علس بن مالك خال الأعشى، فأخذه الحكم بيده، وفضّ مرتج أغلاقه، وتأمل ما فيه من نفائس أعلاقه، فرأى منها كلمته: (١) [الكامل]
[ص ٣٨٧]
بان الخليط ورقّع الخرق … يوم الفراق فرهنهم غلق (٢)
قطعوا المزاهر واستتب بهم … يوم الرحيل للعلع طرق
رجلا يتابع خلفها رجل … نشط العقال قواه منطلق
للعبقرية فوقها صبح … كدم الذبيح نجيعه دفق
وكأن ظعنهم مقفية … نخل ابن يامن موقر سحق
وكأن ظعنهم غداة غدوا … والآل تسترهم وتنخرق
جبار عيدان أمرّ له … دون الفرات مزعزع تئق
علت العذوق على كوافرها … متلفع بالليف منتطق
حمر الكبائس قد ينوق (٣) بها … وهو الخضاب كأنه علق
فأمره ان يغني فيها بقوله:
رميننا في كل مرتقب … تحت الخدود وسيرهم نشق
غيد سوالفها وأوجهها … بيض وفوق صدورها الحقق
تبلت فؤادك إذ عرضت لها … حسن برأي العين ما تمق
بمهى يرف كأنه برد … نزل السحابة ماؤه يدق
стр. 4657
والوجه دينار ومنسدل … يغشى الضجيع لنشره عبق
بانت وصدع بالفؤاد لها … صدع الزجاجة ليس يتفق
فصنع صوتا في مزموم الرمل، حرك به الحكم وسائر أهل المجلس، وامتدّ الرجاء والطمع بعد القنوط الموئس، وألقى إليه بمطرف خزّ بنفسجي كان عليه، مبطنا بالفنك، وأمر له بمائتي دينار، ومرّ يوم لم ير مثله.
١٦٨ - ومنهم - وضيح بن عبد الأعلى
طلع به في ذلك الأفق كوكبة الغارب، ورجع سحابه الغارب، وبلغ أمره المؤيد هشاما، وما كانت فترت جمرته، ولا فنيت إمرته، فأمر باستدنائه، واستدعى به لأجل غنائه، فلما حضر مجلسه المهيب وأحس بيانه المتوقد اللهب، انقلب رجاؤها قنوطا، وانقطع مما كان به منوطا، إلى أن سكن إنباضه، وأزال [ص ٣٨٨] بالبسطة انقباضه، فأظهر الصناعة التي كانت إليه معزوة، وولت الهموم التي أصبحت به معزوة، فأحيا من القلوب رميما، وطرح عن النفوس عظيما، ثم أخذ العود وضرب به ضربا كان شفاء للفهم السقيم، ودرياقا للقلب السليم، فتهلل وجه المؤيد حتى ظهر البشر على جبينه، وأمر له من الذهب بمثل يمينه.
ومن اصواته: (١) [الكامل]
لمن الديار كأنها لم تحلل … بين الكناس وبين طلح الأعزل (٢)
стр. 4658
ولقد أرى بك والجديد إلى بلى … موت الهوى وشفاء عين المجتلي
ولقد أرى بك والمطي خواضع … وكأنهن قطا فلاة مجفل
يا أم ناجية السلام عليكم … قبل الرواح وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم … يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
أو كنت أرهب وشك بين عاجل … لقنعت أو لسألت ما لم يسأل
والشعر لجرير، والغناء فيه، وهذه من طنانات جرير، ومنها في هذا:
أعددت للشعراء سما ناقعا … فسقيت آخر هم بكأس الأول
لما وضعت على الفرزدق ميسمي … وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا … وبنى بناءك بالحضيض الأسفل
فامدح سراة بني فقيم إنهم … قتلوا أباك وثأرهم لم يقتل
ودع البراجم إن شربك فيهم … مر عواقبه كطعم الحنظل
بات الفرزدق يستجير لنفسه … وعجان جعثن كالطريق المعمل
أين الذين عددت أن لا يدركوا … بمجر جعثن يا بن ذات الرّمل
أسلمت جعثن إذ تجر برجلها … والمنقري يدوسها بالمنشل
تهوى استها وتقول يا لمجاشع … ومشق نقبتها كعين الأقبل
لا تذكروا حلل الملوك وأنتم … بعد الزبير كحائض لم تغسل
[ص ٣٨٩]
ما كان ينكر في يدي مجاشع … أكل الخزيز ولا ارتضاع الفيشل
حكي أنه ممن كان محمد بن عبد الرحمن خليفة الأندلس يلحقه برعايته، ويلحظه بعنايته، وكان قد سافر عنه مدة أطال شقّتها، وحمل وقر أعبائه شقتها، ثم آن له العود إلى ذلك النديّ، وقرب بحيث شم سوابق عرفه الندي، ولم تبق
стр. 4659
إلا مرحلة يقطعها وسوط مطية تمتد به أذرعها، فهاجه قرب الدار إليه شوقا، وطار به إليه سوقا، فصنع لحنا من شعر الحسين بن مطير: (١) [الطويل]
ولما تنكبنا الكثيب وأطلعت … لنا السدة العلياء قلت لصاحبي
ألا فانشرح صدرا فلم تبق بيننا … وبين المنى إلا كناخة راكب
ورفع ببيتيه عقيرته تغنى في النداء، وصاغه بين غناء الركبان والحداء، وسمعها في النفر من منه حفظها، وأداها كما منه تلفظها، فما أتى وضيح باب محمد بن عبد الرحمن إلا وقد سبق بها الخبر إليه، كأنما ألقتها الريح في أذنه، فحين دخل عليه، قال له: لينشرح صدرك، فلم يك قد كان بقي بينك وبين المنى إلا إناخة راكب، فهات الآن ما صنعت، فاندفع يغنّي فيه، ومحمد بن عبد الرحمن يميل حتى كاد يسقط عن السرير، ثم عجل له بتخت من القماش، وثلاث مئة من الدنانير.
١٦٩ - ومنهم - ابن سعيد كامل
أثمرت بالسرور أنامله، وتم تمام البدر كامله، وشغل أوقاته بالطرب، فجاءت طيوره سانحة، وجادت له بالأيام مانحة، ولزم المؤيد هشاما، وقد وطئ البلاد بهيبته، وسر البلاد بأوبته، وكان في عنفوان ملكه كجده هشام بالشام، وقد بسط ظله على الأنام، وأجار بعدله من الأيام، وكان يحضر مجلسه الخاص حيث يكون رواق الليل سجافه، ورقيب السمع سميه، وبطون الجواري سريره، وكان منه بالايحاشى، ولا يجد منه إيحاشا، وكان يدخل على جواريه [ص ٣٩٠]
стр. 4660
الحجاب، ويعلمهن ما ظهر من الإعجاب، ويلقي عليهن غناء يطرب سامعه، وتكثر به نقوط كل حاضر تجري مدامعه، ومن أصواته المشهورة: (١) [الوافر]
تكلم أيها الطلل القديم … عفت منه أجيرة والحريم
تأبد ما بدا للريح منه … وآلاء بتيمن لا تريم
إذا ما قلت أقصر عن صباه … فكان كحين يحتضر القسيم
تأوبه خيال من سليمى … كما يعتاد ذا الدين الغريم
والشعر لسلمة بن الخرشب الأنماري، والغناء فيه خفيف الرمل، وكذلك صوته: (٢) [الطويل]
سقى طلل الحي الذي أنتم به … بشرقيّ سلع صيّف والربيع
مضى زمن والناس يستشفعون [بي] … فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
فسوف أسلي النفس عنك كما سلا … عن البلد النائي البعيد يروع
يقولون صبّ بالنساء مولّع … وهل ذاك من فعل الرجال بديع
والشعر لقيس بن ذريح، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج.
وكذلك صوته: (٣) [الكامل]
ومتيم جرح الفراق فؤاده … فالدمع في أجفانه يترقرق
هزته ساعة فرقة فكأنما … في كل عضو منه قلب يخفق
والشعر لابن المعتز.
