← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ومنهم: ١٠٧ - أبو القاسم بن منصور بن يحي المكّيّ الاسكندريّ المعروف بالقبّاريّ (١٣) حطّ رجله بالآخرة وأناخ، ولم يتخذ الدنيا غير مناخ، فلم يأنس من أهلها بقبيل. ولا سلك في سبلها إلا عابر سبيل، لعدم اغتراره ببرقها الجهام، وفرط حذاره من رشقها بالسهام، فلم يستطب فيها الملاذ، ولم يستطل بها العود والملاذ، وأقام لا يرشف من ورد زلالها ريقا، ولم يقبل من برد ظلالها طريقا. وكان أحد العباد المشهورين بكثرة الورع والتحري في المأكل والمشرب والملبس، معروفا بالانقطاع، والتخلي وترك الاجتماع بأبناء الدنيا، والإقبال على ما يعنيه من أمر نفسه، وطريقه الذي سلكه، قلّ أن يقدم أحد من أهل زمانه عليه من خشونة عيشه، وما أخذ نفسه به من الوحدة، وعدم الاجتماع بالناس، والجدّ، والعمل، والاحتراز من الرياء، والسمعة، لا يعلم في وقته من وصل إليه، وكانت الملوك ومن دونهم يقصدون زيارته، ورؤيته، والتبرك به، فلا يكاد يجتمع بأحد منهم (١)، وأخباره في الورع والعبادة مشهورة. وكان مقيما بجبل "الصيقل" بظاهر الاسكندرية، وبه مات (٢)، ولم يزل عمره كله على

стр. 3432

قدم واحدة في الاجتهاد والعبادة، وقلة المبالاة بعيشه كيف كانت، ودنياه كيف نقصت، متقللا من قليلها بجهده، مقبلا على الآخرة بكليته، يتصدّق بفضله، ويواسي في كفافه، ويؤثر من قوته، إلى كرم عزيز، وقنع باليسير. ومما حكي عنه من الورع أنه لما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى (١) الخليج الواصل إلى الاسكندرية من النيل، أعرض عن مائه، وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئرا كان يشرب منها، وينقل الماء منها بالجرار، على دابة ليسقي بستانه، وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه لا يرفعها، ولا يأكلها، لاحتمال أن طائرا جناها من نخل غيره، وسقطت منه تحت نخله، وبالجملة لم يخلف بعده مثله (٢) وحكى علي بن حمزة النقيب، عن أبي المظفر يوسف بن عبد العزيز الدمنهوري، قال: أتيت الشيخ أبا القاسم وتهيبته أن أطرق عليه الباب، فوقفت لعلي أجد من يستأذن لي عليه، فسمعته يبكي وينشد: كيف برئي وداء وجدي عضال … ونهوضي وعثرتي لا تقال وعزيز على أهون شيء في هوا … هـ ما قالت العذّال يا نسيم الشمال من أرض نجد … فيك للصب صحة واعتلال لي بالجزع حاجة ليس تقضى … وغريم يلذ منه المطال يا لقومي كم ذا تسل سيوف … لقتالي وكم تراش نبال أنت أحلى في القلب من أمل … القلب إذا ما تناهت الآمال قال: ولم يزل يرددها وهو يبكي ويشهق، حتى خفت عليه، فطرقت عليه الباب، فقطع إنشاده وسكّن زفراته، وغيّض عبراته، ثم أذن لي، فدخلت عليه، فقال: لعلك سمعت شعرا كنت أنشده؟ فقلت: كان ذلك، ولقد خشيت عليك والله مما كنت فيه. فقال: يا هذا! تذكرت عشقة منذ عهد الصبا أنا إلى الآن في سكرها، وربما كانت في وقت أشد من

стр. 3433

وقت، والعاقل يستروح بمثل ما رأيت من أرواح الأشعار، وأنفاس الأشجار، وسألتك الله إلا ما كتمت. قال: فو الله ما ذكرتها حتى مات. وتوفي ليلة الاثنين سادس شعبان سنة اثنتين وستين وستمائة، ببستانه بجبل "الصّيقل"، بظاهر الاسكندرية. ودفن به، بوصية منه، وقبره يزار ويتبرك به. وبيع الأثاث الموجود في منزله، وقيمته دون خمسين درهما، ورقا بما يزيد عن عشرين ألف درهم تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة، وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس!. وقد رأيت خرقة من أثره عند بعض المصريين، وذكر أنها بيعت في أثاثه بمائة وعشرين درهما. ومنهم: ١٠٨ - الفضيل بن فضالة صميم علم أغرق في الحسب، وأغبق في كرم الحسب، ترقى للحيرة فعرف الحقيقة، وتوقى الحيرة فوقف على الطريقة. قال: "إذا شئت أن تصير من الأبدال، فحوّل خلقك إلى بعض خلق الأطفال؛ ففيهم خمس خصال لو كانت في الكبار لكانوا أبدالا، وهي: أنهم لا يغتمون للرزق. ولا يشتكون من خالقهم إذا مرضوا. ويأكلون الطعام مجتمعين. وإذا تخاصموا لم يتحاقدوا وتنازعوا إلى الصلح. وإذا خافوا جرت عيونهم بالدموع". وكان يقول للمريد إذا أتاه: تصحبني على أربعة خلائق هنّ كنوز الجنة؛ كتمان الفاقة، وكتمان المصيبة، وكتمان المرض، وكتمان السر. وكان يحب الخلوة، فإذا خلا رفع عقيرته، وأنشد قول الرضي: حادثته فضل العتاب وبيننا … كبر الملوك ورقة الملوك من لي به والدار غير بعيدة … والمال غير قليل

стр. 3434

وحكي أن رجلا كان يصحبه، فسمعه يقول يوما في دعائه: "اللهم حقق أملي"، فقال: يا سيدي! أيكون المحقّق أملا؟. فقال: اعلم أن الأمل العمل. وقيل: إن الفضيل بن فضالة سأل ربه أن يرفع عنه الأمل، فاستجاب له، فترك الأكل والشرب، فلم تستقم له العبادة، فدعا ربه أن يرد عليه أمله، فأكل وشرب. وأتاه نعي بعض إخوانه وهو يأكل طعاما، فقال للمخبر له: اقعد فكل، فقد علمت. قال له: ومن أعلمك؟ وما سبقني إليك أحد!. قال: بلى، قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ﴾ (١) والعجب من يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع؟!!. ومنهم: ١٠٩ - محمّد بن عبد الله بن المجد المرشديّ الدّهروطي (١٣) الشيخ أبو عبد الله، رجل من أهل منية مرشد (٢)، من الوجه البحري من ديار مصر. ظهر فيها ظهور الشمس في السماء، وصدر عنه الناس صدورهم عن الماء، وترامت إليه الفجاج بالوفود، وشدّت إليه الركائب من أقطار الوجود، وغصت طرق البر والبحر إليه، ونصّت ألسنة المشرق والمغرب عليه، وظهرت له كرامات لم تظهر فيها معه لبشر بارقة، ولا غدت بها لابن أدهم سابقة، ولا جاء الجنيد منها إلا جيش ليس له به قبل، ولا وسع ذا النون

