القلب كاره نأيها … والسّمع عاشق نايها
ولقد رضيت بقتلتي … إن كان ذاك برأيها (١)
وقوله من قصيدة (٢): [مجزوء الكامل]
يا مالك الحسنين وال … حسنين من خلق وخلق
لو لم يكن من فضل مد … حي فيك إلاّ فضل صدقي
ما ضرّ جهل الجاهلي … ن ولا انتفعت أنا بحذقي
وزيادتي في الحذق فه … ي زيادة في نقص رزقي
وقوله من مرثية (٣): [البسيط]
تبكي عليك عيون أنت قرّتها … وما قضى الحقّ باكي البحر بالخلج
في كلّ شدة دهر لم تزل فرجا … [فأ] عظم اللّه أجر النّاس بالفرج
وقوله (٤): [البسيط]
قالوا: جرى قلمي في مدح غيركم … لا والّذي علّم الإنسان بالقلم
وما خلوت بذكراكم وكان معي … ثان يثلّث ذكراكم سوى الكرم
وقوله من أبيات (٥): [الطويل]
إذا هزّ فيها صارم البرق خلته … يروّع من تلك الجداول أرقشا
يمدّ عليها المدّ سورا مفضّضا … ويرجعه طورا سوارا منقّشا (٦)
стр. 4972
ويرجعه سهما إلى مقتل الثرى … فيسري بأوراق الغصون مريّشا
هوى كسماح الصّالح الملك الذي … نكتّمه والشّمس ليس لها غشا
يقتّل حيات الحقود من العدى … بحيّات سمر بالأسنّة نهّشا
وينصبها إن يرتقوا السّحب سلّما … [ويرسلها] إن ينزلوا القلب الرّشا (١)
فأوسطها أولى من العين بالهدى … وأطرافها أولى من الهمّ بالحشا
غنينا عن التّشبيب قدّام مدحه … فأذهل وصف اللّيث من وصف الرّشا
وقوله (٢): [البسيط]
وكيف أحسب ما يعطي العفاة وما … حسبت بعض الذي ما زال يعطيني
الكتب تشكره عنّا ولا عجب … ما تشكر السّحب إلاّ بالبساتين (٣)
وقوله (٤): [المتقارب]
وأغيد لمّا دجا عتبنا … تبدّى على الخدّ منه الشّفق
صفا فوق خدّيه جمر الصّبا … فكان الحباب عليه العرق
وقوله (٥): [الكامل]
أمّا المشيب فإنّه قد أبرقا … وكأنّني بسحابه قد أغدقا
فابرز إليه أبيضا في أبيض … لا تذكرن زمن النّفار من النّقا
كان الهوى خلّ الصّبا وصديقه … حتّى تلا شيبي وآن تفرّقا
стр. 4973
وقوله (١): [المديد]
أيّ شأن لا يباح به … بعد ما قد باح لي شأن
وكلام الصّبّ أدمعه … لك والأفواه أجفان
أدمعي والحبّ إن حكموا … فهو دعوى وهي برهان
ما زها من قبل معطفه … فوق غصن البان بستان
جلّنار الوجنتين له … من ثمار الصّدر رمّان
كيف أرجوهم وعندهم … حرمات الحبّ أضغان
ومنها:
وله سيف كناظره … حارس للخلق يقظان
عاد كفر الكافرين إذا … ما رأوه وهو إيمان
يتداعى إذ دعوت به … [حين] يلقى الشّرك أوثان
للظّبا الأجفان نعرفها … ولهذا السّيف آذان
وهو مرآة يبين بها … من ضمير الضّدّ أضغان
ومنها:
قم لتملا من نفوسهم … ورماح الخطّ أشطان
وخدود الأرض مشرقة … من دم والخيل خيلان
стр. 4974
١٠ - ومنهم: محمّد بن محمّد، عماد الدّين، أبو حامد القرشيّ، الأصبهانّي، الكاتب (١).
* ركن الدّول وعمادها، ومزن الممالك وعهادها، علم يهتدي به الساري، وكرم ينتدي بسيبه الجاري، رسا كالطّود المرجحنّ وسرى كالجود فأوى إليه المستكنّ، وتحلّت به ترائب الأيام، وحلت بحجبه ربائب الخيام، فعلا مقدارا، وأبى أن يتخذ دارة البدر دارا، فقصّت دونه أجنحة النّعامى، وطرقت أفنية المعالي الأبكار والأيامى، وعزّ في تلك الدول فغالت في قيمته، وغالبت في نشر لطيمته، وكان ذا أيد تنهض بكلّ عظيمة، وتأبى كل هضيمة، بعزم يزاحم أبان (٢)، وتقدّم إذا نكل كلّ جبان، بأقدار لسان، وابتدار بديهة الإحسان؛ وكانت قصبات السبق لا تحرز إلاّ لأدهمه، ولا تحزر دارات البدور إلا لدرهمه.
نشأ في حجر عمّه المستوفي (٣)، وتأدّب بأدبه، وعرف في ديوان الخلافة
стр. 4975
باسمه، وخدم الأبواب الإماميّة، فقدّم على الأولياء، وتمسّك بالأسباب العلمية ومواريث الأنبياء، وكتب للدّولة النّورية فازدادت به نورا على نور، وازدانت منه بفرائد بحور على نحور، واتصل بالمقام الصّلاحي، فأصلح الفاسد، وأربح الكاسد، وكان بالخدمة النّاصرية كاتب الإنشاء بها حقيقة، وساحب ذيل كلّ حديقة؛ وأمّا الفاضل فكان قد رفّع عنها وكبّرها ثم كان أكبر منها، وكان العماد بحرا يتلاطم موجا، وأفقا يتلألأ أوجا، وكان ملازما للسّلطان سفرا وحضرا، ووردا وصدرا، ومحصّلا بصحبته آلافا وبدرا.
وكان فقيها جدليّا، عالما فاضلا، أديبا، أريبا، كاتبا، شاعرا، ناظما، ناثرا، ذا تصرّف في البيان، وتفنّن في الكلام، لو ازدحم عليه ألف بريد لجهزة، أو نظم كلّ فريد لما أعجزه؛ وله الجيّد النّادر، والغضّ النّاضر، والبعيد المرام عمل الوقت الحاضر، وله التأليفات الكثيرة، والمصنّفات المفيدة، والرسائل البديعة، والقصائد الصنيعة، إلا أنه كان متطبّعا متصنّعا، يظهر عليه أثر الكلفة وثقل التصنّع، مغرى بالتجنيس مع ما فيه من الكلّ على المسامع، لقرب مخارج الحروف، مما تنفر منه الطباع.
وسئل الفاضل عنه، فقال: سيّدنا العماد، مثل الزناد، ظاهره بارد، وباطنه واقد.
وكان محلّ الثقة من الفاضل، آمنا من توثبه عليه، وتغلبه على ما جعله السّلطان إليه، وبهذا كان يطمئنّ إذا غاب مع ما ينويه من قلب السّلطان.
وكان (١) العماد شديد الحرص على تحصيل الدّنيا، وكان الفاضل يلومه ويعتبه، ويعذله ويؤنبه؛ فبعث مرة يشكو إليه ضرورة، فكتب إليه الفاضل:
стр. 4976
يا سيد أخيه، لا تسمع الدّهر هذه الشكوى، فيستعذبها فتستمر على العدوى؛ ولو اشتغلنا بالله لكان يغنينا، ولو قعدنا عن الرزق لأتانا لا يعنينا؛ وفي الحديث (١): «اتّقوا اللّه وأجملوا في الطّلب» ولا ندري كيف يكون المنقلب؛ فباللّه إلاّ ما سمعت وأخذت هذا الأدب.
وله في هذا حكايات، منها (٢): أن رجلا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان، وتفصيلة كتّان، قيمة ذلك كله نحو خمسين درهما، وسأل حاجة، فأخذ قصته وقرأها على السّلطان، وكان قد بلغه الخبر، فلم يجبه، فأعاد العماد عرض القصة وقراءتها مرات في مجالس عدة، والسّلطان لا يأمر فيها ولا ينهي؛ ففطن العماد وعلم أن الخبر قد اتصل بالسّلطان، فأعاد عرض القصة، فلما لم يجبه عنها، قال: يا مولانا، الطّبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن، لم أتصرف فيه، فإن كان ما ينقضي شغله أعدت إليه طبقه؛ فضحك السّلطان، وعجب من دناءة نفسه، وأمر بقضاء شغل الرجل.