стр. 4661
١٧٠ - ومنهم - حصن بن عبد بن زياد
أصله من برّ العدوة، ودخل الأندلس متمسكا بالعروة، وكان مطربا أورد الأنس الوافر، ورد السرور النافر، ورق به قلب الليل على أنه كافر، وشجع قوي القلب وكان أجبن من صافر، ولج بلاد النصارى وتوغل في ولوجها، وسكنها وسكن إلى علوجها، ثم عاد إلى حوز المسلمين، ورجع ما كسب إلا الغناء [ص ٣٩١] بعد طول سنين، فاتصل بالعالي واتصف باقتناء الغالي، فأعلى العالي كعبه، ولمّ شعبه، وكان لا يزال يحضره في خلوته، وتجنبه نزع هفواته.
ومن أصواته: (١) [الطويل]
دعتنا بكهف دون حنفاء دعوة … على عجل دهماء والركب رائح (٢)
إذا الناس قالوا كيف أنت وقد بدا … ضمير الذي بي قلت للناس صالح
ليرضى صديق أو ليسخط كاشح … وما كل من سلفته الود ناصح
وإني لتلحاني على أن أحبها … رجال تعزيهم قلوب صحائح
والشعر لتميم بن أبي [بن] مقبل، والغناء فيه مزموم الرمل.
وكذلك صوته: (٣) [الكامل]
نام الخلي وما أحس رقادي … والهم محتضر لدي وسادي
من غير ما سقم ولكن شفني … هم أراه قد أصاب فؤادي (٤)
ومن الحوادث لا أبا لك أنّني … ضربت علي الأرض بالأسداد
стр. 4662
لا أهتدي فيها لموضع تلعة … بين العراق وبين أرض مراد
والشعر للأسود بن يعفر النهشلي، والغناء فيه ثاني الثقيل.
١٧١ - ومنهم - ساعدة بن بريم
مطرب تعلق بالسها، وعلق بالمسامع بما ألهى، وكان لنوافر القلوب مؤلفا، ولم يقدم وراءه مخلفا، حكي أنه كان من أبناء النصارى، طلع في سواد المسوح قمرا زاهرا، وسكن الديارات فأعاد ذواءها يانعا زاهرا، وخلافي جانب مكانه فحلّ عزائم البرهان، وشد زناره (١) على غصن بان، ففتن بحسنه القسوس، وجرى في حبه ما هوّن حرب البسوس، فترك النصرانية وأسلم إسلاما الله يعلم ما وراءه، وما ذا صرف إليه فيه آراءه، ثم غوي الغناء وطلبه، وتتبعه ليجلبه، وركب فيه ثبج البحر وقد لانت عريكته، وألقيت أريكته، ثم بلغ من هيجه مبلغا أفضى فيه إلى التلف، وانتقم منه أضعاف ما سلف، إلا أنه سلم على لوح من ألواح [ص ٣٩٢] المركب، وقد ظن أن روحه فيما ينكب، فخرج إلى مصر ثم أتى إلى الشام والعراق، وورد ما راق، ورد ما طلبته ما تضيق به الأوراق.
ومن مشاهير أصواته: (٢) [الطويل]
إذا خطرت من ذكر بثنة خطرة … عصتني شئون العين فانهل ماؤها (٣)
فإن لم أزرها عادني الشوق والهوى … وإن زرتها شف الفؤاد لقاؤها (٤)
وإن قلت أسلوها تعرض طيفها … وعاود قلبي من بثينة داؤها
وكيف بنفس أنت هيجت سقمها … ويمنع منها يا بثين شفاؤها
стр. 4663
لقد كنت أرجو أن تجود بنائل … فأخلف نفسي في الوعود رجاؤها
إذا قلت قد جادت لنا بنوالها … أبت ثم قالت خطة لا أشاؤها!
والشعر لجميل والغناء فيه، وهذا الصوت من قصيدة من الغرّ منها هذا:
أعاذلتي فيها لك الويل فاقصري … من اللوم عني اليوم أنت فداؤها
إذا قعدت في البيت يشرق بيتها … وإن برزت يزداد حسنا فناؤها
قطوف ألوف للحجال يزينها … مع الدل منها جسمها وحياؤها
فهذا ثنائي إن نأت وإذا دنت … فكيف علينا ليت شعري ثناؤها
١٧٢ - ومنهم - سعد المجدّع
مولى أم سليمان بن الحكم، ذكر غلب عليه التّخنيث، ورجل شارك النساء في التأنيث، وكان جدّ خبيث، ومجد سرى حثيث، إلا أنه لا يسري إلا إلى حان، ولا يسير إلا بحذاء ألحان، قبح عند الامتحان، ونقص عند الرجحان، وكان لا يرى إلا عقير عقار، أو عقيب خمار، أو في نادي نسوة، أو جاعلا نفسه لهن أسوة، يغلّ (١) بالخضاب يده، ويغلف بالسواد حاجبيه، ويلبس فاخر الثياب على خزى يحسده، ويقلب عنقه بالعقود، ليته بالسيوف قلده، وكان مع هذا الدّبر الذي فنيت فيه الزّبر، وقدّ به قميصه من دبر، زنّام زمر (٢) [ص ٣٩٣] وإمام غناء مشتبه الأمر، ومنبع طرب يسكر مثل ابنة الأعناب، ومنبت عيدان يا قبح ما تجني جناة الحسن من عنّاب.
ومن أصواته: (٣) [الخفيف]
стр. 4664
أقفرت بعد عبد شمس كداء … فكديّ فالركن فالبطحاء (١)
فمنى فالجمار من عبد شمس … مقفرات فبلدح فحراء (٢)
قد أراهم وفي المواكب إذ يغ … دون حلم ونائل وبهاء
وحسان مثل الدمى عبشميّا … ت عليهن بهجة وحياء
حبذا أنت حين قومي جميع … لم تفرق أمورها الأهواء
قبل أن تطمع القبائل في مل … ك قريش ويشمت الأعداء.
والشعر لعبيد الله (٣) بن قيس الرقيات، والغناء فيه من خفيف الرمل، وهذه الأبيات من قصيدة غراء منها:
أيها المشتهي فناء قريش … بيد الله عمرها والفناء
إن تودع من البلاد قريش … لا يكن بعدهم لحي بقاء
أو تقفى وتترك الناس صاروا … غنم الذئب غاب عنها الرعاء
هل ترى من مخلد غير أن الله … يبقى وتذهب الأشياء
يأمل الناس في غد رغب الده … رألا في غد يكون القضاء
فرضينا فمت بدائك عنا … لا تميتن غيرك الأدواء
لو بكت هذه السماء على حي … ي كريم بكت علينا السماء
قلت: وفي هذه القصيدة ذكر حمزة وعليّ وجعفر والزبير وابن الزبير ﵃، ومن العجب أن يغني شاعر بني أمية في شعر فيه ذكر هؤلاء، وإن لم يأت في الصوت.