стр. 3435

المصري البحر ولا البرّ ولا السهل ولا الجبل. والناس فيه على قسمين: حتى أهل بلده؛ فأناس يقولون: إن أموره كانت رحمانية. وأناس يقولون: إنها شيطانية!. وسواد الجمهور: على حسن الاعتقاد فيه، وسأحكي من أموره ما فيه غنى للواقف عليه. قدمت مصر وهذا الرجل قد طارت سمعته، وطرقت الشام، وأسمعت الخاص والعام، ولم تبق أذن إلا وفيها منه صالح، وذاكر له بذكر صالح، وكنت أتمنى لقاءه، وقصدت هذا في قدمتي الاسكندرية، فحالت دون ذلك شواغل خدمة السلطان، وتمادى عليّ ذلك الأمد، فقدم مصر حاجّا، وأتى إلى خدمة السلطان، واجتمع به في الميدان المجاور للاسطبل، وكان فخر الدين ناظر الجيوش الجامع بينهما، وقام السلطان له، وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه يحدّثه لما قرره فخر الدين في صدره، فلم يكن للشيخ حديث يحدّث به السلطان، ولا موعظة يعظه بها، ولا مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة يوصيه بها، إلا الإطناب في شكر فخر الدين، وذكر دينه وزهده وصلاحه، وأنه يتعين على السلطان أن يغتبط به، ويعتمد عليه، ويمسكه بيديه، وجعل كل مجلسه في هذا. فنزل من عين السلطان، وقال لألجاي الدواداري: هؤلاء يتقارضون الشهادات!. ثم قال له: لو كان هذا وليا من أولياء الله أوصاني بسائر عباد الله، ولم يقتصر على ذكر الفخر، وكم في الناس من رجل قدمه خير من الفخر!. وقال لبكتمر الساقي (١): والله لولا الحياء من الناس كنت ضربه على فمه!. ثم خرج المرشدي إلى الحج، وخرج السلطان إلى سرياقوس، فخرجنا معه، وأتانا الخبر بأن

стр. 3436

الشيخ في البركة، فقمت أنا ووالدي رحمه الله تعالى، وركبنا لنراه، فلحق بنا الداوداري، وقال: متى رحتم إليه ما يعجب السلطان، وذكره بأمور لا أحب ذكرها، ولم يزل حتى عدنا، ثم لم يقدر لي به اجتماع حتى مات في شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، إلا أنه ومنذ قدم مصر وإلى أن مات لم تزل كتبه إليّ متواصلة، وحوائجه لديّ مقضية. قلت: ولقد يحكى عنه من الغرائب ما لم نسمع مثله عن أحد من أهل زمانه، ولا ممن تقدمهم بزمان سالف. وكان الناس إذا قصدوه تشهّوا في نفوسهم أنواع المآكل والمشارب، فإذا أتوه أتاهم به. على أنه في منقطع رمل، وقرية صغيرة لا يوجد فيها مثل تلك الأنواع!، والشائع الذائع عند عامة أهل مصر أنه كان يأتيه الجماعة، وكل واحد قد يشتهي شيئا، واقترح ما لا يوجد مثله إلا أن يكون في القاهرة، أو دمشق، فإذا حضروا عنده، وسلموا عليه، غاب عنهم هنيهة، ثم حضر وأحضر لكل واحد منهم ما اقترح، ويقولون: إن أكثر ما كان يحضره للناس في كمه، أو هو حامل له بيده، من غير خدام له، ولا من يستعين بهم، حتى زعموا أنه كان يحضر من أنواع الأطبخة عدة الألوان، وليس عنده من يطبخ له، ولا يعرف له قدرة ولا معرفة، ولا زبدية، ولا موقد نار، مع اشتغاله طول نهاره وليله بالناس، ويزعمون أن هذا المدد ما هو في وقت دون وقت، بل إنه يأتي في اليوم الواحد بعدّة من الألوان لا يعرف من أين أتى بها، ولا من طبخها!. إلى غير ذلك مما يحكون عنه من هذا ومثله، مما أظن أكثره من باب الخراف في القول. وحكى لي صاحبنا القاضي شمس الدين القيسراني كاتب الإنشاء، وكان قد توجّه قصدا لزيارته، قال: كنت قد أكلت في الطريق قبل إشرافي على بلده بقليل، فاشتهيت أقسما سكرية (١) مبردة، فحال ما وصلت، وسلمت عليه، غاب عني هنيهة، وأتى معه أقسما

стр. 3437

سكرية مبرّدة، مثل الأقسما التي تعمل للسلطان، وقال لي: اشرب هذه فإنك قد جئت من حر الطريق. وحكى لي الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري قال: الشيخ محمد المرشدي يتوجّه في كل سنة إلى "كوم فرح" أظنه قال: في نصف شعبان، ويأتيه من الخلائق ما لا يحصى كثرة، ومعهم دوابّهم، و"كوم فرح" في مكان منقطع، شاسع، ويقيم الناس عند الشيخ ثلاثة أيام، وهو يقوم بهم، وبما يحتاجون إليه من طعام وشراب، وعليق، كل هذا يتولاه بنفسه، ولا يعرف من أين يأتي به؟!. وحكى لي الأمير الوزير مغلطاي الجمالي (١) - رحمه الله تعالى - قال: توجّهت إلى زيارة الشيخ محمد، فلما قربت منه، اشتهيت قمحية بلبن حليب، بلحم خروف رميس، فلما وصلنا، جاء ومعه زبدية كبيرة فيها قمحية بلبن حليب بلحم خروف رميس، وقال لي: كل، ثم بقي يغيب ويجيب أشياء أخر، ويضعها قدام مماليكي. وكلما جاب شيئا إلى واحد منهم يعجب منه ويقول: والله أنا كنت قد اشتهيته!. وأحضر أكثر من عشرين لونا ما يطبخ إلا في مطبخ السلطان. وحكى لي شهاب الدين أحمد بن مليح الاسكندري بالاسكندرية، قال: نويت زيارة الشيخ محمد في نفسي، وقلت: لعلّي أصادف عنده هيطلية بسمن وعسل آكل منها؟. فجاء كتاب وكيل الخاص باستعمال حوائج السلطان أعاقني عن ما عزمت عليه، فلم يمض غير يومين أو ثلاثة، وإذا أنا برجل قد أتاني من عند الشيخ، وقال: الشيخ يسلم عليك، وقد بعث لك هذا السمن والعسل لتعمل لك هيطلية، وتأكلها بهما، ولو كانت تحمل إليك بعث لك بها.

