← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

فليرجع إلى قول الله تعالى: ﴿فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ اَلشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ اَلشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ (١). والقوم فما أبقوا للصّلح موضعا، ولا تركوا في رجعة مطمعا، ولا تخلّفوا عن سوء بلغوه ناظرا ومسمعا؛ فالمسلم القريب استزلّوا يمينه، والمسلم البعيد استخفّوا سكينه، والكافر استنصروا سيفه، والحشيشيّ (٢) استصرخوا سكّينه، والأموال التي في بلاد تقليده أكلوها وأضاعوها، وأمانات الله ابتغوا بها ثمنا قليلا فباعوها، والذّخيرة التي كانت بقلعة حلب لو أنّ لها لسانا يتكلم تظلّم، ولو أن لذهبها الذي تصرم فؤاد تضرّم، وحملت إلى الكفار فضربت بها أسنّة يطاعن بها صدور المسلمين، أو بقيت في أيديهم فضيّعت لتنتهك بما فيها حرمة الدين، ومتى استشفّ النّظر العالي حال الخادم معهم لمح أنه من مبدأ وصوله إلى الشام الذي نوى به في الكفار إقامة الجهاد، وفي الإسماعيلية إماتة الإلحاد، وفي المسلمين إزالة الفساد، شغلوه ثلاث سنين عن هذه الفرائض، وجاءته قوارص لا تحتقر وقوارض، وقد استولوا على حلب بلا حجة، وأخذوا ما فيها من الأموال بلا شبهة، وخرجوا عن اليمن المعقودة بلا معذرة، واستفزّوا من وافقهم من أمراء المسلمين بلا جريمة؛ والخادم على أن أجاب رسلهم بأنّي قد رضيت الدّيوان العزيز حكما، واخترت من اختاره الله للمسلمين قيّما، فكان هذا الجواب [سببا] أن يفرّوا إلى الفرنج، فحالفوا كفرتهم عليه، وإلى الإسماعيلية فأنهضوا مجرمهم إليه، ونازلوا طرف بلاده، وهو متوسط بلاد الكفار، فهدموا قلعة من قلاعها كانت زينة سلم ومفزع حذار، وراسلهم واستنزلهم، وقال لهم قولا لينا، أنه

стр. 4937

يحملهم به عنه، فحملهم، ثم ما برح كلما طوى بلادهم، وجاز مدنهم، يمحضهم المناصحة، ويدعوهم إلى المصالحة؛ وممن عرضها عليهم على يده فامتنعوا، وشافههم على لسانه فما سمعوا، شيخ الشّيوخ، وإن سئل عن الشّهادة أداها، وإلى مسطوره في الدّيوان أبداها، وبعد مصدر فلان عنه حشد عليه ملوك الأقطار، وخرجوا من دمنة القرية المحصّنة والجدار، وتحرّك إليهم فتحركوا لكن قدامه لا إليه، وراح إليهم فراحوا عنه، وكان ينتظر رواحهم عليه، وقتلهم السّيف وهو في غمده، وكفى ما كان متوقعا من قبل جدّهم وقبل جدّه، وقد أخرجوه إلى أن أقطع البلاد الحلبية والجزيرية والموصلية لمن يخدم عليها، وسبقوه بين يديه إليها؛ والله سبحانه فقد أخذهم بما علم وعلموا، وتمكن منهم بما ظلموا، وما استبقاهم إلا ليكرر عليهم الرقّة، فقد رقّت لتقتل الشفار، ولا لألين القول فقد سمّى ليذبح الجزّار؛ فإن كان التعلّق بالدار العزيزة وهم يحاصرون دار السلام بأحزابهم، ويرامون التّاج الشريف بنشابهم، ويصافّون الخلفاء مصافّة المواقف، ويكاشفونهم مكاشفة المخالف، ولو تحرك اليوم متحرك كانوا له كنانة، ولكانت دارهم له خزانة، ويعلم أن الخادم ما ذهبت عنه؛ ويرجو الخادم بالموصل أن يكون الموصل إلى القدس وسواحله، ومستقرّ الكفر من القسطنطينية على بعد مراحله، وبلاد الكرج؛ فلو أن لهم من الإسلام جار لاستباح الدار، وبلاد أولاد عبد المؤمن؛ فلو أن لها ماء سيف لأطفأ ما فيها من النّار، إلى أن تعلوا كلمة الله العباسية الدّنيا، وتعود الكنائس مساجد، والمذابح المستعبدة معابد، والصّليب المرفوع حطبا طريحا في المواقد، والنّاقوس الصّهل أخرس اللهجة في المشاهد، هذا كله يجري بمشيئة الله في السيرة الناصرية، فتحلّى بها السير، ويجلّى بها الغير، ولا يكلّف الخادم مالا ولا مددا، ولا يتخلّف عن نصرة ولي الله إذ كاد أعداء الله يكونون عليه لبدا، ولا يقول أنه ينقص ما في الديوان بل يزيده، ولا يستفيده بل

стр. 4938

يفيده، وإن استعظم هذا المأمول، واستقصر دون هذا المبذول، فالذي وقع أعظم من الذي يتوقع، والذي طلع أكثر من الذي يتطلع، والذي رأى أمس أكثر من الذي يسمع، وقد علم الله سبحانه أنه لا يريد دنيا يريدها لدنيا يتزيدها، ولكن ليقوى بها على تقوى يتزودها، فإن أعين على النّية، وإلا فقد حصل أجرها، وإن نجح جهد الإرادة في الدّنيا، وإلا فقد سرّ في الآخرة سرّها. ومنه قوله: كلّ ما يرد على عبد المجلس - لا زلت المسارّ على جانبه واردة، والأيام بامتداد عمره واعدة - من أنفاسه العطرة، وكتبه البهجة النّضرة، ولاء رأيه التي تمطر من صدرت إليه صوب الصّواب، وتجعل لمن صدرت عنه ثوب الثواب، وتشهد له بالفضل الذي ليس له جاحد، وتذكرت بيت أبي عبادة (١): [الطويل] ولم أر أمثال الرّجال تفاوتوا … إلى الفضل حتّى عدّ ألف بواحد ثم سلك عبده غير هذا الجدد، ولا يقف عند هذا العدد، وينشد قول الآخر: [الطويل] وما النّاس إلا قدحة أنت زندها … وقطرة غيث أنت منشي سحابها فلا عدمت دول الإسلام، وصدور الأيام، منه البقية الصالحة، والحسنة الراجحة، والسيف الذي يبلي الأيام فهي غمده، وينظم الساعات محاسن فهي عقده، وإن تأخرت خدم عبده عن مجلسه، وأمسك عن أن يقابل بدجاه نور قبسه، فقد علم أدام الله نعمته أن الطريق ليس بقاصد، والعدو ليس بواحد، وأن

стр. 4939

الكتب لها أقوام سوء في الطرقات، يقصدونها ويرصدونها، وأن فلجات الشام قد حال دونها؛ إلاّ أن الأمور بمشيئة الله، قد سفر وجه صلاحها، والليلة قد دنت من صباحها؛ والله تعالى يتم ما تعد به المخايل المتوسمة، ويحمد الإسلام وأهله عواقب هذه المخايل المتنجمة. ومنها: وقضايا كلها توجب أن ينعكف المجلس على فرض يؤديه، ونصح يهديه ودعاء لمولى النعمة يحفيه، والله مظهر أثره ومخفيه، مع أنه لا يدفع عن منزلته العليا ودرجته الكبرى من القلب الأصمع، والروع الأروع، والعزمات التي هي كألطاف الله التي منها الواقع ومنها المتوقع، فما حصر قط في مأزق إلا سفر عن نصر تبين فيه الأرواح من ثيابها، أو عن سلم يأتي فيها البيوت من أبوابها؛ وأما القرية المسؤولة فهي من البغاث الذي لا يصيده ذلك الجارح، وإن هذا ميدان يضيق عن شأو ذلك القارح. ومنه قوله: وصل - وصل الله المجلس السامي بأفضل وصائل نعمه، ولا أخلى الدّين من الفخر بأمس سيفه ويوم قلمه، وحمل مواقف الجهاد بثبوت قدمه وخفوق علمه، وأدام تذكار خواطر الإسلام لأيام ذي سلمه، وأمتع المجد بأيام حياته التي هي تواريخ فخره وأيام حكمه - كتاب منه كريم، وكلّ ما يصل منه ما يعدّ إلا كريما، وكلام شريف شفّ يدا كلميّة وشفى فؤادا كليما، وخطاب عذب فاض على الأعين روضا، وجرى على الأكباد نسيما، وأبان منه على الحفاظ المحفوظ في شيمته، ولا نحسبها ينساه يوم لا يسأل حميم حميما؛ أكرم كتابا نقع الغلّة فطرأ وطرا، وفرج العلة فجرى مخرا، وأوضح محجة النّور لسالكها فبدا بدرا،

