وأسمج، ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم، ابتاع إبراهيم من ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم وستر ذلك عنها، وكان عتقه إياها وهي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة فحل له فرجها، فكان يطؤها على أنها أمة، وهي تتوهم على أنه يطؤها على أنها زوجته حرة، فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد [ص ١٢٢] بنت خالد زوجته في المهر، فأظهرت خبرها، وسألت ميمونة وهبة الله عن الخبر، فأخبرتا به، فأمر المعتصم بابتياعها، فابتيعت من ميمونة [بخمسة آلاف و] خمس مئة دينار، فحولت إلى داره، فكانت في ملكه إلى أن توفي.
قال ابن المعتز: وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يوما فقال له: أتحب أن أسمعك شيئا لم تسمع قط مثله، فقلت: نعم، فقال: هاتوا شارية، فخرجت فأمرها أن تغني لحن إسحاق (١) [البسيط]
هل بالدّيار التي أحببتها أحد
قال حمدون: فغنّي شيء لم أسمع قط مثله، فقلت: لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا قط، قلت: أتحب أن تسمعه أحسن من هذا؟ قلت: لا يكون، قال: بلى والله، تقر بذلك، فقلت: على اسم الله، فغناه هو، فرأيت فضلا عجيبا، فقلت: ما ظننت أن هذا يفضل ذلك هو الفضل، قال: أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذاك؟ قلت: هذا الذي لا يكون أبدا، فقال: بلى والله، فقلت: هات، قال: بحياتي يا شارية قوليه وأحيلي (٢) حلقك [فيه]، قال:
فغنّت، فسمعت والله فضلا بيّنا، فأكثرت التعجب، فقال لي: والله يا أبا جعفر ما أهون هذا على السمع! تدري كم رددت عليها موضعا في هذا الصوت؟
стр. 4272
قلت: لا، قال: قل وأكثر، قلت: مئة مرة؟ قال: أضعف ما بدا لك، قلت: ثلاث مئة مرة؟ قال: أكثر والله من ألف مرة، حتى قالته كذا.
كانت ريّق تقول: إن شارية إذا اضطربت في صوت فغاية ما يكون عنده من عقوبتها أن يقيمها تغنيه على رجلها، فإن لم تبلغ الذي أراد، ضربت ريّق بين يديها (١).
قال محمد بن سهل بن عبد الكريم: ثم أعطى المعتصم بشارية سبعين ألف دينار.
قال عبد الله بن طاهر: أمرني المعتز ذات يوم بالقيام عنده، فأقمت وأمر فمدّت الستارة، وغنت شارية [ص ١٢٣] ولم أكن سمعتها قبل، فاستحسنت ما سمعت، فقال لي المعتز: يا عبد الله، كيف تسمع منها عندك؟ فقلت: حظ العجب من هذا الغناء أكثر من حظ الطرب فاستحسن ذلك، فأخبرها فاستحسنته.
٤٥ - خليدة المكيّة (٢)
خلّدت لها ذكرا، وخلّت حديثها يستحسن وإن كان نكرا، خلقت من طينة العنبر الورد وطابت أنفاسا وإن اسود كأنما نفضت عليها صبغتها الحدق ممّا حدقت ناظرة إليها، إلا أنها كانت ذات ملح ما اشتملت عليها احناء ظلام، ولا مجاجة أقلام، فلهذا عشقت وما ضاعت الأعمار التي أنفقت.
قال أبو الفرج، قال الفضل بن الربيع: ما رأيت ابن جامع يطرب كما يطرب لغناء خليدة المكية.
قال عمر بن شبة: بلغني أن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أرسل إلى خليدة المكية مولاه أبا عمرو يخطبها عليه، فاستأذنها عليه فأذنت له،
стр. 4273
وعليها ثياب رقاق لا تسترها، فوثبت وقالت: إنما ظننتك بعض سفهائنا، ولكني ألبس لك لباس مثلك ثم أخرج اليك ففعلت، ثم قالت: قل، قلت: أرسلني إليك مولاي، وهو من تعلمين ابن رسول الله وابن علي وعثمان، وهو ابن عم أمير المؤمنين، يخطبك، قالت: قد نسبته فأبلغت، فاسمع نسبي، أنا - بأبي أنت - إن أبي بيع على غير عقد الإسلام ولا عهده، فعاش عبدا ومات وفي رجليه قيد، وفي عنقه سلسلة على الإباق (١) والسرقة، وولدتني أمّي منه على غير رشدة، وماتت وهي آبقة، وأنا من تعلم، فإن أراد صاحبك نكاحا مباحا، أو زنا صراحا، فليهمّ (٢) إلينا فنحن له، فقلت: إنه لا يدخل في الحرام، فقالت: ولا ينبغي أن يستحي من الحلال، فأما نكاح السر فلا والله ما فعلته، ولا كنت عارا على القيان أبدا، فأتيت محمدا فقال: ويلك، أتزوجها معلنا وعندي بنت طلحة بن عبيد الله (٣)، لا، ولكن ارجع إليها فقل لها تختلف إليّ أردد بصري فيها [ص ١٢٤] لعلي أن أسلو، فرجعت إليها فأبلغتها الرسالة فضحكت وقالت: أما هذا فنعم.
٤٦ - عمرو الميداني (٤)
مطرب مجالس، ومطري مجالس، وزند سرور قادح، وعهد حبور سلم من فادح (٥)، اقتصر على الضرب بالطنبور، فيبست العيدان، ويئست أن تحوز صنعة
стр. 4274
الميدان، ووضع لها في الأصوات ما يناسب، وقنع منها بما تيسر من المكاسب، ثم ما ضمّ مصرورا، ولا مضى مسرورا.
قال أبو الفرج، قال علي بن أمية: دخلت على عمرو الميداني، وكان له بقّال على باب داره ينادمه ويقترض منه إذا أعسر، فوجدته عنده، فقال: يا أبا عمرو، معي أربعة دراهم اشتروا بها ما أحببتم، وعندي نبيذ، وأنا أغنيكم، والبقال يحضركم من الأبقال اليابسة مما في حانوته، فوجهنا بالبقال، فاشترى لنا لحما وخبزا وفاكهة، وجاءنا من دكانه بحوائج سكباج (١) ونقل، فبينا نحن نتوقع فراغ القدر، إذا بفرانق (٢) يدق الباب، وقال: أجب إسحاق بن إبراهيم، فحلف علينا ألا نبرح، ومضى هو وأكلنا وشربنا، وانصرفت عشاء، وبكر إليّ رسوله فصرت إليه، فقلت له أعطني خبرك، قال: أدخلت فوضعت بين يدي مائدة، كأنها جزعة (٣) يمانية، قد فرشت في عراصها أنواع الأطعمة، فأكلت وسقيت رطلين، فدفع إلي الطنبور، فدخلت إلى إسحاق فوجدته جالسا وخلفه ستارة وعنده مخارق وعلوية، فقال:
أنت عمرو الميداني؟ فقلت: نعم، قال: أكلت؟ قلت: نعم، [قال] هاهنا أو في منزلك؟ قلت: بل هاهنا، قال: أحسنت، تغنّ بصوتك: (٤) [مجزوء الخفيف]
يا شبيه الهلال كلّل في الأفق أنجما
فغنيته، فضرب الستارة، وقال: قولوه (٥) أنتم [فقالوه]، فقال لمخارق وعلوية:
كيف تسمعان؟ قالا: هذا والله ذاك، وذاك هذا [فردّدنه]، وشرب عليه مرارا، ثم قال لي: أنا اليوم على خلوة ولك إليّ عودات، فانصرف اليوم بسلامة، فخرجت
стр. 4275
ودفع إليّ الغلام خمسة [ص ١٢٥] آلاف درهم، هذه والله لا استأثرت عليكم منها بدرهم، فلم نزل عنده نقصف بها حتى نفدت كلها.
