وقوله:
يا رشا لم يطق فؤادي … تخلفا عنه وهو داعي
إن كان لا بد من فراق … فاسمح بتقبيلة الوداع
وقوله:
قد فؤادي بحسن قدّ … كالغصن في بانه الرطيب
ووجنة ما أتم ربحي وقد … غدا وردها نصيبي
وقوله:
تقنّع بالكفاف من المعيشه … ودرع شرها يذل أسود بيشه
ولا تهتمّ في الدنيا برزق … ليوم لا تؤمّل أن تعيشه
وقوله:
وأرماح نفت مهج الأعادي … كما ينفي الزيوف الصيرفيّ
تكن صدورها منهم صدور … تضيق بها فتظهرها القفيّ
وقوله:
ونحن معاشر نأبى الدنايا … ونلبس من صوان العرض سردا
نعانق من رماح الحظ بانا … وننشق من سيوف الهند وردا
وقوله:
إذا قنع الملوك بدون عيش … فدون مرامك الأمد القصيّ
أبوك محمد داعي البرايا … إلى الجدوى وأنت له وصيّ
стр. 3292
وقوله:
مهّد لجنبك قبل مضجعك … وانظر طريقك قبل منتجعك
راجع فؤادك في فوارطه … تجد الإبانة قبل مرتجعك
واصبر لإنجاع النصيح ففي عقب … اه ما يشفيك من وجعك
وقوله:
ضحك العوادي إذ بكيتك … فشغلني عنهم فديتك
لا كان من يلحى عليك وع … اش عيشي إذ نأيتك
أطمعتني بلطيف وعدك … في وصالك فاقتصيتك
وصرفت عن كل الورى عين … ي فكيف دنت رأيتك
ومتى ذكرت بصالح أحدا … سواك فقد عنيتك
ونزلت قلبي فاحتكم فيه ف … إن البيت بيتك
أخشى سطاك ولو أطع … ت وارتجيتك وإن عصيتك
ما كان أربح صفقتي مذ بع … ت روحي واشتريتك
وقوله:
جنح اللئيم إلى العناد … وغرّه مني السكون
والراح عند وقارها … في الدنّ أبرق ما تكون
وقوله: "ويروى للبهاء زهير وهي بقوله أشبه، وعبقها أنسب بزهير إذا تنبّه":
رفقا بروحي فهي لك … وعلى السخي بما ملك
إني أغار إذ الأراك … دنا إليك فقبّلك
ويروعني واشي النسيم … إذا ثناك وميّلك
ما أقبح الصبر الجمي … ل بعاشقيك وأجملك
стр. 3293
وقوله:
يمهل من عارضه … لكنّه لا يهمل
كم للعفاة نحوه … في السد حرف يعمل
وقوله:
من منصفي من عاذل جاهل … يخون باللوم من لا يخون
إن قلت ما يضحك إلا إذا … قال وما عشقك إلا جنون
وقوله:
سيندم الملحد في دينه … يوما إذا صار إلى اللاحد
أقررت بالرب وخالفته … ما أشبه المثبت بالجاحد
وقوله:
لا تنس وجدي بك يا شادن … ا بحبه أنسيت أحبابي
مالي على هجرك من طاقة … فهل إلى وصلك من باب؟
وقوله:
سألته من ريقه شربة … يطفى بها من ظمئي حره
فقال أخشى يا شديد الظما … أن تتبع الشربة بالجره
وقوله:
مات أبو بكر ومن لي بأن … لو متّ من قبل أبي بكر
أخ تحللت له أنعما … تفضل عن حمدي وعن شكري
وقوله مما كتبه على جرن حمام كان يدخله السلطان بحماة:
كملت لطفا ووقارا على … ما حزت من أوصافي الحلوه
من أجل هذا صرت أهلا … لأن أجالس السلطان في الخلوه
стр. 3294
وقوله:
قالوا فلان من القضاة فما بال … ك في سبّ عرضه مجاهد
فقلت لا تحفلوا به أبدا … فذاك قاض يقول بالشاه
وقوله:
إن قوما يلحّون في حب سعدى … لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها … أخذوا طيبا وأعطوا خبي
وقوله:
انظر بصائب رأي … مستكسب وعزيزي
ولا تعيش ذليلا … وأنت عبد العزيز
وقوله:
تيقّظ بفكرك فيما إليه … عواقب كل الورى آيله
ولا تتعرضن لخزي الجحيم … ومالك صبر على القابله
وقوله:
وقاض تصدّى لإسخاطنا … فليس لنا عيشة راضيه
يجور وقد عدلت غرسه … فيها فيا ليتها كانت القاضيه
وقوله:
ولي صاحب لست أكفى أذاه … إلا إذا ما حواه الجدث
له لحية لا سقاها الحيا … إليها يساق حديث الحدث
وقوله:
تقرب إلى إله السما بما يرضى … ودع عرض الدنيا تعش وافر العرض
ووفّ بني الدنيا الوداد فإن وفوا … وإلا فقد أقرضتهم أحسن القرض
стр. 3295
وقوله:
قذفت صميم فؤاده بشواظ … شعل أرته نصائح الوعاظ
وأطلت في ليل الشبيبة رقدتي … فأجد صبح الشيب في إيقاظي
وقوله:
لعلك ترثي لذي لوعة … إذا ضحك العاذلون انتحب
أآمل من عبرتي نصرتي … متى كشفت كرب بالكرب
ولو لم أدع في هواك الوقار … لما صار يأخذني الطرب
ولا صرت أفهم عنك الحدي … ث بنقر الدفوف ونفخ القصب
وقوله:
وكم لائم يلحي إلي أن … تأمل من هويت فما تنحنح
نفى عني المنام بسحر عين … إلى سلم المتيم ليس يجنح
له حدق بقول الحرب أولى … ولي قلب يقول الصلح أصلح
وقوله:
يا سلم الله جيرانا بذي سلم … لبينهم بان خسراني بعد أرباحي
كانوا شموسي وأقماري وقد حجبوا … عني فأظلم إمسائي وإصباحي
إذا خشيت مزيد البعد زدت جوى … مباعدا بين أجساد وأرواح
وقوله:
أرقت لبارق مزنا أضاء على … الأثلات بذات الأضا
فأذكرني حبره بالغضا تولوا … وأصليت جمر الغضا
وطول في جهنم لائمي … فعرض قلبي لما عرّضا
فلم يجد نفعا سوى أنه … على النفع إذ لامني حرّضا
стр. 3296
وقوله:
وغريم شيب لا يدافع خصمه … وافى وحق شبيبتي لم أقضه
فلئن أصخت إلى العذول فطالما … أعرضت عن طول الملام وعرضه
وكسرت رمان النهود بعصرة … وأكلت تفاح الخدود بعضه
فالآن توّجني الزمان بأسو … شمط تنافر بعضه من بعضه
وتباينت أوصافه فألفى في … مسودة والرشد في مبيضه
وكذاك حالي في الهوى … ما همت في إبرامه إلا هممت بنقضه
وقوله:
وجاؤوا عشاء يهرعون وقد بدت … بجسمي من داء الصبابة ألوان
فقالوا وكل معظم بعض ما رأى … أصابتك عين قلت إن وأجفان
стр. 3297
ومنهم:
٦٦ - الشّيخ القطب أبو بكر بن قوام بن عليّ بن قوام بن منصور بن معلّى ابن حسن بن عكرمة بن هارون بن قيس بن ربيعة بن عامر بن هلال بن قصيّ بن كلاب (١٣)
مسلّك أقوام، وسالك طريقة دعا بها ابن قوام، وكان لأهل بيته أي قدوه، وبيته أي بيت ودار ندوه، لم يخل رحابه من طارق، ولا سحابه من ماذر شارق. وكان في أرض "بالس" (١) تهطل سماؤه، وعلى جانب الفرات وماء الفرات وماؤه، وأقام ما أقام وكراماته ظاهره، ومقاماته باهره، وأحواله تحدث الغرائب عنها، وتحدث العجائب منها.
ولم يكن في وقته وزمانه أجمع منه للخواطر، ولا أجمل محيّا إذا تجهّمت السحب المواطر. والحقيقة بعض علمه، والطريقة تحت رسمه، والآداب منه تتعلم، وراية المجد إلى يمين غرائبه تسلم.
ولد بمشهد صفين سنة أربع وثمانين وخمسمائة (٢). ثم انتقل إلى "بالس" وربي بها (٣) حكى عنه حفيده الشيخ العارف أبو عبد الله أنه قال: كانت الأحوال تطرقني، فكنت أخبر بها شيخي، فينهاني عن الكلام فيها. وكان عنده سوط، يقول: متى تكلمت في شيء من هذا ضربتك بهذا السوط!. ويأمرني بالعمل، ويقول: لا تلتفت إلى شيء من هذه الأحوال. فما زلت معه كذلك، حتى كنت في بعض الليالي، وكانت لي أم ضريرة، وكنت بارا بها، ولم يكن لها من يخدمها غيري. فاستأذنت الشيخ في المضي إليها، فأذن لي،
стр. 3298
وقال: إنه سيحدث لك في هذه الليلة أمر عجيب، فاثبت له ولا تجزع. فلما خرجت من عنده وأنا مارّ إلى جهة أمي سمعت صوتا من جهة السماء، فرفعت رأسي، فإذا نور كأنه سلسلة متداخل بعضه في بعض، فالتفتّ على ظهري، حتى أحسست ببردها في ظهري.
فرجعت إلى الشيخ فأخبرته بما وقع لي. فقال: الحمد لله، وقبّلني بين عيني، وقال: يا بني! الآن تمت النعمة عليك، أتعلم يا بني ما هذه السلسلة؟. فقلت: لا. فقال: هذه سنة رسول الله ﷺ ، وأذن لي في الكلام، وكان قبل ينهاني عنه. (١)
قال حفيده: سمعته يوما وقد دخل البيت وهو يقول لزوجته: ولدك قد أخذه قطّاع الطريق! في هذه الساعة. وهم يريدون قتله، وقتل رفاقه. فراعها قول الشيخ ﵁، فسمعته يقول لها: لا بأس عليك، فإني قد حجبتهم عن أذاه وأذى رفاقه، غير أن ما لهم يذهب، وغدا إن شاء الله تعالى يصل هو ورفاقه. فلما كان من الغد وصلوا كما ذكر الشيخ، وكنت فيمن تلقّاهم، وأنا يومئذ ابن ست سنين، وذلك سنة ست وخمسين وستمائة. (٢)
قال شمس الدين الخابوري: وقع في نفسي أن أسأل الشيخ - وكان الخابوري من مريدي الشيخ أبي بكر - عن الروح؟، فلما دخلت عليه قال لي من غير أن أسأله: يا أحمد! ما تقرأ القرآن؟. قلت بلى يا سيدي. قال: اقرأ يا بني!: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلّا قَلِيلاً﴾ (٣) يا بني! شيء لم يتكلم فيه رسول الله ﷺ ، كيف يجوز لنا أن نتكلّم فيه؟. (٤)
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان الشيخ يقف على حلب، ونحن معه، ويقول: والله إني لأعرف أهل اليمين من أهل الشمال منها، ولو شئتم لسميتهم، ولكن لم نؤمر بذلك، ولا يكشف سر الحق في الخلق. (٥)
стр. 3299
وقال معضاد بن حامد: كنا مع الشيخ في حفر النهر الذي ساقه إلى "بالس"، فاجتمع عندنا في بعض الأيام خلق كثير في العمل، فبينا نحن نعمل، إذ جاء راعد قوي فيه برد كبار، فقال له بعض أصحابه: يا سيدي! قد جاء هذا الراعد، وربما تعطّل الجماعة عن العمل. فقال له الشيخ: اعمل وطيّب قلبك، فلما دنا الراعد، استقبله، وأشار إليه بيده، وقال: خذ يمينا وشمالا، بارك الله فيك. فتفرّق عنا بإذن الله، وما زلنا نعمل والشمس طالعة علينا، ودخلنا البلد ونحن نخوض الماء كما ذكر.
وقال محمد بن ناصر [المشهدي] (١) كنت عند الشيخ وقد صلى صلاة العصر، وصلى معه خلق، فقال له رجل: يا سيدي! ما علامة الرجل المتمكن؟. وكان في المسجد سارية، فقال: علامة الرجل المتمكن أن يشير إلى هذه السارية فتشتعل نورا. فنظر الناس إلى السارية فإذا هي تشتعل نورا. أو كما قال. (٢)
وقال إبراهيم البطائحي: سئل وأنا حاضر عن الرجل المتمكن ما علامته؟. وكان بين يديه طبق فيه شيء من الفاكهة والرياحين. فقال: أن يشير بسره إلى ما في هذا الطبق، فيرقص جميع ما فيه. فتحرّك جميع ما كان في الطبق ونحن ننظر.
وقال إسماعيل بن أبي سالم، المعروف بابن الكردي: كنا جلوسا مع الشيخ في تربة الشيخ رافع ﵄، ونحن ننظر إلى الفرات، إذ لاح على شاطيء الفرات رجل، فقال الشيخ: أترون ذلك الرجل الذي على شاطيء الفرات؟ فقلنا: نعم. قال: إنه من أولياء الله تعالى، وهو من أصحابي، وقد قصد زيارتي من بلاد الهند، وقد صلى العصر في منزله، وقد توجّه إليّ، وقد زويت له الأرض، فخطا من منزله خطوة إلى شاطيء الفرات، وبقي يمشي من الفرات إلى ههنا، تأدّبا منه معي. وعلامة ما أقول لكم أنه يعلم أني في هذا المكان فيقصده، ولا يدخل البلد.
стр. 3300
فلما قرب من البلد عرّج عنه، وقصد المكان الذي فيه الشيخ والجماعة، فجاء وسلّم وقال: يا سيدي! أسألك أن تأخذ عليّ العهد أن أكون من أصحابك.
فقال له الشيخ: وعزّة المعبود، أنت من أصحابي. فقال: الحمد لله، لهذا قصدتك، واستأذن الشيخ في الرجوع إلى أهله، فقال له الشيخ: وأين أهلك؟. قال: في الهند!. قال:
متى خرجت من عندهم؟. قال: صليت العصر، وخرجت لزيارتك. فقال له الشيخ: أنت الليلة ضيفنا، فبات عند الشيخ، وبتنا عنده. فلما أصبحنا من الغد طلب السفر، فخرج الشيخ، وخرجنا في خدمته لوداعه، فلما سرنا في وداع الشيخ، وضع الشيخ يده بين كتفيه، ودفعه، فغاب عنا، ولم نره، فقال الشيخ: وعزّة المعبود في دفعتي له وضع رجله في باب داره بالهند، أو كما قال. (١)
قال حفيده: سمعت علم الدين الشيرازي يحكي لوالدي: قال: كنت في بعض أسفاري، فأدركني شيء من الجوع والعطش، وأوقع الله تعالى في نفسي أن الله يطلع الشيخ على حالي، فإذا أنا بإنسان واقف على صخرة، وهو يشير إليّ: أن تعال. فمضيت إليه، وإذا هو الشيخ، وعنده كوز ماء، ورغيف خبز!. فقال: كل. فجلست وأكلت، وشربت. وحملت ما فضل.
قال حفيده: وسمعت والدي يقول: ولما كان في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان الشيخ في حلب وقد حصل فيها ما حصل من فتنة التتار، وكان نازلا في المدرسة الأسدية.
فقال لي: يا بني! اذهب إلى بيتنا، فلعلك تجد ما نأكل. فذهبت إلى الدار، فوجدت الشيخ عيسى الرصافي، وكان من أصحابه، مقتولا في الدار، وعليه دلق (٢) الشيخ، وقد حرق، ولم يحترق الدّلق، ولم تمسّه النار، فأخذته وخرجت، فوجدني بعض بني جهبل، فأخبرته بخبر الدّلق، فحلف عليّ بالطلاق وأخذه مني. (٣)
стр. 3301
وقال أيضا: حدّثني إسماعيل بن سالم الكردي، قال: كان لي غنم، وكان عليه راع، فسرح يوما على عادته، فلما كان وقت رجوعه لم يرجع، فخرجت في طلبه فلم أجده، ولم أجد له خبرا، فرجعت إلى الشيخ، فوجدته واقفا على باب داره، فلما رآني قال لي: ذهبت الغنم؟. قلت: نعم. قال: قد أخذها اثنا عشر رجلا وهم قد ربطوا الراعي بوادي كذا. وقد سألت الله أن يرسل عليهم النوم، وقد فعل. فامض تجدهم نياما والغنم ربضا إلا واحدة، قائمة ترضع سخلتها. قال: فمضيت إلى المكان الذي قال، فوجدت الأمر كما قال؛ فسقت الغنم، وجئت البلد.
وقال البطائحي: حضر الشيخ جنازة، وفيها جماعة من أعيان البلد، فجلس القاضي والخطيب والوالي في ناحية، وجلس الشيخ والفقراء في ناحية. فتكلّم القاضي والوالي في كرامات الأولياء، وأنه ليس لها حقيقة، وكان الخطيب رجلا صالحا، فلما قاموا جاء الجماعة يسلموا على الشيخ، فقال الشيخ للخطيب: إنا لا نسلّم عليك!. قال: ولم يا سيدي؟.
قال: لأنك لم ترد غيبة الأولياء، ولم تنتصر لهم، والتفت الشيخ إلى القاضي، والوالي، وقال: أنتما تنكران كرامات الأولياء! فما تحت أرجلكما؟ قالا: لا نعلم. قال: تحت أرجلكما مغارة ينزل إليها بخمس درج، وفيها شخص مدفون، هو وزوجته، وكان ملك هذا البلد، وهو على سرير، وزوجته قبالته، ولا نبرح من هذا المكان حتى نكشف عنهما.
فدعا بفؤوس، وكشف المكان، والجماعة حاضرون، فوجدوه كما قال.
وقال أبو المجد بن أبي الثناء: كنت عند الشيخ، وقدم عليه الشيخ نجم الدين البادرائي، متوجها إلى بغداد، وقد ولاه الخليفة القضاء، فسمعته يقول للشيخ: يا سيدي! قد ولاني الخليفة قضاء بغداد، وأنا كارهه، فقال له: طيّب قلبك، فإنك لا تحكم فيها، وحدّثه أشياء.