стр. 3438

قال ابن مليح: والله الذي لا إله إلا هو، لم أكن قد أطلعت أحدا على ما نويت ولا على ما كنت قد اشتهيت. وأخباره في مثل هذا كثيرة. وكان - على ما ذكر لي - رجلا مبدنا. ربعة من الرجال، حسن الشكل، منوّر الصورة، جميل الهيئة، حسن الخلائق، يحفظ القرآن الكريم، و"التنبيه" في مذهب الشافعي، وكان فقيه النفس، مختصرا لكثير من المسائل، يتلو في أكثر الأوقات، ويفتي من استفتاه من غير أن يكتب خطه بشيء، وكان لا يرد نفسه عن الشفاعات إلى أرباب الدولة، وحاشية السلطان، وشفاعاته مقبولة، والوسائل به لا ترد. وقد زعم قوم أن هذه الكرامات إنما كانت بصناعة مقررة بينه وبين قاضي فوّه، فإنهما كانا روحين في جسد واحد، وكان قد تحصّن بالشيخ، فلا يقدر قاضي القضاة ولا أحد غيره على عزله، وطال ذيله، وأكثر من تسجيل البلاد والتجارة، والولاة ترعاه إما للاعتقاد في الشيخ، أو لرجاء العناية من الشيخ بهم عند الدولة، فتمت أمواله، وصلحت حاله، واتسعت دائرة سعادته، فلم يبق له دأب إلا تلقي من يصل من ذوي الأقدار قاصدا زيارة الشيخ، لأن "فوّه" طريق "منية المرشد"، فإذا وصل الزائر أنزله وأضافه، وشرع في محادثته، ومحادثة من معه، حتى يقف ما في خواطرهم اقتراحه على الشيخ، ثم يبعث به إلى الشيخ، على دواب مركزه في الطريق بينهما، وعدة من الأوصاف بما لعله لا يكون عنده، ثم يعطيه حلية كل رجل من المذكورين واسمه!. قالوا: فكان بهذه الصنعة تم له ما أراد، فيشهد له من أتاه بما كان في نفسه، ويقول غيره بالتقليد كعادة العوام في ذلك، وعندي في كل أمره نظر، ولو رأيته لكنت وقفت على بعض الخبر. وبالجملة فكان ذا فضل وبرّ، ومعروف، ومذهب غير مألوف، رحمه الله تعالى.

стр. 3439

ومنهم: ١١٠ - عبد الله [بن محمّد بن سلمان] المنوفيّ (١٣) جمع بين العلم والصلاح، وطلع نيره المشرق فلاح، فارقت مصر وهو قطب رحاها، وشمس ضحاها، وهو ممن تفقه واعتزل. قرأ الفقه على مذهب الشافعي، وانقطع بالمدرسة الصالحية مقتصرا على خويصة نفسه، لا يكاد يخرج إلا إلى الصلاة مع الجماعة، أو الجمعة. تقلل من متاع الدنيا، ولا يستكثر من الناس، ولقد أراد السلطان الاجتماع به فلم يرد، وعيّن لجلائل التدريس والمناصب، وكنت المتحدّث معه في ذلك فأبى، وعقد على الامتناع. ولقد أقمت بديار مصر ما أقمت من السنين، أرى أبناءها وأسمع أنباءها، فلم أرض أحدا مثله لعلمه وعمله، وصلاحه، وانقطاعه، وإن كان ابن اللبان أشهر وأوسع علما، وأطول باعا في علوم الشريعة والحقيقة، إلا أنه لا يخلو من متكلم فيه، والشيخ عبد الله مجمع، وما ذاك إلا لعظم زهده، وتخليه، وقطع علائقه من الناس، وقطعهم عنه. ولقد يحكى عنه كرامات ظاهرة كفلق الصبح، كان يحكى لي منها، ولكنني لم أضبطها؛ ومنها: ما حكى الأمير سيف الدين الجابي الدوادار (١) ﵀ قال: وقع في

стр. 3440

نفسي إشكال في مسألة، وكان لي صاحب من الفقهاء الحنفية أتردد إليه زمن الاشتغال، فنزلت إليه، وليس لي مهم إلا أن أسأله عن تلك المسألة، ليحل لي الإشكال فيها، فأتيته، فلم أجده، فأتيت المدرسة التي بها الشيخ عبد الله المنوفي لأراه. فلما دخلت عليه، وسلمت عليه، وجلست، قال لي: كأنك مشتغل بشيء من الفقه؟. فقلت: نعم. فقال: ما قولك في كذا وكذا؟ - لتلك المسألة بعينها! -؛ فقلت: منكم يستفاد. فأخذ يتكلم في تلك المسألة وما عليها من الإيرادات، وذكر الإشكال الذي وقع في نفسي، ثم شرع يجيب عن تلك الإيرادات، حتى جلى ذلك الإشكال، وحل المسألة. فسألته عن شيء آخر؟. فقال: لا، قم مع السلامة، والقصد قد حصل. وهذه كرامة ظاهرة لا تنكر. رحمه الله تعالى. ومنهم: ١١١ - أبو عبد الله محمّد بن اللّبّان (١٣) شمس الدين الشاذلي، طراز مصر المذهب، وفرد أهلها في علم الحقيقة والمذهب، والفائز المعلى قدحه، والسيد المحلى بذائب الذهب مدحه، طاب غرسه، وأشرقت ملء المشارق والمغارب شمسه، وطال لواؤه، وحسن دواؤه، وكثرت شيعته تتوالى منه وليا تروى أنواؤه، وتجود الأرض سماؤه، وتعود بالفرض والنوافل نعماؤه. صحب الشيخ ياقوت الحبشي (١)، وغيره من مشايخ الاسكندرية، ومصر، والشام، وأخذ

стр. 3441

عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدم، تمهيد العلوم الشرعية، لسلوكه فيه، حتى برع وبزّ أهل زمانه، وساد على أبناء دهره، وأطلق قلمه بالإفتاء، واشتغل عليه أنواع الطلبة، وأخذت عنه طوائف المريدين، وتكلم على رؤوس الأشهاد، وحضر مجلسه الخاص والعام، ولم يزل يشار إليه بالإجلال، ويذكر بالتعظيم. وكنت أسمع به ولا يقيض لي به لقاء، ثم أصيب بما لم يخل منه مثله، فخلى في بعض مجالسه وقد شرع في كلام ما كمّله، وأخذ في قول ما أتّمه، فقام ابن الكاتب المالكي وقطع عليه الكلام، وأخذ في الإنكار عليه، وقام معه أناس قلائل، وهمّ بهم السواد الأعظم حتى كادوا يثبون بهم، ثم حجز بين الفريقين، ورفع ابن الكاتب القضية إلى الحكام، وكان كلاما يقتضي قبل تمامه ما أوقد حميّة بعض الحكام عليه، فتحدّث مع البقية، ثم حدّثوا السلطان فيه، فاستتشاط غضبا وأمرهم فيه بأمر كاد لا يستدرك، فقيض له من بلّغ السلطان القضية وأوصل إليه الخبر على حقيقته، وعرّفه بمكانة الشيخ، وما هو عليه من العلم، والدين، فسخّره الله له، وقلب تلهّب غيظه عليه بردا وسلاما له، وبعث إلى الحكام بالتمهل في أمره، ثم طلبه السلطان، وادّعى عليه لديه، وسأله عما قال؟. فاعترف، فحكم بصحة إسلامه، وقبول دولته وإبقائه على ماله وزوجته، وعدالته، ومناصبه، بعد استيفاء الشرائط الشرعية، وفعل كما يجب شرعا. ثم عقد له مجلس بالمدرسة الصالحية، عند قاضي القضاة جلال الدين القزويني (١)، فطلبه؛ فنزل من القلعة إليه، والناس حوله، وقد ملأ سواد الناس ما بين القلعة والمدرسة، فلما حضر مجلس الحكم العزيز، ادّعى عليه، فأجاب بما حكم به السلطان، وأوصل حكم السلطان بالقاضي القزويني، وحكم حكما آخر مستقلا للشيخ بمثل ذلك، وامتنع من

