أبكي ولا طوق لي بالفراق … إذا ذات طوق بكت في فنن
فللماء في مقلتي ما بدا … وللنار من مهجتي ما كمن
[ص ٤١٣]
ومن لجفوني بشيء نسيت … وأحسبه كان يدعى الوسن
وحكي أنها دخلت عليه بكرة يوم والصباح المقبل قد ركض جبينه في أحشاء الشجر، ونفض العنبر المغلف على أصداغ الطرر، والشمس قد همت بأن تحدر النقاب، ثم تمنعت وتطلعت من الألقاب (١)، والفضاء قد أصبح فضيا، والروض قد أضحى سماويا أرضيا، والطير قد هتف للإعجاب، وبشر بتقشع الظلام المنجاب، والماء قد أرفضّ (٢) إذ تكشّفت السماء، ولم يبق بينه وبينها حجاب، فسرّ بزيارتها، وقدح زند فجره المشرق بأثارتها، واستدعى منها الغناء فغنت: [الخفيف]
مرحبا بالصباح لما وافى … وانتضى في الدجى له أسيافا
رافعا في الظلام جنح دجاه … عاجلا مثلما رفعت السجافا
مثل سيف الدين المليك المفدى … عندما جاء شقق الأسدافا
كان كل الزمان بالظلم ليلا … فمحاه واطلع الإنصافا
فأعجبه الشعر والغناء، وهما لها، ثم سألها حاجتها، فذكرت له أسيرا في يد الفرنج سئلت فيه الفداء فعجل به.
стр. 4692
١٨٩ - ومنهم - عجيبة مغنّية الكامل (١)
وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة، من المغاني المشهورات، الغواني المذكورات، شغف بها الملك الكامل على دثور عقله، ووفور فضله، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي، ولا يدع استرازها ولو بين تشجّر العوالي، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب، وتخلب صوادف النفوس، وكانت تطلع إلى الملك الكامل وجنكها (٢) محمول معها ووراءها الجواري والخدم، وكانت تحضر مجلسه سرا وعلانية، وتغنيه على الجنك وبالدف، وبها قدح فيه ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا: أنا أشهد عندك بكذا، فقال: السّلطان يأمر وما يشهد، فأعاد عليه السلطان القول [ص ٤١٤] وأعاد عليه القاضي الجواب، فلما زاد الأمر، قال له السلطان: أنا أشهد، تقبلني أنت أولا؟ فقال: لا ما أقبلك، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل، تأتي يوم بكرة وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم، وينزل ابن الشيخ من عندك أنحس مما نزلت، فقال له السلطان (يا كنفرخ) وهي لفظة شتم بالفارسية، فظن ابن عين الدولة أنه قال له: كل فراخ، فقال: ما في الشرع كل فراخ، اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي، وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال له: المصلحة إعادته لئلا يقال لأي شيء عزل
стр. 4693
القاضي نفسه، فيقال (١): لأنه شهد السلطان عنده فما قبله، فيقال: لأي شيء ما قبله؟ فيقال: لأجل عجيبة، فتتمضمض بنا العوام، وتطير بها الأخبار إلى بغداد وإلى الملوك، فقال: صدقت، ونهض إلى القاضي فترضّاه، وأعاده إلى القضاء، وتأخر الأمر الذي كان يريد أن يشهد به.
عدنا إلى ذكر عجيبة والذي نعرف من أصواتها: [البسيط]
رفقا على ما أبقيت من رمقي … لا تأتسي لي بأن أبقى ولا تبقي (٢)
هيهات أين البقا من موجع كمد … عليك صب بنار الشوق محترق
يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدا … بعدي به فدمي المسفوك في عنقي
إني حملت على نفسي لشقوتها … مثل الجبال من البلوى فلم تطق
فمن رأى ليت شعري مثل موقفنا … يوم النوى أبحرا تجري من الحرق
يا آمري في دموعي بعد ما فنيت … بأن أصون وأحمي ما عساه بقي
والشعر لابن حجاج.
وحكي أنه أمر بها فأحضرت والغيم قد فرق في السماء قطعه، وطرز مذهّب البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحائب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحر الهجير قد خمد لهيبه، وسبج (٣) الفحم قد آن في المواقد ذهيبه، والبيوت قد هيّئت للكنّ، والمنازل [ص ٤١٥] قد قربت إلى الدنّ، والرواق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنطف الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود،
стр. 4694
واندفعت تغنّي بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا: [الطويل]
مشوق إذا ما ارتاح هيجه الحب … وصب لوبل الدمع في خده صب
وإن لاح وهنا برقه منه ينثني … وفي جفنه للدمع قد خده غرب
نضا عضب جفنيه عليّ عذاره … فمن مهجتي جفن ومن جفنه عضب
يعذب قلبي ظالما عذب ظلمه … ولكن تعذيبي لمرشفه عذب (١)
فلم يبق في المجلس إلا من مال، ودب للسكر بطربها في مفاصلهم نمال، واستدعى بها يوما وهو بداره بالفسطاط (٢) المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها (٣)، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جواشنها (٤)، والنيل قد صفى مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد ذرّ في عين الشمس من إثمده (٥)، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولي قد بلّل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنّيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه، وممّا غنته من أصواتها، والشعر قديم: [المنسرح]
دعه يداري فنعم ما صنعا … لو لم [يكن] عاشقا كما خضعا (٦)
وكل من في فؤاده وجع … يطلب شيئا يسكن الوجعا
وا رحمتا للغريب في البلد النا … زح ما ذا بنفسه صنعا
стр. 4695
فارق أحبابه فما انتفعوا … بالعيش من بعده ولا انتفعا
ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت [ص ٤١٦] دموع النرجس في خدود الشقيق متصوبة، وقارب طلوع الصباح والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مذبذبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد فض ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميّا، وذكرته هندا وميّا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمه: (١) [الطويل]
أراني إذا هومت ياميّ زرتني … فيا نعمتا لو أن رؤياك تصدق (٢)
يلوم على ميّ خليلي وربما … يجور إذا لام الشفيق ويحرق
غداة منى النفس أن تسعف النوى … بميّ وقد كادت من الوجد تزهق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت … ووجه كقرن الشمس ريان يشرق (٣)
فوقع منه موقعا كان يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه ولو أراد أن يجتنبه، ثم أفاض عليها سجاله، ووسع في الكرم عليها محاله ومما يتبقى من محاسن هذه القصيدة المختار منها الصوت: (٤)
стр. 4696
وتيهاء تودي بين أرجائها الصبا … عليها من الظلماء جلّ وخندق (١)
غللت المهارى بينها كل ليلة … وبين الدجى حتى أراها تمزق (٢)
فأصبحت أجتاب الفلاة كأنني … حسام جلت عنه المداوس مخفق (٣)
نظرت كما جلى على رأس رهوة … من الطير أقنى ينفض الطل أزرق (٤)
طراق الخوافي واقع فوق ريعة … ندى ليلة في ريشه يترقرق (٥)
١٩٠ - ومنهم - الكركيّة
مغنية الظاهر بيبرس (٦)، وكانت من أبرع الناس نطقا، وأبدع أهل الغناء حذقا، تجيد لمختلف الأصوات التآلف، وتجوز الغاية في الثقيل والخفيف، وتأتي بما بعد على بدعة في زمانها، ولم تنفرد به فريدة في أوانها، ولا تجيء دنانير حبّة في [ص ٤١٧] ميزانها، هذا إلى قريحة قادرة، وحلاوة في نادرة، وسرعة جواب، وصنعة إتقان لا يخرج اللحن فيها عن صواب.
