لطفت شمائله فعدن شمائلا … من أجلها عرف النسيم معطر
لو لم ينمّ عبيره بعنوده … كان الرقيب للطفه لا يشعر
وقوله:
أصافح الأغصان أبغي الحيا … مستشفيا .... جربالها
وكيف لا يدركني جودها … وقد تعلّقت بأذيالها
وقوله:
ناجته في السرّ الحاظي على وجل … أليس في الحال ما يغني عن السكرى
فقال لي كسر جفنيه فديتهما … بحجلة قد عرفت السر والنجوى
وقوله:
يا معرضا عني وفي أغراضه لطف … يفي بفضائل القرب
من دون سفك دمي بحبك عامدا … معنّى نفسك بواعث العتب
وقوله:
كأنما النهر في ظل الغصون وقد … ألقى السحاب عليه حمرة الشفق
خدّ تكنفه قرط الحياء وقد … مدّ العذار عليه خضرة الورق
وقوله:
كسى فصل الربيع الدوح بردا … يقيها لفحة الحر الشديد
وما خلعته لما رث إلا … وقد طمحت إلى لبس الجديد
وقوله:
أنا مستجير بالدجى … من سلّ سيف صباحه
فعساه يكلأ ذا هوى … كرما بظلّ جناحه
وقوله:
стр. 3327
كأنّ سمانا والبدر فيها … وأنجمها محدقة إليه
حديقة نرجس من حول عين … تدفّق ماؤها فطغى عليه
وقوله:
جاء فصل الربيع يخطر عجبا … عطفه بين نرجس وبهار
وبدت خجلة من الماء لما … رمقته لواحظ الجلنار
وكأن الغدير إذ قابل الشمس … لجين مرصّع بنضار
وكأن السماء إذ رأت الأرض … عروسا جادت لها بنثار
فلهذا أضحى الأقاح وكل … قابض بعزة على دينار
وذكت نكهة الصبا إذ أذاعت … سر ما أودعت عن النوار
لا عجب تهدي إلينا شذاها … مع صباها مجامر الأزهار
إذ رأينا بكل كأس شقيق … در مسك تذكيه شعلة نار
وقوله:
تبسم ثغر الروض بعد قطوبه … سرورا بإقبال الربيع إليه
ألم تر أن الغصن إذ رقّت الصبا … يصفق مسرورا لها بيديه
وأن ثياب الورد وهي شقيقة … يشققها حتى تمرّ عليه
وقوله:
خلت أن الغصون ترقص لما … بشرتها النسيم بالأمطار
فلهذا ألقت لها ما عليها … فهي من شدة السرور عواري
لبست في الشباب ثوب وقار … ورأت في المشيب خلع عذار
وقوله:
دمن تخال دماء خدود شقيقها … تجري وثغر أقاحها يتكلم
ويكاد نرجسها ويمنعه الحيا … منا بأطراف الحياء يسلم
стр. 3328
وقوله:
ودوحة حسن خلتها حين انبعث … كواكب تبر في السماء زبرجد
إذا قبلتها الشمس ظنت لطافة … بقية نار في بنادق عسجد
وقوله:
وما اشتقت أيام الصبا غير أنني … تذكرت أحبابا بها ومآربا
تولوا فولى طيب عيشى لبينهم … فلوا أنهم داموا لدام لي الصبا
وقوله:
أو ما ترى المنثور لما أن رأى … طيب المقام بجنة وخلود
كسر الصليب وقد عدا ببنانه … نحو السماء يشير بالتوحيد
وقوله:
تعوّدت طول الهجر منكم فلو طرا … لي الوصل يوما أنه الوصل
ولو شاهدتكم مقلتي لم أثق بها … وقلت مناما ما لبعضها أصل
وقوله:
فاحت فقلت لها دعي … ليس الهوى بتصنّع
أين الذهول إذا نطقت … وأين فيض الأدمع؟
وقوله:
لئن شغلت روحي بغير هواكم … فلا بلغت من وصلكم ما تمنّت
وإن مدّت الأيدي إلى غير فضلكم … تروم نوالا من سواكم فشلّت
وقوله:
قم فاسقني ما راق في … صافي الكؤوس من الشراب
راحا ألذّ من ابتسام … من حبيب في عتاب
стр. 3329
وأرق من شكوى محبّ … مستهام باكتئاب
والشمس في أفق السماء … تلوح من خلل السحاب
مرآة تبر دونها … ما رقّ من حمر الشباب
وقوله:
بدا لنا الجلّنار في القضب … والطل يبدو عليه كالحبب
كأنما أكؤس العقيق به … قد ملت من برادة الذهب
وقوله:
غدا لكل معنى في الأنام يروقه … ويغريه برق باللوى وخفوقه
ويثنيه نشر الروض مرت به الصبا … سحيرا بريا عرفكم ويشوقه
مبشرة جاءت فكان لها يد … وفضل عليه لا يؤدى حقوقه
فما الطلّ فوق الروض عند سقوطه … ولا المسك منثورا علينا سجيفه
بأطيب مما طمنت عن جنابكم … وفي طيها نشر ذكي عبوقه
فبالله عرّج سائق الظعن بالحمى … فمنزلها وادي النقا وعقيقه
وإلا فدعها كيف شاءت وسيرها … فأي طريق يممته طريقه
وقوله:
خانني ناظري وهذا دليل … برحيلي من بعده عن قليل
هكذا السفر إن أرادوا رحيلا … قدموا أمامهم الحمول
وقوله:
لم حرمتم جفني الرقاد إلى … أن خلت ما بين جفني سيفا
ما تمنيته اشتياقا ولكن … أترجّى أن تبعثوا فيه طيفا
وقوله:
أوحشتني والله يا مالكي … في لذة الكاس على الورد
стр. 3330
فقال لي ما غبت عني مذ غدا … يشرب من ريقي على خدي
وقوله وقد مرّ ببعض الكروم فرأى بها أعظما قد علقت، والرياح تلعب بها كلما خفقت، وكلما حركتها سمع من أصواتها مثل الأنين وأوجع من حسها ما يوجع الحزين، فتذكر ما كانت عليه تلك العظام الرفات، ثم ما حدث عليها من الآفات، وتأسف لها لو ردّ الأسف ما فات، والذي قاله:
سئمت دوام سكونها فتكلّمت … شوقا إلى ما مرّ من لذّاتها
مرّ الصبا فتذكرت زمن الصبا … فغدت تنوح على زمان حياتها
وقوله:
أودعت سرها الأزاهير سرا … سرى فيه النسيم في الأسحار
وتلقت بعرفها الوفد حتى … تنبهوا منها بقرب المزار
فأعادت من السقام شفاء … حتى جاءت بأطيب الأخبار
مغور الرياض تبسم عجبا … من بكاء السماء بالأمطار
نقطتها بلؤلؤ الطل ليلا … فحكته شمس الضحى في النهار
فسمته النسيم في الجو حتى … جمعته من سندس في إزار
وكأن الغصون في الدوح أضحت … مصغيات إلى هديل الهزار
فإذا ما انتهى إليها بثت … تحدث الهوى بغير استتار
ثم شقت أثوابها من غير أمر … ثم فكت بقية الأزرار
وقوله:
رقّت معانيه وراق حديثه لطفا … فعاد هوى لكل مزاج
فكأن معناه الطيف ولفظه … خمر يروق في صفاء زجاج
وقوله:
شكوت صبابتي فيه وشوقي … فكاد لرقة الشكوى يهيم
стр. 3331
فلا عجب إذا ما مال عطفا … لأن الغصن يعطفه النسيم
وقوله:
مقلة سوداء ألبستني … كحلا من غير كحل
قد أمنت القطع منها … إذ غدت همزة وصل
وقوله:
دنا السحاب فضم الروض فانبعثت … دموعه تتوالى وهو لهفان
كالأم تحنو على المولود ترضعه … ثديها العذب سحا وهو هطمان
وقوله:
كأنما الروض إذا ما بدا … جبين وجه الكوكب النير
مطارف من سندس أخضر … مموّه بالذهب الأحمر
وقوله:
عطف السحاب على الرياض فأقبلت … تشكو إليه من أليم بعاده
فغدا يقبّلها ويبكي رحمة … فتبسّمت بعود وداده