وحكي (٣) أنه كان شديد التّهافت على أخذ الختوم الذّهب الذي يجئ على كتب الفرنج، فوصل منهم كتاب بغير حضوره، ففتحه السلطان بيده وأخذ بعض الحاشية الختم، فلما جاء العماد قيل له: اكتب جواب هذا الكتاب، فقال: يكتب جوابه من أخذ الختم؛ فعزّ قوله على السّلطان، وقال له: ثم اخرج الوقت، ما هو محتاج إليك؛ فأتى العماد الفاضل، وعرّفه بما كان، فقال له: رح إلى الخانقاه، واقعد بها مع الفقراء، والبس زيّهم؛ فإذا طلبك السّلطان قل: أنا قد دخلت في أمر لا أخرج منه؛ ثم لا تخرج حتّى يأتيك السّلطان بنفسه مرضيا؛ ثم لم يلبث
стр. 4977
الفاضل حتّى أتته رسل السّلطان في طلبه، فلمّا أتاه شكا إليه العماد، وقال له:
اكتب جواب هذا الكتاب؛ فقال: واللّه ما أعرف ما أكتب فيه، لأن العماد كان يصدر هذه الكتب، ولا يعرفه سواه؛ ولم يزل يلطف الأمر حتّى قال: اطلبه؛ فبعث في طلبه، فلم يحضر، واعتذر، فعظّم الفاضل الأمر، وكرر الرّسل في طلبه وهو لا يحضر، فقال الفاضل: أنا أروح خلفه، وأتلطّف به، فو اللّه هذا باب ما يسدّه سواه؛ ثم ذهب إليه، فأطال المكث، ثم عاد إلى السلطان وقال: لقد حرصت به فلم يجب، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنه بقي يخرج عنه، وما ضر السلطان لو زار الفقراء، وترضى عبده؛ ولم يزل به حتّى أتاه وترضّاه.
* ومن نثره قوله جوابا عن السّلطان في تفضيل دمشق (١):
عرفنا طيب الدّيار المصريّة ورقّة هوائها، ونحن نسلّم إليها المسألة في طيبها وتوفير نصيبها، ورقة نسيمها ورائق نسيبها، لكن هلاّ رأت أن الشام أفضل، وأنّ أجر ساكنه أجزل، وأنّ القلوب إلى قبله أميل، وأن الزّلال البارد أعلّ وأنهل، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل، وأن الزّهر به أشبّ، والنبت به أكهل، وأن الجمال فيه أكمل، وأن القلب به أروح، والرّوح به أقبل؛ ودمشق عقليته الممشوطة وعقلته المنشوطة، وحديقته الناضرة، وحدقته الناظرة، وهي عين إنسانه، بل إنسان عينه، وصيرفيّ نقوده، وعين نضاره ولجينه، فمستامها مستهام، وما على محبّها ملام، وما في رؤيتها ريبة، وفي كلّ جيرة منها حبيبة، ولكل شائب من نورها شبيبة، ومع كلّ ورقة ورقاء، وعلى كلّ معانقة من قدود البانات عنقاء، وشادي بانها على الأعواد يطري ويطرب، وساجعاتها بالأوراق تعجم وتعرب،
стр. 4978
وكم فيها من جوار ساقيات، وسواق جاريات، وأثمار بلا أثمان، وروح وريحان، وفاكهة ورمّان، وخيرات حسان، وقد تمسّكنا بالآية والسّنة والإجماع، وغنينا بهذه الأدلة عن الاختراع والابتداع.
أما أقسم الله تعالى بدمشق في قوله: ﴿وَاَلتِّينِ وَاَلزَّيْتُونِ﴾ (١) والقسم من الله بها دليل على فضلها المصون؛ أما قال رسول الله ﷺ (٢): «الشّام خيرة اللّه من أرضه، يسوق إليها خيرة اللّه من عباده»؟. وهذا أوضح برهان قاطع على أنّه خير بلاده؛ أما الصّحابة رضوان الله عليهم، أجمعوا على اختيار السّكنى بالشام؟ أما فتح دمشق بكر الإسلام؟ وما ينكر أن اللّه ذكر مصر وسمّاها أرضا، فما الذّكر والتّسمية في فضيلة القسم، [ولا الإخبار عنها دليلا على الكرم، وإنّما اكتسبت الفضيلة] من الشّام، بنقل يوسف الصّديق إليها عليه أفضل الصّلاة والسلام، ثم المقام بالشّام أقرب على الرّباط، وأوجب للنشاط، وأجمع للعساكر السائرة من سائر الجهات؛ وأين قطوب المقطّم (٣) من سنا سنير (٤)؟ وأين ذرى منف (٥) من ذروة الشّرف المنيف (٦) المنير؟ وأين الهرم الهرم من الحرم المحترم؟ وبينهما فرق، ما بين القدم والفرق؛ وهل للنّيل مع طول نيله وطول ذيله،
стр. 4979
واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل، وسيل هذا السلسبيل؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبّة النسر (١)، ظهر عند ذلك قصر القصر، على أن باب الفراديس (٢) بالحقيقة باب النّصر، وما رأس الطابية كباب الجابية (٣)، ولو كان لناسها باناس (٤) لم يحتاجوا إلى قياس المقياس؛ ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه، ولا نأبى فضله كما أباه، وحبّ الوطن من الإيمان، ومع هذا فلا ننكر أن مصر إقليم عظيم الشّأن، وأن مغلّها كثير، وماؤها غزير، وأنّ عدّها نمير، وأن ساكنها ملك أو أمير، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل ولكن بالقناطير؛ ولكن نقول كما قال المجلس السّامي الفاضلي، أسماه اللّه: إن دمشق تصلح أن تكون بستانا لمصر، ولا شكّ أن أحسن ما في البلاد البستان؛ وهل دمشق إلاّ مثل الجنان؟ وزين الدين (٥) وفقه اللّه تعرض للشّام فلم يرض أن يكون المساوي حتّى شرع وعدّ المساوي! ولعلّه يرجع إلى الحقّ، ويعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق.
ومنه:
ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته، لما وفى في جميع عمره، ببعض ما يجب عليه من حقّ المجلس وشكره، لكنّه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب، ويستصغر قدره عند قدرة المعظم فيتأدب، ومن يقدم على مقابلة الشمس بسراجه؟ والعذب بأجاجه؟ والدّرّ بزجاجه؟ وأيّ قدر للقطرة عند البحر الخضم؟
стр. 4980
وأيّ فخر للسّهى عند إنارة البدر التّم؟ وكلّما شرع في خدمة، فنصب يده المهابة وبسطتها الصّبابة، وجلى له جلاله وجه الهيبة، فرجع ممّا رجاه من سماحة خاطره بالظّنّة والخيبة، وقال لقريحته: دعي الاقتراح، ولا تستدعي الافتضاح، وليس إلاّ الاعتراف بالقصور، لا الافتراق للمحظور.
ومنه قوله:
على أنّه لم يبلغ مع استفراغ جهد البلاغة في الدّعاء والثّناء أمد المقصرين، وإن بذّ القرين وزاحم الأسود وولج العرين، فالعجز عن الإدراك إدراك، والمعجب في التّوحيد بادّعاء الحول والقوة إشراك.
ومما كتبه في فتح القدس (١):
﴿وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (٢).
الحمد للّه الذي أنجز لعباده الصالحين وعد الاستخلاف، وقهر بأهل التوحيد أهل الشرك والخلاف، وله الحمد الذي حقق بفتحه ما كان في النفس، وبدّل وحشة الكفر فيه من الإسلام بالأنس، وجعل عزّ يومه ما حيا ذلّ أمس، وأسكنه العالم والفقيه بعد البطرك والقسّ، وعبّاد الصّليب والشّمس، وأخرج أهل الجمعة منه أهل الأحد، وقمع من كان يقول بالتثليث أهل ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ (٣) وقد
стр. 4981
فتح الخادم بحمد اللّه من الدّاروم (١) إلى طرابلس، وجمع ما حوت مملكة الفرنج إلى نابلس، ورجع الإسلام الغريب منه إلى داره، وقرّ سيل السير في قراره، وطلع قمر الهدى، وملأ بألسنة عزّها ﴿نَصْرٌ مِنَ اَللّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٢) قريب المدى، وعاد الإسلام بإسلام البيت المقدس إلى تقديسه، ورجع بنيانه من التقوى إلى تقديسة تأسيسه.
