الفاضل ﵀، وقد ذكره وما منّا إلاّ من دخل داره، وشنّ على كلامه الغارة، وخرج وعلى كتفه منه الكارة.
قلت: أخذ عن أبي عبيدة والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش، وكان صديقه. وأخذ الكلام عن النظّام، وتلقف الفصاحة من العرب شفاها بالمربد.
حدّث أبو هفان قال: لم أر قطّ ولا سمعت أحبّ إلى الجاحظ من الكتب والعلوم؛ فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلاّ ليستوفي في قراءته كائنا ما كان؛ حتى إنه كان يكتري دكاكين الورّاقين ويبيت فيها. والفتح بن خاقان كان يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من خفّه أو كمّه إلى حين عوده من الخلاء لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة قضى شغله.
وكان واسع العلم بالكلام، كثير التبحر فيه، شديد الضبط لحدوده، ومن أعلم الناس به وبغيره من علوم الدين والدنيا. وله كتب مشهورة جليلة في نصرة الدين، وفي حكاية مذاهب المخالفين والأخلاق والآداب، وفي ضروب الهزل والجدّ؛ وقد قرأها الناس وتداولوها وعرفوا فضلها. وإذا تدبّر العاقل المميّز كتبه علم أنه ليس في تلقيح العقول وشحذ الأذهان، ومعرفة أصول الكلام وجواهره، وإيصال خلاف الإسلام، ومذاهب الاعتزال إلى القلوب كتب تشبهها والجاحظ عظيم القدر في المعتزلة وغير المعتزلة.
قال الجاحظ: لمّا مسخ اللّه الإنسان قردا وخنزيرا وترك فيه شبها من الإنسان. ولما مسخ اللّه زماننا لم يترك فيه شبها من الزمان.
وقال الجاحظ: ليس جهد البلاء مدّ الاعناق وانتظار وقع السيف؛ لأنّ الوقت قصير والحس مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة، وتعجز للحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وابن عمّ شامتا وجارا حاسدا ووليّا ينتهرك.
وقال: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للأخير شيئا فاعلم ما يريد أن يفلح.
وقيل: إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي.
стр. 3012
حدّث أبو العيناء، قال: كان لي صديق فجاءني يوما فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسؤاله، وقد سألت من صديقه؟ فقيل لي: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحببت أن تأخذ لي منه إليه كتابا بالعناية. قال: فصرت إلى الجاحظ فقلت له: جئتك مسلّما وقاضيا للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي، وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب، فقلت لولدي: هذا الكتاب لفلان ففيه حاجته. فقال لي: إنّ أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نقصّه وننظر ما فيه، ففعلت، فإذا في الكتاب: هذا كتابي مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك وإن رددته لم أذممك. فلما قرأت الكتاب مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع نكره، فقال: لا، هذه علامة بيني وبينه فيمن اعتنى به. فقلت: لا إله إلاّ الله، ما رأيت أحدا أعلم بطبعك، ولا ما جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لمّا قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف قحبة، وأم من يثبت له حاجة. فقلت له: ما هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدّث بذلك الفتح بن خاقان، وحدّث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به، وإحضاري مجلسه.
ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن فإنك حذر على من تخاف. وقال: أجمع الناس على أربع. أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخفّ روحا من أحدب، ولا أقود من أجدب.
قال: أربعة أشياء ممسوخة، النيك في الماء، والقبلة على النقات (١) والغناء من وراء الستار (٢).
стр. 3013
وحدّث الجاحظ مرّة بحضرة السدوي، وكيف قال، لأنها تأخذ الدراهم وتمتّع بالناس والطيب، وتختار على عينها من تريد، والتوبة معروضة لها متى شاءت فقال: وكيف عقل العجوز؟ قال: هي أحمق الناس وأقلّهم عقلا.
وقال أبو سعيد السيرافي: حدثنا من الصابئين كتّاب، أن ثابت بن قرّة، قال: ما أحسد هذه الأمة العربية إلا على ثلاثة أنفس؛ فإنه: [الكامل المرفل]
عقم النّساء فلا يلدن شبيههم … إن النّساء بمثلهم عقم
فقيل له: احص لنا هؤلاء الثلاثة: فقال: عمر بن الخطاب في سياسته وتقضيته وحدوده، وبحفظه ودينه وجزالته ونزالته وصرامته وشهامته، وقيامه في صغير أمره وكبيره بنفسه؛ مع قريحة صافية وعقل وافر، ولسان عضب وقلب شديد، وطوية مأمونة، وعزيمة مأمومة وصدر منشرح، وبال منفسح وبديهة نصوح، وروية لفوح، وسرّ طاهر وتوقيف حاضر، ورأي مصيب وأمر عجيب، وشأن غريب. دعم الدين وشيّد بنيانه، وأحكم أساسه ورفع أركانه، وأوضح حجته وأنار برهانه. ملك في زيّ مسكين. ما جنح في أمر ولا نوى، ولا غضّ طرفه على خنا. ظهارته كالبطانة، وبطانته كالظهارة. جرح وواسى، ولان وقسا، ومنع وأعطى، واستجدى وسطا. كل ذلك في اللّه وللّه. ولقد كان من نوادر الزمان.
قال: والثاني، الحسن ابن أبي الحسن البصري؛ فلقد كان من دراري النجوم علما وتقوى وزهدا، ورعوى وعفّة، ورقة وتألّها وتنزها وفقها ومعرفة وفصاحة، ونصاحة. مواعظه تصل إلى القلوب، وألفاظه تلبس العقول. ما أعرف له ثانيا ولا قريبا ولا متدانيا. كان منظره وفق مخبره، وعلانيته في وزن سريرته. عاش سبعين سنة لم يعرف لمقاله سبقا، ولم يزلّ بريبة ولا فحشا. سليم الدين نقيّ الأديم، محروس الحريم يجمع مجلسه ضروب الناس وأصنافهم لما يوسعهم من بنانه، ويفيض عليهم بإحسانه. هذا يأخذ عنه الحديث وهذا يلقن منه التأويل، وهذا يسمع الحلال والحرام، وهذا يتبع من كلام العربية، وهذا يجوّد له المقالة، وهذا يحكي الفتيا، وهذا يتعلم الحكم والقضاء وهو في جميع هذا كالبحر الفجاج تدفقا، وكالسراج
стр. 3014
الوهّاج تألقا. ولا ننسى مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأمراء وأشباه الأمراء بالكلام الفصل، واللفظ الجزل والصدر الرحيب والوجه الصلب، واللسان العضب كالحجاج، وفلان وفلان مع سادة الدين وبهجة العلم. لا تثنيه لائمة في الله، ولا تذهله رابعة عن اللّه يجلس تحت كرسيّه قتادة صاحب التفسير وعمرو وواصل صاحب الكلام، وابن أبي اسحاق صاحب النحو، وفرقد السخي صاحب الرقائق، وأشباه هؤلاء ونظراؤهم. فمن ذا مثله ومن يجري مجراه؟.
والثالث، أبو عثمان الجاحظ، خطيب المسلمين وشيخ المتكلمين، ومدرة المتقدمين والمتأخّرين. إن تكلم حكى سحبان (١) في البلاغة، وإن ناظر سارع النظّام في الجدال، وإن جدّ خرج في ليل عامر بن عبد قيس، وإن هزل زاد على مريد حبيب القلوب ومزاح الأرواح.
وشيخ الآداب ولسان العرب. كتبه رياض زاهرة، ورسائله أفنان مثمرة. ما نازعه منازع إلاّ رشأه أبقى ولا تعرّض له منقوص إلاّ قدّم له التواضع واستبقى. الخلفاء تعرفه والأمراء تصفه والكبراء تنادمه، والعلماء تأخذ عنه، والخاصة تسلّم عليه والعامة تحبّه.
جمع بين اللسان والقلم، وبين الفطنة والعلم وبين الرأي والأدب، وبين النثر والنظم، وبين الذكاء والفهم. طال عمره وفشت حكمته، وظهرت حيلته، ووطئ الرجال عقبه، وتهادوا أدبه، وافتخروا بالانتساب إليه، ونجحوا بالاقتداء بما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب.
قال صاحب بغية الألباء: هذا قول ثابت. وهو رجل صابئيّ، لا يرى للإسلام حرمة، ولا للمسلمين حقّا، لا يوجب لأحد منهم ذماما، وقد انتقد هذا الانتقاد ونظر هذا النظر، وحكم بهذا الحكم، وأبصر الحق بعين لا غشاوة عليها من الهوى، ونفس لا لطخ بها من التقليد، وعقل ما يحيل عليه بالعصبية. ولسنا نجهل مع ذلك فضل هؤلاء الثلاثة من السلف الطاهر والخلف الصالح ولكن عجبنا فضل عجب من رجل ليس منّا، ولا من أهل
стр. 3015
ملتنا ولغتنا، ولعلّه ما خبر عمر بن الخطاب كلّ الخبرة، ولا استوعب كلامه الحسن من المنقبة، ولا وقف على ما لجميع أبي عثمان من البيان والحكمة بقوله هذا القول، ويتعجب هذا التعجب ويحسد هذه الأمة بهم هذا الحسد، ويختم كلامه بأبي عثمان ويصفه بما يأتي الطاعن عليه أن يكون له شيء منه، ويغضب إذا ادّعى ذلك له، أو وقر عليه هل هذا إلاّ الجهل الذي يرجم المثل به.