وقوله:
كأنما المريخ في جوّه … شقيقة في روضة الأقحوان
ودمية الجوزاء في حلّة من سند … س ما بين عقدي جمان
وقوله:
الغصن ربّاه النسيم بلطفه … فكسى شمائله شريف طباعه
والنهر غذّاه صغيرا قبله … فزكا وطاب جنى لطيب رضاعه
وقوله:
والنهر قد عشق الغصون وقد غدا … يصف المحاسن من بديع جمالها
стр. 3332
لكن درى أن النسيم يميلها … عن وصله فرضى بطيف خيالها
وقوله:
أما ترى الأغصان لما أتى … النسيم بالبشرى من المغرب
لم يرض من سندسها حلة … حتى انجلت في ثوبها المذهب
وقوله:
وإذا رأيت الروض في عرصاته … تقيه بخديه الردا وعيونه
وألفيت فيه النهر قد جاء طالعا … يقبل أرضا بين أيدي غصونه
وقوله، وكتب بهما إلى ابن خاله أبي الحسن لما سافر نابلس:
فقدت مذ غبتم يا سادتي جلدي … وأنت سائر الأوقات في خلدي
عدمت قلبي وجسمي ذاب بعدكم … سقما فصرت بلا قلب ولا جسدي
وقوله:
أقول والصبح حثيثا سرى … في طلب الليل على الأبلق
وطرّة الليل بها مفرق … بغير سيف الصبح لم يفرق
والبدر إنسان لعين الدجى … منفذ في طرفه الأزرق
وقوله:
كيف للطّيف أن يزور محبا … وهو في طول ليله يقظان
يسرق النوم جفنه فإذا … ما كاد يغشاه هزّه الخفقان
وقوله:
خلت الغصون كأنها قد ألبست … درعا يزررها الصبا ويفكك
رش الندا أثوابها وكأنها … بيد الشمائل والجنوب تفرك
وحدا النسيم الورق إذ باحت به … فالغصن وجدا بالهوى يتحرك
стр. 3333
ومنهم:
٧٥ - نجم الدّين الخشكناكيّ
نجم كم أطلع هلالا، وأطعم مما حلا حلالا، ولم يزل كل ذي ورع ينتاب محله، ويختار من المآكل أحلّه، والعيون تترقب مواقيت تلك الأهلّة، وتتوثب إلى تواقيت تلك الأكلة، وللناس ولع بذلك الخشكنان، وطمع فيما يؤثر من سعد القرآن، فتعجل إلى منادي تلك الدور والدار، وترى طعام أهل الجنة ما خرج من تلك النار، فكانت لا تبرح ترى أفواجا على فرنها، وتسمع لجاجا في مفاخرة العصور الذاهبة بقرنها، ولهذا كم أقسم منها بنون، والقلم لكتابه وآثارها وما يسطرون.
كان رجلا أشقر طوالا، له حانوت بالسوق الكبير يعمل فيه الخشكنانك (١)، ويبيعه، ويأخذ الثمن بالناقص، ويعطي بالزايد، ولا يرد درهما زائفا، بل يأخذه ويعطي به الخشكنانك، ثم يقص الدرهم ويرميه في النار، قصدا لتخفيف الزغل من نقود الناس ومعاملاتهم.
وكان إذا سمع أذان المؤذن ترك شغله، وأتى الجامع فصلى فيه في أول صف. وفي يوم الجمعة لا يتسبب بل يجعله مقصورا على القعود في مقصورة الخطابة، وانتظار الصلاة، حتى يصلي الجمعة.
وكان كثير البر والصدقة والمعروف، ونفقاته أضعاف مكسبه، وأمثال معاشه وسببه، وكان معروفا بالصلاح، مشهورا بالولاية، وله أحوال عظيمة، وأمور غريبة، وطريقة مثلى،
стр. 3334
وأفعال حسنى، إلى رياضة أخلاق، ودماثة جانب.
قالوا: إنه لم يشتر شيئا حتى يزن ثمنه أولا، ويجعله في يده، ثم ما يتسلم المبيع حتى يصير الثمن في يد البائع.
هذا إلى عيادة مرضى، وتشييع جنائز، والقيام بحقوق إخوانه وأصحابه وجيرانه، والإفضال عليهم بتفقده، واشتهر أمره في زمانه، وأجمع عليه أهل وقته.
وكان ابن تيمية، وابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، وغيرهم من علماء الوقت مجمعين على فضله وصلاحه، وكان الناس تحمل أولادهم وتأتي إليه ليمسح بيده على رؤوسهم، ويدعو لهم، ويعودهم، فيفعل ذلك، ثم ما ينصرف واحد منهم حتى يعطيه خشكنانكة، أو خشكنانكتين، أو أكثر من ذلك، ويعطي الناس على مقدارهم، وينزل الناس منازلهم، ويجزل لذوي الحاجة، حتى أن الفقراء منهم كان يعطيهم مع الخشكنانك ما تيسر من الفضة أو الفلوس، ولا يعرف هذا المدد من أين، ومعاشه لا يحمل بعضه. وكان على قدم عظيمة، وسلوك على عزة.
وحدثني الحافظ العلائي قال: لما اشتد الخوف بأهل دمشق نوبة شقجب، فغدا الشيخان محمد الأرموي، ومحمد بن قوام في الجامع الأموي، واجتمع إليهما الناس، وشرعوا في التوجه إلى الله تعالى، وقرؤوا الحديث الشريف، فلما أكملوا القراءة والدعاء أذنت المغرب، وكان ذلك في رمضان، قام الشيخ نجم الدين الخشكنانكي، ومعه علبتان من الكعك المحشو، تقدير ما يكون في مثليهما عشرون كعكة، فأعطى كل واحد من الشيخين كعكين كعكين، ثم فرّق على بقية الناس كذلك، وكان الجامع مملوءا من الناس، لو فرّق عليهم ثلاثمائة علبة لم يكفهم!، ولم يفطن أحد لذلك في ذلك الوقت، ولا فيما بعده حتى مات، فلما وضع سريره للصلاة عليه، لم يبق إلا من ذكر تلك الكرامة، وعدّها من كراماته.
وحدّثني صاحبنا الشريف محمد بن أحمد بن علي بن ظاهر الحسيني، قال: كانت لنا دار بالخضراء، وظهور بعضها لغيرنا، وكنا في غاية الضرر بملك الغير لها، فباعها مالكها من
стр. 3335
رجل كان من خاصة الأعسر، فلم يقدر على منازعته بالشرع ولا بغيره، ودخلنا عليه بكل أحد فلم ينزل لنا عن البيع، فذهبت أنا وأمي إلى الشيخ نجم الدين، وكنا لا نعرفه، ولكنا نسمع بخبره، ونعرف مكانته عند الناس، فحدّثناه لعلّه يكلّمه، أو يكلّم الأعسر لنا، فقال:
أما الأعسر فإني لا أعرفه، وأما هذا الرجل فأحدثه. ثم قام معنا حتى أتيناه، فقلنا له: هذا هو.
فسلّم عليه، ثم قال: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه، وهؤلاء أحق بهذه الدار، والله قد قدّمهم للجوار وللخلطة، فدعها لهم. فقال: قد تركتها لهم - وما كان والله يعرفه - فذهبنا، فأتينا بالدراهم، ولم نبرح حتى تكاتبنا، وتسلّمنا المبيع، وأراحنا الله من ضرر جواره.
ثم إن ذاك الرجل كان يقول: والله ما أعرف كيف سحرني ذاك الشيخ؟. ولا يزال نادما على الإجابة للبيع.
توفي رحمه الله تعالى [ ......... ] (١)
ومنهم:
٧٦ - علي السّقباويّ
الكردي الأصل، رجل عرف عرفانه، وألف السهر حتى جفت النوم أجفانه، وكان بطل كتائب، ورجل لقاء لا يخطي له صوائب.
كان يسكن بالمدرسة العزيزية (٢) شمالي الكلاّسة، جوار جامع دمشق، في بيوت الداير الفوقاني.