стр. 4940

وسقى ماء الفضل فزها زهرا، وسبح الله قارئه وأجرى أجرا، ومن الناس بسخط يكون للدّنيا زينا وللآخرة ذخرا؛ وقد علم الله أن العبد ليمتاح من بحرها، ويرتاح إلى ذكرها، ويستقصر سعيه، وإن كان يستوعب الأشواط ولا يرى علمه كفء نيته في الخدمة، وإن كان مستوفي الأشراط فإنه حسنة في الدهر، بالإضافة إلى أهل بيته وكلهم حسنات، وغرسة في الدهر كأنما كان آباؤهم رحمة الله عليهم من جناة الجنّات، ولقد أعجبوا وأنجبوا، فهم المعنيّون بقوله: ألكم البنون ولهم البنات (١). ومنه قوله: وصل - أدام الله أيام المجلس، ولا زال سيبه مسئولا، وسيفه في الحقّ مسلولا، وأمره مقتبلا ومقبولا، وعدوّه بالإحسان - أو بإساءته إلى نفسه - مقتولا، ووليّه على النّجاة في الدارين مدلولا، وبشر وجهه بجود يده رسولا، والغمام لا يطمع بأن يكون لتلك اليد في مضمار الكرم رسيلا - كتاب كريم يحمل على يد فلان، وثان (٢) على يد القاضي الواصل إلى مصر، ولم تزل أيادي المجلس تتصل إلى أوليائه قربوا أو بعدوا، وقصروا في الخدمة أو اجتهدوا؛ ووقف على الكتابين الكريمين اللّذين قبلهما على أنهما يدان، واهتدى بهما على أنهما فرقدان، وإن لم يكونا يدين يقبّل ظهرهما، فإنّهما يدا نعم يجب شكرهما، وإن لم يكونا فرقدا ليل أنارا في سواد، فإنّهما فرقدا نهار أنارا في مداد؛ وما يخرج عن تلك اليد، ولا يصدر عن ذلك الصدر إلاّ كلّ ما تكشف به الأنوار، وتروّح به الأسرار، ويجلب به المسار، وتجدد به المبارّ، ويبقى به شرف لا يخلق جديده جديد اللّيل والنّهار.

стр. 4941

وأورد نجم الدين من الأحوال هناك، والضّرورات إلى الكثير والقليل، وحسن السيرة المشتملة على الجميل، وأنه بمصر أدام الله ظلّه على مشقات العفاف، ويسلك لنفسه القصد ويعطي منها الأشراف، وأن كرمه لا مادّة له ولا حاصل، ورواتب نفقاته لا أصل لها ولا واصل، وكلف خرجه لا محمول لها ولا حامل، وذكر ذلك في كلّ مشهد حضره، وفي كلّ موقف وقفه، وبين يدي كلّ كبير عرفه، ورقاه إلى العلم النّاصري فأثبته فيه ومكّنه وكشفه، وتبع هذا الفقيه نجم الدين رأي أبيه ﵀ في خدمة هذا البيت الذي كان يتعبّد به، ولولا الغلوّ لقلت: وكان يعبده، ومضى شهيدا في جنة رحمته مستشهده، ووجب أن يلحظه المجلس بعين صاحب سابق، ومحب صادق، وذوي سريرة لا يخجل بها الواثق، وذي كفاية ينفذ في الأمور نفاذ السهم المارق؛ فما كلّ صاحب له وجاهة في كل مكان، وإن كانت له وجاهة فقد لا يكون له جنان، وإن كان له جنان فقد لا يكون له لسان، وإن كان له لسان فقد لا يكون له بيان؛ وهذا يجمع هذه الشرائط، ويحضر في عقود المجالس فيكون فيها مكان الوسائط، ويفي لسانه وقلبه بإدراك الفوائد واستدراك الفوارط؛ فهو أحقّ عبد تضمّ اليد على رقّه، وأولى وليّ يجازى بتصديقه وسبقه، على أن الآمال العظيمة، والمطالبة الكريمة تبلغ به الهمّة الفخرية بأيسر العزمات وأدنى الحرمات؛ ولم يذكر في هذه الإجابة ما ذكر من أمره، إلاّ أن كثيرا من الرسل الواردين والأصحاب الوافدين، يسعى في قصد مرسله ومقصده، وهذا سعى لمرسله بمفرده، وما جعل حظّ نفسه وغاية قصده إلاّ الخدمة وبلوغ غرضها، وشكر النّعمة والقيام بمفترضها؛ وإذا وردت الكتب الفخرية جددت بورودها فخرا، وفرضت على لساني مع شكره الذاتي شكرا، وعلى القلب مولاة إلى مولاة أخرى (١)؛ وردت على المملوك مكاتبة كريمة،

стр. 4942

رفعها حيث ترفع العمائم، ومدّ إليها كما يمدّ إلى الغمائم، وفضها بعد أن قضى باللّثم فرضها، واستمطرت نفسه سماءها فأرضت أرضها، وكاد المملوك يتأملها، لولا أن دمع الناظر إلى العين سبقه، على أنه دمع قد تكون بتلوّن الأيام في فراقه، فلو فاض لعصفر الكتاب وخلّقه، فلا أعدمه الله المولى حاضر وغائبا، ومشافها ومكاتبا، وأحله في جانب السعادة، ويعزّ على المملوك أن يحلّ من مولانا جانبا. ومنه قوله (١): ودر كتابه، ووقفت على ما أودعه من فضل خط وفصل خطاب، وعقائل عقول ما كنّا لها من الأكفاء، وإن كانت من الخطّاب، وآثار أقلام تناضل عن الملة نضال النّصال، وكأنها فضل سبق لما يحوزه له من حق السبق وخصل الخصال، فأعيذ الإسلام من عدمه، ولا عدم بسط قلمه وثبوت قدمه، فإنه الآن عين الآثار وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ إلا أن الخطوب تصحب فيه خواطر النسيان، ولئن انتصر الدهر سطوا، واختصر خطوا، فإنه سيف يمان، إن قدم عهدا فقد حسن فرندا وخشن حدّا، وأجرى نهرا وأورى شررا، واخضر خميلة، وقطع للأيام جميلة، وضارب [الأيام فأجفلت عن مضاربه ضرائبها، وشردت عن عزمه غرائبها،]، ولبسها حتى انهجت بوالي، ثم اختار منها أياما وأبى أن يلبسها ليالي. ومنه قوله (٢): وصل كتاب الحضرة، فجعل مستقره مستقر النعمة في الصّدور، وأخرجتني ظلمات خطه إلى نور السرور، ووقفت وكأني واقف على طلل من الأحبة قد بكى عليه السحاب بطله، وابتسم له الروض عن أخبار أهله، فلم أزل

стр. 4943

أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزه العين والقلب بين جنيها وجناها، وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له أنجما (١)، وحسبت النّقس ليلا، والكتاب طيفا (١)، والوقوف عليه حلما، إلى أن قضت النّفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنته بما ظنه سحابا ما ظنه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النّعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء. ومنه قوله (٢): وقف على الكتاب [و]، جدد العهد بلثمه، لما لم يصل إلى اليد التي بعثته، وشفى القلب بضمه، عوضا عن الجوانح التي نفثته (٣): [المتقارب] وأين المطامع من وصله … ولكن أعلل قلبا عليلا ومنه قوله ﵀ (٤): وصل كتابه، فكان من لقائه طيفا، إلا [أنه] أنس بالضّحى، وأثار (٥) حرب الشوق وكان قطب الرّحى (٦): [الطويل] تخطّى إلى الهول والقفر دونه … وأخطاره لا أصغر الله ممشاه ومنه قوله يصف بلاغة كتاب (٧): كتاب إلى نحري ضممته، وذكرت به الزمن الذي ما ذممته، وأكبرت قدره، فحين تسلمته استلمته، والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء

стр. 4944

نفسي فحين لحظته حفظته، وجمعت بينه وبين مستقره من صدري، واستطلت به مع قصره على حادثة دهري، وجعلت سحره بين سحري ونحري، واستضأت به ورشفته فهو نهاري وهو نهري؛ فإن أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدي، وإن أردت السّكر بلا لثم (١) أدرت كأسه في خلدي؛ فللّه أنامل رقمته ما أشرف آثارها، وخواطر أملته ما أشرق أنوارها! ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير، وإمارة لها سرير، ومسرة أنا لها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير، حتّى أدبرت عنّي جيوش الأسى مفلولة، وقصرت عني يد الهم مغلولة، وملئت مني مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودا، وحطّ الأمل بربعي رحله، وأنبت الربيع بفنائى بقله، ولبست من الإقبال أشرف خلعة، ووردت من القبول أغزر شرعة، وانتعجت من رياض الرجاء أرجى نجعة. ومنه قوله (٢): هذا مع عفو الخاطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطيّة خطه فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته، فأتت من كلّ حدب تنسل. ومنه قوله (٣): ورتع في رياض بلاغته التي لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات في الطّروس التي لم يطمثهنّ إنس قبله ولا جانّ، وغني بتلك المحاسن غنى خير من المال، واعتقد فيها كؤوسا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.

стр. 4945

ومنه قوله أيضا: كتاب اشتمل على بديع المعاني وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها، بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إليّ فما حاولتها، واقتبست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه، نكتا استقلت أجسامها بالأرواح، وزهت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح، فيالله من بدائع وروائع ولطائف وطرائف! فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وما يقرّط الأسماع وتقرظ الألسن، كأنه طرف طرف صوبه مدرار، وعلم علم منصوب في رأسه نار؛ صحّح السحر وإن كان ظنا، وفضح الدّرّ وإن كان أبرع معنى وأسنى حسنا، وأدنى مجنى وأغنى مغنى، فما ضرّت أخير زمانه مع تقدم بيانه، ولا من سبقه في عصره مع أنه قد سبق في مصره. ومنه قوله (١): ولله هو من كتاب لما وقفت عليه الغلّة شفاها، وحدثها الودّ شفاها، ورأت وردها كل ماء غيره شفاها (٢)، ووطئ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلب الجنوب على شفاها (٣)؛ فلا عدم ودها الذي به عن كل مودة سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلّها في الذّرى وتعلي قدرها في الذّروة، ولا فقد مما ينعم به أي نعمة، وما ينشيه أيّ نشوة. ومنه قوله: كتاب كريم تبسّم إليّ ضاحكا، وظن مداه أنه قد جلا سطره علي حالكا، فما

стр. 4946

هو إلا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء ليلة الوصل اشتمل على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده. ومنه قوله (١): كتاب تقارعت الجوارح عليه فما كادت تتساهم، فقالت اليد: أنا أولى به؛ شددت على مولاه ومولاي عقد خنصري، ورفعت اسمه فوق منبري، وقبضت عليه قبضتي، وبسطت في بسط راحته وقت الدّعاء راحتي؛ وقالت العين: أنا أولى به؛ أنا وعاء شخصه، وإليّ يرجع القلب في تمثيله ونصّه، وأنا سهرت بعد رحيله وعندي وحشة، وأنا أذكر ذكر هجير القلب عليه رشة بعد رشّة؛ فقال القلب: طمعتما في حقّي لأني غائب، وهل أنت لي يا يد إلاّ خادم؟ وهل أنت لي يا عين إلاّ حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكّره وبه أذكركما، وأحضره وبخدمته أحضر كما؛ فاليد استخدمتها مرة في الكتاب إليه، ومرة في ملاحظة وجهه غائبا وفي توقّع لقائه آئبا، وفي السّهد شوقا إلى قربه، والمطالعة لما يخرج أمري بكتبه من كتبه؛ فهناك سلّمنا واستخرنا، واكتفينا واستأخرنا، وكدت أرشف نقسه إلى أن أنقله إلى سويداه، لولا أنّ سواد العين قال: أنا أحوج إلى الاستهداء بهداه. ومنه قوله: ورد كتاباه الكريمان فسرّا وبرّا، وتصرّفا في القدر فنصبا، وفي الطّرف فرفعا، وفي الأنس فجرّا، وما وقف على صدر منهما إلا شهد القلب بأنه أولى الصّدور بأن يكون صدرا، ولا أهديا إليه يدا كبرى إلا أفضيا به إلى بحر، وما دار في

стр. 4947

خلده أن البحر يكون كلّه درّا، وتحقق ما له منه من مناب يصرفه كلّما ناب، ويؤنسه في كلّ ما راب، ويلبيه إذا دعا، ويزيده بصيرة إذا أجاب، ويصله إذا غبّ (١)، ويحضره إذا غاب، ويبعث عزمه إذا ألبّ (٢)، ويورد أمله إذا لاب (٣)، فعلى هذا المقدمات تنتج، ومتى عرضت عوارض من الشك تزدحم، سنحت سوانح من الثقة تفرج، وقد علم ما رامت عليه هذه الأحوال التي يظنّ أنها في أعقابها وهي في مباديها، وما أسفرت عنه هذه الليالي التي تحسب أنها في بلجة غررها وهي في دهمة دآديها، وليس للمعضل من الدّاء إلا كيّه، وليس للغازي إلا الشهاب الذي يدخر به استراقه ويحسم به غيّة؛ وقد طالع الدّيوان العزيز بما يرغب في الوقوف عليه، والمشورة بما وقعت الإشارة إليه، فلم يكلّف المجلس ذلك إلا لأنّ الملتمس من التقليد لصلاح الجملة وصلاح الدّولة باد قبله، ولمحل الخلافة شرفها الله رافع قبل أن يرفع محلّه، وما شام من ذلك أمرا يصعب مثله، ولا ذخرا يتعذر بذله، ولا جيشا يخلو فناء الخلافة بأن ينقص عنها جعله، ولا عزل وال يجلّ على الإسلام عزله، ولا تجريد سيف من يد الخلافة العالية يتوقى أن لا يمضي نصله، ولم يسم إلاّ إلى ما أفاده إليه ولاؤه واعتقاده، ووفقه عبده نظره واعتقاده، من أن يكون نظره شرعيا، وتصرّفه بعين الخلافة مرعيّا، وتقلّده سنيّا، وجمعه إجماعيّا، فتكون الأمور أمرا واحدا، والمناهج المختلفة القصد نهجا قاصدا، والرّايات القاعدة عن الكفار راية مستقلة، يؤنسها الانفراد، وينهضها الجهاد، ويبيّض عواقبها السّواد، لا تختلف تحتها الآراء، ولا يتشتت عندها الأهواء، ولا يعوزها النّصر في الأرض إلاّ أن ينزل من السماء، ولا يحوجها التأييد إلاّ أن تصحر إلى الفضاء؛ هذا إلى ما ينضاف إلى يد الخلافة وكلمتها من

стр. 4948

بلاد بها تخصّ، ومنابر ومنائر تعلو سماؤها عليها وتنصّ، فالسعادات سمحة إن تسمحوا، والدّنيا مستفتحة إن تستفتحوا، والممتنعات ما دونها حجاب، والدين لا يصلب دون فطرته صخر، ولا يبعد دون تناوله سحاب؛ والمجلس السامي يتأمل المراد بعين الولاء، والخادمة بعين المحبة، ويعلم أن مثل الحروف المثبتة في هذا التقليد ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ (١) وما أحراه في ذلك بتحرّيه، وما أولاه في هذا المهمّ بما يوليه، فإنّه إذا أنجز ما وعد به حسن الظّنّ، وأهدى إليه وإلى الإسلام ما يكسبه القوّة، وإلى الأمة ما يحميها الوهن، فليذهب أدام الله نعمته من ذلك بواجده ما ذهب بمثلها من الدّنيا واجد، وليقرّر المجد بعظمته ما جدّ في مثلها ما جد، وليكن أدام الله دولته مع الحق فإن الذي يدعى إليه هو الحق، والرجل الذي يعرف ما بين الرجال من الفرق. ومنه قوله: وما برح قلمه يقوم خطيبا في محافلها، ونائبا عن مناصلها، ومعظما لشعائرها بشعارها، ومعلنا لمآثرها بآثارها، ومناضلا لأعدائها بكل قطّاعة العرى، طلاّعة الذّرى، إلى غير ذلك من توشيحة مدارس التدريس، بالدّعاء. بخلود أيامها، ونفوذ أحكامها، والرواية عن سلف الأئمة الصالح من آباء أمير المؤمنين وأجداده، والتنبيه على مناقب الدولة التي تجدع بها أنوف أعدائه وأضداده، هذا إلى أنه ربّي في ظلال الدولة العزيزة الممدودة، وتصرف في خدمها المحمودة، وأدرك الصّدور من خدامها، وأدى أمانتي اللّسان واليد في استخدامها، وهذّبته تلك الآداب إلى أن أمن العثار، واعتد الخادم به من إنعام الدولة التي حصّلت له قبل الحاجة الأقدار، وقد أضاف إلى تلك الحقوق التالدة حقا طارفا، واستأنف

