وإيقاع واحد مئة صوت، لم يعرف إبراهيم منها واحدا ووضعت العود وانصرفت، فلم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه.
قال أحمد بن شعيب المكي: خالف بذلا إسحاق في صوت غنّته بحضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعة، ثم غنّت ثلاثة أصوات في الثقيل الثاني، واحدا بعد واحد، وسألت إسحاق عن صانعها، فلم يعرفه، فقالت (١) للمأمون: هي والله يا أمير المؤمنين لأبيه أخذتها من فيه، فإذا كان لا يعرف غناء أبيه، فكيف يعرف غناء غيره فاشتد (٢) ذلك على إسحاق حتى بان فيه.
قال: وذكر أن المأمون كان قاعدا يوما يشرب، ومعه قدح، إذ غنّت بذل: (٣)
[الطويل]
ألا لا أرى شيئا ألذّ من الوعد … ومن أملي فيه وإن كان لا يجدي
فجعلته:
ألا لا أرى شيئا ألذّ من السّحق
فوضع المأمون القدح من يده، والتفت إليها، فقال: بلى النّيك ألذّ من السّحق، فتشوّرت (٤) وخافت غضبه، فأخذ قدحه وقال: أتمي صوتك وزيدي فيه: (٥)
ومن غفلة الواشي إذا ما أتيتها … ومن زورتي أبياتها خاليا وحدي
стр. 4307
ومن ضحكة في الملتقى ثم سكتة … وكلتاهما عندي ألذّ من الخلد
٥٧ - عزّة الميلاء (١)
وضرة الظبية الكحلاء، كان بيتها مأوى كل شريف، ومثوى كل ظريف، ونديّ كل ذي كلف نزح به الغرام، وقرح جفنه وأدماه حب الآرام، أقامت بالمدينة وفتية قريش تغشى معهدها المعمور، وترى مشهدها من مهمات الأمور، وأدركت من الأول السلف قوما شرفت برؤياهم، ولزمت [ص ١٤٧] بهم، ومن لطوالع الشموس بأن تلحق بأخراهم.
قال أبو الفرج، قال يونس: كان ابن سريج في حداثته يأتي المدينة فيسمع من عزّة ويتعلم غناءها، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان، من الرجال والنساء.
وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة، يغشونها في منزلها فتغنيهم، وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق منها، فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب، قال: إني سمعت والله ما لم أملك به نفسي ولا عقلي.
стр. 4308
قال خارجة بن زيد: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط فحضرتها وحسان بن ثابت، فجلسنا معا على المائدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل: أطعام يد أو يدين؟ يعني باليد الثريد، وباليدين الشواء، إلا أنه يمسّ مسّا، فإذا قيل له طعام يد أكل، وإذا قيل (١) يدين أمسك يده، فلما فرغوا من الطعام أتي بجاريتين مغنيتين إحداهما رائعة والأخرى عزّة، فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجبا بقول حسان: (٢) [المنسرح]
انظر نهارا بباب جلّق هل … تؤنس دون البلقاء من أحد
فأسمع حسان يقول: (قد أراني هناك سميعا بصيرا)، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء، فإذا غنتا بكت، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكت يشير إليهما أن تغنيا فيبكي أباه.
قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر (٣)، فسمع جارية لبعض النخاسين تغني: [البسيط]
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا
فاستهتر (٤) بها وهام، وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء (٥)
стр. 4309
وطاوس (١) فلاماه، فكان جوابه أن تمثّل بقول [ص ١٤٨] الشاعر: (٢)
[البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم … فما أبالي أطار النّوم أم وقعا
وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إليه النخاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممن أخذته، فقالت: من عزّة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبره، فأعلمه إياه وصدقه عنه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذت عنه تلك الجارية، قال:
نعم، فدعا بعزة الميلاء وقال: غنّيه إياه، فغنّته، فصعق الرجل، وخرّ مغشيا عليه، فقال ابن جعفر: أثمنا فيه، الماء الماء، فنضح على وجهه، فلما أفاق قال: أكل هذا بلغ بك عشقها؟ فقال: وما خفي عليّ أكثر، قال: أتحب أن تسمع منها، قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها، وأنا لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا من عرض، فقبل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي، ودعا له دعاء كثيرا، فقال: ما أرضى أن أعطيها هكذا، يا غلام: احمل معه مثل ثمنها لكي تهتم بك، وتهتم بها.
стр. 4310
٥٨ - فند مولى عائشة (١)
جملة عجز وصدر صدّ وحجر أشدّ من مرزمة الإبل توانيا، وأعظم من مكدية الأمل تفانيا، أبطأ من الخيل نهوضا، وأطول من كلب أهل الكهف ربوضا، ولو سابقه المقيد في الوثاق لسبقه، والطائر المقصوص الجناح لبلغ قبله طلقه، يرى المخالفة طاعة، والسنة تمضي بتمامها، إذا أسرع في الحاجة ساعة، إلى تخلف عن كل خير وتوان إلا في فند يحثّ إليه السير، وقبح فعلة، بقيت بقاء الأبد، وعمرت أكثر من نسور لبد، وشؤم طلعة، وكساد سلعة، إلا أنه ممن ألحفه الأصفهاني الجناح، وذكرّ فغدا أوراح (٢).
قال أبو الفرج: كان يجمع بين النساء والرجال في منزله، فلذلك (٣) يقول فيه عبيد الله بن قيس الرقيات: (٤) [ص ١٤٩] [الخفيف]
قل لفند يسيّر الأظعانا … طالما سرّ عيشنا وكفانا
صادرات عشية من قديد … واردات مع الضّحى عسفانا (٥)
ويه يضرب المثل في الإبطاء، قال: أرسلته عائشة بنت سعد ليجيئها بنار، فخرج لذلك، فلقي عيرا خارجة إلى مصر، فخرج معهم، فلما كان بعد سنة رجع فأخذ نارا ودخل على عائشة وهو يعدو، فسقط وقد قرب منها، فقال:
стр. 4311
تعست العجلة، قال بعض الشعراء في رجل وصفه بذلك: [الرمل]
ما رأينا لعبيد مثلا … إذ بعثناه يجي بالمسأله
غير فند بعثوه قابسا … فثوى حولا وسبّ العجله
٥٩ - دنانير البرمكيّة (١)
جارية منذرة، وملهية للآلي الدمع مبدرة، ومطربة لو جاءت كلّ (٢) ورقاء على فنن لأسكتتها، أو طارحت كل ذات شجن لبكّتتها، وكانت أعز مما سميت به من الدنانير التي تدخل عليها الصرف، ويظهر عليها سيماء الوجل لا الظرف، نالت عواليها آل برمك خطى قاد لها الجامع (٣) وقال به في فيّ خدرها الطامح، وأبدعت صورة وكانت فيها المحاسن محصورة.
قال أبو الفرج: كانت صادقة الملاحة، فرآها يحيى فوقعت في قلبه واشتراها، وكان الرشيد يصير إلى منزله ويسمعها، حتى ألفها واشتد عجبه بها ووهب لها هبات سنية، منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقدا قيمته ثلاثون ألف دينار، فردته عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك، وعرفت أم جعفر الخبر فشكته إلى عمومته فصاروا جميعا إليه، فعاتبوه فقال لهم: مالي في هذه الجارية من أرب في
стр. 4312
نفسها، وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها، إن استحقت أن يؤلف غناؤها فذاك، وإلا فقولوا ما شئتم، فأقاموا عنده، ونقلهم إلى (١) يحيى حتى سمعوا عنده فعذروه، وعادوا إلى ام جعفر فأشاروا عليها ألا تلح عليه في أمرها فقبلت، وأهدت إلى الرشيد عشر جوار، منهنّ: مراجل أم المأمون، وماردة أم المعتصم، [ص ١٥٠] وفاردة أم صالح.