стр. 4665
١٧٣ - رداح جارية عبد الرّحمن [ص ٣٩٤]
المستظهر (١)، وكانت أي هيفاء رداح (٢)، وسمراء تنتضي من جفونها السود بيض الصفاح، ذات جمال يغير البدر إن سفرت، ودلال يغير الغصن إن خطرت، وغنج يعيد سحر بابل إن نظرت، هذا إلى نغم يعلّم الحمائم في الأراك، ويوقع العشاق في الأشراك، ويفعل فعل البابلي، ويغسل حتى قلب الخلي، ويغلّ النار في الجوانح، ويشعر طرفها الكاسر بأن الظباء تصيد الجوارح. قيل إنّه كان يقال إنها بدعة القيان، وإنها بهذا كانت تدعى، ويحكى عنها لطائف وظرائف، ولها شعر ليس بطائل، ولها أعمال صنيعة، وأصوات بديعة، فمنها هذا: (٣)
[الطويل]
أتعرف رسما كاطراد المذهب … لعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار التي كادت ونحن على منى … تحل بنا لولا نجاء الركائب
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة … بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ولم أرها إلا ثلاثا على منى … وعهدي بها عذراء ذات ذوائب
والشعر لقيس بن الخطيم، والغناء فيه، ومن هذه القصيدة:
فلما رأيت الحرب حربا تجددت … لبست مع الحربين ثوب المحارب
стр. 4666
رجال متى يدعوا إلى الموت يرقلوا … إليه كإرقال الجمال المصاعب
إذا فزعوا مدوا إلى الليل صارخا … كموج الأتي المزبد المتراكب
صبحناهم الآطام حول مزاحم … قوانس أولى بيضها كالكواكب
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا … صدود الخدود وازورار المناكب
إذا قصرت أسيافنا كان وصلنا … إلى نسب من جذع غسان ثاقب (١)
صبحناهم شهباء يبرق بيضها … تبين خلاخيل النساء الهوارب
فأبنا إلى أبياتنا ونسائنا … وما من تركنا في بعاث بآئب
وحكي أن عبد الرحمن [ص ٣٩٥] عزم على التفسّح في بعض الظواهر مدة يقيم بها في مضارب نصبت له على نهر يروق انحداره، وربيع بقل في وجنة الروض عذاره وكان الشتاء قد كلح وساء به مزاج الزمان ثم صلح، فلما عزم على الخروج أتت جواريه لوداعه، ورداح بينهن قد اغرورقت مقلتاها بالمدامع، وقطعت لديها أعناق المطامع، فوقفت وقفة المتعني، ثم اندفعت في صوت صنعته تغني: (٢) [البسيط]
شط المزار بحدوى وانتهى الأمل … فلا خيال ولا عهد ولا طلل
إلا رجاء فما تدري أندركه … أم يستمر فيأتي دونه الأجل
والشعر لعمرو بن أحمر الباهلي (٣)، والغناء فيه من الهزج، ثم اتبعته بصوت آخر صنعته: [الطويل]
إذا ما كتمنا الحب نمّت عيوننا … علينا وأبدته العيون السواكب
стр. 4667
وإن نحن أخفينا ضمائر حبنا … أشارت بتسليم علينا الحواجب
والشعر فيه مجهول، فبكى عبد الرحمن لبكائها، وطفق يضمها إليه، ثم أقبل على جواريه فقال: هلا كان فيكن واحدة فعلت مثل فعلها، ثم أمر بأن تخرج معه فأبت، فقالت: والله لا خرجت إلا أنا وصويحباتي، قال: فليخرجن، ثم خرجن معه، فلم يكن أحسن من ذلك المربع، ولا من أيام مضين فيه.
وحكي أن عبد الرحمن نظر إلى جارية عند بعض نساء الحرائر فأحبها، وفطنت الحرة لذلك، فحجبت الجارية عن نظره، وطالت مدة حجابها، وزيادة ما يجده من الجوى بها، ونمي الخبر في جواريه، واستفاض حال غرامه بها وعدم قراره لأجلها، فصنعت رداح صوتا وجودته ثم دخلت عليه وهي تغني به، والصوت: (١) [الطويل]
تمسك بحب الأخيلية واطرح … عدا الناس فيها والوشاة الأدانيا
فإن يمنعوا ليلى وحسن حديثها … فلم يمنعوا مني البكا والقوا فيا
يلومك فيها اللائمون فصاحة … فليت الهوى باللائمين مكانيا
لو انّ الهوى في حب ليلى أطاعني … أطعت ولكن الهوى قد عصانيا
[ص ٣٩٦]
والشعر لتوبة بن الحميّر، والغناء فيه كان في مذهب شيخي، لم يتمالك معه عبد الرحمن أن فاضت عينه بالبكاء، وقال: ما الحيلة يا رداح؟ قالت: عزيمة مثلك، قال: هيهات أن تنفع العزيمة، ولكن قد يجيء في أحداث الدهر مالا يتوقعه المنتظر، فنقل المجلس إلى تلك الحرة، فقالت: هو ولي النعمة وأنا أمته
стр. 4668
والجارية أحداث الدهر، قالت: فأحمد اللّه يا أمير المؤمنين، فخرّ ساجدا ثم نهض حتى دخل على الحرة فشكر لها، ثم ضم الجارية إليه وأسنى جاريته رداح، وتماثل حاله، وكان قد يئس من الإصلاح.
١٧٤ - ومنهم - خليد مولى الأدارسة
ومحيي تلك الأطلال الدارسة، كان يحيى به كلّ أرض يحلها، وتهتز أذن كل سامع تطلّها، أكثر إحياء لها مدّ الثرى من المطر، أهزّ للقدود من كل رديني تأطر.
حكي أنه حضر مجلس المأمون أحد مواليه، وشرع يغنيه في شعر رثي به بعض أعاديه، فحميت حماليقه بنار الغضب، وأخذ منه العود ثم ضرب به خلاف ما ضرب، فأصاب به عينه فأساء فيها الأثر، ونكب بها نكبة، على أن العود الضارب فيها عثر ثم أقبل عليه بالرضى واعتذر، وآنسه أنسا أزال عنه الحذر، ثم أولى إليه الجوائز، ونبّه له الحسد حتى من أهل الجنائز، فكان لا يرى ذلك العمى في عينه إلا كالحور، ولا يزال نظراؤه تضعف أيديهم عن جسّ العود الخور، وحسدته الناظرة سحرا إليه كالحول، ويقول: من للحول بالعور، وكان على عوره بصيرا بالصنعة، مطلا للدمع الذي لا يقال له صرعة.
ومن أصواته: (١) [الوافر]
ألم ترها تريك غداة بانت … بملء العين من كرم وحسن
فأعطت كلما سئلت شبابا … فأنبتها نباتا غير حجن
فقلت وكيف صادتني سليمى … ولما أرمها حتى رمتني
ألا يا ليتني حجر بواد … أنام وليت أمي لم تلدني
стр. 4669
[ص ٣٩٧]
والشعر للنمر بن تولب، والغناء فيه في سادس الهزج، وكذلك صوته في شعر الكميت بن زيد، ودست عليه الشيعة الأموية من قتله لأجل تغنيه به، وهو هذا: (١) [الطويل]
ألم ترني من حب آل محمد … أروح وأغدو خائفا أترقب
على أي جرم أم بأية سيرة … أعنف في تقريظهم وأكذب
أناس بهم عزت قريش فأصبحوا … وفيهم بناء المكرمات المطيب
وهم رئموها غير ظأر وأشبلوا … عليها بأطراف القنا وتجلببوا
فإن هي لم تصلح لحي سواهم … فإن ذوي القربى أحق وأقرب
وإلا فقولوا غيرها تتعرفوا … نواصيها تردى بنا وهي شزب
والغناء فيه في ثقيل الرمل، وكان يتغنى به أيام استظهار الأدارسة فأصبح قتيلا ملقى على باب داره.
١٧٥ - ومنهم - سعدى جارية المعتمد بن عبّاد (٢)
وكانت جارية يسعد بها ضجيعها، وينعم ولو ورد مدامعه نجيعها، فاتنة
стр. 4670
الطرف كأنها مهاة، أو أمنية مشتهاة، لو تجلت لمحيي البدر سافرة لتبرقع، أو لمرأى الشمس لأمتع، لو طرقت جريرا لما قال ارجعي بسلام (١) أو لاقت جميلا لما قنع بالكلام (٢)، أو كانت في عصمة ابن ذريح لما أطاع فيها أباه (٣)، أو لاحت لابن الملوح لنسي ليلى حتى إنها لم تمثل بكل سبيل إليه (٤)، زادت ملك ابن عباد حسنا، وطلعت في سمائه القمراء وأسنى.
ولها أصوات بها تغني، فمنها: (٥) [البسيط]
لولا عيون من الواشين ترمقني … وما أحاذره من قول حراسي
لزرتكم لا أكافيكم بجفوتكم … مشيا على الوجه أو سعيا على الراس
والشعر للمعتمد، والغناء فيه.