ومنه قوله:
جوده جود، وطوله طود، وكرمه كرم يعتصر صفو سلافه، ونعمه نعم تنحر وتنهر لأضيافه، ولا يحبّ الدّينار إلا مبذولا لعافيه، ولا يدّخر كثيرا إلا لجنى راجيه.
ومنه قوله:
ما ظفر مدلج الإضلام بالسّنا، ومحوج الإعدام بالغنى، كظفر الخادم وفوزه بشرفه وعزّه، وسعادة جدّه وجدّة سعده، وحياة روحه وروح حياته، وحسنى حاله وحلية حسناته، وسنا سنائه المشرق عند إسفار إصباح أمله، وسفور وجه جذله، بورود المثال الممتمثل، المقبل المقبّل، المفضل المفضّل، عن المجلس العالي الفاضلي، لأفتئ حكم الشرع في شرع حكم فتياه فتيّا، وروض الولي بوليّ رضاه وجوده مجوّدا موليّا، ولا برح كاشحه يطوي على الشّح برح هوى، جوّه بالغيم مغيم، ومناصحه يحوي المنى، صحّة عقيدته وعقد صحته مبرم قويم.
ومنه قوله:
وكتبها المملوك في منزلة عيونها سخينة، ونطافها ثخينة، وفوّارها فوّار،
стр. 4982
وأنجادها أغوار، وساكنها غير ساكن، وقاطنها غير آمن، وجدا جداولها علاقم، وجنى جنادلها أراقم، وحيّاتها موحيات، تسعى متلوّيات، وتلتوي ساعيات، كأنّما صاغت الجن من سنابكها الخلاخل، أو أراغت لنا من لواذعها الغوائل، ثقال الرءوس، كأنّها نصب الفؤوس، فهي حطب العطب، وخشب الأشب؛ فمن طوال كحراب الزّنج، وقصار كبنادق الشّطرنج، وأوساط كأسواط العذاب، سراع كأنامل الحسّاب، وقصار كبارقات السّحاب، ومارقات النّشّاب؛ ومنها ما هو كدباسق الأتراك، أو كألوية الأملاك، ومنها بتر كأيدي السّارقين، وخفاف كدين المارقين؛ ومنها ما هو كمزمار الزّطّ أو كزنّار القبط؛ ومنها ما هو كأنه أصهب الفهود، أو تكك ذوات النّهود، أو أنياب النّمور، أو كمخالب الصّقور، أو أعصاب الخيول، أو نياب الفيول، أو طوامير الكتّاب، أو مسامير الأبواب؛ ومنها كلّ برقاء إذا انسلخت من جلدها ألقت كمّ درع، ونقبت حديد ذرع، وسوداء كصحيفة المجرم، وصفراء كصفحة المتألم، قصيرة مقتصرة الأعمار، دقيقة جليلة الأخطار؛ الحيات أمها، والممات سمّها، عنبرة لا يحملها حامل ولا يشمها.
* وبهذه الرسالة ذكرت شعرا كنت وصفت فيه منزلة كثيرة الأفاعي؛ ومنه: [الطويل]
وأرض ترى الحيات فيها سواريا … كأنّ مساريها ضروب من الرّقم
أساود رقط كالنّمال دبيبها … ولكن تراها في القساوة كالدّهم
وتختلف الألوان منها كأنّها … أزاهير روض وشّعتها يد الوسمي
إذا نشرت كانت حزاما وإنها … كعروة إذ تطوى المساحب للضمّ
ومطرقة فوق الكثيب كأنها … ضفائر ضمّتها مبدّنة الجسم
وآخر من دون الطّريق محملق … شجاع على متن الطريق له يحمي
ينضنض في فيه لسان مخصّر … كأنّ عليه طائر القطن والشحم
стр. 4983
يشمّ دخان الموت من ليس دانيا … إليه ويلقى الموت من عاجل السّمّ
يذوب به قلب الحديد مخافة … ويفعل فعل النّار في موقد الفحم
تقنّع شبها بالكميّ وإنّه … لأفتك منه إذ يطاعن أو يرمي
بمرهفة دلق يقصّر دونها … مدى القاطع الهنديّ والرّمح والسهم
يساور أوهام اللّبيب أدّكاره … ويقتله قبل الغوائل بالوهم
إذا ما ترقّى الطّود خلت بأنّه … يجاوز كثبان السّحاب إلى النّجم (١)
وذوحنق ما البرق إلاّ شرارة … لأنفاسه أورشق ألحاظه المصمي
ويحدث ما لا كان في شهب الدّجى … خسوفا عقيب الشمس بالقمر التممّ
وأقسم لو ألقى على الصّمّ سمّه … لأثّر ذاك السّمّ في شاهق الصّمّ
ثم نعود إلى تتمة كلام الأصفهاني، فمنه قوله:
صدرت هذه البشرى ودماء الفرنج على الأرض وقيل لها: ابلعي، وعجاجها في السّماء وقيل: أقلعي، وفاض ماء النّصال، وغاض ماء الضّلال، وهي بشارة اشترك فيها أولياء النّعمة، ونبئهم أنّ الماء بينهم قسمة (٢).
ومنه قوله:
ووجدناها قلعة أرضها في السماء، وتلعة في حوزها حواز الجوزاء، وعلى كلابها عواء العوّاء، ما تمرّ السّحب إلاّ على سفوحها، ولا تسرق شياطين الكفر إلاّ من سطوحها؛ إنا جعلنا نجوم النصال لها رجوما، وأدمنا لوبل الوبال عليها سجوما.
стр. 4984
ومنه قوله:
وأسلم البلد، وقطع زنّار خندقه، وأبيح حمى حماته، واستولى الفرق على فرقه، وتطايرت الصّخور في نصرة الصّخرة المباركة، وحجرت على حكم السّور بسفه أحجارها المتداركة، وطهرت الصّخرة بمياه العيون التي ببعدها قذيت، وصقلت بالشفاه وطالما كانت بأيدي المشركين قد صدئت.
* ومن شعره قوله من قصيدة أوّلها (١): [الطويل]
وأسأل عنكم عافيات دوارسا … غدت بلسان الحال ناطقة خرسا
ومنها:
مضى أمس منّي في انتظار غد لكم … وكلّ غد لا شكّ منقلب أمسا
وقيل لنا: في الأرض سبعة أبحر … ولسنا نرى إلاّ أنا ملك الخمسا
ومنه قوله (٢): [البسيط]
ما طبت نفسا ولا استحسنت بعدكم … شيئا نفيسا ولا استعذبت لي نفسا
وكيف يصبح أو يمسي محبّكم … وشوقكم يتولاّه صباح مسا
نادمته وأخوه النّجم يحسدني … فإنّني كنت أرعاه إذا خنسا
ومنها قوله يصف مقتولا:
ما زال يعطس مزكوما بغدرته … والقتل تشميت من بالغدر قد عطسا
стр. 4985
ومنه قوله (١): [مجزوء الرمل]
حيرتي طالت بذي حور … طال في النّجوى محاوره
حلّ ما شدّت مناطقه … ثقل ما شدّت مآزره
ومنه قوله (٢): [الطويل]
ثوى همّه لمّا ثوى الصّبر عنده … مقيما وشطّ الصّبر في جيرة شطّوا
وأرّقه طيف فرى نحوه الدّجى … وقد كان جيب الليل بالصبح ينعطّ
تشاغلتم عنه وثوقا بودّه … كأنّ رضاكم عن محبّكم سخط
ملكتم فأنكرتم قديم مودّتي … كأن لم يكن في الحبّ معرفة قط
ومنه قوله وقد اعتقل ببغداد (٣): [الكامل]
قل للإمام: علام حبس وليّكم … أولو جميلكم جميل ولائه
أو ليس إذ حبس الغمام وليّه … خلّى أبوك سبيله بدعائه
ومنه قوله (٤): [الكامل]
في بردك الأسد الهصور محرّشا … وبجود كفّك تسكب الأمطار
تهب الألوف ولا تهاب ألوفهم … هان العدوّ عليك والدّينار
ومنه قوله وقد جاء قفل من أصفهان لم يعرفه أحد منهم، وعرفهم كلّهم بآبائهم (٥): [مجزوء الخفيف]
стр. 4986
أنا ضيف وإنّما … أين أين المضيّف
أنكرتني معارفي … مات من كنت أعرف
ومنه قوله (١): [الطويل]
وما هذه الأيام إلاّ صحائف … نسطّر فيها ثمّ نمحى ونمحق
ولم أر في عمري كدائرة المنى … توسّعها الآمال والعمر ضيّق
ومنه قوله (٢): [الخفيف]
هي كتبي فليس تصلح من بع … دي لغير العطّار والإسكافي
هي إمّا مزاود للعقاقي … ر وإمّا بطائن للخفاف
ومنه قوله (٣): [الرمل]
وهضيم الكشح في حبّي له … لم يزدني كاشحي إلاّ اهتضاما
كرم العاشق فيه مثلما … لؤم العاذل فيه حين لاما (٤)
بقوام علّم الهزّ القنا … ولحاظ تودع السّكر المداما
خدّه يجرحه لحظ الورى … فلذا عارضه يلبس لاما
ومنه قوله (٥): [الطويل]
هلمّوا إلينا نحو مشمس جلّق … وثم بمن نهوى على الأكل نلتقي
стр. 4987
كأنّ مذاب الشّهد فيه مجسّد … أجدّ له عهد الرّحيق المعتّق
حكى جمرات بالغضا قد تعلّقت … فيا عجبا من جمره المتعلق
كأن نجوم الأرض فوق غصونه … كرات نضار بالزّمرّد محدق
قلت: وقد ذكر الفاضل صلاح الدّين أبو الصّفا خليل الصّفدي، أن العماد كان قالها:
كرات نضار في اللّجين مطرّق فلما أنشدت السّلطان صلاح الدّين قال: تشبيه الورق باللّجين غير موافق؛ فغيّرها العماد كما ذكرنا.