وله كرامات ظاهرة، وأمور باهرة: -
منها: ما حدّثني به زين الدين عمر المشرف رحمه الله تعالى قال: كان أيدمر مملوك الصاحب عز الدين بن القلانسي قد أخذ بيتا من بيوت هذه المدرسة التحتانية، فأشرف عليه الشيخ يوما فرآه في ذلك البيت بكلوته (٣) ولباس الجندية، فسأل عنه؟ فقيل له: هذا
стр. 3336
مملوك الصاحب. فقال: قولوا له: هذه البيوت ما جعلت إلا للفقهاء، والفقراء، ومزاحمتك لهم وأنت من الجند الأغنياء ما يحل، فدع هذا البيت لمستحق.
فقالوا له، فلم تفد. فبعث يقول لسيده ذلك، فما أفاد، فغضب غضبا عظيما، وحنق حنقا مفرطا، واحمرّت عيناه، وقامت أوداج رقبته، وقال: إن كنت تلتقي يا ابن القلانسي التق، فو الله ما أصبر!. ثم بقي يقول: انقضى الشغل.
قال: فاتفق ما كان من إمساك كراي لابن القلانسي، وتضييقه التضييق الشديد عليه، فلما كان بعد مدة، رأيت أيدمر مملوك ابن القلانسي في ذل، مجرورا بين الأعوان، يكاد يسحب على وجهه، فرحمته، وذكرت قول الشيخ، فأتيته، فصادفته منبسطا، فقلت: يا سيدي! أنتم أهل رحمة وخير، وذكرت له حال ابن القلانسي، ولم أزل به حتى رقّ له، ودمعت عيناه، وقال: والله ما هذا النائب عن كراي إلا من الجبابرة، وهو أولى بنزول البلاء، اللهم فرّج عن ابن القلانسي، وأنزل بكراي ما أراد أن ينزل به من البلاء. قال: فو الله لم يمض إلا أسبوع حتى أمسك كراي، وآل أمر ابن القلانسي إلى الصلاح، ثم إلى الفرح.
وحدّثتني الحاجة صفية أخت البطاحي، وكانت ثقة، قالت: لما نزلت التتار على الرحبة، تعني سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، واشتد بالناس الأمر، وكثر الجفال، وتأخر العسكر المصري، عدمت القرار، وكنت أطلب الدعاء للمسلمين من كل من أعتقد فيه الصلاح، فاشتد الخوف بنا يوما، وكثرت الأراجيف، فأتيت أخت الشيخ علي السقباوي، وكانت في بيت إلى جانب بيته، فقلت لها: لو قلت للشيخ ليدعو للناس، فإنهم في خوف عظيم وشدة، وإلى الساعة ما صحوا من نوبة غازان. فقامت وأخذتني معها، وقالت: يا أخي! هذه امرأة مباركة، وقد قالت لي: كذا وكذا، فقال: يدبّر الله، يدبّر الله، وطرأ عليه حال ما استطعنا معه الثبات على المقام عنده، فخرجنا إلى بيت أخته، وجلسنا به هنيهة، نتحدّث في أحوال الناس، وإذا به قد صاح صيحة عظيمة منكرة، فقامت أخته إليه مزعجة، وقمت خلفها، فسمعته يقول: ائتني بخرق ليحشي به هذا الجرح، فهبت فأتيته بخرق، فكشف لها عن جرح دون ترقوته، قدر شبر، فقالت له: يا أخي! من أين هذا؟. فقال: هذا
стр. 3337
بسبب تلك العجوز بالشتنا (١) بهؤلاء القوم، وهؤلاء لهم واحد وقح ما يرتد، جرت بيننا وبينه حروب حتى رحّلناهم إلى اللعنة!. ولحقنا هذا الجرح في سبيل الله، فحشت جرحه وهو يشخب دما، وأنا أراه بعيني لا يخبرني بذلك مخبر.
ومنهم:
٧٧ - إبراهيم الصّبّاح
مشكاة أنوار، وروضة صلاح، لا تخفى لها أنوار.
انقطع بدمشق بالجامع الأموي مربيا لجماعته، وعونا على ما يخلو به المتعبد فيه من طاعته، وكان بالمأذنة الشرقية مشرقا لشموسها، ومحليا لها حلية عروسها، وكان رجلا منجمعا عن الناس، مستوحشا كأنه النمر أو الأسد. وكان كثير الصلاة والذكر، مواصلا لقيام الليل، وصيام النهار، ولا يقبل على أحد، ولا يختلط بأحد، يمشي في الجامع وكأنما يمشي على حذر، وكان لا يقبل لأحد شيئا فيما أعلم إلا صاحبنا بدر الدين بن العزازي، فإنه كان يبعث إليه من الطعام في كل يوم، ومن اللباس في كل سنة، بقدر حاجته، وكان يقبل ذلك منه، وحج معه، وكان عديله في المحمل.
حكى لنا ابن العزازي عنه قال: كنت لا أراه إلا كالسكران الطافح، وكنت لا أجسر على كلامه، وكان لا يسألني عن شيء من أحوال الناس ولا الطريق ولا المنازل، ولا غير ذلك. وكان يكثر من قوله: "يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ولا يحصى عددا، يا الله".
وآخر أمره أنه استدفأ بمجمرة فاحترق رحمه الله تعالى وغفر له، وذلك في يوم. [ ...... ]
ورثاه الأديب جمال الدين ابن نباتة بقوله (٢):
стр. 3338
على مثلها فلتهم أعيننا العبرا … وتطلق في ميدانها الشهب والحمرا
فقدنا بني الدنيا فلما تلفتت … وجوه أمانينا فقدنا بني الأخرى
لفقدك إبراهيم أمست قلوبنا … مؤججة لا برد في نارها الحرّا
وأنت بجنات النعيم مهنّأ … بما كنت تبلي في تطلبه العمرا
عريت وجوّعت الفؤاد فحبّذا … مساكن فيها لا تجوع ولا تعرا
بكى الجامع المعمور فقدك بعد ما … لبثت على رغم الديار به دهرا
وفارقته بعد التوطن ساريا … إلى جنة المأوى فسبحان من أسرى
كأن مصابيح الظلام بأفقه … لفقدك نيران الصبابة والذكرى
كأن المحاريب القيام بصدره … لفرقة ذاك الصدر قد قوست ظهرا
مضيت وخلّفت الديار وأهلها … بمضيعة تشكو الشدائد والوزرا
فمن لسهام الليل بعدك إنها … معطلة ليست تراش ولا تبرا
ومن لعفاف عن ثرى وبني الورى … عبيد الأماني وانثنيت به حرّا
سيعلم كل من ذوي المال في غد … إذا نصبل الميزان من يشتكي الفقرا
عليك سلام الله من متيقظ … صبور إذا لم يستطع بشر صبرا
ومن ضامر الكشحين يسبق في غد … إلى غاية من أجلها تحمد الضمرا
أيعلم ذو التسليك أن جفوننا … على شخصه النائي قد انتثرت درّا
وأن الأسى كالحزن قد جال جولة … فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى
ألا ربّ ليل قد حمى فيه من وغى … حمى الشام والأجفان غافلة تكرى
إذا ضحك السماء حجب ثغره … كذلك يحمي العابد الثغر والثغرا
إلى الله قلبا بعده في تغابن … إلى أن رأى صف القيامة والحشرا
لقد كنت ألقاه وصدري محرج … فيفتح لي يسرا ويشرح لي صدرا
وألثم يمناه وفكري ظاميء … كأني منها ألثم الوابل الغمرا
أمولاي إني كنت أرجوك للدعا … فلا تنسني بالخلد في الدعوة الكبرى
سقى القطر أرضا قد حللت بتربها … وإن كنت أستسقي برؤيتك القطرا
ومن كان يرجى منه في المدح أجرة … فإني أرجو في مدائحك الأجرا
стр. 3339
ومنهم:
٧٨ - حمّاد الحلبيّ (١٣)
ذو القدر الوافي، والمشعل بالثريا وبشر الحافي، السري مع أنه معروف، والنوري حينه إذا سئل منه معروف.