قيل لأبي هفّان: لم لم تهج الجاحظ؟ هدر دمك وأخذ بمخنقك. فقال: أمثلي يخدع عن عقله؟ والله لو وضع رسالة في أريبة أفعى لما أمست إلاّ في الصين. ولو قلت فيه ألف بيت لما ظن منها بيت في ألف سنة. قال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: كل عشق يسمى حبّا وليس كل حبّ يسمى عشقا؛ لأن العشق اسم لما فضل من المحبّة، كما أن الشرف اسم لما جاوز الجود. والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد. والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس.
والهرج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال أبو الفضل ابن العميد: ثلاثة علوم، الناس كلهم عيال فيها على ثلاثة أنفس، الفقه فعلى أبي حنيفة؛ لأنّه دوّن وخلد، وجعل من يتكلم به بعده مشيرا إليه ومخبرا عنه، والكلام فعل أبي الهذيل، والفصاحة واللّسن فعل أبي عثمان الجاحظ.
وحدّت يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ، قال: يحبّ للرجل أن يكون سخيّا لا يبلغ التبذّير، شجاعا لا يبلغ الهرج، متحرسا لا يبلغ الجبن، حبيّا لا يبلغ العجز، ماضيا لا بيلغ الفجه، قؤولا لا يبلغ الهذر، صموتا لا يبلغ العيّ، حليما لا يبلغ الذلّ، منتصرا لا يبلغ الذلّ، وقورا لا يبلغ البلاد، نافذا لا يبلغ الطيش. ثم وجدنا رسول الله ﷺ قد جمع ذلك في كلمة واحدة، وهي: خير الأمور أوساطها؛ فعلمنا أنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وعلم فصل الخطاب.
وقال أبو زيد البلخي: ما أحسن ما قال الجاحظ: عقل المنشئ مشغول وعقل المتصفح فارغ.
وحدّث المبرّد، قال: دخلت على الجاحظ في آخر أيامه، فقلت: كيف أنت؟ فقال:
стр. 3016
كيف يكون من نصفه مفلوج، لو حزّ بالمنشار ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس، لو طار الذباب بقربه لآلمه. وأشدّ من ذلك نيف وتسعون ثم انشدنا (١): [الوافر]
أترجو أن تكون وأنت شيخ … كما قد كنت أيّام الشّباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب … دريس كالجديد من الثّياب (٢)
وحدّث أبو محمد الحسن بن عمر الجرمي، قال: كنت بالاندلس، فقيل لي: إن هاهنا تلميذا لأبي عثمان الجاحظ، يعرف بسلام بن يزيد، فأتيته، فرأيت شيخا هرما، فسألته عن سبب اجتماعه بأبي عثمان، ولم يقع أبو عثمان إلى الأندلس، فقال: كان طالب العلم بالمشرق يتشرّف عند ملوكنا بلقاء أبي عثمان فوقع إلينا شيء من كتبه، فخرجت لأعرّج على شيء؛ حتى قصدت بغداد، فسألت عنه، فقيل لي بالبصرة. فانحدرت إليه، وسألت عن منزله فأرشدت إليه ودخلت إليه؛ فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيا، ليس فيهم ذو لحية غيره فدهشت، فقلت: أيّكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحرّكها في وجهي، وقال: من أين؟ قلت: من الأندلس. فقال: طينة حمقاء. فما الاسم؟ قلت: سلام. قال: اسم كلب القرّاد. ابن من؟ قلت: ابن يزيد. قال: بحق ما صرت. أبو من؟ قلت: أبو خلف. قال: كنية قرد زبيدة. ما جئت تطلب؟ قلت: العلم. قال: ارجع بوقت فإنك لا تفلح. قلت: ما أنصفتني فقد اشتملت على خصال أربع، جفاء البلدية، وبعد الشقّة، وغرّة الحداثة ودهشة الداخل. قال: فترى حولي عشرين صبيا ليس فيهم ذو لحية غيري ما كان يجب أن تعرفني بها. قال: فأقمت عليه عشرين سنة.
وقال أبو العيناء: أنشدني الجاحظ لنفسه: [الوافر]
يطيب العيش أن تلقى حكيما … غذاه العلم والرأي المصيب
فيكشف عنك حيرة كلّ ريب … وفضل العلم يعرفه الأريب
стр. 3017
سقام الحرص ليس له شفاء … وداء البخل ليس له طبيب (١)
وكان الجاحظ يقول: إن تهيأ لك في الشاعر أن تبرّه وترضيه، وإلاّ فاقتله.
وقال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ: ألك بالبصرة ضيعة؟ فتبسم وقال: إنما أنا وجارية، وجارية تخدمها، وخادم وحمار. أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك، فأعطاني خمسة آلاف دينار. وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى أبي دؤاد (٢) فأعطاني خمسة آلاف دينار، وأهديت كتاب الزرع إلى إبراهيم بن العبّاس الصولي فأعطاني خمسة آلاف دينار، فانصرفت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد.
وكتاب البيان والتبيين نسختان، أولى وثانية، والثانية أصح وأجود. وله من المصنّفات زيادة على مئة وعشرين مصنّفا. وتوفي الجاحظ سنة خمس وخمسين ومئتين. وقد جاوز التسعين. وكان يتعين تقديمه على ابن المعتز وقدامة؛ وانما ذكرناهما قبله لا عتنائهما بعلم البديع، وتصنيفهما أبوابه، فوصلنا تراجمهما بتفريعهما للفن، واختراج أقسامه استطرادا.
وذكره أبو القاسم الراغب في كتاب المحاضرات، في كثرة آيات الأنبياء وقلّتها. قال: قال العلماء: إنما كثر وكبر إعلام موسى؛ لأن علمه كان مع غباوة بني إسرائيل، ونقصان أحلام القبط.
قال الجاحظ: ومتى أردت معرفة ذلك فانظر إلى بقاياهم، هل لهم حكمة أو مثل أو شعر؟ ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم معنا، هل تغيّر بذلك أخلاقهم وشمائلهم وأحلامهم وآدابهم وفطنهم؟ ثم من غباوتهم ما حكى الله تعالى عنهم حيث قالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (¬٣﴾، وكقولهم: ﴿أَرِنَا اَللّهَ جَهْرَةً (¬٤﴾، وكقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾
стр. 3018
﴿فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ (¬١﴾. وآياتهم انقطعت بموتهم، وعرفها من بعدهم بأخبار سلفهم، وجعل من معجزات نبينا ﷺ القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأشرك فيه الخلف والسلف، وجعله باقيا على مرور الأيام وبعد الأحوال.
وقال أبو عثمان لغائب عليه كتب عيب الكتاب: ونعم الذخر والعقدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة الوحدة والمعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل والوزير والتنزيل. والكتاب وعاء ملئ علما وظرف حشي ظرفا، وإناء سخّن مزاجا وجدّا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وعجبت من غرائب فوائده. وإن شئت سختك مواعظه. ومن لك بواعظ مله، وببارد حار؟ ومن لك بطبيب أعرابي، وبرومي وهندي وبفارسي يوناني، وتقديم مولد ممتّع وبشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب والحسن وضدّه؟ وبعد، فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة في قلب؟ ينطق عن الموتى ويترجم كلام الأحياء. ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلاّ بما تهوى؟ آمن من أرض وأكتم للسر من صاحب السرّ، واضبط بحفظ الوديعة من أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الأميّين، ومن الأعراب للمعربين؛ بل من الصبيان قبل اعتراض الاشتغال حين العناية تامة لم تنتقص، والأذهان فارغة لم تقتسم، والإرادات وافرة لم تتشعب، والطينة ليّنة؛ فهي أقبل ما يكون للطابع، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون من العلوق، حين هذه الخصائل لم يلبس جديدها، ولم تتفرق قواها كانت كقول الشاعر: [الطويل]
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ؛ لأن الأعرابي ينسى الكلمة، قد تعب في طلبها يوما أو ليلة فيضع موضعها كلمة في وزنها لم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى، ولا يبدّل كلاما بكلام وعيب الكتاب. ولا أعلم جارا
стр. 3019
أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، أقل صلفا وتكلفا، ولا أكفّ عن قتال وشغب ومراء من كتاب. ولا أعلم شجرة أطول عمرا ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل أوان من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه وقرب ميلاده، وحضور ذهنه، وإمكان موجوده. يجمع من التدابير العجيبة والعلوم العربية، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الأخبار عن القرون الماضية والبلاد المترامية، والأمثال السائرة، والأمم البادية مما يجمع الكتاب. والكتاب مع خفّة نقله وصغر حجمه صامت ما أسكتّه، وينبغ ما استنطقته، ومن لك بمسامر لا يبتديك في حال شغلك، ولا يدعك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له، والتذمم فيه. ومن لك بزائر، إن شئت جعلت زيارته غبّا، وورده خمسا. وإن شئت لزمك لزوم ظلك، وكان منك مكان بعضك. والكتاب هو الجليس الذي لا يضرّ بك، والصديق الذي لا يغذيك، والرفيق الذي لا يملّك، والمستميح الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطيك والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر والخديعة، ولا يخدعك بالنفاق والكذب.
والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك وشحذ طباعك، وبسط لسانك وجوّد بيانك، وفخّم ألفاظك ونجّح نفسك وعمّر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك.
وعرفت به في شهر مالا تعرفه في دهر من أفواه الرجال مع السلامة من الغرم، ومن كدّ الطلب ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم. وبالجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، وأكرم منه عرقا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء. وهو الذي يطيعك بالليل طاعته لك بالنهار، وفي السفر طاعته لك في الحضر. ولا يعتلّ بنوم ولا يغترّ به كلال الشهر. وهو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك، وإن قطعت عنه عدوك لم ينقلب عليك. ومتى كنت متعلقا به بسبب، ومعتصما منه بأدنى حبل لم يضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، لو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إلا منعه لك من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارّة منعما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ومن فضول
стр. 3020
النظر، ومن عادة الخوض، ومن ملابسة صغار الناس وحضور ألفاظهم الرديّه الساقطة ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم السيئة وجهالتهم المذمومة لكان في ذلك السلامة. ولو لم يكن في ذلك إلاّ أنه يشغلك عن سخف البيت وعن اعتياد الراحة لقد كان في ذلك على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنّة.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بنيّ لا تقوموا في الأسواق إلا على زاد أو وراق. وقال شيخ: قرئ عليك ما أثر غطفان ذهبت بالمكارم إلاّ من الكتب.
وقال غيره: غبرت أربعين سنة ما قلت ولا بتّ ولا اتّكأت إلا والكتاب موضوع على صدري.
وقال ابن الجهم: إذا استحسنت الكتاب، ورجوت منه الفائدة، فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقة مخافة استفادة وانقطاع المادّة وإن كان الدفتر عظيم الحجيم، وكان الورق كثير العدد. والإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بدّ أن تصير كتبه أكثر من سماعه، ولا يجمع حتى يكون الاتفاق عليه ممّا لعدّته. ومن لم يكن نفقته التي تخرج من الكتب ألذّ عنه من إنفاق عساق (١) والمستهزءين بالبنيان لم يبلغ في العلم مبلغا.
وقال إبراهيم بن السندي: وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصا على المعالي بالورق النقي الأبيض، وتخيّر الحبر الأسود والخطّ الجيّد فإنني لم أركورق كتبهم ورقا، ولا لخطوطهم خطّا. وإني غرمت مالا عظيما مع حبّي للمال ونغصي للعزم لأن سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليل على شرف النفس، وعلى السلامة من شكر الآفات.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قطّ، ولا مررت ببابه فرأيته ينظر في دفتر وجليسه فارغ إلا اعتقدت أنه أفضل منه وأعقل.
стр. 3021
وأنشد رجل يونس النحوي قوله: [البسيط]
استودع العلم قرطاسا فضيّعه … فبئس مستودع العلم القراطيس
فقال: قاتله الله، فما أشدّ صبابته بالعلم، وأحسن صيانته له. إن عملك من روحك ومالك من بدنك فضعه مكان الروح، ومالك بمكان البدن.
وقال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه. قال غيره: فإذا الذي لا يحتاج إليه هو الذي يحتاج إليه إذا لم يوصل إلى ما يحتاج إلاّ بما لا يحتاج إليه. وقد قال ﷺ : قيّدوا العلم بالكتاب. وروي عنه ﷺ أنه قال: بقية عمر الإنسان لا يمنّ لها بدرك ما فاته ويحيي ما أماته، يبدل سيئاته حسنات. وقال علي بن أبي طالب، ﵁: إن الله تعالى جعل محاسن الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فيحسب أحدكم أن يتمسك بحبل متصل بالله.
قيل لبعض الكذابين: كيف تحتال للكذب؟ قال: أكذب على الموتى وأستشهد الغيب.
وقيل لبعض الحكماء: متى تقضي له بالصدق؟ قال: إذا صدق فيما يضرّه كما يصدق فيما ينفعه.
قال رسول الله ﷺ : المؤمن يألف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. وقال ﷺ : لم يكذب من قال خيرا ونمّى خيرا وأصلح بين الناس.
قال ابن مسعود ﵁: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه وقال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: وقد صحت التجربة وقامت العبرة على أن سقوط جميع الإنسان أصلح في الإبانة عن الحروف منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شرطيها للآخر، وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس.
стр. 3022
قال: ومتى وجد اللسان في جميع جهاته شيئا يقرعه ويصكّه، ولم يمرّ في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوف فمه لم يضره سقوط أسنانه إلاّ بالمقدار المغتفر. ويؤكده قول صاحب المنطق إن الطائر والسبع والبهيمة كلّما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأجلى لما يلقن، ولما يسمع، نحو الببغاء والغداف وغراب البين. قال: ويدل على أن عظم اللسان نافع لمن سقط جميع أسنانه. قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية حين أمره بهجاء الأنصار: أرادّني أنت في الكفر بعد الإيمان، ولكني سأدلك على غلام في الحي كأنّ لسانه لسان ثور، يعني الاخطل.
وفي الحديث: إن الله يبغض الرجل تخلّل بلسانه كما تخلل الباقرة الحلا بلسانها.
وقال رسول الله ﷺ لحسان: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: والله لو وضعته على صخر لفلقه، أو على شعر لحلقه وما يسرني به مقول من مغل رائق السمط، ثم قال بعد ذلك: وقد قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقاد المعاني القائمة في صدور الناس، المتصورة في أذهانهم، المتلجلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والجارية على أفكارهم، مستورة خفيّة، محجوبة مكتوبة، موجودة معدومة. ولا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه إلاّ بغيره؛ وانما يحيي تلك المعاني استعمالهم لها وإخبارهم عنها؛ فبهذا يقرب من الفهم وينجلي للعقل، ويجعل الخفي ظاهرا والغائب حاضرا. والمجهول معروفا، والوحشي مألوفا. وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة يكون إظهار المعنى. وكلّما كانت الدلالة أوضح وأفصح كانت الإشارة أبين وأنور. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الناطق به القرآن. واللّه جلّ ثناؤه يمدحه ويدعوه إليه ويحث عليه. وتفاخرت العرب وتفاضلت العجم، وهو اسم لما كشف قناع المعنى وهتك الحجاب؛ حتى يفضي السامع إلى حقيقته كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جلس كان؛ لأن الغاية التي تجري إليها إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع، ثم اعلم أنّ حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ؛ لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، ممتدة إلى غير نهاية. وأسماء المعاني مقصورة
стр. 3023
معدودة، ومحصلة محدودة. وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء، ولا تنقص ولا تزيد. وأولها اللفظ ثم الإشاره ثم العقد ثم الخط ثم النصبة، الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالّة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا ينقص عن تلك الدلالات. ولكل واحدة من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها. وهي التي تكشف عن أعيان المعاني، ثم عن حقائقها في التفسير وأجناسها وأقدارها، وخاصها وعامّها، وطبقاتها في السارّ والضارّ. والبيان نصر والعيّ عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى. والبيان من نتاج العلم، والعيّ من نتاج الجهل.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيّ مروءة، ولا لمنقوص البيان بها. ولو حلّ بنا فوجّه أعنان السماء.
قال: وأما الإشارة باليد وبالرأس وبالعين وبالحاجب وبالمنكب وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدّد رافع السوط والسيف، فيكون ذلك زاجرا رادعا، ويكون وعيدا أو تحذيرا. والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هو له ونعم الترجمان. وما تعذر الإشارة أن تكون ذات حلية موصوفة، وصورة معروفة. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغيرهما من الجوارح موفق كبير، ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس.
ولولا الإشارة لم يتناهم الناس ولجهلوا هذا الباب البتّة. وقد قال الشاعر: [الطويل]
أشارت بطرف العين خيفة أهلها … إشارة مذعور ولم تتكلّم
فأيقنت أن الطّرف قد قال مرحبا … وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم
هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت، والصوت آلة اللفظ، وهو الجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان. وقد قال الشاعر: [الطويل]
إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق … كلاما تكلّمنا بأعيننا سرّا
فنقضي ولم يعلم بنا كلّ حاجة … ولم تظهر الشكوى ولم نهتك السّترا
стр. 3024
فأما الخط فمّما ذكر الله فيه لنبيه ﷺ ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ * * اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * * عَلَّمَ اَلْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ * (¬١﴾. وأقسم بالكتاب المكنون، فقال: «ن والقلم وما يسطرون * (٢)». والقلم أحد اللسانين، وهو أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر، وأن يحضّ الذهن على تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام. واللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب. وهو في الغابر الكائن مثله للقائم الراهن. والكتاب يقرأ بكل لسان، ويدرس في كل زمان؛ واللسان لا يعدو سامعه ولا يتجاوز مواضعه.