قال إسحاق، قال لي أبي، قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتا اختارته وأعجبت به، فقلت لها: لا يشتد إعجابك بما تصنعينه حتى تعرضيه على شيخك، فإن رضيه واستجاده وشهد بصحته فارضيه لنفسك، وإن كرهه فاكرهيه، امض حتى تعرضه عليك، قال: فقلت له أيها الوزير: كيف إعجابك أنت به، فأنت ثاقب الرأي، عالي الفطنة، صحيح التمييز، قال: أكره أن أقول لك أعجبني فيكون عندك غير معجب، إذ كنت رئيس صناعتك تعرف بها ما لا أعرف، وتقف من لطائفها على مالا أقف، وأكره أن أقول لك لم يعجبني، وقد بلغ من قلبي مبلغا محمودا، وإنما يتم لي السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة وتصويبا، قال: فمضيت إليها، وقد كان تقدم إليّ خدمه بذلك وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فاعرضي عليه الصوت الذي صنعته واستحسنته، فإن قال لك أصبت سررتني بذلك، فإن كرهه فلا تعلميني لئلا يزول سروري بما صنعت فلما حضرت (٢) الباب أدخلت ونصبت الستائر، فسلمت على الجارية، فردت علي السلام وقالت: يا أبت أعرض عليك صوتا قد تقدم إليك خبره، وقد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم ويعجبهم منهم ما لا يعجبهم من غيرهم، وكذلك يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن، وقد خشيت على هذا الصوت أن يكون كذلك، فقلت: يا بنية، هات، فأخذت عودها فغنت: (٣) [الكامل]
стр. 4313
نفسي أكنت عليك مدّعيا … أم حين أزمع بينهم خنت
إن كنت مولعة بذكرهم … فعلى فراقهم ألا متّ
قال: فأعجبني والله غاية الإعجاب، واستخفني الطرب حتى قلت لها: أعيديه، وأنا طالب فيه موضعا أصلحه أو أغيره لتأخذه عني، فلا والله ما قدرت على ذلك، ثم قلت لها: اعيديه الثالثة، فأعادته، فإذا هو المصفى، فقلت لها: احسنت يا بنية وأصبت وأجدت، وقد قطعت عنك بجودة إصابتك [ص ١٥١] وحسن إحسانك فائدة المتعلمين، إذ قد صرت تحسنين الاختيار، وتجيدين الصنعة، ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد فرآه متهللا، فقال له: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير؟ فقال: أعز الله الوزير، ما يحسن كثير من حذاق المغنين مثل هذه الصنعة، ولقد قلت لها أعيديه، فأعادته ثلاث مرات كل ذلك أريد إعناتها لأجلب لنفسي مدخلا يؤخذ عني وينسب إليّ، فلا والله ما وجدته، فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إياها، والله لقد سررتني وسأسرك، فوجه إليه بمال كثير.
قال حماد البشري: مررت بمنزل من منازل طريق مكة يقال له النّباج (١)، وإذا كتاب على حائط في منزل، فقرأته فإذا هو: النيك أربعة، [فالأول] شهوة، والثاني لذة، والثالث شفاء، والرابع داء، وحر (٢) إلى أيرين، أحوج من فرج إلى حرين، وكتبت دنانير مولاة البرامكة بخطها مدّة طويلة.
قال ابن شبة: أخذت دنانير مولاة البرامكة غناء إبراهيم [الموصلي] حتى كانت تغني غناء فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول
стр. 4314
ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقية، فما فقدتني.
قال: أصاب دنانير العلّة الكلبيّة، فكانت لا تصبر على الأكل ساعة واحدة، وكان يحيى يتصدق عنها في كل [يوم من] شهر رمضان بألف دينار، لأنها كانت لا تصومه، وبقيت بعد البرامكة مدة طويلة.
٦٠ - الزّبير بن دحمان (١)
واقع على غرض، ورافع لبعض ما عرض، كان مشهور الأصوات، مشكور الفعل حتى بألسن الأموات، متى رفع عقيرته متع جيرته لضرب لا تدعيه مطمعة، ولا تعيه الآن مسمعة، أكثر استنهاضا من الحمية في الأمور، وأكبر إعراضا من صدّ الكؤوس عن الخمور، وله في مجالس الخلفاء ولوج، حيث يرى أذن، ولا يقبل الآراء أفن.
قال أبو الفرج: كان الرشيد بعد قتله البرامكة شديد الندم على ما فعله بهم، ففطن الزبير لذلك، وكان يغنيه في هذا [ص ١٥٢] المعنى فيحركه، فغناه يوما: (٢) [البسيط]
من للخصوم إذا جدّ الخصام بهم … يوم الجياد ومن للضمّر القود
فرّجته بلسان غير مشتبه … عند الحفاظ وقلب غير رعديد
وموقف قد كفيت النّاطقين به … في مجمع من نواصي الناس مشهود
стр. 4315
فقال له الرشيد: أعد، فأعاد فقال: ويحك كأن قائل هذا الشعر يصف به يحيى ابن خالد وجعفر بن يحيى، وبكى حتى جرت دموعه، ووصل الزبير بصلة سنية.
قال إسحاق: كان عندي الزبير بن دحمان يوما، فغنيت لأبي (١): [الطويل]
أشاقك من أرض العراق طلول
فقال الزبير: أنت الأستاذ وابن الأستاذ السيد، وقد أخذت عن أبيك هذا الصوت، وأنا أغنيه أحسن من هذا، فقلت له: والله إني لأحب أن يكون كذلك، فغضب وقال: أنا والله أحسن غناء منك ومن أبيك، فتلاحينا طويلا، فقلت له: هلم نخرج إلى صحراء الرقة، فيكون أكلنا وشربنا هنالك، ونرضى في الحكم بأول من يطلع علينا، فقال: أفعل، فأخرجنا طعاما وشرابا، وجلسنا على الفرات نشرب، فأقبل حبشي يضرب الأرض، فقلت له: ترضى بهذا؟ فقال:
نعم، فدعوناه وأطعمناه وسقيناه، وبادرني الزبير بالغناء، فغنى الصوت، فطرب الحبشي وحرك رأسه حتى طمع الزبير [فيّ]، ثم أخذت العود فغنيته، فتأملني الحبشي ساعة وصاح: وأي شيطان أنت؟ ومدّ بها صوته، فما أعلم أني ضحكت مثل ضحكي يومئذ وانخذل الزبير واستحيا.
قال: غضب الرشيد على أم جعفر، ثم ترضاها، فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليله، ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا، فقعد ينظر إلى الماء وقد زاد زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر: (٢) [الطويل]
جرى السّيل فاستبكاني السّيل إذ جرى … وفاضت له من مقلتي غروب
стр. 4316
وما ذاك إلا حين أيقنت أنّه [ص ١٥٣] … يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى … إليكم تلقّى نشركم فيطيب
فيا ساكني أكناف دجلة إنكم … إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
فسأل عن الناحية التي فيها الغناء، فقيل: دار ابن المسيب، فبعث إليه أن ابعث لي بالمغنيّ فبعث به، فإذا هو الزبير بن دحمان، فسأل عن الشعر فقال: هو للعباس بن الاحنف، فأحضره فاستنشده إياه، وجعل الزبير يغنيه والعباس ينشده، وهو يستعيدهما، حتى أصبح، وقام فدخل على أمّ جعفر فسألت عن دخوله فعرّفته، فوجهت إلى العباس بن الأحنف بألف دينار، وإلى الزبير بألف دينار.
٦١ - ومنهم - عبد اللّه بن العبّاس (١)
ابن الفضل بن الربيع، بيت رفيع، وقوم لهم ما لفضل الربيع من طراوة ندى، وطلاوة حدى، ورونق يزين الدنيا أبدا، ومعال أثرت بها مآثرهم، ومعان أثرها أكابرهم، فورثها أصاغرهم، حجّاب الخلفاء الأعز المكارم، وحفظة أبواب كالأنهار وراء بحور خضارم، وجدّه الربيع خدم المنصور فادعى إليه ولاء، وارتقى به إلى أن عقدت له ذوائب الكواكب لواء، وعبد الله هذا من سرّ صميمهم، وأرج شميمهم، إلا أنه بالغناء وضع قدر حبّه (٢)، وصنع ما لا يليق بنسبه، تعلم الغناء سرا، وتقدم قشرا (٣)، فأطرب كلّ محزونه، وأنفق من ذخائر
стр. 4317
العاشقين سقمها، وحنّ العود في يده حنين الحمام عليه أيام تأوّد.