قدم دمشق، ونزل بظاهرها على رجل متسبب من أهل الصلاح متكسب من الجبل، كان لا يأكل إلا من طعامه، ولا يكتسي إلا من لباسه، ولا يبيت إلا عنده في بستان له بمرج الدحداح، وكان الشيخ يقرئ القرآن الكريم بجامع التوبة بالعقيبة (١)، تبرعا واحتسابا، يجلس لإقراء الناس بياض كل يوم في أخريات الرواق الشمالي به.
وكان رجلا ربعة أبيض بحمرة، أبيض الرأس واللحية، أقنى الأنف، ضعيف العينين، منوّر الوجه والشيبة، عليه سيما الولاية، واتّهمه أهل العرفان، فكان لا يزال متوجها إلى القبلة على طهارة كاملة، منتصبا للقراءة، والإقراء، فارغا من الناس، لا يقبل لأحد منهم شيئا.
وكان شيخنا ابن الفركاح يخرج إلى زيارته في كل أسبوع مرة، أو مرتين، وكذلك شيخنا ابن الزملكاني، رحمهم الله تعالى.
وزاره شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان يذكره بالخير ويثني عليه.
حكى لي الشيخ شرف الدين ابن النجيح، قال: ذكر بين يدي الشيخ - يعني ابن تيمية - أناس من صلحاء الوقت، فأمسك بأذن القائل، وقال له: اجعل بالك، وافتح عينيك:
"الصالح حماد، الصالح حماد"، وبقي يكررها.
стр. 3340
كنت كثير التردد والزيارة له، وكان على قدم صدق وهدى، وكتاب منير. ولو حلفت أنه لم تقع عيني على مثله لكنت بارّا. ولم يحك عنه أنه قال، ولا ادّعى، ولا رزأ أحدا من ماله شيئا. ولما أقحط الناس سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستعدوا للاستسقاء، أتيته وقلت: يا سيدي! الناس في مشقة، فقال: لو سكتوا كفوا. فأعدت عليه القول، وقلت: لو دعوت لهم.
فقال لي: اسمع! - وفقنا الله وإياك -: يحكى أن الناس أقحطوا في سنة من السنوات؛ فأمسكت السماء، وجفّ الماء، فهمّوا بالاستسقاء، واستعدوا له، فلما أرادوا الخروج إلى الصحراء أتوا رجلا صالحا كان في جانب عنهم، توسّموا خيره، فسألوه في الخروج معهم، فخرج معهم، حتى مرّ ببستان في طريقه، فطرق الباب، فخرج إليه القيّم به، فقال له: ما تريد؟. فقال له: اسق بستانك. فقال له: هذا ما يلزمك، أنا أسقي بستاني متى شئت.
فالتفت ذلك الصالح إلى الناس، وقال: ألا تسمعون ما يقول؟. قالوا: قد سمعنا.
فقال: إذا كان هذا كره أن أعترض عليه، أتعترضون أنتم على الله؟. ثم تركهم ورجع. ولم يخرج الشيخ حماد مع الناس إلى الاستسقاء.
قلت: وكنا نسمعه كثيرا ما يقول: "كان فقير، قال فقير، جرى لفقير" ويذكر أمورا عظيمة، وكرامات ظاهرة، أنه إنما يحكيها عن نفسه، وإنما يريد الكتمان.
ومما حدثنا به - وأظنه إنما حكاه عن نفسه - قال: كان بحلب فقير صادق الطلب، نودي في سرّه: حاجتك في مصر!. فخرج يريد مصر، وجعل عليه أن لا يسأل أحدا شيئا، وكان شديد الفاقة، وكان لا يأكل إلا من مباحات الأرض، فلما عدى غزة بفراسخ، دخل الرمل، فقال: أيتها النفس! ليس هنا ما تقتاتين به، فصبرا على الجوع، أو فالرجوع، ثم قوّى عزيمته، ودخل الرمل حتى أتى "قطية" (١) ولم يطعم طعاما تلك الأيام، فلما دخل "قطية" رأى ما في أسواقها، فغض بصره حتى خرج منها، وأتى حائطا في منقطع الحدائق بها،
стр. 3341
فقال (١) في ظله، فلم ينتبه إلا في رجل أتاه بزنبيل (٢) فيه من كل ما في السوق من حارّ وحلو وحامض، ثم قال له: يا عبد الله! كل، فأمسك. فقال له: كل، فأنت ما سألت، وإنما سئلت. فأكل ثم رفع يده، فقال له: كل، يا عبد الله!، للأيام التي لم تأكل فيها من غزة إلى هنا، وللأيام التي تريد أن لا تأكل فيها من هنا إليغزة، وارجع من حيث أتيت، فقد انقضى شغلك الذي جئت في طلبه بمصر.
قال: فأكل الفقير أكلا ما كان يعهده من نفسه، ولا يظنه، حتى أتى ما في الزنبيل عن آخره، ثم ناوله ذلك الرجل ماء مبرّدا، فشرب منه، ثم قال له: قم، فارجع. فقام، فرجع، وقد انقضى شغله، ووصل ما كان أراد، ولما توفي الشيخ حمّاد في [ … ] (٣)، حضرت جنازته، فلم أر يوم دخول السلطان إلى مدينة، ولا يوم خروج حاج، ولا يوم عيد، كان أحفل من جنازته، وكان الناس منتشرين من مرج الدحداح بموضع موته، إلى مقابر باب الصغير، موضع دفنه، ما لأحد موضع أكثر من مكان قدمه، وشهدها عامّة أهل دمشق.
ومنهم:
٧٩ - محمد بن نبهان (١٣)
من بيت ما منهم إلا ولي تتشبث ذيله المطر، ويتشبه به النسيم إذا خطر، بناة عليا، وأساة قلوب أموات وأحيا، وما زالوا غيوم سما، ونجوم ظلما، وفي كل وقت منهم رجل شقيق شفيق، وسر السرى في علم التحقيق، سكنوا بيت جبرين (٤) من البلاد الحلبية، فهبّ
стр. 3342
نسيمهم شمالا، ووهب كرمهم آمالا، وكانت تأتيني أخباره كما يقذف الروض بنشره، وكان السبب في المعرفة به الشيخ التقي عبد الله بن الخطيب، فكتبت إليه كتابا مضمونه:
قيل جبرين منزل لابن نبهان … محوط بمحكم التنزيل
قد تبدا محمد في رباها … علما للسارين وابن السبيل
بوقار كأنه الليل خوفا … وجبين نيّر كالقنديل
ليس يخشى الضلال من أمّ منه … حضرة أشرقت على جبريل
سلام الله وتحياته وبركاته على تلك الحضرة الطاهرة، جمعنا الله وإياها على التقوى في الدنيا والآخرة.
حضرة سيدي الشيخ السيد القدوة المسلّك، جامع الطرائق، منتخب الحقائق، أبي عبد الله محمد بن سيدي الشيخ نبهان، نبّه الله القلوب به، ونوّر البصائر بأغلاقها.
نسبته العبد الفقير المعترف بالتقصير أحمد بن فضل الله (١). لما زاد شوقه إلى هذه الحضرة المقدسة، لما سمع من أخبارها، واقتبس قلبه الكليم من أنوارها، وكان الشيخ تقي الدين بن الخطيب ممن اتفق معرفته من الإخوان، وكان من نبهاء الطائفة المنسوبة إلى نبهان، وأخذ بزمام القلوب إلى الانتظام في هذا العديد، وجد بها إلى هذه النسبة الشريفة، وإن كان لا يصلح لها نبوة كل مزيد.
كتب العبد الفقير الراغب في القبول له، والإقبال عليه، هذه الأحرف حال وداعه متعرفا إلى هذا الجناب، ومتعلقا منه بأدنى الأسباب، فإن فتح له، وإلا فكسير لا ينثني وهو وراء الباب.
ثم كانت بيننا المكاتبات لا تنقطع، وكنت أتمنى لقاءه، ولم أستطع، وكان على قدم آبائه في إطعام كل زائر، وبر كل آمل، وإعانة كل مظلوم، وإغاثة كل ملهوف، ولم يزل أمراء حلب تجل أقدارهم، وتستأمر مستشارهم.