وحكي أن المعتمد عزم على إخراج حظاياه من بلد إلى آخر، فخرجن في أول الليل كأنهن النجوم الطوالع، وخرج [ص ٣٩٨] يشيعهن وقلبه لأمر (٦) صبره
стр. 4671
غير طائع، فسايرهن ليله كله، حتى قوض بناء الليل، وأقبل الصباح في كتيبته الشهباء مبّتوث (١) الحيل، فرجع وقد صدعت أحشاؤه مغارب تلك النجوم، وأغرت مقلته سحائب تلك الدموع السجوم فقال: (٢) [الكامل]
سايرته والليل غفل ثوبه … حتى تبدى للنواظر معلما
فوقفت ثمّ مودّعا وتسلمت (٣) … مني يد الأصباح تلك الأنجما
ثم بعث بها إلى سعدى وأمرها أن تغني منها صوتا، فغنت فيه.
ومن أصوات سعدى المشهور لها: (٤) [السريع]
إن الذي هامت به النفس … عاودها من سقمها نكس
كانت إذا ما جاءها المبتلى … أبرأه من كفها اللمس
وا بأبي الوجه الجميل الذي … قد حسدته الجن والإنس
إن تكن الحمى أضرت به … فربما تنكسف الشمس
والشعر للعباس بن الأحنف، واقترحه المعتمد عليها.
وقد دخل على جارية له، رآها مدنفة مصفرة لتوالي الحمى، قد امتقع بالصفرة بياض صفحتها، وردّى الغيار محاسن لمحتها، فبرزت كالشمس في الكسوف، والقمر في الخسوف، ولوحه هجير الحمى، ثم فارقها ووجهها كأنه الدينار المشوف (٥)، وكان المعتمد لا يزال على جواريه يقترح، ولأزندة خواطرهن يقتدح.
стр. 4672
١٧٦ - ومنهم - ميمون الجوهريّ [أو الجهوريّ] (١)
وهو ممن جهر به النداء، وجأر بتفضيله الأعداء، لاذببني جهور حتى نسب إلى ولائهم، وحسب واحدا منهم لما غمر من آلائهم، وكان نديما لا يمل له محاضرة، ولا تفي الروايات المعدة بأجوبته الحاضرة، وكان الغناء أغلب فنونه عليه، وعيونه التي لا تحصى ما ينظر منها لديه، وداخل بها رؤساء الأندلس وكبراءه، ودانى علماءه ووزراءه، وأمر أمره [ص ٣٩٩] فعلا قدره وجالس أمراءه، وكان مما جرى الفأل بتسميته ميمون النقيبة ممنون الرغيبة، ما خالل أحدا إلا سمق، ولا خالط إلا من ظن أنه من السماء وإن رمق.
وله صنعة في أصوات، منها: (٢) [الطويل]
وجفن سلاح قد رزيت فلم أمت … عليه ولم أبعث إليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة … لو انّ المنايا أنسأته لياليا
والشعر للفرزدق، والغناء فيه في ثقيل الرمل.
وكذلك صوته: (٣) [المنسرح]
يا ليلة بت في دياجيها … أسقى من الراح صفو صافيها
ما تشتهي العين أن ترى حسنا … إلا رأته في وجه ساقيها
стр. 4673
وصيفة للغلام تصلح للأ … مرين كالغصن [في] تثنيها
في قرطق زانه تخرسنها … قد عقربت صدغها مداريها (١)
والشعر لأبي نواس، والغناء فيه في الهزج.
١٧٧ - ومنهم - طريف بن عبد اللّه السّميع القابسيّ
وكان مغني أهل بادية، ومطرب حي أسمع صوته كل عادية، أول ما ألف ما عهده حيث تنصب الخيام، وينصب عليه الحيام (٢)، ثم دخل مدن إفريقية، وقد وافاها أقوام مصر، كان فيهم من تلبس بالغناء كان ترفع به عقيرته، وتجل به حقيرته، فانحاز إلى فئتهم، ودخل بينهم مثل هيئتهم، فأصغى إليهم بسمعه، ودخل غناءهم دبر أذنيه، فانثني إليهم ناسيا ما كان تعلم، سالبا سواه وإن يتم، وأسف على زمنه الذاهب، وجهل كل طريق إلا تلك المذاهب، فأعمل الرحلة إلى مصر، وماله رفيق إلا ظله، ولا له طريق إلا حيث قذف به جهله، وأتى مصر وبها ذماء (٣) من أهل هذا الشأن تخلفوا على حفر اللحود، وسلالة مصّ منهم الثرى بقية الماء من العود، إلا أنهم فاتوا أهل كل إجادة، فعاد عنهم موفورا، ورجع وقد جمع عطاء موفورا [ص ٤٠٠]
ومن أصواته: (٤) [الطويل]
стр. 4674
ونحن بطحنا يوم ألف فلم تعد … سليم بن منصور بشهباء فيلق
غداة أسرنا في الجبال ملوكهم … غناة بني الصباح وابن المحلق
صبحناهم والشمس خضراء غضة … بذات اللظى حد السنان المخرق
غداة اتقونا بالسيوف أجنة … من الحرب في منتوجة لم تطوق
والشعر لمليح بن الحكم الهذلي، والغناء فيه.
وروي له صوت آخر، وهو هذا: (١) [المنسرح]
ما ضر جيراننا إذا انتجعوا … لو أنهم قبل بينهم ربعوا
إن لبينى قد أضر أقربها … ولو أرادوا أن ينفعوا نفعوا
هم باعدوا بالذي كلفت به … أليس بالله بئس ما صنعوا
بانوا فقد فجعوا لبينهم … ولم يبالوا بحزن من فجعوا
والشعر للأحوص بن محمد، والغناء فيه.
وكذلك صوته: [الطويل]
تلومينني في طارق بعد هجعة … تجيء به دامي الأظل طليح
تنكل ثوب الليل عنه كأنه … من الضر من كلتا يديه جريح
فإن كنت قد أنكرت يوما خلافتيا … فإن اجتماعا بعده لقبيح
والشعر لأعرابي مجهول، والغناء فيه في ثقيل الرمل.
стр. 4675
١٧٨ - ومنهم - زيد الغناء بن المعلّى
ابن عبد العظيم، روح غناء، ودرج اجتناء، وبوح اجتلاء، عرف بالغناء حتى أضيف إليه، وأضيف (١) تعريفا عليه، ودعي به بين ندمائه، ثم أطلق عليه فكان أشهر أسمائه، وكان إذا غنى أوقف الطير، وعقل المنطلق على السير، فرغ لها باله، وهيج بلباله، حتى أتقنه إتقانا صار به علمه عنده مستقرا، وعمله عليه مستمرا، وعمل فيه أعمالا نقلت، وأطلقت يده التي على العود علقت [ص ٤٠١].
وحكي أنه حج وأتى منى فوقف عند جمرة العقبة، وقد كظّ المحصبّ، وبان البنان العاطل المخضّب، وقد شغل الأيدي حصى الجمار، وملأ العيون سنا الأقمار، ثم اندفع يغني فانصرف إليه كل نظر، وبقي دأب كل من حضر، فلما فرغ من صوته عاد إلى رمي الحصاب، وعرف العاطل من ذات الخضاب.
ومن أصواته: (٢) [الطويل]
خصيم الليالي والغواني مظلم … وعهد [الليالي] والغواني مذمم
رأيت سواد الرأس واللهو تحته … كليل وحلم بات رائيه ينعم
وصفراء بكر لاقذاها مغيّب … ولا سر من حلت حشاه مكتم
هي الورس في بيض الكؤوس فإن بدت … لعينيك في بيض الوجوه فعندم
سقتني بها بيضاء فوها وكأسها … شبيها مذاق عند من يتطعم
من الهيف لو شاءت لقامت بكأسها … وخاتمها في خصرها يتختم
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه.
