← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

فأما من بمصر، فقوم: ومنهم: ١٠٢ - أبو الفيض ذو النّون المصريّ (١٣) واسمه ثوبان بن إبراهيم، وقيل: أبو الفيض بن إبراهيم الأخميمي (١) قدوة للأولياء، وأسوة للعلماء ورثة الأنبياء، اتقى الله حقّ تقاته، وقصر على الطاعة كل أوقاته، وكان من الناس جانبا، ولليأس إلى آماله جالبا، عرف الأيام حق معرفتها، وعرّف ذوي الأفهام منح صفتها، فخلاها من يديه، وأولاها الإعراض لديه، تدارك فساد القلوب بصلاحه، وجلا سواد الدياجي بصباحه، وكان في قوم ما دانوا لله بكيا، وكانوا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّدا وبكيّا. وطلبه المتوكل لأمر نقل إليه وكان غائبا، وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فلما حلّ في حضرته جلّ في عينه، وحلّ عن الاحتجاز عليه عقد بينه، فآب مكرّما، وغاب ولم ينل منه أحد محرما. وكان أوحد وقته علما وحالا وورعا وأدبا، سعوا به إلى المتوكل على الله فاستحضره من

стр. 3397

مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكّل وردّه مكرّما؛ وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع فحي هلا (١) بذي النون. (٢) وكان رقيقا نحيفا، تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية. ومن كلامه: " إياك أن تكون بالمعرفة مدّعيا، أو تكون بالزهد محترفا، أو تكون بالعبادة متعلّقا ". (٣) وقال ذو النون: " قال الله تعالى في بعض كتبه: من كان لي مطيعا كنت له وليا، فليثق بي، وليحكم علي، فوعزتي! لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له " (٤). وقال ذو النون: " الصوفي إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق، وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق. " (٥) وقال: " الأنس بالله من صفاء القلب مع الله تعالى، والتفرد بالله، الانقطاع من كل شيء سوى الله. " (٦) وقال: " من أراد التواضع فليوجّه نفسه إلى عظمة الله، فإنها تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله، ذهب سلطان نفسه، لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته (٧) وقال سعيد بن عثمان: أنشدني ذو النون: أموت وما ماتت إليك صبابتي … ولا قضيت من صدق حبك أوطاري مناي المنى كل المنى أنت لي مني … وأنت الغنى، كلّ الغنى، عند إقتاري وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي … وموضع آمالي ومكنون إضماري

стр. 3398

تحمّل قلبي فيك ما لا أبثه … وإن طال سقمي فيك أو طال إضراري وبين ضلوعي منك مالك قد بدا … ولم يبد باديه لأهل ولا جاري وبي منك في الأحشاء داء مخامر … فقد هدّ مني الركن وأنبت أسراري ألست دليل الركب إن هم تحيروا … ومنقذ من أشفى على جرف هار؟ أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن … من النور في أيديهم عشر معشار وعلمتهم علما فباتوا بنوره … وبان لهم منه معالم أسرار مهامه للغيب حتى كأنها … لما غاب عنها منه حاضرة الدار وأبصارهم محجوبة وقلوبهم … تراك بأوهام حديدات أبصار فنلني بعفو منك أحيا بقربه … أغثني بيسر منك يطر إعساري (١) وقال ذو النون: " [الصدق] (٢) سيف الله تعالى في أرضه ما وضع على شيء إلا قطعه. " (٣) وقال: "من تزيّن بعمله كانت حسناته سيئات" (٤) وقال: "كان لي صديق فقير، فمات، فرأيته في المنام؛ فقلت له: ما فعل الله بك؟. قال: قال لي: قد غفرت لك بترددك إلى هؤلاء السفل أبناء الدنيا في رغيف قبل أن يعطوك. " (٥) وقال سالم المغربي: حضرت مجلس ذي النون، فقلت: يا أبا الفيض! ما كان سبب توبتك؟. فقال: عجب لا تطيقه، فقلت: بمعبودك إلا أخبرتني، فقال ذو النون: أردت الخروج من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق ببعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة (٦) عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض، فخرج منها سكرجتان (٧)؛ إحداهما ذهب، والأخرى فضة، وفي إحداهما سمسم، وفي الأخرى ماء،

стр. 3399

فجعلت تأكل من هذا، وتشرب من هذا. فقلت: حسبي، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني الله (١) وقال: "توبة العوام تكون من الذنوب (٢)، وتوبة الخواص تكون من الغفلة. (٣) " وقال محمد بن أحمد السميساطي: سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا أسير في جبال أنطاكية، إذا أنا بجارية كأنها والهة مجنونة، عليها جبة صوف، فسلّمت عليها، فردّت عليّ السلام، ثم قالت: ألست ذا النون المصري؟. قلت: عافاك الله، كيف عرفتيني؟. قالت: فتق الحبيب بيني وبين قلبك فعرفتك باتصال حب الحبيب. ثم قال: أسألك مسألة. قلت: سليني. قالت: أي شيء هو السخاء؟. قلت: البذل والطاعة. قالت: هذا السخاء في الدنيا، فما السخاء في الدين؟. قلت: المسارعة إلى طاعة المولى. قالت: فإذا سارعت إلى طاعة المولى، يجب به الجزاء؟. قلت: نعم!، للواحد عشرة. فقالت: مر يا بطّال! هذا في الدين قبيح، ولكن المسارعة إلى طاعة المولى أن يطّلع على قلبك، وأنت لا تريد منه شيئا بشيء. ويحك يا ذا النون!، إني أريد أقسم عليه في طلب شهوة منذ عشرين سنة فأستحي منه أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجرة، ولكن اعمل تعظيما لهيبته، وعزّا لجلاله. ثم ذهبت وتركتني. وقال: أتتني امرأة فقالت لي: إن ابني أخذه التمساح الساعة!، فرأيت حرقتها، فأتيت

стр. 3400

النيل، وقلت: اللهم أظهر التمساح، فخرج إليّ، فشققت جوفه، وأخرجت ابنها صحيحا، فقالت: كنت إذا رأيتك سخرت منك، فاجعلني في حل، فأنا تائبة إلى الله تعالى (١) وقال أحمد بن مقاتل البغدادي: لما دخل ذو النون بغداد، دخل عليه صوفية بغداد، ومعهم قوّال، فاستأذنوه أن يقول شيئا بين يديه؛ فابتدأ يقول: صغير هواك عذّبني … فكيف به إذا احتنكا وأنت جمعت من روحي … هوى قد كان مشتركا أما ترثي لمكتئب … إذا ضحك الخليّ بكا؟ قال: فقام ذو النون وتواجد، وطال تواجده، وسقط على وجهه، والدم يقطر من جبينه، ولا يسقط على الأرض. ثم قام رجل من القوم يتواجد، فقال له ذو النون: ﴿اَلَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٢)، فجلس في الحال. وحكي أن جارا لذي النون قام ليلة؛ فسمع ذا النون يقول - وهو باك - "كم من ليلة بارزتك يا سيدي! بما أستوجب به الحرمان منك؟. وأشرفت بقبيح أفعالي منك على الخذلان، فسترت عيوبي عن الإخوان، وتركتني مستورا بين الجيران، لم تكافئني بجريرتي، ولم تهتكني بسوء سريرتي، فلك الحمد على صيانة جوارحي، وأنا أقول كما قال النبي الصالح: ﴿لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظّالِمِينَ﴾ (٣). إلهي! عرف المطيعون عظمتك فخضعوا، وألف العاصون رحمتك فطمعوا، فمن أيهما كنت، اغفر لي بعظمتك التي تصاغر لديها كل شيء، وبرحمتك التي وسعت كل شيء، اغفر لي وارحمني، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". وقال أبو عبد الله بن الجلاء: كنت مجاورا بمكة مع ذي النون؛ فجعنا أياما كثيرة، لم يفتح لنا بشيء، فلما كان ذات يوم، قام ذو النون قبل صلاة الظهر، ليصعد إلى الجبل يتوضأ