стр. 4949

إلى تلك الأسباب القديمة سببا آنفا، وهو صحبة الخادم، وكتابه عن يده، وترجمته عن معتقده، وثقته بمغيبه ومشهده، ومجادلة أعداء الدولة بلسانه ويراعه، وإبهاته أبصار أوليائها بالقول المحكوم على كل ذي لب باتّباعه؛ وله مما أقناه الإنعام الشريف، ملك بواسط في شركة أقاربه، ما برحت العناية متوفرة بعقوده، حامية لحقوقه وحدوده، مثمرة لمستغله، مزجية لدخله، مانعة الأيدي من أن تتطرق إليه، أو تتسلط عليه، وقد تجدد الآن من مفظعي المجاورين لملكه دخول في الحدود، وخروج عن المعهود، ودعوى معوزة البراهين والشّهود، والمسؤول فيه خروج الأمر بما يزيل صادق الشكوى، ويبطل كاذب الدعوى، ويردّ الحقّ ويحمي الحدود، وبيده توقيعات إمامية أجرته على ما يلتمس الآن الإجراء عليه، ولو لم يكن هذا الحدّ بيده لما استكثر الإنعام أن يصفح له عنه، ويعاد إليه، فكيف والحجج الشرعية والتواقيع الإمامية مثبتة لحقه، شاهدة بقدم ملكه وسبقه؛ والمتوقع إجابة سؤاله فقد جرده، وإن تأخرت الإجابة بالإيجاب جدّده. ومنه قوله: أسعد الله المجلس، ولا برحت الأيام شاكرة لأيامه، والصوارم معدودة من حساد أقلامه؛ الهمّة العالية مذخورة عند المهمّات، مستضاء بأنوارها في ليالي القصد المدلهمّات، والآراء المجدية مستمدة بحمد الله من المكرمات، تسلّ بها ولا سيما إلى أهلها، ويأتيها على علم إذا أتى على الناس من جهلها، ويبتكرها بخاطر خطار، ويبتدرها بضمير فضل لا يجارى في مضمار؛ وإذا عرضت اللّبانة أنزلت بكرمه الفسيح اللبان، وحدت ركابها إلى أفناء إحسانه الذي ينتهي إليه غاية سرى الركبان؛ وقد قصد هذه الخدمة على حال تفصيل فلان في ملك له بواسط، قد استولى عليه من حادده وجادّه من المقطعين، وأضرّ به من حاز عليه

стр. 4950

من المجاورين، ومعه من التّوقيعات الإمامية ما يوضح الإشكال، ويرشد من الضّلال، ولو لم يكن الحدّ له مستحقا، والملك بيده مسترقا، لوسعه من الإنعام ما يسع من ليس له من الخدمة المرعية، والأذمة المرئية، كما لهذا المذكور، فله في ولاء الدولة الشريفة السبب الوثيق، والعرق العريق، والسابقة التي لا تمارى، واللاحقة التي لا تجارى، والنشأة في ظلال الدار العزيزة، والتربية في أكنافها الحريزة، واستمداد العلم من بحرها، واستمطار الأدب من قطرها، واستلماح الأنوار من فجرها، والتقلّب في آلائها، والثّبوت على ولائها، والمناضلة بلسانه وقلمه الذين يلحدون في أسمائها، إلى غير ذلك من المكاتبات التي تجاهد فيها عن الدولة الناصرية حق الجهاد، ويرهف بها الأولياء ويفلّ الأضداد، ويستعطف بها القلوب النافرة، ويجمع بها الأهواء المتنافرة، ويجادل فيها بالتي هي أحسن، وبالتي هي أخشن، ويوضح حقها بالتي تثبت من أخلص، وتستخلص من أدهن؛ والمجلس السّامي عارف بقديمه وحديثه، ومكتسبه وموروثه، معرفة توجب الذّمام، وتنجح المرام، وتدخر الأيام، وتتوقع ظهور ثمرتها في أوقات القدرة؛ لا عطّل المجلس من حليها، ولا خلا من اقتطاف ما حلا من جنيها، فإنه جانب من الدولة العالية، لا ينفصل عنها ولا يخرج منها، ولا يعدّ إلا من أقطارها، ولا ينتظم القائم به إلا في أنصارها؛ وقد شرع في الشّكر ثقة بالنجح، وألقيت عصا السرى علما أنها مسبوقة الحمل بطلوع الصّبح، وتركت محاربة خواطر الشك علما أن المطالب به مذعنة إلى الصلح؛ والمجلس السامي سريعة ورده، وفلك القصد والمهمة المجدية طليعة سعده؛ ومن ورد عنايته فقد استكره الموارد، ومن جعله قبلة القصد فقد استنجح المقاصد؛ والمتوقع وصول كتاب أخيه الشاكر لإنعامه، الداعي لأيامه، بأن هذا الحد قد رفعت عنه اليد، ولئن تكاثفت الأشغال عليها، وتزاحمت المهمات لديها، فما هي لخواطرها إلا بمثابة

стр. 4951

الصقال للسّيوف المرهفة، ومرور النسيم بالرياض المفوفة؛ فالصقل للأولى يفيدها قطعا ولمعا، والنسيم للأخرى يفيدها نفحا ونفعا، ولا شبهة في أنها مدفوعة إلى بحر أشغال متدافع، ومقذوف بها في بحر هول يرجع عنه كلّ طمع متراجع، وهي بحمد الله سابقة، للطبع فاتقة؛ فالعقبة الكؤود لا تؤود، وعزمها فيما ترقّ له الصّخور لا يجوز؛ والله تعالى يحسن إليها كما أحسن بها، ويجعل لها راحة عنده في تعبها، وخواطر المحبين لخواطر الشّعراء في كل واد تهيم، وكلما أمّل القرب يوم مسفر قد دفعه الدهر بليل بهيم، وكتابها الكريم، فينعم بها مضمنا ما يسنح من خبرها، ويعزّ من وطرها؛ والله لا يعدمني خبرها إلا بوجهها، وكتابها إلا بنظرها. ومنه قوله: ما أصدرت هذه الخدمة إلى مجلس الحضرة العالية، لا زالت الأيام خدّامها لخواطرها، والأسماع نطاقا لجواهرها، والطّروس ساحلا لزواجرها، والمسارّ سارية إلى سرائرها، والأيام قاضية بكلّ قاضية عليهم، تخفض من محلهم وترفع من محلّها، وتعقد لها عقدة عز تعجز أيديهم عن حلّها، من ثغر الإسكندرية حماه الله، عند الوصول إليه لخدمة الضريح المعظمي، الذي حل فيه ملك الكرماء، ولزيارة القبر الحافظي، الذي حلّ فيه ملك العلماء؛ والله تعالى يؤجر الكافة في الفجيعة بالعلم والكرم، على أن الحضرة العمادية أولى ألي الكرم، والعلم فلا تشتكي العدم، ولابد أن أخرج إلى مراد هذه الخدمة وثبا كخروج البحتري في مدائحه، وأن أهزّ عزمها لأمر مهم تثاب في تسبيب مناجحه، ولا أطيل بذكره فإنه في الخدمة الناصرية الصادرة عني في معنى الفقيه ابن سلامة، وهي تفعل ما يقوم الله بأجره، وأقوم أنا بشكره، وما بعده مما يبيّض الصحيفة على أنها نظيفة، ومما يتوصل إلى المراد الجليل منه بفكرتها الدقيقة اللطيفة، وقد ضاق وقتي عن مكاتبة أعزيه بمقتضاها، فأسألها إن كان الرّكاب العزّيّ أدام الله أيامه،