وأمّا العقد وهو الحساب دون اللفظ والخط. فالدليل على لفظه والانتفاع به قوله تعالى:
﴿فالِقُ اَلْإِصْباحِ وَجَعَلَ اَللَّيْلَ سَكَناً وَاَلشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ (¬٣﴾. وقوله: ﴿اَلرَّحْمنُ * * عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ * * خَلَقَ اَلْإِنْسانَ * * عَلَّمَهُ اَلْبَيانَ * * اَلشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (¬٤﴾. وقوله: ﴿هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِياءً وَاَلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ ما خَلَقَ اَللّهُ ذلِكَ إِلّا بِالْحَقِّ (¬٥﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا اَللَّيْلَ وَاَلنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اَللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ اَلنَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَاَلْحِسابَ (¬٦﴾ ولولا معرفة العباد معنى الحساب في الدنيا لما فهموا معنى الحساب في الآخرة. وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد؛ وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل شيء.
стр. 3025
وكذلك قال الاول: سل الأرض فقل: من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك أجابتك اعتبارا.
وقال صالح بن عبد القدّوس: [الخفيف]
إن يكن لا تطيق رجع جواب … فلقد ما ترى وأنت خطيب
واعظات وما وعدت تقول … مثل وعظ بالصّمت إذا لا تجيب
وقال بعض الحكماء: أشهد أن السماوات والأرض آيات ودلالات وشواهد قائمات، كلّ يؤدي عنك الحجة، ويشهد لك بالربوبية.
وقال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الإسكندر وهو ميت: الإسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال عنترة وجعل نعيب الغراب خبرا للزّاجر (١): [الكامل]
خرق الجناح كأنّ لحيي رأسه … جلمان بالأخبار هشّ مولع (٢)
وقال أبو الرديني العكلي، وذكر تنسم الذيب الريح، وصدق استراوحه، واستنشائه: [الرجز]
يستخبر الرّيح إذا لم يسمع … بمثل مقراع الصّفا الموقّع
وقال آخر: [البسيط]
إنّ السّماء وإنّ الأرض شاهدة … واللّه يشهد والأيّام والبلد
وقال الجاحظ: ومتى دلّ الشيء على معنى فقد أخبر عنه، وإن كان صامتا وأشار إليه، وإن كان ساكنا. وهذا القول شائع في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.
وقال نصيب في هذا المعنى يمدح سليمان بن عبد الملك: [الطويل]
стр. 3026
أقول لركب قافلين رأيتهم … قفا ذات أو شال ومولاك لاعب
قفوا خبّروني عن سليمان إنّني … لمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله … ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب (١)
وقال الجاحظ: قال عليّ كرّم الله وجهه: قيمة كل امرئ ما يحسن. فلو لم تقف إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها كافية شافية، ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصودة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله مغنيا عن كثيره، ومعناه ظاهر في لفظه.
وإذا كان المعنى شريفا، واللفظ تبليغا وكان صحيح الطابع بعيدا من التكلّف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربه الكريمة وحينئذ لا يمتنع من تكليفها صدور الجبابرة، ولا يذهب عن فهمها عقول الجهلة. وقال عامر بن عبد القيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. وقد جمع الباقر صلاح شأن الدنيا بحذافيرها قال: صلاح جميع التغابن والتعاشر ملء مكيال، ثلثاه فطنة وثلثه تغافل.
قال الجاحظ: فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا؛ لانّ الإنسان لا يتفاضل إلا عن شيء قد فطن له.
وقيل لا بن عبّاس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول ولسان سؤول.
وقيل لمحمد بن علي والد الخليفتين: متى يكون وجود الأدب سرّا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب ونقصت القريحة. وكان يقول: كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله.
وكفاك من علم الأدب أن يروى الشاهد والمثل.
وقال أبو مسلم: سمعت الامام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حفظ البلاغة ألاّ يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء إفهام السامع. قال الجاحظ:
وأنا استحسن هذا الكلام جدّا.
ومن كلامه قوله: اللهم إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل. ونعوذ
стр. 3027
بك من التكلف لما لا يحسن، كما نعوذ بك من العجب بما يحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر.
وقوله أيضا: وذكر الله تعالى جميل بلائه في تعليم البيان، وقال: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ (¬١﴾. ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح وسمّاه فرقانا، كما سمّاه قرآنا.
وقوله: رأيت فلانا ينفض يده منك، وأنت تصادر على وصله، وكفى بالإعراض حاجبا والانقباض طاردا. ومن وقف في الإذن لك فقد حجبك، ومن تنكّر عن حكايتك فقد كذّبك، ومن حظر عنك سرّه فقد اتّهمك، ومن مطلك (٢) ولو ساعة فقد حرمك، ومن تمنى فقدك فقد قتلك، ومن صادق عدوّك فقد عاداك، ومن عادى عدوّك فقد والاك، ومن صدقك عن عيبك فقد علّمك، ومن أقبل بحديثه على غيرك فقد طردك، ومن شكر إليك سواك سلّك، ومن سكت عن مديح الناس فقد ثلبك، ومن بلّغك شتمك، ومن استمهلك في الجواب فقد هابك، ومن أجرى ذكرك عند من لا تأمنه عليك فقد اغتابك، ومن نقل إليك فقد نقل عنك، ومن شهد لك بالباطل فقد شهد عليك، ومن وقع لك في أخيك فقد وقع لك فيك، ومن أحبّك لغير شيء فقد أبغضك لغير شيء، ومن أحسن إليك فقد استعان بالأيّام عليك؛ فإن شكرته جازتك عنه، وإن كفرته حاربتك دونه. ومن ألحّ في سؤالك فقد طرق لك إلى حرمانه، ومن أمرك بما لا تطيق فقد أغراك بعصيانه. جعلتك سهمي فيها، وأعطيتك ما أعطيت نفسي منها، فكن شفيقي إلى أذنك حتى تسمعها، ونفيع أذنك إلى قلبك حتى يفهمها، وشفيع إلى نفسك حتى تعمل بها.
стр. 3028
ومنهم:
٤ - أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن سنان الخفاجي (١٣)
الحلبي. إن تكلّم في دقائق الأدب أتقنها، أو في لغة العرب قال متقنها بنظم أقوى من تركيب الأنابيب (١)، وأحوى من الليل لشمل كل غريب. تنوّع في فنونه، وتسرّع إلى أخذ القلوب بفتونه. وترفّع في طبقاته فرأى الدراري من دونه. لمع بالتوشية برديه ووارى في التسوية النهار في وضوح ضحاه، وطيب أبرديه. وجارى البحر كلامه، فكأنه قذف من الدّر مالديه، وولّد فيه من التشبيه كلّ عقيم، ومن اللطائف ما يحسن على خدود الطروس عذاره الرقيم، ومن المعاني الواضحة الخفيّة ما يحاكي الظرف الصحيح السقيم. وله مع أبي العلاء محاورات أجلّ من محاورة الحبيب، ومجاراة أمتع من مجاراة الشادن الربيب. وقد ذكر ابن العديم منه شذورا وبلغ بها أماني كأنما وفّى بها نذورا. وكان الخفاجي شيعيا مبالغا في الغلوّ لا بل كان رافضيا، إن يزيد في الأرض إلاّ الفساد والغلو. وفي شعره منه تلك التي تستك منها المسامع، وتستل دماء النفوس حسرات بها المدامع ذكر فيها السلف الأول بما برّأهم الله من عيابه وبرّاهم لردّ نباله الراشقة في جعابه، ولقد ذكر أبا بكر الصديق ﵁ في معنى فدلّ بما يدرأ به هذا العظيم الغرابة في سحره، ويردّ به سهم هذا المنتصب عرضا إلى نحره ويرمي به شيطانه الإفك بزخره، ويعاد به حليّه؛ ولو كان العنبر الورد إلى شجره. فأما شعره فمما لا ينكر لؤلؤه لبحره. [الكامل]
عكس الأنام فإن سمعت بناقص … فاعلم بأن لديه حظا زائدا
وتفاوت الأرزاق أوجب فيهم … أن يجعلوه مصالحا ومفاسدا (٢)
وقوله: [البسيط]
стр. 3029
ومكبرين صغيرا من عقولهم … لم يركبوا الخيل إلاّ بعد ما كبروا
أخفوا بكيدهم عذرا فما عبأت … سمر الرّماح بما همّت به الإبر (١)
منها:
جرّبتموه فأفنتكم صوارمه … ولو عقلتم كفاكم دونه الخبر
وقد علا فوق أفلاك النّجوم بها … فكيف يلحق من في باعه (٢) قصر
حذّر بناس بني حمدان في أمم … تأتي فقد ظهرت في هذه النّذر
واذكر لهم سيرا في المجد معجزة … لولا الشّريعة قلنا إنها سور
السّابقون إلى الدّنيا بما ملكوا … ما أورد النّاس إلا بعد ما صدروا
ومنها:
فرع أبان جناه طيب عنصره … ما يعرف العود حتى يعرف الثّمر
منها:
