وأنا ذاكر من شعره ملحا (١)، أجيء بها على منطقة البروج مستفتحا، تحلّق بجناحي باز مطلّ وتخلّف الصّبا وراءها ذات نفس منقطع وأثر مضمحلّ. حكم تلقّفها ثّم ثقّفها ومعان اخترفها ثمّ لطّفها فيما عرّفها. رقّت مزاجا وراقت كالراح فامتزجت بالأرواح امتزاجا، بقية أسفار صقلتها صقل العيون، ونجيّة أفكار شفّت عنها مخيلات الظنون، ولولا أنّ الأدب كالدرهم والدينار لا يلتذّ به صاحبه إلاّ إذا طار لكانت هذه النفائس ممّا يضنّ به فلا تذال، وتغار عليه يدحوته فما تبذله ولو مثقالا بألف مثقال.
من ذلك قوله: [السريع]
أفدي الذي قال وفي كفّه … مثل الذي أشرب من فيه (٢)
الورد قد أينع في وجنتي … قلت: فمي باللّثم يجنيه
وقوله: [المنسرح]
بالله فضّ العقيق عن برد … برق أقاحيه من مدام فمه (٣)
وامسح غوالي العذار عن قمر … يعضّ بالورد خدّ ملتثمه (٤)
قل للسقام الذي بناظره … دعه وأشرك حشاي في سقمه
كلّ غرام تخاف فتنته … فبين ألحاظه ومبتسمه
وقوله: [السريع]
قد برّح الشوق بمشتاقك … فأوله أحسن أخلاقك (٥)
стр. 5567
لا تجفه وارع له حقّه … فإنّه خاتم عشّاقك
٢٤٣/ وقوله: [المنسرح]
ياليت عيني تحملّت ألمك … بل ليت نفسي تقسّمت سقمك (١)
وليت كفّ الطبيب إذ فصدت … عرقك أجرت من ناظريّ دمك
أعرته صبغ وجنتيك كما … تعيره إن لثمت من لثمك
طرفك أمضى من حدّ مبضعه … فالحظ به العرق وارتجز ألمك
وقوله: [الكامل]
هذا الهلال شبيهه في حسنه … كيف احتيالك من تأوّد غصنه (٢)
لولا حظتك جفونها بفتورها … أقسمت أنّك ما رأيت كحسنه
وقوله: [السريع]
ما بال عينيه وألحاظه … دائبة تعمل في حتفي (٣)
واها لذاك الورد في خدّه … لو لم يكن ممتنع القطف
أشكو إلى قلبك يا سيدّي … ما يشتكي قلبي من طرفي
وقوله: [السريع]
انثر على خدّي من وردك … ودع فمي يقطف من خدّك (٤)
وارحم قضيب البان وارفق به … قد خفت أن ينقدّ من قدّك
стр. 5568
وقل لعينيك بروحي هما … يخفّفان السقم عن عبدك (١)
وقوله: [الطويل]
فقد جعلت نفسي تقول لمقلتي … وقد قرّبوا - خوف التباعد - جودي (٢)
فليس قريبا من يخاف بعاده … ولا من يرجّى قربه ببعيد
وقوله: [السريع]
وغنج عينيك وما أودعت … أجفانها قلب شج وامق (٣)
ما خلق الرحمن تفاحتي … خدّك إلاّ لفم العاشق
لكنّني أمنع منها فما … حظّي إلاّ خلسة السارق
٢٤٤/ وقوله يمدح دائر بن يشكرور (٤): [البسيط]
وقد كفاني انتجاع الغيث معرفتي … بأنّ دائر لي من سيبه بدل (٥)
تجنّبت نشوات الخمر همّته … فأعلمتنا العطايا أنّه ثمل
وقوله في الصاحب بن عبّاد: [الطويل]
ولا ذنب للأفكار أنت تركتها … إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها (٦)
سبقت بأفراد المعاني وألّفت … خواطرك الألفاظ بعد شرادها
стр. 5569
فإن نحن حاولنا اختراع بديعة … حصلنا على معروفها ومعادها (١)
وقوله: [المنسرح]
لو قد تراني وقد ظفرت به … ليلا وستر الظلام منسدل (٢)
وخوّصت أعين الوشاة كما … جمّش معشوقه الفتى الغزل
فذاك مغف وذاك مختلط … يهذي وهذا كأنّه ثمل
وقلت يا سيدي بدا علم ال … صبح وكاد الظلام يرتحل
فبات يشكو وبتّ أعذره … وليس إلاّ العتاب والعلل
لخلتنا ثمّ شعبتي غصن … يوم صبا نلتوي ونعتدل
وقوله: [الخفيف]
في ليال كأنهنّ أمان … من زمان كأنّه أحلام (٣)
زمن مسعد وإلف وصول … ومنى يستلذّها الأوهام
وقوله يذكر بغداد: [الطويل]
يحنّ إليها كلّ قلب كأنّما … تشاد بحبات القلوب ربوعها (٤)
٢٤٥/ وكلّ ليالي عيشها زمن الصّبا … وكلّ فصول الدّهر فيها ربيعها
منها:
كأنّ خرير الماء في جنباتها … رعود عليها مزنة تستريعها (٥)
стр. 5570
إذا ضربتها الريح وانبسطت لها … ملاءة زهر فصّلتها وشيعها (١)
رأيت سيوفا بين أثناء أدرع … مذهّبة تخشى العيون لموعها (٢)
فمن صبغة البدر المنير نصولها … ومن نسج أنفاس الرياح دروعها (٣)
صفا عيشنا فيها وكادت لطيبها … تمازجها الأرواح لو تستطيعها
وقوله: [البسيط]
في كلّ يوم لعيني ما يؤرّقها … من ذكره ولقلبي ما يعذّبه (٤)
ما زال يبعدني عنه وأتبعه … ويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى أوت لي النّوى من طول جفوته … وسهّلت لي سبيلا كنت أرهبه
وما البعاد دهاني بل خلائقه … ولا الفراق شجاني بل تجنّبه
وقوله في حسن التخلّص (٥): [الطويل]
أقول وما في الأرض غير قرارة … تصافح روضا حولها متقاربا (٦)
أباتت يد الأستاذ بين رياضها … تدفّق أم أهدت إليك سحائبا
أألبسها أخلاقه الغرّ فاغتدت … كواكبها تجلو عليك كواعبا
أوشّت حواشيها خواطر فكره … فأبدت من الزّهر الأنيق غرائبا
أهزّ الصّبا قضبانه كاهتزازه … إذا لمست كفّيه كفّك طالبا
стр. 5571
أخالته يصبو نحوها فتزيّنت … تؤمّل أن يختار منها ملاعبا