стр. 3442

الكلام في المجالس العامة، ثم تكلم، وهو رجل قد جمع الله عليه من القلوب، وجمع له من أشتات ما لا هو في ظنّ ظانّ، هذا إلى حسن الشكل، وتنوير الوجه، والصورة، وجمال الذات والهيئة، وجودة الخط، وحسن اللفظ، وبراعة اللسان، وكرم النفس، وجميل السجايا، فآها لدهر فرّق بيننا وبينه، وزمان أبعد المدى عنه. وله نظر ثاقب في الأدب، ونظم بديع [فمن شعره ما أورده في كتابه المتشابه في الربانيات قوله: تشاغل عنا بوسواسه … وكان قديما لنا يطلب محبّ تناسى عهود الهوى … وأصبح في غيرنا يرغب ونحن نراه ونملي له … ويحسبنا أننا غيّب ونحن إلى العبد من نفسه … ووسواس شيطانه أقرب (١)

стр. 3443

السفر التاسع: تراجم الحكماء والفلاسفة المحقق: بسام محمد بارود

стр. 3444

مقدمة المحقق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد … فبين يدينا اليوم حلقة جديدة من سلسلة حلقات ذهبية لموسوعة "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لمؤلفها شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري، العالم الموسوعي الأول في بابه، حيث لم يسبقه إلى مثل هذا التصنيف أحد - على ما أعلم -، وقد سبق أن ذكرت في مقدمتي لتحقيق السفر الثامن من هذه الموسوعة وهي في تراجم السادة الصوفية "الفقراء"، ذكرت أن ابن فضل الله العمري رحمه الله تعالى أجاد وأفاد في هذه الموسوعة القيمة حيث ذكر فيها من أعلام الأمة العربية والإسلامية في جميع العلوم والفنون على اختلاف أنواعها بدءا من الجغرافيا والرحلات، إلى علماء الطب والكيمياء، والنبات، والتاريخ، والحديث، والفقه، والتفسير، والأدباء، والخطباء، والمترسلين، وكتاب الإنشاء، والشعراء، وغيرهم من أهل كل علم وفن، سواء في المشرق أو المغرب والأندلس، أو في مصر وأفريقيا، إلى الهند وما حولها … ذاكرا ذلك كله ضمن هذه الموسوعة القيمة التي بقيت مئات السنين حبيسة الأرفف، ودفينة الأقبية، دون أن تمتد إليها يد تنفض عنها غبار السنين وتقدمها إلى خلف الأمة العربية والإسلامية ليستفيدوا مما تركه لهم سلفهم الصالح، من علم يتفاخرون به على مدى السنين والأيام، إلى أن شاءت حكمة الباري سبحانه ووفق الدكتور العلامة فؤاد سيزكين لينبه العالم إلى هذا الكنز الدفين، فصور نفائس مخطوطات العالم العربي والإسلامي ضمن سلسلة معهد فرانكفورت في ألمانيا، ومن ضمن ما

стр. 3445

جمعه هذه المخطوطة النفيسة (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار)، حيث جمعها من عدة مراكز ومكتبات مخطوطية سواء في تركيا أو مصر، أو في الشام أو في اليمن والمغرب إلى غير ما امتدت إليه يده ووصلت إليه همته في جمع نفائس المخطوطات ليقدمها إلى العالم على شكل مصورات هي أقرب في تصويرها إلى الشكل الأصلي المخطوط فجزاه الله خير الجزاء على صنيعه الحسن. ثم وفق المجمع الثقافي في أبو ظبي إلى حمل أعباء نشر هذا الكتاب "أعني مسالك الأبصار" وغيره من تراث الأمة، ليقدمه إلى أجيال اليوم من أبناء هذه الأمة ليستفيدوا من علم أمتهم الذي تركوه لهم على أطباق من ذهب أفنوا في ذلك أعمارهم ابتغاء وجه الله تعالى، ومساهمة في بناء الحضارة الإنسانية، ليثبتوا في وقت وزمان أن الأمة العربية الإسلامية أمة علم وحضاره وبناء وتقدم ونهضة وإنسانية، لا كما يزعم أعداؤها من الشرق والغرب أنهم دعاة إرهاب ودمار وحرب وسفك دماء .. !!. ومن هذه السلسلة الذهبية الجزء التاسع من "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" الذي بين أيدينا اليوم، وفيه ترجم العلامة ابن فضل الله العمري رحمه الله تعالى لما يزيد عن اثنين وتسعين ومائة طبيب من أطباء الشرق والغرب، والهند، ومصر، والشام، وغيرهم، ذكر فيه ترجمة لكل واحد منهم بشكل أطنب فيه أحيانا، وأوجز أحيانا أخرى، وفق شهرة المترجم له، ومنزلته بين أقرانه، ورتبته في علمه وفنه، واختصاصه، وأدبه. وفي هؤلاء الأطباء الشعراء والحكماء والفلاسفة، وأهل الاجتماع، فذكر في ترجمة الكثير منهم ما لهم من أشعار ووصايا جامعة نافعة، في الطب والحكمة، وأقوال مأثورة سارت بها الركبان، وأدوية وأغذية جربها أولئك الأعلام ووصفوها لمرضاهم فكانت لهم البلسم الناجع، والدواء النافع، ولم يترك رحمه الله تعالى في ترجمة كل واحد ما وقع

стр. 3446

عليه من أخباره وسيرة حياته، وطريقة تعلمه وتعليمه، وسلوكه وتربيته، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فجاء هذا السفر بحق كتابا نافعا ليس للأطباء فقط وإنما لكل طالب علم، وباحث عن الثقافة من معينها الصافي، وقارئ وباحث عن تراث هذه الأمة العظيمة، دون تعصب لمذهب أو ملة أو نحلة. وقد كان عملي المتواضع في هذا السفر على الشكل التالي: ١ - ضبط النص وشكله وتصحيحه حتى أتى أقرب إلى ما هو مثبت في المخطوط الأصلي. ٢ - توثيق النصوص، والشواهد التي وردت في المخطوط، وذلك بالرجوع إلى مصادرها من كتب الطب والحكمة والفلسفة التي سنبينها في آخر الكتاب في فهرس المصادر والمراجع. ٣ - ضبط التراجم وبيان زمان وفاة كل ترجمة وذلك بالرجع إلى كتب الطبقات والتراجم، وكتب الأعلام وغيرها من مراجع هذا الفن. ٤ - عزو الآيات القرآنية إلى سورها، وبيان أرقامها في تلك السور. ٥ - تخريج الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في المخطوط - على قلّتها - وذلك بالرجوع إلى كتب التخاريج والحديث النبوي الشريف. ٦ - تخريج الأشعار التي أوردها المصنف واستشهد بها خلال ترجمته لبعض الأعلام من الأطباء والحكماء، وردها إلى أصحابها في دواوين أشعارهم ما أمكن، وإلا فإلى مصادرها من كتب التخاريج. ٧ - ولا أدعي الكمال في عملي هذا وإنما هو جهد المقل، وأرجو أن أكون قد وفّقت في هذا العمل قدر طاقتي البشرية المتواضعة، ورحم الله عبدا رأى عيبا فستره، وصححه، وكما قال الشاعر:

стр. 3447

وإن ترى عيبا فسدّ الخللا … جلّ من لا عيب فيه وعلا وأسأل الله سبحانه أن يجعل هذا العمل من العلم النافع في الدارين - لي ولمن أراد الانتفاع به ونظر إليه بعين الرضا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه/ بسام محمد بارود عفا الله عنه أبو ظبي ١٣ رمضان ١٤٢٣ هجرية موافق: ل ١١/ ٢٠٠٢/ ١٨ م