стр. 3343
ولما قدمت حلب سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، رأيت هذا الشيخ وقد جاء إلى الطنبغا ملك الأمراء، مسلّما عليه، فرأيت رجلا يملأ العين والصدر سيماؤه على جلالة القدر.
ولما اجتمع بالطنبغا أكرمه إكراما يليق بمثله، وعامله معاملة عارف بفضله، إلا أن الشيخ أنكر عليه ما فعله بطشتمر، وخوّفه عاقبة البغي، ويوشك أن يؤخذ قريبا، فثقل عليه كلامه، وقام الشيخ وقد طال عليه مقامه هذا، ولم نأت الأخبار بقصد الفخري دمشق، إلا أنه قد طاح إلي الخبر سرا، ولم نظهر عليه أحدا، إلا أنا والطنبغا. ثم لم نلبث أن جاءت الأخبار، فلما كان يوم الجمعة الآتية في أسبوع قدومنا، صلينا الجمعة في جامع الطنبغا، قريبا من سوق الخيل بحلب، فقيل لي: إن الشيخ في بيت له، فدخلت، وجلست إليه، وأخذنا في الحديث، فقال لي: يا أخي! هذا الرجل قد آن أن يطل دمه، وأرى النصح لا يلج أذنه، فعرفته خبر الفخري، وما كان منه، فقال: هذا الرجل ينهزم من قدامه كما انهزم طشتمر من قدام هذا، ثم يقتل هذا، وكان الأمر كما ذكر. ثم إن الشيخ لم يجتمع بالطنبغا، بعد تلك المرة، وحرض به أن يعود إليه، فما عاد، وهمّ بأن يتوجه لزيارته، فعاقت دون ذلك العوائق.
قلت: وأهل هذا البيت لهم زرع ومتجر، ومنه ينفقون نفقات موسعة، وكانت قد تأكدت بيني وبينه الصحبة في الله تعالى، منذ تلاقينا بحلب.
ومما كتبت به إلى رجلين سافرا إلى حلب:
بالله إن جئتما بلادا لها … ابن نبهان كالحلي
تأملا منه أي بر … وفيه يخر لكل ري
وعارضا النو في رباه … وقبّلا عارض الولي
ثم لم تلبث الأخبار أتت بوفاته، وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
ومما كتبت فيه أعزي بيته من قصيدة وافق فيها تضمين بيت أبي تمام الرابع:
стр. 3344
لا يتم بني نبهان بعد أبيكم … أحق بأن تبقوا فلا خانكم دهر
فحوزوا تراب المجد من بعض إرثه … وطول بقاء بعض ميراثه الأجر
فعدنا وضاح الجبين وإنما بقيتم … لنا هذي وجوهكم الزهر
كأن بني نبهان يوم وفاته … نجوم سماء خر من بينها البدر
ومنهم:
٨٠ - عبد الله اليافعيّ (١٣)
الشيخ الصالح، نزيل مكة المعظّمة، والمتطوّف بتلك المشاعر المحرّمة، استقام سننا، وأقام بالبطحاء لا يبغي بغيرها سكنا، أخذ بطرف من العلم والعمل، وأقام بمكة المعظّمة يصوم النهار، ويفطر على ماء زمزم، ويقنع باليسير من الزاد، ولا يأكل إلا مما يتيقّن حلّه، واستطاب أكله. وأقام مرة بالمدينة المشرفة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -، ومرة بالمسجد الأقصى ببيت المقدس، ثم عاد إلى مكة، وهو الآن بها. (١)
وقد ألان بمواعظه حتى قلب أخشبها، وقد رأيته بالقبّة الدنيا من قبة الشرابي بمكة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وحضرت مجلسه، وسمعته يتكلم بمثله في المجامع، وسلمت عليه، ولم يطل لي معه مجلس لحوافز الضرورة. (٢)
стр. 3345
ومنهم:
٨١ - أبو بكر محمّد بن عمر بن أبي بكر بن قوام (١٣)
الشيخ نجم الدين. نجم هدى، ونجل أئمة بهم يقتدى، وبارقة سحب تجلي الحندس (١) وتجلو الصدا.
شيّد أركان بيته، وأحيا ذكر ميته، وتمذهب للإمام الشافعي فامتدّ مذهبه في رحابه، وكان مذهبه علما لأصحابه، وودّ "الزعفراني" (٢) لو خلق بردع زمانه أطراف النهار، و"البيضاوي" (٣) لو بيّض صحائفه بأشعة الأنوار. وجهد "المحاملي" (٤) فلم يستطع أن يكون سائق ركبه، و"الاسفراييني" (٥) فما قدر بعد طول السفر على كسبه.
стр. 3346
هذا إلى توسع في بقية العلوم، وتطلّع إلى سائر المعارف على العموم، والتحاقه وما خلع الشباب بمشايخ الطريقة، وقيامه فيها بأكثر من قدرة الهمم المطيقة، فأمسى في نكرات زمانه المفرد العلم، ومن يشابه أباه فما ظلم.
وكان يجمعنا وإياه طلب العلم زمن الشباب، وأيام الصبا قبل أن يتقلص الجلباب.
وكان عالما لم يضيّع أيامه، وعارفا قدّم أمامه، لم يزل عمره في جد كله، وجهد في أن لا يأكل شيئا إلا من حلّه، والدنيا عنه معرضة، وأصل الأيام له ممرضة، وهو عنها أيّ مزور (١)، وكنفه منها مغبر ثم مغبر، فلما أسمع صيته من له أذنان، وأجنى ذكره مثل اجتنا الأفنان.
ولي التدريس، وتصدّر، ودونه كل رئيس.
قال: لقد نعيت إلي نفسي لأننا قوم لا نعهد هذا من الدنيا، وحكم بدنو الأجل على نفسه، وانطلق ولم يمتد شوط المهل حتى وسّد في رمسه.
قرأ القرآن الكريم، وأتقن حفظه، وتفقه بشيخ الإسلام شيخنا برهان الدين ابن الفركاح، وأخذ النحو عن شيخنا كمال الدين ابن قاضي شهبة، وكان كثيرا ما تجمعنا أوقات الاشتغال عنده، ثم لم ألقه إلا بعد أن قدمت دمشق من مصر سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فرأيت منه أنموذج السلف، وطريقة الألى، ورجل دنيا وأخرى.
كان عقله عقل الوزراء، وزيه زي الفقراء، ويتيه على الدنيا تيه الأمراء.
وكان في زاوية أبيه، غربي الصالحية، في جبل قاسيون، لا يخلو من زائر، ولا يأتيه أحد إلا ويضيفه، ويطعمه مما حضر واتفق على حسب الميسور. هذا مع ضرورة ماسّة، وفقر.
وكان ميّالا إلى الفقهاء وأهل العلم، منحازا إلى شعوبهم (٢)، لا يزال ينظر في كتاب فقه، أو حديث، أو في نسخ شيء من ذلك؛ إما بيده، وإما بيد غيره، أو في مقابلة على شيء كتب.
стр. 3347
وكان لا يهاب الأمراء، وأرباب الدول؛ بل إذا جاءه أحد منهم أمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر، وأوصاه من مصالح الرعية ما تقتضيه مصلحة الوقت الحاضر، رضي من رضي، وسخط من سخط.
وتمرّض مدة بعلّة الاستسقاء، ولم يزل مستسلما للموت، مسرورا بلقاء ربه، إلى أن لقي الله تعالى، في أوائل شهر رجب الفرد، سنة ست وأربعين وسبع مائة. ودفن إلى جانب والده بالزاوية المعروفة بهم، وحضره خلق، وتأسّفت الدنيا لفقده.
وهذا آخر ما ذكرت من هذه الطائفة بالمشرق، فأما من هو منهم بالجانب الغربي بما فيه الديار المصرية الواقعة معه، على قلة المشهورين من أهل المغرب، خلا مصر، فإن المذكورين فيها أمم، إلا أن أكثرهم لم يعد ذكره دار أهله، وليس هذا من شرطنا، فإنا لا نذكر إلا المشهورين في الآفاق، المذكورين على كل الألسنة.