وقوله: [الطويل]
ولمّا تداعت للغروب شموسهم … وقمنا لتوديع الفريق المغرّب (١)
٢٤٦/ تلقّين أطراف السجوف بمشرق … لهنّ وأعطاف الخدور بمغرب
فما سرن إلاّ بين دمع مضيّع … ولا قمن إلاّ فوق قلب معذّب
كأنّ فؤادي قرن قابوس راعه … تلاعبه بالفيلق المتأشّب
وقوله: [الخفيف]
ليلة للعيون فيها وللأس … ماع ما للقلوب والآمال (٢)
نظمت لي المدام فيها الأماني … مثل نظم الأمير شمس المعالي
وقوله فى العيادة: [الطويل]
بعيني ما يخفي الوزير وما يبدي … فنورهما من فضل نعمائه عندي (٣)
لأعدي تشكّيك البلاد وأهلها … وما خلت أنّ الشكو يعدي على البعد
ولم أدر بالشكوى التي عرضت له … ونعماه حتى أقبل المجد يستعدي
وما هي إلاّ من تلهّب ذهنه … توقّد حتى فاض من شدّة الوقد
وقوله من أخرى يهنؤه بالبرء: [الطويل]
تقسّمت العلياء جسمك كلّه … فمن أين فيه للسقام نصيب (٤)
стр. 5572
إذا ألمت نفس الوزير تألّمت … لها أنفس تحيا بها وقلوب
وليس شحوبا ما أراه بوجهه … ولكنّه في المكرمات ندوب
وقوله: [الطويل]
وما الشعر إلاّ ما استفزّ ممدّحا … وأطرب مشتاقا وأرضى مغاضبا (١)
أطاع فلم توجد قوافيه نفّرا … ولم تأته الألفاظ حسرى لواغبا
وفي الناس أتباع القوافي تراهم … يبثّون في آثارهنّ المقانبا
٢٤٧/ إذا لحظوا حرف الرويّ تبادروا … وقد تركوا المعنى مع اللفظ جانبا
وإن منعوا حرّ الكلام تطرقّوا … حواشيه فاحتالوا الضعيف المقاربا
ولكنّني أرمي بكلّ بديعة … تظلّ بألباب الرجال لواعبا
تسير ولم ترحل وتدنو وقد نأت … وتكسب حفّاظ الرجال المراتبا
ترى الناس إمّا مستهاما بذكرها … ولوعا وإمّا مستعيرا وغاصبا
أذود لئام الناس عنها وأتّقي … على حسبي إذ لم أصنها المعايبا
وأعضلها حتى إذا جاء كفؤها … سمحت بها مستشرفات كواعبا
وأيّ غيور لا يجيب وقد رأى … مكارمك اللاتي أتين خواطبا
وقوله: [الطويل]
ترى كلّ بيت مستقلاّ بنفسه … تباهي معانيه بألفاظه الغرّ (٢)
كأنّك إذ مرّت على فيك أفرغت … ثناياك في ألفاظها بهجة البشر
كفتنا حميّا الحمر رقّة لفظها … وأمّننا تهذيبها هفوة السّكر
وقوله من جواب: [الطويل]
стр. 5573
تنازعها قلبي مليّا وناظري … فأعطيت كلاّ من محاسنها شطرا (١)
تضاحكنا فيها المعاني فكلّما … تأملت منها لفظة خلتها ثغرا (٢)
فمن ثيّب لم تفترع غير خلسة … وبكر من الألفاظ قد زوجّت بكرا
فلا تشك أحداث الزمان فإنّني … أراه بمن يشكو حوادثه مغرى
وهل نصرت من قبل شكواك فاضلا … فتأمل منهنّ المعونة والنّصرا
وما غلب الأيّام إلاّ مجرّب … إذا غلبته غاية ألف الصبرا (٣)
٢٤٨/ وقوله: [الطويل]
يقولون لي فيك انقباض وإنّما … رأوا رجلا عن موقف الذلّ أحجما (٤)
وما زلت منحازا بعرضي جانبا … من الذمّ أعتدّ الصيانة مغنما
إذا قيل هذا مشرب قلت قد أرى … ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظما
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما … بدا طمع صيّرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي … لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم … ولو عظّموه في النفوس لعظّما (٥)
ولكن أهانوه فهان ودنسّوا … محيّاه بالأطماع حتى تجهّما
وقوله: [الطويل]
كأنّي ألاقي كلّ يوم ينوبني … بذنب وما ذنبي سوى أنّني حرّ (٦)
стр. 5574
إذا لم يكن عند الزمان سوى الذي … أضيق به ذرعا فعندي له الصّبر
وقالوا توصّل بالخضوع إلى الغنى … وما علموا أنّ الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرمّا … عليّ الغنى: نفسي الأبيّة والدهر
إذا قيل: هذا اليسر أبصرت دونه … مواقف خير من وقوفي بها العسر
إذا أقدموا بالوفر أقدمت قبلهم … بنفس فقير كلّ أخلاقه وفر
وما ذا على مثلي إذا خضعت له … مطامعه في كفّ من حظّه التبر
ومنهم:
٢٠ - أبو طالب، عبد السلام بن الحسين المأموني من أولاد المأمون (١)
بقية تلك السلالة، وشعلة تلك الذبالة، وآخر ذلك البحر الذي لم يبق منه إلاّ ملالة، والبدر الذي ذهب وبقي أثره في الهالة، والذكاء الذي لا يذكر معه ٢٤٩/ سواه إلاّ علالة، والكرم الذي لا يفضي إلى ملالة، والشرف الذي غني بنفسه فلا يحتاج إلى دلالة. أتى في هذا البيت ندره، وطلع شاعرا مدره، يذكر من سلفه الكريم منائح الآباء وقرائح الألبّاء، فطفق ينثر درّه، ويثير خواطر له عليها قدره، ومواطر له وقعت على النّهر لوشّح بجوهرها صدره، أو سقطت إلى غيور حيّي أسكن عربها الأبكار خدره، وزاد فخار العقب المأموني، وزان أقمار النسب الهاروني، وانتهى إليه ميراث فضل المأمون وحطّت لديه ركائب حموله، وشاد بذكره هو لا دعبل بعد طول خموله.
стр. 5575
وأثنى عليه صاحب اليتيمة (١) ثناء لو أنّه على الروض لما خاف أن يمشي بالنميمة.