стр. 4676
وجملة هذه القصيدة التي منها الصوت جميلة منها في المدح:
بنو مصعب فينا سماء رفيعة … لها درر ليست يد الدهر تعدم (١)
سماء أظلت كل شيء وأعلمت … سحائب شتى صوبها المال والدم
ليمدحكم من شاء جهد مديحه … فللشعر فيه بعده متردم
أناس إذا دهر تبسم مرة … فعنهم وعن آياته تتبسم
يرى أبدا فيهم جواد معدل … وليس يرى فيهم بخيل ملوّم
ولم أر مالا حازه مثل عزمهم … يروح ويغدو وهو نهب مقسم
تحكم في أموالهم من أطاعهم … وأسيافهم فيمن عصا تتحكم
نجوم الدجى منها شهاب على العدا … ومنها سماك للعفاة ومرزم
أعمهم مدحا وأختص منهم … أخاهم عبيد الله والحق يلزم
[ص ٤٠٢]
يعدّ إذا عدّ الملوك مبدّأ … كما عدّ رأسا للشهور المحرم
فتى ليس من يوم يمر ولا يرى … لنعماه فيها أو لبؤساه أنعم
تمر العطايا والمنايا لأهلها … على هينة منه ولا يتندّم
فتى عزمه سيف جسام وسيفه … قضاء إذا لاقى الضريبة مبرم
يباشر أطراف القنا وهو حاسر … ويلقى لسان الذم وهو ملأم
هو الغرة البيضاء من آل مصعب … وهم بعده التحجيل والناس أدهم
стр. 4677
١٧٩ - ومنهم - جارية تميم (١)
جدّ المعزّ بن باديس، جارية طار بلبها الهوى، وطاف بقلبها الجوى، ورمى بها الإغراب مراميه، وأطال بها النوى لياليه، حتى سارت بتشتيت الفراق، وصارت إلى المغرب من العراق، ثم كانت لا تزال تتذكر نادي ذلك الفريق، وتنادي بلسان عرابها (؟) نار ذلك الحريق، وتتلفت إلى العراق، وظل ريفه الظليل، ومبسم مرآه الجميل وظبائه الجآذر، ولها بينهم مقيل فنان حسرة بين عوادها، وتبكي وإنما بدلت قطعة من فؤادها، إلى أن عادت بلطيف الحيلة، إلى أكناف تلك الجميلة، فذهب بحق صبابتها باطلة، والتقى كل ذي دين وماطله.
وحكي أن أبا الحسين ابن الأشكري المصري قال: كنت رجلا من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم وممن يخف عليه، فأرسل إلى بغداد فابتيعت له جارية فائقة رائقة الغناء، فلما وصلت إليه، دعا جلساءه، قال: وكنت فيهم ثم مدّت السّتارة وأمرها بالغناء، فغنت: [الكامل]
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى … برق تألف موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه … صعب الذرى متمنع أركانه
فمضى لينظر كيف لاح فلم يطق … نظرا إليه وصده أشجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه … والماء ما سمحت به أجفانه
стр. 4678
[ص ٤٠٣] قال: فطرب الأمير تميم ومن حضر طربا شديدا، ثم قال: غنّي فغنت: (١) [البسيط]
أستودع اللّه في بغداد لي قمرا … بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
وهذا لمحمد بن زريق الكاتب. فاشتد طرب تميم وأفرط جدا، ثم قال لها:
تمنّي ما شئت، فقالت: أتمنى عافية الأمير وسلامته، فقال: والله لا بد أن تتمني، [فقالت] على الوفاء أيها الأمير؟ فقال: نعم، فقالت: أتمنى أن أغني بهذه النوبة بغداد، فامتقع لونه وتغير وجهه وتكدّر المجلس، وقام وقمنا.
قال ابن الأشكري: فلقيني بعض الخدم، وقال لي: ارجع فالأمير يدعوك، فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني، فسلّمت عليه وقمت بين يديه، فقال: ويحك أرأيت ما امتحنّا به؟ فقلت: نعم أيها الأمير، فقال: لابد من الوفاء لها، ولا أثق في هذا بغيرك، فتأهب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنّت هناك فاصرفها، فقلت: سمعا وطاعة، قال: ثم قمت، وتأهبت، وأمرها بالتأهب وأصحبها جارية سوداء له تعادلها (٢) وتخدمها، وأمر بناقة ومحمل أدخلت فيه، وجعلها معي، وصرت إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجنا، ثم دخلنا في قافلة العراق، فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت: تقول له ستي، أين نحن؟ فقلت لها: نزول بالقادسية، فانصرفت إليها فأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتا قد ارتفع بالغناء منها، وغنت: [مجزوء الكامل]
لما وردنا القادسي … ة حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجا … ز نسيم أنفاس العراق
стр. 4679
أيقنت لي ولمن أحب … يجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا … ء كما بكيت من الفراق
لم يبق لي إلا تجشم … هذه السبع الطباق
حتى يطول حديثنا … بصفات ماكنا نلاقي
قال: فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله أعيدي، قال: فما سمع لها كلمة. [ص ٤٠٤]
قال: ثم نزلنا الياسرية (١)، وبينها وبين بغداد نحو خمسة أميال في بساتين متصلة، ينزل بها الناس فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد، فلما كان وقت الصباح، إذا بالسوداء قد أتتني مذعورة، فقلت: مالك؟ فقالت: إن سيدتي ليست بحاضرة، فقلت: ويلك! وأين هي؟ فقالت: والله ما أدري، قال: فلم أحس لها أثرا بعد تلك، ودخلت بغداد، وقضيت حوائجي بها وانصرفت إلى الأمير تميم، فأخبرته خبرها، فعظم ذلك عليه، واغتم له غما شديدا، ثم لم يزل ذاكرا لها، آسفا عليها.
ومن أصواتها هذا: (٢) [مجزوء الكامل]
يا أيها الساقي الهوى … ضجرا بأن صد الحبيب
اسمع فإني قائل … قولا سيعرفه البيب
الحب داء ما يلين … بمثل حرقته القلوب
والحبّ ليس له سوى … من قد كلفت به طبيب
والشعر لأبي نواس، والغناء فيه في الطريقة الرابعة من الهزج.
стр. 4680
ومن أصواتها: (١) [الطويل]
تذكرت ريا وانبرى لك حبها … ومن دونها الأعداء خزر عيونها
وحنت قلوصي آخر الليل حنة … فيا روعة ما راع قلبي حنينها
حنت في عقاليها وشامت عيونها … سنا البرق علويا فجن جنونها
فقلت لها حني فكل قرينة … مفارقها لا بد يوما قرينها
والشعر للصمة بن عبد الله، والغناء في أول الثقيل، وهذا القول من قطعة جملتها ثمانية أبيات، وتمامها:
وقلت لها حثي رويدا فإنني … وإياك نخفي عولة سنبينها
فما برحت حتى ارعوينا لصوتها … وحتى انبرى منا معين يعينها
ظللت بها أبكي بعين حزينة … مراها الهوى حتى استهلت جنونها (٢)
[ص ٤٠٥]
تعز بصبر أن تلام فإنما … على النفس ما جرّت وللنفس دينها
١٨٠ - ومنهم - الكينو (٣) احمد بن محمّد
ابن أحمد اللخمي من أهل تونس، قال شيخنا أبو حيان: حضرت معه في بستان كان استدعاني إليه الكاتب أبو الحسن ديسم، وكان يحسن الضرب بالعود والغناء، وأنشد لنفسه هذا: [الرمل]
كلّ معنى من معانيه بدا … لست أسلو عن هواه أبدا
مطلق الحسن خلا عن مشبه … وأنا في الحب ممن قيدا
стр. 4681
إن غيّي في هواه رشدي … وضلالي فيه لا شك هدى
شهد الكون له أجمعه … لا ترى في حبه من فنّدا
وأنشد أيضا مما قاله في السماع: [مجزوء البسيط]
ما ذا يريد العذول مني … صمّت عن العاذلين أذني
بمهجتي شادن ربيب … يسبي البرايا بكل فنّ
رشا كنس قضيب آس … رياض حسن هلال دجن
قلبي مقيم على هواه … إن ضجّ أو لجّ في التجني
فحدثوا بالدلال عنه … وحدثوا بالخضوع عني
قال: ولما توفي الداعي المسمى بالفضل ملك إفريقية، كان هذا ابن الإمام يمدحه ويهجو من عاداه، ويصرح بذلك في تونس، فلما قتل الدعي وتولى أبو حفص، قتله لما كان بلغه من ذمه وهجيه (١).