وقوله (١): [الكامل]
قد كان يسمح بالوصال خيالها … لو لم تضنّ العين بالإغفاء
ودنت تودع للفراق وإنّما … إقصاء سهم القوس في الإدناء
وقوله (٢): [الكامل]
بدر فؤادي في محبّة وجهه … بدريّه المعدود من شهدائه
رمق المحبّ فلم يدع رمقا له … هلاّ أخذت ذمامه لدمائه
وقوله (٣): [الكامل]
ماء الصّبا في وجنتيه وناره … ضدّان [بين] تموّج وتلهّب
وكأنّ وجنته وخطّ عذاره … فيها طراز مفضّض في مذهب
وقوله (٤): [الرمل]
стр. 4988
هات يا بدر الدّجى شمس الضّحى … قهوة تهدي إلينا الفرحا
واملأ الكأس إذا فرّغتها … إنّ روح الرّاح يبغي شبحا
واقتدح زند سروري طربا … واسقنيها كلّ دور قدحا
لا تلم يا صاح - أفديك - على … سكر قلب فيك لو صحّ صحا
وقوله (١): [الكامل]
وعلى السوالف منه فود مرسل … فيه فؤاد المستهام مقيّد
متقلّد بدمي وظنّي أنه … بمدامعي أو مثلها متقلّد
ما عاينت عيناي صدغا فاحما … إلاّ وسواده لقلبي أسود
أيخاف عارضه عقارب صدغه … وعليه رعف للعذار مزرّد
وقوله (٢): [الطويل]
مشعشعة لاحت كأنّ مزاجها … كسا كأسها بالورس ثوبا مصبّغا
يطوف بها ساق من السّكر خلته … وقد عرفت منه الفصاحة ألثغا
إلى ريقه المعسول يظما محبّه … وروّى به عود الأراك الممضغا
وما فتّر العينين إلا ليقتلا … وما عقرب الصدغين إلا ليلدغا
وقوله (٣): [المنسرح]
يروقني في المها مهفهفها … ومن قدود الحسان أهيفها
يا ضعف قلبي من أعين نجل … أفتكها بالقلوب أضعفها
يا منكرا من هوى بليت به … علاقة ما يكاد يعرفها
стр. 4989
دع سرّ وجدي فما أبوح به … وخلّ حالي فلست أكشفها
وقوله (١): [الطويل]
نهيت فؤادي عن هواكم فما انتهى … ونهنهت دمعي في الغرام فمارقا
ومن فرط وجدي خلتم بي جنّة … إذا لم ترقّوا لي فما تنفع الرّقى
وقوله (٢): [الكامل]
هب أنّ قلبي للنّصيحة قابل … ما نافعي والدّمع ليس بقابل
مالوا إلى وصلي فحين وصلتهم … ملّوا وليس يملّ غير الواصل
وقوله (٣): [الكامل]
سل سيف ناظره لماذا سلّه … وعلى دمي لم دلّه قدّ له
واحذر سهام اللّحظ منه فإنّما … عن قوس حاجبه يفوّق نبله
واقبل وإن حسدوك عذر عذاره … واحسد على عسل بفيه تملّه
يا منجدا ناديته مستنجدا … في خلّتي والمرء ينجد خلّه
سر حاملا سرّي فأنت لحمله … أهل وخفّف عن فؤادي ثقله
فإذا وصلت فغضّ عن وادي الغضا … طرف المريب وحيّ عنّي أهله
وقوله (٤): [الوافر]
ألا يا عاذلي دعني وشأني … وما تجري المدامع من شؤوني
بكلّ خدينة للحسن مالي … سوى بلوى هواها من خدين
стр. 4990
كريم أو كغصن أو كبدر … بلحظ أو بقد أو جبين
تبسّم درّها عن أقحوان … وأزهر وردها في ياسمين
وقوله (١): [الطويل]
قفوا وسلوا عن حال قلبي وضعفه … فقد زاده الشّوق الأسى فوق ضعفه
أرقت فجفني ما يريق سوى دمي … كأنّ الهوى أوصى جفوني بنزفه
١١ - ومنهم: نصر اللّه بن محمّد بن محمّد، ضياء الدّين، أبو الفتح، ابن الأثير الجزريّ، الكاتب (٢).
* متكبر، نفخ في غير ضرم، وبذخ (٣) بالسّمن وشحمه ورم، ولم يلتفت الدّهر إليه بعطفه، ولا أقبل عليه ببعض عطفه، حتى شمخ شمما، ونطق خرسا، وأصغى صمّا، وكانت له مخيلة ظهرت بارقتها، وبهرت سارقتها، شرب بودقها الهيام، وضرب ببرقها الغمام الخيام؛ وقد كان بالموصل، وشبابه مسودّ اللّمم، محتدّ الهمم، في درس يباكره ويغاديه، ويسقيه ماطره بروائحه وغواديه، فملأ الحفظ خاطره حتّى اندفق، وكلأ الحظّ سائره حتى توقّد الشفق، فقالب الأسود، وقارب أن يسود، لولا عجب ردّاه، وردّ وجهه عن الطريق فما أداه، فوقع إذ أسفّ، وتكدّر إذ شفّ، واتصل بالخدمة الأفضليّة فغمط به فضلها، وقبض بسببه
стр. 4991
ظلّها، فلم يحمد أحد له ولا لسلطانه فعلا، ولا عدّ له ولا للأفضل (١) فضلا، وجلس للنّاس وقد لبس رداء الكبرياء، وسلب بحمقه وقار الكبراء، فأحرج الصّدور عليه وعلى ملكه، وأحوج المقدور بما لديه إلى مهلكه، فتميّزت الخواطر عليه غيظا، وأبرزت الضّمائر له برد القلوب قيظا، فأودع النّفوس ودائع الحنق، وأترع له الدهر العبوس مشارع الرنق، وخرج من دمشق في صناديق المطبخ مختبئا حين أخرج الأفضل منها، وكان ينتقص الفاضل والعماد وسائر الكتّاب، ويحط قدر الأفاضل، ويسخر بالنّاس، ويتوقف في قضاء الحوائج، ويحمل ملكه على جفاء أهله وقطع ذوي رحمه، ويبعد بينه وبين أقاربه، فلهذا مقت، وغضّ طرفه وبهت؛ وفيه يقول الشّهاب فتيان (٢): [مجزوء الرجز]
متى أرى وزيركم … وما له من وزر
يقلعه اللّه فدا … أوان قلع الجزر
وفيه يقول ابن عنين (٣): [الوافر]
كأن قفا الوزير عروض سوء … يقطع بالبسيط وبالمديد
قذال لا يزال النّعل فيه … كمنزل أحمد بن أبي الحديد
وكان كاتبا مطّلعا، مترويا بالعلوم مضطلعا، إلاّ أنه كان متكلفا متطبعا، ومتعجرفا متصنّعا، وكان يتعاطى أكثر مما يستحقّ.