стр. 3348
فأما من هو من أهل المغرب
فمنهم:
٨٢ - أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل المغربيّ (١٣)
أغاظ الدنيا وأكظمها، ولم ترقه وهي تجلى عليه في إيرادها، وتستبق إليه بدهمها وورادها، فلم يعرها طرفه، ولم يرعها لحظة عين ولا طرفة، بل بتّ منها وفتّ منها في مهاب الرياح طينة الخبال، ولم يصحبها إلا بنيّة مفارق، وطويّة طارق، فلم يرد بكاسها، ولم يرغب في مكاسها. فخلاها وسار منطلقا، وولاها ظهره وأشار إليها مطلّقا.
كان أستاذ إبراهيم الخواص (١)، وإبراهيم بن شيبان (٢). وصحب علي بن رزين (٣)، وعاش مائة وعشرين سنة، ومات على جبل طور سيناء، سنة تسع وسبعين ومائتين.
وقيل: سنة تسع وتسعين، وقبره فيه مع أستاذه علي بن رزين.
وكان عجيب الشان، لم يأكل مما وصلت إليه يد بني آدم عدة من السنين، بل كان يتناول أصول الحشيش أشياء تعوّد أكلها. (٤)
стр. 3349
و [من كلامه] قال:
"الفقير: المجرّد من الدنيا وإن لم يعمل شيئا من أعمال الفضائل، ذرة منه أفضل من هؤلاء المتعبدين المجتهدين، ومعهم الدنيا. " (١)
وقال: "أهل الخصوص مع الله تعالى على ثلاث منازل:
- قوم: يضنّ بهم عن البلاء، لئلا يستغرق الجزع صبرهم، فيكرهون حكمه، أو تكون في صدورهم حرج من قضائه.
- وقوم: يضنّ بهم عن مساكنة أهل المعاصي، لئلا تغتمّ قلوبهم، فمن أجل ذلك سلمت صدورهم للعالم.
- وقوم: صبّ عليهم البلاء [صبّا]، وصبّرهم وارتضاهم، فما ازدادوا بذلك إلا حبا له، ورضا لحكمه.
- وله عباد [منحهم نعما تجدّد عليهم، و] (٢) أسبغ عليهم باطن العلم وظاهره، وأخمل ذكرهم.
وقال: " من ادّعى العبودية وله مراد باق فيه، فهو كاذب في دعواه، إنما تصح العبودية لمن أفنى مراداته، وقام بمراد سيده، فيكون اسمه ما سمي به، ونعته ما حلي به، إذا سمي باسم أجاب عن العبودية؛ فلا اسم له، ولا رسم، لا يجيب إلا لمن يدعوه بعبودية سيده".
ثم بكى أبو عبد الله وأنشأ يقول:
لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أصدق أسمائي (٣)
وقال: " أفضل الأعمال عمارة الأوقات بالموافقات " (٤).
стр. 3350
وقال: " الفقراء الراضون هم أمناء الله في أرضه، وحجته على عباده، بهم يدفع البلاء عن الخلق. " (١)
و [قال]: " الفقير الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره، ليغنيه بالاستغناء به، كما عزّزه بالافتقار إليه. " (٢)
و [قال] وأعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا وتواضع له، وأعظم الخلق عزا: غني تذلل لفقير، وحفظ حرمته" (٣).
وأنشد لنفسه:
يا من يعدّ الوصال ذنبا … كيف اعتذاري من الذنوب
إن كان ذنبي إليك حبي … فإنني عنه لا أتوب (٤)
وقال: "العارف يضيء له أنوار العلم فيبصر بها عجائب الغيب".
وقال: "مررت بمفازة المغرب عشرين يوما، ما رأيت فيها آدميا، ولم آكل شيئا من الدنيا إلا شربة ماء، فبينما أنا أسير إذ لاح لي شيخ قائم يصلي، فقربت منه وقلت: السلام عليك ورحمة الله. فردّ عليّ السلام. فقلت له: من أنت؟. فقال: خليل الله إبراهيم ﵇ حين رموه في النار. فقلت له: بماذا نلت هذه المنزلة؟. قال لي: يا عبد الله! توكّل، فما في المملكة شيء أعزّ من التوكل. فقلت له: وما التوكل؟. فقال: النظر إليه بلا عين تطرف، ولسان ذاكر بلا حركة، ونفس جوّالة بلا روح. ثم سلّم عليّ فإذا هو في الهواء!!.
وقال: خرجت، فبينا أنا في برّية تبوك، إذا أنا بامرأة بغير يدين، ولا رجلين، ولا عينين، فدنوت منها، ثم قلت: يا أمة الله! من أين أقبلت؟.
стр. 3351
قالت: من عنده.
قلت: فأين تريدين؟.
قالت: إليه.
فقلت: يا سبحان الله! بادية تبوك، وليس فيها مغيث!، وأنت على هذه الحالة؟!.
قالت: يا سبحان الله! غمّض عينيك، فغمّضتهما، ثم فتحتهما، فإذا أنا بها متعلقة بأستار الكعبة، ثم قالت: يا عبد الله! أتعجب من ضعيف حمله قوي؟. ثم طارت بين السماء والأرض!!.
ومنهم:
٨٣ - أبو الخير الأقطع المعروف بالتّيناتيّ (١٣)
لم يبق للدنيا رذاذا، ولا لبس ثوبها المعار إلا جذاذا، صحب أيامها حتى غرض، وحمل آلامها حتى مرض، وتعرّضت له فلم يرضها، ولا أحب سماءها ولا أرضها، بل شمّر لدار لا ينقص نعيمها، ولا يهب زعزعا نسيمها، ليلحق بقوم جدّ ليصل إليهم، مع الذين أنعم الله عليهم، فلم يشبع من المطاعم السغب، ولا ورد من الماء العب، ليتفيّأ تلك الظلال الوارفة الأفياء، الواكفة الأتقياء.
أصله من المغرب، وسكن التينات (١)، وله آيات، وكرامات.
стр. 3352
صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وغيره من المشايخ. وكان أوحدا في طريقة التوكل.
وكانت السباع والهوامّ تأنس به، وله فراسة حادة. (١)
وتوفي سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة. (٢)
قال ﵁: " دخلت مدينة النبي ﷺ ؛ وأنا بفاقة.
فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا، فتقدّمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر، وعمر، ﵄. وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله!.
وتنحّيت ونمت خلف المنبر. فرأيت في المنام النبي ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين يديه، ﵃، فحرّكني علي، وقال: قم، قد جاء رسول الله ﷺ .
قال: فقمت إليه، وقبّلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت، فإذا في يدي نصف رغيف. " (٣)
وقال أبو بكر [الرازي: أنشدني] أبو الخير الأقطع:
أنحل الحبّ قلبه والحنين … ومحاه الهوى، فما يستبين
ما تراه الظّنون إلا ظنونا … وهو أخفى من أن تراه العيون (٤)
وقال: " لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى؛ ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى. " (٥)
стр. 3353
وقال: " ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة (١)، ومعانقة الأدب، وأداء الفرائض، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين " (٢).
وقال: " الذاكر لله تعالى لا يقوم له - في ذكره - عوض؛ فإذا قام له العوض، خرج من ذكره " (٣).
وقال: " الدعوى رعونة، لا يحتمل القلب إمساكها، فيلقيها إلى اللسان، فتنطق بها ألسنة الحمقى، ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه " (٤).
وقال: " من أحب أن يطّلع الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطّلع الناس على حاله فهو مدّع كذاب " (٥)
وقال حمزة بن عبد الله العلوي: دخلت على أبي الخير، وكنت اعتقدت في نفسي أن أسلّم عليه وأخرج، ولا آكل عنده طعاما، فلما خرجت من عنده مشيت قليلا إذا به خلفي، وقد حمل طبقا عليه طعام، فقال: يا فتى! كل هذا، فقد خرجت الساعة من عقدك!.