стр. 4952

ونصر أعلامه، بالعسكر المنصور، فتعرض عليه الفضل من المطالعة، ولا أقول: ويهزّ عزمه، فإنه سيف قاطع لذّاته، يستحيل أن يرى إلاّ قاطعا، ومولى يرى الثواب من لذاته، فلا يمكن أن يرى إلى داعيه إلاّ مسارعا؛ ومن عوّل على خطابه في الأسفار التي تملأ الغرائر، ولا تستقلّ بها الأباعر، فإني أعوّل في خطابها على اللفظة المعرضة، ومن استدعيت عزائمه بالمماشاة والمصافحة؛ فإنني أستدعي عزمها باللحظة الممرضة، لا زالت مساعيها مقرونة بالمساعد، وهممها موفية لما كلفته عنها الظنون الحسنة المواعد * ومن شعره قوله (١): [الكامل] إنّ البنان الخمس أكفاء معا … والحلي دون جميعها للخنصر وإذا الفتى فقد الشّباب نشاله … حبّ البنين ولا كحبّ الأصغر واخصص بوسم تحيّتي من لم أبح … لك باسمه ولعله لم يذكر ممن أودّ لها الرّدى لا عن قلى … وتودّ لو أبقى بقاء الأدهر ومنه قوله (٢): [الكامل] ذكرت وجوهكم والبدر يسري … كلا البدرين مسكنه السحاب سقاني الله قربك عن قريب … دعاء طال واختصر الخطاب ومنه قوله (٣): [البسيط] تفدي اللّيالي التي بالسّعد تسخطني … تلك اللّيالي التي بالقرب ترضيني كانت بكم فرعاها اللّه تضحكني … فأصبحت لارعاها الله تبكيني يا بعدها غاية للشوق غائلة … من غور مصر إلى علياء جيرون

стр. 4953

أودعتم مسمعي مكنون درّكم … فهاكم درّ دمعي غير مكنون ومنه قوله (١): [البسيط] من أين أنت ومن - يا ريح - أين أنا … الجدّ خلقي ومن أخلاقك العبث ما جئت مبعوثة بل جئت باعثة … همّي ولا خاطر في الهمّ منبعث لبثت في الحب عمرا لا أحصّله … كفتية الكهف لا يدرون ما لبثوا كرّوا اللّواحظ بحثا عن محاسنه … وما دروا أنّهم عن حتفهم بحثوا ومنه قوله (٢): [الكامل] زار الصّباح فكيف حالك يا دجى … قم فاستدمّ بفرعه أو فالنّجا رأت الغصون قوامه فتأوّدت … [و] الرّوض أنشر نشره فتأرّجا يا زائري من بعد يأس ربما … تمنى المنى من بعد إرجاء الرّجا أترى الهلال ركبت منه زورقا … أو لا فكيف قطعت بحرا من دجى أم زرتني ومن النّجوم ركائب … فأرى ثرياها تريني هودجا لعبت جفونك بالقلوب وحبّها … والخدّ ميدان وصدغك صولجا منها: لا أرتجي إلاّ الكرامة وحدها … فالمال قد أعجلته أن يرتجى تتلو اللّيالي سورة من فضلكم … فتقيمها شعراؤكم أنموذجا منها: ناران: نار قرى ونار وقائع … للّه درّك مطفئا ومؤجّجا باشرت بشرك لا بمنّة شافع … فغنيت يا شمس الضّحى أن أسرجا

стр. 4954

ومنه قوله (١): [البسيط] قاتل بغير سلاح الهجر إن له … ضربا تسيل دموعي منه وهي دم كتمت ما بي في وجهي دلائله … والهمّ نار فقل لي كيف ينكتم؟ وقوله (٢): [الوافر] وميدن خدّه لخيول لثمي … وصولج صدغه والخال أكره تلفت بشعره وسمعت غيري … يقول: سلمت من تلفي بشعره بكيت عليك ملء العين حتّى … بقيت بأدمعي في الشّمس عصره (٣) وقوله (٤): [الرجز] ممسحة نهارها … يجنّ ليل الظّلم كأنّها مذ خلقت … منديل كمّ القلم ومنه أخذ شافع (٥) قوله (٦): [الوافر] وممسحة تناهى الحسن فيها … فأضحت في الملاحة لا تبارى

стр. 4955

ولا نكر على القلم الموافي … إذا في وصلها خلع العذارا والأصل قول ذي الرّئاستين (١): [المنسرح] ممسحة تكتم الظّلام فما … تبديه إلا سوافر الظّلم تؤدع فيها الأقلام فضلة ما … تنفقه في مصالح الأمم عدنا إلى الفاضل: ومنه قوله (٢): [الكامل] منعت دموع العين من أطلالي … لأرى صنيع الدّهر بالأطلال ومن المساءة ما يكون مسرّة … ما الدّمع إن حجب المكاره غال ومنه قوله (٣): [البسيط] أيا بدر قد أسهرت عيني فارقد … وشاهدت ما جاهدت يا نجم فاجهد إذا لم تعاين في الصباح مسرّة … فلا تحسبنّ الليل ليس بسرمد ويا عاذلي رفقا كفاني صدوده … فإن شئت فانقص من ملامك أوزد تمازج في خديه ماء وجمرة … تمازج دمعي في الهوى وتوقّدي وقوله (٤): [الطويل] وفوا غير أنّ السّمهريّ وأنّه … يجار بأيديهم شكا للمهنّد

стр. 4956

لهم في الوغى أغصان سمر كأنّما … تحفّ إذا أجروا الدّماء بمورد وقوله منها (١): [الطويل] جمعت الذي فيهم وزدت عليهم … فأنت كمعنى ناظم متولد وما فوق ما قد نلته من زيادة … بل الله أولى بالزّيادة فازدد وقوله (٢): [الخفيف] لاح وفي خدّيه ديباجة … طرّزها الشّعر بلبلاب باب سلوّي دونه مغلق … وصدغه الزّرفين للباب يا مانعي حتّى مواعيده … من لي بوعد منك كذّاب وقوله من مرثيّة في أخيه (٣): [الطويل] خليليّ قد أبصرت عيشي بعده … كأنّي قد أبصرت عيشي من بعدي وقد كنت أشكو البعد والقرب يرتجى … فكيف أكون اليوم في اليأس والبعد وكان أجلّ الخطب عندي صدّه … فمن لي وطوبى لو رجعت إلى الصّدّ إذا ما فقدت الأنس ممّن تحبّه … فنفسك لا المحبوب أفجع بالفقد وقوله منها: فنيت أسى لمّا بقيت مكارما … فأصبحت في دار وأصبحت في لحد ليهنك من بعد الرّدى باقي الثّنا … وإن كنت من تحت الثّرى بالي البرد وقوله (٤): [البسيط]

стр. 4957

أشكو إليك جفونا عينها أبدا … عين تترجم عن نيران أحشائي كأنّ إنسانها وافى بمعجزة … فكان من أدمعي يمشي على الماء وقوله من قصيدة (١): [الكامل] إنّ الشّجاعة وهي من أوصافه … غلبت عليه وهي من أسمائه (٢) يقري الطّيور طعانه فضيوفه … تنتابه من أرضه وسمائه وقوله من قصيدة (٣): [الخفيف] لا تحدّث سواك نفس بفضل … ذاك رجع عن الأماني بعيد وقوله منها: وانجلت مصر إذ تجلّى عروسا … وكأن الأهرام فيها نهود وقوله: أنا من قائم الحسام نذير … فهو إن قام فالرّؤوس حصيد هو كأس وسكرة الموت قالت: … ذلك منّي ما كنت منه تحيد (٤) ومتى يلفظ العدوّ بقول … فعليه منه رقيب عتيد (٥) وقوله: وإذا رشت بالأيادي جناحي … فمعاني العلاء ممّا أصيد

стр. 4958

وقوله من أبيات (١): [الطويل] سأشكر عن شكري نداه لعلّه … يقوم لها ذنبي بأحسن عذره إذا أنا بعد الجهد قصّرت شاكرا … فقد صار للتّقصير ذنبي كشكره وقوله (٢): [الطويل] إذا أنت أعطيت اللّهى بذريعة … فلا تشكرن إلاّ لتلك الذّرائع وقوله من مرثية في أخيه (٣): [مجزوء الكامل] أأخيّ هوّنت الحما … م فكان يضعف عنه عزمي لم لا أهونه وقد … قدّمت روحي قبل جسمي وقوله (٤): [من الكامل] وإذا اجتليت عقود أسطره … ظفر الهوى بمراشف لعس وقوله (٥): [البسيط] ما حلّ هذا الهوى إلاّ لأرتحلا … ولا سرى الدّمع إلا عن هوى نزلا ولا بعثت خيول الدّمع خلفكم … إلاّ لتلحق قلبا فيكم رحلا يا ربع ما أنت إذ زمّت رحالهم … للبين أوّل صبّ ألبسوه بلى لقد تمثّلت في ترك الجواب بهم … فما تجيب كما كانوا لمن سألا وقفت فيه فقال النّاس من سقمي: … أما ترى طللا يستخبر الطّللا

стр. 4959

وقوله (١): [الكامل] أسديّ أفكار إذا ليل الأسى … أرخى دجاه فرأيه السّرحان هذا وكم لك في الوغى من عزمة … بكّرن من ثقة بها العقبان تغدو خماصا [مثل] ما قد مثّلوا … في حربه وتروح وهي بطان (٢) وعلمت أنّ حديث كسرى بعده … زور فلم يتشامخ الإيوان لو عاش شاهنشاه أيقن أنّه … ملك الدّسوت وأنّه الفرزان تلك التواقيع التي هي جنّة … أقلامه في دوحها أغصان أمنصّل الرّمح الطّويل بكوكب … من ذا يطاعن والسّماك سنان وقوله: والشّمع فوق البحر تحسب أنّه … من لجه قد أطلع المرجان والماء درع والشّموع أسنّة … ولها إذا خفق النّسيم طعان وقوله: يا مالكي أنبتّ ريشي بالندى … لكنّني ما قصدي الطّيران وقوله: ضاقت معاذرهم إلى ضيفانهم … لكن رحبن منازل وجفان يغدون عندهم بأعلى أعين … ودّت تكون جفانها الأجفان وقوله من أبيات (٣): [الطويل]

стр. 4960

ركبنا رياحا من كرائم خيله … نؤمّ سحابا من سماء سماحه فقل لليالي الخطب: طولي أو اقصري … فإنّا على وعد السّرى من صباحه ولمّا نضا الأستار عن نور وجهه … تغطيت من دهري بظلّ جناحه وقوله من قصيدة (١): [البسيط] أستودع الله في أظعانهم قمرا … إليه لو ضلّت الأقمار يحتكم عندي سهاد وعند الهاجرين كرى … فالليل مشترك بيني وبينهم وقوله منها يرثي بني رزّيك: بأيّ وجه يراني النّاس بعدهم … حيّا ويا أسفا إن قلت بعدهم أبكي الذي زال عند التّاج دولته … إذا بكى الناس من زلّت به القدم أعزز عليّ بأن ظلّت ديارهم … تسدى الهموم بها أو تندب الهمم وما لبست دموع العين عاطلة … إلاّ وفيض دمي في ردنها علم إن ينهدم بكم للدّهر بيت علا … فإنّ بيت رثائي ليس ينهدم معنى من الكرم المهجور فزت به … وفي الرّثاء لمن لا يرتجى كرم وكان حقكم لو كان لي قبل … أن ينصر السيف لا أن ينصر القلم وقوله (٢): [الطويل] نفينا سواد اللّيل عن دولة الهدى … فلا راية سودا ولا أمّة سودا وبين مجازاة ضربنا وجزية … فمن طائع أدّى ومن خالع أودى وقوله من قصيدة (٣): [الكامل]

стр. 4961

تلك الرياض إذا تهجّر حادث … لم تلق إلاّ ظلّها وجناها لمع النّضار بها فقلنا: شمسها … وجرى اللّجين فخلته أمواها وقوله منها: نظروا الخيول فأثبتت نظراتهم … غررا عليها وقد وسمن جباها ولربّ هاتفة دعتهم للوغى … جعلوا صليل المرهفات صداها هي كالموارد في العيون وطالما … نقعوا بهامات الكماة صداها هي في بحار يديه أمواج ترى … ونفوس من قتلته من غرقاها لا بل زناد جهنّم في كفّه … منها فكلّ مكذّب يصلاها لو أنّ أرضا مرة فدت السّما … كانت عداها في الخطوب فداها ومن المحدث نفسه بلحاقها … فدع الحديث عن الذي ساواها وقوله من أبيات (١): [الطويل] حمائم قد حثّت زجاجات أدمعي … فما خلت إلاّ أنّهنّ حوائم وما درج الكثبان مرّ نسيمها … بلى درج الكثبان ما أنا لاثم ولمّا مررنا بالرّسوم تنفّذت … بها للهوى في العاشقين المراسم بكينا فغطّى الدّمع أنوار أعين … ومن عجب أنّ الدّموع كواتم وقوله من أبيات (٢): [من الكامل] يا من إذا ما المال جاز بأرضه … يصفرّ خوف فراقه أن ينهبا يلقى إليه فلا يليق بكفّه … فكأنّما يلقى عليه ليحسبا

стр. 4962

وقوله (١): [الطويل] برأيكم أمسى الزّمان مدارا … وكان مخوفا قبلكم ومدارى وربّ طليق قد أسرتم بكفّكم … كذا طلقاء المكرمات أسارى وقوله منها: سأنصف أصناف القوافي بمدحه … فإنّ القوافي في علاه غيارى فإن أبصروا في الطرس أثر مداده … فذلك سبق قد أثار غبارا يفيض لنا كفّا ولله مقلة … فتجتمع الأنواء منه غزارا وتقدح نار الحرب من أزند الظّبا … فترسل من فيض الدّماء شرارا وقوله من أبيات (٢): [البسيط] ليهنئ الملك ما أظهرت من همم … للجدّ والجود من نار وجنّات تحمي وتهمي بعين أو بجود يد … فالنّاس ما بين رعي أو مراعات مواصل المجد لا ينفكّ من شغف … والوصل ينقص من بعض الصّبابات هذي البدايات قد نلت السّماء [بها] … فما يظنّ العدى هذي النّهايات عطاء من لا يظنّ الجود يفقره … وحرب من لا يظنّ الحرب تارات الله جارك والآجال كاشرة … من القواضب في عصل الثّنيات وقد تداعت بها الأبطال واعترفت … والطّعن بينهم مثل التّحيات وقد تهادت سيوف الهند إذ خضبت … كالشّرب حين تهادى بالزّجاجات فكم بردت بماء السّيف غلّتها … والسّيف ماء لنيران الحزازات وقوله من أبيات (٣): [الطويل]

стр. 4963

أمستصحبا قلبي وكان محلّه … وإن كان من جور الفراق محيلا إذا ما جرى جفني دما بمدامعي … علمت بأنّ القلب راح قتيلا وقوله (١): [الطويل] لئن نالت الأملاك ملكا بحظّها … فقد نلتم ما نلتم بمساع وهذا عيان المجد فيكم فما الذي … يزيدكم مدّاحكم بسماع دفعت الأذى عنّا ومتّعت بالمنى … وما كانت الدّنيا لنا بمتاع ووالله ما كلّفت في المدح كلفة … وهل هو إلاّ الصّدق وهو طباعي وقوله من أبيات في الشّيب (٢): [الوافر] أرى شيبي معاري فيه بعضي … لبعض إنّ ذاك لشرّ سرّ فلا تنكر له تعبيس وجهي … فقد أعطى تبسّمه لشعري وقوله من أبيات (٣): [مجزوء الكامل] بالله يا قمر التّمام … أما لهجرك من محاق أنسيت في نور الكما … ل وبتّ في نار احتراقي وقوله من أبيات في ذكر الرّماح (٤): [الكامل] تمشي بها سرجا ويومك مظلم … فترى الذّوابل نصّلت بذبال مثل الصّلال تحوف نفث طعانها … يستلئم الغازي ثياب صلال ويجرّها طورا ويصلى حرّها … فيكون محتطبا وطورا صال