стр. 4697
حكى لي شيخنا أبو الثناء الحلبي عنها قال: لو كنت أستحسن أخرج خبية لأضحكت به الحزين الثاكل، واقتديت به الجحود الناكل، وبهذا ومثله كانت تستلين من الظاهر وأهل دولته أولئك الصخور، وتستنزل أولئك الشم وما منهم [إلا] كلّ مختال فخور، وهيهات إن كان يندى لأحد منهم راحة، أو تبل لواحد منهم يد بسماحة.
ومن أصواتها: [الكامل]
سن الظّبا من طرفه الوسنان … ورمى فراش سهامه ورماني (١)
وبدا فذاب البدر من حسد له … فلذاك ما ينفك من نقصان
ماء النعيم يرف في وجناته … يسقي رياض شقائق النعمان (٢)
قالت عقود نهوده لقوامه … من أنبت الرمان في المرّان (٣)
والشعر للتاج بن نصر مظفر بن محاسن بن علي بن نصر الله الدمشقي المزوق الذهبي، وكذلك صنعت لحنا كانت تغني به في شعر ابن الحلاوي:
[الطويل]
حكاه من الغصن الرطيب وريقه … وما الخمر إلا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محله … غزال ولكن سفح عيني عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللدن قدرة … عذارا سقى قلب المحب رشيقه
على خده جمر من الحسن مضرم … يشب ولكن في فؤادي حريقه
أقر له من كل حسن جليله … ووافقه من كل معنى دقيقه
стр. 4698
على سالفيه للعذار جديده … وفي شفتيه للسّلاف عتيقه
وكذلك صوتها في شعر راجح الحلي: [الوافر]
فؤاد عن هواكم لا يحول … وجسم ماد يخفيه النّحول
[ص ٤١٨]
فكيف يميلني عنكم ملام … ويطمع في مخادعتي عذول
أبى لي أن أبيت صحيح قلب … نسيم من خيامكم عليل
سأبعث في القلوب لكم سلاما … رجاء أن يقابله قبول
أحملها تحياتي إليكم … لو أنّ الريح تفهم ما أقول
وهذه من أول قصيدة طنانة في كل سمع، منها:
ومما شاقني لمعان برق … طربت له وقد جنح الأصيل
تلبّس في عبوس الدجن حتى … تحدر دمع ديمته الهطول
أراني بالفرات نخيل أرضي … وغاب ولا الفرات ولا النخيل
يقول منها:
وذي أمل يحث به المطايا … وأدنى السير وخد أو ذميل
أقول لهم هلم فأي عذر … لسعيك أن يجاريك الدليل
أمامك ظل عز الدين فانزل … بأبلج لا يضام له نزيل
وراءك أيها الراجي مداه … فدون بلوغه طرف يهول
تزحزح عن طريق العيب واطلب … نجاة لا تغيرك السيول
به سار من السلطان يعلي … دعائم ملكه وبه نصول
رعينا في جناب أبي سعيد … رياضا لا تحول بها المحول
تراوح زهره ريح التصافي … ويضحك نوره الغيث الهطول
стр. 4699
فلا عدمت توافي الشعر مولى … إلى الآمال أنعمه تميل
وكذلك صوته في شعره أيضا: [الطويل]
ملكت كما شاء الهوى فتحكم … وإلا ففيم الهجر لي وإلى كم
ولو جحدت عيناك قلبي وأنكرت … أقرّ به خطّ (١) العذار المنمنم
متى تسمح الأيام منك بعطفة … وهل في منى من راحة لمتيم
[ص ٤١٩]
وهبني أرضى بالخيال وزورة … فمن لي [بمن] بجفو يجفن مهموم (٢)
وهذه من قصيدة مدح بها المعظم عيسى:
وفي شعب الأكوار أبناء مطلب … شعارهم ترصيع شعر منمنم
هداهم غلام من خزيمة عالم … بقطع الفيافي بالمطي المحرم
إلى ملك من دوحة شادوية … يفيء على ورد من الجود مفعم
إلى الأبلج الطلق الذي قد غدا به … مشوقا [له] من دهرنا كل مظلم
إلى من كان [فيه] لا يدين بظله … من الأمن ما بين الحطيم وزمزم (٣)
تريه وجوه الغيب مرآة فكره … فيؤمنه من كل ظن مرجم
ويغشى غمار الموت في كل معرك … يراع له قلب الخميس العرمرم
ويطربه خلع النفوس على العنا … إذا رنحت أعطافها حمرة الدم
له نشوة في الجود ليست لحاتم … وشنشنة في المجد ليست لأخزم
يقول منها في وصف القصيدة:
стр. 4700
فدونكها أحلى من الأمن موقعا … وأطيب من وصل إلى قلب مغرم
إذا حدثت أبياتها عن غلامكم … عدت أم أوفى دمنة لم تكلم (١)
١٩١ - ومنهم - الزّركشي أبو عبد اللّه
ناصر الدين الفقيه الحنفي، فقيه بارع، ونبيه لكل علا قارع، هذا على أنه أتقن علم الموسيقا وحققه، وأجال النظر في فنها ودققه، ووقف منها على طرف الأوائل التي عفا أثرها، وذهب أكثرها، وبقيت كمدارج النمل الخوافي، ومناهج الرمل تحت السوافي.
حدثني ابن كرّ عنه أنه كان في صناعة الزركش بدمشق، ثم كان فقيها بالمدرسة الشبلية بسفح قاسيون (٢) بين ظهراني الفقهاء، ويجتمع إليه أهل الطرب والإلهاء، ودام على هذه المدة ثم تخرّصوا له المعايب، وأرادوا ترديته بالمثالب، فأتى مصر واتخذها دارا وقرارا حتى مات.
قيل: وكان واحد زمانه [ص ٤٢٠] لا يقصر عن الأوائل، قال: وهو ممن أخذت عنه، واستفدت منه، وكنا نجتمع ونتذاكر، وتنفد وننكر (؟) صبيحة كل يوم يسمع كل واحد منا صاحبه، ولم أر مثله، وحدثني عنه غيره.