١٨١ - ومنهم - أبو عبد اللّه اللالجي
[الطويل]
تعاللت كي أشجى وما بك علة … تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
وقولك للعواد كيف ترونه … فقالوا قتيلا قلت أيسر هالك
لئن ساءني أن نلتني بمساءة … لقد سرني أني خطرت ببالك (٢)
وهذا آخر معروف بالغناء [ص ٤٠٦] بالجانب الغربي على ما أنفذنا فيه وسع الحيلة، وتسمحنا فيه لتكثير الفئة القليلة، وقد تكلفنا له فوق الجهد
стр. 4682
والطاقة، ودخلنا فيه من الباب والطاقة.
فأما مصر فإنها وإن حوت الجماهير، وجمعت المشاهير، فإن أفراد أهل الغناء بها أقل من وجود الصديق، وجود الزمان الخالي من الترنيق، ومنهم أناس سنذكرهم وتعرفهم ولا تنكرهم.
١٨٢ - ومنهم - ناطقة جارية الزّاعوني (١)
جارية تفتك بالمهج، وتقبل ولا إثم عليها ولا حرج، هزّت من قدها رمحا، وسلّت من أجفانها سيفا لا يعرف صفحا، فملكت القلوب عنوة، وأنست الهوى المغلوب علوة، وكانت في أفق الدور الأموية شمس صباحها وبدر صباحها وكأس شمولها، وقصارى مأمولها، إلى أن غلبت الأهواء، وأعلت وأغلت الدواء، وأضحت تجاور في قتل أهل الغرام بها عودا إلى أن ينطلق له لسان، ولا يسفك بمثل إشارته دم إنسان، وكانت أيام الإخشيد تغشى مجلس ابن الفرات، وتحاور منه في جانب النيل الفرات، وكان يصلها بالمواهب، ويقدمها على كل مواظب، ثم قطعها أيام المعز، وكان لها لا يبزّ.
ومن أصواتها المشهورة: (٢) [الطويل]
إذا كنت ذا تعس جواد ضميرها … فليس يضير الجود إن كنت معدما
رآني بعين الجود فانتهز الذي … أردت ولم أفغر إليه بها فما
ظلمتك إن لم أجزك الشكر بعدما … جعلت إلى شكري نوالك سلما
وإنك لم تترك يداك ذخيرة … لغيرك من شكري ولا متلوما
والشعر لمسلم بن الوليد، والغناء فيه في مزموم الرمل.
стр. 4683
١٨٣ - ومنهم - بديع جارية المحلميّ
وكانت جارية سمراء تحكي الأسمر البرني قدّا كأنه أنبوب، والأبيض الايزني (١) طرفا [ص ٤٠٧] تقدّ به القلوب، كأنما خلقت من ليل كله سحر، وسواد طرف ملؤه حور، ألذ من الظل للمحرور، وأحسن من اختلاط مسك وكافور، وكان سيدها قد أخذها بالتأديب، واقتنصها من البر اقتناص الظبي الربيب، واشتراها صغيرة من مولدات الصعيد، وحظي بها إنه لسعيد، ولقيت أهل التعليم، وبقيت تفهم بالإيماء فهم التكليم، حتى كانت إذا نطقت أذابت صبر الجليد، وألانت قلب الجلمد والحديد.
ومن أصواتها المشهورة: (٢) [الرمل]
بدل الطرف من النوم السهر … حين صد الظبي عني وهجر
رشأ أودع قلبي حسرة … وحمى عيني من الدمع النظر
وله ثغر شتيت نبته … وبعينيه من السقم حور
بأبي ذاك حبيبا هاجرا … لم يدع في الحب عنه مصطبر
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه في مزموم الرمل.
وكذلك من أصواتها: (٣) [الكامل]
بان الخليط وفاتني برحيله … خود إذا ذكرت لقلبك يشغف
تجلو بمسواك الأراك منصبا … عذبا إذا ضحكت تهلل ينظف
وكأن ريقتها على علل الكرى … عسل يصفى في القلال وقرقف
وإذا تنوء إلى القيام تدافعت … مثل النزيف ينوء ثمّت يضعف
стр. 4684
والشعر لأعشى همدان، والغناء فيه في ثاني ثقيل.
١٨٤ - ومنهم - صافية جارية بدر أمير الجيوش (١)
وكانت شمسا لا تصلح إلا لبدر، وقلبا لا يضم إلى كل صدر، لا تطرف له عنها عين غافية، ولا تكدر (٢) له في النطف صافية، وكانت تزري بالقضيب، وتسبي بالبنان الخضيب، وتسفه رأي الملك الضليل، إذ قال: (أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل) (٣)، والصادق الحب جميل إذا شكا من حب بثينة التململ (٤)، لا يعلق له بغيرها أمل، ولا يرى إلا أنه بها قد تم تمامه وكمل، لا تلائم جنبه إذا فقدها المضاجع، ولا [ص ٤٠] إذا وجدها قال جفنه للنوم متى أنت راجع، وكانت قمرية مجلسه، وأيكة دوحه النابت في مغرسه، ولها أصوات في أشعار مختارة، وكانت لا تميل إلا إلى هذا ومثله، ولا تعجب إلا به وبشبهه.
ومن أصواتها المشهورة: (٥) [الطويل]
وإن دما لا تعلمين جنيته … على الحي جاني مثله غير سالم
ولكن لعمر الله ما طل مسلما … كغر الثنايا واضحات الملاغم
стр. 4685
رمين فأقصدن القلوب ولم نجد … دما مائرا إلا جوى في الحيازم
وخبّرك الواشون أن لا أحبّكم … بلى وستور اللّه ذات المحارم
والشعر لأبي حية النميري (١)، والغناء فيه في ثاني الرمل، ولها أصوات في شعر الصمة بن عبد الله، كان يقترح عليها، فمنها هذا: (٢) [الطويل]
لعمري لئن كنتم على النأي والقلى … بكم مثل ما بي إنكم لصديق
إذا زفرات الحب صعدن في الحشى … رددن ولم تنهج لهن طريق
ومنها أيضا: (٣) [الطويل]
إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضها … أتتنا برياها وطاب هبوبها
أتتنا بريح المسك خالط عنبرا … وريح خزامى باكرتها جنوبها
ومنها أيضا: [الطويل]
نظرت وطرف العين يتبع الهوى … بشرقي بصرى نظرة المتطاول
لأبصر نارا أو قدت بعد هجعة … لريا بذات الرمث من بطن حائل
ومنها أيضا: [الطويل]
خليلي قوما فاشرقا القصر فانظرا … بأعياننا هل يؤنسان به الرندا
فإني لأخشى أن علوناه علوة … ويشرق أن يزداد ويحكما وجدا
نظرت وأصحابي ندورة نظرة … فلو لم تفض عيناي أبصرتا نجدا
[ص ٤٠٩]
إذا مر ركب يصعدون ظننتني … مع الرائحين المصعدين لهم عبدا
стр. 4686
وكلها في أزمان.
١٨٥ - ومنهم - عيناء جارية بدر أمير الجيوش
وكانت جارية جائرة، فاتنة فاترة، تتلفت تلفت الريم، وتسفر إسفار الصباح في الليل البهيم، بمحيا لو غاب البدر ثم أسفرت أطلعته، وعيون لو نظرت إلى سرب المها صرعته، مع إحسان في كل ضرب، وأجفان تقيم كل حرب، وظرف ما كان مثله لعريب جارية المأمون، ولا لبدعة وهي التي مثلها في الدنيا لا يكون، وكان بدر يرى أنها شمس نهاره، وأسمى أقماره.