منظومة فإذا فاه الرّواة بها … ظننت أنّ نجوم اللّيل تنتشر
من معجزاتي التي لولا بدائعها … في الشّعر شبّه قوم بعض ما سحروا
ومنه قوله: [الطويل]
وجذوة نار دون ذكر مكانها … سريرة حبّ لا يخاف ظهورها (٣)
تناهيت في كتمانه فنسيته … فللّه نفس غاب عنها ضميرها
وقوله: [الكامل]
ودع النّسيم يعيد من أخباره … فله حواش للحديث دقاق
ما نمّ من علق العذيب بغائب … إلا وقد شهدت به الآفاق
стр. 3030
وعلى الغضا إن كنت من جيرانه … نار تقسّم حرّها الأشواق (١)
منها:
ومشتّت العزمات ينفق عمره … حيران لا ظفر ولا إخفاق
أمل يلوح اليأس في أرجائه … وغنى يشفّ وراءه الإملاق
يمري عقاقة ثروة لو أنّها … نوم لما شعرت به الآماق
وقوله:
لو أنصفت زفّت إلى خطّابها … والبدر تاج والنّجوم نطاق
لم تعترضها بالحجاب نقيصة … ما كلّ ما ستر البدور محاق (٢)
وقوله: [الطويل]
وهاتفة في البان تملي غرامها … علينا ونتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالة … وقد جاوبت من كلّ ناحية إلفا
ويشجي قلوب العاشقين حنينها … وما فهموا ممّا تغنّت به حرفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسى … لما لبست طوقا ولا خضّبت كفّا
أجارتنا أذكرت من ليس ناسيا … وأضرمت نارا للصّبابة لا تطفى (٣)
منها:
لعمري لئن طالت علينا فإنّنا … بحكم الثّريّا قد قطعنا لها كفّا
رمينا بها في الغرب وهي ذميمة … ولم تبق للجوزاء عقدا ولا شنفا
كأنّ الدّجى لّما تولّت نجومه … مدبّر حرب قد هزمنا لها صفّا
كأنّ عليه للمجرّة روضة … مفتّحة الأزهار أو نثرة زغفا (٤)
كأنّا وقد ألقى إلينا هلاله … سلبناه تاجا أو فصمنا له وقفا
стр. 3031
كأن السّهى إنسان عين قريحة (١) … من الدّمع تبدو كلّما ذرفت ذرفا
كأن سنا المرّيخ شعلة قابس … تخطّفها عجلان يخطفها خطفا
كأن سهيلا فارس عاين الوغى … ففرّ ولم يشهد طرادا ولا زحفا
كأن أفول النّسر طرف تعلّقت … به سنة ما هبّ منها ولا أغفى
وقوله: [الكامل]
ما كان يعلم قبل فيض نواله … أنّ الغمام إذا استهلّ بخيل
فرقت عزائمه فشاب لها الدّجى … خوفا وأثّر في الهلال نحول
وقوله: [الرمل]
كلّ ميّاس جرت أعطافه … وعواليه على حكم التثنّي
هزّة للجود صارت نشوة … لم يكدّر عندها العرف بمنّ
وقوله: [الطويل]
وهل علم البرق اليمانيّ أنّنا … طرقنا به طرفا من الليل أكحلا
وما باله خصّ الغضا بابتسامة … وسلّ على رمل الشّقيقة منصلا
وهيفاء طوع الرّيح قد خلع الدّجى … عليها هلالا بالنّجوم مكمّلا
لها من خلال المشرفيّ صقاله … ومن شيم الخطّي أن يتميّلا (٢)
وقوله: [الطويل]
وليس بكاء العين إلاّ جناية … ولا اللّوم إلاّ أنّها بقيت معي
وكل أسى لا تذهب النّفس عنده … فما هو إلاّ من قبيل التّصنّع
وواللّه ما وفّيت ودّك حقّه … وهل هي إلاّ لوعتي وتفجّعي
وأين وفائي لامدى الدّمع بالغ … رضاي ولا جهد الصّبابة مقنعي
стр. 3032
وقوله: [الكامل]
أنفقت بعد أبي العلاء مدامعا … حبست ذخيرتها على الآماق
وبكيته وجفونها موجودة … مثل الحمام تنوح بالأطواق
وظننت في فيض الدّموع من الجوى … فرجا فصار بمائها إغراقي (١)
قوله: [الكامل]
ومدامع سبقت خيال نديمه … ما كنت إلا قطرة من ظلّها
وإذا القلوب ترادفت أحزانها … فالدّمع يحمل شعبة من ثقلها
وقوله: [الطويل]
لحا اللّه مغلوبا على نصل سيفه … مقيما على نهي الزّمان وأمره
أناخ بدار الهون حتّى كأنّما … يرى الرّزق مقصورا على مستقرّه
وقوله: [الطويل]
وقلّ زمان العاجزين فإنّني … لأكرم نفسي أن أقول زماني
إذا باعدت منّا المناسب قرّبت … مودّة لا ناس ولا متوان
وإنّ سنان الرّمح ينجد ربّه (٢) … على بعده لا زجّة المتداني
وقوله: [الرّجز]
فربّ ليل في هضاب عاقل … رقّ نسيما حين طاب ملبسا
يظنني الغيران قد شهدته … وإنّما وصفته تفرّسا
وقوله: [الطويل]
ألوم عليك الوجد وهو مبرّح … وأعتب فيك الدّمع وهو نجيع
وأعلم أنّي ما منحتك طائلا … وهل هي إلاّ زفرة ودموع
стр. 3033
وقوله: [الكامل]
وصبابة علقت بقلب متيّم … وصل الغرام إليه قبل حجابه
وإذا الغريب صبا إلى أوطانه … شوقا فمعناه إلى أحبابه
وقوله: [الطويل]
وظبي من الأعراب (١) رنّحه الصّبا … فمال وفي أعطافه تقبس الخمر
إذا أخذ المرآة ينظر وجهه … ظننتهما شمسين بينهما بدر
وقوله: [البسيط]
من كان يحمد ليلا في تقاصره … فإنّ ليلي ما يرجى له سحر
لا تسألوني إلاّ عن أوائله … فآخر الليل ما عندي له خبر
وقوله: [الطويل]
فيا قلب قد حذّرتك النظرة الّتي … خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا
ويا قلب قد أرداك من قبل مرّة … فويحك لم طاوعته مرّة أخرى
وقوله: [الكامل]
ومهوّن للوجد يحسب أنّها … يوم العذيب مدامع وخدود
سل بانة الوادي فليس يفوتها … خبر يطول به الجوى ويزيد
وانشد معي ضوء الصّباح وقل له … كم تستطيل بك الليالي السّود
وقوله: [الرّمل]
يا عيونا بالغضى راقدةّ … حرّم اللّه عليكنّ الكرى
لو عدلتنّ تساهمنا جوى … مثلما كنّا اشترطنا نظرا
سل فروع البان عن قلبي فقد … وهم البارق فيما ذكرا (٢)
стр. 3034
وقوله: [الكامل]
واستخبروا ليلا رعيت شبابه … ليلا ولم ينصل دجاه شبابي
سهرت كواكبه معي وبعدتم … أنتم كواكبه وهنّ صحابي (١)
وقوله: [الكامل]
بيني وبين الذلّ عزّ قناعة … نبذ الحمام إباؤها وتبرّضا
وسنان مطّرد الكعوب مثقف … كالصل صرّح بالوعيد ونضنضا
إن ضاق مسرح ناقتي بفنائكم … فزمامها بيدي وما ضاق الفضا (٢)
وقوله: [المديد]
ما على العذّال لو نظروا … ثم لاموا فيك واعتذروا
قمر ضلّ الأنام به … ما بهذا يعرف القمر (٣)
وقوله: [الكامل]
ومن العجائب أنّ بيض سيوفه … تبكي دما وكأنّها تتبسّم
فالآن سلّمت القلوب إليكم … وتيقنّت أنّ الخلافة فيكم (٤)
وقوله: [الطويل]
وما أنا بالمشتاق إن قلت بيننا … طوال العوالي أو طوال السباسب
فما لقلوب العاشقين مزيّة … إذا نظرت أفكارها في العواقب
منها:
إذا كان عقل المرء أدنى خلاله … فما هي إلا ثغرة للمصائب
وكم حبس القمريّ حسن غنائه … وقيّدت البازيّ حجن المخالب
стр. 3035
منها:
تظنّ العدا أنّي مدحتك للغنى … وما الشّعر عندي من كريم المكاسب
وما شئت إلاّ أن تتمّ صفاته … وللدرّ معنى في نحور الكواعب (١)
وقوله: [الرمل]
ما على أحسنكم لو أحسنا … إنّما يطلب شيئا هيّنا
قد شجانا اليأس من بعدكم … فادر كونا بأحاديث المنى
وعدوا بالوصل من طيفكم … مقلة تعرف فيكم وسنا
لا وسحر بين أجفانكم … فتن الحبّ به من فتنا
وحديث من مواعيدكم … تحسد العين عليه الأذنا
ما رحلت العيس عن أرضكم … فرأت عيني شيئا حسنا
يا بني عذرة إن خفناكم … قدم الهرماس (٢) منكم عدنا
أخذت سمركم الثّأر به … لست أعني لكم السّمر القنا
وسللتم فيه ألحاظكم … فعرفنا بالسّيوف اليمنا
هل لنا نحوكم من عودة … ومن التّعليل قولي هل لنا
كم أسلّي النّفس عن حبّكم … وهي لا تزداد إلاّ حرنا
ولعمري لو وجدنا راحة … من هواكم لطلبنا شجنا
يا نديميّ غفا ذكركم … وحديث الشّوق قد أسكرنا
بين بصرى وضمير غرب … يأمن الخائف فيهم ما جنى
كلّما شنّت عليهم غارة … أغمدوا البيض وسلّوا الأعينا
طلعت للحسن فيهم مزنة … أنبتت في كل حقف (٣) غصنا
ما لقلبي ليس يشفى داؤه … كلّما زال ضنا عاد ضنا
لو سلمنا من تباريح الجوى … لذكرنا جملة من أمرنا
стр. 3036
وشكرنا لابن نصر منّة … أنطقت بالمدح فيه الألسنا (١)
قوله: [البسيط]
إذا هجرتكم لم أخش سطوتكم … وإن مدحت فما حظّي سوى التّعب
فحين لم ألف لا خوفا ولا طمعا … رغبت في الهجو إشفاقا من الكذب
قوله: [الكامل]
هل تسمعون شكاية من عاتب … أو تقبلون إنابة من تائب
أم كلّما يتلو الصديق عليكم … في جانب وقلوبكم في جانب
أمّا الوشاة فقد أصابوا عندكم … شرفا ينفّق كلّ قول كاذب
فمللتم من صابر ورقدتم … عن ساهر وزهدتم في راغب
وأقلّ ما حكم الملال عليكم … سوء القلى وسماع قول العائب (٢)
وقوله: [الطويل]
وعلّمتوني كيف أصبر عنكم … وأطلب من رقّ الغرام بكم عتقا
فما قلت يوما للبكاء عليكم … رويدا ولا للشّوق نحوكم رفقا
وما الحبّ إلا أن أعدّ قبيحكم … إليّ جميلا والقلى منكم عشقا (٣)
وكان أبو محمد الخفاجي قد عصا بقلعة عزاز من أعمال حلب، وكان بينه وبين أبي نصر، محمد بن الحسن ابن النحّاس الوزير لمحمود وغيره مودّة أكيده. فأمر محمود أبا نصر أن يكتب إلى الخفاجي كتابا يستعطفه ويؤمنه. وقال: إنه لا يأمن إلاّ إليك، ولا يثق إلاّ بك.