стр. 4992
وله تصانيف، منها «المثل السّائر» و «الوشي المرقوم» و «المعاني المبتدعة» وأمثلها «المثل السّائر» وقد عمل عليه موفّق الدين [ابن] أبي الحديد (١) كتابا سمّاه «الفلك الدّائر على المثل السّائر» وعمل آخر كتابا على كتاب [ابن] أبي الحديد سمّاه «القطع الدّابر على الفلك الدّائر» (٢) وكلام هذا الرجل - أعني الضّياء - وإن كان محكم الصنعة، ناظرا إلى دقائق المعاني، فإنّه في غاية التكلّف، لاعتماده على معاني النّاس، وإكثاره من الحلّ والاقتباس، وقد بنى كتابه المسمى «بالوشي المرقوم» على هذا؛ وعليه كانت طريقته، في كلامه ومنحاه في قوله، لا يكاد يسمع له من النظم إلاّ ما قلّ. مولده يوم الخميس، العشرين من شعبان، سنة ثمان وخمسين وخمسمئة بالجزيرة (٣).
* ومن نثره قوله في وصف كريم:
فلان يغار من جود غيره إذا جاد، ويرى الأفضلية في المكارم إلاّ في وحدة الانفراد، فصديقك الذي يحب محبة اللّه في ودّه، ولا يتعدّى الخجل إلى الثقة بعهده؛ ولو أعطينا الرّشد كما كنا نأسى على ما يختلف على تغييره المساء والصّباح، وكان ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ اَلرِّياحُ﴾ (٤).
стр. 4993
ومنه قوله في وصف البلاغة:
إذا نزل من سماء فكري ماء، سالت أودية بقدرها، واهتزت رياض بزهرها، وليست الأودية إلاّ خواطر الأفهام، ولا الرّياض إلاّ وشائع الأقلام.
ومنه قوله:
وفي الآباء عوض عن الأبناء، وفي الأسّ خلف لما يستهدم من شرفات البناء، وقد قيل: إنّ في سلامة الجلّة هدر للنيب (١)، وإذا سلمت طلعه البدر، فأهون بالأنجم إذا انكدرت للمغيب؛ وما دام ذلك المعدن باق، فالقضب كثيرة وإن أودى منها قضيب.
قلت (٢): لو قال: الدّوح، أو الأصل، أو ما شابه ذلك، كان أنسب من قوله: المعدن، وأكثر ملاءمة مع قوله قضيب.
ومنه قوله:
وفلان قد خبر الدّهر في حلب أفاويقه، ونقض مواثيقه، فهو لا يرد الماء إلاّ بماء، ولا يهتدي في مسرى أرض إلاّ بنجوم سماء؛ ومن شأنه أن يرد الأمور برأيه ولا يبعث فيها رائدا، وإذا قيل: إنّ فلانا ذو كيد، قال: من الكيد أن لا يدعى كائدا.
ومنه قوله:
لقونا وقد أشرعوا الأسنّة التي شاركتهم في الأسماء، وإذا أوردت أروتهم من غليل الحقد كما يتروى من شرب الدماء، لكن ذادها عن الورد ما هو أصلب منها عودا، في يد من هو أمضى منهم جدا وأسعد جدودا، وإذا لاقت الرّيح
стр. 4994
إعصارا، زالت عن طريقه، وضاق ذرعها بمضيقه.
ومنه قوله:
رأيت أجمة ولا ليث يحمي تلك الأجمة، بل رأيت بيض عقاب تحضنه رخمة، وليس المشار إليه إلاّ نائما في صورة يقظان، وهو كزيد وعمرو إذ تجري عليهم الأفعال وهما لا يشعران.
ومنه قوله:
وفلان قد جعل الرّأي دبر أذنه، ووضع جفير (١) السّيف تلقاء جفنه، ولم يعرّج على لهو فيقول (٢): اليوم خمر وغدا أمر، ولا يصغي إلى مسير فيأخذ بقول زيد ولا عمرو، فهو مطلّ على مغيبات الأمور، غير غافل بتمام الأعقاب إذا تمت له الصّدور.
ومنه قوله: الغناء يخفّ بكثير من الأوزان، والنّظر في هذا إلى الأثر لا إلى العيان، ولا عجب أن يوزن الواحد بجميع الورى، ولهذا قيل: كلّ الصيد في جوف الفرا (٣).
ومنه قوله: كم في الأرض من شمس تخجل لها شمس السّماء، وتتضاءل إليها تضاؤل الإماء، وتعلم أن ليس لها من محاسنها إلاّ المشاركة في الأسماء؛ فلربما طلعت في الليل فقال النّاس: هل يستوي بياض النّهار وسواد الظّلمات، ولا عجب للعيون إذا رأتها أن تظنّ ذلك في أحلام النوم، أو يخيل لها أن
стр. 4995
يوشع (١) في القوم.
ومنه قوله:
ولقد رأيته فرأيت العالم في واحد، وعلمت أنّ الدهر للنّاس ناقد، وما أقول إلاّ أنّ الله ردّ به الأفاضل إلى معاد، ثم وضعه موضعه (٢)، فذلك من جملة الأعداد في الاعتداد، لكن [إن] كان ذنبي خطأ، فقد جاءت معذرتي عمدا، ولا عقوبة مع الاعتذار، ولو كان الذّنب شيئا إدّا، والمقدرة لا تسيغ للكريم أن يمضي غيظا أو يطيع حقدا.
ومنه قوله:
الأحوال شبيهة بالأبدان في عوارض سقمها، وكلّ داء من أدوائها له علاج إلاّ ما كان من سأمها وهرمها، وقد قيل: إنّ الطّب هو معالجة الأضداد بالأضداد، ولهذا لا يطبّ مرض الآمال إلاّ بجود الأجواد، وفي شهود الجناية من الأشراف ظلم للسّادات لا تعدّه النّفوس من ظلمها، ولربّما كلم السّوار يدا فذهب فخر زينتها بألم كلمها، ولهذا هانت جناية بني عبد المدان، وضرب بها المثل في شرف المكان، والنّاس في المنازل أطوار، فمنهم أنجاد ومنهم أغوار.
ومنه قوله:
بازيّ (٣) أشهب، تفخر السوابق بأنها له سميّة، وترتمي الطير في جو السّماء وهي له رميّة، كأنّما يجلو القذى عن عقيقتين، ويظلّ من توحشه
стр. 4996
وإيناسه من خليقتين، ومن أدنى صفاته أن يقال: هذا خلق من الرّياح، في صورة ذي منسر وجناح، وقد لقب بالبازي لكثرة وثوبه، وما غدا لمطلب صيد ففاته شيئ من مطلوبه، ولقد تكاثرت قلوب الطير لديه في كلّ حال، حتّى شبّه رطبها ويابسها بالعناب والحشف البال (١).
ومنه قوله في المطر:
وانحلّ بها خيط السماء، حتى استوى ريّ بطونها للظّماء، ولكنّه للريح التي حبته بما حبا، ولم يكن مسك طلّه معتصرا إلاّ من كافور الصّبا.
ومنه قوله:
ولقد سنّوا دروع الحديد على مثلها، ولولا اتقاء البغي لرأوا حمل العار في حملها، فإذا صافحتها أسنّة الحرضان (٢)، رأيت أشخاص الكواكب في غدران.
ومنه قوله في لئام:
أصلح الإفساد، وردّ البلاد؛ وقد استذأبت نقادها (٣)، واستجبلت وهادها (٤)، ووردت وعولها بحيث ترد آسادها!.
ومنه قوله:
فعلم ذلك جهل لا يرعّ (٥) منه عنف الملامة، وداء لا يكفي في تقليل دمه
стр. 4997
الفصد للحجامة، بل اليد لمن وضع السّيف فيه موضع العصا، ومن عمى الضلالة ما لا يبصر إلاّ بسفك الدّم، ومنه ما يبصر بتسبيح الحصا.