وله اصوات منها: (٣) [الخفيف]
خبروها أني مضيت (٤) فقالت … أضنى طارفا شكا أم تليدا
стр. 4701
وأشاروا بأن تعود وسادي … فأبت وهي تشتهي أن تعودا
وأتتني في خيفة وهي تشكو … ألم الوجد والمزار البعيدا
ورأتني كذا فلم تتمالك … أن أمالت عليّ عطفا وجيدا
والعشر للطغرائي (١)، وكذلك صوته في شعر الحاجري، وهو هذا:
[الطويل]
بحقك ذكّرها العقيق لعلها … تجد راحة في عودها وسراها
إذا ما حدا الحادي بنجد تمايلت … كأن سلافا في النشيد سقاها
كأنكم يوم الرحيل رحلتم … بنومي فعيني لا تلذ كراها
وكنت شحيحا من دموعي بقطرة … فقد صرت سمحا بعدكم بدماها
وكذلك صوته في شعر ابن حجاج، وهو هذا: (٢) [البسيط]
نامي هنيئا لعينيك الرقاد فما … أمسيت أعرف إلا السهد والأرقا
وإن أردت حياتي فاحفظي رمقي … إن كان عندك شيء يمسك الرمقا
يا شامتا إذ رأى قلبي رهين أسى … وشر ما فيه أن الرهن قد غلقا
إن فرق الدهر شخصينا مراغمة … فثمّ قلبان لا والله ما افترقا
١٩٢ - ومنهم - ابن كرّ أبو عبد اللّه
الشيخ شمس الدين محمد البغدادي الأصل، المصري الدار والمولد، هو في علم الموسيقى فرد لا يخلف، لحق بالأوائل وما تخلف، وأتى ببدائع الألحان وما تكلف، [ص ٤٢١] لا يختبي على مثله الوجود في بردتيه، ولا يجنى شبيه
стр. 4702
النهار بكره وآصاله (١) بوردتيه، يطرب قبل الإنشاد، ويحرك حتى الجماد، وتخرس لديه أصواته المثاني والمثالث وما تجنح، وتهتز المغاني والأغاني وما يتزحزح، نقل مذاهب القدماء، كابن المهدي وإسحاق (٢)، وجدد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق، لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده، ويعيده ويزيده، وصنف كتابا يقال له أحسن ما صنف لجمع وشنف لسمع، وقد خطأ الفارابي (٣) في هذا العلم، وأنكر عليه أهل المعرفة ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم، وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار، فلزم أبوه مصر، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه، وهو الآن في زاوية قرب المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية [أقطعها] (٤) من وقفه أو وقف أبيه، وله عز نفس، وشمم عفاف، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانا له لا استرزاقا به، وله بي صحبة أعرف حقها له، كان يتردد إليّ ويتودد ويتفقد ولا ينفقه، ولقد غنى فأضحك وغنى فأبكى، وغنى فأنام، فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي، فصدق الخبر الخبر، وحقق العين الأثر، ورأيت منه واحدا، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر.
стр. 4703
وله أصوات في أشعار لي، فمنها قولي: (١) [الكامل]
أفدي حبيبا قد فتنت بحبه … لو كان يرثي للمحب إذا شكا
والله ما هبت نسيم دياره … إلا اعتلقت بذيلها متمسكا
يا عين أنت شكيتي في حبه … لما نظرت له وأنت المشتكى
قالت عليك بأدمعي فأجبتها … لو كان دمعي البحر أفناه البكا
ومنها قولي: (٢) [الطويل]
قفاني على الوادي أودع مهجتي … وأستودع الأحباب مني ما بقي
فيا ليت شعري هل نعود إلى الحمى … ويجمعنا سفح الكثيب فنلتقي
[ص ٤٢٢]
ونعقل في ظل النخيل ركابنا … ونشرب من ماء الغزير ونستقي (٣)
ونشكو الذي نلقاه من ألم الهوى … وهيهات ما عند الحبيب تشوقي
ومنها قولي: [مجزوء الرمل]
يا أخلائي بنجد … لي فؤاد مستهام
وجفون قد جفاها … بعد أجفاني المنام
إن وصلتم فسرور … واغتباط والتئام
أو هجرتم - وكفينا - … فعلى الدنيا السلام
стр. 4704
قال محقق الكتاب: تم السفر العاشر من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.
стр. 4705
ملحق بالمصطلحات الموسيقية
стр. 4706
مصطلحات الموسيقا العربية القديمة
١ - بعد البقية: هو أصغر الألحان اللحنية، ومسافته كل وثلاثة عشر جزءا من مئتين وثلاثة وأربعين ٢٥٦/ ٢٤٣.
٢ - بعد المجنب: ونسبته كل وتسع كل ١٠/ ٩ إذا كان كبيرا، وجزء من خمسة عشر جزءا من كل ١٦/ ١٥ إذا كان صغيرا.
٣ - البعد الطنيني: هو حبس تسع الوتر واهتزاز ثمانية، اتساعه ونسبته كل وثمن كل ٩/ ٨.
٤ - بعد ذي الربع: ونسبته كل وثلث كل وهو حبس الوتر واهتزاز ثلاثة أرباعه ٤/ ٣، وسمي بذي الأربع لاحتوائه على أربع نغمات محيطة بثلاثة أبعاد في أكثر الأحيان، ويسمى عند الافرنج (تتراكورد).
٥ - بعد ذي الخمس: ونسبته كل ونصف كل ٣/ ٢ وهو حبس ثلث الوتر واهتزاز ثلثيه، وسمي بذي الخمس لاحتوائه في أكثر الأحيان على خمس نغمات محيطة بأربعة أبعاد، ويسمى عند الإفرنج (بنتراكورد).
٦ - بعد ذي الكل: هو الديوان الموسيقي (الأوكتاف) ونسبته نسبة الضعف ٢/ ١ ويتكون من بعد ذي الأربع وبعد طنيني يسمى (الفاصلة)، أو من بعد ذي الأربع وذي الخمس، وهو حبس نصف الوتر واهتزاز نصفه الآخر.
٧ - بعد ذي الكل والأربع: ونسبته نسبة الضعف والثلثين ٨/ ٣ وهو حبس ثلاثة أخماس الوتر واهتزاز خمسيه، ويتألف من بعد ذي الكل وذي الأربع.
стр. 4707
٨ - بعد ذي الكل والخمس: ونسبته ثلاثة الأمثال ٣/ ١ وهو حبس ثلثي الوتر واهتزاز ثلثه الآخر، ويتألف من بعد ذي الكل وبعد ذي الخمس.
٩ - بعد ذي الكل مرتين وهو ديوانان موسيقيان، ونسبته نسبة أربعة الأمثال ٤/ ١، وهو حبس ثلاثة أرباع الوتر واهتزاز ربعه الآخر.