ومنهم:
٨٤ - أبو عثمان سعيد بن سلاّم المغربيّ (١٣)
стр. 3354
كان للمتقدم إليه حرسا، وللمتكلم لديه خرسا، فكانت عنده لا تنطق الألسنة، ولا تطلق بسيئة ولا حسنة، لمهابة ألقيت عليه، وإنابة ألقيت إليه، على بسطة للجليس، وغبطة للأنيس، وقرى، وبشاشة، وقرب كان حشو الحشاشة، وإطلاق يد في جود، وندى كرامة بأيسر موجود، إلا أنه كان يرجح الطود وقورا، وترى السحاب الجود محقورا. فكان كأن ضيغما (١) في أمانيه، أو أرقما (٢) يساور بين نائيه.
وكان من القيروان (٣)، من قرية يقال لها: "كركنت" (٤) أقام بالحرم مدة، وصحب أبا علي ابن الكاتب (٥)، وحبيبا المغربي (٦)، وأبا عمرو الزجاجي.
ولقي: النهرجوري، وأبا الحسن بن الصائغ الدينوري.
وكان أوحد المشايخ في طريقته، وزهده، وتقدّمه. وهو بقية المشايخ وتاريخهم، ولم ير مثله على علو الحال، وصون الوقت، وصحة الحكم بالفراسة، وقوة الهيبة. (٧)
ورد "نيسابور"، ومات بها سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة. (٨)
وأوصى أن يصلي عليه الإمام أبو بكر بن فورك. (٩)
стр. 3355
ومن كلامه:
"الاعتكاف: حفظ الجوارح تحت الأوامر" (١)
وقال: "التقوى: هي الوقوف مع الحدود، لا يقصّر فيها، ولا يتعدّاها (٢)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٣).
وقال: " من آثر على التقوى شيئا حرم لذّة التقوى " (٤).
وقال: " من تحقّق في العبودية، طهّر سرّه بمشاهدة الغيوب، وأجابته القدرة إلى كل ما يريد. " (٥)
وقال: " من آثر صحبة الأغنياء على مجالسة الفقراء ابتلاه الله بموت القلب ". (٦)
وقال: " العاصي خير من المدّعي؛ لأن العاصي - أبدا - يطلب طريق توبته، والمدّعي يتخبّط في حبال دعواه " (٧).
وقال: " من مدّ يده إلى طعام الأغنياء - بشره وشهوة - لا يفلح أبدا، وليس يعذر فيه إلا المضطر " (٨)
وقال: " لا تصحب إلا أمينا، أو معينا؛ فإن الأمين يحملك على الصدق، والمعين يعينك على الطاعة ". (٩)
стр. 3356
وقال: " قلوب أهل الحق قلوب حاضرة، وأسماعهم أسماع مفتوحة " (١).
وقال: " الحكمة هي النطق بالحق ". (٢)
وقال: " من اشتغل بأحوال الناس ضيّع حاله ". (٣)
وقال ﵁: " الغني الشاكر يكون كأبي بكر الصدّيق ﵁، فقدّم ماله، وآثر الله عليه، فأورثه الله غنى الدارين، وملكهما.
والفقير الصابر مثل أويس القرني، ونظرائه، صبروا فيه، حتى ظهرت لهم براهينه. " (٤)
وقال: " التقوى تتولّد من الخوف. " (٥)
وقال: " من ادّعى السماع ولم [يستمع] من صوت الطيور، وصرير الباب، وتصفيق الرياح؛ فهو مغترّ مدّع " (٦).
وقال: " رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: يا أبا عثمان! اتق الله في الفقر ولو بقدر سمسمة".
ومنهم:
٨٥ - أبو العبّاس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله، الصّنهاجيّ، الأندلسيّ، المعروف بابن العريف (١٣)
стр. 3357
متق خاف الدنيا وفتكها، وخلّص منها نفسه وفكّها، فلم يعلق بالدنايا، ولم يطلق رسنه من يد المنايا، وطالما دعته الآمال، ورعته الأعمال، فما اغترّ بسرابها، ولا سر بشرابها، ولا رأى صدقها إلا خداعا، ولا سننها إلا ابتداعا، فنفض منها اليدين، فطالب أطماعه بالفراغ منها، مطالبة الغريم بالدّين، ولم يزل على حالته ولم يبرح، حتى سار نعشه على الرقاب ليلحد أو يضرح.
وكان من كبار الصالحين، والأولياء المتورّعين، وله المناقب المشهورة، وله كتاب: " المجالس " (١) وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم.
وله نظم حسن في طريقهم أيضا، ومن شعره (٢):
شدّوا المطيّ وقد نالوا المنى بمنى … وكلّهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحهم … طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا
نسيم قبر النبي المصطفى لهم … روح إذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين إلى المختار من مضر … زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنّا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر كمن راحا (٣)
وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي (٤) مكاتبات حسنة، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلوم (٥)، وعناية بالقراءات، وجمع الروايات، واهتمام بطرقها وحملها. وكان العبّاد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته.
وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلا في حق أبي محمد علي ابن أحمد
стр. 3358
المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي، وقال فيه: " كان لسان ابن حزم المذكور، وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين".
وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع في الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لم يكد يسلم منه أحد (١).
وكان قد سعي به إلى صاحب مراكش (٢)، فأحضره إليها فمات، واحتفل الناس بجنازته، وظهرت له كرامات؛ فندم على استدعائه.
وكانت وفاته ليلة الجمعة، الثالث والعشرين من صفر، سنة ست وثلاثين وخمسمائة (٣) ودفن يوم الجمعة، رحمه الله تعالى.
ومنهم:
٨٦ - شعيب [بن الحسين] أبو مدين (١٣)
أضاء كالبدر سافرا، ورد من القلوب نافرا، ولم يزل لزلّة الأيام غافرا، وبأزمّة المرام ظافرا، وسار ذكره فأسمع الدهر وفي آذانه صمم، وداوى الزمان وفي علقه لمم، وكان أول ما بشّر
стр. 3359
أبوه وهو غلام، وفسّر عن لؤلؤته صدف الظلام، حتى بلغ الاحتلام، ويده بالخير وارتحل، وصابر الأيام فتسترت الليالي وتبرقعت بالحجل، فرويت آثار أياديه، ونقلت أخبار سؤدده بألسنة أصدقائه وأعاديه، وكان يقوم والليل لم يطمئن له جنوب، ويروّض نفسه والروض لم يشق فيه للشقيق جيوب، بعلم يفلح به الحجاج محتكم، ويخرج في حربه والعجاج مرتكم. وكان له في مجاهدة النفس حروب، ونوّب حتى حان منه للشمس غروب (١).
وحكي أنه لما قدمت إليه المائدة يوما فقال: أخّروها، وكان هناك فقير جائع، فقال في نفسه: لو كان هذا فقيرا ما أخّر المائدة. فلما حضرت تقدّم فأكل منها أكلا يسيرا، فأكل ذلك الفقير، وسائر الجماعة، فلما رفعوا أيديهم قال الشيخ لخادمه: شل من هذا الخبز والطعام لفقير يأتينا في هذه الساعة، وهو جائع، قد أخّرنا المائدة لانتظاره، فظنّ ظانّ فينا ظنا. فشال الخادم منها شيئا، فقال الشيخ: زد!، فهذا ما يكفي. فزاد، فقال له: زد!، فهذا ما يكفي.
فقال له: يا سيدي! أنت قلت: رجل واحد، وهذا فوق كفاية الواحد، فقال: صدقت، هو رجل واحد، ولكن له ثلاثة أيام لم يأكل شيئا.
ثم لم يستتمّ الكلام حتى أتى الفقير، فسلّم على الشيخ، والجوع يتبين في وجهه، فقدم إليه الخادم ما خبّأه له؛ فأكله حتى أتى عليه عن آخره، ثم قال: والله! لي ثلاثة أيام
стр. 3360
ولا وجدت ما آكل.