стр. 3448

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد ببسم الله الرحمن الرحيم ربّ أعن وإذ انتهت بنا الأوبة في العلماء إلى نوبة الحكماء، فلنطبّق بذكرهم المفاصل، ونطلق من عمود اللحود المناصل، وننبّه منهم عيونا طالما طال نومها، ونأتي بفوائد فيئة كم كثر حسّادها، ونقتصر على المشاهير والأعيان، الذين يكادون يعدّون من المشاهيد، ونأتي منهم بمن تكلم في العلوم الثلاثة: الطبيعي، والرياضي، والإلهي. أو أحدها، وأجاد في جميعها، أو مفردها. فنذكرهم على اختلاف فرق مللهم، ونحلهم، وبلادهم، وتلادهم. كل فرقة على حدتها، بما وقع في قسمة الجانبين، ولم نسم منهم إلا من لم يسامت في أفقه، ولا يساهم أولي كوكبه إلى سمائه، أو أخلد ضبه إلى نفقه، ممن له في علم الكلام إقدام لا يدانيه ليث الشرى، وتلطّف لا يحاكيه طيف الكرى، قصر على طلبه الأشغال، وقصد في التزيد من مكسبه الإيغال، ومن هو بالطب طبّ بتقصّي أحوال المزاج، لا تخفى عليه نبضة عرق، ولا يموّه عليه ومضة حذق، ولا يدق مدخل سقام إلا ودواؤه يتبعه، وسقاؤه سوس يذل له سبعه.

стр. 3449

وأولهم: الهرامسة الثلاثة: وإليهم تنسب أصول هذه العلوم؛ وقال ذلك أبو معشر البلخي (١)، وقال: " إن اسقليبيوس (٢) - الذي يزعم أكثر الحكماء أنه أول من استنبط الحكمة، وسيأتي ذكره - لم يكن بالمتأله (٣) الأول في صناعة الطب، ولا بالمبتدئ بها، بل إنه عن غيره أخذ، وعلى نهج من سبقه سلك". وقال "إنه كان تلميذ هرمس المصري". قال ابن المطران (٤) في اختصار كتاب "الأدواء" للكسدانيين: "هرمس المثلث بالنعمة. وقال في معنى تسميته بالمثلث: إنه كان ملكا عمّت مملكته أكثر

стр. 3450

المعمورة، ونبيا ذكره الله تعالى "وقال: " هو إدريس ﵇ "وهو عند اليهود: خنوخ" وقيل: "أخنوخ". وحكيما فيلسوفا له تصانيف كثيرة في أيدي الناس، باقية إلى اليوم: كتاب الطول، وكتاب العرض، وكتاب قضيب الذهب، وغير ذلك. قال: فهذه ثلاث نعم اجتمعت له، لم يسمع أنها اجتمعت لغيره من الأمم، ورفعه الله في عمود من نور. والهند والصابئة يزعمون أنه وقع في نار بعثها الله إليه، ولهذا … الهند تحرق أجسادها بعد الموت، ومنهم من يحرقها قبل الموت، ويزعم أنه تقرب إلى الله وعبادة!. قال ابن أبي أصيبعة (١): ١ - أما (هرمس الأول) وهو المثلث بالنعم، فإنه كان قبل الطوفان، و [معنى] هرمس: لقب كما يقال كسرى وقيصر. وتسميه الفرس في سيرها: اللهجد. وتفسيره: ذو عدل. وهو الذي تذكر الحرانية - يعنى: الصابئة - نبوته.

стр. 3451

ويقول الفرس: إن جده: كيومرث، وهو آدم. ويقول العبرانيون: إنه أخنوخ، وهو بالعربية: إدريس. قال أبو معشر (١): "هو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية، وأن جده كيومرث - وهو آدم - علّمه ساعات الليل والنهار. وهو أول من بنى الهياكل ومجّد الله فيها، وأول من نظر في الطب، وتكلّم فيه. وأنه ألف لأهل زمانه كتبا كثيرة بأشعار موزونة، وقواف معلومة، [بلغة أهل زمانه في معرفة] الأشياء الأرضية والعلوية. وهو أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تلحق الأرض من الماء والنار. وكان مسكنه صعيد مصر، [تخير ذلك]؛ فبنى هنالك الأهرام، ومدائن التراب، وخاف ذهاب العلم بالطوفان، فبنى البرابي (٢)، وهو الجبل المعروف

стр. 3452

بالبرابر، بإخميم (١)، وصوّر فيها جميع الصناعات، [وصنّاعها نقشا وصور جميع آلات الصناع]، وأشار إلى صفات العلوم لمن بعده [برسوم] حرصا منه على تخليد العلوم لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسم ذلك من العالم". قال: "وفي الأثر [المروي عن السلف] أن إدريس أول من درس الكتب، ونظر في العلوم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، [وهو أول من خاط الثياب ولبسها]، ورفعه الله مكانا عليا" (٢). قلت: وقد مرّ ذكره ما فيه غنى. ٢ - وأما (هرمس الثاني) فإنه من أهل بابل قال ابن أبي أصيبعة: "سكن مدينة الكلدانيين، وهي بابل، وكان بعد الطوفان بزمن بابل (٣)، الذي هو أول من بنى بابل بعد نمرود بن كوش (٤)، وكان بارعا في علم الطب والفلسفة، عارفا بطبائع الأعداد، وكان [تلميذه] فيثاغورس

стр. 3453

الأرتماطيقا (١). وهرمس هذا جدد من هذه العلوم (٢) ما كان قد درس (٣) بالطوفان". قال: " وهذه - يعني بابل - مدينة الفلاسفة من أهل الشرق، وفلاسفتهم أول من حدد الحدود، ورتّب القوانين ". ٣ - وأما (هرمس الثالث): فإنه سكن مدينة مصر، وكان بعد الطوفان. قال ابن أبي أصيبعة: " وهو صاحب كتاب الحيوانات ذوات السموم، وكان طبيبا فيلسوفا، وعالما بطبائع الأدوية القتّالة، والحيوانات المؤذية، وكان جوّالا في البلاد، طوّافا بها، عالما بنصبة المدائن، وطبائعها، وطبائع أهلها. وله كلام حسن نفيس في صناعة الكيمياء ينتقل منه إلى صناعات كثيرة؛ كالزجاج، والخرز، والغضار " (٤). وكان له تلميذ يقال له: اسقليبوس. وكان سكنه بأرض الشام. وأما فلاسفة اليونان: فأعظمهم قدرا خمسة، وهم:

стр. 3454

بند قليس، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطوطاليس وهو ابن نيقوماخس (١). فأولهم: بندقليس: وهو أول من خاض منهم اللجج، وخاصم بالجج، إلا أنه زل به العقل، وأصدأ مهنّده كثرة الصقل. قال أبو القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد (٢): إنه كان في زمان داود ﵇، وأخذ الحكمة عن لقمان الحكيم بالشام، ثم انصرف إلى بلاد اليونان؛ فتكلم في خلق العالم بأشياء يقدح ظاهرها في أمر المعاد، فهجره بعضهم. ولطائفة من الباطنية ميل إلى حكمته، وتزعم أن له رموزا قلّ ما يوقف عليها. قال ابن أبي أصيبعة (٣): "وإلى قوله في الصفات (٤) ذهب أبو الهذيل

стр. 3455

العلاف" (١). ومنهم: ٤ - فيثاغورس وهو ممن خرق الفجاج، حيث يتشكى طالع الصباح المسرى، وتترامى طوالع الرياح حسرى، وقد كان يروع الليل وثغر أفقه أشنب، وفجر مفرقه مقنب، لا يرده قول مؤنّب، ولا يصده ليل بآفاته مطنب، ولا يثني عزماته الموقنة من بارقة سوحها، ولا من مطوقة في حصر الغصون جنوحها. قال أبو القاسم صاعد (٢): "إنه أخذ الحكمة عن [أصحاب] (٣) سليمان ﵇ بمصر، حين دخلوا إليها من بلاد الشام، وكان قد أخذ الهندسة قبلهم عن المصريين، ثم رجع إلى بلاد اليونان وأدخل عندهم علم الهندسة، وعلم الطبيعة، وعلم الدين. واستخرج [بذكائه] علم الألحان، وتوقيع النغم،

стр. 3456

وله رموز عجيبة، وله في شأن المعاد مذاهب قارب فيها بند قليس (١). وكان يرى السياحة، واجتناب مماسّة القاتل والمقتول. وكان يقول: إنه أمر بتقديس الحواس، وتعلم العمل (٢) بالعدل، وجميع الفضائل، والكف عن الخطايا، والبحث عن طبيعة كل شيء، والتحاب، والتأدب بشرح العلوم العلوية، ومجاهدة المعاصي، وعصمة النفوس، وتعلم الجهاد، وإكثار الصيام، والقعود على الكراسي، ومواعظ الملوك، وقراءة الكتب، وأن يعلّم الرجال الرجال، والنساء النساء، وكان قد اتّخذ أكلا غير مجوّع ولا معطّش لا يتعداه، ولم يكن يفرح بإفراط، ولا يحزن بإفراط. ويحكى أنه أول من قال إن أموال الأخلاء مشاعة غير مقسومة، وكان يأمر بأداء الأمانة في الوديعة، وصدق الوعد، وكان يتكهن فلا يخطئ. وكان يرمز حكمته؛ ومنها قوله: " لا تلبس تماثيل الملائكة على فصوص الخواتيم "أي: لا تجهر بديانتك و [تدع] أسرار العلوم الإلهية عند الجهّال (٣).

стр. 3457

وكان ممن استوطن أنطاكيا، بعد أن سافر إلى بلاد شتى طلبا للعلم، وأخذ عن الكلدانيين والمصريين، وغيرهم، وأخذ عن الكهنة. وآخر أمره أنه كفر، فبقي مذبذبا لا تليقه بلد، ثم انحاز إلى هيكل تحصّن فيه، ولبث فيه أربعين يوما لا يغتذي، فأطيف به، وأحرق عليه الهيكل، فهلك هو ومن معه. ومن كلامه: قوله: "الأقوال الكثيرة في الله - سبحانه - علامة تقصير الإنسان عن معرفته". وقوله: "ما أنفع للإنسان أن يتكلم بالأشياء الجليلة النفيسة فإن لم يمكنه فليسمع قائلها". وقوله: " [احذر أن ترتكب قبيحا من الأمر، لا في خلوة، ولا مع غيرك]، وليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من كل أحد". وقوله: "ليكن قصدك بالمال في اكتسابه من حلال، وإنفاقه في مثله". وقوله: "إذا سمعت كذبا فهوّن على نفسك الصبر عليه". وقوله: "ما لا ينبغي أن تفعله احذر أن تخطره ببالك". وقوله: "لا تدنّس لسانك بالقذف، ولا تصغ بأذنيك إليه". وقوله: "الأشكال المزخرفة، والأمور المموهة في أقصر الزمان تتبهرج" (١). وقوله: "متى التمست أمرا ابدأ إلى ربك بالابتهال في النجح فيه".

стр. 3458

وقوله: "الإنسان الذي اختبرته بالتجربة فوجدته لا يصلح أن يكون صديقا وخلاّ احذر من أن تجعله عدوا". وقوله: "الأخلق بالإنسان أن يفعل ما ينبغي، لا ما يشتهي". وقوله: "ما أحسن بالإنسان أن لا يخطئ، فإن أخطأ فما أكثر انتفاعه بأن يعلم بأنه أخطأ، ويحرص في أن لا يعاود". وقوله: "الدنيا دول؛ مرة لك، وأخرى عليك، فإن توليت فأحسن، وإن تولّوك فلن". وقوله: "ليس الحكيم من حمل عليه بقدر ما يطيق فصبر واحتمل، ولكن الحكيم من حمل عليه أكثر مما يحتمل فصبر". وقوله: "إن أكثر الآفات إنما تعرض للحيوانات لعدمها الكلام، وتعرض للإنسان من قبل الكلام". وقوله: "استعمل الفكر قبل العمل". وقوله وقد نظر إلى شيخ يحب النظر في العلم ويستحيي أن يرى متعلما: " يا هذا! أتستحي أن ترى في آخر عمرك أفضل منك في أوله؟! ". وقوله "وقد قيل له: ما أحلى الأشياء؟ قال: ما يشتهيه الإنسان" (١). ومنهم: ٥ - سقراط وهو المعروف بسقراط الحب. والحب ": وعاء من فخار كان يجلس فيه

стр. 3459

ويستغني عن اللباس، اتخذه رياشا له دون اللباس. أعرض عن ملاذ الدنيا ورفضها، وفرّغ منها يديه ونفضها، وتجرّد من الدنيا إلا حب يستره، وجب يشهره، كأنما يتوقى من ماطل الفجر أشراكا خاتلة، ومن روائق النجوم نبالا قاتلة، فكان لا يستطيب مندياره مقيلا، ولا يستطب لعثاره مقيلا، فلم يأو جدارا ولا أطما، ولا ألجم رأسه عذارا ولا خطما، حتى انتهى إلى ما بلغ، وشفي كلب الموت من دمه ما ولغ. قال أبو القاسم صاعد: " هو من تلاميذ فيثاغورس ". واقتصر [من علوم الفلسفة] على العلوم الإلهية، وخالف اليونان في عبادة الأصنام، وحاجّ رؤساءهم بالأدلة، فنقدوا العالم عليه (١)، واضطروا ملكهم إلى قتله، فأودعه السجن، ثم سقاه السم (٢). وله وصايا شريفة، وآداب فاضلة، وحكم مشهورة، ومذاهب قريبة من فيثاغورس وبندقليس (٣)، إلا أن له في المعاد (٤) آراء ضعيفة بعيدة عن محض الفلسفة، خارجة عن المذاهب المحققة". وكان لا يستودع الحكم الصحف والقراطيس تنزيها لها، ويقول: "الحكمة طاهرة مقدّسة، غير فاسدة، ولا دنسة، فلا ينبغي أن نستودعها إلا الأنفس الحية، وننزهها عن الجلود الميتة، ونصونها عن القلوب المتمردة". ولم يصنف كتابا، ولا أملى على أحد من تلاميذه ما أثبته في قرطاس؛ وإنما كان يلقنهم علمه تلقينا.

стр. 3460

وكان من عادة ملوك اليونان إذا حاربوا أخرجوا معهم حكماءهم، فأخرج الملك سقراط معه في سفرة خرج فيها، وكان سقراط يأوي إلى زير (١) مكسور يسكن فيه من البرد، وإذا طلعت الشمس خرج منه، فجلس عليه يستدفئ بالشمس، ولهذا سمي سقراط الحب (٢). ومن كلامه: قوله: "إملأ الوعاء طيبا" أي: حكمة. وقوله: "لا تتجاوز الميزان" أي: لا تتجاوز الحق. وقوله: "ازرع بالأسود، واحصد بالأبيض". أي: ازرع بالبكاء، واحصد بالسرور. وقوله: "لا تشيلن الإكليل وتهتكه" أي: للسّنن الجميلة لا ترفضها لأنها تحوط جميع الأمم، كحياطة الإكليل للرأس (٣). وقوله: "عجبا لمن علم فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس له فناء! ". وقوله: "اتفاق النفوس باتفاق هممها، واختلافها باختلاف مرادها" (٤). وقوله: "من بخل على نفسه فهو على غيره أبخل، [ومن جاد على نفسه فذلك المرجو جوده] (٥).

стр. 3461

وقوله: "ما ضاع من عرف نفسه، وما أضيع من جهل نفسه! ". وقوله: "ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود، والحسود، وحديث عهد يغنى، وغني يخاف الفقر، وطالب رتبة يقصر قدره عنها، وجليس أهل الأدب وليس منهم". وقوله: "العقول مواهب، والعلوم مكاسب". وقوله: "اتقوا من تبغضه قلوبكم". وقوله: "إذا وليت أمرا فأبعد عنك الأشرار، فإن جميع عيوبهم منسوبة إليك". وقوله: "إنما أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر بعضها طوي بعضها". وقوله: "ينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض". وقوله: "طالب الدنيا قصير العمر، كثير الفكر". وقوله: "من كان شريرا فالموت سبب راحة الناس (١) من شره". وقوله: "إنما جعل للإنسان لسان واحد وأذنان ليكون ما يسمعه أكثر مما يتكلمه". وسئل: "أي الأشياء ألذ؟ فقال: استفادة الأدب، واستماع أخبار لم تكن سمعت". وقوله: "أنفع ما اقتناه الإنسان: الصديق المخلص".

стр. 3462

وقوله: "الصامت ينسب إلى العي (١)، ويسلم. والساكت ينسب إلى الفضول ويندم". وقوله: "من سره الزمان في حالة ساءه في أخرى". وقوله: "لا ضرر أضرّ من الجهل، ولا شرّ أشرّ من النساء". وقوله لتلميذ له: "يا بني! إن كان لا بد لك من النساء، فاجعل لقاءك لهنّ كأكل الميتة لا تأكلها إلا عند الضرورة". وقوله: "وقد قيل له: ما تقول في النساء؟، فقال: " هنّ كشجر الدّفل (٢) له رونق وبهاء، فإذا أكله الغرّ قتله (٣) ". وقوله: " لا يصدّنّك عن الإحسان جحود جاحد النعمة". وقوله: " الجاهل من عثر بحجر مرتين". وقوله: " اعلم أنك في أثر من مضى سائر، وفي محل من مات مقيم، وإلى العنصر الذي بدأت منه تعود". وقوله: " ربّ متحرز (٤) من الشيء تكون منه آفته".

стр. 3463

وقوله: " داووا الغضب بالصمت". وقوله: " لأهل الاعتبار في صروف الدهر كفاية، وكل يوم يأتي عليك منه علم جديد ". وله شعر باليونانية، عرّب فكان شعرا، وهو: إنما الدّنيا وإن ومقت … خطرة من لحظ ملتفت (١) ومنهم: ٦ - أفلاطون رجل ترى النجوم لديه أسافل، والخصوم بين يديه جوافل، والغيوم معتذرة إليه إذا أتته حوافل، يطأ الأراقم، ويطاول الخطب المتفاقم، ويكف بعقله النوازي، وتقصر رؤية الأفكار إذا ارتجل، وتقصى إذا ارتحل، وتقدم النظراء إليه ثم لا ترى إلا مبلسة، وتقدم الآراء ثم لا تنفذ إلا وسهامها مرسلة. قال ابن جلجل (٢): " هو من [أهل] مدينة أثينا، رومي فلسفي، يوناني، طبي، عالم بالهندسة وطبائع الأعداد، وله في الطب كتاب بعثه إلى طيماوس

стр. 3464

تلميذه، وله في الفلسفة كتب وأشعار، وله في التأليف كلام لم يسبقه أحد إليه، استنبط به صنعة الديباج، وهو الكلام المنسوب إلى الخمس النسب التأليفية التي لا سبيل إلى وجود غيرها، ثم استشرف إلى علم العالم كله، وعرف موانع الأجزاء المؤتلفات الممتزجات باختلاف ألوانها، وأصباغها، وائتلافها على قدر النسبة، فوصل إلى علم التصوير، [فوضع أول حركة جامعة لجميع الحركات ثم صنفها بالنسبة العددية، ووضع الأجزاء المؤتلفة على ذلك فصار إلى علم تصوير التصويرات] فقامت له صناعة الديباج، وصناعة كل مؤتلف به. وله في الفلسفة كلام عجيب (١). وكان قد أخذ في أول أمره في تعلم علم الشعر، واللغة، فبلغ من ذلك مبلغا عظيما، إلى أن حضر يوما سقراطيس، وهو يثلب (٢) صناعة الشعر، فأعجبه ما سمعه منه، وزهد فيما كان عنده منه، ولزم سقراط وسمع منه خمس سنين، ثم مات سقراط، فقصد مصر للقاء أصحاب فيثاغورس. وكان يتبع سقراط في الأشياء المحسوسة ويتبع فيثاغورس في الأشياء المعقولة. وكان يتبع سقراطيس في أمور التدبير (٣). ثم رجع إلى بلده (٤)، ونصب فيها بيتي حكمة، وعلّم الناس، وفعل الجميل، وأعان الضعفاء. وكان حسن الأخلاق، كريم الأفعال، كثير الإحسان إلى كل ذي قرابة منه، وإلى الغرباء. ثبتا، حكيما، صبورا، وكان يرمز حكمته، ويشير إليها، ويتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة.

стр. 3465

وصنف عدة كتب (١)، وكتبه يتصل بعضها ببعض أربعة، أربعة، يجمعها غرض واحد، ويخص كل واحد منها غرض خاص يشتمل عليه ذلك الغرض العام، ويسمي كل واحد منها رابوعا، وكل رابوع منها يتصل بالذي قبله. وكان محبا للفلوات والصحاري والواحدة، وكان في الأكثر لا يستدل على موضعه إلا بصوت بكائه، وكان يسمع على ميلين، وكان منقوشا على خاتمه: " تحريك الساكن أسهل من تسكين المتحرك". ومن كلامه: قوله: "للعادة (٢) على كل شيء سلطان". وقوله - وقد قيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ فقال "لعز الكمال (٣) ". وقوله: "غاية الأدب أن يستحي المرء من نفسه". وقوله: "إذا خبث الزمان كسدت (٤) الفضائل، وضرت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر (٥) أشد من خوف المعسر (٦) ". وقوله: "العزيز النفس هو الذي لا يذل للفاقة". وقوله: "الحسن الخلق من صبر على السيئ الخلق".

стр. 3466

وقوله: " أشرف الناس من شرّفته الفضائل لا من تشرف بالفضائل (١) ". وقوله: " الأمل خدّاع النفوس". وقوله: " المشورة تريك طبع المستشار". وقوله: " اطلب في حياتك العلم، والمال، والعمل الصالح، فإن الخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة بما تملك، والجميع بما تعمل". وقوله - وقد سئل عند موته عن الدنيا؟ فقال -: " خرجت إليها مضطرا، وعشت فيها متحيرا، وها أنا أخرج منها كارها، ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم!! ". وعاش ثمانين سنة. ومنهم: ٧ - أرسطوطاليس (١٣) وهو ابن نيقوماخس (٢)، ذهب مذهب فيثاغورس. رجل لا يقاس به أحد، ولا يقال إن مثله البحر فيخصّ بحد. أنواع العلماء

стр. 3467

عليه ضيوف، وأقوال الحكماء لديه زيوف. طلع صباحه، فطمي جدوله على الكواكب وطمسها، وطمّ جرف نهاره المنهار حفر الغياهب ودمسها. وعرف فضله بالضرورة، وفعله بالمآثر المبرورة، وعني بمداواة الأفهام، فأبرأ سقيمها، وأنتج عقيمها، فشفى من لمم، وأسمع من صمم، وحاز بانضواء الاسكندر الذي هو أحد ملوك العالم إليه فخرا، أصبح به نده يفخم، وضده يرغم، إذ كان لا تناط لديه إشاراته بإهمال، ولا تنال عنده إلا بالتعويل عليه أعمال. ذكره أبو القاسم بن صاعد وقال: " إليه انتهت فلسفة اليونان، وكان خاتم حكمائهم، وسيد علمائهم، وهو أول من خلّص صناعة البرهان من الصناعات المنطقية، وصوّرها بالأشكال الثلاثة، وجعلها آلة العلوم النظرية، حتى لقّب بصاحب المنطق، وله في جميع العلوم الفلسفية كتب شريفة؛ كلية وجزئية " (١). قال ابن جلجل: " كان فيلسوف الروم، وعالمها، وجهبذها (٢)، ونحريرها (٣)، وخطيبها، وطبيبها، وكان أوحد في الطب، وغلب عليه علم الفلسفة " (٤). قال المبشر بن فاتك: " كان أرسطو كثير التلاميذ، من الملوك وأبناء الملوك، وغيرهم، وعدّ منهم أناسا منهم: الاسكندر - وسماه الاسكندروس - " (٥).

стр. 3468

قال ابن أبي أصيبعة: " كان نيقوماخس أبو أرسطوطاليس طبيب [أمنطس أبي فيليبس، وفيلبس هذا هو أبو الاسكندر] وكان كل من أبيه وأمه من ولد اسقليبيوس، وكان خليفته على دار التعليم (١) ". ولما قدم أفلاطون من صقلية انتقل أرسطو إلى لوقيون، واتخذ هناك دار التعليم المنسوبة إلى [الفلاسفة] المشائين، ثم رجع إلى مدينة الحكماء (٢)، ثم صار إلى مقدونيا يعلّم، إلى أن تجاوز الاسكندر بلاد آسيا، ثم استخلف في مقدونيا، فسعى إليه (٣) بعض الكهنة في أرسطو، ونسبه إلى الكفر، لكونه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد!، فشخص أرسطو إلى بلاده، وبقي بها إلى أن مات وهو ابن ثمانين سنة" (٤). "ثم إن أهل أسطاغيرا نقلوا بدنه وصيّروه في الموضع المعروف بالارسطوطاليسي، وصيّروا مجتمعهم للمشاورة في جلائل الأمور، وإذا صعب عليهم شيء من فنون العلم أتوا إلى مكان قبره فتناظروا ما بينهم فيظهر لهم ما أشكل، وكانوا يرون اجتماعهم عنده يذكي عقولهم، ويصحح فكرهم، وكانوا لا يزالون في أسف لفراقه، وحزن لما فقدوه من ينابيع حكمته" (٥). وذكر المسعودي: أنه في ملرم (٦) من صقلية، وكان جليل القدر في الناس، مكرما عند ملوك زمانه، وكان يحسن السفارة عندهم للرعية، حتى اتخذوا

стр. 3469

عمودا ونقشوا عليه اسمه، وحسن ما كان يصنعه معهم، إلا فرد رجل غاب عن رأيهم في هذا العمود، وعاب أرسطو، وهمّ بإزالة نقش العمود، فأمسك وقتل، ثم عمدوا إلى عمود آخر [ .... ] (١) بالبناء عليه كالأول، وذكروا المتعرض المخالف الذي قتل، ولعنوه، وتبرأوا منه. قال ابن أبي أصيبعة: "إن الاسكندر لما ملك صار أرسطو إلى التبتل والتخلي مما كان فيه من الاتصال بالملوك والملازمة لهم، ولزم موضع التعليم، وهو رواق المشائين، وأقبل على العناية بمصالح الناس، ورفد الضعفاء، وأهل الفاقة، وتزويج الأيامى، وعول اليتامى، ورفد طلبة العلم والتأدب (٢) من كانوا، وأي نوع من العلم والأدب طلبوا، والصدقة على الفقراء، ولم يزل في غاية لين الجانب والتواضع، وحسن اللقاء للصغير والكبير، والقوي والضعيف، وأما قيامه بأمر أصدقائه فلا يوصف" (٣). قال المبشر بن فاتك: "إن أرسطو لما بلغ ثماني سنين حمله أبوه إلى بلد الحكماء (٤)، وضمّه أبوه إلى الشعراء، والبلغاء، والنحويين، فأقام متعلما منهم تسع سنين، وكان اسم هذا العلم عندهم: المحيط - أعني علم اللسان، لحاجة جميع الناس إليه، لأنه المؤدي لكل حكمة، وبه يتحصل كل علم. ثم بلغه أن قوما من الحكماء أزروا (٥) بعلم البلغاء واللغويين، وعنّفوا

стр. 3470

المتشاغلين به، وزعموا أنه لا تحتاج إليه الحكمة، لأن النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب تمحّل ومراء (١)، فأدركته الحفيظة (٢) لهم، فناضل عنهم، واحتج لهم، وقال: إن فضل الإنسان على البهائم بالنطق، وأحقهم بالإنسيّة أبلغهم في منطقه، وإذا كانت الحكمة أشرف الأشياء فينبغي أن تكون العبارة عنها بأشرف المنطق لأن العيّ يذهب بنور الحكمة، ويقطع عن الأداء، ويقصر عن الحاجة، ويلبس على المستمع، ويفسد المعاني، فيورث الشبهة. ثم انتقل أرسطو إلى أفلاطون لتعلم العلوم الأخلاقية، والسياسية، والطبيعية، والتعليمية، والإلهية. وكان أفلاطون إذا استدعي منه الكلام يقول: اصبروا حتى يحضر الناس! فإذا جاء أرسطو قال: تكلموا، فقد حضر العقل! " (٣). وقال حنين (٤): "كان منقوشا على [فص] خاتم أرسطو: المنكر لما يعلم أعلم من المقرّ بما لا يعلم! " (٥).
следующие страницы →