ومنه قوله:
وكم لطيف الخال من يد يبذلها، وصاحبة يمنعها، ولطالما سمح برؤية عين لا يراها، ونجوى حديث لا يسمعها، فياله من باطل أشبه في مراره حقا، وأوهم القلب أنه داواه وما داوى، والغليل أنه شفاه وما أشفى.
ومنه قوله:
قليل الاحتفال بالخطوب المختلفة، وإذا انتقلت أحوال الزّمان، كانت حاله غير منتقلة؛ فعلمه يطلّ على أفكاره، ويرى الأمر الخفيّ من خلف أستاره، ولا تبلغ الأنجاد والأغوار مدى أنجاده وأغواره، فهو اليقظ الذي هجع النجم وهو لا يهجع، والماضي الذي يجزع السيف ولا يجزع، والمعافى المضروب له المثل بأنّه لا يخدع.
ومنه قوله:
ريعان العمر تشترك فيه نهضة الأجسام والهمم، ولهذا كان شباب العلى في الشّباب، وهرمها في الهرم، وما تشابها في اللفظ إلاّ لتشابههما في المعنى، وكلاهما ذو رونق في حسنه، إذا اجتمعا زادا حسنا؛ وما أقول إلاّ أن بين سواد الشّعر والسّؤدد غراسا، كما أن بينهما في التسمية جناسا.
ومنه قوله:
من كل بطل يزحم غوارب الأهوال بغاربه، ويلقى وجوهها الكريهة بجانبه، ولطالما كافحها في الحرب، حتى نفضت وقائعها غبارا على ذوائبه، فهو يقدم فيها إقدام من ليس له أجل، ولا يرى للخدّ الأسيل حسنا، لا يخدّ من الأسل.
стр. 4998
ومنه قوله:
تماثلت فرائد عقودها وثغرها، فلا يدرى أنظمت حلية نحرها في تبسّمها، أم حلية مبسمها في نحرها؛ فلو انتثرت تلك الفرائد في اللّيل البهيم، لا لتقطت حبّات العقد النّثير في ضوء العقد النّظيم.
ومنه قوله:
إذا نظر الخادم إلى حبسه المقتنى من خدمة الديوان العزيز لم يحتج إلى أوّلية مجد قديم، ولا إلى فضيلة سعي كريم، فالحظوظ مقتسمة في تلك الأبواب بلثم التراب؛ ولو عقلت النّجوم، كما يزعم قوم، لنزلت إليها خاضعة الرقاب، وقالت لها: أنت أولى بمكان السّماء الذي منه مطلع الأنوار ونشوء السّحاب.
ومنه قوله في رؤوس علّقت على قلعة:
ولم يكن بناؤها إلا بعد أن هدّمت نفس الأعناق، كأنّما أصيبت بجنون فعلقت عليها القتلى مكان التّمائم، أو شينت بعطل فعلقت مكان الأطواق.
ومنه قوله:
لم تكسه المعركة نسج غبارها، حتّى كسته الجنّة نسج شعارها، فبدّل ثوب أحمره بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره.
ومنه قوله في وصف الحياء:
الحياء لباس يتّقى وجه الكرم بوقائه، وهو له كاللّحاء الذي يبقى العود ببقائه.
ومنه قوله:
لو أردت دوام الدّهر على حال واحدة ما دام، والبأساء والضّراء خيالات
стр. 4999
أحلام، فما ينبغي لك أن توليه حمدا ولا ذما، فإنّك تتقلّد منه يدا ولا يدا، ولا تشكو منه ظلما ولا ظلما.
ومنه قوله:
ولئن صبرت فلأن الجزع لا يفيد ردّ الفائت، ولقد علمت أنّ للمصائب أجرا، ولكنه لا يفي بشماتة الشامت.
ومنه قوله:
مررنا عليهم مرور الأمحال، وأمّيناهم وهم رجال بلا أرض، وتركناهم وهم أرض بلا رجال، ولقد مشت المنايا في دمائهم حتى ظلت حسرى، وشبع السيف منهم حتّى تفزر بطنه، وشرب الرّمح حتى تأوّد سكرا، ولم يبق للإسلام في عقده غلّ إلاّ شفاه، ولا عنده دين إلاّ استوفاه.
ومنه قوله:
في الحرب إذا أيتم (١) السّيوف من الأغماد، فقد أيتم الأولاد من الآباء وأثكل الآباء الأولاد، فلا يرى أدهم نقع إلاّ وهو ببياضها أبلق، ولا أحمر دم إلاّ بحدّها مهرق، فهو مصارع النّفوس، ومطالع السّعود والنّحوس، والنّار التي عبدت من قبل المجوس.
ومنه قوله:
لا يكون الكريم كريما، حتى يكون لنفسه غريما، فإنّ العطايا حقوق واجبة على أقوام، وإذا لم يجد الغمام بمائه فأيّ فائدة في كثرة ماء الغمام؟.
стр. 5000
ومنه قوله:
توانى عنه رسل النّجاح، ووكلت به عزمة أوقفته على رجل وأنهضته بجناح، وتمنعه من الإتيان على عجل، إنّ القضاء على مهل.
ومنه قوله:
هوّنت نفسي حتّى صرت أصرّفها كما أشتهي، وأنهاها وآمرها فتأتمر وتنتهي، ومن صفاتها أنّها لا تمنى من غيرها بزاجر، وقد استوت حالتها في باطن من الأمر وظاهر.
ومنه قوله:
جمع المال فقر لا غنى، وهو كشجرة لا ظلّ لها ولا جنى، وصاحبه لا يستفيد به إلاّ ذمّا، ولا يستزيد بالسعي له إلا همّا، واليسار على هذه الحال هو عين الإملاق (١)، والذّهب والحجر سواء إذا لم تتصرف فيه يد الإنفاق، وفضيلة المال داء الأعراض، كما أن فضيلة الزاد داء الأجساد؛ وعلاجهما شيء واحد، في الوقوف على درجة الاقتصاد.
ومنه قوله:
وصنائع المعروف تورث من الثّناء خلودا، وتكون لغير ذوي الجدود جدودا، تبتنى العلياء بما يفنى ولا يبقى، وترقى بصاحبها إلى منال النجم وهو لا يرقى؛ والسّعيد من جعل ماله نهبا للمعالي لا للّيالي، وعرضة للمآثر لا للذّخائر، ومن نال الدّنيا فاشترى آخرته ببعضها، وأقرض اللّه من مواهبه التي دعاه إلى قرضها، فذلك الذي فاز بالدّارين، وحظي فيها برفع المنارين.
стр. 5001
ومنه قوله:
سارية تمشي لثقلها مشي الرّداح، ويكاد يلمسها من قام بالراح (١)، وما نتجت نتاجا إلاّ أسرّت في ضمنه حمل أقاح، ولا أظلمت إلاّ أضاء البرق في جوانبها، فتمثّلت ليلا في صباح، فهي مسودّة مبيضّة الأياد، مقيمة وهي من الغواد، نوامة على طول سهرها بالوهاد، فكم في قطرها من ديباجة لم تصنع أفوافها، ولؤلؤة لم تشق عنها أصدافها، ومسكة لم تخالط سرر الغزلان أعرافها؛ فما مرت بأرض إلاّ أحيتها بعد مماتها، ووسمتها بأحسن سماتها، وغادرت غدرانها فائضة من جهاتها، ومثلها والنّبت مطيف بها بالأقمار المتعلقة بأردية ظلماتها.
ومنه قوله:
فلان قد كشف عن مقاتله، وعرض بجهة الأدلّة نفسه على قاتله.
ومنه قوله:
وقلمه هو يراع نفث الفصاحة في روعه، وكمنت الشجاعة بين ضلوعه، فإذا قال أراك نسق الفرند في الأجياد، وإذا صال أراك كيف اختلاف الرّماح بين الآساد؛ طورا ترى نحلة تجني عسلا، أو شفة تملي قبلا، وطورا ترى إماما يلقي دروسا، وآونة تنقلب ماشطة تجلو عروسا، ومرة ترى ورقاء تصدح في الأوراق، وأخرى ترى جودا مخلّقا بخلوق السّباق؛ وربما تكون أفعوانا مطرقا، والعجب أنّه لا يزهى إلا عند الإطراق؛ ولطالما نفث سحرا، أو جلب عطرا، وأدار في القرطاس خمرا؛ وتصرف في وجوه الغناء، فكان في الفتح عمر وفي الهدى
стр. 5002
عمّارا وفي الكيد عمرا (١)، فلا تحظى به دولة إلا فخرت على الدول وقالت:
أعلى الممالك ما يبنى على الأقلام لا على الأسل، والقلم مزمار المعاني، كما أن أخاه في النّسب مزمار الأغاني؛ وكلاهما شيء واحد في الإطراب غير أن أحدهما يلعب بالأسماع، والآخر يلعب بالألباب.
ومنه قوله:
وقلمه هو الذي إذا قذف بشهب بنانه رأيت نجوما، وإذا ضرب بشبا حدّه رأيت كلوما، وإذا صور المعاني في ألفاظها رأيت أرواحا وجسوما، ولطالما قال فاستخفّ موقّرا وكسا وقارا، وأطال فوجدت إطالته بحلاوته إقصارا، فهو دقّ المعاني المخترعة، يستخرجها من قليبها، ويبرزها في ثوبها القشيب، وليس خلق الأثواب كقشيبها، يجتني معانيه من ثمرات مختلفة طعمها، وينسج ألفاظه من ديابيج مؤتلفة رقمها.
ومنه قوله في ذم كاتب:
لا يمشي قلمه في قرطاس له إلاّ ضلّ عن النّهج، ولا يصوغ لفظا إلاّ قيل: ربّ حدث من الغم كحدث من الفرج، ولكن ما كل من تناول قلما كتب، ولا كل من رقا منبرا خطب، والدّعاوى في هذا المقام كثيرة، ولكن ليس القنا كغيرها من القصب.
ومنه قوله (٢):
وكان بين يدي شمعة تعمّ مجلسي بالإيناس، وتغنيني بوحدتها عن كثرة الجلاس، وينطق لسان حالها أنّها أحمد عاقبة من مجالسة النّاس؛ فلا الأسرار
стр. 5003
عندها بملفوظة، ولا السّقطات لديها بمحفوظة؛ وكانت الريح تتلعّب بلهبها، وتختلف على شعبه بشعبها، وطورا تقيمه فيصير أنملة، وطورا تميله فيصير سلسلة، وتارة تجوفه فيصير مدهنة، وتارة تجعله ذا ورقات فيتمثل سوسنة، ومرة تنشره فينبسط منديلا، ومرة تلفّه على رأسها فيستدير إكليلا؛ ولقد تأملتها فوجدت نسبتها إلى العنصر العسليّ وقدّها قدّ العسّال، وبها يضرب المثل للحليم، غير أن لسانها لسان الجهال ومذهبها مذهب الهنود في إحراق نفسها بالنّار، وهي شبيهة العاشق في انهمال الدّمع، واستمرار السّهر، وشدّة الاصفرار.
ومنه قوله:
ولقد عدا السّحاب طوره إذا هطل في بلدة هو بها مقيم، لكن عذره أنّه أتى متعلّما، وقد جرت العادة بإفادة التعليم، وما أقول: إنّه يقابل ذاك الوجه النّدي إلاّ بوجه قل ماؤه، ولو استحيا منه حقّ الحياء لما هطلت سماؤه، وأنّى يقاس فيض كرم السّحاب بفيض كرمه، أو ديمه الدائمة بإقلاع ديمه.
ومنه قوله:
إذا رفعت الخطوب أعناقها، لقيها من رأيه بسعد الذّابح، وإن بقي ليلها غشيه من عزمه بالسّماك الرامح، فهو يسفك دماءها، ويجلو ظلماءها، ولهذا ترى وقد أجفلت عن طريقه، فرجعت عن حرب عدوّه إلى سلم صديقه.
ومنه قوله في اليأس والطّمع:
إن نظر إلى اليأس والطمع، وجدا سواء في جدوى الإعطاء، ولا فرق بينهما إلا في روح التعجيل وكرب الإبطاء، ومن هاهنا عجّل اليأس غنى والطّمع فقرا، وأوسع صاحب هذا ذما، وصاحب هذا شكرا.
стр. 5004
ومنه قوله:
إذا فاز المرء من اليقين بحظه، ولحظ الدنيا بقلبه لا بلحظه، علم أن عطاياها عارية مردودة، وأنّها وإن طالت مدّة وجودها فإنّها مفقودة، وما ينبغي له حينئذ أن يسر بالشيء المعار، وينقل له من دار المتاع إلى دار القرار.
ومنه قوله:
وكانت الدّنيا به مسرورة، فطوى عنها لباس السّرور؛ وكانت الزّلفى له بحياته، فانتقلت الزّلفى إلى أهل القبور؛ وما أقول إنّه كان للأرض إلاّ بمنزلة الأرواح من الأجساد، ولا شك أن السّماء حسدتها على الاختصاص به مما اعتادت من حسد الحساد، فبماذا يمدحه المادح وقد أسلمه العيان إلى الخبر؟ وإن قيل: لولا النّبي لم تخلق شمس ولا قمر، قلت: ولولا موته لم تخسف شمس ولا قمر.
ومنه قوله:
وكيف يظلم ذاك اللّحد وبه من أعمال ساكنه أنوار؟ أم كيف يجدب وبه من كف فيضه سحاب مدرار؟ أم كيف يوحش والملائكة داخلة عليه ببشرى عاقبة الدار؟ أم كيف يخفيه طول العهد على زواره وطيب ترابه هاد للزّوار؟ وا أسفي كيف أطأ على الأرض وهو في بطنها ملحود؟ أم كيف ترعى (١) نجوم السّماء وما هو بينها موجود؟. أم كيف أعدّ أسماء البحار وليس في جملتها معدود؟ أم كيف أحمد من بعده عيشا ولم يكن العيش إلا به محمودا؟
ومنه قوله:
стр. 5005
العفو عن المذنب عقوبة لعرضه، وإن نجا بسلامة نفسه، وخيانته هي التي تلبسه من غضاضتها ما لم يبلغه العقاب بلبسه؛ وقد قيل: إنّ الرّفق بالجاني عقاب، والإحسان إليه متاب؛ ولا شكّ أنّ بسطة القدرة تذهب بالحفيظة، وتزيل وجد الصّدور المغيظة، وشيم المولى تحبّ أن يكون رضاها شفيعا إلى غضبها، وإن نبضت منه بادرة سهم، ردتها شيمة التغمد على عقبها، فلا شافع إليها إلا وسيلة كرمها، ولا ذمة عندها إلا الاستذمام بحرمها.
ومنه قوله:
إذا ادعت له الأوصاف رتبة فضل، شهد شاهد من أهلها، وكفته وراثتها عن آبائه أن يشارك البعداء في فضلها، وأحق الناس بالمعالي من كان فيها عريقا، ولا يكون المرء خليقا بها إلا إذا كان أبوه بها خليقا، وإذا زكت أصول الشجر زكت فروعه، ولا يعذب مذاق الماء إلا إذا طاب ينبوعه.
ومنه قوله:
وأكرم بيديه التي تسمح بدية القتيل، ويرى الكثير من عطائها بعين القليل، وما كل من شاء استمرت يده بالسماح، وقد تحجم عنه من تقدم على مكروه الصفاح، على أنه قد قيل: إن بين التسميتين إخاء، فالسخاء يكون نجدة، والنجدة تكون سخاء؛ ومصداق هذا القول اجتماعهما لليد الكريمة التي ألفت إنجاح الوعد وإنجاح الوعيد، وضمنت أرزاق الناس وأرزاق الحديد، وقالت في الندى: هل من صاد في الوغى: هل من مزيد؛ فالساري إلى أبوابها لا يصل إليه في نهج السرى، وهو مهتد منها على قبس القراع أو قبس القرى.
