم ذماما، وقد انتقد هذا الانتقاد ونظر هذا النظر، وحكم بهذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهوى، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما يحيل عليه بالعصبية. ولسنا نجهل مع ذلك فضل هؤلاء الثلاثة من السلف الطاهر والخلف الصالح ولكن عجبنا فضل عجب من رجل ليس منّا، ولا من أهل
стр. 3015
ملتنا ولغتنا، ولعلّه ما خبر عمر بن الخطاب كلّ الخبرة، ولا استوعب كلامه الحسن من المنقبة، ولا وقف على ما لجميع أبي عثمان من البيان والحكمة بقوله هذا القول، ويتعجب هذا التعجب ويحسد هذه الأمة بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان ويصفه بما يأتي الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادّعى ذلك له، أو وقر عليه هل هذا إلاّ الجهل الذي يرجم المثل به.
قيل لأبي هفّان: لم لم تهج الجاحظ؟ هدر دمك وأخذ بمخنقك. فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أريبة أفعى لما أمست إلاّ في الصين. ولو قلت فيه ألف بيت لما ظن منها بيت في ألف سنة. قال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يسمى حبّا وليس كل حبّ يسمى عشقا؛ لأن العشق اسم لما فضل من المحبّة، كما أن الشرف اسم لما جاوز الجود. والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد. والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس.
والهرج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال أبو الفضل ابن العميد: ثلاثة علوم، الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس، الفقه فعلى أبي حنيفة؛ لأنّه دوّن وخلد، وجعل من يتكلم به بعده مشيرا إليه ومخبرا عنه، والكلام فعل أبي الهذيل، والفصاحة واللّسن فعل أبي عثمان الجاحظ.
وحدّت يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ، قال: يحبّ للرجل أن يكون سخيّا لا يبلغ التبذّير، شجاعا لا يبلغ الهرج، متحرسا لا يبلغ الجبن، حبيّا لا يبلغ العجز، ماضيا لا بيلغ الفجه، قؤولا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذلّ، منتصرا لا يبلغ الذلّ، وقورا لا يبلغ البلاد، نافذا لا يبلغ الطيش. ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي: خير الأمور أوساطها؛ فعلمنا أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.
وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول وعقل المتصفح فارغ.
وحدّث المبرّد، قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت: كيف أنت؟ فقال: