رأيت الغانيات وكنّ صورا … إليّ صرمنني وقطعن حبلي
فطرب هارون حتى وثب على رجليه وصاح: يا آدم، لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك! ثم جلس وقال: أستغفر الله.
قال: علي بن عبد الكريم: زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جارية، فضربن جميعا طريقة واحدة، ثم غنّين فقال ابن جامع: في الأوتار وتر غير مستو، فقال إبراهيم: يا فلانة، شدي مثناك، فشدته [فاستوى]، فعجبت أولا من فطنته وابن جامع للوتر بعينه.
قال إبراهيم الموصلي: قال لي الرشيد يوما يا إبراهيم إني جعلت غدا للحرم، وجعلت ليلته للشرب مع الرجال، وأنا مقتصر من المغنين عليك، فلا تشغل غدا بشيء، ولا تشرب نبيذا، وكن بحضرتي وقت العشاء الآخرة، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: [ص ٢٤٦] وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لأضربن عنقك، أفهمت؟ قلت: نعم، وخرجت، فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه، ولا قرأت رقعة لأحد حتى صليت المغرب وركبت قاصدا إليه، فلما قربت من داره مررت بفناء قصر، وإذا زنبيل (١) كبير مستوثق منه بحبال وأربع عرى أدم، وقد دلي من القصر، وجارية تنتظر إنسانا قد وعد ليجلس فيه، فنازعتني نفسي، إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعله يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك، ولم أزل أنازع نفسي وتنازعني، حتى غلبتني، فنزلت وجلست فيه، ومدّ الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت فنزلت، فإذا جوار كأنهن المها جلوس، فضحكن وطربن، وقلن: قد جاء والله [من أردنا]، فلما رأينني من قريب تبادرن عني وقلن: يا عدو الله ما
стр. 4447
أدخلك إلينا؟ فقلت: يا عدوات أنفسهن من الذي أردتن إدخاله، ولم صار أولى بها مني؟ فلم يزل ذلك دأبنا، هن يضحكن وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن:
أما من أردنا فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلمن نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إليّ طعام ودعيت إلى أكله، فلم يكن فيّ فضل إلا أنني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذور، ثم جيء بالنبيذ فجلسنا نشرب، فأخرجن إليّ ثلاث جوار لهن فغنين غناء مليحا، وغنت إحداهن صوتا لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له، فقالت: يا فاسق، ما يدريك الغناء ما هو؟ ثم غنت الأخرى صوتا للغريض، فقالت: اللّهمّ أحسن إبراهيم هذا له أيضا، فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض، فقالت: اللّهمّ أخزه، ويلك ما يدريك؟ ثم غنت الأخرى صوتا لي فقالت تلك: أحسن ابن سريج هذا له، قلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه، وغناءه إليهم، قالت: ويلك وما يدريك؟ فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعا وظهرن كلهن لي وقلن: كتمتنا نفسك وقد سررنا، فقلت: أنا الآن أستودعكنّ الله، فقلن: ما السبب؟ فأخبرتهن بقصتي مع الرشيد، فضحكن وقلن: الآن طاب حبسك علينا، وعلينا إن أخرجت أسبوعا، فقلت: هو والله القتل، فقلن: إلى لعنة الله، فأقمت عندهن أسبوعا لا أزول، فلما كان بعد أسبوع، ودعنني وقلن: إن سلمك [ص ٢٤٧] الله، فأنت بعد ثلاثة أيام عندنا، فأجلسنني في الزنبيل وسرحت، فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، فإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي، وأن من أحضرني فقد سوغ ملكي وأقطع مالي، فاستأذنت فبادر الخادم حتى أدخلني إلى الرشيد، فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع (١)، إيه يا إبراهيم، تهاونت بأمري وتشاغلت
стр. 4448
بالعوام عما أمرتك به، وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، وما أمرت غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط، وهو الذي قطعني عنك ضرورة لا اختيارا، فاسمعه فإن كان عذرا فاقبله، وإلا فأنت أعلم، قال: هاته فليس ينجيك، فحدثته فوجم ساعة ثم قال: إن هذا لعجب، فتحضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحضر عندهن، وإن شئت على موعد، فقال: بل على موعد، قلت: أفعل، قال: انظر، قلت: ذاك حاصل لك مني متى شئت، فعدل عن رأيه في، وأجلسني وشرب وطرب، فلما أصبحنا أمرني بالانصراف، وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهن في وقت الموعد، فلما وافيت الموضع، إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه، ومده الجواري وصعدت، فلما رأينني تباشرن بي، وحمدن الله على سلامتي، وأقمت ليلتي، فلما أردت الانصراف قلت لهن: إن لي أخا هو عديل نفسي عندي، وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه فمرحبا، فواعدتهن ليلة غد وانصرفت، وأتيت الرشيد فأخبرته، فلما كان الوقت خرج معي متخفيا حتى أتينا الموضع، فصعدت وصعد بعدي، ونزلنا جميعا، وقد كان الله وفقني بأن قلت لهن (١):
إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه، ولا يسمع لكن نطقة وليكن ما تخترنه من الغناء أو تقلنه من قول مراسلة، فلم يتعدين ذلك، وأقمن على أتم ستر وخفر، وشربنا شربا كثيرا، وقد كان أمرني أن لا أخاطبه بإمرة أمير المؤمنين، فلما أخذ مني النبيذ، قلت سهوا يا أمير المؤمنين، فتبادرن من وراء الستار حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم قد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت لك واحدة منهن لضربت رقبتك، قم بنا، فانصرفنا، فإذا هنّ له، وقد [ص ٢٤٧]
стр. 4449
وقد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجّه من غد بخدم فردهن إلى قصره، ووهب لي مئة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف بعد ذلك تأتيني منهن.
قال مخارق: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا، فغناه ابن جامع، ونحن يومئذ بالرقة: (١) [الخفيف]
هاج شوقا فراقك الأحبابا … فتناسيت أو نسيت الربابا
حين صاح الغراب بالبين منهم … فتصاممت أن سمعت الغرابا
لو علمنا أن الفراق وشيك … ما انتهينا حتى نزور القبابا
أو علمنا حين استقلت نواهم … ما أقمنا حتى نزم الركابا
قال: فاستحسنه الرشيد وطرب عليه وأعجبه واستعاده مرارا، وشرب عليه أرطالا حتى سكر، وما سمع شيئا غيره ولا أعجبه، ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار، فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك، فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني غلامي بموافاته، فلقيته في دهليزي (٢)، فدخل فجلس وأجلسني بين يديه، ثم قال لي: يا مخارق، أنت نسيلة (٣) مني إحساني إليك، وقبحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا في طريقة صوته الذي غنّاه، أحسن صنعة منه وأشجى، وإنما يغلبني (٤) عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك،
стр. 4450
وإذا أطربته وغلبت عليه بما يأخذه مني، قام ذلك مقام الظفر، وسيصبح أمير المؤمنين، ويدخل الحمام غدا، ويحضر فيدعو بالطعام ويدعو بنا، ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه، ويشرب عليه رطلا، ويأمر له بجائزة، فإذا غناه فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلّمك السّاعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي أن لا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك، فقلت: السمع والطاعة، فألقى عليّ لحنه في أبيات لابن هرمة، وهي: (١) [المنسرح]
يا دار سعدي بالجزع من ملل … حييت من دمنة ومن طلل (٢)
إني إذا ما البخيل أمّنها … باتت ضموزا مني على وجل (٣)
[ص ٢٤٩] لا أمتع العوذ بالفصال ولا … أبتاع إلا قريبة الأجل (٤)
وردده حتى أخذته وانصرف، ثم بكر عليّ فاستعاد [الصوت] مني حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صار إلى الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، فلما استوفاه، واستوفى ابن جامع صوته، لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغي إليه، وهو باهت، حتى استوفيته، فشرب وقال: لمن هذا الصوت؟ قلت: لإبراهيم، فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت وأعيده حتى شرب عليه أرطالا، وأمر لإبراهيم بجائزة سنية، وأمر لي بمثلها، وجعل ابن جامع
стр. 4451
[يشغب ويقول] يجيء بالغناء فيدسّه في أستاه الصبيان، إن كان محسنا فليغنه (١) هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، قد والله استقاد (٢) منك وزاد.
قال يحيى بن عروة بن أذينة: خرجت في حاجة لي، فلما كنت بالسيالة (٣)، وقفت على منزل إبراهيم بن هرمة فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته: من هذا؟ فقلت: أعلمي أبا إسحاق، قالت: خرج آنفا قال، فقلت: هل من قرى، فإني مقو (٤) من الزاد، قالت: لا والله ما صادفته حاضرا، فقلت: فأين قول أبيك: [المنسرح]
لا أمتع العوذ بالفصال ولا … أبتاع إلا قريبة الأجل
قالت: فذاك والله أفناها
قال إسحاق: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومئة، اشتد أمر القولنج (٥) على أبي ولزمه، وكان يعتاده في الأحيان، فقعد عن الخدمة للخليفة، وعن نوبته في ذلك، وقال في ذلك: (٦) [مجزوء الرمل]
ملّ واللّه طبيبي … عن مقاساة الذي بي
سوف أنعى عن قريب … لعدوّ وحبيب [ص ٢٥٠]
стр. 4452
قال: وركب الرشيد حمارا ودخل يعوده، فوجده وهو جالس على الأبزن (١)، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم، فقال له: إنا والله يا سيدي كما قال الشاعر: (٢) [الوافر]
سقيم ملّ منه أقربوه … وأسلمه المداوي والحميم
فقال الرشيد: إنا لله، وخرج، فما بعد حتى سمع الواعية (٣) عليه قال عمر بن شبة: مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومئة، ومات في ذلك اليوم الكسائي و [العباس بن] الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ قيل: إبراهيم الموصلي، قال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف فقدم فصلّى عليهم وانصرف، ودنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي فقال:
يا سيدي، كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر، قال لقوله: (٤)
[الكامل]
وسعى بها واش فقالوا إنها … لهي التي تشقى بها وتكابد
ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم، قال: أنشدني باقيها، فأنشدته
لما رأيت الليل سدّ طريقه … عني وعذّبني الظلام الرّاكد
والنجم في كبد السّماء كأنه … أعمى تحير ما لديه قائد
ناديت من طرد الرقاد بصده … عما أعالج وهو خلو هاجد
стр. 4453
يا ذا الذي صدع الفؤاد بصده … أنت البلاء طريفه والتالد
ألقيت بين جفون عيني فرقة … فإلى متى أنا ساهر يا راقد
فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقا بالتقدمة؟ فقلت: بلى يا سيدي.
قال إسحاق: دخلت يوما إلى الرشيد بعقب وفاة والدي، وذلك بعد فوات شهرين (١)، فلما جلست، رأيت موضعه الذي يجلس فيه خاليا، فدمعت عيني فكفكفتها وتصبرت، فلمحني الرشيد، فدعاني إليه وأدناني منه، وقبلت يده ورجله، والأرض بين يديه، فاستعبر وكان رقيقا، فوثبت قائما، ثم قلت: (٢) [ص ٢٥١] [الخفيف]
في بقاء الخليفة الميمون … خلف من مصيبة المحزون
لا يضير المصاب رزء إذا ما … كان ذا مفزع إلى هارون
قال لي: كذلك والله هو، ولن تفقد من أبيك ما دمت حيا إلا شخصه، وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي، فقلت: بل يأمر به أمير المؤمنين إلى ولده، ففي خدمتي له ما يغنيني أنا، فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق.
وأما الصوت الذي ذكرت أخبار إبراهيم بسببه والشعر فيه والغناء له، وهو من المئة صوت المختارة، فهو: (٣) [مجزوء الرمل]
ربما نبّهني الإخ … وان والليل بهيم
حين غارت وتدلت … في مهاويها النجوم
ونعاس الليل في عي … ني كالثاوي مقيم
للتي تعصر لما … أينعت منها الكروم
стр. 4454
أنا بالرّيّ مقيم … في قرى الرّيّ أهيم
ما أراني عن قرى الرّ … يّ مدى دهري أريم
ومما رثي به إبراهيم الموصلي قول ابنه: (١) [الطويل]
أيا قبر إبراهيم حييت حفرة … ولا زلت تسقى الغيث من سبل القطر (٢)
لقد عزني وجدي عليك فلم يدع … لقلبي نصيبا من عزاء ولا صبر
وقد كنت أبكي من فراقك ليلة … فكيف إذا صار الفراق إلى الحشر
وقال أيضا: (٣) [الطويل]
سلام على القبر الذي لا يجيبنا … ونحن نحيي تربه ونخاطبه
ستبكيه أشراف الملوك إذا رأوا … محل التصابي قد خلا منه جانبه
ويبكيه أهل الظرف طرا كما بكى … عليه أمير المؤمنين وحاجبه
ولما بدا لي اليأس منه وأبرقت … عيون بواكيه وقلّت نوادبه
وصار شفاء النفس من بعد ما بها … إفاضة دمع تستهل سواكبه
جعلت على عيني للصبح عبرة … ولليل أخرى ما بدت لي كواكبه
[ص ٢٥٢]
وقال أيضا: (٤) [الطويل]
عليك سلام الله من قبر فاجع … وجادك من نوء السماكين وابل
هل أنت محيي القبر أم أنت سائل … وكيف تحيا تربة وجنادل
стр. 4455
أظل كأني لم تصبني مصيبة … وفي الصدر من وجد عليك بلابل (١)
وهوّن عندي فقده أن شخصه … على كل حال بين عينيّ ماثل
٧٥ - أبو زكّار (٢)
رجل أوفى بعهده، ووفى بعقده، صحب بني برمك، وهم الغيوث السوافح، والبحار الطوافح، فغمروه بالنعماء، ورعوه أكثر مما رعت ابن ثابت (٣)، صنائع آل جفنة (٤) الكرماء، فلم ينس لهم حسن الصنيع، ويمن الأيام التي مالا انحاز عن مثلها الصديع، وكان في أهل الغناء مقدما بصيرا مع ما هو عليه من العمى.
قال أبو الفرج: أخبرت عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، أنه قال: سمعت مسرورا الكبير يحدث أبي قال: أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت إليه وعنده أبو زكار الأعمى الطنبوري يغنيه: (٥) [الوافر]
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي … عليه الموت يطرق أو يغادي (٦)
стр. 4456
فقلت له: في هذا والله أتيتك، وأمرت بضرب عنقك، فضربت عنقه، فقال لي أبو زكار: نشدتك الله إلا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك؟ فقال: إنه أغناني عمن سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده، فقلت: أستأمر أمير المؤمنين في ذلك، فلما أتيت الرشيد برأس جعفر، أخبرته بقصة أبي زكار، فقال: هذا رجل فيه مصطنع فاضممه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه فأتممه له.