وسمعت الشيخ يقول له: يا شيخ نجم الدين! هذا إنسان صفته كذا وكذا، من أعيان الناس، وهو قريب من الملك الناصر، خاطره متعلق بك، وهو يشير إليك بخنصره، فقال له:
صدقت، يا سيدي!. دفع إليّ فص خاتم له قيمة، وقال: يكون عندك وديعة، والله ما أعلم أحدا من خلق الله علم بهذا الفصّ حين دفعه إليّ، وقد خيّطته في مزدرجتي، من حذري
стр. 3302
عليه، وكان كما قال الشيخ، فإن نجم الدين قدم بغداد، ومات، ولم يحكم بين اثنين!.
قال حفيده: حدّثني الشيخ الصالح العابد عمر بن سليمان الجعبري المعروف بأبي أصيبعة، قال: سيّر أبي معي إلى الشيخ هدية، وكنت شابّا، فرافقني جماعة من أهل القلعة، فتحدّثوا فيما بينهم، فقالوا: إذا دخلنا البلد رجعنا إلى الخمّارة، وشربنا. فلما دخلنا البلد وعزموا على ما قالوا، قلت لهم: حتى أوصل إلى الشيخ هديته، ولا يبقى لنا شغل، فمضينا إلى الشيخ، فلما دخلنا إليه وجلسنا، أخذ يتكلم في المعاصي وما فيها من سخط الله وعقابه، فما زال يتكلم حتى القوم تابوا، وصاروا من أصحابه، وماتوا على عمل صالح.
وحدّثني أيضا قال: دخلت على الشيخ، وعنده إنسان من أهل العراق، وهو يسأله، والشيخ يجيبه، فأكثر عليه السؤال، فخطر لي أن أقوم إليه، وأخرجه. فقال لي: يا فلان! دعه، فإنه صاحب بدعة، وقد كفانا الله فيه. قال: فلما جاء الليل، أخذه بعض أهل البلد، وبيّته عنده، فقام من الليل، فسقط من أعلى الدار التي بات فيها!. فجاؤوا إلى الشيخ وأخبروه به. فقال: امضوا، واحفروا له قبرا فإنه الآن يموت!، وهو رافضي مبتدع.
قال حفيده: وسمعت والدي قال: كان الشيخ كثيرا ما يتكلم فيما يلتبس على الأولياء كشفه، فقال لي في بعض الأيام: قد خرج في هذه الساعة جماعة من حلب إلى زيارتنا، وهم يمشون في شجر سبسبان، ولم يكن هذا الشجر بأرض حلب، ولا يعرف بها، أتدرون ما هو؟. فقالوا: لا. فقال: لأنهم يتكلمون في نقص أموال، وغرائم أموال، فظهرت إشارته في الكشف شجر سبسبان، وذلك لأن النقص يعطي النقص في الأبدان، فلما تكلموا في نقص الأموال، ظهر في الكشف كما قلنا.
وقال مرة أخرى: قد دخل إلى مجلسنا حمام كثير، وقد رصّ المجلس بهم، أتدرون ما هم؟. فقالوا: لا. فقال: قد قصد زيارتنا قوم أحرار وليس فيهم دعيّ، فلما كان عن قليل، دخل جماعة، وجلسوا حتى رصّوا المجلس، فقال: هؤلاء الذين أخبرتكم عنهم، إنهم قوم
стр. 3303
أحرار، في في الكشف أسرارهم كما قلنا.
وكان رحمه الله تعالى كثير العمل دائم المجاهدة في نفسه، ويأمر أصحابه بذلك، ويلزمهم بقيام الليل، وتلاوة القرآن، والذكر دأبه لا يفتر عنه، وفي كل ليلة جمعة يجعل لكل إنسان منهم وظيفة من الجمعة إلى الجمعة، وكان يحثّهم على الاكتساب، وأكل الحلال، ويقول: أصل العبادة أكل الحلال. (١)
وكان شديد الإنكار على أهل البدع، لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع به خلق. (٢)
وكان يحثّ أصحابه على التمسك بالسنة، ويقول: ما أفلح من أفلح، وسعد من سعد إلا بالمتابعة، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَما آتاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٥)
وكان يقول: ما اتخذ الله وليا صاحب بدعة قطّ. قيل له: فإن اتخذه؟. قال:
يصلحه (٦) [وكان يقول: رجال الشام أمكن من رجال العراق، وأعرف]. (٧)
وكان يتفقّد الأرامل بنفسه، ويقضي حوائجهنّ. وجاءته امرأة فقالت له: عندي دابّة، وقد ماتت. وما لي من يجرّها عني، فقال: امض وحصّلي حبلا واتركيه عندها، حتى أبعث من يجرّها.
فمضت وفعلت ما قال، فجاء بنفسه، وربط الحبل في الدابة، وجرّها إلى باب البلد. (٨) وكان
стр. 3304
لا يركب بغلا، ولا حمارا، ولا فرسا (١). وإذا عطش وهو قاعد في المجلس مع أصحابه قام فشرب بنفسه، يريد بذلك تربية المريدين.
وكان في الزاوية رجل كبير مسن، وكان به قطار البول (٢)، فأخذ تحته شيئا يقطر فيه البول، فكان يقوم، ويريقه بنفسه، ويغسل ما أصاب الحصير منه. (٣)
وكان لا يمكّن أحدا من تقبيل يده، ويقول: إذا مكّن الشيخ أحدا من تقبيل يده، نقص من حاله شيء. (٤)
وكان شديد الحياء، لا يقطع على أحد كلامه، ولا يخجل أحدا بما يقول.
وكان كثير التورّع، يتحرّى في مطعمه، وملبسه، ويقول: الدين الورع، وهو أصل العبادة.
وكان يتورّع عن أموال السلاطين، والجند، وكان عن مال العرب أشدّ تورّعا، لا يأكل لهم طعاما، ولا يقبل لهم هدية. وكان للعرب عادة يمرون كل سنة بأرضنا مرتين، فإذا مرّوا لا يأكل مما يباع في السوق، لا لحما، ولا لبنا، ولا غيرهما، بل يتأدّم بالزيت، وما كان من الأدم في البيت (٥).
وكان في بدء أمره لا يأكل إلا من المباح، يجمع الأشنان (٦) بيده، وتارة يحصد، فلمّا كبر وأسنّ، كان يأمر من حوله من الفقراء والأصحاب فيخرجون إلى الصحراء فيزرعون زرعا ويحصدونه، فإذا حصل، قال لهم: لا ترفعوه، حتى تدفعوا إلى السلطان نصيبه منه، وكانوا يفعلون ذلك. حتى يدفعوا من التبن ما يخصه. (٧)
وكان السلطان نور الدين يتردّد إلى زيارة جده، فوقف على الشيخ غابة من أرض
стр. 3305
الفرات، فتورّع عنها، وسبّلها (١) للمسلمين، فكانوا يأخذون منها الخشب، وينتفعون به، وربّما احتاج هو إلى شيء من الخشب للعمارة، فيشترى له ولا يأخذ منها شيئا، تورّع منه.
وصنع له بعض أصحابه في بعض الأيام طعاما فيه جزر، فلما وضعه بين يديه، قال له الشيخ: من أين اشتريت هذا الجزر؟، فإنه حرام!. فقال: من السوق. فقال: امض إليه واسأله عنه: من أين اشتروه؟، فمضى وسأل عنه، فوجده قد اشتري من طعمة المكاسين!!. (٢)
وقال الشيخ إبراهيم البطائحي: كان الشيخ ﵁ لا يقبل خمسين درهما [جملة واحدة]، ويقول: خمسين درهما غنى فقير (٣).
وتوفي يوم الأحد سلخ رجب سنة ثمان وخمسين وستمائة، بقرية "علم" ودفن بها، في تابوت، لأجل نقله، فإنه أوصى بذلك.
قال حفيده: أخبرني والدي قال: أوصاني والدي أن أدفنه في تابوت، وقال: يا بني! أنا لا بد أن أنقل إلى الأرض المقدسة. وكان كما قال، فإنه نقل بعد موته باثني عشر سنة، إلى جبل [قاسيون]. (٤)
قال: وكنت فيمن حضر خروجه من قبره، وسرت معه إلى دمشق، وشهدت دفنه، وذلك صبيحة يوم الجمعة، تاسع المحرّم، سنة سبعين وستمائة (٥).
ورأيت في سفري معه عجائب، ذكرها (٦). وقد جمع له حفيده سيرة في أربع كراريس.
стр. 3306
ومنهم:
٦٧ - عليّ البكّاء (١٣)
الصالح المشهور، ما زايل الدمع حتى خدّد خديه، ونزل خاضعا لديه، وترك جياده في حلية الخد تستبق، والأرض تصطبح منه وتغتبق.
بكّاء كان لا يجف منه جفنه، ولا يخف منه أفنه، قطع عليه مدة البقاء، واتخذ منه عدة اللقاء، هذا إلى حبّ للانفراد، فسكن من قلبه الشغاف، وركن إلى خلبه للاطلاع والإشراف، حتى ثوى، ولكل امرئ ما نوى، وأمسى وهو نزيل الخليل وجاره، وفوق وكر السرحان وجاره.
قال ابن اليونيني: حكى لي المنصور سيف الدين قلاوون ﵀، بغزة في شوال سنة خمس وسبعين وستمائة، وقد خرجت صحبته من الديار المصرية، فلما نزل غزة استأذنته في زيارة الخليل ﵇، فقال لي: زر الشيخ عليا البكّاء، فإنه كبير القدر، وشرع في الثناء عليه وذكر مناقبه، فقال: لما كنا في الأيام الناصرية مع الملك الظاهر، زرته فدعا لي، وأخبرني بأمور تقع، فوقع أكثرها، وأعطاني قميصه، فكنت ألبسه تحت السلاح، فما أصابني نشاب ولا غيره وهو عليّ، وأصابني جراحات لما لم أكن لابسه، أو ما هذا معناه.
قال ابن اليونيني: فلما تسلطن الملك المنصور، وقع في خاطري أن ذلك ربما يكون من الأمور التي أخبره بوقوعها، والله أعلم.
قال: وسمّي بالبكّاء لكثرة بكائه.
حكي أنه سئل عن كثرة بكائه، فقال: كنت ببغداد، فرأيت رجلا خرج منها، فتبعته، فلم يكن بأسرع من وصوله إلى عمارة لا أعرفها، فظننتها من قرى بغداد، ودخل مسجدا وصلى فيه الظهر وخرج، وأنا في صلاة السنة، فخرجت، فرأيت وجوها أنكرتها، وبلدا
стр. 3307
أنكرته، فسألت شيخا هناك: ما هذه القرية؟ فقال: من أين أنت؟. فقلت: من بغداد.
خرجت منها من ساعة. فقال: أظنك لا تعقل ما تقول، بينك وبين بغداد أكثر من سنة!.
فقلت: والله لقد خرجت منها من أقل من ساعتين. فقال: حدّثني قصّتك. فحكيت له أمري عن حليته، فقال: إن كنت صادقا فارجع إلى المسجد الذي دخلت إليه معه فانتظره، فإنه سيعود إليه. فرجعت إلى ذلك المسجد، فلما كان وقت العصر، حضر ذلك الشخص الذي تبعته، فلزمته، وتشبثت به، وبكيت، وتضرّعت إليه، فانتهرني، ثم رقّ لي، ورجع بي إلى بغداد، فوصلناها في مثل المسافة التي خرجنا منها، وصحبته، وخدمته مدة، وأراد السفر، فأردت صحبته، فمنعني، وقال: لا تقدر على ذلك!. وأنا مسافر إلى البلد الفلاني، وأموت في الوقت الفلاني، فإذا كان ذلك الوقت، فاحضر ذلك المكان، واشهدني. فلما دنا الميعاد، حضرت فوجدته في الموت، وقد توجّه إلى الشرق، فأدرته إلى القبلة، وهو ينحرف إلى الشرق، وتكرر ذلك منه ومني، فنظر إليّ، وقال: لا تتعب - هو إنما يموت نصرانيا! - وتكلم بما يدين به النصارى ويعتقده، ففارق، فحملناه إلى دير مشهور هناك، فيه جماعة من الرهبان، فوجدناهم في تألم شديد، وذكروا لنا أنهم كان عندهم راهب عظيم، قد أتى عليه مائة سنة، وأنه توفي تلك السنة، بعد أن أسلم، فسلمنا إليهم صاحبنا، فتولوا أمره ودفنوه، وتسلمنا ذلك الراهب وغسّلناه، ودفنّاه. فألام على كثرة البكاء؟!.
فنسأل الله تعالى حسن الخاتمة، وأن يتوفانا على الإسلام والسّنة، آمين.
توفي الشيخ علي البكّاء - رحمه الله تعالى - ببلد الخليل ﵇ في أوائل شهر رجب سنة سبعين وستمائة، ودفن بزاويته.
стр. 3308
ومنهم:
٦٨ - الشّيخ خضر بن أبي بكر بن موسى أبو العبّاس المهرانيّ (١) العدويّ (١٣)
شيخ الملك الظاهر.
قدم من جبال الأكراد، وورد الحياض ورّاد، فاستخصب المرعى، واستنجب المسعى، وتأكدت له بالملك الظاهر بيبرس صحبة نفعته لديه، ورفعته عند أقصى الملك إليه، وحمد به زمانه النضر، وكان الملك الاسكندر والشيخ الخضر، ووسائله مقبولة، ورسائله للمصايد أحبولة، والأنام معه، والأيام لدعوته مسمعه، حتى هبت له بنكباء البأساء، ودبت إليه دبيب ظلماء المساء، وانتهت له من الوزراء الظاهرية صلالا أراقم، وأسقاما داؤها متفاقم، وكان قد ثقلت عليه شفاعاته، ونقلت إليهم شناعاته.
وما زالوا به حتى أخرجوا خباءه، وأسمعوا منه آي نبأه، وأحضرت امرأة تعرف ببنت ابن نظيف، فقالت فيه كلاما، وقادت إليه ملاما، فحمل إلى القلعة واعتقل، وأقام حتى هيء له بيته في المقابر ونقل، إلا أنه مات غير محترم، وتاب ولم ير غير مبجل محترم، وكان موته بدنو أجل الملك الظاهر منذرا، وكان قد أنذره به، وكان منه حذرا.
أصله من قرية يقال لها: "المحمدية"، من أعمال جزيرة ابن عمر، وسبب معرفة الملك الظاهر له واعتقاده فيه: أن الأمير العجمي أخبره عنه قبل أن يتسلطن، أنه قال: إن ركن الدين بيبرس البندقداري لا بد أن يملك، فلما ملك، صار له فيه عقيدة [عظيمة] (٢)، وقرّبه وأدناه، وكان ينزل إلى زيارته في الأسبوع مرة أو مرتين، أو ثلاثا، على قدر ما يتفق؛
стр. 3309
لكنه لم تكن يغب زيارته والاجتماع به، ويطلعه على غوامض أسراره، ويستشيره في أموره، ولا يخرج عن رأيه، ويستصحبه في سائر أسفاره وغزواته، وفي ذلك يقول الشريف شرف الدين محمد بن رضوان الناسخ (١):
ما الظاهر السلطان إلا مالك الدنيا بذاك لنا الملاحم تخبر
ولنا دليل واضح كالشمس في … وسط السماء بكل عين تنظر
لما رأينا الخضر يقدم يقدم جيشه … أبدا علمنا أنه الاسكندر (٢)
وكان يخبر الملك الظاهر بأمور قبل وقوعها، فتقع على ما يخبر به، ولما حاصر الملك الظاهر [أرسوف] (٣)، وهي من أوائل فتوحاته، سأله: متى تؤخذ؟ فعين له اليوم الذي تؤخذ فيه، فوافق. وكذلك في "قيسارية" و"صفد".
ولما عاد الظاهر [رحمه الله تعالى] من دمشق إلى جهة الكرك، سنة خمس وستين، استشاره في قصده، فأشار عليه أن لا يقصده، وأن يتوجه إلى الديار المصرية، فلم يوافق قوله غرضه، فخالفه وقصده، فلما كان فانكسرت فخذه، وأقام مكانه أياما كثيرة، ثم حمل في محفّة إلى غزة، ثم إلى الديار المصرية على أعناق الرجال.
ولما قصد الظاهر منازلة حصن الأكراد ومحاصرته، اجتاز الشيخ خضر ببعلبك، ونزل بالزاوية التي عمرت له بظاهرها، وخرج نوّاب السلطنة وبعض أهل البلد إلى خدمته، فقال ابن اليونيني: وكنت فيمن خرج، فسمعت كمال الدين إبراهيم بن شيث [رحمه الله تعالى] يسأله عن أخذ حصن الأكراد؟. فقال ما معناه: يؤخذ في مدة أربعين يوما. أو قال: قلت:
لابني يشير إلى الملك الظاهر أنك تأخذه في أربعين يوما، فوافق ذلك، وأخذه في مدة أربعين يوما (٤) ولما
стр. 3310
توجّه الملك الظاهر إلى الروم، سأل الشيخ خضر بعض أصحابه عما يتم للملك الظاهر؟، فأخبره أنه يظفر، ثم يعود إلى دمشق، ويموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما!. فاتفق ذلك. (١)
قال ابن اليونيني: وحكي لي أن الملك الظاهر لما تغير عليه، وأحضر من أصحابه من دمشق من يحاققه على أمور نقلت إليه عنه، ويقابله عليها، قعد الملك الظاهر بقلعة الجبل، وعنده من أكابر الأمراء فارس الدين الأتابك، وبدر الدين، والملك المنصور قلاوون، وسير الأمير سيف الدين قشتمر العجمي لإحضاره، فلما طلبه إلى الحضور إلى القلعة، أنكر ذلك، لأنه لم يكن له به عادة، فعرّفه [بشيء مما] (٢) هم فيه، فحضر معه، فلما دخل لم يجد ما يعهده، فقعد عندهم منتبذا منهم، فأحضر السلطان الذين أحضرهم من أصحابه من دمشق، فشرعوا ونسبوه إلى قبائح وأمور عظيمة لا تكاد تصدر من مسلم، فقال: ما أعرف ما يقولونه، ومع هذا، فأنا ما قلت لكم: أني رجل صالح، أنتم قلتم هذا، فإن كان ما يقول هؤلاء صحيحا فأنتم كذبتم.
فقام الملك الظاهر ومن معه من عنده؛ وقالوا: قوموا بنا، لا نحترق بمجاورته. وتحولوا إلى طرف الإيوان بعيدا منه. فقال الظاهر: أيش رابكم في أمره؟. فقال الأتابك: هذا مطّلع على الأسرار وأسرار الدولة، وبواطن أحوالها، وما ينبغي إبقاؤه في الوجود، فإنه لا يؤمن أن يصدر منه ما لا يمكن تلافيه. فوافقه الحاضرون على ذلك، وقالوا: ببعض ما قد قبل [عنه] يباح دمه، ففهم ما هم فيه، فقال للملك الظاهر: اسمع ما أقول لك! إنّ أجلي قريب من أجلك، وبين وبينك مدة أيام يسيرة، من مات منا لحقه صاحبه عن قريب. فوجم الملك الظاهر لذلك، وقال للأمراء: ما ترون في هذا؟. فلم يمكن أحدا أن يقول شيئا. فقال [السلطان] الظاهر: هذا يحبس في موضع لا يسمع له فيه حديث، فيكون مثل من قد قبر
стр. 3311
وهو حي. فقالوا: الذي رآه مولانا السلطان.
فحبسه في مكان منفرد، بقلعة الجبل، ولم يمكّن أحدا من الدخول إليه إلا من يثق به السلطان غاية الوثوق، ويدخل إليه بالأطعمة الفاخرة، والأشربة، والفواكه، والملابس تغير عليه كل وقت.
وكان حبسه في ثاني عشر شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
وتوفي يوم الخميس سادس المحرّم، أو ليلة الجمعة سابعه، وأخرج يوم الجمعة المذكور من سجنه بقلعة الجبل، ميتا، فسلّم إلى أهله، فحملوه إلى زاويته المعروفة بخط الجامع الظاهري بالحسينية، فغسّل بها، [وحمل إلى الجامع المذكور] (١)، وصلّي عليه عقيب الجمعة بالجامع المذكور، ودفن بتربة أنشأها لنفسه بالزاوية، وقد نيف على الخمسين. (٢)
ولما عاد الظاهر من الروم، كتب بالإفراج عنه، وجهّزه على البريد، فوصل البريد بعد موته. وكان بنى له الظاهر زاوية بالحسينية، ووقف عليها أحكارا يحصل منها في كل سنة فوق ثلاثين ألف درهم.
وبنى له بالقدس زاوية، وبجبل المزة ظاهر دمشق زاوية، وبظاهر بعلبك زاوية، وبحماة زاوية، وبحمص زاوية، وفي جميعها فقراء، وعليهم الأوقاف، وصرّفه في ملكه يحكم ولا يحكم عليه، ولا يخالف أمره في جليل ولا حقير، ويتقي جانبه الخاص والعام، حتى الأمير بدر الدين الخازندار، والصاحب بهاء الدين، وملوك الأطراف، وملوك الفرنج وغيرهم.
وهدم بدمشق كنيسة اليهود ونهبها، وكان فيها من الآلات والفرش ما لا يعبّر عنه، وصيّرها مسجدا وبنى بها المحاريب، وعمل بها سماعا، ومدّ بها سماطا. ودخل كنيسة الاسكندرية، وهي معظّمة عند النصارى، ويعدونها كرسيا من كراسيهم، ويعتقدون فيها البركة، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا ﵉ فيها، وهو عندهم يحيى
стр. 3312
المعمّداني، فنهبها، وصيّرها مسجدا، وسمّاها "المدرسة الخضراء" وأنفق في تغييرها من بيت المال مالا كثيرا. (١)
وهدم بالقدس كنيسة النصارى المعروفة بالمصلّبة، وهي جليلة عندهم، وقتل قسيسها بيده، وعملها زاوية.
وكان واسع الصدر، يعطي ويفرّق الدراهم والذهب، وعمل الأطعمة الفاخرة، في قدور مفرطة في الكبر بحيث يحمل القدرة الواحدة الجماعة من الحمّالين.
وكانت أحواله عجيبة لا تكيّف، ولا تنتظم، والأقوال فيه مختلفة، فمن الناس من أثبت صلاحه، ومنهم من رماه بالعظائم، والله أعلم بحقيقة حاله.
قلت: حكى لي والدي رحمه الله تعالى، قال: كان الشيخ خضر عظيم المكانة عند الملك الظاهر، لا يخالفه في شيء، وكان جريئا باللسان وباليد إلى غاية، فضاق منه الوزير ابن حنا ضيقا عظيما، ولم يجد له سبيلا إلى إبعاده، فشرع في التحيّل عليه، وكانت بدمشق امرأة تعرف ببنت ابن نظيف، بارعة في الحسن، خالية من الزوج، محبّة لأهل الخير، فأتى الشيخ خضر في بعض أسفاره دمشق، فسمعت به، وبعثت إليه بأنواع من المآكل، ثم دعته إلى دار لها لضيافة عملتها له؛ فجاءها، وأقام عندها أياما في مأكل وأوقات طيبة لا ريبة فيها، فبلغ ذلك ابن حنا، فجعله سلّما له إلى ما يريد يتسلق منه على الشيخ خضر، وذلك أنه خلّى تاج الدين ابن ابنه، تزوّج المرأة وأبقاها في عصمته مدة طويلة، وحملها بالرغبة والرهبة على ما تقوله في الشيخ خضر، ثم طلّقها سرا، وتحيل جده على الظاهر حتى ألقى في أذنه أن الشيخ خضر يشرب الخمر، ويزني، وأنه كان قد أحب امرأة من بنات ابن نظيف، وأفسدها، وأن تاج الدين تزوجها، ثم لم ينته عنها الشيخ خضر، وبقي يأتي إليها، فطلّقها، وأنها لو سئلت لأخبرت بالخبر، فبعث الظاهر إلى نائبه بدمشق في ذلك، وأحضر المرأة وسألها، وهي لا تعلم بتطليق تاج الدين لها، فقالت ما قرر معها أن تقوله، فكتب
стр. 3313
بذلك إلى الظاهر، ثم أضيف إلى الشيخ خضر أقوال أخر، ورتبت له ذنوب لم تكن، وكان منه ما كان.
ورأيت أنا في أوراق عمي ﵀ نسخة المطالعة التي كتبت في ذلك، وفيها عظائم، ومما قيل فيها، وهذه المرأة باقية في عصمة الصاحب تاج الدين، لأنهم لم يكونوا علموا بإيقاع الطلاق عليها.
ومنهم:
٦٩ - يوسف بن نجاح بن موهوب، أبو الحجّاج الزّبيريّ المعروف بالفقّاعيّ (١٣)
علا بعز الطاعة، وغالب رأي النفس فأطاعه، وأزمع على الرحيل فجمع له أهبته، وأجمع له وثبته، واستعدّ ليوم العرض، وأعدّ لجنّة عرضها السماوات والأرض، وملاحظة الحق تعينه، وتحقق له ما يستبينه، فتقدّم ولم يتأخّر، وقدّم لله لا لمفخر، وركض به عمله محضرا، وسره ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ (١)، فلم ير أضاليل الدنيا إلا مهوما، ولا رئي على غروراتها محوّما.
أصله من قرية من قرى "نابلس" تعرف ب "عقربا" وله بها زاوية، وكان يتردد إليها في كثير من الأوقات، بعد أن قدم دمشق. (٢)
وله زاوية ورباط بالقرب من الجامع الأفرمي بناهما له الأمير جمال الدين موسى بن يغمور. وكان كثير العبادة والزهد، حسن التربية، كريم الأخلاق، لطيف الحركات، كثير التواضع، ليّن الكلمة، من المشايخ المشهورين بالعرفان، ولكثير من الناس فيه عقيدة صالحة.
стр. 3314
توفي ليلة الأربعاء [بجامع الجبل] (١) سابع عشرين شوال، سنة تسع وسبعين وستمائة.
ودفن بتربته جوار الزاوية، بعد أن صلّي عليه بالجامع المظفّري، بسفح قاسيون، وقد نيف على الثمانين.
حكى ابن اليونيني: عن الشيخ تاج الدين عبد الرحمن الفزاري (٢) قال: اجتمعت به فسمعته يقول: الطالب للمشيخة جاهل بحقيقة الأمر، مستور عليه، إن أهل الله تعالى [يكرمون] (٣) بها، فيسألون الله تعالى الإقالة.
قال: وسمعته يقول: ليس أبناء المشايخ كغيرهم، فإن الحاصل للطالب المريد من غيرهم أكثر وأجل، فإن أولاد المشايخ عندهم إدلال بآبائهم، فلا تزال نفوسهم مرتفعة، وغيرهم يطلب الذل والانكسار، وإنما حصل الناس على الخير بهما.
قال: وسمعته يقول: لقد جرى لهؤلاء الذين عندي وقت اجتهدت على إدخال أولادي فيه بكل طريق فلم أقدر.
قال: وسمعته يقول: إنما نهى الشيخ الشخص عن صحبة غيره، إذا كان مريدا مشتغلا قد سلّكه، وعرف مزاجه، لأنه ربما لاذ بجاهل لحاله ففسد عليه أمره. ومثال هذا: كالمريض الذي له طبيب قد خبر علته، وعرف دواءها، وعالجها مدة، لو شاركه في تعليله طبيب آخر ربما أدّى إلى هلاك المريض (٤) قال: وسمعته يقول: كان شخص يرعى الغنم مدة طويلة لم يأخذ الذئب له شيئا قط، فلما كان بعد تلك المدة، أخذ الذئب منه شاة، فقلت له: قد أحدثت شيئا!. فأنكر، فكشفت عن حاله، فإذا به قد أكل طعاما مسروقا من بعض صبيان الرعي، فقلت له: بهذا أخذ الذئب منك ما أخذ (٥).
стр. 3315
ومنهم:
٧٠ - الشّيخ إبراهيم بن [الشّيخ عبد الله] الأرمويّ (١٣)
كريم كان ينجز المواعيد، وتنبجس له الجلاميد، من بيت أركانه لم تهدم، ومكانة إرث ممن تقدم، فلم يجهل له قدر، ولم يمهل ترابه مذ وضع له خدّ في قبر.
كان يؤخذ ترابه للاستسقاء، وهو في ضريحه يزار، وتحت صفيحه مشهد ومزار. (١)
ومنهم:
٧١ - [الشّيخ الزّاهد] جندل [بن محمد العجمي] (١٤)(٢)
ذكره ابن اليونيني، فقال: كان زاهدا عابدا، منقطعا، صاحب كرامات، وأحوال ظاهرة وباطنة، وله جدّ واجتهاد، ومعرفة بطريق القوم. وكان الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن الفركاح الفزاري (٣) يتردد إليه في كثير من الأوقات، وله به اختصاص كبير.
قال ولده الشيخ برهان الدين: كنت أروح مع والدي إلى زيارته بمنين (٤)، ورأيته يجلس بين يديه في جمع كثير، ويستغرق وقته في الكلام مغربا لا يفهمه أحد من الحاضرين بألفاظ غريبة.
стр. 3316
وقال الشيخ تاج الدين المذكور: الشيخ جندل من أهل الطريق، وعلماء التحقيق، اجتمعت به في سنة إحدى وستين وستمائة، فأخبرني أنه بلغ من العمر خمسا وتسعين سنة.
وكان يقول: طريق القوم واحد، وإنما يثبت عليه ذوو العقول الثابتة.
وقال: المولّه منفيّ ويعتقد أنه واصل، ولو علم أنه منفيّ لرجع عما هو عليه.
وقال: ما تقرب أحد إلى الله بمثل الذّلّ والتّضرّع والانكسار. (١)
قال الشيخ تاج الدين: واجتمعت به في شعبان سنة أربع وستين وستمائة فقال: أنا أحقّ الملك [العادل] (٢) وقد جاءه من حلب عسكر يحاصره، وكان عمري إذ ذاك خمس عشرة سنة، وقال لي: دنا الموت، ولم يبق إلا القليل.
ثم قصّ عليّ رؤيا استدلّ بها على هذا، فسألته عن الرؤيا؟، فقال: رأيت من زمان متقادم كأني أفرغت في بيتي جمل بصل، فأخذت منه بصلة بيدي، فرأيت عليها عبد الرحمن شملة (٣)، فجعلتها في حجري، وعرفت أن ذاك البصل كله مشايخ، أريد أن أجتمع بهم، وأراهم، ويروني. فلما كان هذا القرب رأيت كأني عبيت الجوالق (٤) البصل، ولم يبق إلا قليل، فعلمت بذلك قرب الأجل. حدّثني بذلك عشية السبت ثامن شعبان من السنة المذكورة.
وكانت وفاته بقرية منين في شهر رمضان المعظّم، سنة خمس وسبعين وستمائة (٥)، ودفن بزاويته المشهورة، وعلى ضريحه من الجلالة والهيبة ما يقصر الوصف عنه. رحمه الله تعالى.
стр. 3317
ومنهم:
٧٢ - أبو الرّجال بن مرّي بن بحتر المنيني (١٣)
رجل كشفت له البصائر، وأزلفت له المصادر، فعمل لدار القرار، وعجّل البدار للاستقرار، وقدّم لجنّة طالما تسوّق لنزلها، وتشوّق إلى كرم منزلها، وهام بها وتاه، وقام في طلبها فواتاه، فقلبته في نعيمها، وقلّدته تقليد زعيمها، وقالت: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ (١)، وقدمتم فأصبتم، ولم يزل يخطم الآمال، ويحطم المال، حتى آن له الأوان، وحان أن يدعى إلى الجنّة ورضوان، فطاب مضجعا، وقدم مقدما ومرجعا.
وكان شيخا ساذجا، كبير التواضع، دائم الذكر، دائم التوجه، عاريا عن التكلّف والتصنّع، عارفا بالله، صاحب أحوال ومكاشفات. امتحنه جماعة من أعيان الناس في أمر المكاشفات، فكان يأتي بها أسرع من رجع البصر. وعظم شأنه في آخر عمره، وقصده الناس رجاء بركته.
وكانت له زاوية يمدّ بها السّماط للواردين والمقيمين، وكان علماء الوقت مثل ابن الفركاح، وابن الوكيل، وابن الزملكاني، يعظّمونه، ويترددون إليه، ويثنون عليه، ويصفونه بالصلاح والولاية، ويبالغون فيه إلى الغاية.
وحدّثني صاحبنا ناصر الدين محمد بن الفارس المعروف بالحاجبي: توفي يوم الثلاثاء عاشر المحرّم، سنة أربع وتسعين وستمائة (٢)، بقرية منين، ودفن بها.
стр. 3318
ومنهم:
٧٣ - عثمان المنينيّ المعروف بالقريريّ
رجل يعدّ برجال، وبطل لا يزاحم في مجال، وعجّل وكم قبضت به آجال، كان بدرا تماما، وبين نونيه أسدا ضرغاما، لا تتوقى له سهام، ولا يرد بالجيش اللهام.
حدّثني عنه والدي، والصدر جمال الدين يوسف بن رزق الله العمري - رحمهما الله تعالى - قالا: لما اشتدّ بأهل بعلبك الأمر نوبة غازان ونحن إذ ذاك بها، كان فيها الشيخ عثمان، وكنا نتعهد زيارته، وأبواب المدينة مفتحة، فلما نازلها غلقت الأبواب واشتدّ الخوف، ثم أتينا الشيخ عثمان للزيارة، فوجدنا قطب الدين ابن اليونيني خارجا من عنده، فقال: دخلت على الشيخ فلم يكلّمني، ووجدته منكرا، فلم أجلس، والرأي أن ترجعوا، فإن هذا رجل له بادرة. فقلنا: لا بدّ أن ندخل، فدخلنا عليه.
قال والدي: فالتفت إليّ وقال: يا محيي الدين! لأي شيء غلقتم أبواب المدينة؟.
فقلت له: يا سيدي! خوفا من [بولاي] (١) فإنه قد جاء ونزل عليها، وربما أنه يريد أن يحاصر. قال: فغضب الشيخ غضبا شديدا، واحمرّت عيناه، وجثا على ركبتيه، وطلعت الزبدة على شدقيه.
قال والدي وابن رزق: حتى ظنناه سبعا يريد أن يفترسنا، وبقي على هذه الحال هنيهة، ثم قال: وعزّة العزيز، طرشهم طرشة بدّد شملهم، وفتح يديه يمنة ويسرة، ثم سري عنه.
وقال: قل لهم يا محيي الدين: فليفتحوا أبواب البلد. قالا: فقمنا، وأمرنا بفتح الأبواب كما قال، ثم باكرنا الخبر في اليوم الثالث برحيل غازان عن مدينة دمشق في الساعة التي قال فيها الشيخ عثمان ما قال.
وحكى لي الشيخ نجم الدين محمد بن أبي الطيب قال: كان لخالنا القاضي تقي الدين
стр. 3319
عبد الكريم بن الزكي خصوصية بالشيخ عثمان، وكان يتردد إلى قرية برزة حين أقام بها، وكان لا يزال يشكو إليه ما يجده من سوء أخلاق امرأته، وتكبّرها عليه بما لها من الأوقاف والغنى. وكان الشيخ ينهاها في كل وقت، ويخوفها عاقبة فعلها، إلى مرة زادت في سوء معاملته، فلما شكاها إلى الشيخ عثمان، قال لها: النوبة الفيصلة بيننا وبينك. ثم قال لابن الزكي: إن عاد بدا منها النوبة شيء قل: يا عثمان، يا نحس!.
قال ابن أبي الطيب: فلما أتى يوم موسم، أو حفل كانت بالميطور وقد اجتمع عندها جماعة من النساء، فلما أراد أن ينزل إلى المدينة، قالت له: ابعث لنا كذا وكذا، من الحلوى، وغيرها، فبعث بشيء، فاغتاظت، فلما طلع لامته، ثم احتدّت إلى أن عادت إلى عادتها وأشدّ، فصاح ابن الزكي: يا عثمان! يا نحس!، يا عثمان، يا نحس!. ثم لم يستكمل المجلس حتى أخذتها الحمّى الحادّة، المحرقة، وقالت له: قتلتني والله!. ثم قالت:
والله النوبة هي الفيصلة، ففطن ابن الزكي وقام لوقته حتى أتى الشيخ عثمان، ليسأله في أمرها، فمنذ رآه مقبلا من بعيد قال له: أحسن الله عزاك! ارجع جهّزها، فقد قضي الأمر، فرجع وكان الأمر كما قال.
وحكى لي غير واحد من أهل برزة (١): أن الملك الأوحد كان قد تعجّل نوبة كسروان منهم خراج سنة، ثم لما طال المقام بالجبل بعث يستلف سنة أخرى، فأضرّ ذلك بنا، ولم يبق إلا من أخذ دوابّه، أو قماش نسائه، أو غزلهنّ ليبيعه، فلما رأى الشيخ عثمان ما حصل لنا بذلك من الضرر والإزعاج، اغتاظ حتى كاد يتميز من الغيظ، ثم قال: لا تبيعوا شيئا، فإنه قد قضي الشغل، فلم يلبث أن جاءنا الخبر بأن الملك الأوحد قد توفي في ذلك اليوم.
وأخباره ومناقبه كثيرة.
حكى لي القاضي عبد الله البستاني الفقيه، قال: كان الشيخ صدر الدين ابن الوكيل حسن العقيدة في الفقراء، وسمعته يحكي قال: طلبني الأفرم مرة، طلبا مزعجا، فجئته،
стр. 3320
وأنا خائف منه - على صحبتي له -، فلما دخلت عليه رأيته مبتهجا لي، فطلع إلي وقد كاد يسطو علي لأجل ابن تيمية، وقال لي: يا صدر! أنت تريد تعاند القدرة في ابن تيمية؟ وكلما رفعه الله تريد أنت أن تضعه بيدك، والله ما تريد إلا من يخرجك من الشام، ويحبسك في الاسكندرية، ليكف شرك. قال: فخرجت وأنا في غاية الخوف والوحشة، وتوجّهت على الفور إلى الشيخ عثمان، فما لحقت أكمل السلام عليه حتى قال لي: بئس الصاحب صاحبك، يعني الأفرم، والله يا صدر الدين! ما هو يا صدر كما قال لك، ما يريد يعاند القدرة إلا هو، والله ما يخرج من الشام ويحبس في الاسكندرية إلا ابن تيمية.
قال: فسرّي عني ما كنت فيه، وبت عنده تلك الليلة، ثم عدت، فلم أصل إلى بيتي إلا ورسول الأفرم قد أتاني، فجئته، فقال: يا صدر الدين! أنت رجل صالح، عمل نفسك في ابن تيمية، وقد جاء مرسوم السلطان بطلبه، وعزمي أن أدفع عنه، وأشتهي أن لا تحرّكوا أنتم ساكنا ليدفع عنه الشر، لعلّ تصطلحوا، فيزول ما بينكم، ثم لم يمض - والله - الأيام حتى لم يكن بدّ من تجهيزه، وحبس بمصر والاسكندرية، وجاء الأمر كما قال الشيخ.
وتوفي سنة ثمان وسبعمائة رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
ومنهم:
٧٤ - محمّد بن إبراهيم الأرمويّ (١٣)
مشيّد بيت وأبيات، وصاحب أناشيد وتلاوة آيات، سكن الشام فاخضرّ واديه، وابيضّ بكرم أياديه، وتفجّرت أنهاره مثل قريحته، وطالت غرة جبهته مثل لألاء صبيحته، وسكن بزاوية ابنه بسفح قاسيون، فسقى السفح، وعامل ساكنه بالرحمة والصفح، فظهرت به من سرّ أبيه ﵀ خفايا، وطلعت من الزوايا خبايا.
стр. 3321
وكان رجلا أوّابا، وعجلا إلى الله توّابا، ومحسنا ما عرفت له أساءه، ولا ألفت منه إلا عباده، أشهد عليها صباحه ومساه، وله عقب نعم ما أعقبه سلف، وأبقاه ماض من خلف منه أي ابن منجب، وولد متواضع للفقراء معجب.
ومن كلامه:
فصل يتعلق بالسماع
قال: افتقار السماع إلى الوجد، افتقار الصلاة إلى النية والقصد، فكما لا تصح الصلاة إلا بالنية والقصد، كذلك لا يباح السماع إلا بالوجد، فمن كانت حركته في السماع طبيعية، كانت نشوته به حيوانية، ألا ترى أن كثيرا من الحيوان ينشأ له حال غير المعتاد عند سماع المطربات، وقوة حركة لسماع طيّب النغمات، فمن كان هذا السماع الحيواني في ذلك أقصى أربه، وكان مقصورا فيه على هواه ولعبه، وهو سماع الطبيعة لا سماع الأرواح، فجدير أن يجتنب فإنه يستعمل الطبيعة [ويجرّ إلى الوقوع] في غير المباح.
والسماع الذي اختلفت فيه الأقوال إنما هو سماع أهل المقامات والأحوال، فمنهم من أباحه على حكم الاختصاص، ومنهم من جعله زلة الخواص، ومنهم من توقف ولم يجد إلى إقامة الدليل على كلا الأمرين نشاطا، ورأى الاستغفار منه إذا قدر له الحضور فيه احتياطا، فهو متردد في أمريه، فتركه لمثل ذلك أولى، ولم يرزا على من حضره من السلف، لكن لم ير نفسه بحضوره أهلا. فهذه جملة اقتناعية مما قيل فيه، ونبذة لعلّ من تأملها تكفيه. (١)
إذا حرك الوجد السماع إليكم … يباح وإلا فالسماع حرام
ومن هزّه طيب استماع حديثكم … ومال من الأشواق ليس يلام
ولا عجب إن شتت الحبّ جمعه … فليس لأحوال المحب نظام
يسير مع الأشواق أين توجهت … وليس له في الكائنات مقام
ولا غرو إن ضلّت مذاهب عقله … فإن مقام العز ليس يرام
حمى لا سبيل أن يباح مصونه … وكل الورى طافوا عليه وحاموا
стр. 3322
وقاموا وقد جدوا لأول منزل … فقاموا حيارى فيه حيث أقاموا
ومن نظمه الفائق قوله:
لا غرو أن أصبح وجه الثرى … ونوره بالنور وضّاح
إذ كم يد بيضاء في كفها … بروضة النرجس مصباح
وقوله:
ما حمرة العينين منك بمهجتي … أفديهما وبناظري لتألم
لكن لحاظك أغمدت أسيافها … بحشاشتي فبدا بها أثر الدم
وقوله:
واد إذا جئنا سراعا نحوه … خوف الهجير وقد أطل زمانه
رق النسيم لبانه وتعطفت … كرما علينا في الربا أغصانه
وقوله:
لله أيام الربيع وطيبها … وتفاخر الأطيار في الألحان
والورد ينمى في الغصون كأنما … الحياء بوجنة الخجلان
والغصن يثنيه النسيم كما ثنى … سكر السموأل شمائل النسوان
والماء يمشي في الرياض كما مشت … سنة الرقاد بمقلة الوسنان
وقوله:
حديقة إذ نبّهتها الصبا … لم يبق منها مقلة غافية
وشى بطيب العرف تمامها … لما أتتها الأعين الصافية
وقوله:
كأنما المريخ في جوه … شقيقة بين رياض الأقاح
стр. 3323
وأنجم الجوزاء خرد غدت … ترقص من تيه بسيف الصباح
وقوله:
يا طيب ما جاء النسيم بعرفكم … وحديثه عنكم حديث مرسل
حمّلته مني السلام إليكم … فأطاعني لكنه يتعلل
وقوله:
كم للنسيم على الربى من نعمة … وفضيلة بين الورى لن يجحدا
ما زارها وشكت إليه فاقة … إلا وهزّ لها الشمائل بالندا
وقوله:
رقّت ورقّ الكاس من دونها … عذرا راح عرفها يسكر
كالشفق الأبيض من دونه … والجوّ صاف شفق أحمر
وقوله:
قلب غدا من حبكم عامرا … لغيركم ليس به منزل
وقد أردتم هدمه بالقلا … سألتكم بالله لا تفعلوا
وقوله:
حبّذا دوحة إذا ما سعينا … واستجرنا بذيلها في السموم
لم نزل تحت ظلها في أمان … بين خود الندا ولطف النسيم
ما استمدت رياضها الغيث إلا … جاء منه الصبا بوعد كريم
قد تردّى برداء السحاب ووافى … يتمشى هونا بقلب سليم
يتمادى بين الغصون دلالا … قد تربى من يومه في النعيم
وهو يختال فرحة حين وافى … من حبيب مبشرا بالقدوم
ويريد الرجوع من غير عزم … فهو بين التأخير والتقديم
وقوله:
стр. 3324
أما ترى الليل قد ولّت مواكبه … مهزومة واختفت خوفا كواكبه
وقد تجرّد سيف للصباح غدت … محمرّة من دم القتلى جوانبه
وقوله:
ما اصفرّت الأوراق إلا خيفة … لما استبانت فرقة الأغصان
وكذا النسيم غدا عليلا إذ بدا … متنقلا أبدا عن الأوطان
فاظفر بجمع الشمل قبل شتاته … ما العيش إلا صحبة الإخوان
وقوله:
وافى الربيع فعاد الروض مبتسما … وطالما انتحبت فيه سحائبه
والغصن من فوقه الشحرور تحسبه … يتلو الزبور بأعلى الدير راهبه
وشاطيء الدهر قد دبت عوارضه … وافترّ مبسمه واخضرّ شاربه
فصفّق الدوح لّما أن رأى عجبا … من أجل ذلك شابت ذوائبه
وقوله:
لم أنس ليلة بات البدر يخدمنا … إلى الصباح ولم يشعر بنا الرقبا