ذكر أبو الفرج فقال، [قال] يحيى بن حازم، حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال: دخل محمد بن عبد الملك الزيات (١) على الواثق، وأنا بين يديه أغني، وقد استعادني صوتا فأعدته فأحسنت، فقال له ابن الزيات: هذا والله يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه واستحسانك له، واصطناعك إياه، فقال:
أجل، فلما كان الغد [ص ١٥٤] جئت محمد بن عبد الملك الزيات شاكرا لحسن محضره، فقلت له في أضعاف كلامي: وأفرط الوزير أعزه الله في وصفي وتقريظي بكل شيء حتى وصفي بجودة الشعر، وليس ذلك عندي، وانما أعبث بالبيت والبيتين والثلاثة ولو كان عندي شيء يعد من ذلك لصغر عن أن يصف الوزير، ومحله في هذا الباب المحل الرفيع المشهور، فقال لي: والله إنك لو عرفت مقدار قولك حين تقول: (٢) [المجثث]
يا شادنا رام إذ مرّ … في الشّعانين قتلي
يقول لي كيف أصبح … ت كيف يصبح مثلي؟
لما قلت هذا القول، والله لو لم يكن لك شعر في عمرك كله إلا قولك (كيف يصبح مثلي) لكنت شاعرا.
стр. 4318
قال إسحاق: لقيت عبد الله بن العباس يوما في الطريق فقلت له: ما كان خبرك أمس؟ فقال: اصطبحت، فقلت: على ما ذا ومع من؟ فقال: مع خادم صالح بن عجيف، وأنت به عارف وبخبري ومحبتي له، فاصطبحنا على صفة بنت الخس (١) لما حملت: (٢) [الطويل]
أشمّ كغصن البان جعد مرجّل … شغفت به لو كان شيئا مدانيا
ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه … سلافا ولا ماء من المزن صافيا
وأقسم لو خيّرت بين فراقه … وبين أخي لاخترت أن لا أخاليا
فإن لم أوسّد ساعدي بعد رقدة … غلاما هلاليّا فشلت بنانيا
فقلت له: أقمت على لواط وشربت على زناء، والله ما سبقك إلى هذا أحد، فقلت: وقد كان على جلالة قومه ونباهتهم مغرى بالاصطباح، مغرما به في كل صباح، ومثاله مما قاله في هذه الحالة: (٣) [البسيط]
ومستطيل على الصهباء باكرها … في فتية باصطباح الراح حذاق
فكل كف رآه ظنه قدحا … وكل شخص رآه ظنه الساقي
وقوله في ذلك: (٤) [المجتث]
стр. 4319
باكر الراح صبحا … لا يسبقنك فجر
وإن يفتك اصطباح … فلا يفوتنك سكر [ص ١٥٥]
ويقال إنه شرب أواخر شعبان وكان قد نما إلى الخليفة انهماكه على المدام وانتهاكه للحياء مع الندام، وكذلك بلغه عن غيره، فبث رسله القيام في طلب هتك حرمة الصيام، وأتاه النذير وهو بين تربه مقبل على شربه، فقال: (١) [الخفيف]
عللاني نعمتما بمدام … واسقياني من قبل شهر الصيام
حرم الله في الصيام التصابي … فتركناه طاعة للإمام
ثم دام على غيّه وضلاله، وأقام عمر قمر شعبان وهلاله حتى قارب رمضان أن يستهل، وحل خيط المدام أن يسلّ، ولم يبق غير دنو رمضان وإقباله، وإن ليله يلقى حافر هلاله، فقال: (٢) [المديد]
اسقني صهباء صافية … ليلة النوروز والأحد
حرم الله اصطباحتها … فتزود شربها لغد
قال: [خالد] بن حمدون: كنا عند الواثق في يوم دجن (٣)، فلما برق واستطار، قال (٤): قولوا في هذا شيئا، فبدرهم عبد الله بن [العباس بن] الفضل بن الربيع فقال: (٥) [المتقارب]
أعنّي على بارق لامع … خفيّ كلمحك بالحاجب
كأن تألقه في السماء … يدا كاتب أو يدا حاسب
стр. 4320
وصنع فيه لحنا شرب الواثق عليه بقية يومه، واستحسن شعره وغناءه وصنعته، ووصله بصلة سنية.
وكان لدخول عبد الله في الغناء سبب حكاه وقصد استهون به فحواه، واستهول عقباه حتى أصباه، وذلك أنه هوي جارية لعمته وكان لا يقدر عليها ولا يستطيع الجلوس إليها، خيفة أن يبدو حبه فتمنعه عنها، وتفطن لما بطن فلا تمكنه منها، فأسر في نفسه غرضه، وداوى مرضه بعلة ممرضة وجملة معترضة، واحتال في رأي على عمته عرضه، هو أنه أظهر لها الرغبة في الغناء وتعلمه، واستكتمها عن جده في تكتمه، فأنفت [ص ١٥٦] له عمته الغناء ومذهبه، وكرهت ما يشين أباه وجده ومنصبه، فأبى إلا طربا، وتصابى حتى صبا، وتلاعب حتى جد لعبا، وداوم حتى أحسن قوة التصنيف، فصنع صوتين أنفق عليهما جهده من التثقيف، وعرضهما على الجارية، فقالت: هذا في الصنعة فوق الاتقان، ولا يحسن أحد في الزمان أكثر من هذا الإحسان، ونمى خبر الصوتين حتى غنيا للرشيد، فسأل عنهما وعلم لمن هما، فطلب جده وحدثه بما عنده، وعتبه على إخفاء أمره، وظن أنه يعلم به وقد أخفاه عنه، فأقسم الفضل أنه إلى الآن لم يعلم أن له ولدا من الغناء بهذا المكان، ثم كان من شهرته ما كان.
وقد ذكر أبو الفرج هذه القصة فقال: قال أحمد بن المرزبان، حدثني عبد الله ابن العباس قال: كان سبب دخولي في الغناء وتعلمي إياه، أني كنت أهوى جارية لعمتي رقية بنت الفضل بن الربيع، وكنت لا أقدر عليها ولا الجلوس معها، خوفا من أن يظهر مالها عندي فيكون سببا لمنعي منها، فأظهرت لعمتي أنني أشتهي أن أتعلم الغناء، ويكون ذلك [في] ستر من جدي، وكان جدي وعمتي على حال من الرقة علي والمحبة لي لأن أبي توفي في حياة جدي الفضل، فقالت: يا بني، ما دعاك إلى ذلك؟
стр. 4321
قلت: شهوة غلبتني، إن منعت منها متّ غمّا، وكان لي في الغناء طبع قوي، فقالت لي: أنت أعلم وما تختاره، والله ما أحب منعك من شيء، وإني لأكره أن تشتهر به فتسقط ويفتضح أبوك وجدك، فقلت: لا تخافي من ذلك، فإنما آخذ منه مقدار ما ألهو به، ولازمت الجارية لمحبتي إياها بعلّة الغناء حتى تقدمت سائرهم حذقا وصنعة، وأقررن (١) لي بذلك، وبلغت ما كنت أريده منه ومن أمر الجارية، وصرت ألازم مجلس جدي، وكان يسر بذلك ويظنه تقربا مني إليه، وانما كان وكدي فيه أخذ الغناء، فلم يكن يمر لإسحاق ولا لابن جامع ولا للزبير بن دحمان، ولا لغيرهم صوت الا اخذته، ثم أحسست من نفسي قوة في الصنعة، فصنعت أول صوت صنعته في شعر العرجي: (٢)
[الطويل] [ص ١٥٧]
أماطت كساء الخز عن حرّ وجهها … وأدنت على الخدين بردا مهلهلا
ثم صنعت: (٣) [المنسرح]
أقفر من بعد أهله سرف … فالمنحنى فالعقيق فالجرف (٤)
وعرضتهما على الجارية التي كنت أهواها، وسألتها عما عندها فيهما، فقالت: لا يجوز أن يكون في الصنعة شيء فوق هذا، وكان جواري الحارث بن
стр. 4322
بسخنر وجواري ابنه محمد (١) يدخلن إلى جارنا، ويطرحن على جواري عمتي وجواري جدي ويأخذن أيضا ما ليس عندهن من غناء دارنا، فسمعنني ألقي هذين الصوتين على الجارية فأخذنهما مني، وسألن الجارية عنهما، فأخبرتهن أنهما من صنعتي، ثم اشتهرا حتى غنّى الرشيد بهما يوما فاستظرفهما، وقال لإسحاق: تعرفهما؟ قال: لا، وإنهما لمن حسن الصنعة ومتقنها، ثم سأل الجارية فتوقفت خوفا من عمتي، وحذرا أن يبلغ جدي أنها ذكرتني، فانتهرها الرشيد، فأخبرته القصة، فوجه من وقته فدعا بجدي فأحضره فقال: يا فضل، يكون لك ابن يغني ثم يبلغ في الغناء المبلغ الذي يمكنه أن يصنع صوتين يستحسنهما إسحاق وسائر المغنين، ويتداولهما جواري القيان ولا تعلمني بذلك؟! كأنك رفعت قدره عن خدمتي في هذا الشأن، فقال له جدي: وحق ولائك يا أمير المؤمنين ونعمتك، وإلا فأنا نفيّ منها بريء من بيعتك، وعلى العهد والميثاق والعتق والطلاق، إن كنت علمت بشيء من هذا من ولدي قط، إلا منك الساعة، فجاء جدي وهو يكاد أن ينشق غيظا، فدعاني فخرجت إليه، وقال: يا كلب، بلغني من امرك ومقدارك أن تحسن أن تتعلم الغناء بغير أمري، ثم لم تقنع بهذا حتى ألقيت صنعتك على الجواري في داري ثم تجاوزتهن إلى جواري الحارث بن بسخنر، فاشتهرت وبلغ أمير المؤمنين ذلك، فتنكر لي ولا مني، وفضحتني وفضحت آباءك في قبورهم، وسقطت إلى الأراذل من المغنين، فبكيت غما بما جرى مني، وعلمت أنه قد صدق، فرحمني وضمني إليه وقال: قد صارت الآن في أبيك مصيبتان، إحداهما به وقد مضى وفات، والأخرى فيك، وهي موصولة بحياتي، ومصيبة باقية العار عليّ وعلى أهلي بعدي، وبكى وقال: يعزّ عليّ يا
стр. 4323
بني أن أراك على غير ما أحب، وليست لي [ص ١٥٨] في هذا الأمر حيلة، لأنه قد خرج من يدي، ثم قال: جئني بعود حتى أسمعك وأنظر كيف أنت، فإن كنت تصلح للخدمة في هذه الفضيحة، وإلا جئته بك منفردا وعرفته بخبرك، واستعفيته لك، فأتيته بعود وغنيت غناء قديما، فقال: بل غن صوتيك اللذين صنعتهما، فغنيته إياهما فاستحسنهما وبكى، ثم قال: بطلت والله يا بني وخاب أملي فيك، فواحزنا عليك وعلى أبيك، فقلت: ليتني مت يا سيدي من قبل ما أنكرته ولخرست، ومالي حيلة، ولكن وحياتك يا سيدي، وإلا فعليّ عهد الله وميثاقه، والعتق والطلاق وكل يمين يحلف بها حالف، لازمة لي، لا غنيته أبدا إلا لخليفة أو وليّ عهد، فقال لي: قد أحسنت فيما قد تنبهت عليه من هذا، ثم ركب وامرني فأحضرت ووقفت بين يدي الرشيد، وأنا أرعد، واستدناني حتى صرت أقرب إليه، ومازحني واقبل علي، وسكن مني، وامر جدي بالانصراف، واومأ إلى الجماعة فحدثوني وسقوني اقداحا، وغنى المغنون جميعا، واومأ إلى إسحاق أن أغني إذا بلغت النوبة إليّ، ليكون ذلك أملح، فلما بلغت النوبة إليّ أخذت عودا ممن كان إلى جانبي، وقمت قائما واستأذنت في الغناء، فضحك الرشيد وقال: غنّ جالسا، فجلست فغنيت لحني الأول، فطرب واستعادني ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاثة أقداح وأنصاف، فكانت هذه حاله، فدعا مسرورا فقال: احمل إليه الساعة عشرة آلاف درهم (١)، وثلاثين ثوبا من فاخر ثيأبي وعتيدة مملوءة طيبا، فحمل ذلك أجمع معي.
قال عبد الله: ولم أزل كلما أراد وليّ عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة الوالي، أهو أم غيره، دعاني (٢) وأمرني أن أغني، فأعرفه بيميني [فيستأذن
стр. 4324
الخليفة في ذلك، فإن أذن لي في الغناء عنده عرف أنه ولي عهد] (١) وإلا عرف أنه غيره، حتى كان آخرهم الواثق، فدعاني في أيام المعتصم وسأله أن يأذن لي في الغناء فأذن لي، ثم دعاني المعتصم من الغد فقال: ما صار غناؤك إلا سببا لإظهار سري وأسرار الخلفاء قبلي، لقد هممت أن آمر بضرب عنقك، لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عن أحد، فو الله لئن بلغني لأقتلنك وأعتق من كنت تملكه يوم حلفت من المماليك، وطلق من كان عندك يومئذ من الحرائر، واستبدل بهن، وعليّ العوض من ذلك وأرحنا من يمينك هذه المشؤومة، فقمت من عنده وأنا لا أعقل، فاستفتيت (٢) أبا يوسف القاضي حتى [ص ١٥٩] خرجت من يميني، وصرت بعد ذلك أغنّى لإخواني جميعا، حتى اشتهر أمري وبلغ المعتصم خبري، فتخلصت منه، ثم غضب علي الواثق لشيء أنكره، وولي الخلافة وهو ساخط علي، فكتبت إليه: (٣) [الكامل]
أدعو إلهي أن أراك خليفة … بين المقام ومسجد الخيف (٤)
فدعاني ورضي عني وقال سليمان بن أبي شيخ: دخلت على العباس بن الفضل بن الربيع ذات يوم وهو مختلط مغتاظ، وابنه عبد الله عنده، فقلت له:
مالك أمتع الله بك، فقال: لا يفلح والله ابني هذا أبدا، فظننته قد جنى جناية، فجعلت أعتذر إليه [له] فقال: ذنبه أعظم من ذلك وأشنع، قلت: وما ذنبه؟
стр. 4325
قال: جاءني بعض غلماني فحدثني أنه رآه يشرب بقطربّل (١) الداذي (٢) بغير غناء، فهل هذا فعل من يفلح؟ فقلت له وأنا أضحك: سهّلت عليّ القصة، فقال: لا تقل ذاك، فإن هذا من ضعة النفس وسقوط الهمة، فكنت إذا رأيت عبد الله بعد ذلك في جملة المغنين، وشاهدت تبذّله في هذا الحال، وانخفاضه عن مرتبة أهله، ذكرت قول أبيه.
قال: قالت بذل الكبيرة لعبد الله بن العباس: قد بلغني أنك قد عشقت جارية يقال لها عساليج، فاعرضها عليّ، فأما إن عذرتك في حبها، أو عذلتك في أمرها (٣)، فوجه بها إليها وقال لبذل: هذه سيدتي فانظري واسمعي ومري بما شئت أطعك، فأقبلت عليه عساليج فقالت: يا عبد الله، أتشاور فيّ، ووالله ما شاورت فيك لما صاحبتك، فنعرت (٤) بذل وقالت: أحسنت والله يا صبية، ولو لم تحسني شيئا ولا كانت فيك خصلة تجمل، لوجب أن تعشقي لهذه الكلمة، ثم قالت لعبد الله: ما صنعت، احتفظ بصاحبتك. قلت: وربما أن فيها قوله: (٥) [الرمل]
إنّ في القلب من الظّبي كلوم … فدع اللّوم فإن اللّوم لوم (٦)
стр. 4326
لم أكن أوّل من سنّ الهوى … فدع العذل فذا داء قديم
قال عبد الله بن العباس الربيعي [ص ١٦٠] لقيني سوار بن عبد الله القاضي، وهو سوار الأصغر (١)، فأصغى إليّ وقال: إن لي إليك حاجة، فأتني في خفي، فأتيته فقال لي: قد أنست إليك لأنك لي كالولد، ولي إليك حاجة، فإن ضمنت كتمانها أفضيت بها إليك، فقلت: ذاك للقاضي عليّ فرض واجب، فقال لي:
إني قلت أبياتا في جارية لي أميل إليها، وقد هجرتني، وأنا أحب أن تصنع فيها لحنا وتسمعنيه، فإن غنيته وأظهرته بعد ألا يعلم أحد أنه شعري، فلست أبالي، أتفعل ذلك؟ قلت: حبا وكرامة للقاضي، فأنشدني سوار لنفسه: (٢) [الطويل]
سلبت عظامي لحمها فتركتها … عواري في أجلادها تتكسّر
وأخليت منها مخّها فتركتها … أنابيب في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت ذكر الفراق ترعّدت … مفاصلها من هول ما تتحدّر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري … بلى جسدي لكنّني أتستّر
وليس الذي يجري من العين ماؤها … ولكنّها روح تذوب فتقطر
قال عبد الله: فصنعت لحنا ثم عرّفته خبره في رقعة، وسألته أن يعدني المصير إليه، فكتب إليّ: نظرت في القصة، فوجدت هذا لا يصلح ولا ينكتم حضورك، ولا سماعي إياك، وأسأل الله أن يسرّ ويبقيك، فغنيت بالصوت حتى ظهر وتغنى به الناس، فلقيني سوار يوما فقال لي: يا بن أخي شاع أمرك في ذلك الباب، حتى سمعناه من بعيد، كأننا لم نعرف القصة.
стр. 4327
٦٢ - أبو صدقة (١)
من المشهورين في أهل الموسيقا، والمشكورين تحقيقا، أطرب أصواتا، وأحيا نفوسا مواتا، خطب للتقريب وخطي إليه من غير مكان قريب، وإذا كان اندفع يغنّي استوجف الطير، وأوقف الراكب العجل عن السير، فكل مطرب يطير في الأوتار، ويطيب به حتى ذو الاقتار، لا يغلب على تدبير، ولا يشبه تلعّبه بالقلوب لاعب بالماء في الغدير (٢).
قال أبو الفرج: (٣) كان الرشيد يعبث به كثيرا، فقال ذات يوم لمسرور: قل لابن جامع، وإبراهيم الموصلي، والزبير [ص ١٦١] بن دحمان وبرصوما، وابن أبي مريم المديني، إذا رأيتموني قد طابت نفسي فليسألني كل واحد منكم حاجة، مقدارها مقدار صلته، وذكر لكل واحد منهم مبلغ ذلك، وأمرهم أن يكتموا أمرهم عن أبي صدقة، فقال لهم مسرور ما قال له، ثم أذن لأبي صدقة قبل إذنه لهم، فلما جلس قال: يا أبا صدقة، قد أضجرتني (٤) كثرة مسألتك، وأنا في هذا اليوم ضجر قد أحببت أن أتفرج وأفرح، ولست آمن أن تنغص عليّ مجلسي بمسألتك، فإما إن أعفيتني أن تسألني اليوم حاجة [وإلا فانصرف]، قال: يا
стр. 4328
سيدي لست أسألك في يومي هذا ولا إلى شهر حاجة، فقال له الرشيد: أما إذ قد شرطت لي هذا على نفسك فقد اشتريت منك حوائجك بخمس مئة دينار، وها هي ذه فخذها طيبة معجلة، فإن سألتني بعدها في هذا اليوم فلا لوم عليّ إن لم أصلك سنة بشيء، فقال له: نعم، فقال له الرشيد، زدني في الوثيقة، فقال:
قد جعلت أمر أمّ صدقة إليك فطلقها منّي متى شئت، إن شئت واحدة، وإن شئت الفا، إن سألتك في يومي هذا حاجة، وأشهد الله ومن حضر على ذلك، ودفع المال إليه، ثم أذن للجلساء والمغنين فدخلوا، وشرب القوم، فلما طابت نفس الرشيد، قال ابن جامع: يا أمير المؤمنين، قد نلت بك مالم تبلغه أمنيتي، وكثر إحسانك إليّ حتى قتلت أعدائي، وليس لي بمكة دار تشبه حالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بمال أبني به دارا وأفرشها، لأفقأ عيون أعدائي وأزهق نفوسهم، فعل، فقال: كم قدرت لذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، فأمر له بها ثم قام إبراهيم الموصلي فقال: قد ظهرت نعمتك عليّ وعلى أكابر ولدي، وفي أصاغرهم من قد بلغ وأريد تزويجه، ومنهم من أحتاج أن أطهره، ومنهم صغار وأحتاج أن أتخذ لهم خدما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحسن معونتي على ذلك، فأمر له بمثل ما أمر لابن جامع.
وجعل كل واحد منهم يقوم فيقول من الثناء ما يحضره، ويسأل حاجة على قدر جائزته، وأبو صدقة ينظر إلى الأموال تفرق يمينا وشمالا، فوثب على رجليه قائما ورمى بالدنانير من كمه، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقال الله عثرتك، قال له الرشيد: لا أفعل، فجعل يستحلفه ويضطرب ويلح، والرشيد يضحك ويقول [ص ١٦١]: ما إلى ذلك سبيل، الشرط أملك، فلمّا عيل صبره أخذ الدنانير فرمى بها بين يدي الرشيد، فقال: هاكها قد رددتها عليك وزدتك فرج أم صدقة، فطلقها إن شئت واحدة، وإن شئت ألفا، وإن لم تلحقني بجوائز القوم،
стр. 4329
فألحقني بجائزة هذا البارد ابن البارد، وأراد بذلك عمر بن الغزال، وكانت [صلته ألف دينار، فضحك الرشيد حتى استلقى، ثم رد عليه خمس مئة الدينار، وأمر له [ب] (١) ثلاثة آلاف دينار معها، وكان ذلك أكثر ما أخذه منه منذ يوم خدمته إلى أن مات.
قال: دخل جعفر بن يحيى على الرشيد صبيحة يوم مطر، فسأله عن يومه الماضي وما صنع فيه، فقال: كان عندي أبو زكّار الأعمى (٢) وأبو صدقة، فغناني أبو صدقة صوتا من صنعته فطربت ووالله يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله وهو: (٣) [الخفيف]
فتنتني بفاحم اللّون جعد … وبثغر كأنه نظم درّ
وبوجه كأنّه طلعة البد … روعين في طرفها نفث سحر
فقلت له: أحسنت يا أبا صدقة، فلم أسكت عن هذه الكلمة حتى قال لي: يا سيدي، إني قد بنيت دارا وقد انفقت عليها حريبتي (٤)، وما أعددت لها فرشا فافرشها لي، نجّد (٥) الله لك ألف قصر في الجنة، فتغافلت عنه، وأعاد الغناء والمسألة، فتغافلت، فقال: يا سيدي، هذا التغافل متى حدث لك؟ سألتك الله، وبحق أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم، فأقبلت عليه وقلت: أنت والله بغيض، فاكفف عن المسألة الملحة، فوثب من بين يدي، فظننت أنه يخرج
стр. 4330
لحاجة، فإذا هو قد نزع ثيابه، وتجرد منها خوفا من المطر، ووقف تحت السماء لا يواريه شيء، والمطر يأخذه، فرفع رأسه فقال: يا رب أنت تعلم أني مله ولست نائحا، وعبدك هذا الذي رفعته عليّ وأحوجتني إليه، يقول لي أحسنت، ولا يقول لي أسأت، وأنا منذ جلست اقول له بنيت ولا أقول له هدمت، فيحلف بك جراءة عليك أني بغيض، فاحكم بيني وبينه يا سيدي، فأنت خير الحاكمين.
فغلبني الضحك وأمرت به فجيء، وجهدت به في أن يغني، فامتنع حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره يا أمير المؤمنين، وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها به، فقال الرشيد [ص ١٦٣]: طيب والله [الآن] تمّ لنا اللهو، هو ذا ادعوه، فإذا رآك فسيتنجز لك الفرش، لأنك حلفت له بحياتي، فهو يقتضيك ذلك بحضرتي ليكون أوثق، فإن قال لك فيه فقل: أنا أفرشها لك بالبواري (١)، وإن شئت فالبردي (٢) من الحصر، وحاكمه إلي، ثم دعا به فأحضر، فلما استقر في مجلسه قال لجعفر: الفرش الذي حلفت بحياة أمير المؤمنين الذي تفرش به داري تقدم فيه، فقال له جعفر: تخير إن شئت فرشتها لك بالبواري، وإن شئت فالبردي من الحصر، فضج واضطرب، فقال له الرشيد: وكيف كانت القصة؟ [فأخبره] فقال له: أخطأت يا أبا صدقة، إذ لم تسمّ النوع ولم تحدد القيمة، فإن فرشها لك بالبواري، أو بما دون ذلك، فقد وفي بيمينه، وإنما خدعك ولم تفطن أنت ولا توثقت، وضيعت حقك، فسكت وقال: نوفر عليه أيضا، البردي والبواري أعزّه الله.
وغنى المغنون، حتى انتهى الدور إليه، فأخذ يغني غناء الفلاحين والملاحين والسقائين، وما جرى مجراه من الغناء، فقال له الرشيد: وأي شيء هذا من الغناء
стр. 4331
ويلك، قال: من فرشت داره بالبواري والبردي، فهذا الغناء كثير منه، وكثير أيضا لمن هذه صلته، فضحك الرشيد وطرب وصفق، وأمر له بألف دينار من ماله، فقال له: افرش دارك من هذه، فقال له: وحياتك لا آخذها أو تحكم عليه بما وعدني، وإلا متّ والله أسفا لفوت ما وعدني به، فحكم له على جعفر بخمس مئة دينار، فقبلها جعفر وأمر له بها.
٦٣ - عمرو بن أبي الكنّات (١)
مطرب نهج السّنن (٢) القديم، وأحلّ الغائب في محل النديم، واسمع كل ذي إصغاء، وجمع كل ذي ابتغاء، وغنّى والناس في صنوف المعايش لاهية قلوبهم، أشتات مطلوبهم، بين دان ونازح، ومقبل على معاشه، ومقيل في رياشه، فجعلوا رؤيته دأب (٣) نواظرهم، وغناءه شغل خواطرهم، حتى لكاد يطرب الحيتان في الماء، والطير صافات في جو السماء.
قال أبو الفرج، قال بعضهم: وافقت ابن أبي الكنّات في جسر بغداد في أيام الرشيد، فحدثته [بحديث] اتصل بي عن ابن عائشة [ص ١٦٤] في الموسم، أنه مر به فقال: إني لأعرف رجلا لو تكلم لحبس الناس، فلم يذهب أحد ولم يجيء، فقلت: ومن هذا الرجل؟
قلت: أنا، ثم اندفع يغني: (٤) [الوافر]
стр. 4332
جرت سنحا فقلت لها أجيزي … نوى مشمولة فمتى اللّقاء
قال: فحبس الناس واضطربت المحامل (١) وكادت الفتنة أن تقع، فأتي به هشام فقال له: يا عدوّ الله، أردت أن تفتن الناس، فأمسك عنه، وكان تياها، فقال له:
ارفق بتيهك، فقال ابن عائشة: حق لمن كانت هذه مقدرته على القلوب ان يكون تياها، فضحك وأطلقه، فقال ابن أبي الكنات: فأنا أفعل كما فعل، وقدرتي على القلوب أكثر من قدرته كانت، ثم اندفع يغني في هذا الصوت ونحن على جسر بغداد، وكان إذ ذاك على بغداد ثلاثة جسور معقودة، فانقطعت الجسور بالناس من ازدحام الخلق عليها فأتى به الرشيد فقال: يا عدو الله أردت أن تفتن الناس، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن بلغني أن ابن عائشة فعل مثل هذا في أيام هشام، فأردت أن أكون في أيامك، فأمر له بمال، واحتبسه عنده ليسمع غناءه.
قال يحيى بن يعلى بن معبد: بينا أنا ليلة في منزلي في الرمضة أسفل مكة، إذ سمعت صوت عمرو بن أبي الكنّات كأنه معي، فأمرت الغلام فأسرج لي دابتي، وخرجت أريده، فلم أزل أتبع الصوت حتى وجدته جالسا على الكثيب العارض على بطن عرنة (٢)، قلت: وهذا كذب لا شك فيه، إذ لا يبلغ حاسة الأذان إلى بعض ذلك (٣).
стр. 4333
٦٤ - خليلان المعلّم (١)
رجل كان لما أراد مهيأ، خلط عملا صالحا وآخر سيّئا، كان يلقن القرآن ويعلم الغناء، ويقرب من هذا وهذا الأدناء، وكان بابة (٢) الذكر في أهل الشأن، تائه العطف لا يتقدم الزمان، لو جالس كئيبا لانشرح، وحبيبا مسكه تيه الحب لاطّرح، لألحان حرها وأصوات مثل بيت جان لم تصورها.
قال أبو الفرج: كان يعلم الصبيان القرآن، ويعلم الجواري الغناء [ص ١٦٥] في موضع واحد.
قال بعضهم: وكنت يوما عنده وهو يردّد على صبيّ ﴿وَمِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣)، ثم يلتفت إلى صبية بين يديه يرددها عليها: (٤) [السريع]
اعتاد هذا القلب بلباله … أن قرّبت للبين أجماله (٥)
فضحكت ضحكا مفرطا لفعله، فالتفت إليّ وقال: مالك ويلك؟ فقلت: ما سبقك إلى هذا أحد، انظر أي شيء أخذت على الصبي من القرآن، والله إني لأظنك ممن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، فقال: أرجو ألا أكون كذلك إن شاء الله تعالى.
قال عبد الصمد بن المعذل: دخل يوما خليلان المعلم على عقبة بن سلم
стр. 4334
الأزدي الهنائي فاحتبسه عنده، فأكل وشرب، فحانت منه التفاتة فرأى عودا معلقا، فعلم أنه عرض له به، فدعا به وأخذه وغنّى (١): [المديد]
يا بنة الأزديّ قلبي كئيب … مستهام عندها ما ينيب
والتفت فرأى وجه عقبة بن سلم متغيرا، قد ظن أنه عرّض به (٢)، ففطن، فغنى غيره، فسرّ عقبة وشرب فلما فرغ وضع العود من حجره، وحلف بعد ذلك بالطلاق ثلاثا أنه لا يغنّي إلا على من يجوز أمره عليه.
والصوت الذي صنعه: (٣) [المتقارب]
ألا طرقت في الدّجى زينب … وأحبب بزينب إذ تطرق
عجبت لزينب إنّي سرت … وزينب من ظلّها تفرق
٦٥ - عبيدة الطّنبوريّة (٤)
مهزّ قضيب، وممر كثيب، وربيبة كناس، وحبيبة أناس، برعت في الضرب بالطنبور، وأسرعت إلى الصدور بالحبور، وعدلت عن العود وتعب صناعته، وتأبى طاعته وصدورة شيرته (٥)، وكثرة تعجيزه، إلى ما خف موقعا، وكان مقنعا، وجاءت فيه بكل إجادة، وجاوزت غاية العود وزيادة.
стр. 4335
قال أبو الفرج، قال علي بن الهيثم اليزيدي: دعوت يوما إسحاق الموصلي وكان يألفني فقال [ص ١٦٦]: من عندك؟ قلت: محمد بن عمرو بن مسعدة، وهارون بن هشام، وقد دعونا عبيدة الطنبورية، فقال: أفعل، فإني كنت أشتهي أن أسمع عبيدة، ولكن لي عليك شريطة، فقلت: هاتها، قال: إن عرفتني وسألتموني أن أغني بحضرتها، لم يخف عليها أمري وانقطعت، فلم تصنع شيئا، فدعوها على حجلتها (١)، فقلت: أفعل ما أمرت به، فنزل وردّ دابته، وعرّفت صاحبي ما جرى، وأكلنا ما حضر، وقدم النبيذ، فغنت لحنا: (٢) [مجزوء الوافر]
قريب غير مقترب … ومؤتلف كمجتنب
له ودّي ولي منه … دواعي الهمّ والكرب
أواصله على سبب … ويهجرني بلا سبب
ويظلمني على ثقة … بأنّ إليه منقلبي
فطرب إسحاق وشرب نصفا، ثم غنت وشرب حتى والى بين عشرة أنصاف، وشربناها معه، وقام يصلي فقال لها هارون بن أحمد بن هشام: ويحك يا عبيدة، ما تبالي والله متى متّ، قالت: ولم؟ قال: أتدرين من المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب؟ قالت: لا والله، قال: إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فلا تعرّفيه أنك قد عرفته، فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني، فلحقتها هيبة له واختلاط، فنقصت نقصانا بينا، فقال لنا: أعرّفتموها من أنا؟ فقلنا: نعم، عرفها هارون بن أحمد، فقال إسحاق: نقوم إذا فننصرف، فلا خير في عشرتكم الليلة، ولا فائدة لي ولا لكم، ثم قام فانصرف.
стр. 4336
قال جحظة حدثني شرائح (١) قال: كانت عبيدة تعشقني فتزوجت فمرت بي يوما، فسألتها الدخول إلي، فقالت: يا كشخان (٢)، كيف أدخل إليك وقد أقعدت في بيتك صاحب مسلحة، ولم تدخل.
قال: وكان لها غلام يضرب عليها يقال له عليّ ويلقب ظئر (٣) عبيدة، وكانت إذا خلت في البيت وشبقت اعتمدت عليه، وتقول: بغل الطّحان يصلح للحمل والطحن والركوب.
قال: اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس الرشيد يوما وفيهم المسدود وعبيدة، فقالوا للمسدود: غن، فقال: لا والله لا تقدمت عبيدة [ص ١٦٧] وهي الأستاذة، فما غنى حتى غنت.
قال جحظة: وهب لي جعفر بن المأمون طنبورا فإذا عليه مكتوب: (٤) [مجزوء الخفيف]
كلّ شيء سوى الخيا … نة في الحبّ محتمل
٦٦ - أبو حشيشة (٥)
سرى فأصبح، وأرى بصره الفاسد فأصلح، وفهم دقائق الغناء وأوضحها،
стр. 4337
وعلم حقائق الطرب وفضحها، وسارّ الأوتار، وسامى النظراء، لا يرهقه الإقتار، ودخل أخبية الملوك وأخذ عطاياها، وحث مطاياها وفاز بصفوة مواهبها، وجلا عليهم حسان الأصوات المختارة في مذاهبها، وادخر خير أموالها، وأبقى الفضول لناهبها.
قال أبو الفرج، قال نوبخت: رأيته وقد حضرت عريب عند ابن المدبر، وقد تغنى، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر، ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا، علوية ومخارق.
قال جحظة، حدثني أبو حشيشة قال: هجم عليّ خادم أسود فقال: البس ثيابك، فعلمت أن [هذا] لا يكون إلا عن أمر خليفة أو أمير، فلبستها ومضيت معه، فعبر بي الجسر، وأدخلني دارا لا أعرفها، فأدخلني في حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة (١)، وقد نشر في أعراضها الخبز، فأكلت وسقاني رطلين، وجاء بصندوق ففتحه، وإذا فيه طنابير، فقال: اختر ما تريد، فاخترت واحدا، فأخذ بيدي فأدخلني إلى دار فيها رجلان، على أحدهما قباء غليظ ملحم (٢)، وعلى الآخر ثياب ملحم وخز، فقال لي صاحب الخز: اجلس، [فجلست] فقال لي: أكلت وشربت؟ قلت: نعم، فقال: قل ما نقول لك، فقلت: قل، فقال: غنّ بصنعتك: (٣) [الخفيف]
يا مليح الإقبال والانصراف … وملولا ولو أشا قلت جافي
стр. 4338
فغنيته إياه، ولم يزل يطلب مني صوتا بعد صوت من صنعتي فأغنيه ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوتة (١) إلى أن صلوا العشاء [ص ١٦٨] الآخرة، ثم أومأ إلى الخادم فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهري، وهذا محمد ابن أسد الخناق، والله لا بلغني أنك تقول رأيتني لأضربنّ عنقك، انصرف، وخرجت، ودفع الخادم ثلاث مئة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئا على سبيل البرّ، فلم يفعل.
٦٧ - إسحاق الموصلي (٢)
رجل تعقد عليه الخناصر، ويعتد عليه الناصر، علم منوع ويمّ لا يخلو من الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فن ظرفا، وعلا على كل فضل شرفا، حتى كان يعدّ القضاء وناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه، ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلف وراءه السباق، وفي حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محل الأصفياء، وفازوا منه
стр. 4339
بالوفاء، وفاز هو بما تجلى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذي يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به، هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدم في أول وأخير، ونفس ما أشربت حب الحرام ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيت زمانا من دهري أغلّس (١) كل يوم إلى هشيم، ثم أصير إلى الكسائي وأقرأ عليه جزءا من القرآن، وآتي الفرّاء فأقرأ عليه أيضا، ثم آتي منصور زلزل فيضاربني طرقين (٢) أو ثلاثة، ثم آتي عاتكة بنت شهدة فآخذ منها صوتا أو صوتين، ثم آتي الأصمعي فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت، ومن لقيت، وما أخذت، وأتغدى معه، فإذا كان العشاء رحت إلى الرشيد.
قال إسحاق: دعاني المأمون يوما فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه، فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى، فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنت وضربت [ص ١٦٩] [فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت لما سمعته وسمعت لينه، عرفت أنه من صنعة النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه، علمت أن صاحبته ضاربة وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك، قال: صدقت، الغناء لعريب.
стр. 4340
قال إسحاق بن إبراهيم الظاهري، حدثتني مخارق مولاتنا قالت: كان لمولانا الذي علمني الغناء فراش رومي، وكان يغني بالرومية صوتا مليح اللحن، فقال لي مولاي: يا مخارق، خذي هذا اللحن الرومي فانقليه إلى شعر صوت من أصوات العربية حتى أمتحن به إسحاق الموصلي فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك، فصار إليه إسحاق فأجلسه، وبعث إليّ مولاي أن أدخلي اللحن الرومي في وسط غنائك، فغنيته إياه في درج أصوات مرت [قبله]، فأصغى إليه إسحاق وجعل يتفهمه ويقسمه ويتفقد أوزانه، فقال: هذا الصوت رومي اللحن، فمن أين وقع إليك؟، فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أعجب من استخراجه لحنا روميا لا يعرفه، ولا العلة فيه، وقد نقل إلى غناء عربي، وامتزجت نغمته، حتى عرفه ولم يخف عليه.