فكتب إليه كتابا، فلما فرغ منه، وكتب: إن شاء الله، وشدّد النون من إن شاء الله. فلما قرأه الخفاجي خرج من عزاز قاصدا إلى حلب. فلما كان على ظهر الطريق أعاد النظر في الكتاب، فلمّا رأى التشديد على النون أمسك رأس رأسه وأفكر، وقال في نفسه: لم يكتب ابن النحاس هذا عبثا، فلاح له ﴿إِنَّ اَلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (¬٤﴾، فرجع إلى عزاز ولم
стр. 3037
يدخل حلب. وكتب إليه الجواب: إنّا الخادم المعترف بالإنعام، وكسر الألف من، أنا، وشدّد النون وفتحها.
فلمّا وقف الشيخ أبو نصر على الكتاب سرّ بما فيه، وقصد بذلك: ﴿إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها (¬١﴾: فكتب إليه يحذّره ويستصوب رأيه في ترك الحضور، ويستعلم أخباره فكتب إليه ابن سنان، وهو آخر شعر قاله: [البسيط]
خف من أمنت ولا تركن إلى أحد … فما تزيد على غدر الأعاريب
تمسّكوا بوصايا اللّؤم بينهم … وكاد أن يدرسوها في المحاريب
أعدّ قرب رحيلي منهم فرجا … وما مقامي وعيش الدّهر يسري بي (٢)
قال: فلما رأى محمود امتناع ابن سنان من حضور مجلسه، والركون إليه أخذ يفكر في حيلة يبلغه بها، فاستدعى أبا نصر ابن النحاس، وقال له: أنت أشرت عليّ بتولية هذا الرجل، ولا أعرف فراغ بالي منه إلا من جهتك، ومتى لم تفعل ما آمرك به قتلتك، وألحقت بك جميع من بينك وبينه حرمة. واعلم أن العلامة في نصحك وترك الغش منك لي موته. ومتى لم يقع هذا ألاّ أقبل لك عذرا. وضربت عنقك. فقال له: مرني بأمرك. قال: تمضي إليه، وفي صحبتك ثلاثون فارسا، فإذا قاربته أنفذت من يعرفه حولك؛ فإنه إذا عرف ذلك لا يرى ترك النزول إليك والتلقي لك، فإذا فعل ذلك وسألك النزول عنده والأكل معه فامتنع، وعرّفه أني حلّفتك ألاّ تأكل زاده، ولا تحضر مجلسه حتى يعطيك في الحضور عندي. وطاوله في المخاطبة حتى يقارب الظهر، ثم ادّع أنك قد جعت واخرج هذين الخشتنانكتين، فكل أنت هذه وأطعمه هذه، فإن استوفى أكلها عجّل الرجوع إليّ؛ فإن ميتته فيها.
فسار ابن النحاس مقدّما رجلا ومؤخرا أخرى، مقسّم الفكر في إتلاف مثل ذلك الأخ.
قال: وعزمت على الهرب، ثم فكّرت فيمن خلّفت من العائلة، فألجأته الضرورة إلى أن فعل
стр. 3038
جميع ما أمر به محمود. وكان بين ابن سنان وبين ابن النحاس من المودّة والصفاء ما لم ينكر معه شيئا ممّا جرى.
قال: وجعل والله يأكلها فلما استوفى أكل كشتنانكته صرفت رأس فرسي إلى حلب، مجدّا في السير، خوفا من الطلب، ورجع ابن سنان إلى مركزه من القلعة فلما استقرّ بها وجد مغصا شديدا، ورعدة مزعجة، ثم قال: قتلني والله أخي أبو نصر بما أطعمني من زاده.
وأمر بالركوب خلفه وردّه، فركبوا خلفه ففاتهم، ووصل ابن النحاس عشاء إلى حلب، وعرّف محمود بما جرى. فلمّا أصبح، كان من الغدو قد وصل من عزاز من أخبر أن ابن سنان في الشاقّ. واستدعى ابن سنان حضور الشريف أبي المعالي النقيب.
وحكى أبو الحسن علي بن معن، قال: كنت ممّن خرج من حلب إلى عزاز يومئذ فوجدنا الشيخ أبا محمد ابن سنان ليس له يد تتحرك، فجعل يتصفّح وجوهنا، ولا يستطيع كلامنا، ثم مات ﵀ سنة ست وستين وأربعمائة.
ومنهم:
٥ - عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني (١٣)
الإسماعيلي النحوي، أبو بكر. الإمام في علم العربية، مجلي حنادس (١)، ومصدّق ظن حادس. جعل فسحاء الكتب مراحه، وخالف زمانه على عدم الراحة، فكان يحمل نفسه فوق الطاقة، ولا يصالح شمسه بالعاقة (٢) فلم يأته ليل إلا وجدّ زناده في شوقه، وجدّ عادة
стр. 3039
منه حتى فكّك أزرار نجومه من طوقه، ثم لم يزل حتى يخلط أول ليله بنهاره، ويجمع في طرفيه بين سقيفه ونهاره. فلا يخفف عنه شفقا، ولا يعرف أصيلا ولا شفقا؛ ولهذا ساد وساد ذكره بين تأويب وآساد. وهو من أئمة البيان، وأهله أهلّة الأعيان، أظهر اللطائف وبيّنها ومثّلها للعيان، وعيّنها، فأخرج خباياها، وأبدى خفاياها، وأتى فيها من شهد النحل ما ضمّت خلاياها، فأخذ اللبّ وترك القشور، وأبقى من صحفه ما لا يطوى إلى يوم النشور.
وأخذ النحو عن أبي الحسن، عبد الوارث ابن أخت أبي عليّ الفارسي. ولم يلق شيخا مشهورا غيره، لأنه لم يخرج عن جرجان. وكان ينتحل مذهب الشافعي، وأصول الأشعري.