ولها عدة أصوات مشهورة، فمنها هذا: (١) [الطويل]
وهل خلة معسولة الطعم تجتنى … من البيض إلا حيث واش يكيدها
مع الواصل الواشي وهل تجتني يد … جنى النحل إلا حيث نحل يذودها
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه في الثقيل.
ولها صوت في شعر الصمّة بن عبد الله: [الطويل]
أمارد ردّي منّة الوصل بيننا … ولا تشمتي بي الكاشحين الأعاديا
أمارد لا والله ما بي عن البكا … عزاء وما فيه شفاء لما بيا
والغناء فيه رمل مزموم، ولم تقع إلينا من أصواتها سواهما.
١٨٦ - ومنهم - مغنّي الصّالح بن رزّيك (٢)
وكان لا يزال يغشى منزله، ويستدعي أنسه، ويشغله عن كل خاطر، وكان
стр. 4687
مجيدا في علم الغناء، إذا غنّى اطّرح الوقار، ورمى الأوائل بالاحتقار، وكان يغنيه غناء عاما، ويدنيه إدناء تاما، وصنع عدة أصوات في مواضع من شعره، كان يقترحها عليه ويقترحها من إضاءتيه، وكان لا يزال حباؤه متكاثرا لديه متواترا تواتر المطر السكوب اليه.
وحكي أنه غنّى يوما [ص ٤١٠] بين يديه: (١) [البسيط]
ودّع هريرة إن الرّكب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل
فوثب القاضي الفاضل وكان إذ ذاك يكتب للصالح، وأنشأ يقول:
[البسيط]
دعوا هريرة إن حلت وإن رحلت … فيكم تحل وعنكم ليس ترتحل
على فترة للجود عارضة … فما رأى الناس إلا أنكم رسل
دمتم لنا وأدام الله دولتكم … وسخرت لكم الأملاك والدول
هذا شجاع وهذي مصر في يده … والعمر والحسن والإقبال مقتبل
فوقعت منه وممن حضر ألطف موقع، وأمر المغنّي فصنع فيه صوتا، وغنّي به لوقته.
стр. 4688
١٨٧ - ومنهم - سرور جارية العزيز (١)
وكانت لا تعدل بها امرأة، ولا تذكر بقبيح إلا كانت عنه مبرأة، وكانت جارية لامرأة بالقاهرة، علّمتها الخط وحفّظتها القرآن، وعلمتها النحو واللغة والأدب، وروّتها الأشعار، ووفّرتها على تصفح الأخبار، وأخذتها بصناعة الغناء، حتى فاقت كل جارية كانت تسمى، ولا تماثل بها ظلوم وأمثالها إلا ظلما، ورءاها العزيز زمان أبيه فهوي بها ولم يقدر على ملك رقها خوفا من أبيه، حتى ملك السلطنة ووليها، وكانت بينهما مدة حياة أبيه مراسلات وأشاير وعلامات وأماير.
حكي أنها أهدت إليه مرة أكرة من العنبر فيها زر من الذهب، فلم يفهم معناه، ولا كشف معمّاه (٢)، فأخبر الفاضل وكان لا يكتمه من أمره حاضرة ولا غائبة، ولا آئبة ولا ذاهبة، فأنشده الفاضل: [السريع]
أهدت لك العنبر في وسطه … زرّ من التّبر خفي اللحام
والتّبر في العنبر معناهما … زر هكذا مختفيا في الظّلام
وكتبت إليه مرة أخرى رقعة تعرض عليه فيها أن يشتريها، وكتبت في أولها قول [ص ٤١١] ابن الرومي: (٣) [المنسرح]
كثّر بشخصي من اصطنعت من الن … اس وإن لم أزنك لم أشن (٤)
ما حقّ من لان صدره لك بال … ود لقاء بجانب خشن
стр. 4689
فلم يكن له هم إلا مشتراها أول ما ملك.
ومن أصواتها المشهورة: [الكامل]
ومهفهف حلو اللمى خنث … سبقت محاسنه إلى الوصف
كالليل قد جمعت كواكبه … في موضع التقبيل والرشف
والشعر لابن الجلال المصري، والغناء فيه لها.
وحكي أن العزيز هوي عليها جارية اسمها ألوف، فتبدّل بها حال سرور، وتنكرت عليها بسببها من أحوال العزيز أمور، فلما رأت ازورار جانبه وتقلّص أنسه من جوانبه، أخلدت إلى القطيعة، وعصت فيها نفسها المطيعة، فأخذته العزة حتى صار انجماعه غضبا، وفتوره عنها لهبا، وهم بإخراجها من داره، فخافت بأس اقتداره، وأتت إليه قبل اقتداره، ولم تكلمه حتى ترامت على قدميه، واندفعت تغني بين يديه: (١) [البسيط]
وأنتم النخلة الطولى التي بسقت … قدما وبورك منها الأصل والطرف
فإن زوى عني الجمار طلعته … فلا يصبني [بحدي] شوكه السعف
والشعر لابن الرومي، والغناء فيه خفيف الرمل، فلم يتمالك العزيز أمر نفسه حتى ضمها إلى صدره، وقبلها وبلغها من عود عاطفته أملها؛ ثم رجع إليها الكرّة وترك هوى ألوف، ولا أليف لها إلا طول الحسرة.
١٨٨ - ومنهم - فنون العادليّة
جارية تعيب البدر إذا بزغ، وتعين الشيطان إذا نزغ، بصورة جلّ خالقها، وجلب الكرى المشرد ليراعها عاشقها، أقتل من الصدود وأقل رضى من الشيء
стр. 4690
المعدود، [ص ٤١٢] بتأت يعذر به من أحبّها، وملك قلبه حبّها، أهديت من ملوك الروم إلى الملك العادل، ودنت فأسكت نايها كل مجادل، وكانت حاذقة بالضرب بأنواع الملاهي، مغلبة للمباهي، إلى طيب مجالسة، وإمتاع مؤانسة، وابتداءات مبهتة، وأجوبة مسكتة، وكانت زينة القصر، وجليلة ذلك العصر.
ومن مشاهير أصواتها: [مجزوء الكامل]
أدر المدامة يا نديم … واطرب فقد رق النسيم
واملأ كؤوسك واسقني … صفراء صانعها حكيم
من كف أهيف كالقضيب … كلامه العذب الرخيم
ومن العجائب طرفه … لي مسقم وهو السقيم
رقت معاقد خصره … وكأنه جسمي الأليم
دبت عقارب صدغه … فلذاك عاشقه سليم
والشعر لابن محارب من قصيدة يمدح فيها الصاحب بن شكر، ومنها في المديح:
ومديح مولانا الوزير … هو الصراط المستقيم
يروى براحته الصدى … ويرى بطلعته النعيم
وله حديث مكارم … تروى ومسندها قديم
في كفه القلم الذي … وجه الزمان به وسيم
وخطابه الحق المبي … ن وخطبه النبأ العظيم
قبل يديه مبادرا … فبيمنه يشفى الكليم
وكذلك من أصواتها في شعر الباخرزي: (١) [المتقارب]
أروح وفي القلب منّي شجى … [و] أغدو وفي القلب منّي شجن
стр. 4691
أبكي ولا طوق لي بالفراق … إذا ذات طوق بكت في فنن
فللماء في مقلتي ما بدا … وللنار من مهجتي ما كمن
[ص ٤١٣]
ومن لجفوني بشيء نسيت … وأحسبه كان يدعى الوسن
وحكي أنها دخلت عليه بكرة يوم والصباح المقبل قد ركض جبينه في أحشاء الشجر، ونفض العنبر المغلف على أصداغ الطرر، والشمس قد همت بأن تحدر النقاب، ثم تمنعت وتطلعت من الألقاب (١)، والفضاء قد أصبح فضيا، والروض قد أضحى سماويا أرضيا، والطير قد هتف للإعجاب، وبشر بتقشع الظلام المنجاب، والماء قد أرفضّ (٢) إذ تكشّفت السماء، ولم يبق بينه وبينها حجاب، فسرّ بزيارتها، وقدح زند فجره المشرق بأثارتها، واستدعى منها الغناء فغنت: [الخفيف]
مرحبا بالصباح لما وافى … وانتضى في الدجى له أسيافا
رافعا في الظلام جنح دجاه … عاجلا مثلما رفعت السجافا
مثل سيف الدين المليك المفدى … عندما جاء شقق الأسدافا
كان كل الزمان بالظلم ليلا … فمحاه واطلع الإنصافا
فأعجبه الشعر والغناء، وهما لها، ثم سألها حاجتها، فذكرت له أسيرا في يد الفرنج سئلت فيه الفداء فعجل به.