ثم قام ذلك الفقير، ودخل الفقير الذي قال ما قال أولا، فقال: يا سيدي! أنا أستغفر الله مما وقع مني، فقال له: يغفر الله لك، أتصحبني كذا وكذا شهرا وتقول: لو كان هذا فقيرا لما أخّر يده عنا لأجل شبعه، ونحن جياع؟. فقال: والله يا سيدي! كان ذلك. وأنا أستغفر الله منه. فضحك الشيخ، وأقبل عليه.
وحكى ابن عربي قال: رأى بعض مريدي الشيخ أبي مدين؛ كأن الحق في زير دقيق!، فذكر ذلك لأبي مدين، فقال: هل عندك دقيق؟. قال له: نعم. قال له: هل هو في زير؟. قال: نعم. قال: ذلك إلهك الذي تعتمد عليه، فتصدّق به لتخلص مما أنت فيه.
وحكى الوداعي قال: حدثني شخص مغربي: - وكان رجلا صالحا -: أن القحط شمل المغرب سنة، وأحبس المطر، فأتى الناس أبا مدين ليستسقي لهم، فخرج وهو يقول:
يا من يغيث الورى من بعد ما قنطوا … ارحم عبيدا أكف الفقر قد بسطوا
واستنزلوا جودك المعهود فاسقهم … ريا يريهم رضا ما شانه سخط
وعامل الكلّ بالفضل الذي ألفوا … يا عادلا لا يرى في حكمه شطط
إن البهائم أضحى المحل مربعها … والطير أصبح للحصباء يلتقط
والأرض من حلل الأزهار عاطلة … وكان للزهر في فتحاتها بسط
وأنت أكرم مسئول تمدّ له … أيد العصاة وإن جاروا وإن قنطوا
قال: ولم يزل يرددها حتى جاءت السماء، وتوالى الغيث، ودام يتعهد حتى كانت السنة المجدبة أخصب عام.
رحمه الله تعالى.
стр. 3361
ومنهم:
٨٧ - أبو العبّاس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة (١) اللّخميّ الفاسيّ *
لم يستعذب لريق الدنيا مساغا، ولا استلذّ رحيق رضابها (٢) منساغا، وأقبل بقلب منيب، وعزم غير منقلب ولا مريب، مصغيا إلى أوامره ونواهيه بأذن واعيه، وقدم قائمة في الطاعة أو ساعيه. خائفا من نار يلفح سعيرها، ويجمح عسيرها؛ وقودها الناس والحجارة، ووفودها لا يزور فيها جار جاره، معملا إلى الجنة الركائب، مرملا بنفسه المطمئنة إلى الحبائب. فهنيء بعمله، وهيأ لأمله.
وكان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأسا في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط، والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيها للتبرك بها، ولإتقانها.
ولد بفاس يوم الجمعة، السابع عشر من جمادى الآخرة، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حجّ
стр. 3362
ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة. (١)
وكان لا يقبل لأحد شيئا، ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة، فمشى إليه أجلاّء المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع، فأجمعوا رأيهم أن يخطب أحدهم البنت التي له، وكان يعرف بالفضل بن يحي الطويل، وكان عدلا بزازا (٢) في القاهرة، فتزوجها، وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك (٣)، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه. [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا؛ قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه]. (٤)
وتوفي في أواخر المحرّم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى، وقبره يزار بها. قال ابن خلّكان (٥): "وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا"، رحمه الله تعالى.
وكان - رحمه الله تعالى - يقول: "أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب ﵁" (٦)، أشار إلى أن الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
وذكر في كتاب "الدول المنقطعة" (٧) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر: أن
стр. 3363
الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهر في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة، فلم يمكّن من ذلك، وتولى غيره. (١)
ومنهم:
٨٨ - ابن بلج
وأصله من مدينة قرطبة، وكان علم عرفان، إلى تعبّد عمر ما بين عرفات وعسفان، وتهجّد بكرى النجوم ولا يغمض له أجفان.
ذكره ابن عربي وقال: كان يطوف ويهدي لغيره، فخطر له يوما أن يطوف لنفسه أسبوعا واحدا، قال: فلما عقدت نية الطواف، وقعت ورمت النهوض فلم أستطع، فقلت:
"اللهم إني تائب إليك، وراجع إلى ما أقمتني فيه".
قال: فعند ذلك أطلقني الله للقيام، فقمت بوقتي، ورجعت إلى عادتي التي هداني الله لها. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
٨٩ - أحمد بن عطاء الله أبو العبّاس
هبّ للمعارف رخّا، ووهب الدنيا لأهلها سخّا، وتألق نجما للمريد، ورخما للمزيد، وكان عالما معلّما، وعارفا يؤخذ عنه العرفان مسلما، إلى وقوف على الأسرار، ووقوف على قدم في الأسحار، وحضور قلب وشعور، ولب من الكلم كأنه شذور، وموارد حقيقية ورد مناهلها، وشعب طريقة توقى مجاهلها، فلم تزل به قدم، ولم يزل له في الإملاء قلم.
قال ابن عربي: سمعته يقول: ما ينبغي للذاكر أن يشتغل بمعاني الذكر، بل بالذكر، ويجعله تعبدا لا يعقل معناه، ويقول: هذه عبادة أمرت بها، وأنا ممتثل الأمر، فإذا اعتقد
стр. 3364
الذاكر ذلك، كان الذكر يعمل بخاصيته، وما تقتضيه حقيقته".
وأنشد:
أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه … فالبعد قد صار لي في حبه أربا
فمن رأى دنفا صبّا أخا شجن … ينأى إذا حبة من أرضه اقتربا
وقال: الذكر حجاب عن المذكور، ولكونه بمنزلة الدليل، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه.
وقال: " مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور فلا يجده حاضرا، وإنما الأصل المراقبة للمذكور، فمتى أجابك كنت معه، وهذا هو الأصل، والله أعلم".
وقال في معنى الحديث: (ما اتخذ الله وليا جاهلا) (١): إن معناه أن الله إذا اختصّ له وليا نوّر قلبه، فكان على بصيرة من ربه".
وقال في معنى قوله: ﴿إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ (٢) قال: قيل لي في المنام: تدري ما الواحدة؟. إنما أعظك بنفسك والباء ها هنا باء السبب.
стр. 3365
وقال: "لما كان المدعي في الشرع عليه البينة بشاهدين، نظرنا في الحقيقة التي انبعث عنها هذا الحكم، فوجدناها في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اَللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ وَاَلْمَلائِكَةُ وَأُولُوا اَلْعِلْمِ﴾ (١) فالملائكة وأولو العلم هما الشاهدان. ولما كان يحكم أخر الشاهد واليمين، وجدنا ذلك في شهادته تعالى وقسمه، قال تعالى: ﴿فَوَ رَبِّ اَلسَّماءِ وَاَلْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. (٢)
ومنهم:
٩٠ - سليمان [بن عبد الباري الدّرعيّ] " شيخ القرشيّ "أبو الرّبيع (١٣)
ربيع كل مجدب، وقريع كل متأدّب، سمع به مشرق ومغرب، وأسمع أنباء مثل عنقاء مغرب، سمع منه مرقص ومطرب، وأجمع عليه موجز ومطنب، ردّد مسائل الطريقة وأوردها، وردّ عين الحقيقة وأوردها (٣).
وكان رجلا عظيما، وزاهدا عليما، وذكره ابن عربي وقال: وقد ذكر الحديث الوارد من طريق غريب، عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال سبعين ألفا" لا إله إلا الله " كانت له عتقا من النار).
وقال: كان الشيخ أبو الربيع شيخ القرشي كثيرا ما يستعملها لنفسه، ولمن يموت من أصحابه، فقدّر الله - تعالى - أن قالها مرة، وأسرّها في نفسه، لم يهدها لأحد، فبينا هو ذات يوم مع جماعة له على الطعام، وإذا بصغير من الجماعة كان صاحب مكاشفة، وهو دون البلوغ، قد رمى اللقمة من يده، وقال: كشف لي عن النار، فرأيت أمي فيها!!؛ فقال الشيخ في نفسه: اليوم أصحح كشف هذا الصغير بالحديث، وأصحح الحديث بالكشف.