ومن كلمه التي نقطف نوّارها، ونتحف بمجاج النّحل ثمارها، ويصرف دجى الليل ضوء مدامها المتوقّد إلاّ أنّه نورها لا نارها، قوله يذكر دارا بناها بعض الرؤوساء من قصيدة:
[الخفيف]
ضاقت الأرض عنك فارتدت ربعا … يسع البحر والحيا والسماحا (٢)
فهنيئا منها بدار حوت من … ك جبالا من الحلوم رجاحا
ذات صحن كرحب صدرك قد … زاد على ظنّ آمليك انفساحا (٣)
يغرس الصّيد في ذراها من ال … تقبيل غرسا فتجتنيه نجاحا
ما بكاء الرياض بالطلّ إلاّ … خجلا من رياضها وافتضاحا
وكأنّ الأبواب صحب تلاقي … ن انغلاقا ثمّ افترقن انفتاحا
وكأنّ الستور قد نقش الطاوو … س فيها من كلّ باب جناحا
وكأنّ الجامات فيها شموس … أطلعتها ذرى العباب صباحا
وبيوت كأنهنّ قلاع … مزمعات للنّيرين نطاحا
٢٥٠/ وقوله في المنارة: [الطويل]
وقائمة بين الجلوس على شوى … ثلاث فما تخطو بهنّ مكانا (٤)
على رأسها نجل لها لم تجنّه … حشاها ولا علّته قطّ لبانا
يشدّد في أعلاه كلّ دجنّة … يشقّ جلابيب الظلام سنانا
стр. 5576
وقوله في الحمّام: [الطويل]
وبيت كأحشاء المحبّ دخلته … ومالي ثياب فيه غير إهابي (١)
أرى محرما فيه وليس بكعبة … فما ساغ إلاّ فيه نزع ثيابي (٢)
بماء كدمع الصبّ في حرّ قلبه … إذا آذنت أحبابه بذهاب
توهّمت فيه قطعة من جهنّم … ولكنّها من غير مسّ عقاب
يثير ضبابا بالبخار مجلّلا … بدور زجاج في سماء قباب
وقوله في ماء بجليد: [الرجز]
ورائق مثل الهواء صاف … أسرع في الجسم من العوافي (٣)
فيه الجليد راسب وطافي … كأنّه ودائع الأصداف
وقوله في المنشفة: [المنسرح]
منشفة خملها تخال به … قد فتّ كافورة على طبق (٤)
كأنّما أنبتت خمائلها … ما ارتشفت من لآلئ العرق
وقوله في الباقلاء الأخضر: [مجزوء الرجز]
وباقلاء أخضر … مثل سموط الجوهر (٥)
أوساطه مخطفة … مثل خصور ضمّر
أطرافه مذروبة … مسروقة من أنسر
стр. 5577
وطرف كمخلب … وطرف كمنسر
٢٥١/ وقوله في العجّة: [المنسرح]
عندي للضيف عجّة شرقت … بدهنها فهي أعجب العجب (١)
قد عضّت النار وجهها وغدت … كياسمين بالورد منتقب
وقوله فى سمكة مشوية: [السريع]
ماوية في النار مصلوبة … يصبغ من فضّتها عسجد (٢)
كأنّما جلدتها جوشن … مزرفن الصّفة أو مبرد
وقوله في اللوزينج الرطب: [الطويل]
ولوزينج يعزى إلى الفرس خلته … بنان عروس في رقاق الغلائل (٣)
فإن حملت إحداه خمس حسبتها … زيادة كفّ بين خمس أنامل
وقوله فى التدرج: [الخفيف]
قد بعثنا بكلّ لون بديع … كنبات الربيع أو هي أحسن (٤)
في قناع من جلّنار وآس … وقميصين ياسمين وسوسن
وقوله في الجمر خبا بعد اشتعاله لهبا: [الخفيف]
أما ترى النّار كيف أسقمها القر … ر فأضحت تخبو وحينا تسعّر (٥)
стр. 5578
وغدا الجمر والرماد عليه … في قميصين مذهب ومعصفر
وقوله في البرد: [الطويل]
وبيضاء كالبّلور جاد بها الحيا … فأهوت تهادى بين أجنحة القطر (١)
تذوب كقلب الصبّ لكنّه جو … بنار هواه وهي مثلجة الصدر
وقوله في الأسطرلاب: [الخفيف]
٢٥٢/ وشبيه بالشمس يسترق ال … أخبار من بين لحظها في خفاء (٢)
فتراه أدرى وأعلم منها … وهي في الأرض بالذي في السماء
وقوله فيه: [السريع]
وعالم بالغيب من غير ما … سمع ولا قلب ولا ناظر (٣)
يقابل الشمس فيأتي بما … في ضمنها من خبر حاضر
كأنّها ناجته لّما بدا … بعينها بالفكر والخاطر
فألهمته علم ما يحتوي … عليه صدر الفلك الدائر
стр. 5579
ومنهم:
٢١ - الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمكير (١)
[توفي سنة ثلاث وأربعمائة] (٢). أمير لا يمارى، وملك بارى السحاب مدرارا، وسلطان تحضر يده ندى ويتلهّب فكره نارا، وجواد مطلق العنان أمن عثارا، وبطل يأتي بنجوم الظلام نثرا وهام الأبطال نثارا، وقائد جنود لا يطلب للمكاثرة أنصارا، ورائد وغى يرسل النّبل صمائم والرماح أغصانا والسيوف أنهارا، ومبيد عدى لا يدع منهم على الأرض ديّارا، وقاري ضيفان يوقد الدجنّة جل نار والأسنّة جلّنار. ذو خطّ ماذوى ولا انحطّ. كان يقول فيه الصاحب بن عباد: خطّ قابوس أم جناح طاووس. وقد وصفه العتبي ووصله بما اهتزّ له روضه الأدبيّ، كأنّ في كلّ قلب من خطّه شهوة، وفي كلّ ذوق من كلمه قهوة، لمعان تعب من يعانيها، ولعب من طلب بها اللّحاق وما قدر يدانيها، غضّة الأطراف، بضّة الأعطاف، رضّية الأوصاف، فضيّة الكؤوس بذهبيّ السلاف، وضيئة المخيلات الشراف. أجرى في الأفهام من الماء في المهنّدة الصقال، ٢٥٣/ وأسرى/ في الكلام من البرق في السّحب الثقال. منية أديب وغنية لبيب، وحلية نهار يوشّع طرفاه بالتهذيب، ورمية طرف يجرح القلب وهو لا يتنحّى عن طريق سهمه المصيب. طائر في البلاد كأنّما نصب له الهلال
стр. 5580
مصائد فخّه، سائر في الآفاق كأنّما لاق له الظلام دواته، وبرى البرق قلمه لنسخه ببدائع لو ولجت على الليل ستره لم يرخه، أو أشعلت حمر الشقيق ما قدر لافح الريح على نفخه.