стр. 5006
ومنه قوله في وصف هملاج (١):
له في العربية حسب أصلها، وفي العجمية نسب جهلها، فهو من بينهما مستنتج، لا ينسب إلى الضبيب (٢) ولا إلى أعوج (٣)، سديد الحملة، شديد الجملة، لا يشان بالغلو، ولا يتعب راكبه بفرط العلو، أثبت من الصافنات صبرا، وأوطأ ظهرا، وأطوع للتصريف، وأسلم في الهيكل والوظيف، رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، طوع الكرة والصولجان؛ قد استوت حالتاه بادنا ومضطمرا؛ فإذا أقبل خلته مرتفعا، وإذا أدبر خلته منحدرا، كأنه دمية محراب، أو درة هضاب، فهو مخلّق بخلوق المضمار، وبدم السّرب والصوار (٤)، بناصية شائلة، وغرة سائلة، كنوارة في شقيق، ولؤلؤة في عقيق، يثنى عليه بأفعاله، لا بعمه وخاله؛ وإذا كان الكريم في كل جنس، فهو كريم جنسه؛ وإذا كانت العراب بأنسابها، أبناء أمهاتها، فهو ابن يومه لا ابن أمسه، كأنما ألقى لجامه على سالفة عقاب، أو شد حزامه على بارقة سحاب.
ومنه قوله في الخيل والسير:
ولما دهم نزلنا للاستراحة، والهجير قد أخذ في الاستعار، وقذف بالدرك الأسفل من النار؛ والحرباء قد لجأ إلى ظل المقيل، وسمح بمفارقة عين الشمس وهو بها عين البخيل؛ فلم يكن إلا مقدار وضع الرجل من الركاب، ومصافحة الجنب لصفحة التراب، حتى قيل: قد فجأتكم عصابة من أهل العبث، تشد في
стр. 5007
ضرائها، وتجنب نقعها من ورائها، وقد فرطت أجيادها بأعنّتها، وطاولت هواديها بأسنتها، فغدت حينئذ نجزة من الخيل، تدرك ما كانت له طالبة، وتفوت ما كانت منه هاربة، لا تمل من موالاة الدروب، وهي عند النزول كمثلها عند الركوب؛ فلما استويت على ظهرها، عقدت مع الريح عقد الرهان، وعرضت عليها حكم الشقراء والميدان، ثم قلت: إن استشعرت مسابقتي، فقد جئت شيئا فريا؛ وتلوت قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ (١) وما كان إلا هنيهة حتى حال الركب للرواح عند الإظهار، واستسلفت المدى بالتقريب قبل الإحضار، وجئت القران فلقيته منها بصدر يطارد الأمواج مطاردة الفجاج، وعين لا يروعها هبوات الماء كما لا يروعها هبوات العجاج؛ فتلك فرسي التي أعدّها لكل مخوفة، وهي حوت في كل معبر، وظليم في كل تنوفة.
ومنه قوله في الناقة والفرس:
سرت وتحتي بنت قفرة، لا تذهب السرى بجماحها، ولا تستزيد الحادي من مراحها، فهي طموح بإثناء الزمام، وإذا سارت بين الآكام قيل: هذه أكمة من الآكام، ولم تسم جسرة إلا أنها تقطع عرض الفلا كما يقطع الجسر عرض الماء، ولا سميت حرفا إلا أنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء، وخلفها جنيب من الخيل، يقبل بجذع، ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن جسرة، ويجري مع الريح الزعزع، فيذرها وقد ظهر فيها أثر الفترة، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة، ويطأ على آثارها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة؛ هذا والليل قد ألقى جوانبه فلم يبرح، والكواكب
стр. 5008
قد ركدت فيه فلم تسبح، وإنما أود لو زاد طوله، ولم تظهر غرة أدهمه ولا حجوله، فقد قيل: إنه أدنى المبعد، وأكتم الأنوار، ودل عليه القول النبوي (١) «بأن الأرض تطوى فيه ما لا تطوى في النهار»، وما زلت أسير مرتديا بثوبه حتى يكاد أن ينضو لون السواد، وظهر ذنب السرحان فأغار على سرح السماء كما يغير السرحان على النقاد، فعند ذلك نهلت العين من الكرى نهلة الطائر، ولم يكن ذلك على ظهر الأرض المطمئنة، وإنما كان على ظهر السائر.
ومنه قوله في الخاطر:
الخاطر كالضرع، إن حلبته طف، وإن تركته جفّ.
ومنه قوله:
لا ريب في أن لحاظ النواظر كمتون البواتر، وإنما اشتركت جفونهما في الأسماء، لاشتراكهما في سفك الدماء.
ومنه قوله في الحكمة:
عقل المرء من حول ماله، وماله من حول صبره؛ فإذا افتقرت يده ذهبت بعقله، وإذا صبرت نفسه ذهبت بفقره.
ومنه قوله:
فروا وقد علموا أن العار مقرون بالفرار، لكنهم رأوا كلمه الأعراض أهون من كلمه الأعمار، وتلك نفس خدعت بالحياة الذليلة التي الموت ألذ منها طعما، وليس الموت إلا في أن تلاقي النفس ذلا، أو تفارق جسما؛ ولربما يسلا المهزوم
стр. 5009
بقول القائل: إن الأسد يغلبه (١) الأسود، وإن الحرب ليست بمضاء العزائم، وإنما هي بمضاء الحدود؛ وهذا القول مسلاة كاذبة لهم مكذوبة، ولولا العزم لم تر حصون مفتتحة، ولا جموع محزوبة، وبالجد يدرك الجد، ولولا القدح لم ينفث الزند، ولمّا جيء بأسرى القوم مننّا عليهم بإطلاق السراح، وقاتلت عنهم شيمة الصفح إذ لم تقاتل عنهم شيمة الصفاح، وحمية الآباء لا تقتل من لم يحوه مكر الطراد، ولا حمية صهوات الجياد؛ وأي فرق بين الأسير في عدم الدفاع، وبين أشباهه من ذوات القناع؟
ومنه قوله:
وما زال يزعج ديار الكفر بغزواته، حتى لم تهن حاملة بإتمامها، ولا متعت عينها بلذة منامها؛ فاسم القرور من نسائهم منسوخ بغارة المقربات الجياد، ولذيذ النوم بأرضهم مسلوب بإيقاظ جفون البيض الحداد.
ومنه قوله في بليغ:
إذا ارتجل أتته المعاني غير مكرهة ولا محرجة، وأبرزها كوامل الصور غير مخدجة، وإن تروى تهافتت على توقد خاطره تهافت الفراش، وجاءته سوانح وبوارح حتى تقول (٢): تكاثرت الظباء على خراش.
ومنه قوله في تكذيب أهل النجوم:
ولقد أوهم أهل التنجيم بالتسيير والتقويم، والحكم على أفعال العليم
стр. 5010
الحكيم، فأخبروا عن النجوم في سعودها ونحوسها، بما لم تخبره من نفوسها، وقضوا في ترتيب أبراجها، واختلاف مزاجها، وحكموا على حوادث العمر من حال وجوده إلى عدمه، في سعادته وشقائه وصحته وسقمه، وأشباه ذلك من الزخارف، التي نصبوها حبائل للاكتساب على غير ذوي الألباب، وكلها أضغاث أحلام، وأوضاع لا تخرج عن خط الأقلام.
ومنه قوله:
ولم أبك إلا عصر الشباب الذي هو في الأعمار بمنزلة الربيع من الأعوام، وما كنت أعرف كنه أمره حتى مضى، فرحلت معه الحياة بسلام (١)، فالأيام فيه غوافل، والسنون لقرب عهدها مراحل، ولم أقض وطرا إلا خلفت أندى منه مرتعا، وأحسن مرأى ومسمعا؛ أيام لا أعاقر خمرة إلا لمى، ولا وردة إلا خدا، ولا نقلا إلا فما، ولكأني ما كنت (٢) قمرا حلف إلا بالقدود وهيفها، والجفون ووطفها، وليالي الذوائب وسدفها، ووجوه الأقمار التي لا تشاب بكلفها، ولا يرى في غرر الشهور ولا منتصفها؛ فأصبحت قد بدلت غريب الأحوال بأليفها، وعوضت من نضرة الأوراق بيبس خريفها، فولى الصبا الآن بسلام، ولوعة ينبي بها الدمع السجام.
ومنه قوله فيمن قصر:
ولتقر تفاح الخدود، فلست من تقبيله غرا، ولا من عضه، اللهم غفرا، وقد ينطق المرء بما يكون فيه لسانه آثما وفعاله برا، ولولا حكم الفصاحة لما ذكرت بانة ولا علم، ولا وقف المتغزل بأقواله موقف التهم.