١٠ - بعد ذي الكل ثلاث مرات: وهو ثلاثة دواوين موسيقية، ونسبته نسبة ثمانية الأمثال ٨/ ١ وهو حبس سبعة أثمان الوتر واهتزاز ثمنه الآخر.
١١ - بزرك: كلمة فارسية معناها (الكبير)، وهي في الموسيقا العربية اسم نغمة في المنطقة الحادة، تسمع من العود بالإصبع البنصر على الوتر الخامس، وهي صياح النغمة المسماة في الطبقة الوسطى (سيكاه)، وتطلق (بزرك) أيضا على هيئة لحنية لجماعة أنغام مؤلفة تأليفا معينا، فيما يسميه أهل الصناعة مقام (بزرك) وهو اسم آخر لطريقة مقام (الماهور).
١٢ - بوسلك: وتسمى هنا (أبو سلمك، والسلمك)، وهي تسمية اصطلاحية في الموسيقا لنغمة في الطبقة الوسطى تسمع من آلة العود فيما بين سبابة الوتر الثالث المسمى (دوكا)، وبين نغمة وسطاه، ويسمى أيضا باسم (بوسلك) هيئة لحنية تسمى (مقام بوسلك) في المنطقة الوسطى، مؤسسة على نغمة (دوكاه)، يستعمل فيها من الأجناس اللحنية الجنس ذو الأربعة المسمى (جنس بوسلك) وهو القوي الأرخى غير المتتالي، الذي يرتب فيه أصغر الأبعاد الثلاثة وسطا، وقد تسمى هذه الهيئة اللخنّية بمقام عشاق.
١٣ - حجاز: اصطلاح في الموسيقا العربية، يطلق على النغمة الرابعة الزائدة قليلا بمقدار، بعد إرخاء مما يلي النغمة الرابعة الأساسية المسمى (جهار كاه)، وتؤخذ على العود بالإصبع البنصر على الوتر الثالث، ويسمى
стр. 4708
باسم حجاز أو حجازي هيئة نغم في المنطقة الوسطى تؤسس على النغمة الأساسية (دوكاه) وهي نغمة مطلق الوتر الثالث في العود.
١٤ - الحسيني: اصطلاح في الموسيقا العربية يطلق على النغمة التي تسمع من سبابة الوتر الرابع في العود، وهو (وتر النواة)، وسجاح هذه النغمة، أي نظيرتها بالقوة الأثقل هي نغمة (عشيران)، وتسمع من مطلق الوتر الثاني المسمى وتر (العشيران) وتسمى باسم (حسيني) أيضا، هيئة لحنية لجماعة نغم تعرف (بمقام الحسيني)، وتميز عند الإجراء باستعمال نغم الجنس القوي المرتكز على نغمة الحسيني، ثم تستقر على نغمة (دوكاه) التي هي مطلق الوتر الثالث في العود، ونغمة حسيني إذا لم تكن صياح مطلق وتر العشيران، فتحولت قليلا إلى جهة الثقل، فإنّها تسمى باسم آخر فهي تارة باسم (شورى) وتارة باسم (حصار) وهذه تسمع من العود قريبا من الأنف على وتر النواة.
١٥ - الدستان: جمعها دساتين ودستانات، كلمة فارسية معناها اليدان، واصطلاحا: موضع أصابع اليد على العود.
١٦ - الراست: كلمة فارسية بمعنى مستقيم، تطلق اصطلاحا على هيئة لحنية لجماعة النغم الأساسية في الموسيقا العربية، التي تعرف بالجماعة المستقيمة، واصطلاحا راست، ويسمى بهذا الاسم أيضا نغمة أساس الجمع المسمّاة (يكاه)، وكذلك الجنس الأساسي ذو الأربع، وهو من أصناف الجنس القوي المتصل المسمى اصطلاحا (جنس الراست).
١٧ - راهوي: يستعمل اصطلاحا في الموسيقا العربية على هيئة لحنية تؤخذ من جماعة نغم، تستقر على درجة (الراست) فيما يسمونه (مقام راهوي)، أو
стр. 4709
(رهاوي)، واستعمال المحدثين لهذا النغم يشبه (مقام الراست) وأما المتوسطون فكانوا يطلقون اسم (راهوي) على ترتيب جماعة أخرى غير التي يستعملها المحدثون.
١٨ - الشهرناز (وجاء باسم الشهناز): وهو اسم فارسي، معناه (مدينة الدلع)، ويطلق اصطلاحا في الموسيقا العربية علي هيئة لحنية مركبة تبدأ من المنطقة الحادة بجنس الراست في الكردن، ثم بجنس الراست على النواه، على أن تجعل النغمة المسماة حسيني ظهيرا لجنس الراست النواه، ثم يختم بجنس البيات مؤسسا على الحسيني، وهو الجنس القوي غير المتتالي.
١٩ - عراق: اصطلاح في الموسيقا العربية، تسمى به نغمة في المنطقة الثقيلة، تسمع في العود من مجنب سبابة الوتر الثاني المسمى وتر العشيران، ويختلف تحديد هذه النغمة باختلاف تسوية نغمة مطلق وتر العشيران، ونغمة صياحها بالقوة في المنطقة الوسطى، تسمى (أوج)، ويسمى أيضا باسم (عراق) هيئة اللحن الذي يستقر على هذه النغمة المسمى باسم (العراق)، والجنس المميز للحن هذه الجماعة هو القوي المتصل الأشد غير المنتظم.
٢٠ - عشاق: اسم آخر لهيئة اللحن المسمى في الموسيقا العربية مقام (بوسلك) الذي يستقر في المنطقة الوسطى على نغمة (دوكاه)، وهي نغمة مطلق الوتر الثالث في العود، وقد يسمى هذا باسم مقام (عشاق مصري)، تمييزا له عن المقام المشهور باسم (عشاق تركي) الذي يشبه مقام البيات.
٢١ - الماخوري: ضرب من الإيقاعات الموسيقية العربية التي اشتهرت قديما، كان أهل الصناعة وقتذاك يعدونه هو بعينه (إيقاع خفيف الثقيل الثاني)، واسم
стр. 4710
الماخوري مشتق عن تمخير الإيقاع، ليكون وسطا بين الحثيث من الإيقاعات والخفيف.
٢٢ - محصور، أو محصور بالبنصر: اصطلاح موسيقي عند العرب المتوسطين، يطلق على هيئة ترتيب نغم الجنس الذي يستقر على نغمة بنصر الوتر ببعد بقية، وأما المشهور في تجنيس الأغاني في هذا الجنس، فهو مذهب إسحاق الموصلي.
٢٣ - المحمول: اصطلاح في الموسيقا عند العرب المتوسطين، لتعريف نغم الجنس الذي يستقر على دستان الوسطى في العود، والأرجح أنهم يعنون الوسطى الفارسية أو مجنب الوسطى، فيشبه ما هو محمول بالوسطى بين السبابة والبنصر، وأما التعريف المشهور الذي يقابله عند القدماء على مذهب إسحاق الموصلي فهو مطلق في مجرى البنصر.
٢٤ - المزموم: تجنيس من مصطلحات الأغاني، كان العرب المتوسطون يستعملونه لنغم الجنس الذي يستقر على نغمة سبابة الوتر في العود، مسبوقة بنغمة مجنب الوسطى، أو يستقر على نغمة مطلق الوتر مسبوقة بنغمة مجنبة.
٢٥ - المطلق: اصطلاح في تجنيسات الأغاني عند العرب على مذهب إسحاق الموصلي، وهو أن للغناء مجريين في كل طبقة أحدهما منسوب إلى الوسطى والآخر منسوب إلى البنصر، فأيهما جعلت المجرى كانت الطبقة منسوبة إليه.
٢٦ - المجنب: أنواع، مجنب السبابة، مجنب الوتر، مجنب الوسطى، وهو تعريف عربي قديم، وهو اسم دستان من دساتين العود تستخرج منه النغمة التي هي أقرب ثقلا إلى نغمة دستان السبابة.
стр. 4711
٢٧ - النوا (النوى): اصطلاح يطلق على الوتر الرابع في العود، ويسمى أيضا (نواة)، وكذلك تسمى نغمة مطلقة، وهي الخامسة التامة في ترتيب النغمات الأساسية في المنطقة المتوسطة صعودا من الأولى المسماة (يكاه) أو (راست)، وتسمى باسم (نوا) أيضا هيئة لحنية لجماعة نغم تستقر على النغمة المسماة (دوكاه) فيما يعرف باسم (مقام نوا)، وهو من المقامات المركبة من حجاز النوا عند الاستهلال إلى المنطقة الحادة، وجنس الراست محولا على (الدوكاه) ثم التسليم بجنس البيات.
٢٨ - الهزج: في الموسيقا العربية، الإيقاع الموصل ذو الزمان الواحد المتساوي بين كل نقرتين متواليتين.
أوتار العود وما يتعلق بها:
١ - الاصطحاب: تسوية الأوتار (أي نصبها).
٢ - الاصطحاب المعهود: مصاحبة مطلق كل وتر من مطلقات جميع أوتار العود، مع ما في جنبه على نسبة ذي الأربع ويسمى (شد أصل).
٣ - الاصطحاب غير المعهود: وهو مصاحبة كل وتر من مطلقات الأوتار مع ما في جنبه على غير ذي الأربع ويسمى (شد غير أصل).
٤ - مطلق الوتر: العزف على الوتر بدون جس.
٥ - البم: اسم الوتر الأعلى من العود. وبم: كلمة فارسية معناها الغليظ.
٦ - المثلث: (على وزن مطلب) اسم الوتر الثاني من الأعلى.
٧ - المثنى: (على وزن معنى) اسم الوتر الثالث من الأعلى.
стр. 4712
٨ - الزير: اسم الوتر الأول من الأسفل. وزير: كلمة فارسية مناها أسفل.
٩ - ثقل النغمة: قرار النغمة.
١٠ - حدة النغمة: جواب النغمة.
١١ - أرقام الكسور الاعتيادية المستعملة في نسب الأبعاد: الرقم المقامي يمثل طول الوتر، والرقم البسطي يمثل طول الوتر المهتز، والعدد الفارق بينهما يمثل طول الوتر المحبوس، فمثلا: ٤/ ٣ ويطلق عليه كل وثلث كل، لأن الأربعة هي كل الثلاثة وثلثها، فالأربعة تمثل طول الوتر بصورة عامة، الثلاثة تمثل طول الوتر المهتز، والفارق بينهما وهو العدد واحد من الأربعة طول الوتر المحبوس، وهو ربع الأربعة، أي ربع الوتر. وقد استعمل بعض القدماء ومنهم اللاذقي (صاحب الرسالة الفتحية في الموسيقا) الأنغام بواسطة الحروف الأبجدية، فالحروف العشرة الأبجدية الأولى وهي (أب ج د هـ وز ح ط ي)، وإضافة الحرف العاشر الذي هو الياء إلى الحروف التسعة الباقية فتكون (يا يب يج يد يه يو يز يح يط). ثم بإضافة الحروف التسعة إلى حرف الكاف الذي رقمه عشرون، وهكذا بإضافة الحروف تسعة إلى الحروف ذات الأرقام العشرية، فاللام ثلاثون، والميم أربعون والنون خمسون.
стр. 4713
أسماء النوتات العربية وما يقابلها في النوتات العالمية التي استعملها اللاذقي في كتاب الرسالة الفتحية
رموز نغمات اللاذقي/ رموز النوتة العربية/ ما يقابلها من رموز النوتة العالمية
١ - أ/ عشيران/ لا
٢ - ب/ عشيران عجم/ سي بيمول
٣ - ج/ عراق (+) / سي كاربيمول (+)
٤ - د/ كواشت/ سي
٥ - هـ/ رست/ دو
٦ - و/ زير كولاه (-) / دوديز (-)
٧ - ز/ زير كولاه/ دوديز
٨ - ح/ دوكاه/ ره
٩ - ط/ كوردي/ مي بيمول
١٠ - ي/ سيكاه (+) / مي (-)
١١ - يا/ بوسليك/ مي
١٢ - يب/ نيم حجاز/ فاكار ديز
١٣ - يج/ حجاز/ فاديز
١٤ - يد/ حجاز (+) / فاديز (+)
١٥ - يه/ نوى/ صول
١٦ - يو/ حصار/ لا بيمول
١٧ - يز/ تك حصار/ لا كار بيمول (+)
الدوائر النغمية المشهورة ولكل دائرة لها نغماتها المعروفة لدى الموسيقيين وهي اثنتا عشرة دائرة هي:
عشاق، نوى، بوسليك، راست، عراق، أصفهان، زاير افكند، بزرك، زنكولة، راهوي، حسيني، حجازي.
ومن المصطلحات التي ترد في الكتاب وأكثرها من أصول فارسية:
كان القدماء يسمون بعض الألحان المشهورة في زمانهم مقاما، وبعضها أوازه وبعضها شعبة:
المقام: كان المقام يسمى بأسماء الأصابع والدساتين والطرائق، ثم أطلق عليه شد أو دور، ثم أطلق عليه اسم مقام، وأول من ذكر اسم (مقام) هو قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي (ت ٧١٠ هـ) في كتابه (درة التاج لغرة الديباج).
الأواز: أصل كلمة (أوازه) فارسية معناها الصوت، أو جماعة نغم محددة، ويعني جلبة أو شهرة، واصطلاحا: هو ما يتفرع من مقامين، قال بدر الدين الأربلي (ت ٧٥٥ هـ):
وفرّعوا من كلّ شدّين نغم … سمّوه أوازا فبعض قد رسم
ويتفرع من الأواز ستة أنغام:
الأول: كوشت، وهو عشر نغمات مشتملة على تسعة أبعاد.
الثاني: نوروز، ونوروز اسم فارسي معناه (اليوم الجديد)، وهو اسم لمقام خاص يستقر على درجة العجم، والنوروز عندهم على نوعين، أحدهما ما يكون
стр. 4716
أربع نغمات مشتملة على ثلاثة أبعاد، ويسمى هذا بنوروز أصل صغير ونغمته بالنوتة الحديثة (ره دو سي)، وثانيهما ما يكون سبع نغمات مشتملة على ستة أبعاد، ويسمى هذا بنوروز كبير.
الثالث: سلمك، وهو إحدى عشرة نغمة مشتملة على عشرة أبعاد، وسلمك اسم فارسي، وهو سلم لطريقة مقام الراست.
الرابع: كردانية، وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الخامس: مايه، وهو أربع نغمات مشتملة على ثلاثة أبعاد، ومائة كلمة فارسية معناها (الخميرة).
السادس: شهناز، وهو سبع نغمات مشتملة على ستة أبعاد، وشهناز: كلمة فارسية مؤلفة من كلمتين، شاه: معناها الملك، وناز: معناها المدلل. ويكون المعنى: (الملك المدلل).
الشعبة: هيئة انتقالية على نغمات المقام على وجه مخصوص، وسميت شعبة لتشعبها من المقام، وهي أربع وعشرون:
الشعبة الأولى: دوكاه، وهي كل نغمتين مشتملتين على بعد طنيني، ودوكاه:
كلمة فارسية مركبة من كلمتين: دو بمعنى اثنين وكاه بمعنى مقام أي المقام الثاني، وهكذا بقية المقامات السيكاه والجهاركاه والبنجكاه بمعنى المقام الثالث والرابع والخامس وهكذا.
الشعبة الثانية: سه كاه، وهي ثلاث نغمات مشتملة على بعد طنيني في الأثقل ومجنب في الأحد.
الشعبة الثالثة: جاركاه، وهو قسم رابع من الأقسام السبعة (أي أقسام الطبقة
стр. 4717
الثانية) المستعملة من الأحد، فيكون أربع نغمات محيطة بثلاثة أبعاد، ويسمى هذا بجاركاه ذي الأربع أيضا.
الشعبة الرابعة وهي على نوعين:
أحدهما بنجكاه أصل، وهو قسم رابع لذي الخمس (أي القسم الرابع من الطبقة الثانية) فيكون خمس نغمات محيطة بأربعة أبعاد.
وثانيهما: بنجاكاه زايد، وهو قسم ثامن لذي الخمس، فيكون ست نغمات محيطة بأربعة أبعاد.
الشعبة الخامسة: عشيرا، وهو ست نغمات مشتملة على خمسة أبعاد، ويصدق عليه أنه حسيني محطه يكاه.
الشعبة السادسة: نوروز عرب، وهو ست نغمات مشتملة على خمسة أبعاد.
الشعبة السابعة: ماهور (وما هور كلمة فارسية معناها الهلال)، وهي على نوعين: أحدهما ما هور صغير، وهو قسم أخير من أقسام الطبقة الثانية (أي القسم الثالث عشر من أقسام الطبقة الثانية)، فيكون هو خمس نغمات مشتملة على أربعة أبعاد.
وثانيهما: ماهور كبير، وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الشعبة الثامنة: نوروز خارا، وهو ست نغمات مشتملة على خمسة أبعاد.
الشعبة التاسعة: نوروز بياني، وهو خمس نغمات.
الشعبة العاشرة: حصار، وهو ثماني نغمات محيطة بسبعة أبعاد.
الشعبة الحادية عشرة: نهفت (نهفت كلمة فارسية معناها الخفي المستور)، وهو
стр. 4718
ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الشعبة الثانية عشرة: عزال، وهو قسم سادس من أقسام ذي الخمس، فيكون هو خمس نغمات مشتملة على أربعة أبعاد، وهو حجازي عند القدماء مع بعد طنيني في الأحد، فيصدق عليه أنه دوكاه محطة حجازي.
الشعبة الثالثة عشرة: أوج (أوج معناه الأعلى، وبالفارسي (أويج) والأوج نغمة من نغمات السلم الموسيقي الشرقي وهو جواب نغمة العراق) وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الشعبة الرابعة عشرة: نيريز (نيريز مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة الرست) وهو على نوعين:
أحدهما نيريز صغير: وهو القسم الثاني عشر من أقسام ذي الخمس، فيكون خمس نغمات مشتملة على أربعة أبعاد، فيصدق عليه أنه حجازي عند القدماء محطه يكاه.
وثانيهما: نيريز كبير، وهو ثماني نغمات محيطة بسبعة أبعاد.
الشعبة الخامسة عشرة: مبرقع، وهو كل نغمتين مشتملتين على بعد مجنب.
الشعبة السادسة عشرة: ركب، وهو ثلاث نغمات مشتملة على بعدين مجنبين.
الشعبة السابعة عشرة: صبا (الصبا مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة الدوكاه، ونغماته: ماهوران بوسليك شهنازا محير كردان عجم حسيني صبا جهاركاه سيكاه دوكاه صعودا) وهو خمس نغمات مشتملة على أربعة أبعاد.
стр. 4719
الشبة الثامنة عشرة: همايون، وهو سبع نغمات محيطة بستة أبعاد.
الشعبة التاسعة عشرة: زوالي وهو سيكاه بشرط أن يضاف إلى أحده بعد الإرخاء وهو بعد ربع الطنيني.
الشعبة العشرون: أصفهانك (والأصفهانك مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة الدوكاه)، وهو خمس نغمات مشتملة على أربعة أبعاد.
الشعبة الحادية والعشرون: بستة نكار (البسته نكار مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة العراق، ونغماته: (شهناز أو محير كردان عجم حسيني صبا جهاركاه سيكاه دوكاه رست عراق صعودا) وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الشعبة الثانية والعشرون: نهاوند (النهاوند مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة الرست، وسلمه: كردان نيم ماهرو حصار نوى جهاركاه كردي دوكاه رست صعودا) وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
الثالثة والعشرون: خوزي، وهو ست نغمات مشتملة على خمسة أبعاد.
الشعبة الرابعة والعشرون: محيّر (المحير درجة من درجات السلم الموسيقي الشرقي وهو جواب الدوكاه، وسلمه: محير كردان أوج حسيني نوى جهاركاه سيكاه دوكاه صعودا)، وهو ثماني نغمات مشتملة على سبعة أبعاد.
стр. 4720
المقامات وصلتها بالأبراج وتأثيراتها:
المقامات:
الأول: راست، وهو منسوب إلى برج الحمل فطبيعته ناري (راست كلمة فارسية معناها: المستقيم، واصطلاحا: هو السلم الموسيقي الطبيعي للموسيقا الشرقية).