ومن قوله الممتّع بشرخه وطوله الذي لا تقدر خيلاء الروض على بذخه: [البسيط]
قل للذي بصروف الدّهر عيرّنا … هل عاند الدهر إلاّ من له خطر (١)
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف … وتستقرّ بأقصى قعره الدّرر
وإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا … ونالنا من تمادي بؤسه الضّرر
ففي السماء نجوم مالها عدد … وليس يخسف إلاّ الشمس والقمر
وقوله: [البسيط]
بالله لا تنهضي يا دولة السّفل … وقصّري فضل ما أرخيت من طول (٢)
أسرفت فاقتصدي جاوزت فانصرفي … عن التهوّر ثمّ امشي على مهل
مخدّمون ولم تخدم أوائلهم … مخوّلون وكانوا أرذل الخول
وقوله: [الكامل]
خطرات ذكرك تستميل مودّتي … فأحسّ منها في الفؤاد دبيبا (٣)
لا عضو لي إلاّ وفيه صبابة … فكأنّ أعضائي خلقن قلوبا
ومنهم:
٢٢ - الأمير أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي (٤)
стр. 5581
٢٥٤/ فارع إمارة، وفارس إغارة، وفاره ميدان يردي جاره، ويردي مجاريه عاره، وقابس جذوة ترمي في كلّ خطفة بشرارة، وقابض درّ يوالي نثاره، وطويل باع يهجم على الأسد داره، وينتزع البدر من الدارة، وذكيّ قلب يصيب في كلّ إشارة، وحاضر خاطر لا تغيب له شارة، وحاضن لفظ لا يعيب ناقد الكلام له عبارة، ونديّ كفّ يمطر ديما، ويخضّر قلمه بلاغة وكرما. إن كتب فالورق وريق والخطّ كالخطّ (١) تثقيفا يعلوه بريق، والكرم جمّ لا يقع المزن في بحره بلّة ريق، والخطاب فصل لا يشتبه، والكتاب روضة من أعين زهرها منتبه وغير منتبه، وإن انتضى سيفه راع الجيش لمعه، وفضّ ما في الصدور وقعه وقصّ غريبا من قائل يرفضّ بالدم دمعه.
له نظم يسحر، ونثر يعجب من يتبحّر، وما كلّ من تأمّر على الأنام أمّر في أصناف الكلام ولكنّها مواهب توجد في الندرة بعد الندرة، وفضل من الله لا تتأهّل له كلّ فطرة، ولا تسري في كلّ فكرة، وهذا أبو الفضل من أولئك الأفراد، وواحد كالألوف في رئاسة العلم، وسياسة العباد. وهو يعاني من التجنيس ما يخفّ ويصوب ماؤه ولا يجفّ.
ومن أنموذج نسجه، وزهر مرجه، قوله: [الطويل]
стр. 5582
لقد راعني بدر الدّجي بصدوده … ووكّل أجفاني برعي كواكبه (١)
فيا جزعي مهلا عساه يعود لي … ويا كبدي صبرا على ما كواك به
وقوله: [الطويل]
عذيري من ريم رماني بسهمه … فلم يخط ما بين الحشى والترائب (٢)
فأصداغه يلسعنني كالعقارب … وألحاظه يفعلن فعل العقاربي
٢٥٥/ وقوله: [الخفيف]
إنّ لي في الهوى لسانا كتوما … وفؤادا يخفي حريق جواه (٣)
غير أنّي أخاف دمعي عليه … ستراه يبدي الذي ستراه
وقوله: [مجزوء الكامل]
ومهفهف يلهو بلب … ب المرء منه شمائل (٤)
فالردف دعص هائل … والقدّ غصن مائل
والخدّ نور شقائق … تنشقّ عنه خمائل
والطرف سيف ماله … إلاّ العذار حمائل
وقوله: [الكامل]
هبه تغيّر حائلا عن عهده … ورمى فؤادي بالصدود فأزعجا (٥)
стр. 5583
ما بال نرجسه تحوّل وردة … في خدّه والورد عاد بنفسجا
وقوله: [مجزوء الكامل]
فصد الطبيب ذراعه … فجرى له دمعي ذريعا (١)
وأمسّني وقع الحديد … بعرقه ألما وجيعا
فأريته من عبرتي … ما سال من دمّه نجيعا
وقوله: [الخفيف]
لم ألمه أن اتّقى بحجاب … ردّني واله الفؤاد لمابي (٢)
هو روحي وليس ينكر للرو … ح توار عن الورى بحجاب
وقوله: [الرجز]
ظبي يحار البرق في بريقه … غنيت عن إبريقه بريقه (٣)
ولم أزل أرشف من رحيقه … حتى شفيت القلب من حريقه
وقوله: [السريع]
كم والد يحرم أولاده … وخيره يحظى به الأبعد (٤)
كالعين لا تدرك ما حولها … ولحظها يدرك ما يبعد
وقوله: [الطويل]
بنفسي غزال صار للحسن كعبة … تحجّ من الفجّ البعيد وتقصد (٥)
стр. 5584
٢٥٦/ دعاني الهوى فيه فلبيّت طائعا … وأحرمت بالإخلاص والسعي يشهد
فجفني للتسهيد والدّمع قارن … وقلبي فيه للصّبابة مفرد
وقوله: [الطويل]
يصوغ لنا كفّ الربيع حدائقا … كعقد عقيق بين سمط لآلي (١)
وفيهنّ نوّار الشقائق قد حكى … خدود عذارى نقّطت بغوالي
وقوله: [الطويل]
وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجس … يقوم بعذر اللّهو عن خالع العذر (٢)
فأحداقه أقداح تبر وساقه … كأسوق ساق في غلائله الخضر (٣)
وقوله: [الرجز]
أما ترى الزهرة قد لاحت لنا … تحت هلال نوره نور اللّهب (٤)
ككرة من فضّة مجلوّة … أوفى عليها صولجان من ذهب
وقوله: [الخفيف]
عيّرتني ترك المدام وقالت … هل جفاها من الكرام لبيب (٥)
هي تحت الظلام نور وفي الأكباد … برد وفي الخدود لهيب
قلت: يا هذه عدلت عن النصّح … وما للرشاد فيك نصيب
стр. 5585
إنّها للستّور هتك وبالألبا … ب فتك وفي المعاد ذنوب
وقوله: [الخفيف]
خير ما استعصمت به الكفّ يوما … في سواد الخطوب عضب صقيل (١)
عن سؤال اللئام مغن وفي العظم … مغن وفي المنايا رسول (٢)
وقوله: [الخفيف]
خير ما استطرف الفوارس طرف … كلّ طرف لحسنه مبهوت (٣)
هو فوق الجبال وعل وفي السه … ل ظليم وفي المعابر حوت
٢٥٧/ وقوله: [الطويل]
أخلي أمّا الودّ منه فزائد … وألفاظه بين الحديث فرائد (٤)
إذا غاب يوما لم يغب عنه شاهد … وإن شهد ارتاحت إليه المشاهد
وقوله: [الكامل]
تمّت محاسنه فما يزري بها … مع فضله وسخائه وكماله (٥)
إلاّ قصور وجوده عن جوده … لا عون للرّجل الكريم كماله
وقوله: [الكامل المرفل]
يا دهر دع ظلم الكرام فهم … عقد لنحرك لو درى النّحر (٦)
стр. 5586
سالمهم واستبق ودّهم … فهم نجوم ظلامك الزّهر
وقوله: [الطويل]
دع الحرص واقنع بالكفاف من الغنى … فرزق الفتى ما عاش عند معيشه (١)
فقد تهلك الانسان كثرة ماله … كما يذبح الطاووس من أجل ريشه
وقوله: [البسيط]
متّع شبابك من لهو ومن طرب … ولا تصخ لملام سمع مكترث (٢)
فخير عيش الفتى ريعان جدّته … فالعمر من فضّة والشيب من خبث (٣)
وقوله: [الرجز]
ربّ جنين من حمى نمير … مهتّك الأستار والضمير (٤)
سللته من رحم الغدير … كأنّه صحائف البلّور
أو أكر تجسّمت من نور … أو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكا على الدهور … لعطلت قلائد النحور
أو أخجلت جواهر البحور … وسميّت ضرائر الثغور
يا حسنه في زمن الحرور … إذ قيظه مثل حشى المهجور
يهدي إلى الأكباد والصّدور … روحا تحاكي نفثة المصدور
стр. 5587
٢٥٨/ ومنهم:
٢٣ - أبو محمد، الحسن بن علي بن وكيع التنيسي (١)
صاحب لسان نضناض، وساحب ذيل فضفاض، وموشع برود كقطع الرياض، وموشي رقوم كالبرق في تطريز الإيماض، أو كورد خدّ استدار به آس عذار فاض، وأطلّ عليه نرجس الحدق المراض، وفدّته العيون بمثله من السواد والبياض. فضل يوجّه ما شاء من الحجّة، وينّبه من تاه على اتّباع المحجّة، وعلم لا يعيا بقطع منازع، وفهم عنده بصحّة الدليل لكلّ مجادل وازع. عارف بالأدب علما وعملا، وطائف في طرق الصناعة يسلك سبلها ذللا.
إذا ركب كلاما كان قيودا لكنّها لا تألف التعقيد، وقلائد إلاّ أنها كلّها فريد، ونجوما سعيدة وما كلّ نجم في السماء بسعيد، ودررا ما رأى الناس مثلها في بيوت قصيد، ولملكته في فنون الأدب، ونسلها إليه من كلّ حدب، واطلاعه على الأشعار وقالتها، وإحاطته منها بمعان عمه الناس في جهالتها. صنّف على شعر المتنبي كتابا سمّاه [المنصف] (٢) تكلّم فيه على سرقاته الفاضحة، ومآخذه الواضحة، ورماه بالأوابد، وأتى بنيانه من القواعد. أنبأ عن غزارة مدد، وكثرة حفظ لا يحصر بعدد. ومن وقف عليه علم بأنّ محلّ ابن وكيع كقدر البدر
стр. 5588
في فلكه الرفيع، وأمّا نظمه فكلّه بديع، منه
قوله: [الرمل]
غرّد الطيّر فنبّه من نفس … وأدر كأسك فالعيش خلس (١)
سلّ سيف الفجر من غمد الدجى … وتعرّى الصبح عن ثوب الغلس (٢)
وانجلى عن حلل فضيّة … نالها من ظلم الليل دنس (٣)
وقوله من مزدوجة: [الرجز]
ما العذر في السّلوة عن غزال … منقطع الأقران والأشكال (٤)
٢٥٩/ تستخلف الشمس لدى الزوال … ضياء خدّيه على الليالي
والشكل والخفّة في الأرواح … أملح ما يعشق في الملاح
من كان يهوى منظرا بلا خبر … فما له أوفق من عشق القمر
وقوله من أخرى يذكر فصل الربيع: [الرجز]
نهاره من أحسن النهار … في غاية الإشراق والإسفار (٥)
تضحك فيه الشمس من غير عجب … كأنّها في الأفق جام من ذهب
وليله مستلطف النّسيم … مقوّم في أحسن التّقويم
لبدره فضل على البدور … في حسن إشراق وفرط نور
كجامة البلّور في صفائها … أذابت الجراد في نقائها
стр. 5589
كأنّه إذا دنت من نحره … جوزاؤه قبل طلوع فجره (١)
رومّية حلّتها زرقاء … في الجيد منها درّة بيضاء
فيه يظلّ الطير في ترنّم … حاذقة باللحن لم تعلّم
غناؤها ذو عجمة لا يفهمه … سامعه وهو على ذا مغرمه (٢)
من كلّ دبسيّ له رنين … وكلّ قمريّ له حنين
في قرطق أعجل أن يورّدا … خاط له الخياط طوقا أسودا
هذا وفيه للرياض منظر … يفشي الثرى من سرّها ما يضمر
سرّ نبات حسنه إعلانه … إذا سواه زانه كتمانه
فيه ضروب للنبات الغضّ … يحكي لباس الجند يوم العرض
من نرجس أبيض كالثغور … كأنّه مخانق الكافور
٢٦٠/ وروضة تزهر من بنفسج … كأنّها أرض من الفيروزج
قد لبست غلالة زرقاء … قد كايدت بلبسها السّماء
تبصرها كثاكل أولادها … قد لبست من حزن حدادها
يضحك فيها زهر الشقيق … كأنّه مداهن العقيق
مضمّنات قطعا من السّبج … فأشرقت بين احمرار ودعج
كأنّما المحمرّ في المسوّد … منه إذا لاح عيون الرّمد
وارم بعينيك إلى البهار … فإنّه من أحسن الأنوار
كأنّه مداهن من عسجد … قد سمّرت في قضب الزبرجد
واشرب عقارا طال فينا كونها … يصفرّ من لون المزاج لونها (٣)
من كفّ ظبي من بني النصارى … ألبابنا في حسنه حيارى
стр. 5590
يبدي جمالا جلّ عن أن يوصفا … لو أنّه رزق حريص لاكتفى
وقوله: [الرجز]
وانظر إلى النارنج في بهجته … يلوح في أفنان هاتيك الشّجر (١)
مثل دبابيس نضار أحمر … أو كعقيق خرطت منه أكر (٢)
كأنّ زهر الباقلاء إذ بدا … لناظريه أعين فيها حور (٣)
كمثل ألحاظ اليعافير إذا … روّعها من قانص فرط الحذر
كأنّه مداهن من فضّة … أوساطها بها من المسك أثر
كأنّه سوالف من خردّ … قد زينّت بياضها سود الطّرر
وقوله في الخمر:
٢٦١/ خيالها جسمه لجين … وجسمها شخصه نضار (٤)
كأنّها تحته كميت … عليه من فضّة عذار
منها في الساقي: [مخلع البسيط]
كأنّ صدغا له تراه … وهو على خدّه مدار
ميدان آس بدا جنيّا … ألهب في جانبيه نار
وقوله: [الطويل]
فمن نرجس لّما رأى حسن نفسه … تداخله عجب بها فتبسّما (٥)
стр. 5591
وأبدى على الورد الجنيّ تطاولا … فأظهر غيظ الورد في خدّه دما
وقوله: [الوافر]
سلا عن حبّك القلب المشوق … فما يصبو إليك ولا يتوق (١)
جفاؤك كان عنك لنا عزاء … وقد يسلي عن الولد العقوق
وقوله: [المنسرح]
أبصره عاذلي عليه … ولم يكن قبل ذا رآه (٢)
فقال لي: لو هويت هذا … ما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنه … فليس أهل الهوى سواه
فظلّ من حيث ليس يدري … يأمر بالحبّ من نهاه
وقوله: [الكامل]
إن كان قد بعد اللقاء فودّنا … باق ونحن على النّوى أحباب (٣)
كم قاطع للوصل يؤمن ودّه … ومواصل بوداده يرتاب
وقوله: [الكامل]
يا من إذا لاحت محاسن وجهه … غفرت بدائعها جميع ذنوبه (٤)
والنّجم يعلم أنّ عيني في الدّجى … معقودة بطلوعه وغروبه
وقوله: [المجتث]
стр. 5592
وجلّنار بهيّ … ضرامه يتوقّد (١)
٢٦٢/ بدا لنا في غصون … خضر من الريّ ميّد
يحكي فصوص عقيق … في قبّة من زبرجد
وقوله: [الكامل]
ازهد إذا الدنيا أنالتك المنى … فهناك زهدك من فروض الدين (٢)
والزهد في الدّنيا إذا مارمتها … فأبت عليك كعفّة العنّين
وقوله: [الخفيف]
فحم شبّه الغلام وأدنى … في كوانينه حياة النفوس (٣)
كان كالأبنوس غير مجلّى … فغدا وهو مذهب الأبنوس
لقّي النار في ثياب حداد … فكسته مصبّغات عروس (٤)
ومنهم:
٢٤ - أبو عبد الله، الحسين بن أحمد بن الحجّاج (٥)
فاتح باب، ومانح لباب، وماتح بحر لا غدير ولا سحاب، ونازح فكر يجيء بكلّ معنى
стр. 5593
قريب، وبمنى أجنبيّ وما هو بغريب. فتح باب المجون ومنح منه اللّباب المصون، وجاء بغرائب ما سبق إليها ولا لحق فيها، وقد زوحم عليها، وكان في هذا الباب نظير امرئ القيس فى ذلك الباب كلّ منهما افترع بكرا عذراء مالها أتراب (١)، وأطلع حقيقة لا تتوارى بحجاب، ولا تصل إليها الأيدي وهي مطمعة أطماع السراب. جعل الهزل كالجّد الصريح، وكسا الباطل زخرفا حتى كأنّه الحقّ الصحيح، وأجاد في السّخف حتى استخفّ الوقور وهزّ المعاطف بنشأة المخمور، واخترع ملحا بها الإعجاب وما زاد على كلام الناس المتداول بينهم وفيه العجب العجاب.
وحكي أنّه كانت له في حارة الزطّ دار تجاورهم/ ٢٣٦/ ويتأدّى بها إلى سمعه تحاورهم، وكان يسمع من لغاتهم السخيفة ونزغاتهم الظريفة ما نظمه شعرا، وعلمه في بابل سحرا، وأعانه على هذا إقبال منه على الخلاعة وإقبال عليه نفّق له هذه البضاعة فكانت ملوك بني بويه وبني حمدان (٢) فمن دونهم لا تقبل منه مديحا حتى يكون السّخف غزله
стр. 5594
ولا يعجبها منه الجدّ إلاّ إذا كان الهزل أوّله، ولقد مدح بعضهم بقصيدة لطيفة يذوب غزلها وينوب عن لمى الشّفاه قبلها وعن ثغور الغيد المنظّمة مقبّلها. فلم يهشّ له الممدوح ولا جرى للبشاشة في قبولها روح، واستدعى المدح منه على طريقته المعهودة منه سلوكها المنضود به في ترائب اللّهو سلوكها، فلمّا أتى بها على منهجه قبلت وكثّرت وما قلّلت، فكان بعد هذا مقبلا على شأنه في هذا الأسلوب قائلا منه ما يأخذ بمجامع القلوب، على أنّ المجمع عليه أنّه كان على طريق حميدة من العفاف وسبيل ما طار به قزعة مع الخفاف، وإنّما كان يقول هذا تظرّفا يهصر جنّاته الألفاف وتلطّفا لا يطرأ على ورقاته الجفاف (١).
وقد قال عند موته لابنته، وقد هبب الهواء ثوبه عن سوءته: يا بنيّة غطّي سوءة ما عصت اللّه قط. وكان مقبوضا حتى غطّته فانبسط لكنّه كان رافضيا لا يسلم منه مذهبه، ولا يعلم منه في طرز الشعر ما ساء به مذهبه، وقد قيل إنّه رئي في النوم بعد موته فقيل له:
ما فعل الله بك؟ فقال: [من الرجز]
أفسد حسن مذهبي … في الشعر سوء مذهبي
وحملي الجدّ على … ظهر حصان اللّعب
لم يرض مولاي على … سبيّ لأصحاب النّبي
فلم ينكر أديب من أهل عصره أنّها شعره، وشبيهة بشعره (٢).
٢٦٤ وقد نقل أنّه أوصى أن/ يدفن عند رجلي موسى بن جعفر ﵉،
стр. 5595
ويكتب على قبره: [وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد] (١).
وقال الثعالبي (٢)، وقد أرخى العنان فيما اختار له على اختلاف الأوزان ممّا زان وخفّ على الأذهان، وقد ثقل في الميزان: ومحاسن ابن الحجاج لا تنتهي حتى ينتهى عنها.
ونحن الآن نذكر جوهره، ومن أبدع ما أثبته من سطره. قوله: [الخفيف]
جبل كنت في ذراه فزلّت … من ذراه برجلي الصّفراء
معرض كيف دار درت بوجهي … فهو شمس وعبده حرباء
وقوله: [الخفيف]
لا تسلني عن شرح حالي فإنّي … كالخرا الرّطب فوق رأس الماء (٣)
رجل فارغ المعا فارع الجوف … من الجوع ضامر الأحشاء
فأنا اليوم من ملائكة الدو … لة أحيا وحدي بغير غذاء
منها:
تشتكي خيله الوجى من سرى ال … ليل إلى كلّ غارة شعواء
فإذا ما أراحها ركض الخوف … بها في خواطر الأعداء
وقوله: [الخفيف]
ربّ ريح يوم الدواء دبور … وسوست في عصاعص الأغبياء (٤)
قدّروها فسا وقد كمن ال … جعس في مهبّ ذاك الفساء
стр. 5596
فإذا الفرش في خليج سلاح … ذائب في قوام جسم الماء
فاتّق الله أن يغرّك ريح … عصفت في جوانب الأحشاء
وقوله: [البسيط]
فديت من أبصرتني شبت مكتهلا … فأمعنت باستها من لحيتي هربا
٢٦٥/ يصبو خراها إلى عثنون عاشقها … كأنّ بين خراها واللّحى نسبا
كأنّ مبعرها في أصل شعرتها … بثق أعدّوا عليه الشوك والحطبا
تصمّ إن ضرطت أذن الرقيب فلا … عدمت فرقعة است تطرش الرقبا
ومدمج ذي خصى كالضرع محتقبا … ما مصّ مذ نحو شهرين ولا حلبا
كأنّه ثعلب في الكرم يطفر ما … بين العناقيد حتى يخرط العنبا
تشكّكت باستها فيه أمن خشب … قد صار أم هو شيء يشبه الخشبا
كأنّه ساجة لو شرّحت جعلت … لبعض أبواب أحجار النسا عتبا
وأنشدت بعد ما جسّته فقحتها … فما رأت ثمّ لا لحما ولا عصبا
أمسى يواثبني فى استي فأدّبني … أبعد خمسين منّي تبتغي الأدبا
منها فى الخمر:
حمراء يمسي بناني وهي فوق يدي … منها بمثل شعاع الشمس مختضبا (١)
وأربح الناس عندي في تجارته … محصّل يشتري بالفضة الذّهبا
وقوله: [الطويل]
فمن غادة ملتفّة الخصر شحمها … نديف على أردافها والحوالب
ومن أمرد تنزو الفياش على استه … إذا كظّها الإنعاظ نزو الجنادب
стр. 5597
وقوله: [المنسرح]
كأنّ شفريه عندما هدلا … شدق بعير مهنأ جرب
كأنّ ناسور باب مبعرها … عنقود كرم مزّيت العنب
كأنّما الأير فوق عصعصها … راكب جمّارة على قتب
٢٦٦/ ومنه قوله: [الخفيف]
خضبت رأسها ووجّهت … بسوء فها فكانت جوابي
وعلى رأسها ولا تصب الخصّ … ردا حائل بلون التراب
فتوهّمت رأسها من بعيد … قفصا فيه طائر عنّابي
وقوله: [الطويل]
وكان ولائي قبله مثل قبضة … من الريح في منقار عنقاء مغرب
وقوله: [مخلع البسيط]
وصيد زبّي لكسّ ستّي … ليس بناب ولا بمخلب
بخصية جلدها مدلّى … وفيشة رأسها مدبّب
أحسن من صيد ألف كلب … في كلّ يوم لألف أرنب
صبيّة بظرها بجنبي … يبيت مثل الصبي المحصّب
مفعول باب استها يأير ال … فاعل فوق الفراش ينصب
ومنه قوله: [المتقارب]
وأيّة دار تيمّمتها … تيمّم بوابها حجبتي (١)
فإن أنا زاحمت حتى أموت … دخلت وقد خرجت مهجتي
стр. 5598
فيدفعني الناس بعد الوصو … ل إليهم وقد فترت همّتي
وإن قدّموا خيلهم للركو … ب خرجت فقدّمت لي ركبتي
ولا لي غلام فأدعو به … سوى من أبوه أخو عمتي
وكنت برأس كظهر الغداف … فقد صرت أقرع من فيشتي
ومنه قوله: [الخفيف]
٢٦٧/ نطق الموت بك يدعو … ك وأنصارك الحضور سكوت
ليس ملك يزيله الموت ملكا … إنّما الملك ملك من لا يموت
ومنه قوله: [السريع]
رأيتها وهي على سطحها … قاعدة في جانب السطح
فقلت بالمزح وفي طبعها … فديتها صبر على المزح
أشعرة في السطح أم هذه … لحية فرعون على الصّرح
فتى له يوم الوغى راية … قد قسّت الأعداء بالقرح
قد كتب الإقبال في رأسها … أبشر بنصر الله والفتح
يجلو دجى الخطب بوجه له … يشرق فيه كوكب الصّبح
يا من إذا أجرى إلى غاية … فات إليها سرعة اللّمح
ومنه قوله: [المتقارب]
أتتك الوزارة تسعى إليك … بوجه عليه دليل النجاح
وقد زاحموك فما زعزعت … مناكب رضوى بمرّ الرياح
فكم ثمّ من رأس ذي لوثة … قد اعتدل اليوم بعد الطماح
وشعري لا بدّ من سخفه … ولا بدّ للدار من مستراح
стр. 5599
وقوله: [السريع]
خدّك نسرين وتفاح … والآس في صدغك قدّاح
وشعرك الليل ولكن لنا … في الليل من وجهك مصباح
يا ظالما قلبي إلى جوره … يحنّ مشتاقا ويرتاح
٢٦٨/ منها:
أفسدتني بعد صلاحي فهل … يرجى لإفسادك إصلاح
فتى له جود عميم الندى … حواله في الأرض سيّاح
نمسي كما تصبح في خيره … ما دام إمساء وإصباح
يحيى وينتاش بإحسانه … وبأسه يردي ويجتاح
إن وعد الوعد فإنجازه … لقفل باب الوعد مفتاح
إنّ المواعيد شخوص لها … مكارم الأفعال أرواح
وقوله في نخاس اشترى له جارية ووعده بالربح فيها وكتب عهدتها باسم طلحة غلام النّحاس: [السريع]
قل لأبي الفتح الذي لم تزل … أخلاقه طيّبة سمحه
ابتعت لي جارية ما اسمها … فرحة لكنّ اسمها قرحه
وقلت لي تربح في بيعها … غدا فقد أربحتني سلحه
وكيف يرجى الربح في عهدة … تكتب هذا ما اشترى طلحه
هيهات أن تخرج فروّجة … من بيضة فاسدة المحّه
فقل لمن يبتاعها إنّها … فارهة جيدة الفقحه
فسيحة السّرم ففي نيكها … الاست عند الفقها فسحه
عرّس بها الليلة واجعل عدا … ذقنك في باب استها صبحه
стр. 5600
وقوله: [السريع]
يا أيّها الأستاذ يا من له … خلائق بالحسن ممدوحه
است بن حجّاج على ضعفها … بذقن من يشناك منكوحه
٢٦٩/ قد وقع الصّلح الذي لم يكن … عنه لكم في الرأي مندوحه
لكنّه صلح بسين على … عنفقتي والسين مفتوحه
ومنه قوله: [مخلع البسيط]
مريضة المقلتين لكن … عين استها صلبة صحيحه
وذات بعل جوارح استي … من خوف عثنونه جريحه
مولاي هذي أبيات شيخ … في مدحكم جيّد القريحه
جاءتك من حضرة الأماني … ممدودة الكفّ مستميحه
فانزل على حكمها وإلاّ … صرنا جميعا بها فضيحه
ومنه قوله: [المتقارب]
ففي طبع أشعاره رقّة … فخاطره أبدا يسلح
وكم قد جرى في مدى مذهبي … أناس فأكدوا وما أفلحوا
رأوا غاية دونها مخرج … على حافتي بئره يطفح
فعادوا وقد جشّموا خطّة … عنافقهم تحتها تدلح
ومنه قوله: [مجزوء الكامل]
جاءتك من تعب ال … تكلّف والتعسّف مستريحه
مدح إذا أنشدته … استخففت في الإنشاد روحه
حلو وبعض الشعر في ال … إنشاد تعلوه ملوحه
стр. 5601
وقوله: [الخفيف]
ولها شعرة ولا زبد البحر بيا … ضا وعصعص كالمداد
وحر أشمط العذارين ألحى … فيه سمت النساك والعبّاد
٢٧٠/ عرّفيني أمّ الدواهي متى … كانت سيوف الخصى بلا أغماد
ومنه قوله: [البسيط]
ياباني المجد لّما انهدّ معظمه … وراعي الجود لّما أهمل الجود
إن يحسدوك على فضل خصصت به … فكلّ منفرد بالفضل محسود
فتحت ثغر المعالي وهو ممتنع … صعب وباب الأيادي وهو مسدود
مكارم لك قبل اليوم شيّدها … أجدادك الغرّ أو آباؤك الصّيد
فتى ينوب عن البيض الرقاق إذا … حلّت حباها إلى الموت الصناديد
رأي له محصد زرع النفوس به … في الحرب لا بسيوف الهند محصود
منها في ذكر الخمر:
من بنت كرم إذا استجليتها خجلت … فبان في وجه بنت الكرم توريد
مر لي بها وبصوت من مهفهفة … لها قوام كغصن البان مقدود
رود الشباب فإنّ الشيخ يعجبه … من الغواني الفتاة الطفلة الروّد
بنت العناقيد في فيها وقد سدلت … جعدا على رأسها منه عناقيد
وقوله: [المنسرح]
فرعاء من رأسها وأسفلها … تسحب شعرا حباله مسد
تجنّبت سرمها الفيّاش فما … يدقّ في كوّة استهاوتد
ومنعظ فوق سطح بيضته … بالليل أير كأنّه جرد
إذا تمطّى على الحشا انقلبت … بثغلها فى الحناجر المعد
стр. 5602
تحبل من أدخلته منه به … سرّا وفي وقت سلّه تلد
٢٧١/ حصنه جوف بيته عسس … يصفع فيه الحراس من وجدوا
فبات تحت اللحاف يجلدها … من فزع الصّفع وهو يرتعد
وقوله: [السريع]
وقال والوردة في كفّه … مع قدح أذكى من النّد (١)
اشرب هنيئا لك يا عاشقي … ريقي من كفّي على خدّي
ومنه قوله: [المنسرح]
دع عنك ذكر القتال كيف جرى … ومنهل القتل فيه مورود
والناس صرعى على رؤوسهم … سرادق للسيوف ممدود
ومنه قوله: [الخفيف]
إنّ هذا الزمان كان بصيرا … صير فّيا مهذّبا للنقود
ثمّ شاخ الدهر الذي يحبو … بين عاد وتبّع وثمود
واستمرّ العمى بعينيه حتى … أبدل الفضّة النّقا بالحديد
فلهذا ساد القرود وصرنا … نحن أذناب بعض تلك القرود
وقوله يعزّي أخاه عن بنت ماتت له: [الطويل]
وما الميت فافهم عن أخيك إذا مضى … سوى غائب عن أهله نازح المدى
فإن هو لم يلمم بنا اليوم قادما … قدمنا عليه نحن في داره غدا
ومنه قوله: [البسيط]
стр. 5603
زبّاء زرع استها يسقى بدالية … وبظرها واقف فى الزرع ناطور
كأنّ مبعرها في حلق فيشلتي … طوق على عنق كالدنّ مزرور
لها حر أشمط قد شاب مفرقه … عليه بظر طويل فيه تدوير
٢٧٢/ كأنّه شاغر قد جاء من حلب … شيخ على رأسه المحلوق طرطور (١)
واست لمبعرها عمق بلا سعة … كأنّها جبل في لحفه بير
تشمّ ريح استها فيش الزناة كما … تشمّ رائحة اللحم السنانير
على استها رقباء يزعقون بها … كما يصيح على الزرع النواطير
كأنّها وهم من حولها عسل … تحميه من خارج الكور الزنابير
منها:
إذا انثنت وغنّت خلت قامتها … غصن عليه قبيل الصّبح شحرور
والمدح كالقدر لا تمري وإن أكلت … إلاّ إذا طرحت فيها الأبازير
منها:
كأنّه زند مقطوع على سرق … في زنده الأيمن المقطوع ساجور
تبارك الله فالدّنيا كما زعموا … من استنام إليها فهو مغرور
تحلو مذاقا ولكن فوق تمرتها … لمن يقول بأكل التمر زنبور
ومنه قوله: [الطويل]
فتى فوق رأس المجد يسحب ذيله … ويوم الوغى يلقاه وهو مشمّر
إذا رام يوما غّرة من عدوّه … تأمّل قبل الورد من أين يصدر
بقلب له عينان: عين عن الهوى … تغضّ وعين في العواقب تنظر
стр. 5604
وقوله: [البسيط]
ظبي الكناس الذي في طرفه حور … أما لورد النّوى بعد النّوى صدر
قلبي بكفّك فانظر في تصفّحه … هل نال حظّك من سودائه بشر
الله جاد بني حمدان ما طلعت … شمس وما دار في أرجائها قمر
قوم يغضون من نوّ السّماك إذا … جادوا ويزرون بالشّعرى إذا افتخروا
٢٧٣/ بدور تمّ منيرات إذا جلسوا … وأسد غاب هصورات إذا [نفروا] (١)
لم يبق فيهم لمغترّبهم طمع … إلاّ عواطف حلم كلّما قدروا
من كلّ أغلب ما في جأشه خور … تحت العجاج ولا في باعه قصر
إنّ الأمير الذي أضحت شمائله … في الناس فاعلة ما يفعل المطر
أنحى على طخية الأحداث فانكشفت … كاللّيل جلّي دجى ظلمائه السّحر
بهمّة يشمل الدنيا تيقظها … فليس يعجزها بدو ولا حضر
يا ابن الذين تقصّوا في العلى أمدا … ما فوق غايته للنّجم مفتخر
رعيت سرب حماه وهو مخترم … واغتلت كيد عداه وهو معتكر
مضّر ما نار هذا وهي خامدة … ومطفئا نار هذي وهي تستعر
ملق على فلوات الأرض كلكله … في ظلّ أغلب ما في رأيه غرر
تنير تحت عجاج النّقع غرّته … كما ينير وراء الهالة القمر
وقوله في وصف شعره: [مخلع البسيط]
نسيمه منتن المعاني … كأنّني قلته بجحري (٢)
شعر يفيض الكنيف فيه … من جانبي خاطري وفكري
стр. 5605
لوجّد شعري رأيت فيه … كواكب الليل وهي تسري
وقوله: [المنسرح]
يوم رأينا الرايات قد وردت … بالنّصر بيضا وأصدرت حمرا
والخيل مثل السفين يسبح في … الدما شهبا وتنكفي شقرا
وقوله: [مجزوء الرجز]
من الجنان ريقها … وسرمها من سقر (١)
٢٧٤/ لها حر كأنّه … وجه غلام خزري
وشعرة أطرافها … شبه رؤوس الإبر
وهذه قصيدة … قد سال فيها قذري
تبيع في سوق الخرا … شواربا وتشتري
وقوله: [مخلع البسيط]
مع قينة لا تريد غيري … فهي تجيني بغير حذر
أيري مع أنّه طويل … أقصر من بظرها بشبر
وقوله: [مجزوء الكامل]
قد كنت قبل اليوم تط … لبني وتستدعي حضوري (٢)
وأرى الجفا بعد الوقا … مثل الفسا بعد البخور
ومنه قوله يصف فرسه: [مخلع البسيط]
يئنّ طول النهار تحتي … أنين شيخ به زحير