٤٧ - أشعب الطّامع (١)
رجل من أهل المدينة، كان يعد الوهم حقيقة، ويظن وادي العقيق عقيقة، ولو رأى البرق المقتدح لحسبه طابخا، أو الفجر الطالع في الليل لظنه لإهاب شاة ملحاء سالخا، ما خيّم الضباب إلا قال هذه دخان رفعت لنا القرى، وما بانت له الآكام إلا قال سأستضيف بعض هذه القرى، لو قدر من طمعه لتعلق بحبال الشمس، واسترد اليوم ما فات في أمس، لو حضر امرؤ القيس للزمه وتبتل، ووقف يندب عقائره التي تقتل، ولخاطف العذارى منها على لحم وشحم كهدّاب الدّمقس المفتل، لا يسلك في غير الخدع المطمعة الجدد، ولا يعرف من قدماء العرب إلا طابخة بن أدد، لو سئل عن فواتر الأجفان لقال لا أعرف إلا فوائر الجفان، يعجله النهم عن التسمية والحمد، ولا يحمله الشره على ملاحظة أطراف الأكيل على عمد، لو نظر إلى خيال النجوم في الغدير، لقال دعوني بلقط هذه الدنانير، أو فاته تحصيل ذرّ الهباء (٢) لعض على الأباهم، وكان على هذه الخصال التي تسود الصحف، وتخزي ما تحت اللحف، من أقيال الغناء وأهل أقوال الطرب المعروفة لابن اللخناء، إلى نوادر له في الطمع، ونكت له كالنظافة في الطبع، وعلى هذا أصبحت الناس، وأصبح واحدا والخلق في أجناس.
стр. 4276
قال أبو الفرج ﵀: كان يحكى عن أمّه أنها كانت تغري بين أزواج رسول الله ﷺ ، وتمشي بينهم بالنميمة، وأنها زنت فحلقت وطيف (١) بها أسواق المدينة، وكانت تنادي على نفسها: من رآني فلا يزني، فقالت لها امرأة: يا فاعلة، نهانا الله عنه فعصيناه، نطيعك أنت؟ وأنت مجلودة راكبة جمل؟
وقد روى الحديث عن جماعة من الصحابة، من (٢) الحديث الذي رواه عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ قال: [ص ١٢٦] «لو دعيت إلى كراع لأجبت» (٣).
قال المدائني: دفعت ابنة عثمان أشعب في البزازين، فقالت له بعد حول السنة أتوجهت بشيء؟ قال: نعم: توجهت وتعلمت نصف العلم، قالت: وما هو؟ [قال]: تعلّمت النّشر وبقي الطّيّ.
قال المدائني، قال أشعب: تعلقت بأستار الكعبة وقلت: اللهم أذهب عنّي الحرص والطلب إلى الناس، ومررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقالت: مالك قد جئت خائبا؟ فأخبرتها، فقالت: لا والله، لا تدخل حتى ترجع فتستقيل ربك، فرجعت فقلت: يا رب أقلني، فلم أمر بمجلس من قريش وغيرهم إلا أعطوني، ووهب لي غلام، فجئت أمي [بحمار] موقرا (٤) من كل شيء، فقالت: ما هذا الغلام؟ فجئت لأخبرها فخفت أن تموت فرحا، فقلت: وهبوا لي، قالت: أي شيء؟ قلت: غين، قالت: أيش غين، قلت:
стр. 4277
لام، قالت أي شيء لام؟ قلت: ألف، قالت: أي شيء ألف؟ قلت: ميم، قالت: وأي شيء ميم قلت: غلام، فغشي عليها، ولو لم أقطع الحروف لماتت الفاسقة فرحا.
قال أشعب: سمعت الناس يموجون في أمر عثمان، ثم أدركت المهدي، وقال تغدى أشعب مع زياد الحارثي فجاء بصحفة فيها مضيرة (١)، فقال أشعب للخباز: ضع ذلك على يدي، فقال زياد: من يصلي بأهل السجن، فقالوا: ليس لهم إمام، فقال: أدخلوا أشعب يصلي بهم، فقال أشعب: أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أحلف ألا آكل مضيرة أبدا.
قال: صلّى أشعب يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، وكان مروان عظيم الخلقة والعجيزة، فما لبث أن أفلتت منه ريح عند نهوضه لها صوت، فانصرف أشعب من الصلاة، يوهم الناس أنه هو الذي خرجت منه الريح، فلما انصرف مروان إلى منزله، جاء أشعب فقال له: الدّية، قال: دية ما ذا؟ قال:
الضرطة التي تحملتها [عنك]، ولم يدعه حتى أخذ منه.
قال أبو بكر الزيني، حدثني من رأى أشعب، علق رأس كلبه وهو يضربه ويقول: تنبح للهدية، وتبصبص (٢) للضيف. [ص ١٢٧]
قال: غذا أشعب جديا بلبن أمه (٣) وغيرها، حتى بلغ غاية، وقال لزوجته:
ابنة وردان، أحب أن ترضعيه بلبنك، ففعلت، ثم جاء به إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فقال: بالله إنه [لابني] قد رضع بلبن زوجتي، حبوتك به ولم أجد من يستأهله سواك، قال: فنظر إسماعيل إلى الجدي فأعجبه، فأمر بذبحه وأسمط،
стр. 4278
فأقبل أشعب وقال: ما عندي والله شيء ونحن من تعرف وذلك غير فائت لك، فلما أيس منه قام من عنده، فدخل على أبيه جعفر بن محمد، ثم اندفع يشهق حتى التفت أضلاعه، ثم قال: أخلني، قال: ما معنا أحد، قال: وثب ابنك إسماعيل على ابني فقتله وأنا أنظر إليه، قال: فارتاع جعفر وقال: ويحك، وفيم؟ وتريد ما ذا؟ قال: أما ما أريد فو الله مالي في إسماعيل حاجة، ولا يسمع هذا سامع أبدا بعدك، فجزاه خيرا وأدخله منزله، وأخرج له مئتي دينار، وقال له: خذ هذه، ولك عندي ما تحب، قال: وخرج جعفر إلى اسماعيل لا ينظر ما يطأ عليه، فإذا به مسترسل [في مجلسه] فلما رأى وجه أبيه نكره وقام إليه، فقال: يا إسماعيل وفعلتها بأشعب وقتلت ولده، فاستضحك وقال: جاءني بجدي من صفته وخبره كذا، فأخبره أبوه بما كان منه وصار إليه، قال: وكان جعفر يقول لأشعب: رعتني راعك الله، فيقول: روعتي في الجدي أكثر من روعتك في المائتي دينار.
قال: وقف أشعب على امرأة وهي تعمل طبق خوص، فقال: كبرّيه، قالت: ولم؟ أتريد أن تشتريه؟ قال: لا، ولكن عسى أن يشتريه إنسان فيهدي إلي فيه شيئا.
قال المدائني قالت صديقة أشعب لأشعب: هب لي خاتمك أذكرك به، فقال:
اذكريني بأني منعتك إيّاه، فهو أحب إليّ.
قال أشعب مرة للصبيان: هذا عمرو بن عثمان يقسم مالا، فامضوا إليه، فلما أبطاؤا عليه أتبعهم يحسب أن الأمر قد صار حقا كما قال.
قال المدائني، قال رجل: رأيت أشعب بالمدينة يقلب مالا كثيرا، فقلت له:
ويحك، ما هذا [الحرص]؟ ولعلك أن تكون أيسر من الذي يعطيك، قال: إني قد مهرت في المسألة وأخاف أن أدعها فتنفلت مني.
стр. 4279
قال المدائني: قيل لأشعب: ما بلغ [ص ١٢٨] من طمعك؟ قال: ما رأيت اثنين يتشاوران قط إلا ظننت أنهما قد أمرا لي بشيء.
قال المدائني: قال أشعب لأمه: رأيتك في النوم مطلية بعسل، وأنا مطلي بعذرة (١)، فقالت يا فاسق، هذا عملك الخبيث كساك هو الله ، قال: إن في الرؤيا شيئا آخر، قالت: وما هو؟ قال: رأيت أني ألطعك وأنت تلطعيني، قالت:
لعنك الله يا فاسق.
قال المدائني: كان أشعب يتحدث إلى امرأة بالمدينة حتى عرف بذلك، فقالت لها جاراتها: لو سألته شيئا فإنه موسر، فلما جاء قالت: إن جاراتي ليقلن لي: ما يصلك بشيء، فخرج نافرا من منزلها، فلم يقربها شهرين، ثم إنه جاء ذات يوم فجلس على الباب، فأخرجت له قدحا مملوءا ماء، فقالت: اشرب هذا من الفزع، فقال: اشربيه أنت من الطمع.
قال المدائني، قال رجل لأشعب: لو تحدثت عندي العشية؟ فقال: أكره أن يجيء ثقيل، فقلت: ليس غيري وغيرك، قال: فإذا صليت الظهر فأنا عندك، فصلّى وجاء، فلما وضعت الجارية الطعام، إذا بصديق لي يدقّ الباب، فقال: ألا تراها، قد جاءنا ثقيل؟ قلت: عندي له عشر خصال، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، قال: رضيت والتسع خصال له، أدخله.
قال المدائني: دخل أشعب يوما على الحسين بن علي ﵁ وعنده اعرابي قبيح الوجه، فسبّح أشعب حين رآه، ثم قال للحسين: بأبي أنت وأمي، أتأذن لي
стр. 4280
أن أسلح عليه؟ فقل له الأعرابي: إن شئت، ومع الأعرابي قوس وكنانة، ففوّق نحوه سهما وقال: والله لئن فعلت لتكون آخر سلحة سلحتها، فقال أشعب للحسين: فديتك قد أخذني القولنج (١).
قال المدائني: توضأ أشعب فغسل رجله اليسرى وترك اليمنى، فقيل له: لم تركت غسل اليمنى؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: أمتي غر محجلون (٢) من آثار الوضوء، فأنا أحب أن أكون مطلق اليمنى.
قال: سمع أشعب حبّى المدينية وهي تقول: اللهم لا تمتني أو تغفر لي ذنوبي، فقال لها: يا فاسقة، أنت لم تسأليه المغفرة، انما سألته عمر الأبد.
قال: ساوم أشعب بقوس عربية،، فقال صاحبها: لا أنقصها من مئة دينار، فقال أشعب: أعتق ما أملك، لو أنها إذا رمي بها طائر في جو السماء [ص ١٢٩] ووقع مشويا بين رغيفين ما أخذتها بدينار واحد.
قال: قيل لأشعب: رأيت أحدا أطمع منك؟ قال: نعم، كلب تبعني أربعة أيام على مضغ العلك.
قال: لقي أشعب صديق لأبيه، فقال له: ويحك يا أشعب، كان أبوك ألحى وأنت أثط (٣)، فإلى من خرجت، قال: إلى أمي.
قال: ولما ولّى الرشيد إبراهيم بن المهدي دمشق بعث إلى عبيد بن أشعب، وكان قدم عليه من الحجاز وأراد أن يطرفه به فقدم عليه، قال إبراهيم: فكان يحدثني
стр. 4281
من حديث أبيه بالطريف، وعادلته (١) يوما وأنا خارج من دمشق في قبة على بغل لألهو بحديثه، فأصابنا في الطريق برد شديد، فدعوت بدواجّ سمّور (٢) لألبسه، فأتيت به، فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب فقلت: حدثني بشيء مما بلغ طمع أبيك، فقال: مالك ولأبي، ها أنا حين دعوت بالديباج، فما شككت والله أنّ ما جئت به لي، فضحكت ثم دعوت له بغيره، ثم قلت له: ألأبيك غيرك من الأولاد؟ قال: كثير، قلت: عشرة؟ قال: أكثر، قلت: خمسون؟ قال:
أكثر، قلت: فمئة؟ قال: دع المئتين وخذ الألوف، قلت: ويلك، أي شيء تقول؟ أشعب أبوك ليس بينك وبينه أب، كيف يكون له الوف؟ فضحك ثم قال: في هذا خبر ظريف، فقلت له حدثني به، قال: كان أبي منقطعا إلى سكينة بنت الحسين، وكأنت متزوجة بزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكانت محبة له، وكان لا يستقر معها، تقول له: أريد الحج فيخرج معها فإذا مضوا إلى مكة قالت: أريد الرجوع إلى المدينة، فإذا عاد إلى المدينة قالت: أريد العمرة، فهو معها في سفر لا ينقضي، قال عبيد بن أشعب: فحدثني أبي كانت قد حلفته يمينا لا كفارة لها، أن لا يتزوج عليها ولا يتسرّى ولا يلمّ بنسائه ولا جواريه إلا بإذنها، وحج الخليفة في سنة من السنين، فقال لها: قد حج أمير المؤمنين ولا بد لي من لقائه، قال: فحلف لها أنّه لا يدخل الطائف، ولا يلم بجواريه بعد أن قالت له: لا آذن لك إلا على هذا، ثم قالت: احلف بالطلاق، فقال: لا أفعل ذلك، ولكن ابعثي معي ثقتك، فدعتني وأعطتني ثلاثين دينارا، وقالت: اخرج معه وحلفتني بالطلاق من ابنة وردان زوجتي أن لا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب، فحلفت لها بما أثلج صدرها، وأذنت له، فخرج وخرجت معه، فلما حاذينا الطائف، قال لي: يا أشعب، أنت تعرفني وتعرف [ص ١٣٠]
стр. 4282
صنيعتي عندك، وهذه ثلاث مئة دينار فخذها وأذن لي أن ألمّ بجوارييّ، فلما سمعتها ذهب عقلي، وقلت: يا سيدي، إنها سكينة، فالله الله فيّ، قال: أو تعلم سكينة الغيب؟ فلم يزل بي حتى أذنت له، فمضى وبات عند جواريه، فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلّة وشي كانت لزيد قيمتها ألف دينار، وركبت فرسه وجئت إلى النساء، فسلّمت فرددن علي السلام وأجللنني وسألنني عن نسبي، فانتسبت بنسب زيد، فحادثنني وأنسن بي، فجاءني شيخ فسلّم علي وعظمني وسألني فأخبر بنسبي فنظر إلي وقال: ما هذه خلقة قرشيّ ولا هو إلا عبد، ثم بادر إلى بيته، وعلمت أنه يريد شرا، فركبت الفرس ثم مضيت، ولحقني فرماني بسهم ما أخطأ قربوس السرج، وما شككت في أنه يلحقني بآخر فيقتلني، فسلحت يعلم الله في ثيابي ولوثتها ونفذ إلى الحلّة فصيّرها شهرة، وأتيت رحل زيد، فجلست أغسل الحلّة وأنشفها، وأقبل زيد فرأى ما لحق بالحلة والسرج، فقال لي: ما القصة ويلك؟ فقلت: يا سيدي، الصدق أنجى وأسلم، وحدثته الحديث، فاغتاظ، ثم قال لي: ألم يكفك أن تلبس حلتي وتصنع ما صنعت، وتركب فرسي وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي وفضحتني وجعلتني عند العرب ولاجا (١)، أنا نفيّ من أبي، منسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبالغ فيك، أو قال: في ذلك، ثم لقي الخليفة، وعاد ودخلنا إلى سكينة، فسألته عن خبره كله، فحدثها فقالت له: هل مضيت إلى جواريك؟ فقال: لا أدري، سلي ثقتك، فدعت بي فسألتني، فبدأت فحلفت بكل يمين محرجة أنه ما مرّ بالطائف، ولا فارقني، ولا دخلها، فقال: اليمين التي حلفها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف وبت عند جواري وغسلتهن (٢) جميعا، وأخذ مني ثلاث مئة دينار،
стр. 4283
وفعل كذا وكذا، وأراها الحلة والسرج، فقالت لأشعب: فعلتها، أنا نفية من أبي إن لم أنفقها إلا فيما يسوؤك ثم أمرت بكبس (١) منزلي واحضارها الدنانير، فأحضرت، واشتري بها خشب وبيض وسرجين (٢)، فعملت من الخشب بيتا وحبستني فيه، وحلفت ألا أخرج منه حتى أحضن البيض كله، فمكثت أربعين يوما إلى أن نقب كله وخرج منه فراريج كثير، فربتهن وتناسلن وكن في المدينة يسمّين أولاد أشعب، وهن إلى اليوم بالمدينة يسمين بذلك، وتزيد على الألوف، كلهن أقاربي وأهلي، قال [ص ٣١] إبراهيم: فضحكت والله منه ضحكا ما أذكر أني ضحكت قدره قط، ووصلته، ولم يزل عندي زمانا حتى خرج إلى المدينة.
قال: كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأولعهم، وبلغ من عبثه أنه كان يجيء إلى منزل الرجل له لقب يغضب منه، فيقول: أنا فلان بن فلان، ثم يهتف به بلقبه فيشتمه أقبح شتم، وأبان يضحك، قال: فبينا أشعب ذات يوم عند داره، إذ أقبل أعرابي معه جمل، والأعرابي أشقر أزرق غضوب يتلظّى كأنه أفعى، ويتبين الشر في وجهه، فقال أبان: هذا والله من البادية، ادعوه، فدعا به، فقيل له: إن الأمير أبان بن عثمان يدعوك، فأتاه، فسلم عليه، فسأله عن نسبه، فانتسب له، فقال:
حيّاك الله يا خال، اجلس، فقال: إني في طلب مثل جملك هذا منذ مدة، فلم أجده كما أشتهي بهذه الهامة، وبهذا اللون والصدر والورك والأخفاف، والحمد لله الذي أظفرني به عند من أحبه، أتبيعه؟ قال: نعم أيها الأمير، قال: فإني قد بذلت مئة دينار، وكان الجمل يساوي عشرة، فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ وبان الطمع في وجهه، فأقبل أبان على أشعب وقال: ويلك يا أشعب، إن خالي من
стр. 4284
أهلك وأقاربك - يعني في الطمع - فأوسع له ما عندك، قال: نعم بأبي أنت وأخي وزيادة، فقال له: يا خال، إنما زادك في الثمن على بصيرة، إن الجمل يساوي ستين دينارا، ولكني زدتك وبذلت لك مئة [لقلة النقد عندنا] فزاد طمع الأعرابي وقال: قد قبلت ذلك أيها الأمير، فأسر إلى أشعب وأخرج شيئا مغطى وقال: أظهر ما جئت به، قال: فأخرج جرد عمامة خز تساوي أربعة دراهم، فقال: قومها يا أشعب، فقال: عمامة الأمير، تعرف به، ويشهد فيها الأعياد والجمع، ويلقى فيها الخلفاء، خمسون دينارا، فقال: ضعها بين يديه، وقال لكاتبه: أثبت قيمتها، فكتب ذلك، ووضعت العمامة بين يدي الأعرابي، فكاد يدخل بعضه في بعض غيظا، ولم يقدر على الكلام، ثم قال هات قلنسيتي، فأخرج قلنسية طويلة خلقة قد علاها الوسخ والدهن وتخرقت تساوي نصف درهم، فقال: قلنسية الأمير، تعلو هامته ويصلي فيها الصلوات ويجلس للحكم، ثلاثون دينارا، فقال: أثبت، فأثبت، ووضعت [ص ١٣٢] بين يدي الأعرابي فتربّد وجهه، وجحظت عيناه وهم بالوثوب، وتماسك قليلا وهو متقلقل ثم قال أبان لأشعب: هات ما عندك، فأخرج خفين خلقين قد نقبا وتقشرا، فقال:
قوم، فقال: خفا الأمير يطأ بهما الروضة، ويعلو منبر النبي ﷺ أربعون دينارا، فقال: ضعها بين يديه، فوضعها، ثم قال لبعض الأعوان (١):
اذهب فخذ الجمل، وقال لآخر: امض مع الأعرابي فاقبض ما عنده من بقية الثمن المباع وهو عشرون دينارا، فوثب الأعرابي وأخذ القماش فضرب به وجه القوم، ثم قال لأبان: أتدري أصلحك الله من أي شيء أموت؟ قال: لا، قال: حيث لم أدرك أباك عثمان فأشترك والله في دمه، إذ ولد مثلك، ثم نهض مثل المجنون فأخذ بزمام بعيره، وضحك أبان حتى سقط، وكان الأعرابي إذا لقي أشعب يقول: يا بن
стр. 4285
الخبيثة هلم إلي حتى أكافئك على تقويمك المتاع، فيهرب منه أشعب.
قال: لاعب أشعب رجلا بالنرد فأشرف على أن يقمره (١)، إلا أن يضرب دويك (٢)، ووقع الفصان في يد الرجل فأصابه زمع (٣)، وخرج فضرب يكين وضرط مع الضربة، فقال أشعب: عليه من امرأته الطلاق إن لم أحسب له الضرطة نقطة حتى يصير اليكان دويك ويقمر، فسلم إليه القمر بسبب الضرطة.
وكانت صنعته في الغناء طيبة، فمن صنعته في شعر كثير، وهو الصوت الذي ذكرت أخباره بسببه: (٤) [المتقارب].
ألا ناد جيراننا نقصد … فنقضي اللبانة أو نعهد
كأن على كبدي جمرة … حذارا من البين ما تبرد
توفي أشعب سنة أربع وخمسين ومئة.
٤٨ - يونس الكاتب (٥)
كمل بالطرب أدواته، وجعل جس العود دواته، وكانت أنامله بالوتر أليق من
стр. 4286
القلم، وأوفق بإمداد مما يمده المداد من الظلم، حلق فيه تحليق الطائر، وحقق فيه ما لا يحقق من النظائر، وأطرب من سمع، وأطرق (١) كل مجتمع، حتى ألف أنغامه، وخلف لأنف الحاسد إرغامه، وقسم أنواع الضروب، وغال [ص ١٣٣] الأفئدة بالأكول الشروب.
قال أبو الفرج: هو أول من دون الغناء، ويقال: إنه خرج إلى الشام في تجارة، فبلغ الوليد بن يزيد مكانه، فلم يعلم يونس إلا ورسله قد دخلت عليه الخان، والوليد اذ ذاك أمير، قال: فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير، لا أدري من هو، إلا أنه أحسن الناس وجها، فسلمت وأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب والجواري، فغنيت: (٢) [الخفيف]
إن يعش مصعب فنحن بخير … قد أتأنا من عيشنا ما نرجّي
ثم تنبهت، فقطعت الصوت، فقال: مالك، فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب، فضحك وقال: إن مصعبا قد مضى وانقطع أثره، ولا عداوة بيني وبينه، إنما أريد الغناء، فامض في الصوت، فعدت فيه فغنيته ولم يزل يستعيده حتى أصبح، فشرب عليه مصطبحا، وهو يستعيد في الصوت لا يجاوزه حتى مضت ثلاثة أيام، قلت: أيها الأمير، جعلني الله فداك إني رجل تاجر، خرجت مع تجارة وأخاف أن يرحلوا فيضيع مالي، فقال: أنت تغدو غدا، وشرب باقي ليلته، وأمر لي بثلاثة آلاف دينار، فحملت إليّ، وغدوت إلى اصحابي، فلما خرجت من عنده، سألت عنه، فقيل: هذا الأمير الوليد بن يزيد، ولي عهد أمير المؤمنين هشام، فلما استخلف بعث إليّ فأتيته، ولم أزل معه إلى أن قتل.
стр. 4287
٤٩ - أحمد النّصبيّ (١)
رجح سعدا، ونجح وعدا، وأقمر أمله، وأثمر بحسن الصنيعة عمله، وكان من رؤساء أهل الغناء، وجلساء الملوك المصغين لمسامعهم للاجتناء، إذا استقر في المجلس تحرك، وراجع رأيه زمان السرور واستدرك، وتكاثر الآباء، وتناثر الحباء، وجاءت النعم وفاقا، والدّيم دفاقا، واقتدحت بروح وتتوجت بأقدامها هام الراح، وتسلبت حتى الهموم القطاع، وحفظ الأدب، وأما النّدّ فضاع.
قال أبو الفرج: هو أول من غنى بالطنبور في الإسلام، وكان ينادم عبيد الله بن زياد سرا [ص ١٣٤] ويغنيه، وله صنعة كثيرة حسنة، كان مؤاخيا لأعشى همدان (٢) مواصلا له، وأكثر غنائه في شعره، يقال: لقي أعشى همدان وأحمد النصبي خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليمان (٣) بن صالح بن سعيد بن جابر العنبري، وكان منزله بساباط المدائن (٤) فأحسن قراهما، وأمر لدوابهما
стр. 4288
بعلوفة وقضيم، واقسم عليهما أن ينتقلا عنده، ففعلا، فعرض عليهما الشراب فأجابا، فوضع بين أيديهما، وجلسا يشربان، فقال أحمد للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرا تمدحه به حتى أغني فيه، فقال الأعشى يمدحه: (١)
[السريع]
يا أيّها القلب المطيع الهوى … أنّى اعتراك الطرب النازح
تذكر جملا فإذا ما نأت … طار شعاعا قلبك الطامح
يقول فيها:
إني توسّمت امرأ ماجدا … يصدق في مدحته المادح
ذؤابة العنبر واخترته (٢) … والمرء قد ينعشه الصايح (٣)
قد علم الحيّ إذا أمحلوا … أنّك رفّاد لهم مانح
في الليلة القالي قراها التي … لا غابق فيها ولا صابح
فالضيف معروف له حقّه … له على أبوابكم فاتح
والخيل قد تعلم يوم الوغى … أنّك عن جمرتها ناضح
قال: فغنى أحمد النصبي في هذه الأبيات، وجارية لسليم في السطح جالسة، فسمعت الغناء فنزلت إلى مولاها، فقالت: إني سمعت من أضيافك شعرا ما سمعت أحسن منه، وغناء في غنوة فيه أحسن غناء سمعته، فخرج مولاها فاستمع حتى فهم، ثم نزل فدخل عليهما فقال: لمن هذا الشعر والغناء؟
ومن أنتما؟ فقال: الشعر لهذا وهو أبو المصبح أعشى همدان، والغناء لي وأنا
стр. 4289
همدان النصبي (١)، فانكبّ على رأس أعشى همدان فقبّا (٢) وقال: كتمتماني أنفسكما وكدتما تفارقاني ولم أعرف خبركما، قال: فاحتبسهما عنده شهرا، ثم حملهما على فرسين وقال: [ص ١٣٥] خلّفا عندي ماكلّ من دوابكما، ثم ارجعا من مغزا كما إليّ، فمضيا إلى مغزاهما فأقاما حينا ثم انصرفا، فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبا، قال: وما هو؟ قال: أرى فوق سطح سليم ثعلبا، قال: لئن كنت صادقا، فما بقي في القرية أحد، قال: فدخلنا القرية فوجدنا سليما وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم، وانتقل باقيهم.
٥٠ - سليم (٣)
مطرب قد هزج، ومدير سلاف لو مزج بالروح لا متزج، وكان في أمره عجبا، وبطربه لا يدع محتجبا، وفتى القيان، وأتى بما يملأ العيان، وكان هذا شحيحا لحزا، لا يجري دفقا ولا نزرا (٤)، على ما كان له من وفور إدرار، وسني الجوائز التي تقر له كل قرار.
قال أبو الفرج، قال أبو الحاجب الأنصاري، قال لي سليم يوما: امض إلى موسى ابن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه الظهر، فأخرج إلينا ثلاثين جارية محسنة ونبيذا، ولم يطعمنا شيئا، ولم نكن أكلنا [شيئا] فغمز (٥) موسى غلامه، فذهب فاشترى لنا خبزا وبيضا، ودخلنا الكنيف (٦)، فجلسنا
стр. 4290
نأكل، فدخل إلينا، فلما رآنا نأكل خاصمنا وقال: أهكذا يفعل الناس؟ تأكلون ولا تطعموني، وجلس معنا في الكنيف يأكل كما نأكل حتى فني ذلك.
قال إسحاق: غنّى سليم يوما وبرصوما يزمر عليه بين يدي الرشيد، فقصر في موضع صيحة، فأخرج برصوما الناي (١) من فمه ثم صاح: يا أبا عبد الله، صيحة أشد من هذا، فضحك الرشيد حتى استلقى. قال إسحاق: وضحكت أنا ضحكا ما أذكر أني ضحكت قط مثله.
قال محمد بن الحسن: إنما أخّر سليما عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي صنعته هزج، وغنى سليم بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج فأطربه، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وقال: لو كنت حكم الوادي ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك شيئا.
٥١ - ابن عبّاد الكاتب (٢) [ص ١٣٦]
جمع الصنعتين فأبدع، وفاق فيهما لكنه سرّ من رأى دون سروره من استمع، كان في الغناء للقلب خالبا، وللب سالبا، وللسرور جالبا، وللهم الذي شد خناقه على الصدور غالبا، وله طرف تحكى، وغرائب تروى، آثار تنقل، وأصوات تطرب.
стр. 4291
قال أبو الفرج الأصفهاني، قال ابن عباد: إني لأمشي بأعلى مكة في العشر (١)، إذا أنا بمالك على حمار له ومعه فتيان من أهل المدينة، فظننت أنهما قالا له: هذا ابن عباد، فمال إليّ، فملت إليه، فقال لي: أنت ابن عباد، فقلت: نعم، فقال: مل معي هاهنا، فأدخلني شعب ابن عامر، ثم أدخلني دهليز ابن عامر، قال: غنّني، قلت: أغنّيك وأنت مالك، وقد كان يبلغني أنه يثلب أهل مكة، ويتعصب عليهم، فقال: بالله إلا غنّيتني صوتا من صنعتك، فاندفعت فغنيته: [الوافر]
ألا يا صاحبيّ قفا فعوجا … على ربع تقادم بالمنيف (٢)
فأمست دارهم شحطت وبانت … وأضحى القلب يخفق ذا وجيف
وما غنيته إياه إلا على احتشام، فلما فرغت نظر إليّ وقال: والله لقد أحسنت، ولكن حلقك كأنه حلق زانية، فقلت: أما إذ (٣) أفلت منك بهذا فقد أفلتّ.
قال: وبقي ابن عباد إلى أيام المهدي، فقدم بغداد وتوفي بها في أيامه، ودفن بباب حرب.
٥٢ - يحيى المكّي (٤)
رابط فكر سانح، وخاطر مانح، واضطلاع فيما نقل، واطلاع على ما كان
стр. 4292
يظن أنه لم يقل، وإتقان لصنعته يجمع طرقتها (١)، ويعرف فرقها، ويؤنس غربتها، ويحلّي غربلتها، وأذن الخلافة مصغية إلى اجتناء الطرائف، واقتناء الشرايف، واستحسان الحسن، واستنطاق الألسن، فنفقت بضاعته، وفتقت الحجب، إلى القلوب صناعته.
قال أبو الفرج: قال أحمد بن سعيد المالكي: حضرت يحيى المكي يوما وقد غنّى لحنا لمالك، فسئل عن صانعه فقال: هذا لي، فقال إسحاق: قلت ما ذا؟ قلت:
فديتك، وتضاحك به، وأخبر [ص ١٣٧] أنه لمالك، فغنّى الصوت فخجل يحيى (٢)، وأمسك عنه، ثم غنّى بعد ساعة صوتا آخر، فسئل عنه فنسبه إلى الغريض، فقاله إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض ولا طريقته، فلو شئت لأخذت مالك وتركت للغريض ماله (٣) ولم تتعب، فاستحيا يحيى، ولم ينتفع بنفسه [بقية] يومه، فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف (٤) وهدايا، وكتب إليه يعاتبه ويقول له: لست من أقرانك فتضادني، ولا أنا ممن يتصدى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني وأنت أولى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري، فتسمو بي على أكفائك أحوج منك على أن تباغضني، وأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت أولى وما تختار، فعرف إسحاق صدقه فكتب إليه يعتذر، ورد الألطاف، وحلف له أن لا يعارضه بعدها، وكان يأخذ عنه غناء المتقدمين ويستفيد منه أشياء فاق بها نظراءه، وكان يحيى بعد
стр. 4293
ذلك إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلط فيما سئل عنه.
قال إسحاق يوما للرشيد قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكّي، أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال: نعم، قال:
أعطني أي شعر شئت حتى أصنع فيه، وسلني بحضرته عن صانعه، فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، وسلني وسل يحيى عنه إذا غنيته، فإنه لا يمتنع أن يدّعي معرفته، فأعطاه شعرا وصنع فيه لحنا وغناه الرشيد بحضرة يحيى، فسأله:
لمن هو، قال له إسحاق: لغناديس المدني، فأقبل الرشيد على يحيى فقال له:
لقيت غناديس المدني (١)؟ قال: نعم، وأخذت عنه صوتين، ثم غنّى صوتا وقال: هذا أحدهما، فلما خرج يحيى، حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا، وعتق جواريه، أن الله ما خلق أحدا اسمه غناديس، ولا سمع في المغنين ولا غيرهم وأنه وضع هذا الاسم في وقته.
قال زرزر مولى علي المالقي (٢)، قال إبراهيم بن المهدي يوما لمولاه: ويلك يا مارق (٣)، إن يحيى المكي غنّى البارحة أمير المؤمنين ذكر فيه صوتا فيه ذكر زينب (٤)، وكان النبيذ أخذ مني فأنسيت شعره، فاستعدته إياه، فلم يعده [ص ١٣٨] فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك علي سبق (٥)، فقال لي مولاي:
اذهب إليه وأعلمه أني أسأله أن يكون اليوم عندي، فمضيت إليه فجئت به، فلما قعدنا ووضع النبيذ، قال له المارقي: إني كنت سمعتك تغني صوتا فيه ذكر
стр. 4294
زينب، وأنا أحب أن آخذه منك، وكان يحيى يوفي هذا الشأن حقه ولا يحضر إلا بحذر، ثم لا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض، فقال له: وأي شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت، فقال: ما تريد؟ فقال: هات الدلية (١) الأزمنية، أما آن لك أن تملّها؟ قال: بلى، وهي لك، قال: وهذه الظباء الحرمية، أنا مكّيّ وأنا أولى بها منك، قال: هي لك، وأمر بحمل ذلك إليه، وقال: يا غلام هات العود، فقال يحيى: والميزان والدراهم وكان لا يغني صوتا إلا بخمسين درهما فأعطاه إياها، وألقى عليه الصوت وهو: (٢) [الطويل]
بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب … وقل إن تملينا فما ملّك القلب
فلم يشك المارقي أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم وأدرك حاجته، فبكّر إلى إبراهيم وقد أخذ الصوت، فقال: جئتك بالحاجة، فدعا بالعود، فغناه إياه، فقال: لا والله، ما هذا هو، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. فقال زرزر:
فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما، فلما دخل إليه وأكلا وشربا، قال له يحيى: قد واليت بين دعوتيك لي ولم تكن برا ولا وصولا، فما هذا؟ قال: لا شيء والله إلا محبتي لك، والأخذ عنك والاقتباس منك، فقال: سرّك الله، فمه؟ قال: تذكرت الصوت الذي سألتك إياه، فإذا ليس هو الذي ألقيته، قال: فتريد ما ذا؟ قال: تذكر الصوت، قال: أفعل، فغناه: (٣) [البسيط]
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا … قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا
فقال: نعم، فديتك يا أبا عثمان، هذا هو، فألقه عليّ، قال: العوض؟ قال: ما
стр. 4295
شئت، قال: هذا المطرف (١) الأسود، قال: هو لك، فأخذه وألقى عليه الصوت حتى استوى له، وبكّر إلى إبراهيم فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت الحاجة، فغناه إياه، فقال: خدعك والله، ليس هو هذا، فأعد الاحتيال عليه، وكلما تعطيه إياه فألزمني به، [ص ١٣٩] فلما كان في اليوم الثالث، بعث إليه، وفعل مثل فعله بالأمس، فقال له يحيى مالك أيضا؟ فقال: يا أبا عثمان، ليس هذا هو الصوت الذي أردت، قال له: لست أعلم ما في نفسك فاذكره، وإنما علي أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا تبقى زينب البتة إلا حضرت بها، قال: هات على اسم الله تعالى، [قال] (٢) اذكر العوض، قال: هذه الدّراعة الوشي التي عليك، فأخذها، قال: والخمسين درهما، فأحضرت، فأخذها وألقى عليّ: (٣) [الطويل]
لزينب طيف تعتريني طوارقه … هدّوا إذا النجم ارجحنّت لواحقه
فأخذه ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم، فقال له حاجبه:
ما تصل إليه، فقال له: قل له قد جئتك بحاجتك، فدخل فأعلمه، فقال له:
يدخل فيغنيه في الدار قائما، فإن كان هو، وإلا فليخرج، قال: ففعل ذلك، فقال: لا والله ما هو هذا، فعاود الاحتيال عليه، ففعل مثل ذلك، فقال له يحيى وهو يضحك: ما ظفرت بزينبك بعد؟ قال: لا والله يا أبا عثمان، وما أشكّ إلا أنك تعتمدني بالمنع (٤) مما أريده، وقد أخذت كل شيء عندي معابثة، فقال له يحيى: قد استحييت الآن منك وأنا ناصحك على شريطة، قال: نعم، قال:
стр. 4296
الشريطة أن لا تلمني أن أعاتبك لأنك أخذت في معاتبتي (١) والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال عليّ فإنك لا تظفر مني بما تريد، وقد دسّك إبراهيم عليّ لتأخذ صوتا غنيته، وسألني إعادته فمنعته إياه، بخلا عليه به، لأنه لم يلحقني منه خير ولا بركة، ويريد أن يأخذ غنائي باطلا وطمع بموضعك عندي أن يأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد، لا والله، إلا بأوفر ثمن وبعد اعترافك، وإلا فلا تطمع في الصوت، فقال له: أما إذا قد فطنت فتغنيه الآن إن كان هو، وإلا فعليك إعادته بعينه ولو غنّيتني كلّ شيء تعرفه لما أحسنت (٢) لك إلا به، فقال: اشتره، فتساومنا طويلا، وما كسته إلى أن استقرّ الأمر على ألف درهم، فدفعتها إليه، وألقى: (٣) [الكامل]
طرقتك زينب والمزار بعيد … بمنى ونحن معرّسون هجود
فكأنّما طرقت بريّا روضة … أنف تسجّح مزنها وتجود (٤)
[ص ١٤٠] قال: وهو صوت كثير العمل، حلو النغم، كثير الصنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع، فأخذه وبكّر إلى إبراهيم فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأعراني وأبلاني بوجه يحيى وشحه وشرهه، وحدثه بالقصة فضحك إبراهيم، وغناه إياه، فقال: هو هذا وأبيك هو بعينه، فألقاه عليه حتى أخذه، وأخلف كل شيء أخذه يحيى منه، وزاده خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون (٥) أشهب بسرجه ولجامه، وقال له: يا سيدي، فغلامك زرزر المسكين قد تردد عليه حتى ظلع (٦)، هب له شيئا، فأمر له بألف درهم.
стр. 4297
قال: كان إبراهيم بن المهدي في مجلس محمد الأمين، والمغنون حضور، فغنّى يحيى المكي: (١) [مجزوء الوافر]
خليل لي أهيم به … فلا كافا ولا شكرا
فاستعاده إبراهيم وأحب أن يأخذه منه، فجعل يحيى المكي يفسده، وفطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم وأمره برده وترك التخليط فيه، فدعا له، وقبّل الأرض بين يديه، وردّد الصوت وجوّده، فاستعاده إبراهيم، فقال له يحيى:
ليست تطيب نفسي لك به إلا بعوض من مالك، ولا أنصحك والله، فهذا مال أمير المؤمنين مولاي فلم تأخذ أنت غنائي، فضحك الأمين وحكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم، فأحضره (٢) وقبّل يحيى يده، فأعاد الصوت وجوّده، فنظر إلى مخارق وعلوية متطلعين لأخذه، فقطع الصوت، ثم أقبل عليهما فقال:
قطعة من خصية الشيخ تغطّي أستاه عدة صبيان، والله لا أعدته بحضرتكما، ثم أقبل على إبراهيم بن المهدي، فقال له: يا سيدي، أنا أصير إليك حتى تأخذه متمكنا، ولا يشركك فيه أحد، فصار إليه فأعاده حتى أخذه، وأخذه جواريه.
قال: غنّى ابن جامع للرشيد يوما بيتا، وهو هذا: (٣) [الكامل]
إنّي امرؤ مالي يقي عرضي … ويبيت جاري آمنا جهلي
فأعجب به الرشيد، فاستعاده مرارا وأسكت لابن جامع سائر المغنين، وجعل
стр. 4298
يسمعه ويشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، وعشر خلع، وعشرة خواتم، وانصرف، ومضى إبراهيم الموصلي من وجهه إلى يحيى المكي، فأخبره بالذي كان [ص ١٤١] من ابن جامع، واستغاث به، فقال له يحيى: أفزاد على البيت الأول شيئا؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن زدتك بيتا ثانيا لم يعرفه إسماعيل، أو عرفه ثم انسيه، طرحته عليك حتى تأخذه، ما تجعل لي؟ قال: النصف مما يصل إلي بهذا البيت، قال: والله؟ قال: والله، فلما استوثق منه بالأيمان، ألقى عليه:
[الكامل]
وأرى الذّمامة للرفيق إذا … ألقى رحالته إلى رحلي
فأخذه وانصرف، فلما حضر المغنون من غد، كان اول صوت غنّاه إبراهيم هذا الصوت، وتحفّظ فيه وأحسن فيه كل الإحسان، فطرب الرشيد عليه واستعاده حتى سكر، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف دينار (١)، وعشرة خواتيم وعشر خلع، فحمل ذلك معه وانصرف من وجهه إلى يحيى، فقاسمه ومضى إلى منزله، وانصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، وكان يحيى في بقايا علة، فاحتجب عنه، فدفع ابن جامع في صدر بوّابه، ودخل إليه، وقال: إيه يا يحيى، كيف صنعت، ألقيت الصوت على الجرمقاني (٢)، لا دفع الله صرعتك، ولا وهب عافيتك، وتشاتما ساعة، وخرج ابن جامع من عنده وهو مدوّخ.
قال يحيى المكي: أرسل اليّ الرشيد، فدخلت عليه، وهو جالس على كرسي بتلّ
стр. 4299
دارا (١)، فقال: يا يحيى غنّني: (٢) [الطويل]
متى تلتقي الألاّف والعيس كلّما … تصعّدن من واد هبطن إلى واد
قال: فلم أزل أغنّيه إيّاه، ويتناول أقداحا، إلى أن أمسى، فعددت عليه عشر مرات استعاده فيها، وشرب عليه عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وأمرني بالانصراف.