стр. 3401

للصلاة، وأنا خلفه، فرأيت شيئا من قشور الموز مطروحا في الوادي، وهو طري. فقلت في نفسي: آخذ منه كفا أو كفّين، أتركه في كمي لا يراني الشيخ. فلما صرنا في الجبل، وانقطعنا عن الناس، التفت إلي وقال: اطرح ما في كمك يا شره!، فطرحته، وأنا خجل، وتوضّأنا للصلاة، ورجعنا إلى المسجد، وصلينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلما كان بعد ساعة إذا أنا بإنسان قد جاء ومعه طعام عليه مكبّة، فوقف ينظر إلى ذي النون، فقال له: مرّ. فدعه قدّام ذاك، وأومأ بيده إلي، فتركه الرجل بين يدي، فانتظرت الشيخ ليأكل، فلم يقم من مكانه، ونظر إلي وقال لي: كل، فقلت: وحدي؟. فقال: نعم، أنت طلبت، نحن ما طلبنا، يأكل الطعام من طلبه، وأقبلت آكل وأنا خجل مستح مما جرى مني. توفي ذو النون المصري سنة خمس وأربعين ومائتين. وقيل: سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقال أبو بكر محمد بن ريان الحضرمي: لما مات ذو النون بالجيزة، حمل في قارب؛ مخافة أن تنقطع الجسور من كثرة الناس مع جنازته، وكنت قائما مع الناس على كوم أنظر، فلما رجع من القارب، ووضع على الجنازة، وحمله الناس، رأيت طيورا خضرا قد اكتنفت الجنازة، ترفرف عليه، حتى عطف به إلى عند حمام الغار، وغاب عني. حكى في "مناقب الأبرار" عن يوسف بن الحسين (١) قال: بلغني أن ذا النون يعلم اسم الله الأعظم، فخرجت من مكة قاصدا إليه، حتى وافيته في حدة، فأول ما نظرني رآني طويل اللحية، وفي يدي ركوة طويلة، متزرا بمئزر، وعلى كتفي مئزر، وفي رجلي [ … ] (٢)، فاستبشع منظري، فلما سلمت عليه كأنه ازدراني، وما رأيت منه تلك البشاشة، فقلت في نفسي: ترى مع من وقعت؟ وجلست عنده، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة، جاءه رجل من المتكلمين فناظره في شيء من الكلام، واستظهر على ذي النون وغلبه، فاغتممت لذلك، وتقدّمت، وجلست بين أيديهما، واستملت المتكلم إلي وناظرته حتى قطعته، ثم دققت حتى لم يفهم كلامي، قال: فعجب ذو النون من كلامي، وكان

стр. 3402

شيخا وأنا شاب، فقام من مكانه، وجلس بين يدي، وقال: اعذرني فإني لم أعرف محلك من العلم، وأنت أقرب الناس عندي، وما زال بعد ذلك يجلّني، ويرفعني على جميع أصحابه، وبقيت بعد ذلك سنة كاملة، قلت له بعد السنة: يا أستاذ! أنا رجل غريب، وقد اشتقت إلى أهلي، وقد خدمتك سنة، ووجب حقي عليك، وقيل لي: إنك تعلم اسم الله الأعظم، وقد جرّبتني، وعرفت أني أهل لذلك، فإن كنت تعرفه فعلّمني إياه. قال: فسكت عني، ولم يجبني بشيء، وأوهمني أنه ربّما علّمني، ثم سكت عني ستة أشهر، فلما كان بعد ذلك، قال لي: يا أبا يعقوب! أليس تعرف فلانا صديقنا بالفسطاط؟. وسمى رجلا، فقلت: بلى. قال: فأخرج لي من بيته طبقا فوقه مكبّة مسدودة بمنديل، وقال: أوصل هذا إلى من سميت لك بالفسطاط. قال: فأخذت الطبق لأودّيه، فإذا هو خفيف، كأنه ليس فيه شيء، قال: فلما بلغت الجسر الذي بين الفسطاط والجيزة، قلت في نفسي: يوجّه ذو النون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شيء؟ لأبصرنّ ما فيه؟. قال: فحللت المنديل، ورفعت المكبّة، فإذا فأرة قد طفرت من الطبق فذهبت. قال: فاغتظت، وقلت: يسخر بي ذو النون؟ ولم يذهب وهمي إلى ما أراد فيّ للوقت. وعرف القصة، وقال: يا مجنون! ائتمنتك على فأرة فخيبتني، فكيف أئتمنك على اسم الله الأعظم؟ قم عني فارتحل، ولا أراك بعدها، فانصرفت عنه (١). ومنهم: ١٠٣ - أبو بكر أحمد بن نصر الزّقّاق الكبير (١٣)

стр. 3403

أخذ من الدنيا بقصاصها، وسهر الليالي والكواكب تنظر الأيام من أخصاصها. وقام على قدم العبادة ثم ما زال، ولا زال وللشمس كل يوم زوال، فصار ذلك دأبا له لا يتكلّفه، وديدنا ضرب له موعد لا يخلفه، هذا إلى استجلاب خواطر، واستنزال مواطر، وفتح قلوب مقفلة ضاعت مفاتيحها، وتنوير بصائر ما أضاءت مصابيحها، وإرشاد طائر، وقول حق في دهر هو السلطان الجائر، فاتسع تصريفه، وسمع منه ما يجري به القلم وصريفه. وكان من أقران الجنيد، وأكابر مشايخ مصر. قال الكتاني: لما مات الزقاق انقطعت حجّة الفقراء في دخولهم مصر. (١) ومن كلامه: "من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام المحض" (٢) وقال: "جاورت بمكة عشرين سنة، فكنت أشتهي اللبن فغلبتني نفسي، فخرجت إلى عسفان، واستضفت حيا من أحياء العرب، فنظرت إلى جارية حسناء، بعيني اليمنى، فأخذت بقلبي!، فقلت لها: قد أخذ كلّك كلّي، فما فيّ لغيرك مطمع. فقالت لي: تقبح بك الدعوى العالية، لو كنت صادقا لذهبت عنك شهوة اللبن!. قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت بها إليها. فقالت لي: مثلك من نظر لله ، فرجعت إلى مكة، وطفت أسبوعا (٣)، ثم نمت، فرأيت في منامي يوسف الصّدّيق - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام -. فقلت: يا نبي الله! أقرّ الله عينيك بسلامتك من زليخا. فقال لي: يا - مبارك! أقرّ الله عينك بسلامتك من العسفانية!. ثم تلا عليه

стр. 3404

السلام: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (١)، فصحت من طيب تلاوته، ورخامة صوته، وانتبهت، وإذا عيني المقلوعة صحيحة!. وقال الزقّاق: " كنت مارّا في تيه بني إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين (٢) لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبع الشريعة فهي كفر. وقال أبو علي الروذباري: دخلت يوما على أبي بكر الزقاق، فرأيته بحالة عجيبة (٣)، فسكتّ ساعة حتى رجع إلي، فقلت له: ما لك أيها الشيخ!؟. فقال: ألم تعلم أني اجتزت بالجيزة ببعض تلك الخوخات، وإذا شخص يغني، يقول: أبت غلبات الشوق إلا تطربا … إليك ويأتي العذل إلا تحببا وما كان صدى عنك صدّ ملامة … ولا ذلك الإقبال إلا تقربا ولا كان ذاك العدل إلا نصيحة … ولا ذلك الإغضاء إلا تهيّبا عليّ رقيب منك حلّ بمهجتي … إذا رمت تسهيلا عليّ تصعّبا فما هو إلا أن أنشدني الشيخ حتى صرت فيها مغلوبا لا أدري ما لحقني إلى الساعة، فلما أفقت، قال لي: لا عليك، هكذا من تحقق في بلية لم يخل من البلاء حاضروه، وإنما هو زيادة بلاء صبّ مني عليك، فقمت وتركته. وقال الزقاق: كنت أبكر يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، وأجلس عند الجنيد، فبينا أنا ذات يوم جمعة أمشي إلى المسجد إذا أنا باثنين يقولان: اذهب بنا إلى الجنيد نسأله؟. قال الزقاق: فتبعتهما، حتى دخلا سقاية يتطهران، فرأيت منهما شيئا كرهته لهما، فقلت: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أخطأت فراستي فيهما، فخرجا، وأنا أتبعهما حتى وقفا على الجنيد، فقال أحدهما: بماذا يرد خاطر الانزعاج؟. وقال الآخر: كلّ باد يعود إلى باديه. فقلت في نفسي: يا ترى ما يفعل هؤلاء؟. فأقبل عليّ الجنيد، وقال: أين المغتاب لنا؟. فقلت في نفسي: علم بي، وتكلّم على خاطري. ثم قال الثانية: أين المغتاب لنا؟. سلنا نجعلك في

стр. 3405

حل. فقلت: يا سيدي! ما قلته إلا غيرة. فقال: يا أبا بكر! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه، وأظهرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان في وقت بدوّهم، استخرجهم من الذرّ لخاصّته، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته، وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استحجبوه غطّاهم، لا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار، فهم به ينظرون، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون. فنظرت، فلم أرهم!. ومنهم: ١٠٤ - أبو الحسين بن بنان (١٣) من كبار مشايخ مصر ومقدّميهم. أدّى للآخرة فرضها، ووفى من الدنيا قرضها، ولم يرض بعاجل أجله بوس، وأجن صفوه ذهاب نفوس، وحبال البلايا آسره، وعقاب المنايا كاسره، ومناسر الأهلّة خواطف، ونواشر الأيام المملة غير عواطف، ونوب الليالي سجال، وريب الحدثان المتوالي عجال، فلم ير زخارف الغرور من حظه، ولا رمق رونقها الزور إلا بمؤخّر لحظه، حتى طفئت الشرارة، وحل القرارة، وودّع متبوعا بالبكاء، ممنوعا من البلاء. صحب الخرّاز، وإليه ينتمي (١). مات في التيه (٢)، وسببظ ذلك: أنه ورد على قلبه وارد، فهام على وجهه، فلحقوه في وسط

стр. 3406

متاهة بني إسرائيل في الرمل، ففتح عينيه، وقال: اربع، فهذا مربع الأحباب، وخرجت روحه. ومن كلامه: "كل صوفي يكون هم الرزق قائما في قلبه، فلزوم العمل أقرب له إلى الله". و"علامة ركون القلب، والسكون إلى الله، أن يكون قويا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، وفقده إياها؛ ويكون بما في يد الله تعالى أقوى وأوثق منه بما في يده. " (١) وقال: "اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبوا الحرام" (٢). وقال: "ذكر الله تعالى باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث القربات" (٣). وقال: "الوحدة جلسة الصّدّيقين" (٤). وقال: "لا يعظّم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله" (٥). وقال: "الناس يعطشون في البراري، وأنا عطشان وأنا على شطّ النيل!. " (٦) ومنهم: ١٠٥ - أبو عليّ الحسن بن أحمد الكاتب (١٣) من كبار مشايخ المصريين، رجل كان للمعابد مصباحا، وللعابد في ظلم الليل صباحا، ولم يسود حتى بيض الصحائف، وأمن به الخائف، وكان إذا حندس (٧) الظلام، وهمس الكلام، يقف ليله كله على قدمه، ويخدد خده بدمه، ودام على هذا الحال، حتى آن له الارتحال.

стр. 3407

صحب أبا بكر المصري (١)، وأبا علي الروذباري، وغيرهما من المشايخ، وكان أوحد مشايخ وقته، حتى قال فيه أبو عثمان المغربي: "كان أبو علي ابن الكاتب من السالكين". وكان يعظّمه، ويعظّم شأنه، مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة. وقال: "إذا انقطع العبد إلى الله بكلّيته، فأول ما يفيده الله الاستغناء به عن الناس. " (٢) وقال: "يقول الله تعالى: وصل إلينا من صبر علينا. " (٣) وقال: "إذا سمع الرجل الحكمة فلم يقبلها، فهو مذنب، وإذا سمعها ولم يعمل بها فهو منافق" (٤). وقال: "إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه" (٥). وقال: "روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين، وإن كتموها؛ وتظهر عليهم دلائلها، وإن أخفوها، وتدل عليهم وإن ستروها" (٦). وقال: "إن الله تعالى يرزق العبد حلاوة ذكره؛ فإن فرح به وشكره، آنسه بقربه، وإن قصّر في الشكر، أجرى الذكر على لسانه، وسلبه حلاوته. " (٧)

стр. 3408

ومنهم: ١٠٦ - ابن الفارض: أبو القاسم عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد بن عليّ (١٣) الحموي المولد والدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، شرف الدين. مظهر جمال، ومظهر تمام وكمال، إلى علو مقام، وعلو شريعة تقام، وكلام في حقيقة، وكمام (١) في حديقة، من بدائع تغازل بألحاظ المها، وتسمع من ألفاظ الغيد ألذ ما يشتهى. إلى قوة تركيب، ومناسبة ترتيب، ودقة معاني، وتوثقة مباني، وتوشيع (٢) أردية، وتوسيع أفنية، يجبر بيوت وأندية إلى دقائق عرفان، وحقائق لا يشتمل عليها من السحر أجفان، ومحاسن الخلائق فيه صفان، والناس فيها صنفان، هذا إلى زهد وقناعة، وجهد أسبل عليه لباسه وقناعه، وفرط إيثار وبرّ من إقلال، لا من إكثار، وشرف نفس أغناه عن تحمّل منّه، وتحمل ذي ضعف ومنه، يتزيا من غرور يزدهي، بثيابه المعاره ويلتهي، بباطله ويحمل عاره، فمات ولو زخر لديه البحر لما شرب منه خوفا من وباله، أو زخ عليه القطر لما علق بحباله. وكان رجلا صالحا، كثير الخير، على قدم التجريد، جاور بمكة - شرّفها الله تعالى - زمانا، وكان حسن الصحبة، محمود العشرة.

стр. 3409

قال ابن خلّكان: أخبرني بعض أصحابه: أنه ترنم يوما وهو في خلوة ببيت الحريري - صاحب "المقامات" - وهو: من ذا الذي ما ساء قط … ومن له الحسنى فقط قال: فسمع قائلا، ولم ير شخصه، وقد أنشد: محمد الهادي الذي … عليه جبريل هبط (١) وله ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق، ينحو منحا طريقة الفقراء، وله قصيدة مقدار ستمائة بيت على اصطلاحهم، وكان يقول: عملت في النوم بيتين، وهما: وحياة أشواقي إلي … ك وحرمة الصبر الجميل لا أبصرت عيني سوا … ك ولا صبوت إلى خليل وحكي أنه لما رأى السهروردي بمكة أنشده بديها: في حالة البعد روحي كنت أرسلها … تقبّل الأرض عني فهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قد حضرت … فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي ويحكى أنه رأى جملا هام به وكلف، وكان الجمل لرجل سقّاء يسقي عليه، وكان الشيخ يأتي لمورده كل يوم ليراه. قلت: وحكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود، قال: قدم ابن الفارض فنزل بمسجد مهجور في آخر باب القرافة، ومعه خادم له، فبقيا ثلاثة أيام لم يطعما طعاما، فعظم بالخادم الجهد، والسغب، فأتى رجل من الأمراء المسجد، فصلى فيه، ثم رمى إلى الشيخ بخرقة فيها عشرة دنانير، ففرح الخادم وهمّ بأخذها، فمرّ سائل، فقال له الشيخ: أعطه الذهب، فقال: لو خلّينا منه ما نأكل به؟!. فقال: أعطه الذهب، فأعطاه. فلم يمض السائل حتى أتى آخر يسأل عن الشيخ، فلمّا رآه سلّم وقال: أريت البارحة في النوم من دلني على

стр. 3410

مكانك، وأمرني بالمسير إليك، ودفع إليه خرقة مثل تلك الخرقة فيها مائة دينار، فقال الشيخ لخادمه: إن شئت فخذ هذا الذهب وانصرف عني، فقال: لا والله لأتبعك بهذا، فقال: بارك الله فيك، قم فاشتر بدينار حصرا لهذا المسجد، وبدينار ما أحببت من الأكل، وتصدّق بالبقية، ففعل، وأتى بأنواع من الشواء والحلواء، وغير ذلك، فأكل، واقتصر الشيخ على أكل كسرة، وبقل، وقال: لو لم تحل لي الميتة لم آكل!. ثم أقام ثلاث سنين لا يأكل إلا بعد كل ثلاثة أيام أكلة واحدة، غير باغ ولا عاد. وحكي أن ابن الفارض كان قاضيا؛ فأتى يوما المسجد الجامع، والخطيب يخطب يوم الجمعة، وشخص يغني، فنوى إقامته وتأديبه، فلما انقضت الصلاة، وانتشر الناس وأراد ابن الفارض الخروج، ناداه ذلك الرجل: أن أقبل!، فلما وقف عليه أنشده: قسم الإله الأمر بين عباده … فالصّبّ ينشد والخلي يسبّح ولعمري التسبيح خير عبادة … للناسكين وذا لقوم يصلح وكان هذا سبب زهده. مولده: في الرابع من ذي القعدة، سنة ست وسبعين وخمسمائة، بالقاهرة، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثاني جمادى الأولى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، ودفن من الغد بسفح المقطم. وأبوه يعرف بالفارض أنه كان يكتب الفروض للنساء على الرجال. ومن مختار شعره [من البحر الكامل]: - أرج النسيم سرى من الزوراء … سحرا فأحيا ميت الأحياء أهدى لنا أرواح نجد عرفه … فالجو منه معنبر الأرجاء وروى أحاديث الأحبة، مسندا … عن إذخر بأذاخر وسحاء (١) فسكرت من ريا حواشي برده … وسرت حميّا البرء في أدوائي

стр. 3411

يا ساكني البطحاء هل من عودة … أحيا بها، يا ساكني البطحاء؟ إن ينقضي صبري فليس بمنقض … وجدي القديم بكم ولا برحائي ولئن جفا الوسمي ما حل تربكم … فمدامعي تربي على الأنواء (١) يا لائمي في حب من من أجله … قد جدّ بي وجدي وعزّ عزائي هلاّ نهاك نهاك عن لوم امرئ … لم يلف غير منعّم بشقاء لو تدر فيم عذلتني لعذرتني … خفّض عليك وخلّني وبلائي أسعد أخيّ وغنّ لي بحديث من … حلّ الأباطح إن رعيت إخائي وكفى غراما أن أبيت متيّما … شوقي أمامي والقضاء ورائي وقوله [من البحر الكامل] (٢) أو ميض برق بالأبيرق لاحا … أم في ربى نجد أرى مصباحا (٣) أم تلك ليلى العامرية أسفرت … ليلا فصيّرت المساء صباحا يا ساكني نجد أما من رحمة … لأسير إلف، لا يريد سراحا هلاّ بعثتم للمشوق تحية … في طيّ صافية الرياح رواحا يحيا بها من كان يحسب هجركم … مزحا ويعتقد المزاح مزاحا (٤) يا عاذل المشتاق جهلا بالذي … يلقى مليا لا بلغت نجاحا أقصر عدمتك واطرح من أثخنت … أحشاءه النجل العيون جراحا ما ذا يريد العاذلون بعذل من … لبس الخلاعة واستراح وراحا (٥) سقيا لأيام مضت مع جيرة … كانت ليالينا بهم أفراحا واها على ذاك الزمان وطيبه … أيام كنت من اللغوب مراحا

стр. 3412

وقوله [من البسيط] (١) هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم (٢) … أم بارق لاح بالزوراء فالعلم أرواح نعمان هلاّ نسمة سحرا … وماء وجرة هلاّ نهلة بفمي (٣) يا سائق الظعن يطوي البيد معتسفا (٤) … طيّ السجلّ بذات الشيخ من إضم عج بالحمى يا رعاك الله معتمدا … خميلة الضال ذات الرند والخزم (٥) وقف بسلع وسل بالجزع هل مط … رت بالرّقمتين أثيلات بمنسجم (٦) نشدتك الله إن جزت العقيق (٧) ضحى … فاقر السلام عليهم غير محتشم وقل تركت صريعا في دياركم … حيّا كميت يعير السقم للسقم فمن فؤادي لهيب ناب عن قبس … ومن جفوني دمع فاض كالديم وهذه سنّة العشّاق ما علقوا … بشادن (٨) فخلا عضو من الألم يا لائما لا مني في حبهم سفها … كفّ الملام فلو أحببت لم تلم وحرمة الوصل والود العتيق وبال … عهد الوثيق وما قد كان في القدم ما حلت عنهم بسلوان ولا بدل … ليس التبدّل والسلوان من شيمي ردّوا الرّقاد لجفني علّ طيفكم … بمضجعي زائر في غفلة الحلم آها لأيامنا بالخيف لو بقيت … عشرا وواها عليها كيف لم تدم

стр. 3413

هيهات وا أسفي لو كان ينفعني … أو كان يجدي على ما فات وا ندمي عني إليكم ظباء المنحنى كرما … عهدت طرفي لم ينظر لغيرهم طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا … أفتى بسفك دمي في الحل والحرم أصمّ لم يسمع الشكوى وأبكم لم … يحر جوابا وعن المشوق عمي وقوله [من البحر الطويل] (١) شربنا على ذكر الحبيب مدامة … سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم (٢) لها البدر كأس وهي شمس يديرها … هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم (٣) ولم يبق منها الدهر غير حشاشة (٤) … كأن خفاها في صدور النهى كتم فإن ذكرت في الحي أصبح أهله … نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم (٥) ومن بين أحشاء الدنان تصاعدت … ولم يبق منها في الحقيقة إلا اسم (٦)

стр. 3414

وإن خطرت يوما على خاطر امرئ … أقامت به الأفراح وارتحل الهمّ (١) ولو نظر الندمان ختم إنائها … لأسكرهم من دونها ذلك الختم (٢) ولو طرحوا في فيء حائط كرمها … عليلا وقد أشفى، لفارقه السقم ولو قرّبوا من حانها مقعدا مشى … وينطق من ذكرى مذاقتها البكم ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها … وفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ ولو خضبت من كأسها كف لامس … لما ضلّ في ليل وفي يده النجم ولو جليت سرا على أكمه غدا … بصيرا ومن راووقها تسمع الصّمّ (٣) ولو أن ركبا يمموا ترب أرضها … وفي الركب ملسوع لما ضرّه السمّ (٤) ولو رسم الراقي حروف اسمها على … جبين مصاب جنّ، أبرأه الرسم تهذب أخلاق الندامى فيهتدي … بها لطريق العزم من لا له عزم ويكرم من لم يعرف الجود كفه … ويحلم عند الغيظ من لا له حلم ولو نال فدم القوم لثم مدامها … لأكسبه معنى شمائلها اللثم يقولون لي صفها فأنت بوصفها … خبير، أجل، عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء، ولطف ولا هوا … ونور ولا نار، وروح ولا جسم (٥)

стр. 3415

تقدّم كل الكائنات وجودها … قديما ولا شكل هناك ولا رسم وقامت بها الأشياء ثمّ لحكمة … بها احتجبت عن كل من لا له فهم (١) وهامت بها روحي بحيث تمازجا اتّ … حادا ولا جرم تخلله جرم (٢) فخمر ولا كرم وآدم لي أب … وكرم ولا خمر ولي أمها أمّ (٣) وقد وقع التفريق والكلّ واحد … فأرواحنا خمر وأشباحنا كرم (٤) محاسن تهدي الواصفين لوصفها … فيحسن فيها منهم النثر والنظم ويطرب من لم يدرها عند ذكرها … كمشتاق نعم كلما ذكرت نعم (٥) وقالوا: شربت الإثم! كلاّ وإنما … شربت التي في تركها عندي الإثم هنيئا لأهل الدير كم سكنوا بها … وما شربوا منها ولكنهم همّوا (٦) فعندي منها نشوة قبل نشأتي … معي أبدا تبقى وإن بلي العظم (٧)

стр. 3416

عليك بها صرفا وإن شئت مزجها … فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم (١) ودونكها في الحان واستجلها به … على نغم الألحان فهي بها غنم (٢) فما سكنت والهمّ يوما بموضع … كذلك لم يسكن مع النغم الغمّ وفي سكرة منها ولو عمر ساعة … ترى الدهر عبدا طائعا ولك الحكم فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا … ومن لم يمت سكرا فاته الحزم على نفسه فليبك من ضاع عمره … وليس له منها نصيب ولا سهم وقوله [﵁ من البحر البسيط] (٣) ما بين معترك (٤) الأحداق والمهج … أنا القتيل بلا إثم ولا حرج ودّعت قبل الهوى روحي لما نظرت … عيناي من حسن ذاك المنظر البهج (٥) لله أجفان عين فيك ساهرة … شوقا إليك وقلب بالغرام شج (٦) وأدمع هملت لولا التنفس من … نار الهوى لم أكد أنجو من اللجج وحبذا فيك أسقام خفيت بها … عني تقوم به عند الهوى حججي

стр. 3417

أصبحت فيك كما أمسيت مكتئبا … ولم أقل جزعا: يا أزمة انفرجي أهفو إلى كل قلب بالغرام له … شغل وكل لسان بالهوى لهج وكل سمع عن اللاحى به صمم … وكل جفن إلى الإغفاء لم يعج (١) لا كان وجد به الآماق (٢) جامدة … ولا غرام به الأشواق لم تهج عذّب بما شئت غير البعد عنك تجد … أوفى محبّ بما يرضيك مبتهج وخذ بقية ما أبقيت من رمق … لا خير في الحب إن أبقى على المهج من لي بإتلاف روحي في هوى رشا … حلو الشمائل بالأرواح ممتزج من مات فيه غراما عاش مرتقيا … ما بين أهل الهوى في أرفع الدرج (٣) محجّب لو سرى في مثل طرته … أغنته غرته الغرّا عن السرج (٤) وإن ظللت بليل من ذوائبه … أهدى لعيني الهدى صبح من البلج (٥) وإن تنفس قال المسك معترفا … لعارفي طيبه: من نشره أرجي أعوام إقباله كاليوم في قصر … ويوم إعراضه في الطول كالحجج فإن نأى سائرا يا مهجتي ارتحلي … وإن دنا زائرا يا مقلتي ابتهجي (٦) قل للذي لا مني فيه وعنّفني … دعني وشأني عن نصحك السمج فاللوم لؤم ولم يمدح به أحد … وهل رأيت محبا بالغرام هجي؟

стр. 3418

يا ساكن القلب لا تنظر إلى سكني … واربح فؤادك واحذر فتنة الدعج (١) يا صاحبي وأنا البر الرؤوف وقد … بذلت نصحي بذاك الحي لا تعجي (٢) فيه خلعت عذاري واطّرحت به … قبول نسكي والمقبول من حججي فابيضّ وجه غرامي في محبّته … واسودّ وجه ملامي فيه بالحجج (٣) تبارك الله ما أحلى شمائله … فكم أماتت وأحيت فيه من مهج يهوى لذكر اسمه من لجّ في عذلي … سمعي وإن كان عذلي فيه لم يلج (٤) وأرحم البرق في مسراه منتسبا … لثغره وهو مستحي من الفلج (٥) تراه إن غاب عني كل جارحة … في كل معنى لطيف رائق بهج في نغمة العود والناي الرخيم إذا … تألفا بين ألحان من الهزج

стр. 3419

وفي مسارح غزلان الخمائل في … برد الأصائل والإصباح في البلج (١) وفي مساقط أنداء الغمام على … بساط نور من الأزهار منتسج وفي مساحب أذيال النسيم إذا … أهدى إليّ سحيرا أطيب الأرج (٢) وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفا … ريق المدامة في مستنزه فرج لم أدر ما غربة الأوطان وهو معي … وخاطري أين كنا غير منزعج فالدار داري، وحبّي حاضر ومتى … بدا فمنعرج الجرعاء منعرجي (٣) ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهم … بسيرهم في صباح منك منبلج فليصنع الركب ما شاؤوا بأنفسهم … هم أهل بدر فلا يخشون من حرج (٤) بحق عصياني اللاّحي عليك وما … بأضلعي طاعة للوجد من وهج انظر إلى كبد ذابت عليك جوى … ومقلة من نجيع الدمع في لجج (٥) وارحم تعثّر آمالي ومرتجعي … إلى خداع تمني القلب بالفرج واعطف على ذلّ أطماعي بهل وعسى … وامنن عليّ بشرح الصدر من حرج أهلا بما لم أكن أهلا لموقعه … قول المبشر بعد اليأس بالفرج لك البشارة (٦) فاخلع ما عليك فقد … ذكرت ثمّ على ما فيك من عوج

стр. 3420

وقوله [﵁ من البحر الكامل] (١) قلبي يحدّثني بأنك متلفي … روحي فداك عرفت أم لم تعرف لم أقض حق هواك إن كنت الذي … لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي (٢) مالي سوى روحي وباذل نفسه … في حب من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني … يا خيبة المسعى إذا لم تسعف يا مانعي طيب المنام ومانحي … ثوب السقام به ووجدي المتلف عطفا على رمقي وما أبقيت لي … من جسمي المضنى وقلبي المدنف فالوجد باق والوصال مماطلي … والصبر فان واللقاء مسوّفي لم أخل من حسد عليك فلا تضع … سهري بتشنيع الخيال المرجف واسأل نجوم الليل هل زار الكرى … جفني وكيف يزور من لم يعرف لا غرو إن شحّت بغمض جفونها … عيني وسحّت بالدموع الذّرف وبما جرى في موقف التوديع من … ألم النوى شاهدت هول الموقف إن لم يكن وصل لديك فعد به … أملي وماطل إن وعدت ولا تف فالمطل منك لديّ إن عزّ الوفا … يحلو كوصل من حبيب مسعف أهفو لأنفاس النسيم تعلة … ولوجه من نقلت شذاه تشوفي (٣) فلعلّ نار جوانحي بهبوبها … أن تنطفي وأود أن لا تنطفي يا أهل ودي أنتم أملي ومن … ناداكم يا أهل ودي قد كفي عودوا لما كنتم عليه من الوفا … كرما فإني ذلك الخل الوفي

стр. 3421

وحياتكم، وحياتكم قسما وفي … عمري بغير حياتكم لم أحلف لو أن روحي في يدي ووهبتها … لمبشري بوصالكم لم أنصف لا تحسبوني في الهوى متصنّعا … كلفي بكم خلق بغير تكلف أخفيت حبكم فأخفاني أسى … حتى لعمري كدت عني أختفي وكتمته عني فلو أبديته … لوجدته أخفى من اللطف الخفي ولقد أقول لمن تحرّش بالهوى … عرّضت نفسك للبلا فاستهدف أنت القتيل بأي من أحببته … فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قل للعذول أطلت لومي طامعا … أن الملام عن الهوى مستوقفي دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى … فإذا عشقت فبعد ذلك عنّف برح الخفاء بحب من لو في الدجى … سفر اللثام لقلت يا بدر اختف (١) وإن اكتفى غيري بطيف خياله … فأنا الذي بوصاله لا أكتفي وقفا عليه محبتي ولمحنتي … بأقل من تلفى به لا أشتفي وهواه وهو اليتي (٢) وكفى به … قسما أكاد أجله كالمصحف لو قال تيها قف على جمر الغضا (٣) … لوقفت ممتثلا ولم أتوقّف أو كان من يرضى بخدي موطئا … لوضعته أرضا ولم أستنكف لا تنكروا شغفي بما يرضى وإن … هو بالوصال عليّ لم يتعطّف غلب الهوى فأطعت أمر صبابتي … من حيث فيه عصيت نهي معنفي مني له ذل الخضوع ومنه لي … عز المنوع وقوة المستضعف ألف الصدود ولي فؤاد لم يزل … مذ كنت غير وداده لم يألف يا ما أميلح كل ما يرضى به … ورضا به يا ما أحيلاه بفي (٤)

стр. 3422

لو أسمعوا يعقوب ذكر ملاحة … في وجهه نسي الجمال اليوسفي أو لو رآه عائدا أيوب في … سنة الكرى قدما من البلوى شفي كل البدور إذا تجلّى مقبلا … تصبو إليه وكلّ قدّ أهيف إن قلت عندي فيك كل صبابة … قال: الملاحة لي، وكل الحسن في كملت محاسنه فلو أهدى السنا … للبدر عند تمامه لم يخسف وعلى تفنن واصفيه بحسنه … يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف ولقد صرفت لحبه كلي على … يد حسنه فحمدت حسن تصرفي فالعين تهوى صورة الحسن التي … روحي بها تصبو إلى معنى خفي أسعد أخيّ وغنني بحديثه … وانثر على سمعي حلاه وشنّف لأرى بعين السمع شاهد حسنه … معنى فأتحفني بذاك وشرّف يا أخت سعد (١) من حبيبي جئتني … برسالة أديتها بتلطّف فسمعت ما تسمعي ونظرت ما … لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي إن زار يوما يا حشاي تقطّعي … كلفا به أو سار يا عين اذرفي ما للنوى ذنب ومن أهوى معي … إن غاب عن إنسان عيني فهو في وقوله ﵁ [من البحر الطويل] (٢) هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل … فما اختاره مضنى به، وله عقل وعش خاليا فالحب راحته عنى … وأوله سقم وآخره قتل ولكن لدي الموت فيه صبابة … حياة لمن أهوى عليّ بها الفضل نصحتك علما بالهوى والذي أرى … مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو فإن شئت أن تحيا سعيدا فمت به … شهيدا وإلا فالغرام له أهل

стр. 3423

فمن لم يمت في حبه لم يعش به … ودون اجتناء النحل ما جنت النحل (١) تمسّك بأذيال الهوى واخلع الحيا … وخلّ سبيل الناسكين وإن جلّوا (٢) وقل لقتيل الحب وفيت حقه … وللمدعي هيهات ما لكحل الكحل (٣) تعرّض قوم للغرام وأعرضوا … بجانبهم عن صحتي فيه واعتلوا (٤) رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم … وخاضوا بحار الحب دعوى فما ابتلوا (٥) فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم … وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا وعن مذهبي لما استحبوا العمى على ال … هدى حسدا من عند أنفسهم ضلّوا أحبّة قلبي والمحبّة شافع … لديكم إذا شئتم بها اتصل الحبل عسى عطفة منكم عليّ بنظرة … فقد تعبت بيني وبينكم الرسل أحبّائي أنتم أحسن الدهر أم أسا … فكونوا كما شئتم، أنا ذلك الخلّ إذا كان حظي الهجر منكم ولم يكن … بعاد فذاك الهجر عندي هو الوصل وما الصدّ إلا الود ما لم يكن قلي … وأصعب شيء غير إعراضكم سهل وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم … عليّ بما يقضي الهوى لكم عدل وصبري صبر عنكم وعليكم … أرى أبدا عندي مرارته تحلو أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي … يضرّكم لو كان عندكم الكلّ

стр. 3424

نأيتم فغير الدمع لم أر وافيا … سوى زفرة من حر نار الجوى تغلو (١) فسهدي حيّ في جفوني مخلّد … ونومي بها ميت ودمعي له غسل هوى طلّ ما بين الطلول دمي، فمن … جفوني جرى بالسفح من سفحه، وبل (٢) تباله (٣) قومي إذ رأوني متيما … وقالوا: بمن هذا الفتى مسّه الخبل وما ذا عسى عني يقال سوى غدا … بنعم، له شغل، نعم لي بها شغل وقال نساء الحي: عنا بذكر من … جفانا وبعد العز لذله الذلّ إذا أنعمت نعم عليّ بنظرة … فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل (٤) وقد صدئت عيني برؤية غيرها … ولثم جفوني تربها للصدا يجلو حديثي قديم في هواها وماله … كما علمت بعد وليس له قبل وما لي مثل في غرامي بها كما … غدت فتنة في حسنها ما لها مثل حرام شفا سقمي لديها رضيت ما … به قسمت لي في الهوى ودمي حلّ فحالي وإن ساءت فقد حسنت بها … وما حطّ قدري في هواها به أعلو وعنوان ما فيها لقيت وما به … شقيت وفي قولي اختصرت ولم أغل خفيت ضنى، حتى لقد ضلّ عائدي … وكيف ترى العوّاد من لا له ظلّ وما عثرت عين على أثري ولم … تدع لي رسما في الهوى الأعين النجل ولي همة تعلو إذا ما ذكرتها … وروح بذكراها إذا رخصت تغلو فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى … فإن قبلتها منك، يا حبّذا البذل فمن لم يجد في حبّ نعم بنفسه … ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل

стр. 3425

ولولا مراعاة الصيانة غيرة … وإن كثروا أهل الصبابة أو قلّوا (١) لقلت لعشّاق الملاحة أقبلوا … إليها، على رأبي، وعن غيها ولّوا وإن ذكرت يوما، فخرّوا لذكرها … سجودا وإن لاحت إلى وجهها، صلّوا وفي حبها بعت السعادة بالشقا … ضلالا وعقلي عن هداي به عقل (٢) وقلت لرشدي والتنسك والتقى … تخلوا وما بيني وبين الهوى خلّوا وفرّغت قلبي من وجودي مخلصا … لعلّي في شغلي بها معها أخلو ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى … وأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل فأرتاح للواشين بيني وبينها … لتعلم ما ألقى وما عندها جهل وأصبو إلى العذّال حبا لذكرها … كأنهم ما بيننا في الهوى رسل فإن حدّثوا عنها فكلي مسامع … وكلّي إن حدّثتهم ألسن تتلو تخالفت الأقوال فينا تباينا … برجم ظنون بيننا ما لها أصل (٣) فشنّع قوم بالوصال ولم تصل … وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل وما صدق التشنيع عنها لشقوتي … وقد كذبت عني الأراجيف والنقل وكيف أرجّي وصل من لو تصورت … حماها المنى وهما، لضاقت بها السبل وإن وعدت لم يلحق الفعل قولها … وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل عديني بوصل وامطلي بنجازه … فعندي إذا صحّ الهوى حسن المطل

стр. 3426

وحرمة عهد بيننا عنه لم أحل … وعقد بأيد بيننا ما له حلّ (١) لأنت على غيظ النوى ورضى الهوى … لديّ وقلبي ساعة منك ما يخلو (٢) ترى مقلتي يوما ترى من أحبهم … ويعتبني دهري ويجتمع الشمل (٣) وما برحوا معنى أراهم معي، فإن … نأوا صورة، في الذهن قام لهم شكل (٤) فهم نصب عيني ظاهرا حيثما سروا … وهم في فؤادي باطنا أينما حلّوا لهم أبدا مني حنوّ وإن جفوا … ولي أبدا ميل إليهم وإن ملّوا وقوله ﵁ [من البحر الخفيف] (٥) ته دلالا فأنت أهل لذاكا … وتحكّم فالحسن قد أعطاكا ولك الأمر فاقض ما أنت قاض … فعليّ الجمال قد ولاّكا وتلافي إن كان فيه ائتلافي … بك، عجّل به، جعلت فداكا وبما شئت في هواك اختبرني … فاختباري ما كان فيه رضاكا فعلى كل حالة أنت مني … بي أولى إذ لم أكن لو لاكا أبق لي مقلة لعلي يوما … قبل موتي أرى بها من رآكا أين مني ما رمت، هيهات بل أي … ن لعيني بالجفن لثم ثراكا فبشيري لو جاء منك بعطف … ووجودي في قبضتي قلت: هاكا

стр. 3427

هبك أن اللاحي نهاه بجهل … عنك قل لي: عن وصله ما نهاكا؟ أترى من أفتاك بالصدّ عني … ولغيري بالودّ من أفتاكا كنت تجفوا وكان لي بعض صبر … أحسن الله في اصطباري عزاكا كل من في حماك يهواك، لكن … أنا وحدي بكل من في حماكا وقوله ﵁[من البحر البسيط] (١) قف بالديار وحيّ الأربع الدّرسا … ونادها فعساها أن تجيب عسى (٢) فإن أجنّك ليل من توحّشها … فاشعل من الشوق في ظلمائها قبسا ومنها (٣): فإن بكى في قفار خلتها لججا … وإن تنفّس عادت كلها يبسا كم زارني والدجى يربد من حنق … والزهر تبسم عن وجه الذي عبسا (٤) وابتزّ قلبي قسرا قلت مظلم … يا حاكم الحب هذا القلب لم حبسا زرعت باللحظ وردا فوق وجنته … حقا لطرفي أن يجنى الذي غرسا (٥) فإن أبى فالأقاحي منه لي عوض … من عوّض الدّرهم زهر فما بخسا تلك الليالي التي أعددت من عمري … مع الأحبة كانت كلها عرسا لم يحل للعين شيء بعد بعدهم … والقلب مذ آنس التذكار ما أنسا وألزم الصبر مني النفس مكرهة … لولا التأسي بدار الخلد متّ أسى

стр. 3428

وقوله (١): يمينا بما في الثغر من رائق اللما … لقد ذبت من شوقي إلى وجهه ظما ولولا النسيم الحاجري يمر بي … يبشرني بالقرب من ساكني الحمى لهدمت أركان الصبابة والتقى … ولكنني عللت نفسا بربما ومحتجب من خلف سمر ذوابل … وكم مات فيه من محب متيّما إذا جاز في ترب له بعد هجعة … يريك الضحى في غيهب قد تبسما سل الغصن من أعطاه لين قوامه … ومن قد أعار الجيد واللحظ للدما شكوت إلى عينيه وجدي ولوعتي … فقال لك البشرى إذا مت مغرما يرى أن قتلي في هواه محللا … وأن وصالي والسلام محرّما يرق لما ألقاه في الليل طيفه … فما ضره من طيفه لو تعلما تلطّف بي حتى تملّك مهجتي … وعذبني بالتيه والصدّ عند ما بنى في فؤادي مسكنا غير أنه … لركن اصطباري بالقطيعة هدّما بوجه تعالى الله أتقن خلقه … فكم نسخت آياته آية السما وقوله (٢): أعلنت ما تسره الآماق … حين أضمت مقاتلي الأحداق وكتمت الغرام شحا وصونا … فأقرت بنشوتي العشّاق يا أهيل الحمى شكاية صبّ … فتكت في فؤاده الأحداق وده قد علمتموه سليما … ما اعتراه بعد البعاد محاق وهو مذ بايع الغرام قديما … مؤمن العشاق لم يشبه نفاق لا وعصر الصبا وحرمة ليل … ضمنا حين نامت الطرّاق ما أفاد الملام فيكم ولا ملّ … غرامي ولا وهى الميثاق

стр. 3429

وقوله: حسب المحب من الصبابة ما لقي … لما تخلف بعده في الأبرق ساروا فما والله ما كتم الدجى … نور أضاء من الجبين المشرق ولقد رجوت الصبر يبقى بعد ما … بانوا فلجّ بي الغرام وما بقي أمروا بإطلاق الدموع لبينهم … وأسير سحر عيونهم لم يطلق سعدت حداتهم بكل ممتع … في ركبهم والربع بعدهم شقي حاشا فؤاد خلّصوه لودّهم … واستوطنوه لذكرهم لم يخفق يا قلب صبرا تحت أعباء الهوى … قبل الممات لعلّنا لا نلتقي ولربّما نهدي الصبا في طيّها … من نشرها روحا لقلب شيّق خلق التصبر عنهم وهواهم … بين الضلوع جديده لم يخلق وقوله ﵁[من البحر الطويل] (١) أشاهد معنى حسنكم فيلذّ لي … خضوعي لديكم في الهوى وتذللي وأشتاق للمعنى الذي أنتم به … ولو لاكم ما شاقني ذكر منزل فلله كم من ليلة قد قطّعتها … بلذة عيش والرقيب بمعزل ونلت مرادي فوق ما كنت راجيا … فوا حسرتا لو تم هذا ودام لي وقد ذكره أبو الصفاء الصفدي وقال: قال الشيخ شمس الدين يعني الحافظ الذهبي: أنشدنا غير واحد أنه قال عند موته لما انكشف له الغطاء: إن كان منزلتي في الحب عندكم … ما قد لقيت فقد ضيّعت أيامي أمنية ظفرت روحي بها زمنا … واليوم أحسبها أضغاث أحلام (٢) قال: ومن شعره مما ليس في ديوانه:

стр. 3430

وإذا قيل من تحب؟ تخطاك لساني … وأنت في القلب ذاكا عميت عين من رأى مثل عيني … ك وطوبى لعين من قد رآكا ولد ﵁ بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ودفن تحت العارض - مكان بالقرافة - ورثاه الجزار، فقال: - لم يبق صيب مزنه إلا وقد … وجبت عليه زيارة ابن الفارض لا غرو أن يسقى ثراه وقبره … باق ليوم العرض تحت العارض (١)

стр. 3431

ومنهم: ١٠٧ - أبو القاسم بن منصور بن يحي المكّيّ الاسكندريّ المعروف بالقبّاريّ (١٣) حطّ رجله بالآخرة وأناخ، ولم يتخذ الدنيا غير مناخ، فلم يأنس من أهلها بقبيل. ولا سلك في سبلها إلا عابر سبيل، لعدم اغتراره ببرقها الجهام، وفرط حذاره من رشقها بالسهام، فلم يستطب فيها الملاذ، ولم يستطل بها العود والملاذ، وأقام لا يرشف من ورد زلالها ريقا، ولم يقبل من برد ظلالها طريقا. وكان أحد العباد المشهورين بكثرة الورع والتحري في المأكل والمشرب والملبس، معروفا بالانقطاع، والتخلي وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على ما يعنيه من أمر نفسه، وطريقه الذي سلكه، قلّ أن يقدم أحد من أهل زمانه عليه من خشونة عيشه، وما أخذ نفسه به من الوحدة، وعدم الاجتماع بالناس، والجدّ، والعمل، والاحتراز من الرياء، والسمعة، لا يعلم في وقته من وصل إليه، وكانت الملوك ومن دونهم يقصدون زيارته، ورؤيته، والتبرك به، فلا يكاد يجتمع بأحد منهم (١)، وأخباره في الورع والعبادة مشهورة. وكان مقيما بجبل "الصيقل" بظاهر الاسكندرية، وبه مات (٢)، ولم يزل عمره كله على

стр. 3432

قدم واحدة في الاجتهاد والعبادة، وقلة المبالاة بعيشه كيف كانت، ودنياه كيف نقصت، متقللا من قليلها بجهده، مقبلا على الآخرة بكليته، يتصدّق بفضله، ويواسي في كفافه، ويؤثر من قوته، إلى كرم عزيز، وقنع باليسير. ومما حكي عنه من الورع أنه لما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى (١) الخليج الواصل إلى الاسكندرية من النيل، أعرض عن مائه، وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئرا كان يشرب منها، وينقل الماء منها بالجرار، على دابة ليسقي بستانه، وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه لا يرفعها، ولا يأكلها، لاحتمال أن طائرا جناها من نخل غيره، وسقطت منه تحت نخله، وبالجملة لم يخلف بعده مثله (٢) وحكى علي بن حمزة النقيب، عن أبي المظفر يوسف بن عبد العزيز الدمنهوري، قال: أتيت الشيخ أبا القاسم وتهيبته أن أطرق عليه الباب، فوقفت لعلي أجد من يستأذن لي عليه، فسمعته يبكي وينشد: كيف برئي وداء وجدي عضال … ونهوضي وعثرتي لا تقال وعزيز على أهون شيء في هوا … هـ ما قالت العذّال يا نسيم الشمال من أرض نجد … فيك للصب صحة واعتلال لي بالجزع حاجة ليس تقضى … وغريم يلذ منه المطال يا لقومي كم ذا تسل سيوف … لقتالي وكم تراش نبال أنت أحلى في القلب من أمل … القلب إذا ما تناهت الآمال قال: ولم يزل يرددها وهو يبكي ويشهق، حتى خفت عليه، فطرقت عليه الباب، فقطع إنشاده وسكّن زفراته، وغيّض عبراته، ثم أذن لي، فدخلت عليه، فقال: لعلك سمعت شعرا كنت أنشده؟ فقلت: كان ذلك، ولقد خشيت عليك والله مما كنت فيه. فقال: يا هذا! تذكرت عشقة منذ عهد الصبا أنا إلى الآن في سكرها، وربما كانت في وقت أشد من

стр. 3433

وقت، والعاقل يستروح بمثل ما رأيت من أرواح الأشعار، وأنفاس الأشجار، وسألتك الله إلا ما كتمت. قال: فو الله ما ذكرتها حتى مات. وتوفي ليلة الاثنين سادس شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة، ببستانه بجبل "الصّيقل"، بظاهر الاسكندرية. ودفن به، بوصية منه، وقبره يزار ويتبرك به. وبيع الأثاث الموجود في منزله، وقيمته دون خمسين درهما، ورقا بما يزيد عن عشرين ألف درهم تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة، وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس!. وقد رأيت خرقة من أثره عند بعض المصريين، وذكر أنها بيعت في أثاثه بمائة وعشرين درهما. ومنهم: ١٠٨ - الفضيل بن فضالة صميم علم أغرق في الحسب، وأغبق في كرم الحسب، ترقى للحيرة فعرف الحقيقة، وتوقى الحيرة فوقف على الطريقة. قال: "إذا شئت أن تصير من الأبدال، فحوّل خلقك إلى بعض خلق الأطفال؛ ففيهم خمس خصال لو كانت في الكبار لكانوا أبدالا، وهي: أنهم لا يغتمون للرزق. ولا يشتكون من خالقهم إذا مرضوا. ويأكلون الطعام مجتمعين. وإذا تخاصموا لم يتحاقدوا وتنازعوا إلى الصلح. وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع". وكان يقول للمريد إذا أتاه: تصحبني على أربعة خلائق هنّ كنوز الجنة؛ كتمان الفاقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض، وكتمان السر. وكان يحب الخلوة، فإذا خلا رفع عقيرته، وأنشد قول الرضي: حادثته فضل العتاب وبيننا … كبر الملوك ورقة الملوك من لي به والدار غير بعيدة … والمال غير قليل

стр. 3434

وحكي أن رجلا كان يصحبه، فسمعه يقول يوما في دعائه: "اللهم حقق أملي"، فقال: يا سيدي! أيكون المحقّق أملا؟. فقال: اعلم أن الأمل العمل. وقيل: إن الفضيل بن فضالة سأل ربه أن يرفع عنه الأمل، فاستجاب له، فترك الأكل والشرب، فلم تستقم له العبادة، فدعا ربه أن يرد عليه أمله، فأكل وشرب. وأتاه نعي بعض إخوانه وهو يأكل طعاما، فقال للمخبر له: اقعد فكل، فقد علمت. قال له: ومن أعلمك؟ وما سبقني إليك أحد!. قال: بلى، قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ﴾ (١) والعجب من يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟!!. ومنهم: ١٠٩ - محمّد بن عبد الله بن المجد المرشديّ الدّهروطي (١٣) الشيخ أبو عبد الله، رجل من أهل منية مرشد (٢)، من الوجه البحري من ديار مصر. ظهر فيها ظهور الشمس في السماء، وصدر عنه الناس صدورهم عن الماء، وترامت إليه الفجاج بالوفود، وشدّت إليه الركائب من أقطار الوجود، وغصت طرق البر والبحر إليه، ونصّت ألسنة المشرق والمغرب عليه، وظهرت له كرامات لم تظهر فيها معه لبشر بارقة، ولا غدت بها لابن أدهم سابقة، ولا جاء الجنيد منها إلا جيش ليس له به قبل، ولا وسع ذا النون

стр. 3435

المصري البحر ولا البرّ ولا السهل ولا الجبل. والناس فيه على قسمين: حتى أهل بلده؛ فأناس يقولون: إن أموره كانت رحمانية. وأناس يقولون: إنها شيطانية!. وسواد الجمهور: على حسن الاعتقاد فيه، وسأحكي من أموره ما فيه غنى للواقف عليه. قدمت مصر وهذا الرجل قد طارت سمعته، وطرقت الشام، وأسمعت الخاص والعام، ولم تبق أذن إلا وفيها منه صالح، وذاكر له بذكر صالح، وكنت أتمنى لقاءه، وقصدت هذا في قدمتي الاسكندرية، فحالت دون ذلك شواغل خدمة السلطان، وتمادى عليّ ذلك الأمد، فقدم مصر حاجّا، وأتى إلى خدمة السلطان، واجتمع به في الميدان المجاور للاسطبل، وكان فخر الدين ناظر الجيوش الجامع بينهما، وقام السلطان له، وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه يحدّثه لما قرره فخر الدين في صدره، فلم يكن للشيخ حديث يحدّث به السلطان، ولا موعظة يعظه بها، ولا مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة يوصيه بها، إلا الإطناب في شكر فخر الدين، وذكر دينه وزهده وصلاحه، وأنه يتعين على السلطان أن يغتبط به، ويعتمد عليه، ويمسكه بيديه، وجعل كل مجلسه في هذا. فنزل من عين السلطان، وقال لألجاي الدواداري: هؤلاء يتقارضون الشهادات!. ثم قال له: لو كان هذا وليا من أولياء الله أوصاني بسائر عباد الله، ولم يقتصر على ذكر الفخر، وكم في الناس من رجل قدمه خير من الفخر!. وقال لبكتمر الساقي (١): والله لولا الحياء من الناس كنت ضربه على فمه!. ثم خرج المرشدي إلى الحج، وخرج السلطان إلى سرياقوس، فخرجنا معه، وأتانا الخبر بأن
следующие страницы →