والنهر لجينا والدجى سبح فمذ بدا … الصبح ياقوتا جرى ذهبا
وقوله:
وافى النسيم أما القطر فانثنت … الأغصان ترقص من تيه ومن مرح
وأعين الروض تجري وهو مبتسم … وقد تفيض دموع العين بالفرح
وقوله:
وزهر في غصون الدوح تبدو … فناهيك السماء بها النجوم
فإذا عجيب إذ أضحت رجوما … متى استرق العبير بها النسيم
وقوله:
стр. 3325
كأنما الدوح وقد طرّزت … أيدي الصبايا بالنور أثوابها
مضارب من سندس مذهب … قد مدّت الأغصان أثوابها
وقوله:
أما ترى الليل قد ولّت عساكره … وأقبل الصبح وامتدّت مواكبه
وجرّد الصبح سيفا للدجى فغدت … من سفكه الدما حمرا جوانبه
وأصبح الليل مصفرّا لهيبته … يجدّ في السير لا يبقي ركائبه
ممزق الذرع محلول الإزار وكم … قد أحكمت سردها ليلا كواكبه
وقوله:
أصبحت أوجع من ورقاء فاقدة … في الدوح طول الليل لم تنم
بعد الأحبة لا تهوى المنام بلى … إن سامحوها وزار الطيف في الحلم
وقوله:
رأيت الصبا لما استعنت بلطفه … على حمل ما لا قيته يتعلّل
وقمت بحفظ العهد للنجم في الدجى … فما باله في صحبتي يتنقل
وقلب الدجى ما زال للسر كاتما … وها هو عما خلته يتحوّل
وقوله:
وربوع يكاد طيب شذاها … يفضح المسك في نحور العذارى
أشرقت شمس نورها فسعينا … نحوها في الدجى نوم نهارا
وأتى القابسون نحو سناها … فرأوا جلي نارها جلّنارا
وقوله:
سكوت كما تهب صبا صباحا … فرقّ لأنّه برّ كريم
فلا تعجب له إن مال عطفا … لأن الغصن يعطفه النسيم
وقوله:
стр. 3326
لطفت شمائله فعدن شمائلا … من أجلها عرف النسيم معطر
لو لم ينمّ عبيره بعنوده … كان الرقيب للطفه لا يشعر
وقوله:
أصافح الأغصان أبغي الحيا … مستشفيا .... جربالها
وكيف لا يدركني جودها … وقد تعلّقت بأذيالها
وقوله:
ناجته في السرّ الحاظي على وجل … أليس في الحال ما يغني عن السكرى
فقال لي كسر جفنيه فديتهما … بحجلة قد عرفت السر والنجوى
وقوله:
يا معرضا عني وفي أغراضه لطف … يفي بفضائل القرب
من دون سفك دمي بحبك عامدا … معنّى نفسك بواعث العتب
وقوله:
كأنما النهر في ظل الغصون وقد … ألقى السحاب عليه حمرة الشفق
خدّ تكنفه قرط الحياء وقد … مدّ العذار عليه خضرة الورق
وقوله:
كسى فصل الربيع الدوح بردا … يقيها لفحة الحر الشديد
وما خلعته لما رث إلا … وقد طمحت إلى لبس الجديد
وقوله:
أنا مستجير بالدجى … من سلّ سيف صباحه
فعساه يكلأ ذا هوى … كرما بظلّ جناحه
وقوله:
стр. 3327
كأنّ سمانا والبدر فيها … وأنجمها محدقة إليه
حديقة نرجس من حول عين … تدفّق ماؤها فطغى عليه
وقوله:
جاء فصل الربيع يخطر عجبا … عطفه بين نرجس وبهار
وبدت خجلة من الماء لما … رمقته لواحظ الجلنار
وكأن الغدير إذ قابل الشمس … لجين مرصّع بنضار
وكأن السماء إذ رأت الأرض … عروسا جادت لها بنثار
فلهذا أضحى الأقاح وكل … قابض بعزة على دينار
وذكت نكهة الصبا إذ أذاعت … سر ما أودعت عن النوار
لا عجب تهدي إلينا شذاها … مع صباها مجامر الأزهار
إذ رأينا بكل كأس شقيق … در مسك تذكيه شعلة نار
وقوله:
تبسم ثغر الروض بعد قطوبه … سرورا بإقبال الربيع إليه
ألم تر أن الغصن إذ رقّت الصبا … يصفق مسرورا لها بيديه
وأن ثياب الورد وهي شقيقة … يشققها حتى تمرّ عليه
وقوله:
خلت أن الغصون ترقص لما … بشرتها النسيم بالأمطار
فلهذا ألقت لها ما عليها … فهي من شدة السرور عواري
لبست في الشباب ثوب وقار … ورأت في المشيب خلع عذار
وقوله:
دمن تخال دماء خدود شقيقها … تجري وثغر أقاحها يتكلم
ويكاد نرجسها ويمنعه الحيا … منا بأطراف الحياء يسلم
стр. 3328
وقوله:
ودوحة حسن خلتها حين انبعث … كواكب تبر في السماء زبرجد
إذا قبلتها الشمس ظنت لطافة … بقية نار في بنادق عسجد
وقوله:
وما اشتقت أيام الصبا غير أنني … تذكرت أحبابا بها ومآربا
تولوا فولى طيب عيشى لبينهم … فلوا أنهم داموا لدام لي الصبا
وقوله:
أو ما ترى المنثور لما أن رأى … طيب المقام بجنة وخلود
كسر الصليب وقد عدا ببنانه … نحو السماء يشير بالتوحيد
وقوله:
تعوّدت طول الهجر منكم فلو طرا … لي الوصل يوما أنه الوصل
ولو شاهدتكم مقلتي لم أثق بها … وقلت مناما ما لبعضها أصل
وقوله:
فاحت فقلت لها دعي … ليس الهوى بتصنّع
أين الذهول إذا نطقت … وأين فيض الأدمع؟
وقوله:
لئن شغلت روحي بغير هواكم … فلا بلغت من وصلكم ما تمنّت
وإن مدّت الأيدي إلى غير فضلكم … تروم نوالا من سواكم فشلّت
وقوله:
قم فاسقني ما راق في … صافي الكؤوس من الشراب
راحا ألذّ من ابتسام … من حبيب في عتاب
стр. 3329
وأرق من شكوى محبّ … مستهام باكتئاب
والشمس في أفق السماء … تلوح من خلل السحاب
مرآة تبر دونها … ما رقّ من حمر الشباب
وقوله:
بدا لنا الجلّنار في القضب … والطل يبدو عليه كالحبب
كأنما أكؤس العقيق به … قد ملت من برادة الذهب
وقوله:
غدا لكل معنى في الأنام يروقه … ويغريه برق باللوى وخفوقه
ويثنيه نشر الروض مرت به الصبا … سحيرا بريا عرفكم ويشوقه
مبشرة جاءت فكان لها يد … وفضل عليه لا يؤدى حقوقه
فما الطلّ فوق الروض عند سقوطه … ولا المسك منثورا علينا سجيفه
بأطيب مما طمنت عن جنابكم … وفي طيها نشر ذكي عبوقه
فبالله عرّج سائق الظعن بالحمى … فمنزلها وادي النقا وعقيقه
وإلا فدعها كيف شاءت وسيرها … فأي طريق يممته طريقه
وقوله:
خانني ناظري وهذا دليل … برحيلي من بعده عن قليل
هكذا السفر إن أرادوا رحيلا … قدموا أمامهم الحمول
وقوله:
لم حرمتم جفني الرقاد إلى … أن خلت ما بين جفني سيفا
ما تمنيته اشتياقا ولكن … أترجّى أن تبعثوا فيه طيفا
وقوله:
أوحشتني والله يا مالكي … في لذة الكاس على الورد
стр. 3330
فقال لي ما غبت عني مذ غدا … يشرب من ريقي على خدي
وقوله وقد مرّ ببعض الكروم فرأى بها أعظما قد علقت، والرياح تلعب بها كلما خفقت، وكلما حركتها سمع من أصواتها مثل الأنين وأوجع من حسها ما يوجع الحزين، فتذكر ما كانت عليه تلك العظام الرفات، ثم ما حدث عليها من الآفات، وتأسف لها لو ردّ الأسف ما فات، والذي قاله:
سئمت دوام سكونها فتكلّمت … شوقا إلى ما مرّ من لذّاتها
مرّ الصبا فتذكرت زمن الصبا … فغدت تنوح على زمان حياتها
وقوله:
أودعت سرها الأزاهير سرا … سرى فيه النسيم في الأسحار
وتلقت بعرفها الوفد حتى … تنبهوا منها بقرب المزار
فأعادت من السقام شفاء … حتى جاءت بأطيب الأخبار
مغور الرياض تبسم عجبا … من بكاء السماء بالأمطار
نقطتها بلؤلؤ الطل ليلا … فحكته شمس الضحى في النهار
فسمته النسيم في الجو حتى … جمعته من سندس في إزار
وكأن الغصون في الدوح أضحت … مصغيات إلى هديل الهزار
فإذا ما انتهى إليها بثت … تحدث الهوى بغير استتار
ثم شقت أثوابها من غير أمر … ثم فكت بقية الأزرار
وقوله:
رقّت معانيه وراق حديثه لطفا … فعاد هوى لكل مزاج
فكأن معناه الطيف ولفظه … خمر يروق في صفاء زجاج
وقوله:
شكوت صبابتي فيه وشوقي … فكاد لرقة الشكوى يهيم