قال: غنى علّويه يوما بحضرة إسحاق: (١) [البسيط]
عمّيت أمري على أهلي فنمّ به … دمع إذا ذكرت مكنونة سفحا
قال إسحاق: هذا صوت معروف في العمى، الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكّار الأعمى، وأوله: عميت.
وهذا آخر ما يقع عليه الاختيار [ص ٢٥٣] (٢) من جامع أبي الفرج الأصفهاني، اقتصر فيه على من ذكره من مشاهير المغاني، وقد بقيت مدة لا أجد ما أذيل عليه، ولا ما أصله به إلى زماننا هذا على ما جرينا عليه في جميع هذا الكتاب، لقلة اعتناء المتأخرين، ولا سيما بهذا الفن الذي فني ولم يبق من يعانيه أو يسمعه، لرغبة ملوك زماننا فيما سوى هذا، أو شواغل أبناء الزمان بالهموم
стр. 4457
الصادة عن السرور ثم ظفرت لابن ناقيا (١) بتأليف جاء في تضاعيفه عرضا ذكر جماعة على ذيل زمان أبي الفرج، ثم اقتطعت من كتب التواريخ والأخبار المقيدة عن أواخر الخلفاء من بني العباس، وبقايا الخلفاء بالأندلس من بني أمية وأعقاب الملوك، والجلّة من كل أفق، ما جمعت مفرقه وألفت ممزقه، ثم أتبعته بما التقفته من ذماء (٢) بقية من أهل الاعتناء ممن تأخر بهم الأجل إلى هذا العصر، وبذلت الجهد فيه حسب الطاقة، ونقبت فيه حتى لم أجد، وأبديت فيه حتى لم أعد، فأما نسبة الأصوات فقد أتيت بما قدرت عليه في ذلك دون ما صدني عنه العجز، وعن حال بيني وبينه يقضي أوقات السرور بأهله، على أنني لم أخلّ محسنا، ولا أهملت حسنا، وكثيرا ما انبتّت (٣) عليه طاقة مثلي، وزماني (٤) وإخماد حدثان الدهر لجمرتي، وتكديره (٥) لصفوة مسرتي، وبالله أستعين.
٧٦ - ومنهم دليل الطّنبوري
كان بدمشق وأخذ صناعة الغناء عن مشايخها، وتفرد بضرب الطنبور، وأتى العراق، ولم يجد له بها عظيم نفاق، فعاد إلى دمشق وأقام بها، ونفق على أمرائها، وحضر مجالس سرواتها، ومن مشاهير أصواته: (٦) [الكامل]
стр. 4458
ومكلل بالدر والمرجان … كالورد بين شقائق النعمان
أخذ المراة (١) وقد أراد زيارتي … فرأى محاسن وجهه فجفاني
والشعر لأبي تمام، قال ابن ناقيا: هو في الثقيل الأول من المعلق.
وكذلك صوته الآخر في مشطور السريع [ص ٢٥٤] وهو (٢) [الرّجز]
وشادن مكتحل بسحر … أجفانه سكرى بغير خمر
أرق من رقة ماء يجري … أملك بي مني وليس يدري
آليت لا أملك (٣) عنه صبري … أو أسترد ما مضى من عمري
والشعر لأبي الفرج الوأواء شاعر شامي مقل، إلا أنه مطبوع الكلام، وكان عاميا مقلا من الأدب، وله عدة مقاطع يغنّى فيها ويأتي ذكره في موضعه.
٧٧ - عليّ بن يحيى المنجّم (٤)
كان من الشعراء الرواة الإخباريين المحدثين للغناء، وكان الأصفهاني شديد الكراهة له، وروى عن إسحاق الموصلي، وأذكر أكابر أهل الصنعة والحذّاق، وأخذ عنهم فطار اسمه في العراق، وهو ممن جرى مع أولئك السبق وأخرس تلك الألسنة النطق، فجثم لديه أولئك الملأ العقود، وجفّ كل بنان، ويبس على عود،
стр. 4459
وكان يعد من ندماء الخلفاء وأهل القرب، والإصفاء، كأنما تخير أبوه المنجم لمولده الطالع، وختم عليه من خاتم الزهرة بالطابع، فجاء مطبوعا على الطرب، لو تنحنح أطرب، ولو تكلم بالكلام المألوف لأعرب، لا يلحق الا بالشمس أو هي منه أقرب، ومن مشاهير أصواته: (١) [الطويل]
ومجدولة جدل العنان كأنما … سنا البرق في داجي الظلام ابتسامها
ولما التقينا قالت اليوم فالتمس … سوى جلدها هيهات منها مرامها
فقلت معاذ الله أسأل حاجة … أموت وتبقى بعد ذاك أثامها
فبت أثنيها علي كأنها … من اللين سكرى أو قطاة عظامها
الشعر من أناشيد إسحاق، وقد رواه عنه، والصنعة له فيه خفيف ثقيل مشتركان في الإصبع، وذكر ابن ناقيا صوتا لإسحاق بن إبراهيم وهو: (٢) [الطويل]
وأبرزتها بطحاء مكة بعدما … أصات المنادي للصلاة فأعتما (٣)
فما ذر قرن الشمس حتى تبينت … بعسفان نخلا شامخا ومكمما (٤)
وذكر أنه غنى فيه في باب الرمل المزموم، ثم قال: والشعر لأبي دهبل الجمحي (٥) وكان له ناقة يقال لها العجاجة، زعم العرب أنه لم يكن في زمانها أسير منها، ولا أحسن صورة، وفيها يقول هذا الشعر يصف حسن سيرها.
стр. 4460
قال موسى بن يعقوب: أنشدني أبو دهبل قوله:
فما ذرّ قرن الشمس [حتى تبينت]
فقلت له: ما كنت إلا على الريح، قال: يا بن أخي إن عمك كان إذا هم فعل، وهي العجاجة.
قال ابن ناقيا: أنشدنا الشريف المرتضى لنفسه إجازة لقول أبي دهبل: (وأبرزتها بطحاء مكة) ونقل الصفة إلى امرأة من أبيات: (١) [الطويل]
فطيب رياها المقام وضوأت … بإشراق مرآها الحطيم وزمزما (٢)
فيا ربّ إن لقّيت وجها تحية … فحيّ وجوها بالمدينة سهما
قال: وقال لي بعض أرباب الصناعة: إن أبا عبد الله ابن المنجم قد غنى في هذين البيتين مع بيتي أبي دهبل في هذا المذهب، ومن قلائده: (٣) [الخفيف]
يا خليلي من ذؤابة قيس … في التصابي رياضة الأخلاق
غنياني بذكركم تطرباني … واسقياني دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم من جفوني فإني … قد خلعت الكرى على العشاق (٤)
والشعر لأبي القاسم الشريف المرتضى، والغناء فيه مطلق من سادس الهزج، ويقال: إن أخاه الشريف الرضي لما أنشد هذه الأبيات قال: لقد وهب ما لا يملك لمن لا يقبل.
стр. 4461
وحكى ابن ناقيا أنه كان يحضر مجلس المرتضى شيخ طيّب الخلق يعرف بالقاضي المالكي ممن يتوكّف (١) برّه ويصفو مع إمساكه وشحه، فلما قال المرتضى (قد خلعت الكرى على العشاق) قال المالكي: هذا لما تفضل سيدنا وخلع، فضحك منه المرتضى ولم يؤاخذه به.
٧٨ - ومنهم - زرفل بن إخليج [ص ٢٥٥]
ابن عبد الملك الأهوازي، كان إذا نطق اهتز المجلس، واعتز المؤنس، وهز القلوب منه المطمع المؤيس، يصغي لأصواته كلّ خلي يده فوق خلبه (٢)، ويتقلب والشوق حشو قلبه، ولولاه لم ندر كيف تفتت الأكباد، ولا كيف يتحرك الجماد، ولا كيف تسمع الأذن فيهيم الفؤاد، كان في كل لهاة له ضارب فتر، وكان له في كل نغمة ما لو صدع الحجر لا نفطر، وأكثر أصواته في الزريقي وما لهج به خلف المتأخرين من أهل الغناء، ومنها: [مجزوء الكامل]
اشرب معتقة اليهود … صرفا تضرم في الخدود
اشرب على تفاحة … قد أينعت من غير عود
ومنها: [مجزوء الكامل]
أطع الهوى واعص الأدب … وكذاك يفعل من أحب
لا يشغلنك شاغل … عن بنت صافية العنب
جاءت بخاتم ربها … فافتضها شيخ الأدب
стр. 4462
٧٩ - ومنهم - إسرائيل العوّاد
ذكر ابن ناقيا في غير موضع في كتابه المسمى بالمحدث في الأغاني (١)، وذكره غيره المغنيات والمغاني (٢)، وطالما ضمّ إليه العود فترنم مسرورا وترنح محبورا، وتذكر وهو في شعب الأغصان عهدا غير راجع، وزمانا تعلم فيه الضرب من السواجع، فحنّ حنين المفارق، وشكا فجاوبه كل عاشق، فمهد مجلس أنسه بالترحيب، وأنّ فساعده كلّ مغرم بالبكاء والنحيب، ومن مشاهير أصواته (٣):
[الطويل]
فلم أستطع رد الدموع التي جرت … ومن ذا يرد الدمع من مقلة الصبّ (٤)
فيا حسرات الشوق دمعي على الخبا … ويا قلبي المكروب لا زلت في كرب
والشعر لأبي بكر العنبري، صاحب أدب منسوب إلى صناعته، كان يعمل العنابر (٥)، وأصله من البصرة، ثم ألف بغداد وأقام بها وأحبها وفضلها على البصرة، وكان [ص ٢٥٧] مذهبه التصرف والإيقاع عن الناس، وله شعر مدون مأخوذ عنه. من أصواته: [الكامل]
أصبحت كالجمل المضاع زمانه … بكرا يلاعب ناقة وزماما
ما هاج شوقك من بكاء حمامة … تدعو على فنن الأراك حماما
لولا تذكرك الأوانس بعدما … قطع المطي سباسبا وهياما
قال ابن ناقيا: في هذا الصوت من أغاني إسرائيل في هذا المذهب، يعني مذهب
стр. 4463
صوت إبراهيم الموصلي في شعر مروان بن أبي حفصة: (١) [الكامل]
طرقتك زائرة فحيّ خيالها … بيضاء تخلط بالحياء دلالها
قال ابن ناقيا: ولم أسمعه إلا منه، يعني من إسرائيل، وممن أخذه عنه، وهو جيد الصنعة، وفيه لحن منسوب إلى يحيى المكي من خفيف ثقيل بالبنصر من كتاب أبي الفرج، والشعر لثابت قطنة مولى بني أسد بن الحارث بن عتيك، ولقّب قطنة لأن سهما أصابه في إحدى عينيه، فذهب بها في بعض حروب الترك، فكان يجعل عليها قطنة، وهو شاعر فارس شجاع، من شعراء الدولة الأموية، وكان في صحابة يزيد بن المهلب، ولاه أعمالا من أعمال الثغور فحمد فيها مكانه لكفايته وطاعته، وفيه يقول حاجب بن دينار المازني: (٢) [البسيط]
لا تعرف النّاس منه غير قطنته … وما سواه من الإنسان مجهول
ومن قلائد إسرائيل: (٣) [الطويل]
أما وجلال اللّه لو تذكرينني … كذكريك ما نهنهت للعين مدمعا
فقلت بلى والله ذكرا لو انّه … تضمنه صم الصفا لتصدعا
والشعر للصمة بن عبد الله القشيري، والغناء فيه في الممخر من خفيف الرمل، وسبب قول الصمة هذا، فيما رواه الهيثم بن عدي أنه كان يهوى ابنة عم له، فخطبها إلى أبيها، فاقترح مبلغا شطيطا (٤) من المهر، وذلك من أبيه، فجعل يدافعه فغضب على أبيه وركب ناقته ورحل إلى الثغور، وقال هذين البيتين في قصيدة يصف [ص ٢٥٨] فيها شوقه إلى ابنة عمه وحنينه إلى وطنه، ولم
стр. 4464
يرم (١) هناك حتى مات، ذكر ذلك ابن ناقيا، قال: ولعريب المأمونية في ذلك لحن من خفيف الرمل، وقال: فأما لحنها في هذا الباب فمن نقل المحدثين، وذكر ابن ناقيا له صوتا: [مجزوء الكامل]
يوم أتاك مبشرا … بسعود جدك حين لاحا
اشرب سقيت مدامة … نشر العبير بها ففاحا
والشعر لجعفر الكرخي، والغناء فيه خفيف ثقيل المزموم، وذكر له أصواتا أخر: [الرمل]
قل لمن يحمل ما حملته … من رسيس الحب إلا ظلعا
لم يزدني الحب إلا حسرة … ودواعي الشوق إلا طمعا
والشعر لمهيار بن مرزويه، والغناء فيه من خفيف الثقيل المجنب.
ومن أصواته: [الكامل]
ألا رحمتم موقفي بفنائكم … متلددا (٢) في داركم أتصدق
متحيّرا أبكي إلى من مرّ بي … مثل الغريق بما يرى يتعلق
والشعر مجهول، والغناء فيه من الرمل المجنب.
٨٠ - ومنهم، طريف بن معلّى الهاشمي
من ولد جعفر بن أبي طالب، كان يدعي هذا النسب، وكان يطعن عليه فيه، ويقال زيادة على هذا إنه لغير أبيه، إلا أنه ذو أدب نهض بحسبه، وبيض منه
стр. 4465
عرق مكتسبه، وولع بالقيان واقتنائهن، وسماع غنائهن، ثم دخل في الطرب حتى أخذ بأزمته وتقدم حتى عد من أئمته، ومن أصواته: (١) [الطويل]
عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت … وكيف انثنت يوم الفراق يدي معي
فيا مقلتي العبرى عليها اسكبي دما … ويا كبدي الحرّى عليها تقطعي
والشعر لأبي القاسم كشاجم، والغناء فيه في خفيف الرمل المعلق.
ومن أصواته: (٢) [الكامل]
تعب يطول مع الرجاء لذي الهوى … خير له من راحة في الياس
[ص ٢٥٩] لولا كرامتكم لما عاينتكم … ولكنتم عندي كبعض الناس
والشعر للعباس بن الأحنف، والغناء فيه من خفيف الرمل المزموم، ويعرض فيه ما حكاه ابن حمدون النديم، قال: وقع بين عريب المأمونية ومحمد بن حامد شر، وكان يجد بها الوجد كله، وتجد به (٣) مثل ذلك، فلقيته يوما فقالت:
كيف قلبك يا محمد؟ فقال: أشقى والله ما كان وأقرحه، قالت: استبدل تسل، فقال: لو كانت البلوى باختيار لفعلت، فقالت: لقد طال إذا تعبك، فقال: وما يكون أصبر مكرها وأقول بقول الشاعر: (٤) [الكامل]
تعب يطول مع الرّجاء - البيت -
فذرفت عيناها واعتذرت إليه وأعتبته واصطلحا، وعادا إلى أفضل ما كانا عليه.
стр. 4466
قلت: وذكر ابن ناقيا في هذا الشعر صوتا لعريب، قال: ومن أغانيها في هذا المذهب أيضا من كتاب أبي الفرج فيما تضمنه في ذكر حالها، أن المأمون لما وقف على خبرها، أمر بإلباسها جبة صوف وختم زيقها وحبسها في بيت مظلم، ثم ذكر الحكاية، وقد تقدمت ترجمة عريب المأمونية.
ومن أصوات طريف: [مجزوء الرمل]
حبذا صبح تبدى … والدجى وحف (١) الجناح
طلعت لي فيه شمس … أشرقت حتى الصباح
فشربت الراح صرفا … من ثناياك الأقاح
من غزال سرق الخل … خال عطشان الوشاح
والشعر من المجهول، والغناء فيه مطلق من الطريقة السادسة من الهزج.
٨١ - ومنهم، تحفة جارية المعتز
أدّها ابن المعتز وخرّجها، وعلّمها النحو واللغة، وروّاها الشعر وأيام الناس، وعلمها الغناء وضرب العود، وجمع لها الحذاق من أهل الصنعة حتى أخذت عنهم، وصارت من المجيدات في الصنعة، لا تلحق في ميدانها، ولا تمارى في نطق عيدانها، إلى جمال بارع، وخلال عذبه المشارع، وحسن باهر، وإحسان ظاهر، بوجه نقل بدرا، [ص ٢٦٠] وطرف ينفث سحرا، وقدّ يستقل غصنا نضرا، هذا مع جبين يجني من عناقيد الأصداغ أعنابا، وبنان يقطف منه جناه الحسن عنابا. ومن مشاهير أصواتها: (٢) [البسيط]
стр. 4467
حطوا الرحال إلى خمّار دسكرة … مستعجل بافتتاح الدن محثوث (١)
تميل من سكرات الخمر قامته … كمثل ماش على دف بتخنيث
والشعر لمولاها أبي العباس بن المعتز، والغناء فيه ثقيل أول محمول على نحو صوت إسحاق الموصلي: (٢) [الطويل]
تغير لي فيمن تغير حارث … وكم من أخ قد غيرته الحوادث
أحارث إن شوركت فيك فطالما … عمرنا وما بيني وبينك ثالث
والشعر لإسحاق أيضا ذكره ابن ناقيا في كتاب المحدث في الأغاني، وكذلك لتحفة جارية أبي العباس صوت في شعر مولاها، وهو: [مخلّع البسيط]
أجوز جهرا بلا حذار … خوف رقيب على حبيب
وذاك أني ضنيت حتى … خفيت عن ناظر الرقيب
والغناء فيه من محمول الرمل الذي يحصر بالسبابة.
٨٢ - ومنهم - إسحاق المنجّم
وكان بدرا لا يتآكله المحاق، وجوادا لا يحاول به اللحاق، وبحرا في كل علم لا يشبه إلا بسميّه إسحاق، وكان يتحفّى بالغناء تحفي المنهمك في طلب المطالب، ويتكتم تكتم المأمون من أبيه حب آل أبي طالب، إلا أنه كان تلو (٣)
стр. 4468
أخيه في اتساع الرواية وارتفاع الراية، ومن مشاهير أصواته: (١) [الكامل]
ما يستحي أحد يقال له … نضلوك آل بويه أو فضلوا
فوق السّماء وفوق ما طلبوا … فإذا أرادوا غاية نزلوا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه في الهزج والمزموم، وكذلك صوته: (٢) [المتقارب]
أرى ذلك القرب صار ازورارا … وصار طويل السلام اختصارا
تركتني اليوم في خجلة … أموت مرارا وأحيا مرارا
[ص ٢٦١] أسارقك اللحظ مستخفيا … وأزجر في الخيل مهري سرارا
وأعلم أني [إذا] ما اعتذرت … أراد اعتذاري إليك اعتذارا
والشعر لأبي الطيب المتنبي، والغناء فيه ثقيل أول محمول.
قال ابن ناقيا: وفي هذا المذهب [المتقارب]
أقول وقد أزمعو (٣) اللنوى … عشية للبين حثوا المسير (٤)
يعز علي فراقي لكم … وإن كان سهلا عليكم يسير
ولإسحاق المنجم صوت هو من قلائده وفرائده، وهو: (٥) [السريع]
أعددت للأعداء خيفانة … مثل عقاب السرحة العادي
وأسمرا في رأسه أزرق … مثل لسان الحية الصادي
стр. 4469
أين محل الحي دون الغضا … خبّر سقاك الرائح الغادي
والشعر لدعبل والغناء فيه من الرمل المسرح.
وذكر ابن ناقيا من أصواته في شعر أبي نواس: (١) [البسيط]
إن كنت لست معي فالذكر منك معي … يراك قلبي إذا ما غبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتعدمه … وناظر القلب لا يخلو من النظر
والغناء فيه من الرمل المزموم. ومن أصوات إسحاق بن المنجم أيضا: (٢)
[البسيط]
نطوي الليالي علما أن ستطوينا … فشعشعيها بماء المزن واسقينا
وتوّجي بكؤوس الراح راحتنا … فإنما خلقت للراح أيدينا
والشعر للسّريّ بن أحمد بن السّريّ الرفاء الموصلي، والغناء فيه مطلق من الطريقة الرابعة من الرمل، وكان السّريّ من شعراء سيف الدولة، فحسده الخالديان فارتحل إلى بغداد قاصدا حضرة الوزير المهلبي، فارتحلا وراءه ودخلا على المهلبي وثلباه فلم يحظ بطائل، فأقام ورّاقا ببغداد إلى أن مات، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في موضعه.
ذكر أبو بكر الخطيب قال: أنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الجبار
قال: رأيت في منامي كأني دخلت [ص ٢٦٢] دار عضد الدولة، ووصلت
стр. 4470
إلى الصّفّة (١) الكبيرة التي على البستان، فرأيته جالسا في صدرها، وبين يديه أبو عبد الله بن المنجم وهو يغني، فقال لي عضد الدولة: كيف تراه يغني، طيبا؟ فقلت: نعم، فقال: فاعمل له قطعة يغنيها، فانصرفت من حضرته، وجلست على طرف البستان، ومعي دواة وكاغد لأعمل وبدأت أفكر (٢)، فإذا الشيخ قد وافاني من عنده، وعليه رداء، فقال: ما ذا تصنع؟ قلت: أعمل قطعة لأبي عبد الله ابن المنجم يغني بها، فقال: فنتعاون عليها، فقلت: أفعل، فقال: إن شئت أن تعمل الصدور، وأعمل الأعجاز فافعل، فبدأت وقلت: [الطويل]
فبتنا وسادانا ذراع ومعصم
فقال في الحال:
وعضد على عضد وخدّ على خدّ
فقلت:
بكر التّشاكي في حديث كأنّه
فقال في الحال:
تساقط ذو [ب] العقد والعنبر الهندي
فقلت:
وقد لفّ جيدينا عناق مضيّق (٣)
فقال في الحال:
стр. 4471
فلم تدر عين أيّنا لابس العقد
فقلت:
أضنّ على بدر السّماء بوجهها
فقال:
وأستره من أن يلاحظه جهدي
ثم قال: ألست تعلم أن قولك هذا في النوم، فقلت: بلى، فقال: كرّرها حتى تحفظها وتثبتها إذا انتبهت ولا تنسها، واخذ الرقعة بيده، وطفقت أقرأها عليه مرات حتى حفظتها، ثم انتبهت فعملت لها أولا مصوغا هو:
وزارت بلا وعد بنفسي التي … تسير من الواشين في غابة الأسد (١)
وبعد الأبيات:
إلى أن ثنت ريح الصبا من خمارها … فأبصر أبهى منه منها [بلا] حمد
ولم أدر أن البدر أمسى متيما … يجن بها ما في حشاي من الوجد
وكنت مروعا منه يفضح سرنا … ولم أدر أن البدر يفضح من عندي
٨٣ - ومنهم - ابن العلاّف نديم المعتضد (٢)
وهو أبو بكر الحسن بن علي بن أحمد بن بشار نديم المعتضد، ومسايس ذلك
стр. 4472
الأسد، وملاين صعاب تلك العريكة، ومجالس تلك الصمصامية على الأريكة، وكان ممن أجاد في الغناء، وجاء في ألحانه بقطع الروضة الغناء، وكان لا يغني إلا للمعتضد [ص ٢٦٣] منفردا، ولا يسمع منه صوت إلا كالماء مطردا، ولم تنقل أصواته إلا من دفتر كان له دوّن فيه غناءه، وعرف به من بعده اعتناءه: (١)
[الطويل]
لعمرك إني في الحياة لزاهد … وفي العيش مالم ألق أم حكيم
من الخفرات البيض لم أر مثلها … شفاء لذي بث ولا لسقيم
ولو شهدتنا يوم دولاب أبصرت … طعان فتى في الحرب غير ذميم
والشعر لقطري بن الفجاءة، وروي لعمرو القنا، وروي لحبيب بن سهم، وقيل: بل لعبدة بن هلال اليشكري، ودولاب اسم قرية من أعمال الأهواز كانت بها حرب الأزارقة وابن عنبس بن كريز أيام ابن الزبير، والغناء فيه ثقيل أوّل مزموم، وذكره ابن خرداذبة ونسب صنعته إلى المعتضد، وقد نسب إليه عدة أصوات كثيرة، منها في شعر عمر بن أبي ربيعة: (٢) [الطويل]
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت … فيضحى وأما بالعشي فيخصر
أخا سفر جواب أرض تقاذفت … به فلوات فهو أشعث أغبر
قليل على ظهر المطية ظله … سوى ما نفى عنه الرداء المحبر
وكان الأصمعي يقول: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى سمع قوله هذا فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.
стр. 4473
عدنا (١) إلى ابن العلاف، ومن أصواته في شعره: [الطويل]
سرى طيف سعدى موهنا فاستقر بي … هيوبا وصحبي بالفلاة رقود
ولما انتهينا للخيال الذي سرى … إذا الدار قفر والمزار بعيد
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي … لعل خيالا طارقا سيعود
والبيت الثاني منسوب إلى المعتضد وباقيه لابن العلاف، وكان ينادم المعتضد، ويشرف في الاجتماع به ولا يقتصد.
وقد حكي أن المعتضد بعث إليه بخادم من خاصته في بعض الليالي، فقال:
إن أمير المؤمنين يقول لك: ارقب الليلة، فعملت بيتا من الشعر وأرتج عليّ تمامه، قال: [ص ٢٦٤] وأنشد البيت، قال: فأجزته له، فمضى وعاد، فقال: أحسنت ووقع قولك على غرض أمير المؤمنين، وقد أمر لك بجائزة، وها هي، فدفعها إليّ، فقلت: [الطويل]
وآخر يأتي رزقه وهو نائم
قال: ثم أمرني فغنيت فيه، والغناء فيه خفيف الثقيل المزموم.
ومن الأصوات المنسوبة إليه: [الكامل]
يا من يحاكي البدر عند تمامه … ارحم فتى يحكيه عند محاقه
أو ليس من إحدى العجائب أنني … فارقته وبقيت بعد فراقه
والشعر له ويروى لغيره، والغناء فيه من الهزج المحمول، ولغيره فيه غناء:
[البسيط]
أما ترى الليل قد ولت عساكره … مهزومة وجيوش الصبح في الطلب
стр. 4474
والبدر في الأفق الغربي مطلعه … من فوق دجلة منحازا إلى الهرب (١)
كأنما هو بالخط السوي بها … قد مدّ (٢) جسرا على الشطين من ذهب
والشعر لبعض الهاشميين والغناء فيه في الهزج المجنب، وللمختارين فيه غناء في الزريقي المطلق وفي هذا ذكره ابن ناقيا وقال:
وغنوا في هذا المذهب: [الوافر]
وخمار تخب إليه ليلا … قلائص قد تعبن من النهار
فحمحم والكرى في مقلتيه … لمخمور شكا ألم الخمار (٣)
أبن لي كيف صرت إلى حريمي … وجفن الليل مكتحل بقار
فقلت له ترفق لي فإني … رأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال صبح … ولا صبح سوى ضوء العقار
٨٤ - ومنهم - مؤدّب الرّاضي (٤)
مؤدب ذلك الخلق السّمح، ومؤدى ذلك الكرم الجم إلى الصفح، كان بقربه محظيا، وبحبه الراضي مرضيا، ولم يخف أفق جمال هو كوكبه، ولا شرف سماء به موكبه، وكانت يده تسحّ عليه سجالا، وتمر إليه عجالى، وكان في علم النغم
стр. 4475
عالما لو اهتدت إليه الأوائل لما ذكر قائل. ومن أصواته: [البسيط]
قالت بعادك من قربي يقربني … وفي دنّوك أخشى النّار والعارا (١)
[ص ٢٦٥]
إذا قضيت لنا ما منك نأمله … فاستغفر الله تلقى الله غفارا
قالت لقد بعد المسرى فقلت لها … من عاجل الشوق أن يستبعد الدارا
والشعر فيه قديم، والغناء فيه من خفيف الرمل المزموم، وله صوت في شعر الواثق، وكان قد صنع فيه الواثق لحنا ولم ينقل محفوظا وهو هذا: [البسيط]
لما استقل بأرداف تجاذبه … واخضر فوق حجاب الدر شاربه
كلمته بجفون غير ناطقة … فكان من ردها (٢) ما قال حاجبه
والغناء فيه من الهزج المزموم.
٨٥ - ومنهم - أبو سعد بن بشر
العطار الطنبوري المعروف بغلام الديلمي، وإمام هذه الصناعة، وكم من كميّ كاد به الطنبور أن يبيت يحرق العود، ويزم المزمار، وإن أعطي نعمة من آل داود، وكان لا يعدل طرب صوت وتره الفصيح، وصوت ترتيبه الصحيح، وشدو أوتاره التي لو حيّت بها القسي لكانت لها تناهز، ولما قيل فيها وقد ترنمت ثكلى أوجعتها الجنائز، ومن أصواته: [المديد]
رنة الدولاب في السحر … واصطلاح الناي والوتر
تركتني جار معصرة … لا أفيق الدهر من سكري
стр. 4476
والشعر لأبي الحسن عاصم بن الحسن بن عاصم، والغناء فيه مطلق من الطريقة الرابعة وهي الرمل.
٨٦ - ومنهم - مسكين بن صدقة (١)
المديني مولى قريش، ومكمل طيب كل عيش، كان من صفو الحياة وطيبها، ولدارة أيام العمر ونصيبها، لو بات يسمع السليم لألهاه، أو يشغل الكئيب لأسلاه، كان أنسا للجليس، ونفسا للخندريس، وشمسا للندماء، بل ابن الشمس منه لمن يقيس.
ومن أصواته: (٢) [الكامل]
يا ويح من لعب الهوى بحياته … فأماته من قبل حين مماته
وحياة من أهوى فإني لم أكن … أبدا لأحلف كاذبا بحياته
لأخالفن عواذلي في لذتي … ولأسعدن أخي على لذاته
والشعر لأبي العتاهية، والغناء فيه مطلق من الرمل، وقد ذكر ابن ناقيا في هذا المذهب صوتا: [ص ٢٦٦] [الكامل]
الله يعلم ما هممت بسلوة … الدمع يخلف والعواذل تشهد
وعلي من ذكرى عهودك آمر … ينهي الفؤاد عن السلو ويبعد
стр. 4477
قال: والشعر لأبي محمد بن معروف القاضي، ثم قال: وحكي أن بعض الرؤساء عاتبه على قول الغزل، فجحد ذلك فقال له: من الذي يقول:
الدّمع يخلف والعواذل تشهد
غيرك، فإن هذه صفة مجلس الحكم.
٨٧ - ومنهم - بديع بن محسن
ابن عبد الرحمن من ولد عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجي الشاعر، كجده الشارع سبيلا لودّه، كان مع نظم القريض، وعظم شرفه المستفيض، مبرّزا في صناعة الغناء قيّما بألحانها، منعما في صفوف ريحانها، كأنما جاء في عصر أردشير (١)، وأخذ عن الموابذة الزمزمة (٢) بالأساطير، تعلم ما يقرب به لقباذ، وزمزم به أنو شروان (٣) حول كروم طيزناباذ (٤)، فسلب حلي فارس، وجنى من شجر لم يكن له بغارس. ومن أصواته: [المتقارب]
سهرت اغتنام (٥) ليالي الوصال … لعلمي بها أنها تنفد
فقال وقد رق لي قلبه … وأيقن أني به مكمد
إذا كنت تسهر ليل الوصال … وليل الصدود متى ترقد
стр. 4478
والشعر مجهول، والغناء فيه مطلق من الرمل.
ومن أصواته: [مجزوء البسيط المخلّع]
نكهتك العنبر الفتات (١) … وريقك البارد الفرات
وعارضاك اللذان راقا … لما بدا فيهما النبات
وحيث ما كنت من بلاد … فلي إلى وجهك التفات
والشعر يروى للشريف الرضي، والثالث معروف له، والغناء فيه من مجهول الرمل الذي يحصر بالسّبّابة.
ومن أصواته: [الخفيف]
لي حبيب تسيء فيه الظنون … ليس لي في هواه دمع مصون
قال لي كيف كان حالك بعدي … قلت مثلي بأي حال يكون
والشعر مجهول، والغناء فيه من خفيف الرمل المعلق [ص ٢٦٧]
٨٨ - ومنهم - غضوب (٢) جارية المتّقي
شمس كلل وطراز حلل، ورضى وإن سمّيت بغضوب، وبدرا وإن عوجلت بغروب، ولم تعرف إلا بعد المتقي، وامتداد أجلها الشقي، وكانت على عهده لا يعرف عنها مخبرا ولا يبلغ ريح الصبا عنها خبرا، وكانت من المهرة الحذّاق، والجواري اللائي لم يلحقن إلا فتنة للعشاق.
ومن أصواتها: [الكامل]
أوفى على بدر السماء بحسنه … وزها على الشمس المنيرة إذ زها
стр. 4479
وإذا أراد تنزها في روضة … أخذ المراة بكفه فتنزها
فكأنما أعطاه خالقه المنى … وحباه من حلل الملاحة طرزها (١)
والشعر مجهول، والغناء فيه من الرمل المسرح.
ومن أصواتها الطائرة: (٢) [الوافر]
فقلت لها ظلوم مطلت ديني … وشر الغارمين ذوو المطال
فقالت ويح نفسي كيف أقضي … غريما ما ذهبت له بمال
والشعر لكثير بن عبد الرحمن صاحب عزّة، والغناء فيه من الرمل المزموم وكذلك صوتها في شعر ابن المعتز: (٣) [الوافر]
شجاني صوت مسمعة وراح … يباكرني إذا برق الصباح
ومعشوق الشمائل عسكري … جنى قتلي وليس له سلاح
كأن الكأس في يده عروس … لها من لؤلؤ رطب وشاح
وقائلة متى يفنى هواه … فقلت لها إذا فني الملاح
وكذلك صوتها: [الطويل]
ألا أيها الظبي الذي مل من قربي … أبن لي فدتك النفس بالله ماذنبي
فإن كان ذنبي أنني بك ذا ضنى … فلا غفر الرحمن ذلك من ذنبي
والشعر مجهول، والغناء فيه من الزريقي المطلق. وبهذا ذكرت شعرا كنت
стр. 4480
قلته وهو: [الطويل]
تصدّين عني والفؤاد معذب … وما كنت يوما عن ودادك راغبا
لئن كان ذنبي أنني لك عاشق … فعذبت بالهجران إن جئت تائبا
[ص ٢٦٨]
٨٩ - ومنهم - معمر بن قطامي
ابن خالد الدمشقي، كان بدمشق من أطرب شحاريرها، وأطيب على مجاري تلك المياه من أصوات خريرها، أقام طول عمره يؤخذ عنه الغناء، وتأليف ضروبه، وتصنيف غريبه، وإتقانه على حسن ترتيبه، فكان لا يثبت سامعه، ولا يماثل به معبد ولا أبو الفرج وما حواه جامعه.
ومن أصواته: [مجزوء الكامل]
يا راحلا جعل الفرا … ق لبعده سبب التلاقي
قد كان ساء فضمني … ضم المودع للفراق
قد كان صد فحين وا … صلني على غير اتفاق
عانقته وبكيت من … جزعي لما بعد العناق
والشعر لأبي القاسم المطرزي، والغناء فيه من المطلق في الرمل.
ومن أصواته: [المتقارب]
مرض الجفون بلا علة … ومكتحل الطرف لم يكتحل
شكا حسنه قبح أفعاله … فأثر في وجنتيه الخجل
أقلي الملام ولا تعذلي … ففي ذا الغزال يطيب الغزل
والشعر لنصر بن أحمد الأرزي، والغناء فيه في رابع الرمل.
стр. 4481
وكذلك صوته: (١) [الطويل]
وخبرني عن مجلس كنت زينة … رسول أمين والنساء شهود
فقلت لها كري الحديث الذي مضى … وذكرك من بين الحديث أريد
والشعر للعباس بن الأحنف، والغناء فيه خفيف الرمل المزموم.