وبرز على من تقدّمه، وأعجز من تأخّر عنه، وتوفي سنة إحدى وقيل سنة أربع وسبعين وأربعمائة. ومن شعره ما قاله ارتجالا، ممّا يكتب على القلم: [الكامل]
مهما حصلت بكفّ خير النّاس … سعد جلوت المجد في القرطاس
ولقيت آمال العفاة بنجحها … وقلعت بالنّعمى عروق الياس
وغدوت والسّيف المهنّد خادمي … وترى الأسنّة لا تقوم لناسي
وقوله في معنى: [الوافر]
أتيه على الحسام إذا جرت بي … يد الشّيخ الإمام أبي المحاسن
أقصّي الجود عنه في البرايا … وأطلع بالمناجح والميامن
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
أعرض عن العقل لا ترده … ومل إلى الجهل ميل هايم
وعش حمارا تعش بخير … فالسّعد في طالع البهائم
ومنه قوله: [السّريع]
لا تأمن الغيبة من شاعر … ما دام حيّا لافظا ناطقا
فإنّ من يمد حكم كاذبا … يحسن أن يهجوكم صادقا
стр. 3040
وقوله أيضا: [الكامل]
لا يوحشنّك أنّهم ما ارتاحوا … ممّا جلاه عليهم المدّاح
فهم كقوم علّقت ثاراتهم … بيض المرامي والوجوه قباح
ومنهم:
٦ - أبو الحسن الزمخشري (١٣)
محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي. إمام أيّ بحر بين جنبيه، وأيّ طودخبا في ثوبيه. أيّ بدر طلع من عرفه، وأيّ برق تهلّل في شرفه. شهم أي شهم، وخاطر لا يمرّ به وهم؛ إلاّ أنه كان من رؤوس الاعتدال، وصدور أهل الاعتلال، كلمة أجمع عليها أهل السنّة وأطلقت عليه بالتحقيق لا بالظنّة، بان بها انكشافه، وحقّق أمرها كشّافه، وجاور البيت الحرام بمكة باقي مدّته، وثوى بها ثواء لا هبوب من رقدته. وكان بها ربيعا لأهل ذلك الوادي، وضياء لأهلّة ذلك النادي. تسري الركائب إليه، وترى الوفود تمام الحج أن تقف المطايا عليه. وكان يسمّى جار الله وهكذا كان يكتب في الفتاوى. ويقال: إنه كان يرى جواز إباحة المنفعة، ولا يصرّح منه إلاّ بطرف إيماء. وقيل: إنه ربّما فعله مع بعض أعزاء أضيافه وأخصّاء نزلائه من أهل ائتلافه.
كان واسع العلم كثير الفضل، غاية في الذكاء وجودة القريحة، متقنا لكل علم، معتزليا قويا في مذهبه، مجاهرا به، حنفيّ الفروع. ورد إلى بغداد غير مرّة، وجاور بمكة، وتلقّب بجار الله تشبيها بأبي المعالي الجويني (١)؛ إذ يلقب بإمام الحرمين لمجاورته بهما. وكان يلقب
стр. 3041
أيضا بفخر خوارزم.
دخل عليه بعض الفضلاء، فقال له: بم عاجلك الشيب؟ قال: بمتابعة الأسفار ومطالعة الأسفار فقال الزمخشري: إنّ رواءه يدلّ على ما وراءه.
وأصاب الزمخشري في رجله خراج فقطعها، ووضع عوضها رجلا من خشب. وكان إذا مشى ألقى عليها ثيابه الطوال، فيظنّ من يراه أنه أعرج.
ومن شعره ما قاله في شيخه فريد العصر، أبي مضر محمود بن جرير الأصبهاني (١):
[الطويل]
سلام عليكم أدمعي قلمّا ترقى … إذا سمت من تلقاء أرضكم برقا
ومن عجب أنّي إذا لاح بارق … بأرضكم استمطرت أجفاني الودقا
وما خلت هذا البرق إلا ابتسامة … بسعدي أضاءت عند إيماضها الأفقا
أأومض برق أم سعاد تبسّمت … فما تعرف العينان بينهما فرقا
تمنّيت لو يغني التمنّي لقاؤها … بوقع رماح الخطّ من دون أن تلقى
خليليّ هل أيامنا بسويقة … رواجع أو طارت بأيامنا العنقا
مقيل شباب قد تقلّص ظلّه … ومشرع لهو آض سلساله رتقا
إذا الرّيح من شرقي لهو تبسّمت … فيا برد صدري حين انشقها نشقا
ولهفي على عصر تقضّى مناسب … سحابا فريد العصر أو وجهه الطلقا
وقوله يرثي شيخه المذكور: [الطويل]
وقائلة ما هذه الدّرر الّتي … تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت لها الدرّ الذي كان قد حشي … أبو مضر فيه تساقط من عيني
وقوله: [الطويل]
стр. 3042
أبادية الأعراب بعدا فإنّني … بخاطرة الأتراك نيطت علائقي
وأهلك يا نجل العيون فإنّني … بكيت بهذا الناظر المتضايق
وقوله: [الرجز]
تزهو علينا بقوس حاجبها … زهو تميم بقوس حاجبها
وسمع الزمخشري قول القائل: إن السفيه إذا لم ينه مأمور، فحذا حذوه، فقال: [الكامل]
وإذا سفيه عضّني في مجلس … ونهاك من غرر الأكارم معشر
فهم الألى عضّوا إذا ما هم رضوا … وهم الألى نكروا إذا لم ينكروا
ومنهم:
٧ - السكّاكي (١٣)
فعله غير مشوّه، وفضله أيّ مموّه، ذو علوم، يترك آية الليل ممحوّة، وشفة السحر للمناداة حوّة. أضاءت داريه، وطالت متن البجاد أياديه. سعى للعلوم فحصّل طرائفها، وحضن تحت جناحه طوائفها. واهتزّ للمعاني اهتزاز الغصن للبارح، ولزّ من تقدّمه في الزمان لزّ الجدع القارح، فأضحى الفضل كلّه يزم بعنانه، ويذم السيف ونصله سنانه (١).
стр. 3043
٨ - ابن أبي الإصبع (١٣)
وأما المغاربة فلم يقع إلينا من هذه الطائفة منهم أحد، ممّن هو على شرط هذا الكتاب.
وأما مصر فلم يقع إلينا من أهلها إلاّ واحد، ولكنه أيّ واحد! واحد كالألف إن أقرعنا، وهو الزكي عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر بن عبد الله بن محمد بن جعفر بن الحسن بن محمد العدواني المصري. عرف بابن الإصبع. جدّ حتى انقاد له الحظّ، وسهر حتى رقّ عليه قلب الليل الفظّ. طالما تمحّى ليل بإدراكه، وتنحّى سهيل فوقع في أشراكه. مرّ على قطائع الكواكب فساق قلائصها، وسام في طرائد الليل قنائصها. وكان بمصر، وله مثل مقطعاتها، ونضير مصبغات ربيعها ومصبغاتها، قطع شعر، هي السحر الحلال، والبارد العذب لا ماء النيل الزلال. وعليه تخرج جماعة المتأخرين من الأدباء. وكان الأديب أبو الحسين الجزار (١) يمتّ بحضوره لديه، وعرض أوائل شعره عليه. وله عمّ، أي الحسين بسببه حكايات ليس هذا موضعها. مولده سنة خمس، وقيل: سنة تسع وثمانين وخمسمئة بمصر. وتوفي في الثالث والعشرين من شوال سنة أربع وعشرين وستمئة. وله تصانيف مفيدة.
وذكر شيخنا أبو الثناء الكاتب في التوشيع، قال: وقال ابن أبي الإصبع: وما بشعر قلته في هذا الباب من بأس، هو: [البسيط]
بي محنتان ملام في هوى بهما … يرمى لي القاسيان الحبّ والحجر
لولا الشقيقان من أمنيّة وأسى … أودى بي الموديان الشوق والفكر
قال شيخنا أبو الثناء: ويحسن أن يسمى ما في بيته مطّرف التوشيع، إذ وقع المثنى في
стр. 3044
أول كل بيت وآخره. وذكر في التفريع، أن ابن الإصبع ذكره في صدر الباب، وقال: إنه هو الذي استخرجه، وهو أن يبتدئ الشاعر بلفظة، هي إما اسم أو صفة، ثم يكرّرها في البيت مضافة إلى أسماء أو صفات، تتفرع عليهما جملة من المعاني في المدح وغيره، كقول المتنبي: [المتقارب]
أنا ابن اللّقاء أنا ابن السّخاء … أنا ابن الضّراب أنا ابن الطّعان
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي … أنا ابن السّروج أنا ابن الرّعان (١)
طويل النّجاد طويل العماد … طويل القناة طويل السّنان
حديد اللّحاظ حديد الحفاظ … حديد الحسام حديد الجنان (٢)، (٣)
قال شيخنا: وفيما ذكره نظر؛ لانه باب تعديد الصفات أنسب.
وقال في الإبداع: قال ابن أبي الإصبع: وما رأيت فيما استقريت من الكلام كأنه استخرجت منها واحدا وعشرين ضربا من المحاسن، وهي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ اَلْماءُ وَقُضِيَ اَلْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ اَلظّالِمِينَ (¬٤﴾، وهي المناسبة الثامنة بين اقلعي وابلعي، والمطابقة بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله: (يا سماء)؛ فإن المراد، والله أعلم، يا مطر السماء، والاستعارة في قوله:
(أقلعي) والإشارة في قوله تعالى ﴿غِيضَ اَلْماءُ﴾؛ فإنه عبرّ بها بين اللفظتين عن معان كثيرة.
والتمثيل في قوله سبحانه: ﴿وَقُضِيَ اَلْأَمْرُ﴾؛ فإنه عبّر عن هلاك الهالكين، ونجاة الناجين بغير لفظ المعنى الموضوع له، والإيذان في قوله تعال: ﴿وَاِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ﴾، فإنه عبرّ عن استقرارها بهذا المكان استقرارا متمكنا بلفظ قريب من لفظ المعنى والتعليل؛ لأن غيض الماء علة الاستواء، وصحة التقسيم، اذا استوعب سبحانه اقتسام أحوال الماء حالة نقصه؛ إذ ليس
стр. 3045
إلا الاحتباس لماء السماء، واحتقان الماء الذي ينبع من الأرض. وغيض الماء الحاصل على ظهرها والاحتراس في قوله: «وقيل بعدا للقوم الظالمين»؛ إذ الدعاء عليهم يشعر بأنهم مستحقو الهلاك؛ احتراسا من ضعيف العقل، يتوهم أن العذاب شمل من يستحق ومن لا يستحق فتأكد بالدعاء كونهم مستحقين. والإيضاح في قوله تعالى؛ ليبيّن أن القوم الذين سبق ذكرهم في الآية المتقدمة، حيث قال: ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ (¬١﴾ هم الذين وصفهم بالظلم؛ ليعلم أنّ لفظة القوم ليست فضلة، وأنه يحصل بسقوطها ليس في الكلام والمساواة؛ لان لفظ الآية لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لانه عطف القضايا بعضها على بعض بحسن وائتلاف اللفظ مع المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح موضعها غيرها والإيجاز، لانه اقتصّ القصة بلفظها مستوعبة بحيث لم يحل منها في أقصر عبارة. والتسهيم؛ لأن أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها.
والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، عليها رونق الفصاحة سليمة من التعقيد والتقديم والتأخير والتمكين؛ لأن ألفاظه مستقرة في قرارها، مطمئنة في مكامنها، والانسجام وهو يجدر الكلام بسهولة كما ينسجم الماء. وباقي مجموع الآية من الإبداع، وهو أن يأتي في البيت الواحد من الشعراء، والقرينة الواحدة من النثر عدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله (٢).
قال: فهذه سبع عشرة لفظة تضمنت واحدا وعشرين ضربا من البديع غير ما تكرر من أنواعه فيها.
وأنشد له ابن سعيد قوله في المريض: [المتقارب]
ولمّا رأيتك عند المديح (م) … جهم المحيّا لنا تنظر
تيقّنت بخلك لي بالنداء … لأنّ الجهامة لا تمطر
стр. 3046
ومن بقية ماله قوله: [الطويل]
وساق إذا ما ضاحك الكأس قابلت … فواقعها من ثغره اللؤلؤ الرّطبا
خشيت وقد أمسى نديمي على الدّجى … فأسدلت دون الصّبح من شعره حجبا
وقسّمت شمس الطاس في الكأس أنجما … ويا طول ليل قسّمت شمسه شهبا
وقوله: [الطويل]
تبسّم لّما أن بكيت من الهجر … فقلت ترى دمعي فقال ترى ثغري
فديتك لّما أن بكيت تنظّمت … بفيك لآلي الدّمع عقدا من الدرّ
فلا تدّعي يا شاعر الثّغر صنعة … فكاتب دمعي قال ذا النظم من نثري
وقوله: [الطويل]
أيا عبلة الألحاظ قلبك عنتر … ومالي على غاراته في الحشا صبر
نعم أنت يا خنساء حسناء عصرنا … وشاهد قولي أنّ قلبك لي صخر
ومنها:
أغاية قصدي بطن يمناك غاية … بها أبدا للمجتدي ينبت التّبر
أغضت الحيا والبحر جودا فقد بكى ال … حيا من حياء منك والتطم البحر
عيون معانيها صحاح وأعين ال … ملاح مراض في لواحظها كسر
أضاعت عقولا حين ضاعت فما درى … أبابل أهداها إليك أم السّحر
وقوله: [الطويل]
إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها … تذكّرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من أدمعي وقوامها … بجرّ عوالينا ومجرى السّوابق
وقوله: [البسيط]
وقيّم كلّمت جسمي أنامله … بغير ألسنة تكليم خرسان
إن رام مسك يميني كاد يخلعها … أو سرّح الرأس بعد الغسل أبكاني
стр. 3047
فليس يمسك بالمعروف منه يدا … ولا يسرّح تسريحا بإحسان
وقوله: [الطويل]
تصدّق بوصل إنّ دمعي سائل … وزوّد فؤادي نظرة فهو راحل
فجدّ لموجود به البرّ والغنى … وحسبك معدوم لديه المماثل
أيا قمرا من شمس وجنته لنا … تطلّ عذاريه الضّحى والأصائل
تقلّب من طرف لقلب مع النّوى … وهاتيك للبدر التّمام منازل
إذا ذكرت عيناك للصبّ درسها … من السّحر قامت بالدّلال الدّلائل
جعلتك بالتّمييز نصبا لناظري … فلا رفعت للهجر والهجر فاعل
ولمّا أضفت السّحر للجفن بيّنت … به الكسر من غنج الجفون العوامل
أعاذلي قد أبصرت حبي وحسنه … فإن لمتني فيه فما أنت عاقل
محيّاه قنديل لديجور شعره … تعلّقه بالصّدغ منها السّلاسل
غدا القدّ غصنا منه يعطفه الصّبا … فلا غرو إن هاجت عليه البلابل
ومنها:
له من ودادي ملء كفّيه صافيا … ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
ومن قدّه الزّاهي ونبت عذاره … صدور رماح شرّعته سلاسل
وقوله: [المتقارب]
تبسّم لمّا رأى راحنا … لأقداحنا أبدا تلثم
فقال المدامة بنت الزّجاج … فقلت التبسّم ابن الفم
وقوله يمدح الملك الأشرف ويذكر اجتماعه بالشمس خضر بالرقّة على شاطئ الفرات:
[الطويل]
قران أرانا برجه الشمس والبدرا … فأضحى لنا بل للأنام به البشرى
بذا العالم السفلي بات فقد غدا … على العالم العلوي يبدي به الفخرا
стр. 3048
غدا مجمع البحرين شرط قراننا … ألم ير موسى فيه قد صادف الخضرا
به اجتمعا لكنّ ذا لم يقل لذا … غداة اللّقا لن تستطيع معي صبرا
وأولها:
أرى الجدّ يبدي تارة جنّة خضرا … أسطري به أم خطّ من صدغه سطرا
عجبت له خدّا تورّد خجلة … تريك بآس الصّدغ فيه الدّجى ظهرا
رفعت له عن دمع عيني طلابة … أروم بها عطفا فوّقع لي يجرى
وقوله في الزوبعة: [الطويل]
علا رهج الإعصار عند التفاته … فأعجل عيني أن تغمّض جفنيها
كراقصة قد أسرعت دورانها … اذا انقلبت لفّت على الخصر كميّها
وقوله فيها: [الخفيف]
قام في قائم الظّهيرة نقع … مستطيل أثاره إعصار
مثل ظلّ الاشباح في الارض خطّا … مستطيلا إذا تولّى النّهار
وقوله فيها: [السّريع]
أقول للنّاس وقد أنذر ال … إعصار من شاهده في الهوا
تعوّذوا في الأرض من فتنة … غبارها يصعد نحو السما
وقوله: [البسيط]
شكى البخار ببطن الأرض محبسه … عساه يطلق فاهتزّت لشكواه
وكانت الأرض كالحبلى إذا صلح ال … حنين في جوفها يهتزّ أعلاه
وقوله: [الرّمل]
قلت إذ زلزلت الأرض وما … فوقها للعهد إلاّ ناقص
حمّت الدّنيا من الغيظ على … ساكنيها فاعتراها ناقص
стр. 3049
وقوله: [البسيط]
قامت إلى شمعة في اللّيل تصلحها … بلا مقطّ فطارت مهجتي فرقا
فأدركتني وقالت لا تخف لهبا … على بنان من الياقوت قد خلقا
وقوله: [الطويل]
أظنّ خيال العامريّة قد ضنّا … وحاشاه لكن ليس لي مقلة وسنا
وكيف يزور الطّيف صبّا يراقب ال … نجوم إذا ما ليلة موهنا جنّا
سميري ما للطّيف ذنب لأنّه … رأى خدنه وهو الكرى قد جفا الجفنا
وكم ليلة فاوضته أن يلمّ بي … إذا ما هدى ليل فعنّ وما عنّى
فأهدى لنا في الحضر بادية الفلا … بها السّرب من ولد الضّراغم قد رعنا
قصدنا غزالا أعلقته حبائل ال … منام ولولا أخته ما نجا منّا
ومنها:
بكيت فناداني أتبكي وبيننا … بحكم التّداني قاب قوسين أو أدنى
فقلت كذا كنّا بمنعرج اللّوى … ولكنّنا من بعد ذاك تفرّقنا
رأيت بفيه إذ تبسّم أدمعا … فقلت وفى لي إذ بكى فمه حزنا
أجاد له في النّظم شاعر ثغره … ولكنّه من مقلتي سرق المعنى
آخر الجزء الرابع، ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى:
فأما طوائف الفقراء، خلاصة ذوي القلوب، وخاصة المحبوب.
стр. 3050
السفر الثامن: طوائف الفقراء والصوفية
المحقق: بسام محمد بارود