الثاني: عراق وهو منسوب إلى الثور فطبيعته ترابي، وهو ثلاث نغمات مشتملة على المجنب في الأثقل، والطنيني من الأحد إلى الأثقل.
الثالث: أصفهان وهو منسوب إلى الجوزاء فطبيعته هوائي.
الرابع: زير افكند (زير افكند جملة فارسية معناها: لأن يسقط) ويقال له عند بعضهم كوجاك (كوجاك: كلمة فارسية تركية معناها: صغير) وأرباب الموشح (الموشح أحد الفنون الشعرية السبعة التي هي: الشعر والموشح والمواليا والزجل والدوبيت والقوما والكان كان) يقولونه محبة الأنغام، وهو منسوب إلى السرطان فطبيعته مائي.
الخامس: برزك
السادس: زنكولة (زنكولة: كلمة فارسية معناها: جرس صغير) وهو منسوب إلى السنبلة، فطبيعته ترابي.
السابع: راهوي، وهو منسوب إلى الميزان، فطبيعته هوائي.
الثامن: حسيني، وهو منسوب إلى العقرب، فطبيعته مائي (كما يطلق على الحسيني سابقا ششكاه).
стр. 4721
التاسع: حجازي، وهو منسوب إلى القوس، فطبيعته ناري.
العاشر: أبوسه ليك (أبوسه ليك: جملة تركية معناها: اللثم الخفيف)، وهو منسوب إلى الجدي، فطبيعته ترابي.
الحادي عشر: نوى، وهو منسوب إلى الدلو فطبيعته هوائي.
الثاني عشر: عشاق (عشاق مقام من المقامات الشرقية التي تستقر على درجة الدوكاه) وهو منسوب إلى الحوت، فطبيعته مائي.
الإيقاعات الموسيقية القديمة وعددها اثنا عشر وهي:
١ - الثقيل الأول أو الورشان - ١٦ نقرة.
٢ - برافشان - ١٧ نقرة.
٣ - الثقيل الثاني - ١٦ نقرة.
٤ - خفيف الثقيل - ١٦ نقرة.
٥ - ثقيل الرمل - ٢٤ نقرة.
٦ - خفيف الرمل - ١٠ نقرات.
٧ - الهزج الكبير - ١٠ نقرات.
٨ - الهزج الصغير - ٦ نقرات.
٩ - الرمل - ١٢ نقرة.
١٠ - الفاختي الصغير - ١٠ نقرات.
стр. 4722
١١ - الفاختي الكبير - ٢٠ نقرة.
١٢ - الفاختي الأكبر - ٢٨ نقرة.
الإيقاعات عند المتأخرين وعددها عشرون إيقاعا وهي:
١ - الثقيل - ٤٨ نقرة.
٢ - الخفيف - ٣٢ نقرة.
٣ - سه ضرب طويل - ٣٢ نقرة.
٤ - سه ضرب صغير - ١٦ نقرة.
٥ - أوسط كبير - ٢٤ نقرة.
٦ - أوسط صغير - ١٢ نقرة.
٧ - جهار ضرب - ٩٦ نقرة.
٨ - الفاختي الصغير - ١٠ نقرات.
٩ - ضرب إنكيز أوروان - ١٠ نقرات.
١٠ - عمل أو تركي ضرب - ١٤ نقرة.
١١ - رمل طويل - ٢٤ نقرة.
١٢ - رمل قصير - ٢٤ نقرة.
١٣ - سرندان - ١٠ نقرات.
١٤ - صماعي - ١٠ نقرات.
стр. 4723
١٥ - جر ثقيل أو نيم ثقيل - ٢٤ نقرة.
١٦ - روان - ٨ نقرات.
١٧ - محجل - ٥٦ نقرة.
١٨ - ضرب الفتح - ٨٨ نقرة.
١٩ - برافشان - ١٧ نقرة.
٢٠ - أزج أو سريع الهزج - هو كل جماعة نقرات بينها أزمنة (أ).
أسماء المقامات وما يتصل بها ومعانيها باللغة الفارسية:
الماهور: كلمة فارسية معناها: الهلال.
الراست: كلمة فارسية معناها: المستقيم.
السوزناك: كلمة فارسية معناها: المؤلم.
النيروز او النوروز: كلمة فارسية معناها: عيد الربيع.
الماية المغربية: كلمة فارسية معناها: الخميرة.
دلنشين: كلمة فارسية معناها: ساكن القلب.
النهاوند: اسم مدينة فارسية، ويسمى هذا المقام في الجزائر رهاوي أو ساحلي، وفي تونس: محير سيكاه، وفي تركيا: بوسلك أو سلطاني يكاه أو فرح فزا، وعند الفرس: أصبهان.
النكريز: كلمة فارسية معناها: لا تهرب.
стр. 4724
الحجاز كار: كلمة فارسية معناها: عمل الحجاز.
الزنكولا: كلمة فارسية معناها: جرس الرأس.
الشاهناز: كلمة فارسية معناها: دلال السلطان.
الهمايون: كلمة فارسية معناها: المبارك.
البسته نكار: كلمة فارسية معناها: رابط المحبوب.
الزيرفكند: كلمة فارسية معناها: زير أسفل أو قديم.
زنكلاه: كلمة فارسية معناها: حبشي.
بزرك: كلمة فارسية تركية بمعنى: عظيم أو كبير.
يكاه: كلمة فارسية مركبة من لفظين أولهما (يك) ومعناه واحد، والثاني (كاه) ومعناه مقام أو درجة صوتية.
دوكاه: كلمة فارسية معناها: المقام الثاني.
سيكاه: كلمة فارسية معناها: المقام الثالث.
جهار كاه: كلمة فارسية معناها: المقام الرابع.
بنج كاه: كلمة فارسية معناها: المقام الخامس.
ششكاه: كلمة فارسية معناها: المقام السادس.
هفتكاه: كلمة فارسية معناها: المقام السابع.
стр. 4725
السفر الثاني عشر: كُتّاب الإنشاء شرقا
المحقق: إبراهيم صالح
стр. 4726
مقدمة التحقيق
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنار مسالك الأبصار، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الممالك والأمصار، وعلى آله السادة الأطهار، وصحبه المنتجبين الأخيار.
وبعد:
فهذا هو الجزء الثاني عشر من معلمة ابن فضل الله العمري، وقد قصره على كتّاب الدواوين من المشارقة، ممن كان في خدمة الملوك والأمراء.
وطريقته أن يورد تعريفا بالكاتب بأسلوبه المسجّع، ثم يختار له من نثره مجموعة رسائل، تقل أو تكثر، حسب شهرة الكاتب ومكانته؛ فقد اختار لبديع الزمان الهمذاني والقاضي الفاضل - شعرا ونثرا - ما يستحق أن يفرد بكتاب مستقل؛ ثم يختار له من نظمه شيئا، قل أو كثر.