стр. 4964

وقوله من أبيات (١): [الطويل] فإن تكتسي يا دار ثوبا من الصّبا … فلا تلبسي من أدمعي غير معلم من تكتم الأشواق ما بين نائم … نموم ودمع بالدّماء منمنم وقوله من أبيات (٢): [الكامل] وإذا أفاض الصّبّ صبّ دموعه … أغنى الدّيار عن الحيا المتهلّل ما دام وجه ينجلي عن روضة … فعليّ عين تنجلي [عن] منهل وقوله (٣): [الكامل] من ثغره وحليّه ونسيمه … ما لا تقوم بكتمه الظّلماء ومتى يفوز بما تمنّى عاشق … وجميع ما يهوى له أعداء لك من نسيبي فيك روض يانع … تجري عليه من دموعي الماء رتعت جفوني من سناك بجنّة … وتبوّأت منه بحيث تشاء وقوله (٤): [الطويل] بروحي من روحي إليه مسوقة … وقلبي من قلبي عليه مقطّع وأهل الهوى في القلب عيني وعينه … وكلّ بلاء عنهما يتفرّع وقوله في عمارة سور عكّا (٥): [السريع] ميزان أعمالك لا شكّ في … رجحانه والحقّ لا يشتبه

стр. 4965

بالحجر الأسود إذ صنته … والحجر الأبيض إذ صنت به وقوله من قصيدة (١): [البسيط] أأنت في الأرض أم فوق السماء ففي … يمينك البحر أم في وجهك القمر يقبّل البدر تربا أنت واطئه … فللتّراب عليه ذلك الأثر نأى به الملك حتّى قيل: ذا ملك … دنا به الجود حتّى قيل: ذا بشر في كلّ يوم لنا من مجده عجب … وكلّ ليل لنا من ذكره سمر نظرت في نجمه فالسعد طالعه … لا ينقضي وعلى أمواله سفر أبا الفوارس والآباء مشفقة … وهم بنوك وما تبقي ولا تذر تلقى عروس المنايا وهي حاسرة … وخدّها فيه من فيض الدّما خفر والضّرب بالبيض من آثاره عكن … والطعن بالسّمر من آثاره سرر وربّ ليلة خطب قد سريت بها … وما سرى كوكب فيها ولا قمر سمت العويص بعزم ماله ضجر … أو بالبعيد يباع ما به قصر وأنت في جيش رأي لا غبار له … ترمي العداة بقوس ما لها وتر هي الحروب التي لا السيف منثلم … فيها ولا الذّابل الخطّيّ منأطر سرنا وسار شجاع وهو يقدمنا … وعزمنا آمر والدّهر مؤتمر وكان زجر اسمه فيه الحياة لنا … والذّكر إنّ الشّجاع الحيّة الذّكر كان الحسام يمانيّ الهوى معنا … فما أضرّ بنا إن أصفقت مضر وبت والموت طيف قد ألمّ بنا … فما ثنى الطّيف إلاّ ذلك السّهر سقى بك الله دنيانا فأخصبها … والعدل يفعل ما لا يفعل المطر لمّا استقلت ستور الملك لاح لنا … ملك به الجود عين والثّنا أثر

стр. 4966

في كعبة للنّدى لو حلّها ملك … تهيب النّطق حتّى قيل: ذا حجر وسائل لي ما العلياء؟ قلت له … في فعله الخير [أ] وفي قوله الخبر ما أنصفت مجده نظّام سيرته … إنّ الذي ستروا فوق الذي سطروا نال السّماء بأطراف القنا فبدت … من النّصول عليها أنجم زهر لا يحدث النّصر في أعطافهم مرحا … حتّى كأنّهم بالنصر ما شعروا أجروا دماء العدى بين الرّماح فما … يقال: عندهم ماء ولا شجر ترى غرائب من أفعال مجدهم … يردّها الفكر لو لم يشهد النّظر خلائق في السماوات العلى زهر … منها تنير وفي روض النّهى زهر النّاس أضيافكم والأرض داركم … فهو المقام فلم قالوا: هو السّفر ما أنصف الشّكر لولا أن يسامحنا … فأنت تطنب جودا وهو يختصر وقوله من أبيات (١): [الكامل] سأل اللّوى وسؤاله تعليل … ومن المحال بأن يجيب محيل يا دار جهد جفوننا وضلوعنا … لك بالبكاء وبالأسى مبذول زرّت عليه من الرّياض ملابس … خيط الغمام لوشيها محلول رقّ العذول لما رأى من حالتي … فاليوم عاد إليه وهو رسول أو ما تراني حاملا من بعده … ثقل الأسى فكأنني محمول من لي بحظّ بالفضائل عارف … فيحقّ حينئذ لي التفضيل أغمد لسانك أن يقول فإنه … عضب أحاط بجانبيه فلول وامنعه من نفثاته وكفى بها … فمن الكلام أسنّة ونصول كفّل زمانك أن يغيّر كلّ ما … أنكرته فكفاك منه كفيل

стр. 4967

وقوله (١): [الطويل] أمنّا على الملك اللّيالي بعد ما … أمدّ بسعد النّاصر المتناصر إمام أقرّوا جوهر الملك عنده … ولا عجب للبحر صون الجواهر ديار العدى من نقعه ودمائهم … كربع الهوى ما بين ساف وماطر يلاقيهم بالسيف والطّير طاعما … فهم منهما بين الرّدى والمقابر يقول لنا درّا ويندى سماحة … فما البحر إلاّ بين كفّ وخاطر ولما انثنت منّا عليه خناصر … جعلنا حلى تختيمنا للخناصر لأفنت ظباكم في الوغى وصفاتها … دماء الأعادي أو دماء المحابر فيا عجبا للملك قرّ قراره … بمختلفات من قناك الشّواجر طواعن أسرار القلوب نواظر … كأنك قد نصّلتها بنواظر تمدّ إلى الأعداء منها معاصما … فترجع من ماء الكلى بأساور وقوله منها في الخيل: لها غرر يستضحك النّصر وجهها … وتفهم منها العين معنى البشائر وقوله منها في ذكر القصيدة: إذا ما أتت تختال بين سطورها … فهنّيتها عذراء ذات ضفائر هي السائرات الخالدات بمجده … وسائر ما يؤتى به غير سائر وقوله من قصيدة (٢): [الطويل] ورثت المعالي عن أبيك شريعة … وقمت بها في فترة البخل مذهبا إذا ما كسوت الوفد للجود ملبسا … فقد لبسوه بالبشاشة مذهبا

стр. 4968

لو انّ زيادا كان أدرك عصره … لكان يرى أيّ الرّجال المهذّبا (١) يقطّع عمر اللّيل عمر سجوده … فللّه محراب حوى منه محربا وفي فقر عافية إليه وسيلة … كفى باعثا للسّيل أن يتصوّبا وقوله (٢): [الطويل] يقول ولو أنّ الليالي خصومه … ويمضي ولو أنّ النّجوم مطالبه محاربه تثني على صلواته … ولكن على الأعقاب يثني محاربه ومنها: جنائب في بحر العجاج سفائن … فإن حرّكت للرّكض فهي جنائبه وقد خفقت راياته فكأنها … أنامل في عمر العدوّ تحاسبه وقوله (٣): [الكامل] لو كنت جاوبت الحمائم نائحا … قال الوشاة: أضاع سرّك بائحا (٤) سل طائرا صدع الفؤاد بسحرة … أتراه غرّد صادعا أم صادحا يا ضعف من أمسى الفريسة في الهوى … وغدا الحمام له هنالك جارحا وقوله (٥): [البسيط] يا ليلة بات فيها البدر معتنقي … والنّاس بالبدر والظّلماء في شغل

стр. 4969

بتنا نفضّ عقودا للحبيب فإن … فصّلتها فبتشذير من القبل قل في الزّلال إذا وافى على عطش … فقد دللت على التفضيل بالجمل وقوله من أبيات (١): [الوافر] وبالأشعار نعرف قائليها … كما حدّثت عن نجر بنجل سبقت بها فقد صارت لقوم … محارب والذي بعدي مصل وقوله (٢): [مجزوء الرمل] سقّني يا بدر شمسا … كلّلوها بالثّريا واجعل الظّلماء شمسا … كلّما دارت وفيّا إنّما الكاسات تيجا … ن لها العيش محيّا وهي نار جعلوها … حين يعيي الهمّ كيّا قد طوينا إذ أديرت … بردة الظّلماء طيّا كانطواء الخوف عنّا … حين ولّى اللّه طيّا (٣) وقوله من قصيدة (٤): [الخفيف] يا غزالا له السّيوف حجاب … في فؤادي أضعاف تلك الحجب ما عهدنا والنّائبات كثير … أنّ ضيفا يضام بين العرب أغليلا والماء فوق الثنايا … وهوانا بين القنا والقضب أين تلك الرّسوم أين تراها … تبعت في الرحيل إثر الرّكب