قال: تناظر المغنون يوما عند الواثق، فذكروا الضرّاب وحذقهم، فقدم إسحاق ربربا (١) على ملاحظ، ولملاحظ الرياسة في ذلك عليهم جميعهم، فقال لهم الواثق: هذا حيف وتعدّ منك، فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما وامتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما، قال: فأمر بهما فأحضرا، قال له إسحاق: إن للضراب أصواتا معروفة، فامتحنهما بشيء منها، قال: أجل أفعل، فسمّى ثلاثة أصوات كان أولها: (٢) [السريع]
علّق قلبي ظبية السّيب
стр. 4341
فضربنا عليه فتقدم ربرب وقصر عنه ملاحظ، فعجب الواثق من كشفه لما ادّعاه في مجلس واحد، فقال له ملاحظ [ص ١٧٠]: ما باله يا أمير المؤمنين يحيلك على الناس، ولم لا يضرب هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لم يكن أحد في زماني أضرب مني، إلا أنكم أعفيتموني، فتفلّت مني، على أنّ معي بقية لا يتعلق بها أحد من هذه الطبقة، ثم قال: يا ملاحظ: شوش عودك وهاته، ففعل ذلك ملاحظ، قال إسحاق: يا أمير المؤمنين، هذا خلط الأوتار خلط متعنت، فهو لا يألو ما أفسدها، ثم أخذ العود فجسه ساعة حتى عرف مواضعه، وقال: يا ملاحظ (١)، غنّ أيّ صوت شئت فغنى ملاحظ، فضرب عليه إسحاق بذلك العود الفاسد التسوية، فلم يخرج عن لحنه في موضع واحد حتى استوفاه، عن تقوية (٢) واحدة، ويده تصعد وتنحدر على الدساتين (٣)، فقال له الواثق: لا والله ما رأيت مثلك قط، ولا سمعت به، اطرح هذا على الجواري، فقال:
هيهات يا أمير المؤمنين، هذا شيء لا تفي به الجواري، ولا يصلح لهن، وإنما بلغني أنّ الفهليذ ضرب يوما بين يدي كسرى أبرويز فأحسن، فحسده رجل من حذّاق صنعته، فترقبه حتى قام لبعض شأنه، ثم خالفه إلى عوده فشوّش بعض أوتاره، فرجع فضرب وهو لا يدري، والملوك لا تصلح في مجالسها العيدان، فلم يزل يضرب بذلك العود الفاسد، إلى أن فرغ، ثم [قام] على رجله فأخبر الملك بالقصة، فامتحن العود فعرف ما فيه، فقال: زه زه وزهان زه (٤)، ووصله بالصلة التي كان يصل بها من خاطبه بهذه المخاطبة، فلما تواترت الروايات بهذا، أخذت
стр. 4342
نفسي بها، ورضتها عليه، وقلت: لا ينبغي أن يكون الفهليذ أقوى على هذا مني، فمازلت أستنبط بضع عشرة سنة حتى لم يبق في الأوتار موضع على طبقة من الطبقات، إلا وأنا أعرف نغمته كم هي، والمواضع التي يخرج النغم كلها منها، وهذا شيء لا تفي به الجواري، فقال له الواثق: لعمري لقد صدقت، ولئن متّ لتموتنّ هذه الصناعة بموتك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
قال: إسحاق: دعاني [المأمون وعنده] (١) إبراهيم بن المهدي، وفي مجلسه عشرون جارية، وقد أجلس عشرا عن يمينه، وعشرا عن يساره، ومعهن العيدان، فلما دخلت سمعت من الناحية اليسرى خطأ فأنكرته، فقال المأمون: يا إسحاق، أتسمع خطأ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، مر الجواري اللواتي في الناحية اليمنى [ص ١٧١] يمسكن، فأمرهن فأمسكن، فقلت لإبراهيم: هل تسمع خطأ؟ فقال: [ما] هاهنا خطأ، فقلت: يا أمير المؤمنين يمسكن وتضرب الثامنة، فأمسكن وضربت الثامنة، فعرف إبراهيم الخطأ، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ها هنا خطأ، فقال المأمون عند ذلك لإبراهيم بن المهدي: لا تمار إسحاق بعدها، فإن رجلا (٢) يعرف الخطأ بما بين وتر وعشرين لجدير أن لا تماريه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين.
قال أحمد بن حمدون: سمعت الواثق يقول: ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي، ولا سمعته يغني غناء ابن سريج إلا ظننت أن ابن سريج قد نشر، وأنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا فيتقدمه عندي بطيب الصوت، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو، ورأيت غيره ينقص، وإن إسحاق
стр. 4343
لنعمة من نعم الملوك التي لم يحظ أحد بمثلها، ولو أن العمرو الشباب والنشاط مما يشترى لاشتريتهنّ بشطر ملكي.
قال ابن المنجم: سأل إسحاق الموصلي المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل الرواية والعلم لا مع المغنين، فإذا أراد الغناء غناه، فأجابه إلى ذلك، ثم سأله بعد ذلك أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء، فأذن له، ثم سأله أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة، فقال ولا كل هذا يا إسحاق، وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم.
قال: وكان معه جماعة من المغنين يحضرون عند الواثق، وعيدانهم معهم، إلا إسحاق، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة، فإذا أراد الخليفة أن يغني له، أحضر له عودا، فإذا غنى وفرغ شيل من بين يديه، إلى أن يطلبه، وكان الواثق يكنيه (١)، وكان إذا غنى وفرغ الواثق من شرب قدحه، قطع الغناء، فلم يعد منه حرفا، إلا أن يكون في بعض بيت فيتمه، ثم يقطع ويضع العود من يده.
قال: كان إبراهيم يأكل المغنين أكلا، حتى إذا حضر إسحاق فيداريه إبراهيم ويطلب مناقبه، ولا يدع إسحاق تبكيته ومعارضته، وكان إسحاق [ص ١٧٢] آفته، كما لكل شيء آفة.
قال محمد بن راشد الجنان (٢): سألني إسحاق أن أصير إلى إبراهيم بن المهدي، وقال: قل له أسألك عن شيء، فإذا قال لك: سل، قل له أخبرني عن قولك: (٣) [الطويل]
стр. 4344
ذهبت من الدنيا وقد ذهبت مني
أي شيء كان معنى صنعتك فيه، وأنت تعلم أنه لا يجوز في غنائك الذي صنعته إلا أن تقول: (ذهبتو) بالواو، فإن قلت (ذهبت) ولم تمدها تقطع اللحن، وإن مددتها قبح الكلام، وصار مثل كلام النبط، فقال له: يا أبا محمد، كيف أخاطب إبراهيم بهذا؟ فقال: هي حاجتي إليك، وقد كلفتك إياها، قال:
فأتيت إبراهيم وجلست عنده وتحادثنا إلى أن جئنا إلى ذكر الغناء، فذكرت له ما قال إسحاق، فتغير لونه وانكسر، وقال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقاني (١)، قل له عني: أنتم تصنعون هذا للصناعة، ونحن نصنع هذا للهو واللعب والعبث.
قال يحيى بن محمد الظاهري، قال حدثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد واشترى معي رفيقي يحموما، ودفعنا إلى وكيل له أعجميّ خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين إلى بغداد إلى إسحاق الموصلي، وادفع إليه مئة ألف درهم وشهريا (٢) بسرجه ولجامه وثلاثة ادراج (٣) فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت (٤) وشي كوفي، وثلاثين ألف درهم للنفقة، وقال للرسول: عرّف إسحاق أن هذين الغلامين لرجل من وجوه العرب
стр. 4345
أهل خراسان، وجّه بهما إليه ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتا اختارها وكتبها له في الدرج، وقال له: كلما علمهما صوتا فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مئة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المئة فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه لكل صوت درجا من الأدراج، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختا وسفطا، حتى ينفد ما بعثت به معك، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد، واتينا إسحاق فغنّينا بحضرته، وأبلغه الوكيل الرسالة، فلم يزل يلقي [ص ١٧٣] علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا، ثم صرنا إلى (سرّ من رأى)، فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسرّ بذلك.
وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى، فلقيه مولانا فدعا بنا وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق، وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه، فلا توهماه أنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية (١) خراسانية ومضينا معه إلى الواثق، فلما دخلنا عليه قال له سيدي: هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية، فقال: غنيا، فضربنا ضربا فارسيا، وغنينا غناء فهليذيا، فطرب الواثق وقال: احسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا: نعم، واندفعنا فغنيناه ما أخذنا من إسحاق، وإسحاق ينظر إلينا، ونتغافل حتى غنيناه اصواتا من غنائه، فقام إسحاق وقال: وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حر، وكل مال لي صدقة، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي، ومن قصتهم كيت وكيت، فقام أبو أحمد وقال للواثق ما أدري ما يقول هذا، إني اشتريتهما من رجل نخّاس خراساني، [فقال له] من أين يجيد تلك الأغاني؟ فضحك أبو أحمد وقال للواثق، صدق والله، أنا احتلت عليه، ولو رمت بأن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته ما فعل، فقال له إسحاق قد تمت عليّ حيلته يا أمير المؤمنين.