стр. 4692
١٨٩ - ومنهم - عجيبة مغنّية الكامل (١)
وكانت في نساء زمانها عجيبة، وفي أوانس أخدانها غريبة، من المغاني المشهورات، الغواني المذكورات، شغف بها الملك الكامل على دثور عقله، ووفور فضله، وكان لا يصبر عنها ليلة من الليالي، ولا يدع استرازها ولو بين تشجّر العوالي، وكانت ظريفة تأخذ بمجامع القلوب، وتخلب صوادف النفوس، وكانت تطلع إلى الملك الكامل وجنكها (٢) محمول معها ووراءها الجواري والخدم، وكانت تحضر مجلسه سرا وعلانية، وتغنيه على الجنك وبالدف، وبها قدح فيه ابن عين الدولة القاضي لما قال له الملك الكامل في قضية من القضايا: أنا أشهد عندك بكذا، فقال: السّلطان يأمر وما يشهد، فأعاد عليه السلطان القول [ص ٤١٤] وأعاد عليه القاضي الجواب، فلما زاد الأمر، قال له السلطان: أنا أشهد، تقبلني أنت أولا؟ فقال: لا ما أقبلك، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة وتنزل، تأتي يوم بكرة وهي تتمايل على أيدي الجواري والخدم، وينزل ابن الشيخ من عندك أنحس مما نزلت، فقال له السلطان (يا كنفرخ) وهي لفظة شتم بالفارسية، فظن ابن عين الدولة أنه قال له: كل فراخ، فقال: ما في الشرع كل فراخ، اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي، وقام فجاء ابن الشيخ إلى الملك الكامل وقال له: المصلحة إعادته لئلا يقال لأي شيء عزل
стр. 4693
القاضي نفسه، فيقال (١): لأنه شهد السلطان عنده فما قبله، فيقال: لأي شيء ما قبله؟ فيقال: لأجل عجيبة، فتتمضمض بنا العوام، وتطير بها الأخبار إلى بغداد وإلى الملوك، فقال: صدقت، ونهض إلى القاضي فترضّاه، وأعاده إلى القضاء، وتأخر الأمر الذي كان يريد أن يشهد به.
عدنا إلى ذكر عجيبة والذي نعرف من أصواتها: [البسيط]
رفقا على ما أبقيت من رمقي … لا تأتسي لي بأن أبقى ولا تبقي (٢)
هيهات أين البقا من موجع كمد … عليك صب بنار الشوق محترق
يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدا … بعدي به فدمي المسفوك في عنقي
إني حملت على نفسي لشقوتها … مثل الجبال من البلوى فلم تطق
فمن رأى ليت شعري مثل موقفنا … يوم النوى أبحرا تجري من الحرق
يا آمري في دموعي بعد ما فنيت … بأن أصون وأحمي ما عساه بقي
والشعر لابن حجاج.
وحكي أنه أمر بها فأحضرت والغيم قد فرق في السماء قطعه، وطرز مذهّب البروق خلعه، وتشرين قد أرسل نجائب السحائب محبرة، والخريف قد جاء وراياته المختلفة مبشرة، وثغر الروض قد راق، ووقت السرور قد لاق، ولمى النهر قد حلا في فم من ذاق، وحر الهجير قد خمد لهيبه، وسبج (٣) الفحم قد آن في المواقد ذهيبه، والبيوت قد هيّئت للكنّ، والمنازل [ص ٤١٥] قد قربت إلى الدنّ، والرواق قد رفعت صلبه المعلقة، والكؤوس بنطف الماء مخلقة وغير مخلقة، وقد حصل العود والعود، وأزلف المجلس لتطلع فيه طوالع السعود،
стр. 4694
واندفعت تغنّي بصوت صنعته في بعض المشارقة، وصدعت به صباح تلك الشارقة، وهو هذا: [الطويل]
مشوق إذا ما ارتاح هيجه الحب … وصب لوبل الدمع في خده صب
وإن لاح وهنا برقه منه ينثني … وفي جفنه للدمع قد خده غرب
نضا عضب جفنيه عليّ عذاره … فمن مهجتي جفن ومن جفنه عضب
يعذب قلبي ظالما عذب ظلمه … ولكن تعذيبي لمرشفه عذب (١)
فلم يبق في المجلس إلا من مال، ودب للسكر بطربها في مفاصلهم نمال، واستدعى بها يوما وهو بداره بالفسطاط (٢) المطلة على النيل، وقد نضدت رواشنها (٣)، وتلبثت قدامها أنواع المسك، وبرزت وعليها جواشنها (٤)، والنيل قد صفى مشربه، وخفي بتكاثر الأمواج مسربه، والبرق قد كحل جفن السحاب بمروده، والليل قد ذرّ في عين الشمس من إثمده (٥)، والهلال بقطع الغيم قد احتجب، والهلال المولي قد بلّل جناحه ليطير، وهذا من العجب في وقت غفل عنه الرقيب، ولم يحضره إلا مثل إسحاق أو حبيب، وأقبلت تحدثه وتغنّيه، وتفتح على يديه السؤل وتمنيه، وممّا غنته من أصواتها، والشعر قديم: [المنسرح]
دعه يداري فنعم ما صنعا … لو لم [يكن] عاشقا كما خضعا (٦)
وكل من في فؤاده وجع … يطلب شيئا يسكن الوجعا
وا رحمتا للغريب في البلد النا … زح ما ذا بنفسه صنعا
стр. 4695
فارق أحبابه فما انتفعوا … بالعيش من بعده ولا انتفعا
ودام معها ليلته كلها، والبدر لا يعرف السرار، والبحر لا يدرك له قرار، والشموع كأنها عشاق تجري دموعها وتلتهب قلوبها الحرار، حتى هم الفجر أن يبوح بسره المكتوم، ويفك عن سفط النجوم طوابع الختوم، وقطرت أعطاف السحب متصببة، وجرت [ص ٤١٦] دموع النرجس في خدود الشقيق متصوبة، وقارب طلوع الصباح والجو بين برديه، وسيف البرق بين غمديه، واضطرب النسيم مذبذبا مبلبلا تلك الحدائق، واضطر الفجر إلى أن يقبل في ثغر الصبح المفتر تلك العقائق، فأشرف الملك الكامل، ومن مجر الرعد قد هول، والصباح الآتي قد فض ذيل الليل وقصر منه ما طول، فدعاها إلى الصبوح، وأقام بوجهها عذره عند الدهر الصفوح، فلما دارت به الحميّا، وذكرته هندا وميّا، أمرها أن تصنع لحنا في شعر بعض متيمي العرب، فصنعت في شعر ذي الرمه: (١) [الطويل]
أراني إذا هومت ياميّ زرتني … فيا نعمتا لو أن رؤياك تصدق (٢)
يلوم على ميّ خليلي وربما … يجور إذا لام الشفيق ويحرق
غداة منى النفس أن تسعف النوى … بميّ وقد كادت من الوجد تزهق
لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت … ووجه كقرن الشمس ريان يشرق (٣)
فوقع منه موقعا كان يجتذبه، ويأخذ بسمعه إليه ولو أراد أن يجتنبه، ثم أفاض عليها سجاله، ووسع في الكرم عليها محاله ومما يتبقى من محاسن هذه القصيدة المختار منها الصوت: (٤)