وكثيرا ما نقف في مختاراته - الشعرية والنثرية - على الجديد الذي لا نعرفه في مصادرنا التراثية؛ فترجمة الببغاء - مثلا - كلّه جديد، وكله مما يستدرك على مجموع شعره ونثره.
وكان الاعتماد في إخراج هذا الجزء، على النسخة الوحيدة التي أصدرها الدكتور فؤاد سزكين - جزاه الله خيرا - عن أصلها المحفوظ في أياصوفيا - المكتبة السّليمانية بإستانبول، تحت رقم ٣٤٢٥.
وهي نسخة تامة، لا خرم فيها، تقع في ٣٩٦ صفحة، مكتوبة بقلم واحد، وبخط مقروء واضح، قليل الإعجام، نادر الضبط؛ وكثيرا ما يرسم الناسخ بعض الكلمات رسما دون أن يدرك معناها؛ وهنا لابد من أن يلجأ المحقق إلى تقاليب
стр. 4727
الكلمة ليقف على المعنى الذي يتناسب مع السجع ودقة المعنى؛ وفي هذا من الصعوبة ما لا يدركه إلا من دفع إلى مضايقه.
وإذا كان الناسخ جاهلا، لا يفرق بين المذكر والمؤنث، فالأمر يزداد صعوبة.
وكان من الممكن أن يكون العمل أكثر دقة، لو توفرت لدينا نسخة دار الكتب المصرية، رقم ٢٥٦٨.
فالحمد لله الذي أعان في تحقيق هذا الجزء ويسّره، والشكر للقائمين على المجمّع الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين أحسنوا الظن بنا. ورحم الله امرءا ستر عيوب أخيه، فالكمال لمن له الكمال سبحانه.
والحمد لله في البدء والختام.
إبراهيم صالح
دمشق/ الشام
١٣ ذو القعدة ١٤٢١ هـ
٦ شباط (فبراير) ٢٠٠١ م
стр. 4728
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
على الله توكلت
* ثم كانت وزراء وكتاب، مع من سمّينا وبعدهم في خدمة الخلفاء والملوك، ممن لم يرض البرق شرارة من زياده، ولا العنبر الهندي مدة لمداده؛ طالما عد الهلال لقلمه قلامة، وكان الأفق لزهره كمامة، ومد الصباح له صحيفة، وألقى بالرماح لقضيّته في كفه نحيفة؛ وحصل لهم من النعم ما فاض فضله، ومن النقم ما أعيت عضله؛ وسنأتي منهم على الغرض: فمنهم من نذكره لاشتهار اسمه، ومنهم من نذكره باستحقاقه؛ ثم هؤلاء على قسمين: قسم اشتهر للإكثار ولا يتعدى طبقة المقبول، وقسم منهم أصحاب الغوص؛ وأكثر ما تجد ذلك للمتأخرين، فقد أبدعوا في استخراج المعاني وتوليدها؛ وقبل ذكرهم نقول:
إن كتابة الإنشاء كانت في المشرق في خلافة بني العباس منوطة بالوزراء، وربما انفرد بها رجل؛ وذكر ابن عبدوس (١) في مواضع من كتابه من [ولي] ديوان السّرّ وديوان التّرسّل؛ ثم كانت آخر وقت قد أفردت، واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة، وكان في المشرق يسمى كاتب الإنشاء، ثم لما كثر عددهم سمي رئيسهم رئيس ديوان الإنشاء، ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الإنشاء، وتارة كاتب السر؛ وهي إلي أحبّ، وعندي أنبه، وعند الناس أدل؛ وكان في دول السلاجقة وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية، وبه سمي مؤيد الدين الطغرائي (٢)، - والطغراء هي الطرة، وهي التي تكتب فوق البسملة بالقلم
стр. 4729
الغليظ، يتضمن ألقاب الملك، وهي لفظة أعجمية، وكانت تقوم مقام خط السلطان بيده على المناشير والكتب، ويستغنى بذلك عن أن يكون للسلطان علامة بخطه، لكثرة الوثوق بصاحب هذه الرتبة - و [عند] أهل المغرب يسمى رئيس ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى.
وأهل هذه الرتبة لم يزل لهم الاختصاص والقرب أكثر من كل عام وخاص، يحتاج الأمراء إلى مداراتهم، وتقصر الوزراء مع علو رتبة الوزارة عن مناراتهم؛ يجتمعون بالملك إذا أرادوا على عدد الأنفاس، وهم معنى الدولة وعليهم عولة كل الناس.
وآخر ما كانت الملوك لا تكاتب الخلفاء ببغداد إلا إلى هذا الديوان، أعني ديوان الإنشاء، وكانت تسميه الديوان العزيز، ولهذا كانت كتبهم تستفتح: أدام الله أيام الديوان العزيز؛ إشارة إلى ديوان الإنشاء، لأن الكتب كانت إليه، والمخاطبة له، وهو المراد بقولهم فيما يوجد في التواريخ وكتب الإنشاء والترسّل:
الديوان العزيز؛ وعليه كان يطلق هذا الاسم، وله بهذا من الشرف ما له، ومن الفخر ما يجر على السماء أذياله؛ وقد آن أن نذكر من القسمين من يذكر:
فأما القسم الأول: فمنهم عبد الحميد وابن العميد والصاحب بن عباد، وهم وإن كانوا من مشاهير الكتاب فإنهم بعداء من الغوص وحسن التوكيد والاختراع، وقد قدمنا في تراجمهم مع الوزراء عنوان قولهم ومبلغ طولهم.
стр. 4730
١ - وأما أبو إسحاق فهو الصابي (١)
* وإن كان منهم وفي طبقته غير بعيد عنهم، ولكنه جوال الذكر في الكتاب، مشهور شهرة [الشمس] في يوم الصحو، تكلم وما تكلف، وتقدم ومن قبله تخلف؛ جرى على سجيته في الطباع ودعا عاصي البيان فأطاع، ولم يقف مع السجع يرسف في قيوده، ويكلف فكره فوق قدرته، فجاء بالعاطل الحالي، وتقدم على أهل العصر الخالي، وكان حلو الجنى عذب المشارع لا يرنق مورده، ولا يطفأ موقده؛ وهو في الكتاب بمنزلة امرئ القيس في الشعراء، إمام القوم وحامل لوائهم، وكان يحفظ القرآن الكريم وينتزع منه الآيات ويستشهد بها، وكانت بينه وبين الشريف الرضي (٢) صداقة مؤكدة، ورثاه لما مات برثاء أسمع الخافقين، وطلع في المغربين والمشرقين؛ وأوله (٣): [الكامل]
أرأيت من حملوا على الأعواد … أرأيت كيف خبا ضياء النادي
فاسمع بهذا الرثاء ما أعظمه وأفخمه!، ولا سيما من مثل هذا الشريف القائل،