قال: ومنهم ابن ناقيا في هذا المذهب: [الطويل]
وكنت وأيام المزار رخية … علي ورخص الود لي فيك مطمع
أعز فلا أعطي الهوى فيك حقه … من الشكر والمعطي مع الحق يمنع
فلما استرد الدهر مني عطاءه … وكادت شعاب من هواي تقطع
فعدت مع الهجران أبكي على الهوى … وأسأله عن فائت كيف يرجع
٩٠ - ومنهم - تحفة جارية أبي محمّد [ص ٢٦٩]
الحسن بن عيسى بن المقتدر، وكانت تغني غناء المقتدر، وتسرع أول المغاني وتبتدر وتذهب في أصواتها مذهب الأوائل، وتخلب القلوب بلقابة (٢) الشمائل، تسلي عن هوى ميّ ذا الرمة، وتنسي هوى زينب بشارا الأكمه، تعاود بها لهزم شبابه، ويعيد حبّها زمان زيد وحبّابة (٣).
ومن أصواتها: [مجزوء الرمل]
يا بديعا ألبس السّق … م به جسما بديعا
стр. 4482
إنّ صبري وعزائي … هلكا فيك جميعا
والشعر مجهول، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الرمل.
وكذلك صوتها في بحر المنسرح وهو: [المنسرح]
هل لك في خمرة مشعشعة … تضحك في كأسها لشاربها
كأنما الماء حين خالطها … يلعب بالنرد في جوانبها
وكذلك صوتها: (١) [الطويل]
لقد قتلت عيناك نفسا كريمة … فلا تأمني إن مت سطوة ثائر
كأن فؤادي في السماء معلق … إذا غبت عن عيني بمخلب طائر
والشعر لابن المعتز، والغناء فيه في خفيف الرمل المحمول فيه.
٩١ - تحفة؟؟؟ جارية أبي يعقوب (٢)
وكانت تخلف القمر إذا غاب، وتخلب السالي وقد فارق زمان الشباب، تبسم عن سمطي جمان، وتقرن تفاح خدودها من النهود برمان، وكان حسنها المفرط يأبى أن يصان، وصوتها المطرب لا تحكيه الحمائم على الأغصان، ومن أصواتها: (٣) [مجزوء الرمل]
آح من حبّك آح … آح منه لابراح
إنما تيّم قلبي … عقد درّ ووشاح
والشعر للوليد بن يزيد، والغناء فيه مطلق في الطريقة الرابعة من الرمل.
стр. 4483
وكذلك صوتها: [مجزوء الكامل]
هبوا إلى حلب الكرو … م مزاجه حلب السحاب
فالدهر يركض فاركضوا … ركض المشيب إلى الشباب
ودعوا العتاب فإنه … وقت يجل عن العتاب
[ص ٢٧٠] والشعر مجهول، والغناء فيه في خفيف الرمل المسرح.
٩٢ - ومنهم - أبو العزّ العوّاد
واسمه نصر الله بن أحمد، ويعرف بالبصري، وكان شاعرا مغنيا، ونديما معينا، حاذقا في صناعته، نافقا في سوق بضاعته، جيد الصوت، مليح النغم، صحيح الضرب، مذهبه مذهب الزّطّ (١) في الحركة والخفة في المقاطع وصحة الإيقاع.
قال ابن ناقيا: وله غناء في عدة قطع (٢) من شعري، ومن أصواته في شعر نفسه: [الطويل]
جعلتك لي عينا وأذنا (٣) لأنني … أراك بعين الود أشرف منهما
واسأل (٤) عن القلب الذي لا يحلّه … سواك لتدري ما يجنّ فترحما
стр. 4484
٩٣ - ومنهم - عين الزّمان أبو القاسم
مطرب لو غنى للجهام لهتن، أو للسالي الغرام لأثار له الفتن، بضرب أشجى من الورقاء، وأشد حنينا من قلب المحب للقاء، لو سمعته صخرة الوادي لتفجرت، أو مقلة القاسي لجرت، وله أصوات منها: [الكامل]
سترت بنفسج صدغها بنقابها … وحمته بالتطريف من عنابها
بدوية ألفاظها ولحاظها … والروم تستولي على أنسابها
شرق (١) الجمال بحمرة في خدها … خجلا فكاد يفيض ماء شبابها
والشعر لأبي الوليد أحمد بن محمد البخاري، والغناء فيه مزموم الرمل. قال ابن ناقيا: أنشدني إياه عنه أبو محمد الحسن بن سهل بن خلف، شيخ من مشايخنا، مليح العارضة والمحاضرة، قد لقي جماعة من العلماء، وروى عنهم الأحاديث والأسانيد، وكان قد صحب الإخوان، وعرف الزمان وحلب الدهر أشطره وأتلف باللذة تالده في معاشرة من عاشره، حتى سلب الشيب غرامه، وجلله ثغامه، فأيقظ حلمه، وألقى بين عينيه غرمه، فكان يحضر مجالس الأنس تعللا، لاحظ له في غير السماع والمشاهدة والمحادثة والمناشدة، فبينا أنا وجماعة [ص ٢٧١] من أبناء الأدب، حضور عند بعض الرؤساء على مذاكرة ومعاقرة، والشيخ قد انتظم في سلك اجتماعنا، ونثرت الأغاني عقودها في أسماعنا، قال الشيخ: بيوم من أيام الشبيبة، وقد حضر مجلسا كمجلسكم هذا، آهلا من الأدب والطرب، وطرأ إلينا أبو الوليد البخاري، فأخذ في شأننا، ولم يأل في إنشادنا، وكان مطبوع الخلق، محتملا للدعابة، فقلت له مازحا: دعنا من أقطاعك الباردة، فقال: هل لك في الإنصاف؟ فقلت: أجل، فأنشد أبياته المذكورة، وقال: أمن الشعر البارد هذا؟ قلت: لا والله، وجعلت أعتذر إليه،
стр. 4485
وتعاطى روايتها جماعة الحاضرين شغفا بها، واقترحها على بعض المغنين، فغنّى فيها، وتصرم يومنا بسماعها، حتى أخذ منا الشراب، فيا له يوما كأيام، ثم نطقت إشارته بالتأسف على ما مضى من زمانه، فقلنا له: نحن نتمم لك الحلف من يومك السالف باقتراح الغناء في الأبيات، وإليك ما يقتضيه سماعها، وتقدمنا إلى أبي القاسم عين الزمان وهو حاضر، وكان له مذهب في حسن الإيقاع وجودة الاختراع، فغنى بها في هذا اللحن، فطار المجلس بأهله سرورا وطربا وقام الشيخ الخلفيّ يصفق بيده ثم قال: والله لأؤدينّ هذا الصوت بنقض التوبة، وتناول كأسا فسرّ بها فداخلنا العجب مما رأينا من ارتياحه وطربه، وصار الصوت من قلائد عين الزمان وخاصة غنائه يسميه ناقض التوبة.
٩٤ - ومنهم - أبو العبيس بن حمدون
متقن للألحان، مؤثر في الألقاب تأثير بنت الحان، لو تغنى لمغنّ لأزال عنه النصب، أو عاد بعوده لمشف لأزال عنه الوصب، أو وقع على دف لأغناه عن موصول القصب، يطرب السّمع ويرقص في المجلس حتى الشّمع، يعرض دونه الغريض، ويرى علويه وقد انكسر لخفض جناحه المهيض: (١) [الطويل]
فديتك أعدائي كثير وشقتي … بعيد وأنصاري لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة … فأفنيت علاتي فكيف أقول؟
فما كل يوم لي بأرضك حاجة … ولا كل يوم لي إليك رسول
[ص ٢٧٢] والشعر ليحيى بن طالب الحنفي، ويروى لابن الدمينة، والغناء فيه ثقيل أول مزموم، وكذلك من قلائد أصواته: (٢) [الخفيف]