٥٣ - حكم الوادي (٣)
تنقل في فنون الطرب، وتوقل الرجال في الطلب، وكان مثل حمامة الوادي طربا، يصدع زجاجة الأحشاء، ويكون حاجة الانتشاء، ويفعل في هذا شبيه السحر في التخييل، ونظيره في التضليل، ومثله في تحسين (٤) الأباطيل، وكان على اتفاق، وعمله كله على النفاق.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: سمعت حكم الوادي يغنّي صوتا فأعجبني، فسألته: لمن هذا؟ قال: ولمن يكون إلا لي (٥)؟ [ص ١٤٢] قال: وغنّى حكم الوادي يوما فقال له رجل، أحسنت، فألقى الدف بين يديه وقال للرجل: قبحك
стр. 4300
الله، تراني مع المغنين منذ ستين سنة [وتقول لي أحسنت؟]
قال إسحاق: أربعة بلغوا في الإحسان في أربعة أجناس مبلغا قصر عنهم غيرهم، معبد في الثقيل الأول، وابن سريج في الرمل، وحكم في الهزج، وإبراهيم في الماخوري (١).
ويقال: إن حكم الوادي غنّى في الأهزاج في آخر عمره، فلامه ابنه على ذلك وقال:
بعد الكبر تغني غناء المخنثين، فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنّيت الثقيل ستين سنة فلم أفد إلا القوت، وغنيت الأهزاج منذ سنتين فكسبت مالم تر مثله قط.
قال يحيى بن خالد: ما رأينا فيمن يأتينا من المغنين أجود أداء من حكم الوادي، وليس أحد يسمع منه غناء إلا وهو يغيره ويزيد فيه وينقص، إلا الحكم، فقيل لحكم ذلك، فقال: إني لست أشرب، وهؤلاء يشربون، فإذا شربوا تغيّر غناؤهم.
٥٤ - عمر الوادي (٢)
رجل نغمه بالطرب موصول، وإلى خلب الكبد له وصول، لو مرّ السيل المنحدر لوقف وأنصت، أو الطير في جو السماء لخرس وما صوّت، مع حسن
стр. 4301
صنعة لا يدخل الخلل ضروبها، ولا يكون بلوغ الأمل ضريبها، ولا يتم سرور المجالس إلا إذا سمع منه في جنباتها، وطلع عوده المخضرّ الغضّ في جنباتها، فكان مجنى المحاضر، ومنى السامع والناظر.
قال أبو الفرج: اتصل بالوليد بن يزيد فتقدم عنده، وكان يسميه جامع لذاتي ومحيي طربي، وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس عهدا به.
وقيل إن الوليد كان يوما جالسا وعنده عمر الوادي وأبو رقيّة، وكان ضعيف العقل [ص ١٤٣] وكان يملي المصحف على [أم] الوليد (١)، فقال الوليد لعمر وقد غنّاه صوتا: أحسنت والله يا جامع لذاتي، وأبو رقية مضطجع، وهم يحسبونه نائما، فرفع رأسه إلى الوليد وقال له: وأنا جامع اللذات لأمك، فغضب الوليد وهمّ به، فقال له عمر الوادي: والله جعلني الله فداك ما يعقل أبو رقيّة وهو سكران، فأمسك عنه، قال عمر الوادي: بينا أنا أسير من العرج (٢) والسّقيا، إذ سمعت إنسأنا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه، وهو هذا: (٣) [الطويل].
وكنت إذا ما جئت ليلى بأرضها … أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها … إذا ما انقضت أحدوثة أن تعيدها
فكدت أسقط من ناقتي طربا، فقلت: والله لألتمسن الصوت والوصول إليه ولو بذهاب عضو من أعضائي، فقصدت نحو الصوت حتى ذهبت من الشرف (٤)، وإذا أنا برجل يرعى غنما، فإذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي
стр. 4302
أقصدني (١) إليه، وسألته إعادته عليّ، فقال: والله لو كان عندي قرى (٢) لما فعلت، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا جائع فأشبع، وكسلان فأنشط، ومتوحش فآنس، فأعاده عليّ مرارا حتى أخذته، فو الله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة، ولقد وجدته كما قال.
قال عمر الوادي: خرج إليّ الوليد بن يزيد يوما، وفي يده خاتم فضة وعليه ياقوت أحمر، فقال لي: أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم والله يا مولاي، فقال:
غن في هذه الأبيات التي أنشدكها، واجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي فهنيئا لك، فقلت: أجهد وأرجو التوفيق، فقال: (٣) [مجزوء الوافر]
ألا يسليك عن سلمى … قتير الشّيب والحلم
وأنّ الشّك ملتبس … فلا وصل ولا صرم
وكيف بظلم جارية … ومنها اللين والرّحم
فخلوت في بعض المجالس، وما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه وعلى رأسه وصيفة وبيدها كأس، وهو يروم شربه فلا يقدر خمارا (٤)، فقال: ما صنعت؟ قلت: قد [ص ١٤٤] فرغت ممّا (٥) أمرت به، وغنيته، فصاح: هذا والله، ووثب قائما، وأخذ الكأس وقال: أعد فديتك، فأعدته عليه، فشرب ودعا ثانيا وثالثا ورابعا، وهو على حاله يشرب قائما حتى كاد أن يسقط، وجلس ونزع الخاتم والحلة التي كانت عليه، وألبسنيها وأجلسني في حجره وقال: و [الله] العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر، وما زلت أعيده ويشرب حتى مال على جنبه سكرا ونام.
стр. 4303
٥٥ - أحمد بن يحيى المكّي (١)
أطنب فأطرب، وأعرب فأغرب، وجمع شتى الأصوات وزيّنها، وأتى بالغرائب وحسّنها، وانهل منه صيّب لا يعرف الإمساك، وتدفق سكوب لو كنت تتذكر معه البحر لأنساك، تقدم في أهل صناعته حتى كان لا يراهم إلا إذا التفت، وفرع منهم حاجة الجلساء حتى تمسكت به فاكتفت.
قال أبو الفرج، قال جحظة، حدثني محمد بن أحمد بن يحيى المكّي، قال: ناظر أبي بعض المغنين ليلة بين يدي المعتصم وطال تلاحيهما في الغناء، فقال [أبي] للمعتصم: يا أمير المؤمنين، من شاء منهم فليغنّ عشرة أصوات لا أعرف فيها ثلاثة، وأنا أغني عشرة وعشرة وعشرة، لا يعرف أحد منهم صوتا منها، فقال إسحاق: صدق يا أمير المؤمنين، واتبعه ابن بسخنر وعلوية (٢)، فقالا: صدق إسحاق يا أمير المؤمنين، فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال محمد (٣): ثم عاد ذلك الرجل إلى مماظته (٤) يوما، فقال: قد دعوتك إلى النصفة فلم تقبل، وأنا أبدأ بما دعوتك إليه، فاندفع فغنّى عشرة أصوات، فلم يعرف أحد منهم صوتا واحدا، كلها من الغناء القديم، والغناء اللاحق به صنعة المكييّن الحذّاق
стр. 4304
الخاملي الذكر، فاستحسن المعتصم منها صوتا، فأسكت المغنين له، وأعاده مرات وهو يستعيده، ولم يزل يشرب عليه سحابة يومه، وأمر له بألفي دينار، وخلع عليه وعلى جماعته الندماء مماطر (١) لها شأن من ألوان شتى، فسأل عبد الوهاب ابن علي أن يرد عليه الصوت [ص ١٤٥] ويجعل له ممطره، فغنّاه إيّاه، فلما خرجوا للانصراف أمر غلمانه بدفع الممطر إلى غلمان أبي، فسلموه إليهم.
والصوت: (٢) [الخفيف]
لعن الله من يلوم محبّا … ولحى الله من يحبّ فيابى
ربّ إلفين أظهرا الحبّ دهرا … فعفا الله عنهما حين تابا
٥٦ - بذل (٣)
جارية نقصت البدور المقمرة، واستنقصت فيها القناطر المقنطرة، وتحاسدت عليها الملوك وأصحاب الأسرة، واهتبلت فيها الغرّة، وسخت فيها النحر بمنى، وأمتحن بمماثلة (٤) طيبها المسك فأصبح تحت الفهر ممتهنا، وكانت رأسا في الطرب، إلا أنه بالتاج معتصب، ولهوى الخلفاء مغتصب، وبرزت على كل ذات قناع، وأخذت القلوب بلا امتناع، وكانت أعلام الغناء نكرات لديها، ومنكرات
стр. 4305
لا تصل إليها، يعترف لها مثل ابن المهدي، ويعترض عليها حتى تحضر معها في الندي، وكان لا يرى بنو العباس غير فينتها شرفا، ولا بعد أدنى هوى الرشيد في هواها إلا سرفا (١).