стр. 4970

أترى يا زمان أنت معنّى … برباها كمثل قلب الصّبّ زفرت بالصّبا صدور اللّيالي … وبكت بالحيا جفون الشّهب وقوله من قصيدة (١): [الكامل] لو لم يعطّل خاطري من سلوة … ما كان خدّي بالمدامع حال أودعته قلبي فخان وديعتي … فسواده في خدّه بالخال فعل السّقام بمهجتي وجوارحي … أفعال حصن الدّين بالأموال لم يبق في أيّامه من فتنة … للنّاس إلاّ فتنة بجمال (٢) تسمى الرّماح قنا فأمّا بعدما … صارت بكفّك فالرّماح عوالي وقوله (٣): [الطويل] أساكن أكناف المقطّم دعوة … تداعت بها الألفاظ وهي دموع يقولون: درياق الهوى الدّمع إن جرى … فذا الدّمع يجري واللّسيع لسيع أبى الحزن لي من أن أماكس في الهوى … فحزنك يشدي والدّموع تبيع وقوله (٤): [مجزوء الكامل] دع عينه لعنائها … فشفاؤه في دائها العين من أعدائه … والقلب من أعدائها هذا ونيران الهوى … مشبوبة من مائها قمريّة قمريّة … في حسنها وغنائها

стр. 4971

القلب كاره نأيها … والسّمع عاشق نايها ولقد رضيت بقتلتي … إن كان ذاك برأيها (١) وقوله من قصيدة (٢): [مجزوء الكامل] يا مالك الحسنين وال … حسنين من خلق وخلق لو لم يكن من فضل مد … حي فيك إلاّ فضل صدقي ما ضرّ جهل الجاهلي … ن ولا انتفعت أنا بحذقي وزيادتي في الحذق فه … ي زيادة في نقص رزقي وقوله من مرثية (٣): [البسيط] تبكي عليك عيون أنت قرّتها … وما قضى الحقّ باكي البحر بالخلج في كلّ شدة دهر لم تزل فرجا … [فأ] عظم اللّه أجر النّاس بالفرج وقوله (٤): [البسيط] قالوا: جرى قلمي في مدح غيركم … لا والّذي علّم الإنسان بالقلم وما خلوت بذكراكم وكان معي … ثان يثلّث ذكراكم سوى الكرم وقوله من أبيات (٥): [الطويل] إذا هزّ فيها صارم البرق خلته … يروّع من تلك الجداول أرقشا يمدّ عليها المدّ سورا مفضّضا … ويرجعه طورا سوارا منقّشا (٦)

стр. 4972

ويرجعه سهما إلى مقتل الثرى … فيسري بأوراق الغصون مريّشا هوى كسماح الصّالح الملك الذي … نكتّمه والشّمس ليس لها غشا يقتّل حيات الحقود من العدى … بحيّات سمر بالأسنّة نهّشا وينصبها إن يرتقوا السّحب سلّما … [ويرسلها] إن ينزلوا القلب الرّشا (١) فأوسطها أولى من العين بالهدى … وأطرافها أولى من الهمّ بالحشا غنينا عن التّشبيب قدّام مدحه … فأذهل وصف اللّيث من وصف الرّشا وقوله (٢): [البسيط] وكيف أحسب ما يعطي العفاة وما … حسبت بعض الذي ما زال يعطيني الكتب تشكره عنّا ولا عجب … ما تشكر السّحب إلاّ بالبساتين (٣) وقوله (٤): [المتقارب] وأغيد لمّا دجا عتبنا … تبدّى على الخدّ منه الشّفق صفا فوق خدّيه جمر الصّبا … فكان الحباب عليه العرق وقوله (٥): [الكامل] أمّا المشيب فإنّه قد أبرقا … وكأنّني بسحابه قد أغدقا فابرز إليه أبيضا في أبيض … لا تذكرن زمن النّفار من النّقا كان الهوى خلّ الصّبا وصديقه … حتّى تلا شيبي وآن تفرّقا

стр. 4973

وقوله (١): [المديد] أيّ شأن لا يباح به … بعد ما قد باح لي شأن وكلام الصّبّ أدمعه … لك والأفواه أجفان أدمعي والحبّ إن حكموا … فهو دعوى وهي برهان ما زها من قبل معطفه … فوق غصن البان بستان جلّنار الوجنتين له … من ثمار الصّدر رمّان كيف أرجوهم وعندهم … حرمات الحبّ أضغان ومنها: وله سيف كناظره … حارس للخلق يقظان عاد كفر الكافرين إذا … ما رأوه وهو إيمان يتداعى إذ دعوت به … [حين] يلقى الشّرك أوثان للظّبا الأجفان نعرفها … ولهذا السّيف آذان وهو مرآة يبين بها … من ضمير الضّدّ أضغان ومنها: قم لتملا من نفوسهم … ورماح الخطّ أشطان وخدود الأرض مشرقة … من دم والخيل خيلان

стр. 4974

١٠ - ومنهم: محمّد بن محمّد، عماد الدّين، أبو حامد القرشيّ، الأصبهانّي، الكاتب (١). * ركن الدّول وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، علم يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطّود المرجحنّ وسرى كالجود فأوى إليه المستكنّ، وتحلّت به ترائب الأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارا، وأبى أن يتخذ دارة البدر دارا، فقصّت دونه أجنحة النّعامى، وطرقت أفنية المعالي الأبكار والأيامى، وعزّ في تلك الدول فغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكلّ عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان (٢)، وتقدّم إذا نكل كلّ جبان، بأقدار لسان، وابتدار بديهة الإحسان؛ وكانت قصبات السبق لا تحرز إلاّ لأدهمه، ولا تحزر دارات البدور إلا لدرهمه. نشأ في حجر عمّه المستوفي (٣)، وتأدّب بأدبه، وعرف في ديوان الخلافة

стр. 4975

باسمه، وخدم الأبواب الإماميّة، فقدّم على الأولياء، وتمسّك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء، وكتب للدّولة النّورية فازدادت به نورا على نور، وازدانت منه بفرائد بحور على نحور، واتصل بالمقام الصّلاحي، فأصلح الفاسد، وأربح الكاسد، وكان بالخدمة النّاصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة، وساحب ذيل كلّ حديقة؛ وأمّا الفاضل فكان قد رفّع عنها وكبّرها ثم كان أكبر منها، وكان العماد بحرا يتلاطم موجا، وأفقا يتلألأ أوجا، وكان ملازما للسّلطان سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومحصّلا بصحبته آلافا وبدرا. وكان فقيها جدليّا، عالما فاضلا، أديبا، أريبا، كاتبا، شاعرا، ناظما، ناثرا، ذا تصرّف في البيان، وتفنّن في الكلام، لو ازدحم عليه ألف بريد لجهزة، أو نظم كلّ فريد لما أعجزه؛ وله الجيّد النّادر، والغضّ النّاضر، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر، وله التأليفات الكثيرة، والمصنّفات المفيدة، والرسائل البديعة، والقصائد الصنيعة، إلا أنه كان متطبّعا متصنّعا، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع، مغرى بالتجنيس مع ما فيه من الكلّ على المسامع، لقرب مخارج الحروف، مما تنفر منه الطباع. وسئل الفاضل عنه، فقال: سيّدنا العماد، مثل الزناد، ظاهره بارد، وباطنه واقد. وكان محلّ الثقة من الفاضل، آمنا من توثبه عليه، وتغلبه على ما جعله السّلطان إليه، وبهذا كان يطمئنّ إذا غاب مع ما ينويه من قلب السّلطان. وكان (١) العماد شديد الحرص على تحصيل الدّنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه، ويعذله ويؤنبه؛ فبعث مرة يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل:
следующие страницы →