قال أبو الفرج: كانت حلوة الوجه ضاربة متقدمة، وابتاعها جعفر بن موسى الهادي وأخذها منه محمد الأمين، وكانت قد وصفت له فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها فأبى، فزاره إلى منزله فسمع شيئا لم يسمع مثله، فقال لجعفر:
بعني يا أخي هذه الجارية، فقال: يا سيدي مثلي لا يبيع جارية، فقال: هبها لي، فقال: هي مدبّرة (٢)، فاحتال عليه محمد حتى أسكره، وأمر ببذل فحملت معه إلى الحرّاقة (٣) وانصرف بها. فلما انتبه جعفر سأل عنها، فأخبر بخبرها، فسكت، فبعث إليه محمد من الغد، فجاءه وبذل جالسة فلم يقل له شيئا، فلما اراد جعفر الانصراف قال: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم، فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم، قال: وبقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل، ثم خرجت، وكان ولد محمد يدعون ولاءها، فلما ماتت ورثها ولد عبد الله بن [ص ١٤٦] محمد الأمين.
وقيل: كان محمد الأمين قد وهب لها من الجوهر شيئا لم يكن يملك أحد مثله، فسلم لها، فكانت تخرج منه الشيء فتبيعه بالمال العظيم، إلى أن ماتت.
وكان إبراهيم بن المهدي (٤) يعظمها ويتوافى لها، ثم تغير بعد ذلك استغنى بنفسه عنها، فعلمت ذلك وصارت إليه، ودعت بعود وغنّت في طريقة واحدة
стр. 4306
وإيقاع واحد مئة صوت، لم يعرف إبراهيم منها واحدا ووضعت العود وانصرفت، فلم تدخل داره حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه.
قال أحمد بن شعيب المكي: خالف بذلا إسحاق في صوت غنّته بحضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعة، ثم غنّت ثلاثة أصوات في الثقيل الثاني، واحدا بعد واحد، وسألت إسحاق عن صانعها، فلم يعرفه، فقالت (١) للمأمون: هي والله يا أمير المؤمنين لأبيه أخذتها من فيه، فإذا كان لا يعرف غناء أبيه، فكيف يعرف غناء غيره فاشتد (٢) ذلك على إسحاق حتى بان فيه.
قال: وذكر أن المأمون كان قاعدا يوما يشرب، ومعه قدح، إذ غنّت بذل: (٣)
[الطويل]
ألا لا أرى شيئا ألذّ من الوعد … ومن أملي فيه وإن كان لا يجدي
فجعلته:
ألا لا أرى شيئا ألذّ من السّحق
فوضع المأمون القدح من يده، والتفت إليها، فقال: بلى النّيك ألذّ من السّحق، فتشوّرت (٤) وخافت غضبه، فأخذ قدحه وقال: أتمي صوتك وزيدي فيه: (٥)
ومن غفلة الواشي إذا ما أتيتها … ومن زورتي أبياتها خاليا وحدي
стр. 4307
ومن ضحكة في الملتقى ثم سكتة … وكلتاهما عندي ألذّ من الخلد
٥٧ - عزّة الميلاء (١)
وضرة الظبية الكحلاء، كان بيتها مأوى كل شريف، ومثوى كل ظريف، ونديّ كل ذي كلف نزح به الغرام، وقرح جفنه وأدماه حب الآرام، أقامت بالمدينة وفتية قريش تغشى معهدها المعمور، وترى مشهدها من مهمات الأمور، وأدركت من الأول السلف قوما شرفت برؤياهم، ولزمت [ص ١٤٧] بهم، ومن لطوالع الشموس بأن تلحق بأخراهم.
قال أبو الفرج، قال يونس: كان ابن سريج في حداثته يأتي المدينة فيسمع من عزّة ويتعلم غناءها، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنّى وضرب بالمعازف والعيدان، من الرجال والنساء.
وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة، يغشونها في منزلها فتغنيهم، وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره، فشقّ ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق منها، فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب، قال: إني سمعت والله ما لم أملك به نفسي ولا عقلي.
стр. 4308
قال خارجة بن زيد: دعينا إلى مأدبة في آل نبيط فحضرتها وحسان بن ثابت، فجلسنا معا على المائدة، وهو يومئذ قد ذهب بصره، ومعه ابنه عبد الرحمن، وكان إذا أتي بطعام سأل: أطعام يد أو يدين؟ يعني باليد الثريد، وباليدين الشواء، إلا أنه يمسّ مسّا، فإذا قيل له طعام يد أكل، وإذا قيل (١) يدين أمسك يده، فلما فرغوا من الطعام أتي بجاريتين مغنيتين إحداهما رائعة والأخرى عزّة، فجلستا وأخذتا مزهريهما وضربتا ضربا عجبا بقول حسان: (٢) [المنسرح]
انظر نهارا بباب جلّق هل … تؤنس دون البلقاء من أحد
فأسمع حسان يقول: (قد أراني هناك سميعا بصيرا)، وعيناه تدمعان، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء، فإذا غنتا بكت، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكت يشير إليهما أن تغنيا فيبكي أباه.
قال: كان بالمدينة رجل ناسك من أهل العلم والفقه، وكان يغشى عبد الله بن جعفر (٣)، فسمع جارية لبعض النخاسين تغني: [البسيط]
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا
فاستهتر (٤) بها وهام، وترك ما كان عليه، حتى مشى إليه عطاء (٥)
стр. 4309
وطاوس (١) فلاماه، فكان جوابه أن تمثّل بقول [ص ١٤٨] الشاعر: (٢)
[البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم … فما أبالي أطار النّوم أم وقعا
وبلغ عبد الله بن جعفر خبره، فبعث إليه النخاس، فاعترض الجارية، وسمع غناءها بهذا الصوت، وقال لها: ممن أخذته، فقالت: من عزّة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل، فسأله عن خبره، فأعلمه إياه وصدقه عنه، فقال: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذت عنه تلك الجارية، قال:
نعم، فدعا بعزة الميلاء وقال: غنّيه إياه، فغنّته، فصعق الرجل، وخرّ مغشيا عليه، فقال ابن جعفر: أثمنا فيه، الماء الماء، فنضح على وجهه، فلما أفاق قال: أكل هذا بلغ بك عشقها؟ فقال: وما خفي عليّ أكثر، قال: أتحب أن تسمع منها، قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها، فكيف يكون حالي إن سمعته منها، وأنا لا أقدر على ملكها، قال: أفتعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها! فأمر بها فأخرجت، وقال: خذها فهي لك، والله ما نظرت إليها إلا من عرض، فقبل الرجل يديه ورجليه، وقال: أنمت عيني، وأحييت نفسي، وتركتني أعيش بين قومي، ورددت إليّ عقلي، ودعا له دعاء كثيرا، فقال: ما أرضى أن أعطيها هكذا، يا غلام: احمل معه مثل ثمنها لكي تهتم بك، وتهتم بها.
стр. 4310
٥٨ - فند مولى عائشة (١)
جملة عجز وصدر صدّ وحجر أشدّ من مرزمة الإبل توانيا، وأعظم من مكدية الأمل تفانيا، أبطأ من الخيل نهوضا، وأطول من كلب أهل الكهف ربوضا، ولو سابقه المقيد في الوثاق لسبقه، والطائر المقصوص الجناح لبلغ قبله طلقه، يرى المخالفة طاعة، والسنة تمضي بتمامها، إذا أسرع في الحاجة ساعة، إلى تخلف عن كل خير وتوان إلا في فند يحثّ إليه السير، وقبح فعلة، بقيت بقاء الأبد، وعمرت أكثر من نسور لبد، وشؤم طلعة، وكساد سلعة، إلا أنه ممن ألحفه الأصفهاني الجناح، وذكرّ فغدا أوراح (٢).
قال أبو الفرج: كان يجمع بين النساء والرجال في منزله، فلذلك (٣) يقول فيه عبيد الله بن قيس الرقيات: (٤) [ص ١٤٩] [الخفيف]
قل لفند يسيّر الأظعانا … طالما سرّ عيشنا وكفانا
صادرات عشية من قديد … واردات مع الضّحى عسفانا (٥)
ويه يضرب المثل في الإبطاء، قال: أرسلته عائشة بنت سعد ليجيئها بنار، فخرج لذلك، فلقي عيرا خارجة إلى مصر، فخرج معهم، فلما كان بعد سنة رجع فأخذ نارا ودخل على عائشة وهو يعدو، فسقط وقد قرب منها، فقال: